Полный текст (814 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
شهرين، وجبى أموالها وارتحل إِلى أرجان، وكان قد هرب إِليها ابن ياقوت، واسمه أبو بكر، فانهزم من بين يدي ابن بويه بغير قتال، فاستولى ابن بويه على أرجان في ذي الحجة، سنة عشرين وثلاثمائة، ثم سار ابن بويه إِلى النوبندجان، واستولى عليها في ربيع الآخر من هذه السنة أعني سنة إِحدى وعشرين وثلاثمائة ثم أرسل عماد الدولة، أخاه ركن الدولة، إِلى كازرون وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج أموالها، ثم كان منهم ما سنذكره إِن شاء الله تعالى.
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة
توفي أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد اللغوي، في شعبان. وولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وأخذ العلم عن أبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، وغيرهما، وكان فاضلاً شاعراً، نظم قصيدته المقصورة، المعروفة بمقصورة ابن دريد، وله تصانيف كثيرة في النحو واللغة، منها كتاب الجمهرة، وله كتاب الخيل. وكان ابن دريد قد ابتلى بشرب النبيذ، ومحبة سماع العيدان، قال الأزهري: دخلت على ابن دريد فوجدتهّ سكران، فلم أعد بعدها إِليه. قال ابن شاهين: كنا ندخل على ابن دريد، فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفى، وكان قد جاوز التسعين. وفيها توفي أبو هاشم بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي، ومولده سنة سبع وأربعين ومائتين، أخذ العلم عن أبيه، أبي علي، واجتهد حتى صار أفضل من أبيه. قال أبو هاشم: كان أبي أكبر مني باثنتي عشرة سنة، وكان موت أبي هاشم وابن دريد في يوم واحد، فقال الناس: اليوم دفن علم الكلام وعلم اللغة، ودفنا بمقابر الخيزران ببغداد.
وفيها توفي محمد بن يوسف بن مطر الفربري، وكان مولده سنة إِحدى وثلاثين ومائتين، وهو الذي روى صحيح البخاري عنه، وكان قد سمعه من البخاري عشرات ألوف، وهو منسوب إِلى فربر - بالفاء والراء المهملة المفتوحتين ثم باء موحدة من تحتها ساكنة وبعدها راء مهملة - وفربر المذكورة، قرية ببخارى، كذا نقله ابن الأثير في تاريخه الكامل، وقد ذكر القاضي شمس الدين بن خلكان، أن فربر المذكورة بلدة على طرف جيحون. وفيها توفي بمصر أبو جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة الأزدي الطحاوي، الفقيه الحنفي، انتهت إِليه رياسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، وكان شافعي المذهب، وقرأ على المزني، فقال له: والله لا جاء منك شيء.
فغضب الطحاوي من ذلك، وانتقل واشتغل بمذهب أبي حنيفة، وبرع فيه، وصنف كتباً مفيدة، منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء ومعاني الآثار، وله تاريخ كبير، وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة في هذه السنة استولى عماد الدولة بن بويه على شيراز.
خلع القاهر بالله وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، خلع القاهر، بسبب ما ظهر منه من الغدر، بطريف
стр. 282
والسبكري وغشه في اليمين بالأمان للذين قتلهم، وكان ابن مقلة مستتراً من القاهر، والقاهر يجتمع بالقواد ويغريهم به، وكان ابن مقلة يظهر تارة بزي عجمي، وتارة بزي مكدي. وأعطى لبعض المنجمين مائة دينار، ليقول للقواد أن عليه قطعاً من القاهر، وكذلك أعطى لبعض معبري المنامات، ممن كان يعبر المنامات لسيما القائد، أنه إذا قص عليه سيما مناماً، يعبره بما يخوفه به من القاهر، ففعلوا بذلك، فاستوحش سيما مقدم الساجية، وغيره من القاهر، واتفقوا على القبض على القاهر، فاجتمعوا وحضروا إِليه، وكان القاهر قد بات يشرب أكثر ليلته، وهو سكران نائم، فأحدقوا بالدار، فاستيقظ القاهر مخموراً، وأوثقت الأبواب عليه، فهرب إلى سطح حمام هناك، فتبعوه وأخذوه، وأتوا به إِلى الموضع الذي فيه طريف السبكري، فأخرجوا طريفاً وحبسوا القاهر موضعه، ثم سملوا عيني القاهر، وكانت خلافته سنة واحدة وستة أشهر وثمانية أيام.
خلافة الراضي بالله
وهو العشرون من خلفاء بني العباس. لما قبض على القاهر، كان أبو العباس أحمد بن المقتدر ووالدته محبوسين، فأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر، وسلموا عليه بالخلافة ولقبوه الراضي بالله، وبويع بالخلافة يوم الأربعاء، لست خلون من جمادى الأولى. في هذه السنة، أعني سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وأشار سيما القائد بوزارة ابن مقلة، فاستوزره الراضي بالله، وراودوا القاهر أن يشهد عليه بالخلع، فامتنع وهو في الحبس أعمى.
وفاة المهدي العلوي صاحب إِفريقية
وولاية ولده القائم
في هذه السنة، في ربيع الأول، توفي المهدي عبيد الله العلوي الفاطمي بالمهدية، وأخفى ولده القائم أبو القاسم محمد موته سنة، لتدبير ما كان له، وكان عمر المهدي ثلاثاً وستين سنة، وكانت ولايته أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً، ولما أظهر ابنه القائم وفاته بايعه الناس واستقرت ولايته.
قتل ابن الشلمغاني
وحكاية شيء من منصبه الخبيث
في هذه السنة، قتل محمد بن علي الشلمغاني، وشلمغان المنسوب إِليها، قرية بنواحي واسط وأحدث مذهباً مداره على حلول الإلهية، والتناسخ، والتشيع، وقيل إِنه اتبعه على ذلك الحسين بن القاسم بن عبيد الله، الذي وزر للمقتدر، واتبعه أيضاً أبو جعفر، وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وكان محمد الشلمغاني وأصحابه مستترين.
فظهر في شوال من هذه السنة، أعني سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فأمسكه ابن مقلة الوزير، فأنكر الشلمغاني مذهبه، وكان أصحابه يعتقدون فيه الإلهية، فأمسك وأحُضر إِلى عند الراضي، وأمسك معه ابن أبي عون، وابن عبدوس، فأمروهما بصفع الشلمغاني فامتنعا، فلما أُكرِها،
стр. 283
مد ابن عبدوس يده وصفعه، وأما ابن أبي عون فإنه مد يده ليصفعه فارتعدت يده، فقبل لحية الشلمغاني ورأسه، وقال: إلهي وسيدي ورازقي. فقالوا للشلمغاني: أما قلت إنك لم تدع الإلهية؟ فقال: إني ما ادعيتها قط وما عليّ من قول ابن أبي عون عني مثل هذا: ثم اصرفا وأحضر الشلمغاني عدة مرات بحضور الفقهاء، وآخر الأمر إِن الفقهاء أفتوا بإباحة دمه، فصلب ابن الشلمغاني وابن أبي عون، في ذي القعدة من هذه السنة، وأحرقا بالنار، فمن مذهبه، لعنه الله، أنّ الله يحل في كل شيء على قدر ما يحتمله ذلك الشيء، وأن الله خلق الضد ليدل به على المضدود، فحلّ الله في آدم، وفي إِبليس أيضاً، وكلاهما ضد لصاحبه، ومن مذهبه: أنّ الدليل على الحق، أفضل من الحق، وأن الضد أقرب إِلى الشيء من شبهه، وأن الله إِذا حلّ في جسد ناسوتي، أظهر فيه من القدرة ولمعجزة ما يدل على أنه هو، وأنّ الإلهية اجتمعت في نوح وإبليسه، ثم افترقت بعده، ثم اجتمعت في صالح وإبليسه، عاقر الناقة، ثم افترقت بعده، ثم اجتمعت في إِبراهيم وإبليسه نمرود، ثم افترقت بعدهما، وكذلك القول في هارون وفرعون، ثم في سليمان وإبليسه، ثم في عيسى وإبليسه، ثم افترقت في الحواريين، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه. ومن مذهبه: أنه من احتاج الناس إِليه، فهو إِله، ومن مذهبه ومذهب أصحابه: أنهم يسمون موسى ومحمداً صلوات الله عليهما وسلامه، الخائنين، لأن هارون وعلياً، أرسلا موسى ومحمداً فخاناهما، وأن علياً أمهل محمداً ﷺ عدة سني أصحاب الكهف، وهي ثلاثمائة وخمسون سنة، فإِذا انقضت، انتقلت الشريعة. ومن مذهبه ترك الصلاة والصوم، وغيرهما من العبادات، ويبيحون الفروج، وأن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه، وأنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول، ليولج النور فيه، وأنه من امتنع من ذلك، قلب في الدور الثاني امرأة، إِذ كان مذهبهم التناسخ، ولعل هذه المقالة هي المقالة النصرية.
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة قتل إسحاق بن إِسماعيل النوبختي، قتله القاهر قبل أن يخلع، وكان النوبختي المذكور، هو الذي أشار باستخلافه وفي هذه السنة سار الدمستق إلى بلاد الإسلام، ففتح ملطية بالأمان، بعد حصار طويل، وأخرج هلها، وأوصلهم إِلى مأمنهم، وذلك في مستهل جمادى الآخرة، وفعل الروم الأفعال القبيحة بالمسلمين، وصارت أكثر البلاد في أيديهم. وفي هذه السنة توفي أبو نعيم الفقيه الجرجاني الأستراباذي، وأبو علي محمد الروزباري الصوفي. وفيها توفي حسين ابن عبد الله النساج الصوفي، من أهل سامراء، وكان من الأبدال، ومحمد بن علي بن جعفر الكتاني الصوفي المشهور، وهو من أصحاب الجنيد.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
стр. 284
قتل مرداويج بن زيار
في هذه السنة قتل مرداويج الديلمي، صاحب بلاد الجبل وغيرها وسبب ذلك: أنه لما كان ليلة الميلاد، من هذه السنة، أمر بأن تجمع الأحطاب وتلبس الجبال والتلال، وخرج إِلى ظاهر أصفهان لذلك، وجمع ما يزيد عن ألفي طائر من الغربان، ليعمل في أرجلها النفط، ليشعل ذلك كله ليلة الميلاد، وأمر بعمل سماط عظيم، فيه ألف فرس، وألفا رأس بقر، ومن الغنم والحلوى شيء كثير، فلما استوى ذلك ورآه، استحقره وغضب على أهل دولته، وكان كثير الإِساءة إِلى الأتراك الذين في خدمته، فلما انقضى السماط، وإيقاد النيران، وأصبح ليدخل إِلى أصفهان، اجتمعت الجند المخدمة، وكثرت الخيل حول خيمته، فصار للخيل صهيل وغلبة حتى سمعها فاغتاظ، وقال: لمن هذه الخيل القريبة؟ فقالوا للأتراك. فأمر أن توضع سروجها على ظهور الأتراك، وأن يدخلوا البلد. كذلك، ففعل بهم ذلك فكان له منظر قبيح استقبحه الديلم والترك، فازداد حنق الأتراك عليه، ورحل مرداويج إلى أصفهان وهو غضبان، فأمر صاحب حرسه أن لا يتبعه في ذلك اليوم، ولم يأمر أحداً غيره ليجمع الحرس، ودخل الحمام، فانتهزت الأتراك الفرصة، وقتلوه في الحمام، وكان مرداويج قد تجبر وعتا، وعمل لأصحابه كراسي فضة يجلسون عليها، وعمل لنفسه تاجاً مرصعاً على صفه تاج كسرى، ولما قُتل قام بالأمر بعده أخوه وشمكير بن زيار.
فتنة الحنابلة ببغداد وفيها عظم أمر الحنابلة على الناس، وصاروا يكبسون دور القواد والعامة فإن وجدوا نبيذاً أراقوه، وإن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، وفي مشي الرجال مع الصبيان، ونحو ذلك، فنهاهم صاحب الشرطة عن ذلك، وأمر أن لا يصلي منهم إِمام إِلا إِذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم فلم يفد فيهم، فكتب الراضي توقيعاً ينهاهم فيه، ويوبخهم باعتقاد التشبيه، فمنه: إنكم تارة تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، وهيئتكم على هيئته، وتذكرون له الشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، وعدد فيه قبائح مذهبهم، وفي آخره أن أمير المؤمنين يقسم قسماً عظيماً، لئن لم تنتهوا، ليستعملن السيوف في رقابكم، والنار في منازلكم ومحالكم.
ولاية الأخشيدية مصر وفي هذه السنة، تولى الأخشيدية وهو محمد بن طفج بن جف، مصر، من جهة الراضي. وكان الأخشيد المذكور قبل ذلك، قد تولى مدينة الرملة سنة ست عشرة وثلاثمائة من جهة المقتدر، وأقام بها إلى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة فوردت إليه كتب المقتدر بولايته دمشق،
стр. 285
فسار إليها وتولاها، وكان حينئذ المتولي على مصر أحمد بن كيغلغ، فما تولى الراضي، عزل أحمد بن كيغلغ، وولى الأخشيد المذكور مصر، وضم إليها البلاد الشامية، فسار الأخشيد من الشام إلى مصر، واستقر بها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
قتل أبي العلاء بن حمدان كان ناصر الحسن بن عبد الله بن حمدان، هو أمير الموصل وديار ربيعة، وكان أول من تولى الموصل منهم، أبو ناصر الدولة المذكور، وهو عبد الله، وكنيته أبو الهيجاء، ولاه عليها المكتفي، وقيل أبو الهيجاء المذكور ببغداد، في المدافعة عن القاهر، لما قبض عليه، وكان ابنه ناصر الدولة المذكور نائباً عنه بالموصل، واستمر بها إلى هذه السنة، فضمن عمه أبو العلاء بن حمدان مابيد ابن أخيه، من ديوان الخليفة، بمال يحمله، وسار أبو العلاء إلى الموصل، فقتله ابن أخيه ناصر الدولة، فلما بلغ الخليفة ذلك، أرسل عسكراً إلى ناصر الدولة مع ابن مقلة الوزير، فلما وصل إلى الموصل، هرب ناصر الدولة، ولم يدركه، فأقام ابن مقلة بالموصل مدة، ثم عاد إلى بغداد، فعاد ناصر الدولة إلى الموصل، وكتب إلى الخليفة يسأله الصفح، وضمن الموصل بمال يحمله، فأجيب إلى ذلك.
فتح جنوة وغيرها وفي هذه السنة سير القائم العلوي صاحب المغرب جيشاً من إفريقية في البحر، ففتحوا مدينة جنوة، وأوقعوا بأهل سردانية، وعادوا سالمين.
غير ذلك من الحوادث
فيها استولى عماد الدولة بن بويه على أصفهان، وبقي هو وشمكير يتنازعان تلك البلاد، وهي أصفهان، وهمذان، وقم، وقاشان، وكرج، والري، وكنكور، وقزوين وغيرها. وفي هذه السنة في جمادى، شغب الجند ببغداد، ونقبوا دار الوزير، وهرب الوزير وابنه إلى الجانب الغربي، ثم راضوهم فسكنوا. وفيها توفي إبراهيم ابن محمد بن عرفة، المعروف بنفطويه النحوي الواسطي، وله مصنفات، وهو من ولد المهلب بن أبي صفرة، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وفيه يقول الشيخ محمد بن زيد بن علي المتكلم:
من سره أن لا يرى فاسقاً ... فليجتهد أن لا يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صراخاً عليه
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة في هذه السنة، قبض الحجرية والمظفر بن ياقوت على الوزير ابن مقلة، لما حضر إلى دار الخلافة على العادة، وأرسلوا أعلموا الخليفة، فاستحسن ذلك، ثم اتفقوا
стр. 286
على وزارة علي بن عيسى، فامتنع، فولوا الوزارة أخاه عبد الرحمن بن عيسى، ثم قبض عليه، وولوا الوزارة أبا جعفر محمد بن قاسم الكرخي. وفي هذه السنة قطع ابن رائق حمل واسط والبصرة، وقطع البديدي حمل الأهواز وأعمالها، فضاقت أموال بغداد، وعجز أبو جعفر الوزير فعزلوه، وكانت ولايته ثلاثة أشهر ونصف، واستوزر سليمان بن الحسن، ودام الحال على توقفه، فراسل الخليفة محمد بن رائق وهو بواسط يستقدمه ليقوم بالأمور وقلده إمارة الجيش، وأمر أن يخطب له على المنابر، وقدم ابن رائق بغداد في أواخر ذي الحجة من هذه السنة، وكان ابن رائق قد أمسك ساجية قبل دخوله إلى بغداد، فاستوحشت الحجرية منه، ومن حين دخل ابن رائق بطلت الوزارة من بغداد، وبقي ابن رائق هو الناظر في الأمور جميعها، وتغلب عمال الأطراف عليها، ولم يبق للخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم فيها لابن رائق، وليس للخليفة فيها حكم، وأما باقي الأطراف فكانت البصرة في يد ابن رائق المذكور.
وخورستان في يد البريدي. وفارس في يد عماد الدولة ابن بويه. وكرمان في يد أبي علي محمد بن إلياس. والري وأصفهان والجبل في يد ركن الدولة ابن بويه ويد وشمكير ابن زيار أخي مرداويج، يتنازعان عليها. والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان. ومصر والشام في يد الأخشيد محمد بن طغج والمغرب وإفريقية في يد القائم العلوي ابن المهدي. والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الأموي الملقب بالناصر. وخراسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد بن سامان الساماني. وطبرستان وجرجان في يد الديلم. والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، استقدم محمد بن رائق الفضل بن جعفر بن الفرات، وكان على خراج مصر والشام، فقدم بغداد وتولى الوزارة لابن رائق والخليفة. وفي هذه السنة قلد الخليفة محمد بن طغج مصر وأعمالها، مضافاً إِلى ما بيده من الشام بعد عزل أحمد بن كيغلغ عن مصر. وفي هذه السنة ولد عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو ابن ركن الدولة الحسن بن بويه بأصفهان. وفيها توفي جحظة البرمكي من ولد يحيى بن خالد بن برمك، وكان عارفاً بفنون شتى من العلوم. وفيها توفي عبد الله ابن أحمد بن محمد بن المفلس الفقيه الظاهري، صاحب التصانيف المشهورة، وعبد الله بن محمد الفقيه الشافعي النيسابوري، ومولده سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وكان قد جالس الربيع والمزني ويونس، أصحاب الشافعي، وكان إماماً.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة في هذه السنة، أشار محمد بن رائق على الراضي بالمسير معه إِلى واسط، لحرب ابن البريدي، فأجابه، وسار الراضي إِلى واسط،
стр. 287
وأمسك ابن رائق بعض الأجناد الحجرية، وأجاب ابن البريدي إِلى ما طلب منه، ثم عاد الراضي وابن رائق إِلى بغداد، ثم نكث أبو عبد الله بن البريدي عما أجاب إِليه، فأرسل ابن رائق عسكراً مع بجكم، واقتتل مع أبي عبد الله بن اليريدي، فانهزم ابن البريدي إِلى عماد الدولة بن بويه، وطمّعه في العراق وهون عليه أمر الخليفة.
غير ذلك من الحوادث
وفي هذه السنة، أساء عامل صقلية السيرة، وظلم، وكان عاملاً للقائمَ العلوي، واسمه سالم بن راشد فعصت عليه جرجنت، من صقلية، وكتب إِلى القائم بذلك، فجهز إِليه عسكراً وحاصروا جرجنت، فاستنجد أهل جرجنت بملك قسطنطينية فأنجدهم، ودام الحصار إِلى سنة تسع وعشرين، فسار بعض أهلها، ونزل الباقون بالأمان، فأخذوا كبارهم وجعلوهم في مركب، ليقدموا على القائم بإفريقية، فلما توسطوا اللجة، أمر مقدم جيش القائم فنقب مركبهم، وغرقوا عن آخرهم. وفيها توفي عبد الله بن محمد الخزاز النحوي، وله تصانيف في علوم القرآن.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة في هذه السنة سار معز الدولة بأمر أخيه عماد الدولة ابن بويه إِلى الأهواز، وتلك البلاد، فاستولى عليها، وكان سبب ذلك مسير ابن البريدي إلى عماد الدولة كما أشرنا إليه.
قطع يد أبي علي ابن مقلة وكان سببه: أنه سعى في القبض على ابن رائق، وإقامة بجكم موضعه وعلم ابن رائق بذلك، فحبسه الراضي لأجل ابن رائق وترددت الرسل بين الراضي وبين ابن رائق في معنى ابن مقلة مرات عدة، وآخرها أنهم أخرجوا ابن مقلة فقطعوا يده في منتصف شوال، وعولج فبرأ، وعاد يسعى في الوزارة، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب، ثم بلغ ابن رائق سعيه، وأنه يدعو عليه وعلى الراضي، فأمر بقطع لسانه، فقطع، وضيق عليه في الحبس، ثم لحق ابن مقلة مع ما هو فيه الذرب، ولم يكن عنده في الحبس من يخدمه، فقاسى شدة إِلى أن مات في الحبس، في شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ودفن بدار الخليفة، ثم إِن أهله سألوا فيه فنبش وسلم إِليهم، فدفنوه في داره، ثم نبش ونقل إِلى دار أخرى، ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء: المقتدر، والقاهر، والراضي. وسافر ثلاث سفرات، اثنتين إِلى شيراز، وواحدة في وزارته إِلى الموصل، ودفن بعد موته ثلاث مرات.
استيلاء بجكم على بغداد وفي هذه السنة، سار بجكم من واسط إِلى بغداد، غرة ذي القعدة، وجهز ابن رائق إِليه عسكراً، فهزمهم بجكم، ولما قرب من بغداد هرب ابن رائق إِلى عكبراَ، واستتر، ودخل
стр. 288
بجكم بغداد ثالث عشر ذي القعدة، فخلع عليه الراضي وجعله أمير الأمراء، وكانت مدة إِمارة ابن رائق سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوماً، وهذا بجكم كان مملوكاً لوزير ماكان بن كاكي الديلمي. ثم أخذه ما كان منه، ثم إنه فارق ماكان مع من فارقه، ولحق بمرداويج، ثم كان في جملة من قتل مرداويج، ثم سار إلى العراق واتصل بخدمة ابن رائق، وانتسب إِليه حتى كتب على رايته الرائقي وسيره ابن رائق إلى الأهواز فاستولى عليها، وطرد ابن البريدي، ثم لما استولى ابن بويه على الأهواز، سار بجكم إِلى واسط. ثم سار إِلى بغداد، فطرد ابن رائق واستولى على بغداد وعلى حضرة الخليفة.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة فسد حال القرامطة، ووقع بينهم الفتن والقتل، فاستقروا في هجر.
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة فيها سار بجكم والراضي إِلى الموصل، فهرب ناصر الدولة بن حمدان عنها، ثم حمل مالاً واستقر الصلح معه، ثم عاد الخليفة وبجكم إلى بغداد، وظهر ابن رائق مع جماعة انضموا إِليه ببغداد، قبل وصول الخليفة إِليها، فخافه الخليفة وبجكم، ثم استقر الحال على أن يولي على حرّان والرها وقنسرين والعواصم، فسار ابن رائق واستولى عليها.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، عصى أمية بن إسحاق على عبد الرحمن الأموي بشنترين واستنجد بالجلالقة، فأنجدوه وهزموا المسلمين، ثم التقوا مرة ثانية، فانهزمت الجلالقة وكثر القتل فيهم، وطلب أمية المذكور الأمان من عبد الرحمن الأموي، فأمنه. وفيها مات عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، صاحب الجرح والتعديل، وعثمان بن خطاب أبو الدنيا، المعروف بالأشج، الذي يقال إِنه لقي علي بن أبي طالب، وله صحيفة تروى عنه ولا تصح، وقد رواها كثير من المحدثين على علم منهم بضعفها. وفيها توفي محمد بن جعفر بمدينة يافا، صاحب التصانيف المشهورة كاعتلال القلوب وغيره. وفيها توفي الكعبي المعتزلي، واسمه عبد الله ابن أحمد بن محمود، وكنيته أبو القاسم وهو صاحب مقالة.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
استيلاء ابن رائق على الشام
وفي هذه السنة، استولى ابن رائق على الشام، فاستولى على دمشق وحمص، وطرد بدراً نائب الأخشيد، وسار حتى بلغ العريش يريد الديار المصرية، فخرج إِليه الأخشيد وجري بينهم قتال شديد، آخره أن ابن رائق انهزم إِلى دمشق ثم جهز الأخشيد إِليه جيشاً مع
стр. 289
أخيه، واقتتلوا، فانهزم عسكر الأخشيد، وقتل أخوه فأرسل ابن رائق يعزي الأخشيد في أخيه ويقول له: إِنه لم يقتل بأمري. وأرسل ولده مزاحم وقال: إِن أحببت فاقتل ولدي به، فخلع الأخشيد على مزاحم وأعاده إلى أبيه، واستقرت مصر للأخشيد، والشام لمحمد بن رائق.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة قتل طريف السبكري بالثغر، وفيها توفي محمد الكسليني - بالنون - وهو من أئمة الإمامية، ومحمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ المقري، وأبو محمد المرتعش، وهو من مشايخ الصوفية، وفيها توفي أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري، وهو مصنف كتاب الوقف والإبتداء الإمام المشهور في النحو والأدب، وكان ثقة وولد سنة إحدى وسبعين ومائتين وفيها توفي أبو عمر أحمد بن عبد ربه بن حبيب القرطبي، مولى هشام بن عبد الرحمن الداخل إِلى الأندلس، الأموي، وكان من العلماء المكثرين من المحفوظات وصنف كتابه العقد، وهو من الكتب النفيسة، ومولده في سنة ست وأربعين ومائتين. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
موت الراضي بالله وفي هذه السنة، في منتصف ربيع الأول مات الراضي بالله، أبو العباس أحمد ابن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق طلحة. وكانت خلافته ست سنين وعشرة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة وكان مرضه علة الاستسقاء وكان أديباً شاعراً فمن شعره:
يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي فيحمر وجهه خجلاً
حتى كأن الذي بوجنته ... من دم وجهي إِليه قد نقلا
ومن شعره أيضاً من أبيات:
كل صفو إِلى كدر ... كل أمن إِلى حذرْ
أيها الآمن الذي ... تاه في لجة الغرر
أينَ مَنْ كان قبلنا ... درسَ العينُ والأثرْ
درً در ُالمشيب من ... واعظٍ يُنذر البشرْ
وكان الراضي سخياً، يحب الأدباء والفضلاء وكان سنان بن ثابت الصابي الطبيب من جملة ندماء الراضي وجلسائه، وكان الراضي أسمر خفيف العارضين، وأمه أم ولد، اسمها ظلوم، وهو آخر خليفة له شعْر يدون، وآخر خليفة خطب كثيراً على منبر، وإن كان غيره قد خطب، فإِنه كان ناَدراً، لا اعتبار به، وكان آخر خليفة جالس الجلساء، وآخر خليفة كانت نفقته، وجراياته وخزانته، ومطابخه، وأموره، على ترتيب الخلفاء المتقدمين.
стр. 290
خلافة المتقي لله
وهو حادي عشرينهم، لما مات الراضي، بقي الأمر موقوفاً، انتظاراً لقدوم أبي عبد الله الكوفي، كاتب بجكم، من واسط، وكان بجكم بها أيضاً، واحتيط على دار الخلافة، فورد كتاب بجكم مع أبي عبد الله الكوفي، كاتب بجكم، يأمر فيه أن يجتمع مع أبي القاسم، سليمان بن الحسن، وزير الراضي، كل من تقلد الوزارة، وأصحاب الدواوين والعلويون والقضاة والعباسيون ووجوه البلد، ويشاورهم الكوفي فيمن ينصب للخلافة، فاجتمعوا واتفقوا على إِبراهيم بن المقتدر بالله، أبي الفضل جعفر، وبويع له بالخلافة في العشرين من ربيع الأول، وعرضت عليه الألقاب فاختار المتقي لله، ولما بويع له سير الخلع واللواء إِلى بجكم، وهو بواسط، وكان بجكم قبل استخلاف المتقي، قد أرسل إِلى دار الخلافة، وأخذ منها فرشاً وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولوني حاجب المتقي، وأقر سليمان بن الحسن وزير الراضي على وزارته، وليس له من الوزارة إِلا اسمها، وإنما التدبير كله إِلى الكوفي كاتب بجكم.
قتل ماكان بن كاكي
كان ماكان بن كاكي قد استولى على جرجان، فقصده أحد قواد السامانية بعسكر خراسان، وهو أبو علي بن محمد بن مظفر بن المحتاج، فهزم ماكان عن جرجان، فقصد ماكان طبرستان وأقام بها. ثم سار أبو علي بن المحتاج المذكور عن جرجان إِلى الري، ليستولي عليها، وبها وشمكير بن زيار أخو مرداويج فأرسل وشمكير يستنجد ماكان بن كاكي من طبرستان، فقدم ماكان بن كاكيَ من طبرستان، وبقي مع وشمكير، وقاتلهما أبو علي بن المحتاج، فجاء سهم غرب فوقع فَي رأس ماكان، ونفذ من الخوذة إِلى جبينه، حتى طلع من قفاه، فوقع ماكان بن كاكي ميتاً، وهرب وشمكير إِلى طبرستان، واستولى أبو علي ابن المحتاج على الري.
قتل بجكم وفي هذه السنة قتل بجكم، وكان بجكم قد أرسل جيشاً إِلى قتال أبي عبد الله البريدي. ثم سار من واسط في أثرهم، فأتاه الخبر بنصرة عسكره، وهرب البريدي. فقصد الرجوع إِلى واسط، وبقي يتصيد في طريقه حتى بلغ نهر جور، فسمع أن هناك أكراداً لهم مال وثروة، فشرهت عينه، وقصدهم في جماعة قليلة، وأوقع بهم، فهربوا من بين يدي بجكم، وجاء صبي من الأكراد من خلف بجكم، وطعنه برمح فيِ خاصرته ولا يعرفه، فمات بجكم من تلك الطعنة. ولما بلغ قتله المتقي، استولى على دار بجكم وأخذ منها أموالاً عظيمة، وأكثرها كانت مدفونة، وأتى البريدي الفرج بقتل بجكم من حيث لا يحتسب. وكانت مدة إِمارة بجكم
стр. 291
سنتين وثمانية أشهر وأياماً. ولما قتل بجكم سار البريدي إِلى بغداد واستولى على الأمر أياماً، ثم أخرجه العامة عنها لسوء سيرته، ثم استولى على الأمر كورتكين مدة قليلة، فسار ابن رائق من الشام إلى بغداد، واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل ولما وصل ابن رائق إِلى بغداد جرى بينه وبين كورتكين قتال، آخره أن ابن رائق انتصر على كورتكين وهزمه، ثم ظفر بعد ذلك ابن رائق بكورتكين وحبسه، وقلد المتقي لابن رائق إِمرة الأمراء ببغداد.
غير ذلك من الحوادث فيها توفي متى بن يونس، الحكيم الفيلسوف، وبختيشوع بن يحيى الطبيب.
ثم دخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة.
استيلاء ابن البريدي علي بغداد وقتل ابن رائق في هذه السنة، عاد البريدي فاستولى على بغداد، وهرب ابن رائق والخليفة المتقي إِلى جهة الموصل، ونهب البريدي بغداد، وحصل منه من الجور والظلم والعسف ما لا زيادة عليه، ولما وصل المتقي وابن رائق إلى تكريت، كاتبا ناصر الدولة ابن حمدان يستمدانه، وقدما إِلى الموصل، فخرج عنها ناصر الدولة إِلى الجانب الآخر، فأرسل المتقي إِليه ابنه أبا منصور، وابن رائق، فأكرمهما ناصر الدولة، ونثر على ابن الخليفة دنانير، ولما قاما لينصرفا، أمر ناصر الدولة أصحابه بقتل ابن رائق فقتلوه. ثم سار ابن حمدان إِلى المتقي، فخلع المتقي عليه وجعله أمير الأمراء، ولك في مستهل شعبان من هذه السنة، وخلع على أخيه أبي الحسن علي، ولقبه سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين، لسبع بقين من رجب من هذه السنة، أعني سنة ثلاثين وثلاثمائة، ولما بلغ الأخشيد صاحب مصر قتل ابن رائق، سار إلى دمشق، فاستولى عليها. ثم سار المتقي وناصر الدولة إِلى بغداد، فهرب عنها ابن البريدي، ونهب الناس بعضهم بعضاً ببغداد، وكان مقام ابن البريدي ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً، ودخل المتقي إِلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة في شوال من هذه السنة. ولما استقر ناصر الدولة ببغداد، أمر بإِصلاح الدنانير، وكان الدينار بعشرة دراهم، فبيع الدينار بثلاثة عشر درهماً.
غير ذلك من الحوادث فيها مات أبو بكر محمد بن عبد الله المحاملي الفقيه الشافعي، ومولده سنة خمس وثلاثين ومائتين. وفيها توفي أبو الحسن علي بن إِسماعيل بن أبي بشر الأشعري، وكان مولده سنة ستين ومائتين ببغداد، ودفن بمشرعة الزوايا ثم طمس قبره خوفاً عليه، لئلا تنبشه الحنابلة وتحرقه، فإنهم عزموا على ذلك مراراً عديدة، ويردهم السلطان عنه. وهو من ولد أبي
стр. 292
موسى الأشعري، وَاشتغل بعلم الكلام، على مذهب المعتزلة زماناً طويلاً. ثم خالف المعتزلة والمشبهة، فكانت مقالته أمراً متوسطاً، وناظر أبا علي الجبائي، في وجوب الأصلح على الله تعالى، فأثبته الجبائي على قواعد مذهبه.
فقال الأشعري ما تقول في ثلاثة صبية اخترم الله أحدهم قبل البلوغ، وبقي الاثنان فآمن أحدهما وكفر الآخر، ما العلة في اخترام الصغير؟.
فقال الجبائي: إِنما اخترمه لأنه علم أنه لو بلغ لكفر، فكان اخترامه أصلح له.
فقال له الأشعري: فقد أحيا أحدهما فكفر.
فقال الجبائي: إِنما أحياه ليعرضه لأعلى المراتب، أي ليبلغ ويصير أهلاً للتكليف، لأن الصبي والحيوان غير مكلف، فإِذا أدرك الصبي، صار مكلفاً، وهي أعلى المراتب، لأنها المرتبة الإنسانية.
فقال الأشعري: فلم لا أحيى الذي اخترمه ليعرضه لأعلى المراتب.
فقال الجبالًي: وسوست.
فقال الأشعري: ما وسوست، ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرة، يعني أنه انقطع.
ثم أظهر الأشعري مذهبه، وقرره، فصارت مقالته أشهر المقالات، حتى طبق الأرض ذكرها، ومعظم الحنابلة يحكمون بكفره ويستبيحون دمه، ودم من يقول بقوله، وذلك لجهلهم، وكان أبو علي الجبائي المعتزلي زوج أم أبي الحسن الأشعري.
ثم دخلت سنة إِحدى وثلاثين وثلاثمائة في هذه السنة سار ناصر الدولة عن بغداد إِلى الموصل، وثارت الديلم، ونهبت داره، وكان أخوه سيف الدولة بواسط، فثارت عليه الأتراك الذين معه، وكبسوه ليلاً، في شعبان، فهرب سيف الدولة أبو الحسن علي، إِلى جهة أخيه ناصر الدولة أبي محمد الحسن بن عبد الله بن حمدان، ولحق به، ثم قدم سيف الدولة إِلى بغداد، وطلب من المتقي مالاً ليفرقه في العسكر، ويمنع تورون والأتراك من دخول بغداد، فأرسل إِليه المتقي ربع مائة ألف دينار، ففرقها في أصحابه، ولما وصل تورون إِلى بغداد، هرب سيف الدولة عنها، ودخل تورون بغداد في الخامس والعشرين من رمضان، في هذه السنة، فخلع المتقي عليه وجعله أمير الأمراء وبقيِ المتقي خائفاً من تورون. وتورون بتاء مثناة من فوقها مضمومة وواو ساكنة وراء مهملة مضمومة وواو ثم نون، هو اسم تركي مشتق من اسم الباطية لأن الباطية اسمها بالتركي تروو بتاء وراء مضمومتين وواين ساكنتين.
موت نصر بن أحمد بن إسماعيل الساماني وفي هذه السنة، توفي أبو السعيد نصر بن أحمد الساماني، صاحب خراسان وما وراء النهر، وكان مرضه السل، فبقي مريضاً ثلاثة عشر شهراً، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوماً، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة، وكان حليماً كريماً، ولما مات نصر بن أحمد، تولى بعده ابنه نوح بن نصر، وبايعه الناس، وحلفوا له في شعبان، واستقر ملكه على خراسان وما وراء النهر.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، أرسل ملك الروم يطلب من المتقي منديلاً، زعم أن المسيح مسح به وجهه،
стр. 293
فصارت صورة وجهه فيه، وأن هذا المنديل في بيعة الرها، وأنه إن أرسله أطلق عدداً كثيراً من أسرى المسلمين، فأحضر المتقي القضاة والفقهاء واستفتاهم في ذلك، فاختلفوا. فقال بعضهم: ادفعه إِليهم وإطلاق الأسرى أولى. وقال بعضهم: إِن هذا المنديل لم يزل في بلاد الإسلام، ولم يطلبه ملك الروم منهم، ففي دفعه إليهم غضاضة، وكان في الجماعة علي بن عيسي الوزير فقال: إِن خلاص المسلمين من الأسر والضنك، أولى من حفظ هذا المنديل، فأمر الخليفة بتسليمه إليهم، وأرسل من تسلم الأسرى فأطلقوا.
وفي هذه السنة توفي محمد بن إِسماعيل الفرغاني الصوفي، أستاذ أبي بكر الدقاق، وهو مشهور بين المشايخ. وفيها مات سنان بن ثابت بن قرة بعلة الذرب، وكان حاذقاً في الطب، ولم يغن عنه شيئا عند دنو الأجل.
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة فيها سار المتقي عن بغداد خوفاً من تورون وابن شيرزاد، إِلى جهة ناصر الدولة بالموصل، وانحدر سيف الدولة إلى ملتقى المتقي بتكريت، ثم انحدر ناصر الدولة إِلى تكريت، وأصعد الخليفة إلى الموصل، ثم سار الخليفة وبنو حمدان إِلى الرقة، فأقاموا بها، وظهر للمتقي تضجر بني حمدان منه، وإيثارهم مفارقته، فكتب إِلى تورون يطلب الصلح منه، ليقدم إلى بغداد، وخرجت السنة على ذلك.
غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة خرجت طائفة من الروس في البحر، وطلعوا من البحر في نهر الكر، فانتهوا إِلى مدينة برْدَعَة، فاستولوا على بردعة، وقتلوا ونهبوا، ثم عادوا في المراكب إِلى بلادهم. وفيها مات أبو طاهر القرمطي رئيس القرامطة بالجدري، وفيها كان ببغداد غلاء عظيم. وفيها استعمل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن علي بن مقاتل على قنسرين والعواصم وحمص. ثم استعمل بعده في السنة المذكورة ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان على ذلك.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
مسير المتقي إِلى بغداد وخلعه كان قد كتب المتقي إِلى الإخشيد صاحب مصر، يشكو إِليه حاله، وما هو فيه، فسار الإخشيد من مصر إِلى حلب، ثم إِلى الرقة، واجتمع بالمتقي، وحمل إِليه هدايا عظيمة، واجتهد بالمتقي أن يسير معه إِلى مصر أو الشام ليكون بين يديه، فلم يفعل، ثم أشار عليه بالمقام في الرقة، وخوفه من تورون، فلم يفعل، وكان قد أرسل المتقي إِلى تورون في الصلح كما ذكرناه، فحلف تورون للمتقي على ما أراد، فانحدر المتقي لأربع بقين من المحرم إِلى بغداد وعاد الإخشيد إِلى مصر، ولما وصل المتقي إِلى هيت، أقام بها، وأرسل فجدد اليمين على تورون وسار تورون عن بغداد لملتقى الخليفة. فالتقاه بالسندية، ووكّل عليه حتى أنزله في مضربه، ثم قبض تورون على المتقي وسمله، وأعمى عينيه فصاح المتقي وصاح من عنده من الحرم والخدم، فأمر تورون
стр. 294
بضرب الدبادب لئلا تظهر أصواتهن، وانحدر تورون بالمتقط إلى بغداد وهو أعمى، وكانت خلافة المتقي لله، وهو إبراهيم بن جعفر المقتدر بن المعتضد ثلاث سنين وخمسة أشهر وعشرين يوماً، وأمه أم ولد اسمها خلوب.
خلافة المستكفي بالله
وهو ثاني عشرينهم، ولما قبض تورون على المتقي، بايع المستكفي بالله أبا قاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون، وأحضره إِلى السندية، وبايعه عامة الناس، وكانت بيعة المستكفي بالله يوم خلع المتقي في صفر من هذه السنة.
خروج أبي يزيد الخارجي بالقيروان وفي هذه السنة اشتدت شوكة أبي يزيد الخارجي وهزم الجيوش، وهو رجل من زناتة، واسم والده كنداد، من مدينة توزر من بلاد قسطيلية.
فولد له أبو يزيد بتوزر من جارية سوداء، وانتشأ أبو يزيد في توزر وتعلم القرآن وسار إلى تاهرت، وصار على مذهب النكارية وهو تكفير أهل الملة، واستباحة أموالهم ودمائهم، ودعا أهل تلك البلاد فأطاعوه، وكثر جمعه فحصر قسطيلية في هذه السنة، وكان أبو يزيد قصيراً قبيح الصورة، يلبس جبة صوف، ثم فتح تبسة، ثم سبيبة وصلب عاملها، ثم فتح الأريس، فأخرج القائم جيوشاً لحفظ رقادة والقيروان فهزمهم أبو يزيد، واستولى على تونس، ثم على القيروان، ورقادة، ثم سار أبو يزيد إِلى القائم فجهز إِليه القائم جيشاً، فجرى بينهم قتال كثير، وآخره أن جيوش القائم انهزمت، وسار أبو يزيد وحصر القائم بالمهدية، في جمادى الأولى من هذه السنة، وضايقها وغلا بها السعر، وعدم القوت، ودام محاصرها حتى خرجت هذه السنة، ثم رحل عن المهدية في صفر سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وسار إلى القيروان، وتوفي القائم وملك ابنه إِسماعيل المنصور على ما نذكره فجهز المنصور العساكر وسار بنفسه إِلى القيروان، واستعادها من أبي يزيد وذلك في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ودام حالهم على القتال إِلى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فهزم المنصور عساكر أبي يزيد، وسار المنصور في أثره في ربيع الأول سنة خمس وثلاثين فأدرك أبا يزيد على مدنية كاغلية، فهرب أبو يزيد من موضع إِلى آخر، حتى وصل طبسة، ثم هرب حتى وصل إِلى جبل للبربر، واسم ذلك الجبل برزال، والمنصور في إِثره، واشتد على عسكر المنصور الحال حتى بلغت عليقة الشعير ديناراً ونصفاً، وبلغت قربة الماء ديناراً، فرجع المنصور إِلى بلاد صنهاجة، وبلغ إِلى موضع يسمى قرية عمرة، واتصل هناك بالمنصور، العلوي الأمير زيري الصنهاجي، وهو جد ملوك بني باديس على ما سيأتي ذكرهم إِن شاء الله تعالى.
فأكرمه المنصور غاية الإكرام ومرض المنصور هناك مرضاً
стр. 295
شديداً، ثم تعافى ورحل إِلى المسيلة، ثاني رجب سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد اجتمع إِلى أبي يزيد جمع من البربر، وسبق المنصور إلى مسيلة، فلما قدم المنصور إِلى مسيلة هرب عنها أبو يزيد إِلى جهة بلاد السودان، ثم صعد أبو يزيد إِلى جبال كتامة، ورجع عن قصد بلاد السودان، فسار المنصور عاشر شعبان إِليه، واقتتلوا في شعبان، فقتل غالب جماعة أبي يزيد وانهزم، فسار المنصور في إِثره أول شهر رمضان واقتتلوا أيضاً، وانهزم أبو يزيد وأخذت أثقاله والتجأ أبو يزيد إِلى قلعة كتامة، وهي منيعة، فحاصرها المنصور وداوم الزحف عليها، ثم ملكها المنصور عنوة، وهرب أبو يزيد من القلعة من مكان وعر، فسقط منه، فأخذ أبو يزيد وحمل إلى المنصور، فسجد المنصور شكراً لله تعالى، وكثر تكبير الناس وتهليلهم، وبقي أبو يزيد في الأسر مجروحاً فمات، وذلك في سلخ المحرم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فسلخ جلد أبي يزيد، وحشي تبناً، وكتب المنصور إلى سائر البلاد بالفتح، وبقتل أبي يزيد لعنه الله، وعاد المنصور إِلى المهدية، فدخلها في شهر رمضان من سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة أعني سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة نقل المستكفي، القاهر، من دار الخلافة إِلى دار أبي طاهر، وكان قد بلغ بالقاهر الضر والفقر إِلى أن كان ملتفاً بجبة قطن وفي رجله قبقاب خشب.
ملك سيف الدولة مدينة حلب وحمص وفي هذه السنة، لما سار المتقي عن الرقة إِلى بغداد، وسار عنها الإخشيد إلى مصر كما ذكرنا، سار سيف الدولة أبو الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان إِلى حلب، وبها يأنس المؤنسي، فأخذها منه سيف الدولة، واستولى عليها، ثم سار من حلب إِلى حمص، فاستولى عليها ثم سار إِلى دمشق فحصرها، ثم رحل عنها، وكان الإخشيد قد خرج من مصر إِلى الشام، بسبب قصد سيف الدولة دمشق، وسار إِليه فالتقيا بقنسرين، ولم يظفر أحد العسكرين بالآخر، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة، فلما رجع الإخشيد إِلى دمشق، عاد سيف الدولة إِلى حلب، فملكها، فلما ملكها سارت الروم حتى قاربت حلب، فخرج إِليهم سيف الدولة وهزمهم وظفر بهم. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
موت تورون في هذه السنة في المحرم، مات تورون ببغداد، وكانت إِمارته سنتين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوماً، ولما مات، عقد الأجناد لابن شيرزاد الإمرة عليهم، وكان بهبت، فحضر إِلى بغداد مستهل صفر، وأرسل إِلى المستكفي فاستحلفه فحلف له بحضرة القضاة وولاة أمرة الأمراء.
стр. 296
استيلاء معز الدولة بن بويه على بغداد كان معز الدولة في الأهواز، فلما بلغه موت تورون، سار إِلى بغداد، فلما قرب منها اختفى المستكفي بالله وابن شيرزاد، فكانت إِمارته ثلاثة أشهر وأياماً وقدم الحسن بن محمد المهلبي، صاحب معز الدولة، إِلى بغداد، وسارت الأتراك عنها إلى جهة الموصل، فظهر المستكفي واجتمع بالمهلبي، وأظهر المستكفي السرور بقدوم معز الدولة، وأعلمه أنه استتر خوفاً من الأتراك، فلما ساروا عن بغداد ظهر، ثم وصل معز الدولة إلى بغداد ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة. واجتمع بالمستكفي وبايعه، وحلف له المستكفي وخلع عليه، ولقبه في ذلك اليوم بمعز الدولة، وأمر أن تضرب ألقاب بني بويه على الدنانير والدراهم، ونزل معز الدولة بدار مؤنس، وأنزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس من ذلك شدة عظيمة، ورتب معز الدولة للمستكفي، كل يوم خمسة آلاف درهم يتسلمها كاتبه لنفقات المستكفي.
خلع المستكفي وخلافة المطيع
وفي هذه السنة خلع المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي علي بن المعتضد بن الموفق لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصورة خلعه، أن معز الدولة وعسكره والناس، حضروا إِلى دار الخليفة، بسبب وصول رسول صاحب خراسان، فأجلس الخليفة معز الدولة على كرسي، ثم حضر رجلان من نقباء الديلم، وتناولا يد المستكفي بالله، فظن أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه عن سريره، وجعلا عمامته في عنقه، ونهض معز الدولة، فاضطرب الناس، وساقا المستكفي ماشياً إِلى دار معز الدولة فاعتُقل بها، ونُهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء، وكانت مدة خلافة المستكفي سنة وأربعة أشهر، ولما بويع المطيع، سلم إليه المستكفي، فسمله وأعماه، وبقي محبوساً إِلى أن مات، وأمه أم ولد اسمها غصن.
ولما قُبض المستكفي بويع المطيع لله وهو ثالث عشرينهم، واسمه المفضل بن المقتدر، في يوم الخميس ثاني عشرين من جمادى الآخر، من هذه السنة، أعني سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وازداد أمر الخلافة إِدباراً، ولم يبق لهم من الأمر شيء، وتسلم نواب معز الدولة العراق، بأسره، ولم يبق في يد الخليفة غير ما أقطعه معز الدولة للخليفة، مما يقوم ببعض حاجته.
الحرب بين ناصر الدولة بن حمدان ومعز الدولة بن بويه في هذه السنة سار ناصر الدولة إِلى بغداد، وأرسل معز الدولة عسكراً لقتاله، فلم يقدروا على دفعه، وسار ناصر الدولة من سامراء، عاشر رمضان، إِلى بغداد، وأخذ معز الدولة المطيع معه، وسارا إِلى تكريت فنهبها، لأنها كانت لناصر الدولة، وعاد معز الدولة بالخليفة إِلى بغداد ونزل بالجانب الغربي، ونزل ناصر الدولة بالجانب الشرقي، ولم يخطب تلك الأيام للمطيع
стр. 297
ببغداد، وجرى بينهم ببغداد قتال كثير، آخره أن ناصر الدولة وعسكره انهزموا، واستولى معز الدولة على الجانب الشرقي، وأعيد الخليفة إلى مكانه في المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، واستقر معز الدولة ببغداد، وناصر الدولة بعكبرا، ثم سار ناصر الدولة إِلى الموصل، واستقر الصلح بين معز الدولة وناصر الدولة، في المحرم من سنة خمس وثلاثين.
وفاة القائم العلوي وولاية المنصور في هذه السنة توفي القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي عبيد الله صاحب المغرب لثلاث عشرة مضت من شوال، وقام بالأمر بعده ابنه إِسماعيل بن محمد، وتلقب بالمنصور بالله، وكتم موت القائم خوفاً من أبي يزيد الخارجي، واستمر كتمان ذلك حتى فرغ المنصور من أمر أبي يزيد الخارجي على ما ذكرناه، ثم اتسم بالخلافة، وضبط الملك والبلاد.
موت الإخشيد وملك سيف الدولة دمَشْق في هذه السنة مات الإخشيد بدمشق، وكان قد سار إِليها من مصر، وهو محمد بن طغج صاحب مصر ودمشق، وكان مولده سنة ثمان وستين ومائتين ببغداد، وكان الإخشيد قبل مسيره عن مصر، قد وجد بداره رقعة مكتوب عليها قدّرتم فأسأتم، وملكتم فبخلتم، ووسع عليكم فضيقتم، وأدرت لكم الأرزاق فقنطتم أرزاق العباد، واغتررتم بصفو أيامكم، ولم تتفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات، واغتنام اللذات وتهاونتم بسهام الأسحار وهن صائبات، ولا سيما إن خرجت من قلوب قرحتموها، وأكباد أجعتموها، وأجساد أعريتموها، ولو تأملتم في هذا حق التأمل لانتبهتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل، ما وصل إليها الجاهل، ولو دامت لمن مضى، ما نالها من بقي، فكفى بصحبة ملك يكون ملكه في زوال ملكه فرح للعالم، ومن المحال أن يموت المنتظرون كلهم، حتى لا يبقى منهم أحد، ويبقى المنتظر به، افعلوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، وثقوا بقدرتكم وسلطانكم، فإنا بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فبقي الإخشيد بعد سماع هذه الرقعة في فكر، وسافر إلى دمشق ومات وولي الأمر بعده ابنه أبو القسم أنوجور، وتفسيره محمود، واستولى على الأمر كافور الخادم الأسود، وهو من خدم الإخشيد، وكان أنوجور صغيراً، وسار كافور بعد موت الإخشيد إِلى مصر فسار سيف الدولة إِلى دمشق، وملكها، وأقام بها، واتفق أن سيف الدولة ركب يوماً والشريف العقيقي معه، فقال سيف الدولة: ما تصلح هذه الغوطة إِلا لرجل واحد.
فقال له العقيقي: هي لأقوام كثيرة: فقال سيف الدولة: لو أخذتها القوانين السلطانية لتبرؤا منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافوراً يستدعونه، فجاءهم، فأخرجوا سيف الدولة عنهم. ثم استقر سيف الدولة بحلب، ورجع كافور إِلى مصر وولى على دمشق بدراً الإِخشيدي فأقام سنة ثم وليها أبو المظفر بن طغج.
стр. 298
غير ذلك من الحوادث فيها اشتد الغلاء وعُدمَ القوت، ببغداد، حتى وجد مع إِنسان صبي قد شواه ليأكله، وكثر في الناس الموت، وفيها توفي علي بن عيسى بن الجراح الوزير، وله تسعون سنة. وفيها توفي عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي، وأبو بكر الشبلي الصوفي، وكان أبو الشبلي حاجباً للموفق أخي المعتمد، وحجب الشبلي أيضاً للموفق، ثم تاب وصحب الفقراء، حتى صار واحد زمانه في الدين والورع، وكان الشبلي المذكور مالكي المذهب، حفظ الموطأ، وقرأ كتب الحديث، وقال الجنيد عنه: لكل قوم تاج، وتاج القوم الشبلي. وفيها توفي محمد بن عيسى، ويعرف بأبي موسى الفقية الحنفي.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فيها توفي أبو بكر الصولي وكان عالماً بفنون الأدب والأخبار، روى عن أبي العباس ثعلب وغيره، وروى عنه الدارقطني وغيره وللصولي التصانيف المشهورة.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وثلاثمائة فيها عقد المنصور العلوي ولاية جزيرة صقلية للحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي، من تاريخ جزيرة صقلية تأليف صاحب تاريخ القيروان، واستمر الحسن بن علي يغزو ويفتح في جزيرة صقلية حتى مات المنصور، وتولى المعز، فاستخلف الحسن على صقلية ولده أبا الحسين أحمد ابن الحسن، فكانت ولاية الحسن بن علي على صقلية خمس سنين ونحو شهرين، وسار الحسن عن صقلية إِلى إِفريقية في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، ولما وصل الحسن إِلى إِفريقية، كتب المعز بولاية ابنه أحمد بن الحسن على صقلية فاستقر أحمد والياً عليها. وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة قدم أحمد بن الحسن من صقلية، ومعه ثلاثون رجلاً من وجوه الجزيرة، على المعز بإِفريقية فبايعوا المعز وخلع عليهم المعز، ثم أعاده إِلى مقره بصقلية، وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ورد كتاب المعز على الأمير أحمد بصقلية، يأمره فيه يإِحصاء أطفال الجزيرة، وأن يختنهم ويكسوهم في اليوم الذي يطهر فيه المعز ولده، فكتب الأمير أحمد خمسة عشر ألف طفل وابتدأ أحمد فختن أخوته في مستهل ربيع الأول من هذه السنة، ثم ختن الخاص والعام، وخلع عليهم، ووصل من المعز مائة ألف درهم وخمسون حملا من الصلات، ففرقت في المختونين، وفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة أرسل الأمير أحمد بسبي طبرمين بعد فتحها إِلى المعز، وجملته ألف وسبع مائة ونيف، وسبعون رأساً، وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة جهز المعز أسطولاً عظيماً، وقدم عليهم الحسن بن علي بن الحسين والد الأمير أحمد، فوصل إِلى صقلية، واجتمعت الروم بها، وجرى بينهم قتال شديد، نصر الله فيه المسلمين، وقتل من الكفار فوق عشرة آلاف نفس، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم، فكان في جملة ذلك عليه منقوش: " هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالاً، طالما ضرب به بين يدي رسول الله ﷺ ، فبعث به الحسن بن علي
стр. 299
إِلى المعز، وكذلك بعدة من الأسرى والسلاح، وسار الحسن بعد هذا النصر وأقام بقصره بصقلية، ولحقه المرض حتى توفي في ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة، وفي أواخر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة استقدم المعز الأمير أحمد من صقلية وسار منها بأهله وماله وولده، فكانت إمارته بها ست عشرة سنة وتسعة أشهر، ولما سار أحمد عنها استخلف على الجزيرة يعيش مولى أبيه الحسن بن علي، فلما وصل أحمد إِلى إِفريقية أرسل المعز أبا القاسم علي بن الحسن بن علي أخا الأمير أحمد المذكور، وولاه الجزيرة نيابة عن أخيه أحمد، فوصل أبو القاسم إِلى صقلية في منتصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قدم المعز الأمير أحمد على الأسطول وأرسله إِلى مصر، فلما وصل إِلى طرابلس، اعتل أحمد بن الحسن المذكور ومات بها، وفي سنة ستين وثلاثمائة أرسل المعز إِلى أبي القاسم سجلاً باستقلاله بولاية صقلية، وتعزيته في أخيه أحمد وفي سنة ست وستين وثلاثمائة غزا الأمير أبو القاسم علي وعاد إِلى الأرض الكبيرةْ، ونزل بموضع يعرف بالأبرجة، فرأى عسكره قد أكثروا من جمع البقر والغنم، فأنكر ذلك وقال: لقد أثقلتم وهذا يعيقنا عن الغزو، فأمر بذبحها وتفريقها، فسميت تلك المرحلة مناخ البقر إِلى الآن، وشنت غاراته في الأرض الكبيرة، وأخرب فيها مدناً، ثم عاد إلى صقلية مؤيداً منصوراً، واستمر أبو القاسم يغزو إِلى سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، فجرى بينه وبين الفرنج قتال استشهد فيه أبو القاسم ولذلك يعرف بالشهيد، وكان مقتله في المحرم من السنة المذكور ومدة ولايته على صقلية اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر وأياماً.
ولما استشهد أبو القاسم، تولى الأمر بعده ابنه جابر بن أبي القاسم بغير ولاية من الخليفة، وكان جابر المذكور سيء التدبير، وفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وصل إلى صقلية جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي الحسين أميراً عليها من قبل العزيز خليفة مصر، فاغتم جابر لذلك غماً عظيماً، وكان جعفر المذكور مواظباً للعزيز خليفة مصر، قريباً إِليه جداً، وكان للعزيز وزير يقال له ابن كلس، فغار من جعفر، فلما استشهد أبو القاسم أشار ابن كلس بتولية جعفر فأرسله العزيز إِليها، فسار جعفر إِلى صقلية، وهو كاره لذلك، وبقي جعفر والياً على صقلية حتى مات في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، فولى أخوه عبد الله بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسين، وبقي عبد الله حتى توفي في سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وتولى بعده ولده أبو الفتوح
стр. 300
يوسف بن عبد الله، وأحسن يوسف المذكور السيرة، وبقي على ولايته، ومات العزيز خليفة مصر، وتولى الحاكم واستوزر ابن عم يوسف المذكور، وهو حسن بن عمار بن علي بن أبي الحسين، وبقي حسن وزيراً بمصر، وابن عمه يوسف أميراً بصقلية، وفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة أصاب أبا الفتوح يوسف بن عبد الله فالج، فعطب جانبه الأيسر، فتولى في حياته ابنه جعفر ابن يوسف وأتاه سجل من الحاكم بالولاية ولقبه تاج الدولة، فبقي مدة، ثم أحدث على أهل صقلية مظالم، فخرجوا عن طاعته، وحصروا جعفر المذكور في القصر، فخرج إِليهم والده يوسف وهو مفلوج في محفة، ورد الناس، وشرط لهم عزل جعفر، فعزله وولى موضعه أخاه تأييد الدولة أحمد الأكحل بن يوسف، وانعزل جعفر وتولى الأكحل في المحرم سنة عشر وأربع مائة، وبقي الأكحل حتى خرج عليه أهل صقلية وقتلوه في سنة سبع وعشرين وأربع مائة، ولما قتلوا الأكحل، ولوا أخاه الحسن صمصام الدولة، فجرى في أيامه اختلاف بين أهل الجزيرة وتغلبت الخوارج عليه، حتى صارت للفرنج على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وفي هذه السنة ملك معز الدولة الموصل، وسار عنها ناصر الدولة إِلى نصيين، ثم جاءت الأخبار بحركة عسكر خراسان على بلاد معز الدولة، فرحل عن الموصل وعاد إِليها ناصر الدولة.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
موت عماد الدولة بن بويه وفي هذه السنة، مات عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه بشيراز، في جمادى الآخرة وكانت علته قرحة في كلاه، طالت به وتوالت به الأسقام، ولم يكن لعماد الدولة ولد ذكر، فلما أحس بالموت، أرسل إِلى أخيه ركن الدولة، يطلب منه ابنه عضد الدولة فناخسرو، ليجعله عماد الدولة ولي عهده، وارث مملكته بفارس، وكان ذلك قبل موته بسنة، ووصل عضد الدولة إِلى عمه عماد الدولة، فولاه عماد الدولة مملكته في حياته، وأمر الناس بالانقياد إِلى عضد الدولة، ولما مات عماد الدولة، بقي ابن أخيه عضد الدولة بفارس. واختلف عليه عسكره، فسار أبوه ركن الدولة من الري إِليه، وقرر قواعد عضد الدولة، ولما وصل ركن الدولة شيراز، ابتدأ بزيارة قبر أخيه عماد الدولة باصطخر، فمشى إِليه حافياً حاسراً، ومعه العساكر على تلك الحال، ولزم القبر ثلاثة أيام إِلى أن سأله القواد والأكابر الرجوع إِلى المدينة، فرجع إِليها وكان عماد الدولة في حياته هو أمير الأمراء، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء، وكان معز الدولة هو المستولي على العراق وهو كالنائب عنهما.
وفي هذه السنة مات المستكفي المخلوع، وهو في الحبس أعمى.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة في هذه السنة مات وزير معز الدولة محمد الصيمري، واستوزر معز الدولة أبا محمد الحسن المهلبي. وفي هذه السنة غزا سيف الدولة بلاد الروم، فأوغل فيها، وغنم وقتل، فلما عاد أخذت الروم عليه المضائق فهلك غالب عسكره وما معه، ونجا سيف الدولة بنفسه في عدد يسير. وفي هذه السنة أعادت القرامطة الحجر الأسود إلى مكة، وكان قد أخذوه سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فكان لبثه عندهم اثنين وعشرين سنة.
стр. 301
غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة توفي أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي الفيلسوف، وكان رجلاً تركياً، ولد بفاراب، التي تسمى هذا الزمان أُطرار، بضم الهمزة وسكون الطاء المهملة وبين الرائين المهملتين ألف، وهي من المدن العظام، سافر الفارابي من بلده حتى وصل إِلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات فشرع في اللسان العربي فتعلمه، وأتقنه، ثم اشتغل بعلوم الحكمة واشتغل على أبي بشر متى بن يونس الحكيم المشهور في المنطق، وأقام الفارابي على ذلك برهة، ثم ارتحل إِلى مدينة حران، واشتغل بها على أبي حيا الحكيم النصراني، ثم قفل إلى بغداد، وأتقن علوم الفلسفة، وحل كتب أرسطو وأتقن علم الموسيقى، وألف ببغداد معظم تصانيفه. ثم سافر إِلى دمشق، ولم يقم بها، وسافر إِلى مصر ثم عاد إِلى دمشق، وأقام بها في أيام ملك سيف الدولة بن حمدان، فأحسن اليد، وكان على زي الأتراك لم يغير ذلك، وحضر يوماً عند سيف الدولة بدمشق، بحضرة فضلائها فما زال كلام الفارابي يعلو، وكلامهم يسفل، حتى صمت الكل ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، وكان الفارابي منفرداً بنفسه لا يجالس الناس، وكان في مدة مقامه بدمشق لا يكون إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض، وكان أزهد الناس في الدنيا، وأجرى عليه سيف الدولة كل يوم أربعة دراهم، فاقتصر علمها، ولم يزل مقيماً بدمشق إلى أن توفي بها، وقد ناهز ثمانين سنة ودفن خارج الباب الصغير.
وفي هذه السنة مات الزجاجي النحوي، وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن إِسحاق، صحب إِبراهيم بن السري الزجّاج، فنسب إِليه وعرف به، وكان إِمام وقته وصنف الجمل في النحو.
ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمائة في هذه السنة توفي عبد الله بن الحسين الكرخي، الفقيه المشهور، الحنفي المعتزلي، وكان عابداً، ومولده سنة ستين ومائتين، وأبو جعفر الفقيه، توفي ببخارى.
وفيها توفي أبو إِسحاق إِبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الفقيه الشافعي بمصر، وانتهت إِليه الرئاسة بالعراق بعد ابن سريج، وصنف كتباً كثيرة، وشرح مختصر المزني.
ثم دخلت سنة إِحدى وأربعين وثلاثمائة في هذه السنة سار يوسف بن وجيه، صاحب عمان في البحر والبر إِلى البصرة، وحصرها، وساعده القرامطة على ذلك، وأمدوه بجمع منهم وأقاموا هناك أياماً، فأدركهم المهلبي وزير معز الدولة بالعساكر فرحلوا عنها.
وفاة المنصور العلوي وفي هذه السنة، توفي المنصور بالله العلوي أبو طاهر إِسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي سلخ شوال، وكانت خلافته سبع سنين وستة عشر يوماً. وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة، وكان خطيباً بليغاً، يخترع الخطبة لوقته، وظهر من شجاعته في قتال أبي يزيد الخارجي ما تقدم ذكره، وعهد إِلى ابنه أبي تميم معد بن المنصور إسماعيل
стр. 302
بولاية العهد وهو معد المعز لدين الله، فبايعه الناس في يوم مات أبوه في سلخ شوال من هذه السنة، وأقام في تدبير الأمور إِلى سابع ذي الحجة فأذن للناس فدخلوا إِليه، وسلموا عليه بالخلافة، وكان عمر المعز إِذا ذاك أربعاً وعشرين سنة.
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة ملك الروم مدينة سروج وسبوا أهلها وغنموا أموالهم، وخربوا المساجد. وفيها توفي أبو علي إِسماعيل بن محمد بن إِسماعيل الصفار النحوي المحدث، وهو من أصحاب المبرد، وكان مولده سنة سبع وأربعين ومائتين، وكان ثقة.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، ودخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
موت الأمير نوح بن نصر
بن أحمد بن إِسماعيل وولاية ابنه عبد الملك
في هذه السنة مات الأمير نوح بن نصر الساماني، في ربيع الآخر، وكانت ولايته في سنة إِحدى وثلاثين وثلاثمائة، وكان يلقب بالأمير الحميد، وكان حسن السيرة كريم الأخلاق، ولما توفي ملك بعده ابنه عبد الملك بن نوح.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة في ربيع الأول، غزا سيف الدولة بن حمدان بلاد الروم، فغنم وقتل، ووقع بينه وبين الروم وقعة عظيمة، قتل فيها من الفريقين عالم كثير، وانتصر فيها سيف الدولة. وفيها أرسل معز الدولة سبكتكين في جيش إلى شهرزور، فعاد ولم يفتحها. وفيها مات محمد بن العباس، المعروف بابن النحوي الفقيه، ومحمد بن القاسم الكرخي.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمائة فيها مات أبو علي بن المحتاج، صاحب جيوش خراسان بعد أن عزله الأمير نوح عن خراسان، فخرج لذلك عن طاعته نوح ولحق بركن الدولة بن بويه، ومات في خدمته.
ما جرى في هذه السنة بين المعز العلوي وعبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس
وفي هذه السنة أنشأ عبد الرحمن الناصر الأموي مركباً كبيراً، لم يعمل مثله، وسير فيه بضائع لتباع في بلاد الشرق، ويعتاض عنها، فلقي في البحر مركباً فيه رسول من صقليه إِلى المعز العلوي، ومعه مكاتبات إِليه، فقطع عليهم المركب الأندلسي وأخذهم بما معهم، وبلغ المعز فجهز أسطولا إِلى الأندلس، واستعمل عليه الحسن بن علي عامله على صقلية، فوصلوا
стр. 303
إلى المرية وأحرقوا جميع ما في ميناها من المراكب، وأخذوا ذلك المركب الكبير المذكور، بعد عوده من الإسكندرية، وفيه جوار مغنيات وأمتعة لعبد الرحمن، وصعد أسطول المعز إِلى البر فقتلوا ونهبوا ورجعوا سالمين إِلى المهدية، ولما جرى ذلك، جهز عبد الرحمن أسطولاٌ إِلى بلاد إِفريقية، فوصلوا إِليها، فقصدهم عساكر المعز فرجعوا إِلى الأندلس بعد قتال جرى بينهم.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.
فيها سار سيف الدولة بن حمدان إِلى بلاد الروم، فغنم وسبى وفتح عدة حصون، ورجع إِلى أذنة فأقام بها، ثم ارتحل إِلى حلب. وفيها توفي أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد غلام ثعلب المعروف بالمطرز، أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، صحب أبا العباس ثعلباً زماناً فعرف به، وللمطرز المذكور عدة مصنفات، وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائتين، وكان اشتغاله بالعلوم، قد منعه عن اكتساب الرزق، فلم يزل مضيقَاً عليه، وكان لسعة روايته وكثرة حفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة، ويقولون: لو طار طائر يقول أبو عمر المذكور: حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ويذكر في معنى ذلك شيئاً، وكان يلقي تصانيفه من حفظه، حتى أنه أملى في اللغة ثلاثين ألف ورقة، فلهذا الإكثار نسب إِلى الكذب. ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمائة في هذه السنة مات السلار المرزبان صاحب أذربيجان، وملك بعده ابنه حسان، وكان لمرزبان أخ يسمى وهشوذان. فشرع في الإفساد بين أولاد أخيه، حتى وقع ما بينهم وتقاتلوا، وبلغ عمهم وهشوذان ما أراد، وقد ذكر ابن الأثير في حوادث هذه السنة أن البحر نقص ثمانين باعاً، فظهرت فيه جزائر وجبال لم تعرف قبل ذلك. وفيها توفي أبو العباس محمد بن يعقوب الأموي النيسابوري، المعروف بالأصم وكان عالي الإسناد في الحديث، وصحب الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وأبو إسحاق إِبراهيم بن محمد الفقيه البخاري الأمين.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
مسير جيوش المعز العلوي إِلى أقاصي المغرب فيها عظم أمر أبي الحسن، جوهر عبد المعز، فصار في رتبة الوزارة، وسيره المعز في صفر هذه السنة، في جيش كثيف إِلى أقاصي المغرب، فسار إلى تاهرت، ثم سار منها إِلى فاس في جمادى الآخرة، وبها صاحبها أحمد بن بكر، فأغلق أبوابها، فنازلها جوهر وقاتل أهلها، فلم يقدر عليها، ومضى جوهر حتى انتهى إلى البحر المحيط، وسلك تلك البلاد جميعها، ثم عاد إِلى فاس ففتحها عنوة وكان مع جوهر زيري بن مناذ الصنهاجي، وكان شريكه في الإمرة، وكان فتح فاس في رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. وفيها توفي أبو الحسن علي بن البوشجي الصوفي بنيسابور، وهو أحد المشهورين منهم. وفيها توفي أبو الحسن محمد من ولد أبي الشوارب، قاضي بغداد، وكان مولده سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأبو علي الحسين
стр. 304
بن علي النيسابوري. وأبو محمد عبد الله الفارسي النحوي، أخذ النحو عن المبرد.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة فيها توفي أبو بكر بن سليمان الفقيه الحنبلي، المعروف بالنجاد، وعمره خمس وتسعون سنة، وجعفر بن محمد الخلدي الصوفي، وهو من أصحاب الجنيد، وفيها انقطعت الأمطار وغلت الأسعار في كثير من البلاد.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وثلاثمائة فيها وقع الخلف بين أولاد المرزبان، فاضطروا إِلى مساعدة عمهم وهشوذان، فكاتبوه وصالحوه، وقدموا عليه فغدر بهم، وأمسك حسان وناصراً ابني أخيه وأمهما وقتلهم. في هذه السنة غزا سيف الدولة ابن حمدان بلاد الروم في جمع كثير، ففتح وأحرق وقتل وغنم وبلغ إِلى خرشنه وفي عوده أخذت الروم عليه الضائق واستردوا ما أخذه، وأخذوا أثقاله وأكثروا القتل في أصحابه، وتخلص سيف الدولة في ثلاثمائة نفس. وكان قد أشار عليه أرباب المعرفة بأن لا يعود على الطريق، فلم يقبل، وكان سيف الدولة معجباً بنفسه، يحب أن يستبد ولا يشاور أحداً، لئلا يقال إِنه أصاب برأي غيره. وفي هذه السنة أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاة. وفيها انصرف حجاج مصر من الحج فنزلوا وادياً وباتوا فيه، فأتاهم السيل ليلاً وأخذهم جميعهم مع أثقالهم وجمالهم، فألقاهم في البحر. وفي هذه السنة أو قريب من هذه السنة، توفي أبو الحسن التيناتي، نسبة إِلى التينات، وكان عمره مائة وعشرين سنة، وله كرامات مشهورة. وفيها مات أنوجور بن الإخشيد صاحب مصر، وأقيم أخوه علي بن الإخشيد مكانه.
ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة.
موت صاحب خراسان وفي هذه السنة يوم الخميس حادي عشر شوال، تقنطر بالأمير عبد الملك بن نوح الساماني فرسه، فوقع عبد الملك إِلى الأرض فمات من ذلك، فثارت الفتنة بخراسان بعده، وولي مكانه أخوه منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إِسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان.
وفاة صاحب الأندلس وفي هذه السنة توفي عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، في رمضان، وكانت مدة إِمارته خمسين سنة ونصفاً، وعمره ثلاث وسبعون سنة، وكان أبيض أشهل حسن الوجه، وهو أول من تلقب من الأمويين أصحاب الأندلس بألقاب الخلفاء، وتسمى بأمير المؤمنين، وكان من قبله يخاطبون، ويخطب لهم بالأمير وأبناء الخلائف، وبقي عبد الرحمن كذلك إلى أن مضى من إِمارته سبع وعشرون سنة، فلما بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وظهور الخلفاء العلويين بإفريقية ومخاطبتهم بأمير المؤمنين أمر حينئذ أن يلقب بالناصر لدين الله، ويخطب له بأمير المؤمنين، وأمه أم ولد اسمها مدنة ولما مات ولي الأمر بعده ابنه الحكم بن عبد الرحمن وتلقب بالمستنصر
стр. 305
وخلف عبد الرحمن أحد عشر ولداً ذكراً.
وفي هذه السنة تولى قضاء القضاة ببغداد أبو العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب، والتزم كل سنة أن يؤدي مائتي ألف درهم، وهو أول من ضمن القضاء. وكان ذلك في أيام معز الدولة بن بويه، ولم يسمع بذلك قبلها، ثم ضمنت بعده الحسبة والشرطة ببغداد. وفيها توفي أبو شجاع فاتك وكان رومياً، وأخذه الإخشيد صاحب مصر من سيده بالرملة، وارتفعت مكانته عنده، وكان رفيق كافور، فلما مات الإخشيد وصار كافور أتابك ولده، أنف فاتك من ذلك، وكانت الفيوم إِقطاعة، فانتقل وقام بها، وكثرت أمراضه لوخم الفيوم، فعاد إلى مصر كرهاً المرض، وكان كافور يخافه ويخدمه، وكان المتنبي إِذ ذلك بمصر عند كافور، فاستأذنه، ومدح فاتك المذكور بقصيدته التي أولها:
لا خيل عندك تُهديها ولا مال ... فليسعد النطق إِن لم يسعد الخال
كفاتك ودخول الكاف منقصة ... كالشمس قلت وما للشمس أمثال
ولما توفي فاتك رثاه المتنبي بقصيدته التي أولها:
الحزن يقلق والتجملُ يردعُ ... والدمع بينهما عصيٌ طيع
ومنها:
إِني لأجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع
ومن يغالط في الحقيقة نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
ثم دخلت سنة إِحدى وخمسين وثلاثمائة، وفي هذه السنة سارت الروم مع الدمستق وملكوا عين زربى بالأمان فقتلوا بعض أهلها وأطلقوا أكثرهم.
استيلاء الروم على حلب وعودهم عنها بغير سبب
وفي هذه السنة استولت الروم على مدينة حلب، دون قلعتها، وكان قد سار إِليها الدمستق، ولم يعلم به سيف الدولة إِلا عند وصوله، فلم يلحق سيف الدولة أن يجمع، وخرج فيمن معه وقاتل الدمستق، فقُتل غالب أصحابه وانهزم سيف الدولة في نفر قليل، وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب تسمى الدارين، فوجد الدمستق فيها ثلاثمائة بدرة من الدراهم، وأخذ لسيف الدولة ألف وأربعمائة بغل، ومن السلاح ما لا يحصى، وملكت الروم الحواضر وحصروا المدينة وثلموا السور، وقاتلهم أهل حلب أشد قتال، فتأخر الروم إِلى جبل جوشن.
ثم وقع بين أهل حلب ورجالة الشرطة فتنة، بسبب نهب كان وقع بالبلد، فاجتمع بسبب ذلك الناس، ولم يبق على الأسوار أحد، فوجد الروم السور خالياً، فهجموا البلد وفتحوا أبوابه وأطلقوا السيف في أهل حلب، وسبوا بضعة عشر ألف صبي
стр. 306
وصبية، وغنموا ما لا يوصف كثرة، فلما لم يبق معهم ظهر يحمل الغنائم، أمر الدمستق فأحرقوا ما بقي بعد ذلك، وأقام الدمستق تسعة أيام ثم ارتحل عائداً إِلى بلاده ولم ينهب قرايا حلب، وأمرهم بالزراعة ليعود من قابل إِلى حلب في زعمه.
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة استولى ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجان. وفيها كتب عامة الشيعة بأمر معز الدولة على المساجد، ما هذه صورته لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة فدكا، ومن منع أن يدفن الحسن عند قبر جده، ومن نفى أبا ذر الغفاري، ومن أخرج أبا العباس عن الشورى.
فلما كان من الليل حكه بعض الناس، فأشار الوزير المهلبي على معز الدولة أن يكتب موضع المحي لعن الله الظالمين لآل رسول الله ﷺ ولا يذكر أحد في اللعن إِلا معاوية، ففعل ذلك. وفي هذه السنة في ذي القعدة سارت جيوش المسلمين إِلى صقلية، ففتحوا طبرمين، وهي من أمنع الحصون وأشدها على المسلمين بعد حصار سبعة أشهر ونصف، وسميت طبرمين المعزية نسبة إِلى المعز العلوي. وفيها فتحت الروم حصن دلوك بالسيف وثلاثة حصون مجاورة له.
وفي هذه السنة في شوال أسرت الروم أبا فراس الحارث بن سعيد بن حمدان من منبج، وكان متقلداً بها. وفيها توفي أبو بكر محمد بن الحسن النقاش المقري، صاحب كتاب شفاء الصدور.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة في هذه السنة توفي الوزير المهلبي أبو محمد، وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان كريماً عاقلاً ذا فضل. وفيها في عاشر المحرم أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، وأن يظهروا النياحة، وأن يخرج النساء منشورات الشعور، مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن ويلطمن وجوههن، على الحسين بن علي ﵄، ففعل الناس ذلك. ولم يقدر السنية على منع ذلك لكثرة الشيعة، والسلطان معهم. وفيها عزل ابن أبي الشوارب عن القضاء. وأَبطل ما كان التزم به من الضمان. وفيها قتل الروم ملكهم، وملكوا غيره، وصار ابن شمشقيق دمستقاً، وفيها في ثامن ذي الحجة، أمر معز الدولة بإِظهار الزينة في البلد والفرح، كما يفعل في الأعياد، فرحاً بعيد غد يرخم، وضربت الدبادب والبوقات.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في هذه السنة سار معز الدولة واستولى على الموصل ونصيبين، بعد أن انهزم ناصر الدولة من بين يديه، ثم وقع بينهما الاتفاق، وضمن ناصر الدولة الموصل بمال ارتضاه معز الدولة، فرحل معز الدولة ورجع إلى بغداد.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وفي هذه السنة سار ملك الروم إِلى المصيصة، فحاصرها وفتحها عنوة بالسيف، يوم السبت ثالث عشر رجب، ووضع السيف في أهلها، ثم رفع السيف وأخذ من بقي أسرى، ونقلهم إِلى بلد الروم، وكان أهلها
стр. 307
نحو مائتي ألف إِنسان، ثم سار إِلى طرسوس، فطلب أهلها الأمان فأمنهم، وتسلم طرسوس وسار أهلها عنها في البر والبحر، وسير ملك الروم معهم من يحميهم، حتى وصلوا إِلى إنطاكية، وجعل جامع طرسوس اصطبلا، وأحرق المنبر، وعمر طرسوس حصنها وتراجع إِليها بعض أهلها وتنصر بعضهم، ثم عاد ملك الروم إِلى القسطنطينية.
مخالفة أهل إنطاكية على سيف الدولة بن حمدان
في هذه السنة أطاع أهل إنطاكية بعض المقدمين، الذين حضروا من طرسوس، وخالفوا سيف الدولة، وكان اسم المقدم الذي أطاعوه رشيقاً فسار إِلى جهة حلب، وقاتل عامل سيف الدولة قرعويه، وكان سيف الدولة بميافارقين فأرسل سيف الدولة عسكراً مع خادمه بشارة فاجتمع قرعويه العاعل بحلب مع بشارة، وقاتلا رشيق، فقتل رشيق وهرب بأصحابه، ودخلوا إنطاكية.
وفي هذه السنة قتل المتنبي الشاعر وابنه، قتلهما الأعراب وأخذوا ما معهما، واسمه أحمد بن الحسين بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الكندي، ومولده سنة ثلاث وثلاثمائة في الكوفة، بمحلة تسمى كندة، فنسب إِليها، وليس هو من كندة، التي هي قبيلة، بل هو جُعْفي القبيلة، بضم الجيم وسكون العين المهملة، ويقال إِنّ المتنبي كان سقاء بالكوفة، وفي ذلك يقول بعضهم يهجو المتنبي بأبيات منها:
أي فضل لشاعر يطلب الفض ... ل من الناس بكرة وعشيا
عاش حينا يبيع في الكوفة الما ... ء وحينا يبيع ماء المحيا
ثم قدم المتنبي إِلى الشام في صباه، واشتغل بفنون الأدب، ومهر فيها، وكان من المكثرين لنقل اللغة، والمطلعين عليها وعلى غريبها، لا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب، حتى قيل إِن الشيخ أبا علي الفارسي صاحب كتاب الإيضاح قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فعلى، فقال المتنبي في الحال: حجلى وظربى. قال أبو علي فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهما ثالثاً فلم أجد، وحسبك من يقول في حقه أبو علي هذه المقالة، وأما شعره فهو النهاية ورزق فيه السعادة، وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في برية السماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب، وغيرهم، فخرج إِليه لؤلؤ نائب الإخشيدية بحمص، فأسر المتنبي وتفرق عنه أصحابه، وحبسه طويلا ثم استتابه وأطلقه، ثم التحق المتنبي بسيف الدولة بن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ثم فارقه واتصل بمصر سنة ست وأربعين، فمدح كافوراً الإِخشيدي، ثم هجاه وفارقه سنة خمسين وقصد عضد الدولة ببلاد فارس ومدحه، ثم رجع قاصداً الكوفة، فقتل بقرب النعمانية، وهي من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول، قتلته العرب، وأخذوا ما معه. وفيها توفي محمد بن حبان أبو حاتم بن أحمد بن حبان البستي صاحب التصانيف المشهورة، حبان بكسر الحاء المهملة والباء الموحدة ثم ألف
стр. 308
ونون.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة.
خروج الروم إلى بلاد الإسلام في هذه السنة، خرجت الروم ووصلوا إلى آمد وحصروها، ثم انصرفوا عنها إِلى قرب نصيبين، وغنموا، وهرب أهل نصيبين، ثم ساروا من الجزيرة إِلى الشام ونازلوا إنطاكية وأقاموا عليها مدة طويلة، ثم رحلوا عنها إِلى طرسوس. وفي هذه السنة استفك سيف الدولة بن حمدان بن عمه أبا فراس ابن حمدان من الأسر، وكان بينه وببن الروم الفداء، فخلص عدة من المسلمين من الأسر.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة.
موت معز الدولة وولاية ابنه بختيار في هذه السنة سار معز الدولة إِلى واسط، وجهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين صاحب البطيحة، وحصل له إِسهال، فلما قوي به عاد إِلى بغداد، وترك العسكر في قتال عمران بن شاهين، ثم تزايد به المرض بعد وصوله إِلى بغداد، فلما أحس بالموت، عهد إِلى ابنه بختيار، ولقبه عز الدولة، وأظهر معز الدولة التوبة وتصدق بأكثر ماله وأعتق مماليكه، وتوفي ببغداد في ثالث عشر ربيع الآخر من هذه السنة، بعلة الذرب، ودفن بباب التبن، في مقابر قريش، وكانت إمارته إِحدى وعشرين سنة، وأحد عشر شهراً. ولما مات معز الدولة استقر ابنه عز الدولة بختيار في الإمارة، وكتب بختيار إِلى العسكر بمصالحة عمران بن شاهين، وعودهم إِلى بغداد، ففعلوا ذلك، وكان معز الدولة مقطوع اليد، قيل إِنها قطعت بكرمان في بعض حروبه، ومعز الدولة هو الذي أنشأ السعاة ببغداد لأعلام أخيه ركن الدولة بالأحوال سريعاً، فنشأ في أيامه فضل ومرعوش وفاقا جميع السعاة، وكان كل واحد منهما يسير في اليوم نيفاً وأربعين فرسخاً، وتعصبت لهما الناس، وكان أحدهما ساعي السنية والآخر ساعي الشيعة، ولما تولى بختيار، أساء السيرة واشتغل باللعب واللهو وعشرة النساء، والمغنيين وبغى كبائر الديلم شرهاً إِلى إِقطاعاتهم.
القبض على ناصر الدولة بن حمدان
وفي هذه السنة، قبض ابن ناصر الدولة أبو تغلب، على أبيه ناصر الدولة، وحبسه وكان سبب قبضه، أن ناصر الدولة كان قد كبر وساءت أخلاقه، وضيق على أولاده وأصحابه وخالفهم في أغراضهم فضجروا منه، حتى وثب عليه ابنه أبو تغلب فقبضه في هذه السنة في أواخر جمادى الأولى، ووكل به من يخدمه، ولما فعل أبو تغلب ذلك خالفه بعض أخوته، فاحتاج أبو تغلب إِلى مداراة بختيار ليعضده، فضمن أبو تغلب البلاد لبختيار بألف ألف ومائتي ألف درهم.
стр. 309
وفاة وشمكير في هذه السنة مات وشمكير بن زيار أخو مرداويج بأن حمل عليه وهو في الصيد، خنزير مجروح، فقامت به فرسه فسقط إلى الأرض فمات، فقام بالأمر بعده ابنه بيستون بن وشمكير بن زيار، وقيل إِن موته كان سنة سبع وخمسين في المحرم.
وفاة كافور وفيها مات كافور الإخشيدي وكان خصياً أسود من موالي محمد بن طغج الإخشيدي صاحب مصر، واستولى كافور على ملك مصر والشام بعد موت أولاد الإخشيد، فإنه ملك بعد الإخشيد ابنه أنوجور، والأمر جميعه إِلى كافور، ثم مات أنوجور سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، فأقام كافور أخاه علياً بن الإخشيد، فتوفي علي ابن الإخشيد المذكور، وهو صغير، في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة فاستقل كافور بالمملكة من هذا التاريخ وكان كافور شديد السواد، واشتراه الإخشيد بثمانية عشر ديناراً وقصده المتنبي ومدحه، وحكى المتنبي قال: كنت إِذا دخلت على كافور، أنشده يضحك لي، ويبش في وجهي إِلى أن أنشدته:
ولما صار ود الناس خبا ... جزيتَ على ابتسام بابتسام
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
قال: فما ضحك بعدها في وجهي إِلى أن تفرقنا، فعجبت من فطنته وذكائه، ولم يزل كافور مستقلاً بالأمر حتى توفي في هذه السنة يوم الثلاثاء لعشرين بقين من جمادى الأولى بمصر، وقيل كانت وفاته سنة سبع وخمسين، ودفن بالقرافة الصغرى، وكان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه، والديار المصرية، وبلاد الشام، وكان تقدير عمره خمساً وستين سنة، ووقع الخلف فيمن ينصب بعده، واتفقوا على أبي الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد وخطب له في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.
وفاة سيف الدولة وفيها مات سيف الدولة، أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي الربعي، وكان موته بحلب في صفر، وحمل تابوته إِلى ميافارقين، فدفن بها، وكان مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة وكان مرضه عسر البول، وهو أول من ملك حلب من بني حمدان، أخذها من أحمد بن سعيد الكلابي نائب الإخشيد وقيل إن أول من ولى حلب من بني حمدان، الحسين بن سعيد، وهو أخو أبي فراس حمدان وكان سيف الدولة شجاعاً كريماً، وله شعر فمنه ما قاله في أخيه ناصر الدولة:
وهبت لك العلياء وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
стр. 310
وما كان لي عنها نكول وإنما ... تجاوزت عن حقي فتم لك الحق
أما كنت ترضى أن أكون مصلياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
وله:
قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه
رد عنه الطرف منك فقد ... جَرحنه منك أسهمه
كيف يستطيع التجلد من ... خطرات الوهم تؤلمه
ولما توفي سيف الدولة، ملك بلاده بعده ابنه سعد الدولة شريف، وكنيته أبو المعالي بن سيف الدولة بن حمدان.
وفي هذه السنة توفي أبو علي محمد بن إِلياس، صاحب كرمان. وفي هذه السنة توفي أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، الكاتب الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني، وجده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وهو أصفهاني الأصل بغدادي المنشأ، وروى عن عالم كثير من العلماء، وكان عالماً بأيام الناس والأنساب والسير، وكان على أمويته متشيعاً، قيل إِنه جمع كتاب الأغاني في خمسين سنة وحمله إِلى سيف الدولة، فأعطاه ألف دينار، واعتذر إِليه، له غيره مصنفات عدة، وصنف كتباً لبني أمية أصحاب الأندلس، وسيرها إِليهم سراً وجاءه الإنعام منهم سراً، وكان منقطعاً إِلى الوزير المهلبي، وله فيه مدائح، وكانت ولادته سنة أربع وثمانين ومائتين، وأسماء الكتب التي صنفها لبني أمية: نسب بني عبد شمس، وأيام العرب ألف وسبع مائة يوم، وجمهرة النسب ونسب بني سنان.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة في هذه السنة استولى عضد الدولة ابن ركن الدولة بن بويه على كرمان بعد موت صاحبها علي بن إِلياس.
قتل أبي فراس بن حمدان وفي هذه السنة في ربيع الآخر قتل أبو فراس وكان مقيماً بحمص، فجرى بينه وبين أبي المعالي بن سيف الدولة وحشة، وطلبه أبو المعالي، فانحاز أبو فراس إلى صدد فأرسل أبو المعالي عسكر مع قرعويه، أحد قواد عسكره، فكبسوا أبا فراس في صدد، وقتلوه، وكان أبو فراس خال أبي المعالي وابن عمه، واسم أبي فراس الحارث بن أبي العلا سعيد بن حمدان بن حمدون وهو ابن عم ناصر الدولة، وسيف الدولة أسر بمنبج كما ذكرناه، وحمل إِلى القسطنطينية، وأقام في الأسر أربع سنين، وله في الأسر أشعار كثيرة، وكانت منبج إِقطاعه. وقال ابن خالويه. لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص، فاتصل خبره بأبي المعالي بن سيف الدولة وغلام أبيه قرعويه، فأرسله إِليه وقاتله، فقتل في صدد وقيل بقي مجروحاً أياماً، َ ومات، وكان مولده سنة عشرين وثلاثمائة. وفي مقتله في
стр. 311
صدد يقول بعضهم:
وعلمني الصد من بعده ... عن النوم مصرعه في صدد
فسقيا لها إِذ حوت شخصه ... وبعداً لها حيث فيها ابتعد
غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة مات المتقي لله إِبراهيم بن المقتدر في داره أعمى مخلوعاً، ودفن فيها. وفيها توفي علي بن قيدار الصوفي في النيسابوري.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.
ملك المعز العلوي مصر في هذه السنة، سير المعز لدين الله أبو تميم معد بن إِسماعيل المنصور بالله ابن القائم محمد بن المهدي عبيد الله القائد أبا الحسين، جوهر أغلام، والده المنصور، وجوهر رومي الجنس، فسار جوهر المذكور، في جيش كثيف إلى الديار المصرية، فاستولى عليها، وكان سبب ذلك أنه لما مات كافور الإِخشيدي، اختلفت الأهواء في مصر، وتفرقت الآراء، فبلغ ذلك المعز، فجهّز العسكر إِليها، فهربت العساكر الإِخشيدية من جوهر المذكور قبل وصوله، ووصل القائد جوهر إِلى الديار المصرية سابع عشر شعبان، وأقيمت الدعوة للمعز في الجامع العتيق في شوال، وكان الخطيب أبا محمد عبد الله بن الحسين الشمشاطي، وفي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، قدم جوهر إِلى جامع ابن طولون وأمر فأذن فيه بحي على خير العمل، ثم أذّن بعده بذلك في الجامع العتيق، وجهر في الصلاة يبسم الله الرحمن الرحيم ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة.
ملك عسكر المعز دمشق وغيرها من البلاد ولما استقر قدم جوهر بمصر، سيّر جمعاً كثيراً مع جعفر بن فلاج إلى الشام، فبلغ الرملة، وبها للحسن بن عبد الله بن طغج، وجرى بينهما حروب كان الظفر فيها لعسكر المعز، وأسر ابن طغج وغيره من القواد، فسيرهم جوهر إِلى المعز، واستولى عساكر المعز على تلك البلاد، وجبوا أموالها.
ثم سار جعفر بن فلاج بالعساكر إِلى طبرية، فوجد أهلها قد أقاموا الدعوة للمعز قبل وصوله. فسار عنها إِلى دمشق، فقاتله أهلها فظفر بهم، وملك دمشق ونهب بعضهما، وكف عن الباقين، وأقام الخطبة يوم الجمعة للمعز لدين الله العلوي، لأيام خلت من المحرم، سنة تسع وخمسين، وقطعت الخطبة العباسية، وجرى في أثناء هذه السنة بعد إِقامة الخطبة العلوية، فتنة بين أهل دمشق وجعفر بن فلاج، ووقع بينهم حروب، وقطعوا الخطبة العلوية، ثم استظهر جعفر بن فلاج واستولى على دمشق، فزالت الفتن واستقرت دمشق للمعز لدين الله العلوي.
стр. 312
اختلاف أولاد ناصر الدولة وموت أبيهم كان أبو تغلب وأبو البركات، وأختهما فاطمة، أولاد ناصر الدولة، من زوجته فاطمة بنت أحمد الكردية، وكانت مالكة أمر ناصر الدولة، فاتفقت مع ابنها أبي تغلب، وقبضوا على ناصر الدولة على ما ذكرناه، وكان لناصر الدولة ابن آخر اسمه حمدان، كان ناصر الدولة قد أقطعه الرحبة وماردين وغيرهما، فلما قبض ناصر الدولة، كاتب ابنه حمدان يستدعيه، ليتقوى به على المذكورين، فظفر أولاده بالكتاب، فخوفوا أباهم وحذروه، وبلغ ذلك حمدان، فعادى أخوته، وكان أشجعهم، ولما خاف أبو تغلب من أبيه ناصر الدولة، نقله إِلى قلعة كواشي، وحبسه بها، وبقي ناصر الدولة محبوساً بها شهوراً، ومات ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان بن حمدون بن الحارث بن لقمان التغلبي المذكور، بقلعة كواشي، في ربيع الأول من هذه السنة، ووقع بين حمدان بن ناصر الدولة، وبين أخويه أبي تغلب وأبي بركات حروب كثيرة، قتل فيها أبو البركات، قتله أخوه حمدان. ثم قوي أبو تغلب على أخيه حمدان وطرده عن بلاده، واستولى عليها، وكان يلقب أبو تغلب بن ناصر الدولة المذكور، عدة الدولة الغضنفر أبا تغلب.
ما فعله الروم بالشام في هذه السنة دخل ملك الروم إِلى الشام، ولم يمنعه أحد، فسار في البلاد إلى طرابلس، وفتح قلعة عرقة بالسيف، ثم قصد حمص، وقد أخلاها أهلها، فأحرقها ورجع إِلى بلاد الساحل، فأتى عليها نهباً وتخريباً، وملك ثمانية عشر منبراً، وأقام في الشام شهرين، ثم عاد إِلى بلاده، ومعه من الأسرى والغنائم ما يفوق الحصر.
استيلاء قرعويه على حلب في هذه السنة استولى قرعويه غلام سيف الدولة على حلب، وأخرج ابن أستاذه أبا المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان منها، فسار أبو المعالي إِلى عند والدته بميافارقين، وأقام عندها، ثم جرى بينهما وحشة، ثم اتفقا بعدها، ثم سار أبو المعالي فعبر الفرات وقصد حماة وأقام بها. وفي هذه السنة طلب سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه، أن يسلموا الأمر إِليه، فحبسوه ثم أخرج ميتاً في منتصف رمضان.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
ما ملكه الروم من البلاد في هذه السنة، سارت الروم إِلى الشام، ففتحوا إنطاكية بالسيف، وقتلوا أهلها، وغنموا وسبوا، ثم قصدوا حلب، وقد تغلب عليها قرعويه، غلام سيف الدولة بن حمدان، بعد طرد ابن أستاذه أبي المعالي عنها، فتحصن قرعويه بالقلعة، وملك الروم مدينة حلب وحصروا
стр. 313
القلعة، ثم اصطلحوا على مال يحمله قرعويه إلى ملك الروم في كل سنة، وكانت المصالحة بحمل المال المقرر على حلب وما معها من البلاد، وهي حماة وحمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وشيزر وما بين ذلك، ودفع أهل حلب الرهائن بالمال إِلى الروم، فرحلت الروم عن حلب، وعادت المسلمون إِليها.
وفيها رسل ملك الروم إِلى ملاز كرد من أرمينية جيشاً، فحصروها وفتحوها، عنوة بالسيف، وصارت البلاد كلها مسبية، ولا يمنع الروم عنها مانع.
قتل ملك الروم
كان قد غلب على ملك الروم رجل ليس من بيت المملكة، واسمه نقفور وخرج إلى بلاد الإسلام وفتح من الشام وغيره ما ذكرناه، وطمع في ملك جميع الشام وعظمت هيبته، وكان قد قتل الملك الذي قبله، وتزوج امرأته، ثم أراد أن يخصي أولادها الذين من بيت الملك، لينقطع نسلهم، ويبقى الملك في نسل نقفور المذكور وعقبه، فعظم ذلك على أمهم التي هي زوجة نقفور، فاتفقت مع الدمستق على قتله، وأدخلت الدمستق مع جماعة في زي النساء إِلى كنيسة متصلة بدار نقفور، فلما نام نقفور وغلقت الأبواب قامت زوجته ففتحت الباب الذي إِلى جهة الكنيسة، ودعت الدمستق، فدخل على نقفور وهو نائم، فقتله وأراح الله المسلمين من شره، وأقام الدمستق أحد أولادها الذي من بيت الملك في الملك، والدمستق عندهم اسم لكل من يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج قسطنطينية.
استيلاء أبي تغلب بن ناصر الدولة على حران في هذه السنة سار أبو تغلب إِلى حَران وحاصرها مدة وفتحها بالأمان، فاستعمل على حران البرقعيدي، وهو من أكابر أصحاب بني حَمْدان، ثم عاد أبو تغلب إِلى المَوْصل.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة اصطلح قرعويه مع ابن أستاذه أبي المعالي، وخطب له بحلب، وكان أبو المعالي حينئذ بحمص، وخطب أيضاً بحمص وحلب للمعز لدين الله العلوي، صاحب مصر، وخطب بمكة للمطيع، وبالمدينة النبوية للمعز، وخطب أبو محمد الموسوي والد الشريف الرضي خارج المدينة للمطيع.
وفي هذه السنة مات محمد بن داود الدينوري، المعروف بالرقي وهو من مشاهير مشايخ الصوفية، والقاضي أبو العلا محارب بن محمد بن محارب، الفقيه الشافعي، وكان عالماً بالفقه والكلام.
ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة.
ملك القرامطة دمشق في هذه السنة، في ذي القعدة، وصلت القرامطة إِلى دمشق، وبلغ خبرهم جعفر ابن فلاج، نائب المعز لدين الله، فاستهان بهم، فكبسوه خارج دمشق وقتلوه، وملكوا دمشق وأمنوا
стр. 314
أهلها، ثم ساروا إِلى الرملة فملكوها، ثم اجتمع إليهم خلق من الإخشيدية. فقصدوا مصر، ونزلوا بعين شمس، وجرى بنيهم وبين المغاربة وجوهر قتال، انتصرت فيه القرامطة، ثم انتصرت المغاربة، فرحلت القرامطة وعادوا إلى الشام، وكان كبير القرامطة حينئذ اسمه الحسن بن أحمد بن بهرام.
غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة، الصاحب أبا القاسم ابن عباد. وفيها مات أبو القاسم سليمان بن أيوب الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة بأصفهان، وكان عمره مائة سنة. وفيها توفي السري الرفاء الشاعر الموصلي ببغداد.
ثم دخلت سنة إِحدى وستين وثلاثمائة في هذه السنة وصلت الروم إِلى الجزيرة والرها ونصيبين، فغنموا وقتلوا، ووصل المسلمون إلى بغداد مستصرخين، فثارت العامة. وجرى في بغداد فتن كثيرة، واستغاثوا إِلى بختيار وهو في الصيد، فوعدهم الخروج إِلى الغزاة، وأرسل بختيار يطلب من الخليفة المطيع مالاً، فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة، فإِن أحببتم اعتزلت، فتهدده بختيار، فباع الخليفة قماشه وغير ذلك، حتى حمل إِلى بختيار أربعمائة ألف درهم، فأنفقها بختيار وأخرجها في مصالح نفسه، وبطل حديث الغزاة، وشاع في الناس أن الخليفة صودرَ.
مسير المعز لدين الله العلوي إِلى مصر وفي هذه السنة سار المعز من إفريقية، في أواخر شوال واستعمل على بلاد إفريقية يوسف، ويسمى بلكين بن زيري بن مناذ الصنهاجي، وجعل على بلاد صقلية أبا القاسم علي بن الحسين بن علي بن أبي الحسين، وعلى طرابلس الغرب عبد الله بن يخلف الكتامي، واستصحب المعز معه أهله وخزانته، وفيها أموال عظيمة، حتى سبك الدنانير وعملها مثل الطواحين، وشالها على جمال، ولما وصل إلى برقة ومعه محمد بن هاني الشاعر الأندلسي، قتل غيلة، لا يدري من قتله، وكان شاعراً مجيداً، وغالي في مدح المعز حتى كفر في شعره، فمما قاله:
ما شئتَ لا ما شاءَتِ الأقدار ... فاحكمْ فأنتَ الواحد القهار
ثم سار المعز حتى وصل إِلى الإسكندرية في أواخر شعبان، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وأتاه أهل مصر وأعيانها فلقيهم وأكرمهم، ودخل القاهرة خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة، تم الصلح بين منصور بن نوح الساماني، صاحب خراسان وبين ركن الدولة بن بويه، على أن يحمل ركن الدولة إِليه في كل سنة مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، وتزوج منصور بابنة عضد الدولة. وفيها ملك أبو تغلب بن ناصر الدولة بن
стр. 315
حمدان قلعة ماردين، سلمها إِليه نائب أخيه حمدان، فأخذ أبو تغلب كل ما لأخيه فيها من مال وسلاح.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فيها وصل الدمستق إلى جهة ميافارقين، فنهب واستهان بالمسلمين، فجهز أبو تغلب بن ناصر الدولة، أخاه هبة الله بن ناصر الدولة، في جيش، فالتقوا مع الدمستق، فانهزمت الروم، وأخذ الدمستق أسيراً، وبقي في الحبس عند أبي تغلب، ومرض فعالجه أبو تغلب، فلم ينجع فيه، ومات الدمستق في الحبس.
غير ذلك من الحوادث
في هذه السنة استوزر عز الدولة، بختيار، محمد بن بقية، فعجب الناس. من ذلك، لأن ابن بقية كان رضيعاً في نفسه من أهل أوانا، وكان أبوه أحد الزراعين. وفي هذه السنة حصلت الوحشة بين بختيار وبين أصحابه من الديلم والأتراك.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
خلع المطيع وخلافة ابنه الطايع
كان بختيار قد سار إِلى الأهواز، وتخلف سبكتكين التركي عنه ببغداد، فأوقع بختيار بمن معه من الأتراك، واحتاط على إِقطاع سبكتكين، فخرج عليه سبكتكين ببغداد فيمن بقي معه من الأتراك، ونهب دار بختيار ببغداد؛ ولما حكم سبكتكين، رأى المطيع عاجزاً من المرض، وقد ثقل لسانه، وتعذرت الحركة عليه، وكان المطيع يستر ذلك، فلما انكشف لسبكتكين، دعاه إِلى أن يخلع نفسه من الخلافة، ويسلمها إِلى ولده الطايع، فأجاب إِلى ذلك، وخلع المطيع لله المفضل نفسه، في منتصف ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وكانت مدة خلافته تسعاً وعشرين سنة وخمسة أشهر غير أيام.
وبويع الطايع لله وهو رابع عشرينهم، واسمه عبد الكريم بن المفضل المطيع لله بن جعفر المقتدر بن المعتضد أحمد، وكنية الطايع المذكور أبو بكر، واستقر أمره.
أحوال المعز العلوي وفي هذه السنة سارت القرامطة إِلى ديار مصر، وجرى بينهم وبين المعز حروب، آخرها أن القرامطة انهزمت، وقتل منهم خلق كثير، وأرسل المعز في أثرهم عشرة آلاف فارس، فسارت القرامطة إِلى الإِحساء والقطيف، ولما انهزمت القرامطة وفارقوا الشام، أرسل المعز لدين الله القائد ظالم بن موهوب العقيلي إِلى دمشق فدخلها، وعظم حاله وكثرت جموعه. ثم وقع بين أهل دمشق والمغاربة وعاملهم المذكور فتن كثيرة، وأحرقوا بعض دمشق، وعامت الفتن بينهم إِلى سنة أربع وستين وثلاثمائة.
стр. 316
حال بختيار لما جرى لبختيار وسبكتكين والأتراك ما ذكرناه، انحدر سبكتكين بالأتراك إِلى واسط، وأخذوا معهم الخليفة الطايع، والمطيع وهو مخلوع، فمات المطيع بدير العاقول، ومرض سبكتكين ومات أيضاً، وحملا إِلى بغداد، وقدم الأتراك عليهم أفتكين وهو من أكابر قوادهم، وساروا إِلى واسط، وبها بختيار، فنزلوا قريباً منه، ووقع القتال بين الأتراك وبختيار قريب خمسين يوماً، والظفر للأتراك ورُسُل بختيار متتابعة إِلى ابن عمه عضد الدولة، بالحث والإسراع، وكتب إِليه:
فإِن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق
فسار عضد الدولة إِليه، وخرجت هذه السنة والحال على ذلك. وفي هذه السنة انتهى تاريخ ثابت بن قره، وابتدأه من خلافة المقتدر، سنة خمس وتسعين ومائتين.
ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة.
استيلاء عضد الدولة على العِراق والقبض على بختيار، في هذه السنة سار عضد الدولة بعساكر فارس، لما أتاه مكاتبات بختيار كما ذكرناه، فلما قارب واسط، رجع أفتكين والأتراك إِلى بغداد، وصار عضد الدولة من الجانب الشرقي، وأمر بختيار أن يسير في الجانب الغربي إِلى نحو بغداد، وخرجت الأتراك من بغداد، وقاتلوا عضد الدولة، فانهزمت الأتراك وقتل بينهم خلق كثير، وكانت الوقعة بينهم رابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وسار عضد الدولة فدخل بغداد، وكان الأتراك قد أخذوا الخليفة معهم، فرده عضد الدولة إِلى بغداد، فوصل الخليفة إِلى بغداد في الماء، ثامن رجب من هذه السنة.
ولمّا استقر عضد الدولة ببغداد، شغبت الجند على بختيار يطلبون أرزاقهم، ولم يكن قد بقي مع بختيار شيء من الأموال، فأشار عضد الدولة على بختيار أن يغلق بابه، ويتبرأ من الإمرة، ليصلح الحال مع الجند. ففعل بختيار ذلك، وصرف كتابه وحجابه، فأشهد عضد الدولة الناس على بختيار، أنه عاجز وقد استعفى من الإمرة، عجزاً عنها، ثم استدعى عضد الدولة بختيار وأِخوته إِليه، وقبض عليهم في السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، واستقر عضد الدولة ببغداد، وعظم أمر الخليفة وحمل إِليه مالاً كثيراً وأمتعة.
عود بختيار إلى ملكه لما قبض بختيار، كان ولده المرزبان بالبصرة متولياً لها، فلما بلغه قبض والده كتب إِلى ركن الدولة يشكو إليه ذلك، فلما بلغ ركن الدولة ذلك، عظم عليه حتى ألقى نفسه إلى الأرض، وامتنع عن الأكل والشرب، حتى مرض
стр. 317
وأنكر على عضد الدولة أشد الإِنكار. فأرسل عضد الدولة يسأل أباه في أن يعوض بختيار مملكة فارس، فأراد ركن الدولة قتل الرسول وقال: إِن لم يعد بختيار إِلى مملكته وإلا سرت إِليه بنفسي، وكان قد سيّر عضد الدولة أبا الفتح بن العميد إِلى والده ركن الدولة أيضاً، في تلطيف الحال، فرده ركن الدولة أقبح رد، فلما رأى عضد الدولة اضطراب الأمور عليه بسبب غضب أبيه، اضطر إلى امتثال أمره، فأخرج بختيار من محبسه، وخلع عليه، وأعاده إِلى ملكه وسار عضد الدولة إِلى فارس في شوال من هذه السنة.
استيلاء أفتكين على دمشق كان أفتكين من موالي معز الدولة بن بويه، وكان تركياً، فلما انهزم من بختيار عند قدوم عضد الدولة، حسبما ذكرناه، سار إلى حمص، ثم إِلى دمشق، وأميرها ريان الخادم، من جهة المعز العلوي فاتفق أهل دمشق مع أفتكين وأخرجوا ريان الخادم، وقطعوا خطبة المعز في شعبان، واستولى أفتكين على دمشق، فعزم المعز العلوي على المسير من مصر إِلى الشام لقتال أفتكين، فاتفق مرت المعز في تلك الأيام على ما نذكره وتولى ابنه العزيز، فجهز القائد جوهراً إِلى الشام. فوصل إلى دمشق وحصر أفتكين بها فأرسل أفتكين إِلى القرامطة فساروا إِلى دمشق، فلما قربوا منها رحل جوهر عائداً إلى جهة مصر فسار أفتكين والقرامطة في أثره، واجتمع معهم خلق عظيم فلحقوا جوهراً قرب الرملة، فرأى جوهر ضعفه عنهم، فدخل عسقلان، فحصروه بها حتى أشرف جوهر وعسكره على الهلاك من الجوع، فراسل جوهر أفتكين، وبذل له أموالاً عظيمة في أن يمن عليه ويطلقه، فرحل عنه أفتكين.
وسار جوهر إِلى مصر، وأعلم العزيز بصورة الحال، فخرج العزيز بنفسه وسار إِلى الشام، فوصل إِلى ظاهر الرملة، وسار إِليه أفتكين والقرامطة، والتقوا، وجرى بينهم قتال شديد، وانهزم أفتكين والقرامطة، وكثر فيهم القتل والأسر، وجعل العزيز لمن يحضر أفتكين مائة ألف دينار، وتم أفتكين هارباً حتى نزل ببيت مفرج بن دغفل الطائي فأمسكه مفرج بن دغفل المذكور، وكان صاحب أفتكين، وحضر مفرج إلى العزيز وأعلمه بأسر أفتكين، وطلب منه المال فأعطاه ما ضمنه، وأرسل معه من أحضر أفتكين، فلما حضر أفتكين ممسوكاً بين يدي العزيز أطلقه ونصب له خيمة، وأطلق من كان في الأسر من أصحابه، وحمل العزيز إِليه أموالاً وخلعاً، ثم عاد العزيز إِلى مصر وأفتكين صحبته، على أعظم ما يكون من المنزلة، وبقي كذلك حتى مات أفتكين بمصر.
ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة.
وفاة المعز العلوي وولاية ابنه العزيز في هذه السنة توفي المعز لدين الله أبو تميم معد بن المنصور بالله إِسماعيل ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي عبيد الله العلوي الحسيني بمصر، في سابع عشر ربيع الأول وولد بالمهدية من إِفريقية، حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة فيكون
стр. 318
عمره خمساً وأربعين سنة وستة أشهر تقريباً، وكان مغواً بالنجوم، ويعمل بأقوال المنجمين، وكان فاضلا، ولما مات المعز أخفى العزيز ابنه موته، وأظهره في عيد النحر من هذه السنة، وبايعه الناس.
غير ذلك من الحوادث
في أواخر هذه السنة وأول التي بعدها سار أبو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي الحسين أمير صقلية إِلى الغزوة ففتح مدينة مسينة ثم عدى إِلى كتنه ففتحها، وفتح قلعة جلوى وبث سراياه في نواحي قلورية، وغنم وسبى وفتح غير ذلك من تلك البلاد. وفيها خطب للعزيز العلوي بمكة. وفيها توفي ثابت بن سنان ابن قرة الصابي صاحب التاريخ. وفيها وقيل بل في سنة ست وستين وثلاثمائة، وقيل في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة توفي أبو بكر واسمه محمد بن علي بن إِسماعيل القفال الشاشي الفقيه الشافعي إِمام عصره، لم يكن بما وراء النهر في وقته مثله، رحل إِلى العراق والشام والحجاز، وأخذ الفقه عن ابن سريج، وروى عن محمد بن جرير الطبري وأقرانه، وروى عنه الحاكم بن منده، وجماعة كثيرة، وأبو بكر القفال المذكور، هو والد قاسم صاحب كتاب التقريب، الذي ينقل عنه في النهاية والوسيط والبسيط، وذكره الغزالي في الباب الثاني من كتاب الرهن، كنه قال أبو القاسم، وهو غلط، وصوابه القاسم وهذا التقريب غير التقريب الذي لسليم الرازي، فإِن التقريب الذي للقاسم بن القفال الشاشي قليل الوجود، بخلاف تقريب سليم الرازي. والشاشي منسوب إِلى الشاش، وهي مدينة وراء نهر سيحون في أرض الترك، وأبو بكر محمد الشاشي المذكور، غير أبي بكر محمد الشاشي صاحب العمدة، والكتاب المستظهري الذي سنذكره إِن شاء الله تعالى في سنة سبع وخمس مائة المتأخر عن الشاشي القفال المذكور.
ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة.
وفاة ركن الدولة وملك عضد الدولة في هذه السنة في المحرم، توفي ركن الدولة الحسن بن بويه، واستخلف على مماليكه ابنه عضد الدولة، وكان عمر ركن الدولة قد زاد على سبعين سنة، وكانت إمارته أربعاً وأربعين سنة، وأصيب به الدين والدنيا جميعاً لاستكمال خلال الخير فيه، وعقد لولده، فخر الدولة على همدان، وأعمال الجبل، لولده مزيد الدولة على أصفهان وأعمالها، وجعلهما تحت حكم أخيهما عضد في هذه البلاد.
مسير عضد الدولة إِلى العراق وفيها بعد وفاة ركن الدولة، سار عضد الدولة إِلى العراق، فخرج بختيار إِلى قتاله، فاقتتلا بالأهواز، وخامر أكثر جيش بختيار عليه، فانهزم بختيار إِلى واسط، وبعث عضد الدولة عسكراً فاستولوا على البصرة، ثم سار بختيار إِلى بغداد، وسار عضد الدولة إلى البصرة، وتلك النواحي، وقرر أمورها،
стр. 319
واستمر الحال على ذلك حتى خرجت هذه السنة.
ابتداء دولة آل سبكتكين وفي هذه السنة ملك سبكتيكين مدينة غزنة. وكان سبكتكين من غلمان أبي إِسحاق بن البتكين، صاحب جيش غزنة للسامانية، وكان سبكتكين مقدماً عند مولاه أبي إِسحاق، لعقله وشجاعته، فلما مات أبو إِسحاق ولم يكن له ولد، اتفق العسكر وولوا سبكتكين عليهم لكمال صفات الخير فيه، وحلفوا له وأطاعوه، ثم إِن سبكتكين عظم شأنه وارتفع قدره وغزا بلاد الهند واستولى على بُسْت وفصْدار.
غير ذلك من الحوادث فيها مات منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إِسماعيل بن أحمد بن أسد بن سامان، صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف شوال، في بخارى، وكانت ولايته نحو خمس عشرة سنة، وولي الأمر بعده ابنه نوح بن منصور، وعمره نحو ثلاث عشرة سنة وفيها مات القاضي منذر بن سعيد البلوطي، قاضي قضاة الأندلس، وكان إِماماً فقيهاً خطيباً شاعراً ذا دين متين، وفيها قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل عينه الواحدة، وقطع أنفه، وكان أبو الفتح ليلة قبض، قد أمسى مسروراً، وأحضر ندماءه، وأظهر من الآلات الذهبية والزجاج المليح، وأنواع الطيب، ما ليس لأحد مثله، وشربوا وعمل شعراً، وغني له به وهو:
دعوت المنى ودعوتُ العلى ... فلما أجابا دعوتُ القَدَح
وقلت لأيام شرخ الشبابِ ... إِلي فهذا أوان الفرح
إِذا بلغ المرء آماله ... ليس له بعدها مقترح
فطاب عليه وشرب حتى سكر ونام، فقبض عليه في السحر من تلك الليلة.
وفاة الحكم الأموي صاحب الأندلس الملقب بالمستنصر
في هذه السنة. توفي الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي، صاحب الأندلس وكانت إِمارته خمسٍ عشرة سنة، وخمسة أشهر، وعمره ثلاثاً وستين سنة وسبعة أشهر، وكان فقيهاً عالماً بالتاريخ، وغيره، وعهد إِلى ابنه هشام بن الحكم، وعمره عشر سنين ولقبه المؤيد بالله فلما مات بايع الناس ابنه هشاماً، ولما بويع المؤيد هشام بالخلافة، وكان عمره عشرة أعوام، فتولى حجابته وتنفيذ أموره أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر محمد ابن الوليد بن يزيد المعافري
стр. 320
القحطاني، ويلقب أبو عامر المذكور، بالمنصور، واستولى على الدولة وحجب المؤكد، ولم يترك أحداً يصل إِليه ولا يراه واستبد بالأمر، وأصل المنصور بن أبي عامر المذكور من الجزيرة الخضراء من الأندلس، من قرية من أعمالها تسمى طرش، واشتغل المنصور بالعلوم في قرطبة وكانت له نفس شريفة، فبلغ معالي الأمور، واجتمعت عنده الفضلاء وأكثر الغزو والجهاد في الفرنج، حتى بلغت عدة غزواته نيفاً وخمسين غزوة، ومن عجائب الاتفاقات أن صاعد بن الحسن اللغوي، أهدى إِلى المنصور المذكور أيلاً مربوطاً في رقبته بحبل، وأحضر مع الأيل أبياتاً يمتدح المنصور فيها، وكان المنصور قد أرسل عسكراً لغزو الفرنج، وملكهم إِذ ذاك اسمه غرسية بن سانجة، والأبيات كثيرة منها:
عبد نشلت بضبعه وعرسته ... في نعمة أهدى إليك بأيل
سمته غرسية وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي
فلأن قبلت فتلك أسنى نعمة ... أسدى بها ذو منحة وتطول
فقضى الله في سابق علمه، أن عسكره أسروا غرسية في ذلك اليوم الذي أُهدي فيه الأيل بعينه، وكان أسر غرسية. وهذه الواقعة في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وبقي المنصور على منزلته حتى توفي في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
عود شريف إلى ملك حلب فيها عاد أبو المعالي شريف بن سيف الدولة إِلى ملك حلب، وسببه أنه لما جرى بين قرعويه وبين أبي المعالي ما قدمنا ذكره من استيلاء قرعويه على حلب، ومقام أبي المعالي بحماة، وصل إِلى أبي المعالي وهو بحماة، مارقطاش مولى أبيه من حصن برزية وخدمه وعمر له مدينة حمص، بعد ما كان قد أخربها الروم، وكان لقرعويه مولى يقال له بكجور وقد جعله قرعويه نائبه، فقوي بكجور واستفحل أمره، وقبض على مولاه قرعويه، وحبسه في قلعة حلب، واستولى بكجور على حلب وكاتب أهلها أبا المعالي، فسار أبو المعالي إِلى حلب، وأنزل بكجور بالأمان، وحلف له أنه يوليه حمص، فنزل بكجور وولاه أبو المعالي حمص، واستقر أبو المعالي مالكاً لحلب.
غير ذلك في هذه السنة توفي بهستون بن وشمكير بجرجان، واستولى على طبرستان وعلى جرجان أخره قابوس بن وشمكير بن زيار. وفيها توفي يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي صاحب هجر، ومولده سنة ثمانين ومائتين، وتولى أمر القرامطة بعده سنة نفر شركة، وسموا السادة.
ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة.
следующие страницы →