← История

История · id 12715

المختصر في أخبار البشر

أبو الفداء

Полный текст (814 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ممالك الأندلس، بعد ما كانت مجتمعة لخلفاء بني أمية، وقد نظم أبو طالب عبد الجبار المعروف بالمثنى الأندلسي، من أهل جزيرة شقراء، أرجوزة تحتوي على فنون من العلوم، وذكر فيها شيئاً من التاريخ يشتمل على تفرق ممالك الأندلس، فمن ذلك قوله: لما رأى أعلامُ أهل قُرطبة ... أن الأمور عندهم مضطربَه وعدمت شاكلة للطاعة ... استعلمت آراءها الجماعة فقدموا الشيخَ من آل جهور ... المكتنى بالحزم والتدبرِ ثم ابنه أبا الوليد بعده ... وكانْ يحدوا في السداد قصده فجاهرت لجورها الجهاوره ... وكل قطر حل فيه فاقره والثغر الأعلى قامَ فيه منذر ... ثم ابنُ هود بعدُ فيما يذكر وابن يعيش ثار في طليطله ... ثم ابن ذي النون تصفى الملك له وفي بطليموس انتزا سابور ... وبعده ابن الأفَطس المنصور وثار في إِشبيلية بنو عباد ... والكذب والفتونُ في ازدياد وثار في غرناطة حبوس ... ثم ابنه من بعده باديس وآل معن ملكوا المريه ... بسيرة محمودة مُرْضيه وثار في شرق البلاد الفتيان ... العامريون ومنهم خيران ثم زهيرٌ والفتى لبيبُ ... ومنهم مجاهد اللبيب سلطانه رسى بمرسى دانيه ... ثم غزا حتى إلى سردانيه ثم أقامت هذه الصقالبه ... لابن أبي عامر هم بشاطبه وحل ما ملكهم بلنسيه ... وثار آل طاهر بمرسيه وبلد البيت لآل قاسم ... وهو حتى الآن فيه حاكم وابن رزين جاره في السهلة ... أمهل أيضاً ثم كل المهله ثم استمرت هذه الطوائِف ... يخلفهم من آلهم خوالف غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، أعني سنة سبع وأربعمائة، قتلت الشيعة بإفريقية، وتتبع من بقي منهم فقتلوا، وكان سببه أن المعز بن باديس ركب في القيروان، فاجتاز بجماعة، فسأل عنهم فقيل له: هؤلاء رافضة، يسبون أبا بكر وعمر، فقال المعز رضي الله عن أبي بكر وعمر، فثارت بهم الناس، وأقاموا الفتنة وقتلوهم طمعاً في النهب. ثم دخلت سنة ثمان وأربعمائة في هذه السنة مات قرا خان ملك تركستان، وقيل إِن وفاته كانت في سنة ست وأربعمائة، ومدينة تركستان كاشغر، ولما كان قرا خان مريضاً، سارت جيوش الصين من الترك والخطابية إِلى بلاده،

стр. 352

فدعا قرا خان الله تعالى في أن يعافيه ليقاتلهم، ثم يفعل به ما شاء، فتعافى وجمع العساكر وسار إِليهم، وهم زهاء ثلاثمائة ألف خركاة، فكبسهم وقتل منهم زيادة على مائتي ألف رجل، وأسر نحو مائة ألف، وغنم ما لا يحصى، وعاد إِلى بلا ساغون، فمات بها عقيب وصوله، وكان عادلاً ديناً، وما أشبه قصته هذه بقصة سعد بن معاذ الأنصاري ﵁، في غزوة الخندق، لما جرح في وقعة خندق، وسأل الله أن يحييه إِلى أن يشاهد غزوة بني قريظة، فاندمل جرحه حتى فرغ رسول الله ﷺ من قتل بني قريظة، وسبيهم، فانتقض جرح سعد ومات ﵁، ولما مات قرا خان، واسمه أبو نصر أحمد بن طغان خان علي ملك أخوه أبو المظفر أرسلان خان. وفاة مهذب الدولة صاحب البطيحة وفي هذه السنة، في جمادى الأولى، توفي مهذب الدولة أبو الحسن بن علي ابن نصر، ومولده سنة خمس وثلاثمائة وهو الذي هرب إليه القادر بالله، وسبب موته أنه افتصد، فورم ساعده، واشتد بسبب ذلك به المرض، فلما أشرف على الموت، وثب ابن أخت مهذب الدولة، وهو أبو محمد عبد الله بن يمني، فقبض على ابن مهذب الدولة، واسمه أحمد، فدخلت أمه على مهذب الدولة قبل موته، فأعلمته بما جرى على ابنه فقال لها مهذب الدولة أي شيء أقدر أن أعمل وأنا على هذا الحال. ومات من الغد، ووليٍّ الأمر أبو محمد ابن أخت مهذب الدولة المذكور، وضرب ابن مهذب الدولة ضرباً شديداً، فمات أحمد بن مهذب الدولة من ذلك الضرب بعد ثلاثة أيام من موت أبيه، ثم حصل لأبي محمد ذبحة فمات منها، فكان مدة ملكه دون ثلاثة أشهر. فولي البطيحة بعده الحسين بن بكر الشرابي، وكان من خواص مهذب الدولة، ثم قبض عليه سلطان الدولة، في سنة ست عشرة وأربعمائة، وأرسل سلطان الدولة صدقة بن فارس المازديادي فملك البطيحة. غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة مات علي بن مزيد الأسدي وصار الأمير بعده ابنه دبيس بن علي بن مزيد. وفي هذه السنة ضعف أمر الديلم ببغداد، وطمعت فيهم العامة، وكثرت العيارون والمفسدون في بغداد، ونهبوا الأموال. وفيها قدم سلطان الدولة إِلى بغداد، وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، وكان جده عضد الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات. ثم دخلت سنة تسع وأربعمائة. في هذه السنة غزا يمين الدولة الهند، على عادته، فقتل وغنم وفتح وعاد إِلى غزنة مظفراً منصوراً. وفيها مات عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري، صاحب المؤتلف والمختلف. وفيها توفي أرسلان خان أبو المظفر بن طغان خان علي، ولما توفي مَلِكَ بلاد ما وراء النهر قدر خان، يوسف ابن بغراخان هارون

стр. 353

بن سليمان، وتوفي قدر خان المذكور في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة عشر وأربعمائة، وفيها توفي وثاب بن سابق النميري صاحب حران وملك بلاده بعده ولده شبيب بن وثاب. ثم دخلت سنة إِحدى عشرة وأربعمائة موت الحاكم بأمر الله في هذه السنة، لثلاث بقين من شوال، فقد الحاكم بأمر الله أبو علي منصور ابن العزيز بالله العلوي، صاحب مصر، وكان فَقْده بأن خرج يطوف بالليل على رسمه، وأصبح عند قبر الفقاعي وتوجه إِلى شرقي حلوان، ومعه ركابيان فأعاد أحدهما مع جماعة من العرب ليوصلهم ما أطلق لهم من بيت المال، ثم عاد الركابي الآخر وأخبر أنه خلف الحاكم عند العين والمقصبة، فخرج جماعة من أصحابه لكشف خبره، فوجدوا عند حلوان حمار الحاكم، وقد ضربت يده بسيف، وعليه سرجه ولجامه، وأتبعوا الأثر، فوجدوا ثياب الحاكم فعادوا ولم يشكوا في قتله، وكان سبب قتله: أنه تهدد أخته، فاتفقت مع بعض القواد، وجهزوا عليه من قتله، وكان عمر الحاكم ستاً، وثلاثين سنة وتسعة أشهر، وولايته خمساً وعشرين سنة وأياماً، وكان جواداً بالمال، سفاكاً للدماء، وكان يصدر عنه أفعال متناقضه، يأمر بالشيء ثم ينتهي عنه. وولي الخلافة بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله، أبو الحسن علي بن منصور الحاكم بأمر الله، وبويع له بالخلافة. في اليوم السابع من قتل الحاكم، وهو إذ ذاك صبي وكتبت الكتب إِلى بلاد مصر والشام بأخذ البيعة له، وجمعت عمته أخت الحاكم، واسمها ست الملك، الناس، ووعدتهم وأحسنت إِليهم ورتبت الأمور وباشرت تدبير الملك بنفسها، وقويت هيبتها عند الناس، وعاشت بعد قتل الحاكم أربع سنين وماتت. ملك شرف الدولة بن، بهاء الدولة بن عضد الدولة العراق وفي هذه السنة، في ذي الحجة شغبت الجند ببغداد على سلطان الدولة فأراد الإنحدار إِلى واسط، فقال الجند له: إِما أن تجعل عندنا ولدك، وإما أخاك مشرف الدولة، فاستخلف أخاه مشرف الدولة على العراق، وسار سلطان الدولة عن بغداد إِلى الأهواز، واستوزر في طريقه ابن سهلان، فاستوحش مشرف الدولة من ذلك، وأرسل سلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف الدولة من العراق، فسار إِليه واقتتلا، فانتصر مشرف الدولة وأمسك ابن سهلان، وسمله، فلما سمع سلطان الدولة بذلك، ضعفت نفسه وهرب إِلى الأهواز في أربعمائة فارس، واستقر مشرف الدولة بن بهاء الدولة في ملك العراق، وقطعت خطبة سلطان الدولة، وخطب لمشرف الدولة في أواخر المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.

стр. 354

غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة، في الموصل، قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلد على وزيره أبي القاسم المغربي، ثم أطلقه، فيما بعد، وقبض أيضاً على سليمان بن فهد، وكان ابن فهد في حداثته بين يدي الصابي ببغداد، ثم صعد إِلى الموصل، وخدم المقلد ابن المسيب والد قرواش، ثم نظر في ضياع قرواش فظلم أهلها، ثم سخط قرواش عليه وحبسه ثم قتله، وهو المذكور في شعر ابن الزمكدم في أبياته وهي: وليلِ كوجهِ البرقعيدي مظلم ... ورد أغانيه وطولِ قرونهِ سريت ونومي فيه نوم مشردٍ ... كعَقلِ سليمَانَ بن فهد ودينهِ علي أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خطبهِ وجنونهِ إِلى أن بدا نور الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه وكان من حديث هذه الأبيات، أن قرواشاً جلس في مجلس شرابه في ليلة شاتية وكان عنده المذكورون، وهم البرقعيدي وكان مغنياً لقرواش، وسليمان بن فهد الوزير المذكور، وأبو جابر، وكان حاجباً لقرواش، فأمر قرواش الزمكدم أن يهجو المذكورين ويمدحه، فقال هذه الأبيات البديهية. وفيها اجتمع غريب بن معن ودبيس بن علي بن مزيد، وأتاهم عسكر من بغداد، وجرى بينهم وبين قرواش قتال، فانهزم قرواش، وامتدت يد نواب السلطان إِلى أعماله، فأرسل قرواش يسأل الصفح عنه. وفيها على ما حكاه ابن الأثير في حوادث هذه السنة، في ربيع الآخر نشأت سحابة بإفريقية شديدة البرق والرعد، فأمطرت حجارة كثيرة وهلك كل من أصابته. ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة فيها مات صدقة بن فارس المازياري أمير البطيحة، وضمنها أبو نصر شيرزاد بن الحسن بن مروان، واستقر فيها، وأمنت به الطرق. وفيها توفي علي بن هلال، المعروف بابن البواب، المشهور بجودة الخط، وقيل كان موته سنة ثلاث عشرة وكان عنده علم، وكان يقص بجامع المدينة ببغداد، ويقال له ابن الستري أيضاً، لأن أباه كان بواباً، والبواب يلازم ستر الباب، فلهذا نسب إِليه أيضاً، وكان شيخه في الكتابة محمد بن أسد بن علي القارئ الكاتب البزار البغدادي. وتوفي ابن البواب ببغداد، ودفن بجوار أحمد بن حنبل. وفيها توفي أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي الصوفي صاحب طبقات الصوفية. وفيها توفي علي بن عبد الرحمن الفقيه البغدادي، المعروف بصريع الدلاء، قتيل الغواشي ذي الرقاعتين، الشاعر المشهور، وله قصيدة في المجون فمنها قوله: وليس يخرا في الفراش عاقلٌ ... والفرش لا ينكر فيها من فسى من فاته العلم وأخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حال سوا

стр. 355

وقدم مصر في السنة التي توفي فيها، ومدح الظاهر لإعزاز دين الله. أخبار اليمن من تاريخ اليمن لعمارة قال: وفي هذه السنة، أعني سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، استولى نجاح على اليمن حسبما سبقت الإشارة إليه، في سنة ثلاث ومائتين، ونجاح المذكور مولى مرجان، ومرجان مولى حسين بن سلامة، وحسين مولى رشد، ورشد مولى زياد، وكان لنجاح عدة من الأولاد منهم: سعيد الأحول، وجياش، ومعارك، وغيرهم وبقي نجاح في ملك اليمن حتى توفي في سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. قيل إن الصليحي أهدى إليه جارية جميلة، فسمت نجاحاً ومات بالسم. ثم ملك بعد نجاح بنوه، وكبيرهم سعيد الأحول بن نجاح، وبقي الأمر فيهم بعد موت نجاح سنتين وغلب عليهم الصليحي، على ما سنذكره في سنة خمس وخمسين وأربعمائة، فهرب بنو نجاح إِلى دهلك وجزائرها، ثم افترقوا منها فقدم جياش متنكراً إِلى زبيد، وأخذ منها وديعة كانت له، ثم عاد إِلى دهلك مدة ملك الصليحي. وأما سعيد الأحوال، فقدم إِلى زبيد أيضاً، بعد عود أخيه جياش عنها، واستتر بها، وأرسل واستدعى جياشاً من دهلك، وبشره بانقضاء ملك الصليحي، وأن ذلك قد قرب أوانه، فقدم جياش إِلى زبيد في اليوم التاسع من ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، وقصدا الصليحي، وكان الصليحي قد سار إِلى الحج، فلحقاه عند أم الدهيم، وبير أم معبد، وبغتاه وقتلاه في ثاني عشر ذي القعدة، من السنة المذكورة، ومعه عسكر كثير، فلم يشعروا إِلا بقتل الصليحي، وكذلك قتل مع الصليحي أخوه عبد الله بن محمد، وحز سعيد رأس الصليحي ورأس أخيه عبد الله، واحتاط على امرأة الصليحي، وهي أسماء بنت شهاب، وسار عائداً إِلى زبيد، وكان لأسماء ابن يقال له الملك المكرم، وكان مالكاً بعض حصون اليمن، ودخل سعيد بن نجاح وأخوه جياش زبيد في أواخر سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة والرأسان قدامهما، أمام هودج أسماء بنت شهاب، وأنزل سعيد أسماء بدار في زبيد، ونصب الرأسين قبالتها، واستوسق الأمر بتهامة لسعيد بن نجاح، واستمرت أسماء مأسورة إِلى سنة خمس وسبعين وأربعمائة، فأرسلت أسماء بالخفية كتاباً إِلى ابنها المكرم تستوحيه، فجمع المكرم، واسمه أحمد بن علي الصليحي، جموعاً وسار من الجبال إِلى زبيد، وجرى بينه وبين سعيد بن نجاح قتال شديد، فانتصر الملك المكرم، وهرب سعيد، ومن سلم معه إِلى دهلك، واستولى المكرم على زبيد، وأنزل رأسي الصليحي وأخيه ودفنهما، وبنى عليهما مشهداً وولى المكرم على زبيد خاله أسعد بن شهاب، وماتت أسماء المذكورة، بعد ذلك في صنعاء سنة سبع وسبعين وأربعمائة. ثم عاد بنو نجاح من دهلك وملكوا زبيد، وأخرجوا أسعد بن شهاب منها في سنة تسع وسبعين وأربعمائة،

стр. 356

ثم غلب عليهم الملك المكرم أحمد بن علي الصليحي، وملك زبيد وقتل سعيد بن نجاح في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وقيل سنة ثمانين، ونصب رأسه مدة، ولما قتل سعيد في السنة المذكورة، هرب أخوه جياش إِلى الهند، وأقام جياش في الهند ستة أشهر، ثم عاد إِلى زبيد فملكها، في بقايا سنة إِحدى وثمانين المذكورة، وكان قد اشترى من الهند جارية هندية، فأقدمها معه وهي حبلى منه، فلما حصل في زبيد ولدت له ابنه الفاتك بمن جياش، وبقي المكرم في الجبال يوقع الغارات على بلاد جياش، ولم يبق له من القدرة على غير ذلك. ولم يزل جياش مالكاً لتهامة من اليمن، من سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، إِلى سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، فمات في أواخرها، وقيل إِن موته كان في سنة خمسمائة، وترك عدة أولاد منهم: الفاتك ابن الهندية، ومنصور، وإبراهيم، فتولى بعده ابنه فاتك بن جياش، وخالف عليه أخوه إبراهيم، ثم مات فاتك في سنة ثلاث وخمسمائة وخلف ولده منصوراً، فاجتمعت عليه عبيد أبيه فاتك وملكوه وهو دون البلوغ، فقصده عمه إِبراهيم وقاتله، فلم يظفر إِبراهيم بطائل، وثار في زبيد عم الصبي عبد الواحد بن جياش، وملك زبيد، فاجتمع عبيد فاتك على منصور واستنجدوا وقصدوا زبيد، وقهروا عبد الواحد، واستقر منصور بن فاتك في الملك بزبيد، ثم ملك بعد منصور بن فاتك، ولده فاتك بن منصور بن فاتك. ثم ملك بعد فاتك الأخير المذكور ابن عمه، واسمه أيضاً فاتك بن محمد بن فاتك بن جياش بن نجاح، مولى مرجان، في سنة إِحدى وثلاثين وخمسمائة، واستقر فاتك بن محمد المذكور في ملك اليمن، من السنة المذكورة، حتى قتله عبيد في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وهو آخر ملوك اليمن من بني نجاح. ثم تغلب على اليمن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة، علي بن مهدي، على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة فيها كان الصلح بين مشرف الدولة وأخيه سلطان الدولة، واستقر الحال على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة وكرمان وفارس لسلطان الدولة. وفيها استوزر مشرف الدولة أبا الحسن بن الحسن الرخجي، ولقب مؤيد الملك، وامتدحه المهيار وغيره من الشعراء، وبنى مارستان بواسط، وجعل عليه وقوفاً عظيمة، وكان يسأل في الوزارة ويمتنع، فألزمه مشرف الدولة بها في هذه السنة. وفيها توفي علي بن عيسى السكري. شاعر السنة وسمي بذلك لإكثاره من مدح الصحابة ومناقضته شعراء الشيعة، وفيها توفي عبد الله بن المعلم فقيه الإمامية، ورثاه المرتضى. ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمائة في هذه السنة استولى علاء الدولة أبو جعفر بن كاكوية على همذان وأخذها من صاحبها سماء الدولة أبي الحسن بن شمس الدولة، من بني بويه، ولما ملك علاء الدولة همذان، سار إِلى الدينور، فملكها، ثم ملك شابور خواشت، أيضاً وقْويت هيبته وضبط المملكة. وفي

стр. 357

هذه السنة قبض مشرف الدولة على وزيره الرخجي، واستوزر أبا القاسم المغربي، واسمه الحسين، الذي تقدم ذكره أنه كان وزير القرواش، وكان أبوه من أصحاب سيف الدولة بن حمدان، وسار إِلى مصر وولد له أبو القاسم المذكور بها، سنة سبعين وثلاثمائة ثم قتل الحاكم أباه، فهرب أبو القاسم إِلى الشام وتنقْل في الخدم. وفي هذه السنة غزا يمين الدولة محمود بلاد الهند، وأوغل فيه وفتح وغنم وعاد سالماً. وفي هذه السنة توفي القاضي عبد الجبار وقد جاوز التسعين، وكان متكلماً معتزلياً، وله تصانيف مشهورة في علم الكلام. ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمائة وفاة سلطان الدولة في هذه السنة، في شوال، توفي الملك سلطان الدولة، أبو شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة، بشيراز، وعمره اثنتان وعشرون سنة وأشهر. فاستولى أخوه قوّام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة ملك كرمان، على مملكة فارس، وكان أبو كاليجار بن سلطان الدولة بالأهواز، فسار إِلى عمه واقتتلا، فانهزم عمه أبو الفوارس، واستولى أبو كاليجار بن سلطان الدولة على شيراز وسائر مملكة أبيه بفارس، ثم أخرجه عمه أبو الفوارس عنها، ثم عاد أبو كاليجار فملكها ثانياً، وهزم عمه قوّام الدولة، وملك شيراز، واستفر في ملك أبيه. وفيها توفي علي بن عبيد الله بن عبد الغفار السمساني اللغوي، كان فيمن يعلم اللغة، وكتب الأدب التي عليها خطه، مرغوب فيها. ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمائة، في هذه السنة عاد أيضاً يمين الدولة إِلى غزو بلاد الهند، وأوغل فيه، وفتح مدينة الصنم المسمى بسومنات، وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند، وهم يحجون إِليه، وكان له من الوقوف ما يزيد على عشرة آلاف ضيعة، وقد اجتمع في بيت الصنم من الجواهر والذهب ما لا يحصى، فقتل يمين الدولة فيها من الهنود ما لا يحصى وغنم تلك الأموال، وأوقد على الصنم ناراً حتى قدر على كسره، من صلابة حجره، وكان طوله خمسة أذرع، منها ثلاثة بارزة، وذراعان في البناء، وأخذ بعض الصنم معه إِلى غزنة، وجعله عتبة للجامع. وفاة مشرف الدولة وفي هذه السنة، في ربيع الأول توفي مشرف الدولة، أبو علي بن بهاء الدولة، وعمره ثلاث وعشرون سنة وأشهر، وملكه خمس سنين وخمسة وعشرون يوماً، وكان عادلاً حسن السيرة. وفيها قتل علي بن محمد التهامي الشاعر، المشهور، صاحب المرثية المشهورة التي عملها في ولد صغير له مات، التي منها: حكم المنية في البريةِ جاري ... ما هذه الدنيا بدار قرارِ طُبعتْ على كَدر وأنتَ تُريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدارِ

стр. 358

ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ ووصل التهامي المذكور إِلى القاهرة، متخفياً، ومعه كتب من حسان بن مفرج ابن دغفل البدوي، إلى بني قرة، فعلم بأمره وحبس في خزانة البنود، ثم قتل بها محبوساً في التاريخ المذكور، والتهامي منسوب إِلى تهامة، وهي تطلق على مكة، ولذلك قيل للنبي ﷺ تهامي، لأنه منها، وتطلق على البلاد التي بين الحجاز وأطراف اليمن. ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة في هذه السنة تسلط الأتراك في بغداد فأكثروا مصادرات الناس، وعظم الخطب، وزاد الشر، ودخل في الطمع العامة والعيارون، وذلك بسبب موت شرف الدولة وخلو بغداد من سلطان. وفيها توفي أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله الفقيه الشافعي، المعروف بالقفال، وعمره تسعون سنة، وله التصانيف النافعة، وكان يعمل الأقفال، ماهراً في عملها، واشتغل على كبر، وفاق أهل زمانه، يقال كان عمره لما ابتدأ بالاشتغال ثلاثين سنة، وأبو بكر القفال المذكور غير أبي بكر القفال الشاشي، المقدم ذكره في سنة خمس وستين وثلاثمائة، والقفال المذكور اسمه عبد الله، وكنيته أبو بكر، وأما القفال الشاشي المقدم الذكر، اسمه وكنيته أبو بكر. ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمائة. ملك جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة بغداد في هذه السنة سار جلال الدولة من البصرة إِلى بغداد، وكان قد استدعاه الجند بأمر الخليفة، لما حصل من النهب والفتن ببغداد، لخلوها من السلطان، فدخلها ثالث رمضان، وخرج الخليفة القادر لملتقاه، وحلفه واستوثق منه، واستقر جلال الدولة في ملك بغداد. وفي هذه السنة توفي الوزير أبو القاسم الغربي الذي تقدم ذكره، وعمره ست وأربعون سنة. وفيها سقط بالعراق بَرَدٌ كبار، وزن البَرَدة، رطل ورطلان بالبغدادي، وأصغره كالبيضة. وفيها نقضت الدار التي بناها معز الدولة بن بويه ببغداد، وكان قد غرم عليها ألف ألف دينار، وبذل في حكاكة سقف منها ثمانية آلاف دينار. وفي هذه السنة أعني سنة ثماني عشرة وأربعمائة، توفي الأستاذ أبو إسحاق إِبراهيم بن محمد بن إِبراهيم بن مروان الاسفرائيني، ويلقب ركن الدين الفقيه الشافعي، المتكلم الأصولي، أخذ عنه الكلام عامة شيوخ نيسابور، وأقر أهل خراسان له بالعلم، وله التصانيف الجليلة في الأصول والرد. على الملحدين، وهو أحد من بلغ حد الاجتهاد من العلماء، لتبحره في العلوم، واختلف إِلى مجلسه أبو القاسم القشيري، وأكثر الحافظ أبو بكر البهيقي الرواية عنه. وفيها توفي أبو القاسم بن طباطبا الشريف، وله شعر جيد، واسمه أحمد بن محمد بن إِسماعيل بن إِبراهيم طباطبا بن إِسماعيل بن إِبراهيم بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب ﵁، نقيب الطالبيين بمصر، وكان من أكابر رؤسائها، وطباطبا لقب جده، لقّب بذلك لأنه كان يلثغ، فيجعل القاف طاء، طلب يوماً قماشه، فقال غلامه: أجيب

стр. 359

دراعة، فقال: لا، طباطبا يريد قباقيا فبقي عليه لقباً، ومن شعره: كأن نجوم الليل سارتْ نهارها ... فوافت عشاء وهي أنضاء أسفارِ وقد خيمتْ كي تستريح ركابها ... فلا فلكُ جارٍ ولا كوكب ساري ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة في هذه السنة، في ذي القعدة توفي قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة، صاحب كرمان، فسار ابن أخيه أبو كاليجار ابن سلطان الدولة، صاحب فارس، إِلى كرمان، واستولى عليها بغير حرب. ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة في هذه السنة استولى يمين الدولة محمود بن سبكتكين على الري وقبض على مجد الدولة بن فخر الدولة علي بن ركن الدولة حسن بن بويه، صاحب الري، وكان سبب ذلك أن مجد الدولة اشتغل عن تدبير المملكة، بمعاشرة النساء ومطالعة الكتب، فشغبت عليه جنده، فبعث يشكو جنده إِلى يمين الدولة محمود، وعلم محمود بعجزه، فبعث إِليه عسكراً قبضوا على مجد الدولة، واستولى على الري. وفي هذه السنة كان قتل صالح بن مرداس أمير بني كلاب، صاحب حلب على ما سبق ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة وفي هذه السنة توفي منوجهر بن قابوس بن وشمكير بن زيار، وملك بعده ابنه أنوشروان بن منوجهر. ثم دخلت سنة إِحدى وعشرين وأربعمائة. ؟؟ وفاة السلطان محمود وفي هذه السنة، في ربيع الآخر، توفي محمود بن سبكتكين، ومولده في عاشورا سنة ستين وثلاثمائة، وكان مرضه إِسهالاً وسوء مزاج، وبقي كذلك نحو سنتين، وكان قوي النفس، فلم يضع جنبه في مرضه، بل كان يستند إِلى مخدته حتى مات، كذلك وأوصى بالملك لابنه محمد بن محمود، وكان أصغر من مسعود، فقعد محمد في الملك، وكان أخوه مسعود بأصفهان، فسار نحو أخيه محمد، فاتفق أكابر العسكر وقضوا على محمد، وحضر مسعود فتسلم المملكة، واستقر فيها وأطلق أخاه محمداً، وأحسن إِليه. ثم قبض مسعود على القواد الذين قبضوا أخاه محمداً، وسعوا لمسعود في المملكة. وهذا عاقبة غدرهم. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة في هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكراً، فاستولى على التيز ومكران. ملك الروم مدينة الرها وكانت الرها لعطير، من بني نمير، فاستولى أبو نصر بن مروان صاحب ديار بكر على حران، وجهز من قتل عطيراً صاحب الرها، فأرسل صالح بن مرداس يشفع إلى أبي نصر بن مروان في أن يرد الرها إِلى ابن عطير ابن والي شيل، بينهما نصفين فقبل شفاعته وسلمها إِليهما في سنة ست عشرة وأربعمائة، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة، فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم، وباعه حصته من الرها، بعشرين ألف دينار وعدة قرى، وحضر

стр. 360

الروم وتسلموا برج ابن عطير، فهرب أصحاب ابن شبل، واستولى الروم على البلد، وقتلوا المسلمين وخربوا المساجد. وفاة القادر بالله خلافة القائم بأمر الله وهو سادس عشرينهم في هذه السنة، في ذي الحجة، توفي القادر بالله أبو العباس أحمد بن الأمير إِسحاق بن المقتدر، وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر، وخلافته إِحدى وأربعون سنة وشهر، ولما مات القادر بالله، جلس في الخلافة ابنه القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر، وكان أبوه قد عهد إِليه وبايع له بالخلافة، فجددت البيعة وأرسل القائم أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار، فأخذ البيعة عليه للقائم، وخطب له في بلاده. ملك الروم قلعة فامية في هذه السنة، سارت الروم ومعهم حسان بن مفرج الطائي، وهو مسلم، وكان قد هرب إليهم حين انهزم على الأدرن من عسكر الظاهر العلوي، فسار مع الروم إلى الشام، وعلى رأس حسان المذكور علم فيه صليب، ووصلوا إلى فامية، فكبسوها وغنموا ما فيها، وملكوا قلعتها، وأسروا وسبوا. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة: فيها شغبت الجند ببغداد على جلال الدولة، ونهبوا داره وأخرجوه من بغداد، وكتبوا إلى الملك أبي كاليجار يستدعونه إلى بغداد، فتأخر، وكان قد خرج جلال الدولة إلى عكبرا، ثم وقع الاتفاق وعاد جلال الدولة إلى بغداد. وفي هذه السنة توفي قدر خان يوسف بن بغراخان هروبن بن سليمان، وصح بلاد التيرة من الكفر، وكان قد ملك بلاد ما وراء النهر في سنة تسع وأربعمائة، ولما مات قدر خان ملك بعده ابنه عمر بن قدر خان. ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة. فيها قبض مسعود بن محمود على شهر يوش صاحب ساوه، وقم، وتلك النواحي، وكان قد كثر أفاه على حجاج خراسان، وغيرهم، فأرسل مسعود عسكراً إليه فقبضوا عليه، وأمر به فصلب على سور ساوة. وفيها توفي أحمد بن الحسين الميمندي وزير السلطان محمود، وأبيه مسعود، أقول: ينبغي تحقيق ذلك. فإنه ورد أن محموداً قتل وزيره المذعور، فيتأمل ذلك. وفيها توفي القاضي ابن السماك، وعمره خمس وتسعون سنة. ثم دخلت سنة خمس وعشرين أربعمائة فيها فتح الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستي وما جاورها من بلاد الهند، وكانت حصينة، وقصدها أبوه مراراً فلم يقدر على فتحها، فطم مسعود خندقها بالشجر والقصب السكر، وفتحها الله عليه، فقتل أهلها وسبى ذراريهم. وفيها توفي بدران بن المقلد صاحب نصيبين، فقصد ولده قريش، عمه قرواشاً فأقر عليه حاله وماله

стр. 361

وولاية نصيبين، واستقر قريش بها. ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة فيها انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد، وعظم أمر العيارين وصاروا يأخذون أموال الناس ليلا ونهاراً، ولا مانع لهم، والسلطان جلال الدولة عاجز عنهم لعدم امتثال أمره، والخليفة أعجز منه، وانتشرت العرب في البلاد، فنهبوا النواحي وقطعوا الطريق. وفيها وصلت الروم إلى ولاية حلب، فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح ابن مرداس، وتصاففوا واقتتلوا، فانهزمت الروم، وتبعهم إلى إعزاز، وغنم منهم وقتل. وفيها قصدت خفاجة الكوفة فنهبوها. وفيها توفي أحمد بن كليب الشاعر، وكان يهوى أسلم بن أحمد بن سعيد، فمات كمداً في هواه، فمن قوله فيه: وأسلمني في هوا ... هـ أسلم هذا الرشا غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد ... سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي ارتشى ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وفاة الظاهر صاحب مصر في هذه السنة منتصف شعبان، توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن، علي ابن الحاكم أبي علي منصور العلوي بمصر، وعمره ثلاث وثلاثون سنة، وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وأياماً، وكان له مصر والشام، والخطبة بإفريقية. وكان جميل السيرة، منصفاً للرعية، ولما مات ولى بعده ابنه أبو تميم معد، ولقب بالمستنصر بالله، ومولده سنة عشرين وأربعمائة، وهذا المستنصر هو الذي خطب له ببغداد، على ما سنذكره في سنة خمسين وأربعمائة إن شاء الله تعالى، وهو الذي وصل إليه الحسن بن الصباح الإسماعيلي، وخاطبه في إقامة دعوته بخراسان وبلاد العجم، وقال له: إن فقدت فمن الإمام بعدك؟ فقال المستنصر: ابني نزار. فتح السويداء كان الروم قد أحدثوا عمارتها، واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها، فسار إليها ابن وثاب وابن عطية مع عسكر كثيف من عند نصر الدولة بن مروان وفتحوا السويداء عنوة. مقتل يحيى الإدريسي وسياق أخبار من ملك بعده من أهل بيته إلى آخرهم . في هذه السنة، أعني سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قتل يحيى بن علي بن حمود، حسبما تقدم في سنة سبع وأربعمائة، ولما قتل يحيى، تولى بعده أخوه إدريس بن علي بن حمود،

стр. 362

وتلقب بالمتأيد، واستقر بمالقة حتى توفي في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ثم ملك بعده أخوه القاسم بن محمد ابن عم إدريس المذكور، وبقي القاسم مدة، ثم ترك الملك وتزهد، فملك بعده الحسن بن يحيى ابن علي بن حمود، وتلقب الحسن المذكور بالمستنصر، وبقي في الملك حتى توفي، ولم يقع لي تاريخ وفاته، ثم ملك بعد الحسن المذكور أخوه إدريس بن يحيى، وتلقب بالعالي، وكان العالي المذكور، فاسد التدبير، وكان يدخل الأراذل على حريمه، ولا يخببهن منهم، وسلك نحو ذلك من السلوك، فخلعه الناس وبايعوا ابن عمه محمد بن إدريس بن علي بن حمود، فاستقر محمد المذكور في الملك، وتلقب بالمهدي، وأسمك ابن عمه العالي وسجنه، وبقي محمد المهدي المذكور حتى توفي في سنة خمس وأربعين وأربعمائة. وكان المهدي المذكور آخر من ملك منهم تلك البلاد، وانقرضت دولتهم في السنة المذكورة، أعني سنة خمس وأربعين وأربعمائة، وقيل بل إن العامة أخرجوا العالي بعد موت محمد المهدي وملكوه، فلما مات انقرضت دولتهم، وفي أيام خلافة المهدي محمد بن إدريس المذكور، قام من بني عمه شخص اسمه محمد بن القاسم بن حمود، بالجزيرة الخضراء، وتلقب محمد بن القاسم المذكور بالمهدي أيضاً، واجتمعت عليه البرابر، ثم افترقوا عنه فمات بعد أيام يسيره، وقيل مات غماً، ولما مات محمد بن القاسم المذكور بن حمود، وهو آخر من ملك منهم الجزيرة الخضراء، انقرضت ملوكهم. وفي هذه السنة أعني سنة سبع وعشرين وأربعمائة، توفي رافع بن الحسين بن معن، وكان حازماً شجاعاً، وكانت يده مقطوعة، قطعت غلطاً في عربدة على الشرب، وله شعر حسن، فمنه: لها ريقة أستغفر الله إنها ... ألذ وأشهى في النفوس من الخمر وصارم طرف لا يزايل جفنه ... ولم أر سيفاً قط في جفنه يفري فقلت لها والعين تحدج بالضحى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا وصل وتحسب من عمري وفيها وقيل في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، توفي أبو إسحاق الشيخ أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ويقال الثعالبي، وكان أوحد زمانه في علم التفسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء ﵈، وله غير ذلك، وروى عن جماعة، وهو صحيح النقل. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة. فيها توفي أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم، صاحب عمان، وقام ابنه مقامه. وفيها توفي مهيار الشاعر وكان مجوسياً، فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وصحب الشريف الرضي، فقال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار قد انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، فقال: كيف. قال: لأنك كنت مجوسياً، فصرت تسب أصحاب النبي ﷺ في شعرك، فمن شعره من جملة قصيدة يذم فيها العرب، قبل النبي ﷺ قوله:

стр. 363

ما برحت مظلمة دنياكم ... حتى أضاء كوكب في هاشم نبلتم به وكنتم قبله ... سراً يموت في ضلوع كاتم ثم قضى مسلماً من ريبه ... فلم يكن من غدركم بسالم نقضتم عهوده في أهله ... وجزتم عن سنن المراسم وقد شهدتم مقتل ابن عمه ... خير مصل بعده وصائم وما استحل باغياً إمامكم ... يزيد بألطف من ابن فاطم وها إلى اليوم الظباء خاضبة ... من دمهم مناسر القشاعم وأشعار مهيار المذكور مشهورة. وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن محمد ابن أحمد القدوري الحنفي، ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بالعراق، وارتفع جاهه، وصنف كتابه المسمى بالقدوري المشهور، ونسبته إلى القدور جمع قدر، قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: ولا أعلم وجه نسبته إليها. وفيها توفي الشيخ الرئيس أبو علي الحسن بن عبد الله بن سينا البخاري، وكان والده من أهل بلخ، وانتقل منها إلى بخارى في أيام الأمير نوح ابن منصور الساماني، ثم تزوج امرأة بقرية أفشنة، وقطن بها، وولد له الشيخ الرئيس وأخوه بهاء، وختم الرئيس القرآن وهو ابن عشر سنين، وقرأ الحكمة على أبي عبد الله الناتلي، وحل إقليدس والمجسطي، واشتغل في الطب، وأتقن ذلك كله، وهو ابن ثمان عشرة سنة، وكان ببخارى ثم انتقل منها إلى كركنج، وهي بالعربي الجرجانية، ثم انتقل إلى أماكن شتى حتى أتى إلى جورجان، فاتصل به أبو عبد الله الجورجاني، أكبر أصحاب الشيخ الرئيس المذكور، ثم انتقل إلى الري واتصل بخدمة مجد الدولة ابن فخر الدولة أبي الحسن علي بن ركن الدولة حسن بن بويه، ثم خدم شمس المعالي قابوس بن وشمكير، ثم فارقه وقصد علاء الدولة بن كاكويه بأصفهان وخدمه، وتقدم عنده، ثم إن الرئيس المذكور مرض بالصرع والقولنج، وترك الحمية ومضى إلى همذان وهو مريض، ومات بهمذان في هذه السنة، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة، ومصنفاته وفضائله مشهورة، وقد كفر الغزالي ابن سينا المذكور، وصرح الغزالي بذلك في كتابه الموسوم بالمنقذ من الضلال، وكذلك كفر أبا نصر الفارابي، ومن الناس من يرى رجوع ابن سينا إلى الشرائع واعتقادها، وحكى الرئيس أبو علي المذكور، في المقالة الأولى من الفن الخامس، من طبيعيات الشفاء قال: وقد صح عندي بالتواتر ما كان ببلاد جورجان في زماننا من أمر حديد، لعله يزن مائة وخمسين منا نزل من الهواء فنشب في الأرض. ثم نبا نبوة الكرة التي يرمى بها الحائط، ثم عاد فنشب في الأرض، وسمع الناس لذلك صوتاً عظيماً هائلاً، فلما تفقدوا أمره ظفروا به وحملوه إلي وإلى جورجان، ثم كاتبه سلطان خراسان محمود ابن سبكتكين،

стр. 364

يرسم بإنفاذه أو إنفاذ قطعة منه، فتعذر نقله لثقله، فحاولوا كسر قطعة منه، فما كانت الآلات تعمل فيه إلا بجهد، وكانت كل آلة تعمل فيه تنكسر، لكنهم فصلوا منه آخر الأمر شيئا، فأنفذوه إليه، ورام أن يطبع منه سيفاً فتعذر عليه، وحكى أن جملة ذاك الجوهر، كان ملتئماً من أجزاء جاورشية صغار، مستديرة، التصق بعضها ببعض، قال: وهذا الفقيه عبد الواحد الجورجاني صاحبي شاهد ذلك كله. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فيها قتل شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس صاحب حلب، في قتاله لعسكر مصر، الذين كان مقدمهم الدزيري على ما قدمنا ذكره، في سنة اثنتين وأربعمائة وفيها هادن المستنصر بالله العلوي ملك الروم، على أن يطلق خمسة آلاف أسير، ليمكن من عمارة قمامة التي كان قد خربها الحاكم في أيام خلافته، فأطلق الأسرى وأرسل من عمر قمامة، وأخرج ملك الروم عليها أموالاً عظيمة جليلة. وفيها توفي أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، صاحب التواليف المشهورة، وكان إمام وقته، ومن جملة تواليفه المشهورة: يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، وكان مولده سنة خمسين وثلاثمائة. ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة فيها توفي أبو علي الحسين الرخجي، وزير ملوك بني بويه، ثم ترك الوزارة، وكان في عطلته يتقدم على الوزراء. وفيها توفي أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي، أمير مكة. وفيها توفي أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني الحافظ، والفضل بن منصور بن الطريف الفارقي، الأمير الشاعر، وله ديوان حسن. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. فيها ملك الملك أبو كاليجار البصرة. أخبار عمان لما توفي أبو القاسم بن مكرم صاحب عمان، ولي بعده ابنه أبو الجيش، وقد صاحب جيش أبيه علي بن هطال، وكان أبو الجيش يحترم ابن هطال، ويقوم له إذا حضر، وكان لأبي الجيش أخ يقال له المهذب، ينكر على أخيه أبي ابن الجيش قيامه لابن هطال، وإكرامه، فعمل ابن هطال دعوة للمهذب، فلما عمل السكر في المهذب، حدثه ابن هطال وقال له: إن قمت معك وملكتك وأخرجت أخاك أبا الجيش، ما تعطيني؟ فبذل المهذب له الإقطاعات الجليلة، والمبالغة في الإكرام، فطلب ابن هطال خطه بذلك، فكتبه المهذب، وأصبح ابن هطال، فاجتمع بأبي الجيش وعرفه أن أخاه المهذب يسعى في أخذ الملك منه، وقال: قد رغبني وكتب خطه لي، وأخرج الخط، فأمر أبو الجيش بالقبض على أخيه المهذب، ثم قتله، وبعد ذلك بقليل مات أبو الجيش وله أخ صغير يقال له أبو محمد، فطلبه ابن هطال من أمه ليجعله في الملك، فلم تسلمه إليه. وقالت: ولدي غير ما يصلح، أفتصل أنت بالملك، فاستولى ابن هطال على عمان، وأساء السيرة، وبلغ ذلك الملك أبا كاليجار، فأعظمه وأرسل جيشاً إلى عمان، وخرجت الناس عن طاعة علي

стр. 365

بن هطال، فقتله خادم له وفراش واستفر الأمر لأبي محمد بن أبي القاسم بن مكرم في هذه السنة. وفي هذه السنة توفي شبيب بن وثاب النميري صاحب الرقة، وسروج، وحران، وفيها توفي أبو نصر موسكان، كاتب إنشاء مسعود، وولده محمود بن سبكتكين، وكان من الكتاب المفلقين ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة ابتداء الدولة السلجوقية وسياقة أخبارهم متتابعة في هذه السنة توطد ملك طغريل بك وأخيه داود ابني ميكائيل بن سلجوق ابن دقاق، وكان جدهم دقاق رجلاً شهماً من مقدمي الأتراك، وولد له سلجوق، فانتشأ وظهرت عليه إمارات النجابة، فقدمه يبغو ملك الترك إذ ذاك، وقوى أمره وصار له جماعة كثيرة، فتغير يبغو عليه، فخاف سلجوق منه فسار بجماعته وبكل من يطيعه من دار الكفر إلى دار الإسلام، وذلك لما قدره الله تعالى من سعادته وسعادة ولده، وأقام بنواحي جند، وهي بليدة وراء بخارى - بجيم مفتوحة ونون ساكنة ودال مهملة - وصار يغزو الترك الكفار، وكان لسلجوق من الأولاد: أرسلان، وميكائيل، وموسى. وتوفي سلجوق بجند وعمره مائة وسبع سنين، وبقي أولاده على ما كان عليه أبوهم من غزو كفار الترك، فقتل ميكائيل في الغزاة شهيداً، وخلف من الأولاد يبغو، وطغريل بك، وجغروبك داود، ثم ارتحلوا ونزلوا على فرسخين من بخارى، فأساء أمير بخارى جوارهم، فالتجأوا إلى بغراخان ملك تركستان، واستقر الأمر بين طغريل بك وأخيه داود أن لا يجتمعا عند بغراخان، بل إذا حضر أحدهما أقام الآخر في البيوت، خوفاً من الغدر بهما، واجتهد بغراخان على اجتماعهما عنده فلم يفعلا، فقبض على طغريل بك، وأرسل عسكراً إلى أخيه داود، فاقتتلوا فانهزم عسكر بغراخان، وكثر القتل فيهم، وقصد داود موضع أخيه طغريل بك وخلصه من الأسر، ثم عادا إلى جند وأقاما بها حتى انقرضت الدولة السامانية، وملك أيلك خان بخارا، فعظم عنده محل أرسلان بن سلجوق، ثم سار أيلك خان عنها وبقي ببخارى علي تكين، ومعه أرسلان بن سلجوق، حتى عبر محمود بن سبكتكين نهر جيحون وقصد بخارى، فهرب علي تكين من بخارى، وأما أرسلان وجماعته فإنهم دخلوا المفازة والرمل، واجتمعوا عن السلطان محمود، فكاتب السلطان محمود أرسلان واستماله ورغبه، فقدم أرسلان بن سلجوق عليه فقبضه السلطان محمود في الحال، وكب خركاواته، وأشار أرسلان الجاذب على محمود أن يغرق السلجوقية، جماعة أرسلان المذكور في نهر جيحون، فأبى، فأشار بقطع إبهاماتهم بحيث لا يقدرون على رمي النشاب، فلم يقبل محمود ذلك، وأمر بهم فعبرا نهر جيحون وفرقهم في نواحي خراسان إلى أصفهان، ووضع عليهم الخراج، فجارت العمال عليهم، وامتدت الأيدي إلى أموالهم، وأولادهم، فانفصل منهم جماعة عن خراسان إلى أصفهان: وجرى بينهم وبين علاء الدولة بن كاكويه حرب، ثم ساروا إلى أذربيجان، وهؤلاء:

стр. 366

كانوا جماعة أرسلان بن سلجوق، وبقي اسمهم هناك الترك العرية، وبذلك سمى كل جماعتهم، وسار طغريل بك وأخواه داود ويبغو من خراسان إلى بخارى، فسار علي تكين بعسكره وأوقع بهم، وقتل عدة كثيرة من جمائعهم فألجأتهم الضرورة إلى العود إلى خراسان، فعبرا نهر جيحون، وخيموا بظاهر خوارزم، سنة ست وعشرين وأربعمائة، واتفقوا مع خوارزمشاه هرون بن الطيطاش وعاهدهم ثم غدر بهم خوارزمشاه وكبسهم، فأكثر خوارزم إلى جهة مرو، فأرسل إليهم مسعود أب السلطان محمود جيشاً فهزمهم، وجرى بين عسكر مسعود منازعة على الغنيمة، وأدت إلى قتال بينهم، وأشار داود بالعود إلى جهة العسكر، فعادوا فوجدوا الاختلاف والقتال بينهم، فأوقع السلجوقية بعسكر مسعود وهزموهم، وأكثروا القتل فبهم واستردوا ما كان أخذوه منهم، وتمكنت هيبتهم من قلوب عسكر مسعود، فكاتبهم السلطان مسعود واستمالهم، فأرسلوا إليه يظهرون الطاعة ويسألونه أن يطلق عمه أرسلان بن سلجوق، الذي قبضه السلطان محمود، فأحضر مسعود أرسلان المذكور إلى عنده ببلخ، فطلبهم ليحضروا فامتنعوا، فأعاده إلى محبسه، وعادت الحرب بينهم، وهزموا عسكر مسعود مرة بعد أخرى، وقوى أمرهم واستولوا على غالب خراسان، وفرقوا النواب في النواحي، وخطب لطغريل بك في نيسابور، وسار داود إلى هراة، وهرب عساكر مسعود وتقدموا من خراسان إلى غزنة، وأعلموا مسعود بتفاقم الحال، فسار مسعود بجميع عساكره وقيوله من غزنة اليهم إلى خراسان، وبقي كل ماتبع السلجوقية إلى مكان، ساروا عنه إلى غيره، وطال البيكار على عسكر مسعود، وقلت الأقوات عليهم، وآخر ذلك أن السلجوقية ساروا إلى البرية، فتبعهم مسعود بتلك العساكر العظيمة مرحلتين، فضجرت العساكر من طول البيكار، وكان لعسكر خراسان إذ ذاك ثلاث سنين في البيكار، ونزل العسكر بمنزلة قليلة المياه، وكان الزمان حاراً، فجرى بينهم الفتن بسبب الماء، ومشى بعض العسكر إلى بعض في التخلي عن مسعود، ووقع بينهم الخلاف، فعادت السلجوقية عليهم فانهزمت عساكر مسعود أقبح هزيمة، وثبت السلطان مسعود في جمع قليل، ثم ولى منهزماً، وغنم السلجوقية منهم ما لا يدخل تحت الإحصاء، وقسم داود ذلك على أصحابه وآثرهم على نفسه، وعاد السلجوقية إلى خراسان، فاستولوا عليها، وثبتت قدمهم بخراسان وخطب لهم على منابرها، وذلك في أواخر سنة إحدى وثلاثين وأبعمائة، وسنذكر باقي أخبارهم إن شاء الله تعالى. قبض مسعود وقتله ولما انهزم عسكر مسعود من السلجوقية على ما ذكرنا، وهرب مسعود وعسكره عن خراسان إلى غزنة، فوصل إليها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقبض على مقدم

стр. 367

عسكره شباوشي وعلى عدة من الأمراء، وسير ولده مودود إلى بلخ ليرد عنها داود بن ميكائيل بن سلجوق، وكان مسير مودرد إلى بلخ في هذه السنة، أعني سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسار مسعود إلى بلاد الهند ليشتي بها على عادة والده، وعبر سيحون فنهب أنوشتكين أحد قواد عسكره بعض الخزاين، واجتمع إليه جمع، وألزم محمداً أخا مسعود بالقيام بالأمر، فقام على كره، وبقي مسمعود في جماعة من العسكر، والتقى الفريقان في منتصف ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، واقتتلوا أشد قتال فانهزم مسعود وجماعته، وتحصن مسعود في رباط، فحصروه، فخرج إليهم فأرسله أخوه محمد إلى قلعة كيدي، وحمل مع مسعود أهله وأولاده وأمر بإكرامه وصيانته، ولما استقر محمد بن محمود في إشبكتكين في الملك فوض مر دولته إلى ولده أحمد، وكان فيه خبط وهوج، فقتل عمه مسعود بن محمود في قلعة كيدي بغير علم أبيه، ولما علم أبوه محمد بذلك شق عليه وساء ذلك، وكان السلطان مسعود كثير الصدقة، تصدق مرة في رمضان بألف ألف درهم، وكان كثير الإحسان إلى العلماء، فقصدوه وصنفوا له التصانيف الكثيرة، وكان يكتب خطاً حسناً، وكان ملكه عظيماً فسيحاً، ملك أصفهان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الران وكرمان وسجستان. والسند والرخج وغزنة وبلاد الغور. وأطاعه أهل البر والبحر. ملك مودود بن مسعود وقتله عمه محمداً لما قتل مسعود، كان ابنه مودود بن مسعود بخراسان في حرب السلجوقية، فلما بلغه خبر قتل أبيه مسعود، عاد مجداً بعساكره إلى خزنة، ووقع القتال بينه وبين عمه محمد، فانهزم محمد وعسكره وقبض عليه مودود وعلى ولده أحمد، وعلى أنوشتكين الذي نهب الخزائن، وأقام محمد المذكور، وكان أنوشتكين خصياً وأصله من بلخ، فقتلهم وقتل جميع أولاد عمه محمد، خلا عبد الرحيم، وكذلك قتل كل من دخل في القبض على والده مسعود، ودخل مودود إلى غزنة في ثالث عشرين شعبان من هذه السنة، واستقر الأمر لمودود بغزنة، وسلك حسن السيرة، وثبتت قدمه في الملك، وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد والمتابعة له. وفي هذه السنة توفي المظفر محمد بن الحسن بن أحمد المروزي بشهر زور. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة فيها في المحرم توفي علاء الدولة أبو جعفر بن شهريار، المعروف بابن كاكويه، وكان شجاعاً ذا رأي، وقام بأصفهان بعده ابنه ظهير الدين أبو منصور فرامرز، وهو أكبر أولاده، سار ولده كرشاسف بن علاء الدولة إلى همذان، فأقام بها وأخذها لنفسه. وفي هذه السنة ملك السلطان طغريل بك جرجان وطبرستان. غير ذلك من الحوادث في هذه السنة أمر المستنصر العلوي أهل دمشق بالخروج عن طاعة الدزبري، فخرجوا عليه

стр. 368

وسار الدزبري إلى حماة، فعصي عليه أهلها، فكاتب مقلد بن منقذ الكفرطابي، فحضر إليه في نحو ألفي رجل من كفر طاب، واحتمى به وسار عن حماة إلى حلب فدخلها وأقام بها مدة، وتوفي الدزبري في منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد تقدم ذكر وفاته في سنة اثنتين وأربعمائة، وكان الدزبري يلقب بأمير الجيوش، واسمه أنوشتكين. والد زبري - بكسر الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما زاء منقوطة ساكنة وفي الاخر راء مهملة - هذه السنة إلى دزبر بن رويتم الديلمي، ولما مات الدزبري في هذه السنة فسد أمر الشام وزال النظام وطمعت العرب، وخرجوا في نواحي الشام، فخرج صاحب الرحبة أبو علوان ثمال، ولقبه معز الدولة بن صالح بن مرداس الكلابي وسار إلى حلب وملكها، وعاد حسان بن مفرج الطائي فاستولى على فلسطين، وقد تقدم ذكر مسيره إلى قسطنطينية وعوده في سنة اثنتبن وعشرين وأربعمائة. وفيها سير الملك أبو كاليجار من فارس عسكراً إلى عمان، فملكوا أصحاب مدينة عمان. وفيها توفي أبو منصور بهرام الملقب بالعادل، وزير الملك أبي كاليجار، ومولده سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان حسن السيرة، وبنى دار الكتب بفيروز آباد، وجعل فيها سبعة آلاف مجلد. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فيها ملك السلطان طغريل بك خوارزم، وكانت خوارزم من جملة مملكة محمود بن سبكتكين، ثم صارت مسعود ابنه ونائبه فيها الطيطاش حاجب أبيه محمود، ومات الطيطاش فولاها مسعود ابنه هارون بن الطيطاش، ولقبه خوارزمشاه، ثم قتل هرون، قتله جماعة من غلمانه عند خروجه إلى الصيد، فاستولى على البلد رجل يقال له عبد الجبار، ثم وثب غلمان هارون على عبد الجبار فقتلوه، وولوا البلد إسماعيل بن الطيطاش أخا هارون، فسار شاه ملك بن علي، وكان ملك بعض أطراف تلك البلاد فاستولى على خوارزم، وهزم إسماعيل عنها، ثم سار طغريل بك إلى خوارزم فاستولى عليها، وانهزم شاه ملك عنها، واستقرت في ملك طغريل بك في هذه السنة، ثم سار طغريل بك ستولى على الجبل في هذه السنة أيضاً. الوحشة بين القائم وجلال الدولة في هذه السنة لما افتتحت الجوالي في المحرم ببغداد، أخذها جلال الدولة، وكانت العادة أن تحمل إلى الخلفاء، لا يعارضهم فيها الملوك، فأرسل القائم إلى جلال الدولة في ذلك مع أبي الحسن الماوردي، فلم يلتفت جلال الدولة إليه، فعزم القائم على مفارقة بغداد، فلم يتم له ذلك. غير ذلك من الحوادث في هذه السنة في رجب، خرج بمصر رجل اسمه سكين، وكان يشبه الحاكم خليفة مصر، فادعى أنه الحاكم، واتبعه جماعة يعتقدون رجعة الحاكم، وقصدوا دار الخليفة وقت الخلوة وقالوا: هذا الحاكم، فارتاع من كان بالباب في ذلك الوقت، ثم ارتابوا به فقبضوا على سكين،

стр. 369

وصلب مع أصحابه. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وفاة جلال الدولة وفي هذه السنة في شعبان توفي جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ببغداد، وكان مرضه ورماً في كبده، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وملكه ببغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهراً، ولما مات جلال الدولة كان ابنه الملك العزيز أبو بكر منصور بواسط، فكاتبه الجند فيما يحمله إليهم، فلم ينتظم له أمر، فسار يطلب النجدة، وقصد الملوك مثل قرواش وأبي الشوك، فلم ينجده أحد، فقصد نصر الدولة بن مرران وتوفي عنده بميا فارقين، سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فلما لم ينتظم لابن جلال الدولة أمر، كاتب الملك أبو كاليجار عسكر بغداد، فاستقر الأمر لأبي كاليجار ابن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدرلة ابن ركن الدولة ابن بويه، وخطبوا له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة. غير ذلك من الحوادث في هذه السنة، أعني سنة خمس وثلاثين وأربعمائة فتح عسكر مودود بن مسعود بن محمود عدة حصون، من بلاد الهند، وفيها أسلم من الترك خمسة آلاف خركاة، وتفرقوا في بلاد الإسلام، ولم يتأخر عن الإسلام سوى الخطا والتتر وهم بنواحي الصين. وفي هذه السنة ترك شرف الدولة ملك الترك لنفسه بلاد بلاساغون، وكاشغر، وأعطى أخاه أرسلان تكين كثيراً من بلاد الترك، وأعطي أخاه بغراخان أطرار وأسبيجاب، وأعطى عمه طغان فرغانة بأسرها، وأعطى علي تكين بخارى وسمر قند، وغيرهما، وقنع شرف الدولة المذكور من أهله المذكورين بالطاعة له. وفي هذه السنة قطع المعز بن باديس بإفريقية خطبة العلويين خلفاء مصر، وخطب للقائم العباسي خليفة بغداد، ووصلت إليه من القائم الخلع والأعلام على طريق القسطنطينية في البحر. ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة فيها خطب للملك أبي كاليجار في صفر ببغداد، وخطب له أيضاً أبو الشوك ببلاده، ودبيس بن مرثد ببلاده، ونصر الدولة بن مروان بديار بكر، وسار الملك أبو كاليجار إلى بغداد ودخلها في رمضان من هذه السنة، وزينت بغداد لقدومه. وفيها أمر الملك أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز، فبني وأحكم بناؤه، ودوره اثنا عشر ألف ذراع، في ارتفاع ثمانية أذرع، وله أحد عشر باباً، وفرغ منه في سنة أربعين وأربعمائة. وفيها توفي الشريف المرتضي أبو القاسم أخو الشريف الرضي، ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وولي نقابة العلويين بعده عدنان ابن أخيه الرضي. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله الحسين الصيمري شيخ أصحاب أبي حنيفة، ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. وفيها توفي أبو الحسين محمد ابن علي البصري المعتزلي

стр. 370

صاحب التصانيف المشهورة. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. فيها أرسل السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بن ميكائيل، فاستولى على همذان وأخذها من كرشاسف بن علاء الدولة ابن كاكويه، واستولى على الدينور وأخذها من أبي الشوك، ثم استولى على الصيمرة. وفي هذه السنة توفي أبو الشوك، واسمه فارس بن محمد بن عنان، بقلعة السيروان، ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدي، وصاروا مع مهلهل بن محمد أخي أبي الشوك. وفيها قتل عيسى بن موسى الهمذاني صاحب أربل، قتله ابنا أخ له وملكا قلعة أربل، وكان لعيسى أخ آخر اسمه سلار بن موسى قد نزل على قرواش صاحب الموصل لوحشة كانت بين سلار وأخيه عيسى، فلما بلغه قتل أخيه سار قرواش إلى أربل ومعه سلار فملكها وتسلمها سلار، وعاد قرواش إلى الموصل. وفيها وقع الوباء في الخيل وعم البلاد. وفيها توفي أحمد بن يوسف المنازي وزر لأبي نصر أحمد بن مروان الكردي، صاحب ديار بكر، وترسل إلى القسطنطينية، وكان من أعيان الفضلاء والشعراء، وجمع المنازي المذكور، كتباً كثيرة وأوقفها على جامع ميافارقين وجامع آمد، وهي إلى قريب كانت موجودة بخزائن الجامعين، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا، فأعجبه حسنه فقال فيه: وقانا لفحة الرمضاء واد ... وقاه مضاعف النبت العميم نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم تروع حصاه حالية العذارى ... فيلمس جانب العقد النظيم والمنازي منسوب إلى مناز جهر، مدينة عند خرتبرت، وهي غير مناز كرد التي من عمال خلاط. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة فيها ملك مهلهل بن محمد عنان أخو أبي الشوك قرميسين والدينور بعد ما كان قد استولى عليهما أخو طغرلبك على ما تقدم ذكره. وفي هذه السنة توفي عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين، وكان الجويني إماماً في الشافعية، تفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، وهو صاحب وجه في المذهب، وكان عالماً أيضاً بالأدب وغيره من العلوم، وهو من بني ستبس، بطن من طي. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة في هذه السنة استولى عسكر الملك أبي كاليجار على البطيحة، وأخذوها من صاحبها أبي نصر بن الهيثم، وهرب ابن الهيثم إلى زبرب. وفيها كان بالعراق غلاء عظيم، حتى أكل الناس الميتة، وببغداد حتى خلت الأسواق. وفيها توفي عبد الواحد بن محمد المعروف بالمطرز الشاعر، وأبو الخطاب الشبلي الشاعر. وفيها مات بغراخان محمد بن قدرخان يوسف، وقبض على أخيه عمر بن قدرخان يوسف، وماتا جميعاً مسمومين في هذه السنة، وكان قد ملك عمر المذكور في سنة ثلاث

стр. 371

وعشرين وأربعمائة حسبما تقدم، فسار شمس الملك طفقاج خان أبو إسحاق إبراهيم بن نصر أيلك خان من سمرقند، وملك بلادهما. وتوفي طفقاج سنة اثنتين وستين وأربعمائة. ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة. موت أبي كاليجار وملك ابنه الملك الرحيم في هذه السنة توفي الملك أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة ابن بهاء الدولة ابن عضد الدولة ابن ركن الدولة ابن بويه، في رابع جمادى الأولى بمدينة جناب من كرمان، وكان قد سار إلى بلاد كرمان، لخروج عامله بهرام الديلمي عن طاعته، ومرض من قصر مجاشع، وتم سايراً، وقويت به الحمى وضعف عن الركوب، فركب في محفة، فتوفي في جناب، وكان عمره أربعين سنة وشهوراً، وكان ملكه العراق أربع سنين وشهرين، ولما توفي نهبت الأتراك الخزائن والسلاح والدواب من العسكر. وكان معه ولده أبو منصور فلاستون بن أبي كاليجار فعاد إلى شيراز وملكها. ولما وصل خبر وفاة أبي كاليجار إلى بغداد وبها ولده الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز بن أبي كاليجار، جمع الجند واستحلفهم واستولى على بغداد، ثم أرسل الملك الرحيم عسكراً إلى شيراز، فقبضوا على أخيه أبي منصور فلا ستون، وعلى والدته في شوال هذه السنة، وخطب للملك الرحيم بشيراز، ثم سار الملك الرحيم من بغداد إلى خوزستان، فلقيه من بها من الجند وأطاعوه، ومن جملتهم كرشاسف بن علاء الدولة صاحب همذان، فإنه كان قد قدم إلى الملك أبي كاليجار لما أخذ منه إبراهيم ينال أخو طغريل بك همذان. غير ذلك من الحوادث في هذه السنة توفي محمد بن محمد بن غيلان البزار وهو راوي الأحاديث المعروفة بالغيلانيات التي أخرجها الدارقطني، وهي من أعلى الحديث وأحسنه. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة فيها جمع فلاستون بن أبي كاليجار جمعاً بعد أن خلص من الاعتقال، واستولى على بلاد فارس، وفيها جرى بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال وحشة أدت إلى قتال بينهما، فانهزم إبراهيم ينال وعصي بقلعة سرماح، فحصره بها طغرلبك واستنزله قهراً. وفيها أرسل ملك الروم إلى السلطان طغرلبك هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة فأجابه إليها، وعمر مسجد القسطنطينية، وأقام فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك، ودانت الناس له وتمكن ملكه وثبت. وفيها أفرج السلطان طغرلبك عن أخيه ينال وتركه معه. وفاة مودود في هذه السنة في رجب توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب

стр. 372

غزنة، وعمره تسع وعشرون سنة، وملك تسع سنين وعشرة أشهر، وكان موته بغزنة، واستقر في الملك بعده عمه عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، وكان مودود قد حبس عمه المذكور، فخرج موته واستقر في الملك ولقب شمس دين الله سيف الدولة. غير ذلك فيها سار الباسيري كبير الأتراك ببغداد، وملك الأنبار، وأظهر العدل وحسن السيرة، ولما قرر قواعدها عاد إلى بغداد. وفيها ملك عسكر خليفة مصر العلوي مدينة حلب، وأخذوها من ثمال بن صالح بن مرداس الكلابي على ما قدمنا ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة. وفيها وقعت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة، وعظم الأمر حتى بطلت الأسواق؛ وشرع أهل الكرخ في بناء سور عليهم محيطاً بالكرخ، وشرع السنية من القلابين ومن يجري مجراهم في بناء سور على سوق القلابين، وكان الأذان بأماكن الشيعة بحي على خير العمل، وبأماكن السنية الصلاة خير من النوم. وفيها توفي أبو بكر منصور بن جلال الدولة، وله شعر حسن. دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة في هذه السنة سار السلطان طغرلبك من خراسان، وحاصر أصفهان، وبها صاحبها أبو منصور بن علاء الدولة بن كاكويم به، وطال محاصرته قريب سنة، وأخذها بالأمان ودخل السلطان طغرلبك أصفهان في المحرم سنة ثلاث وأربعين، واستطابها ونقل إليها ما كان له بالري من سلاح ذخائر. حال قرواش مع أخيه وفيها استولى أبو كامل بركة بن المقلد على أخيه قرواش بن المقلد، ولم يبق لقرواش مع أخيه المذكور تصرف في المملكة، وغلب عليها أبو كامل المذكور ولقبه زعيم الدولة. مسير العرب من جهة مصر إلى جهة إفريقية وهزيمة المعز بن باديس في هذه السنة لما قطع المعز بن باديس خطبة العلويين من إفريقية، وخطب للعباسيين، عظم ذلك على المستنصر العلوي، وأرسل إلى المعز بن باديس في ذلك، فأغلظ ابن باديس في الجواب، وكان وزير المستنصر الحسن بن علي اليازوري، ويازور من أعمال الرملة، فاتفقا على إرسال زغبة ورياح، وهما قبيلتان من العرب، وكان بينهم حرب فأصلح المستنصر بينهم، وجهزهم بالأموال، فساروا واستولوا على برقة، فسار إليهم المعز بن باديس فهزموه وساروا إلى إفريقية، وقطعوا الأشجار وحصروا المدن ونزل بأهل إفريقية من البلاء ما لم يعهدوا مثله. ثم جمع المعز ما يزيد على ثلاثين ألف فارس والتقى معهم فهزموه أيضاً، ودخل المعز القيروان مهزوماً. ثم جمع المعز وخرج إليهم والتقوا وجرى بينهم قتال عظيم، ثم انهزمت عساكر المعز وكثر القتل فيهم، وانهزم المعز ووصلت العرب إلى القيروان، ونزلوا

стр. 373

بمصلى القيروان، وأقام العرب يحاصرون البلاد وينهبونها إلى سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وانتقل المعز إلى المهدية في رمضان سنة تسع وأربعين وأربعمائة، ونهبت العرب القيروان. غير ذلك من الحوادث فيها سار مهلهل بن محمد بن عنان أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك، فأحسن إليه طغرلبك وأقره على بلاده، ومن جملتها السيروان، ودقوقا وشهرزور، والصامغان، وكان سرحاب بن محمد أخو مهلهل محبوساً عند طغرلبك، فأطلقه لأخيه مهلهل. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة. فيها كانت الفتنة بين السنية والشيعة ببغداد، وعظم الأمر، وأحرق ضريح قبر موسى بن جعفر، وقبر زبيدة، وقبور ملوك بني بويه، وجميع الترب التي حواليها، ووقع النهب، وقصد أهل الكرخ إلى خان الحنفيين، وقتلوا مدرس الحنفيين أبا سعيد السرخسي، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء، ثم صارت الفتنة إلى الجانب الشرقي فاقتتل أهل باب الطاق وسوق يحيى والأساكفة. وفاة زعيم الدولة بركة بن المقلد وفي هذه السنة توفي بركة بن المقلد بن المسيب بتكريت، واجتمع العرب وكبراء الدولة على إقامة ابن أخيه قريش بن بدران بن المقلد، وكان بدران بن المقلد المذكور صاحب نصيبين، ثم صارت لقريش المذكور بعده، وكان قرواش تحت الاعتقال منذ اعتقله أخوه بركة مع القيام بوظائفه ورواتبه، فلما تولى قريش نقل عمه قرواشاً إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل، فاعتقله بها. غير ذلك من الحوادث فيها وقت العصر ظهر ببغداد سكب له ذؤابة، غلب نوره على الشمس، وسار سيراً بطيئاً، ثم انقض. وفيها وصل رسول طغرلبك إلى الخليفة بالهدايا. وفيها عاد طغرلبك عن أصفهان إلى الري. وفيها كرشاسف بن علاء الدولة بن كاكويه بالأهواز، وكان قد استخلفه بها أبو منصور بن أبي كاليجار. ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة قتل عبد الرشيد في هذه السنة قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة، قتله الحاجب طغريل، وكان حاجباً لمودود بن مسعود، فأقره عبد الرشيد وقدمه، فطمع في الملك وخرج على عبد الرشيد المذكور، فانحصر عبد الرشيد بقلعة غزنة، وحصره طغريل حتى سلمه أهل القلعة، فقتله طغريل وتزوج ببنت السلطان مسعود كرهاً، ثم اتفقت كبراء الدولة ووثبوا على طغريل فقتلوه، وأقاموا فرخزاد بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين،

стр. 374

وكان محبوساً في بعض القلاع فأحضر وبويع له، وقام بتدبر الأمر بين يديه خرخير، وكان أميراً على الأعمال الهندية، فقدم وتتبع كل من كان أعان على قتل عبد الرشيد فقتله. وفاة قرواش في هذه السنة مستهل رجب، توفي معتمد الدولة أبو منيع قرواش بن المقلد ابن المسيب العقيلي، الذي كان صاحب الموصل، محبوساً بقلعة الجراحية من أعمال الموصل، وحمل فدفن بتل توبة من مدينة نينوى شرقي الموصل، وقيل إن ابن أخيه قريش بن بدران المذكور، أحضر عمه قرواشاً المذكور من الحبس إلى مجلسه وقتله فيه، وكان قرواش من ذوي العقل وله شعر حسن فمنه: لله در النائبات فإنها ... صدأ القلوب وصيقل الأحرار ما كنت إلا زبرة فطبعتني ... سيفاً وأطلق صرفهن عراري وجمع قرواش المذكور بين أختين في نكاحه، فقيل له: إن الشريعة تحرم هذا. فقال: وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة، وقال مرة. ما برقبتي غير خمسة أو ستة قتلتهم من البادية، وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم. غير ذلك من الحوادث فيها قبض على أبي هشام بن خميس بن معن صاحب تكريت، أخوه عيسى ابن خميس، وسجنه واستولى على تكريت. وفيها في حوادث هذه السنة زلزلت خورستان وغيرها زلازل كثيرة، وكان معظمها بأرجان، فانفرج من ذلك جبل كبير قريب من أرجان، وظهر وسطه درجة بالآجر والجص، فتعجب الناس من ذلك، وكذلك كانت الزلازل بخراسان وكان أشدها ببيهق، وخرب سور قصبة بيهق، وبقي خراباً حتى عمره نظام الملك في سنة أربع وستين وأربعمائة، ثم خربه أرسلان أرغو. ثم عمره مجد الملك البلاساني. وفي هذه السنة كانت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة، وأعادت الشيعة الآذان بحي على خير العمل، وكتبوا في مساجدهم محمد وعلي خير البشر. ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة فيها عماد أبو منصور فلاستون ابن الملك أبي كاليجار، واستولى على شيراز وأخذها من أخيه أبي سعيد بن أبي كاليجار، ولما استقر أبو منصور في شيراز خطب فيها للسلطان طغرلبك، ولأخيه الملك الرحيم، ولنفسه بعدهما. ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة فيها سار طغرلبك إلى أذربيجان وقصد تبريز فأطاعه صاحبها وهشوذان وخطب له فيها وحمل إليه ما أرضاه، وذلك فعل أصحاب تلك النواحي، ولما استقر له أذربيجان على ما ذكرنا سار إلى أرمينية وقصد ملازكرد وهي للروم، وحصرها فلم يملكها، وعبر إلى الروم وغزا في الروم ونهب وقتل وأثر فيهم آثاراً عظيمة.

стр. 375

غير ذلك وفي هذة السنة حصلت الوحشة بين البساسيري والخليفة القائم. ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة فيها قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان، صاحب الجزيرة، قتله عبيد الله بن أبي طاهر البشنوي الكردي غيلة. غير ذلك فيها ثارت جماعة من السنية ببغداد، وقصدوا دار الخلافة، وطلبوا أن يؤذن لهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فأذن لهم، وزاد شرهم، ثم استأذنوا في نهب دور البساسيري وكان غائباً في واسط، فأذن لهم الخليفة بذلك، فقصدوا دور البساسيري ونهبوا وأحرقوها، وأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري، فأبعده وقدم الملك الرحيم من واسط إلى بغداد، وسار البساسيري إلى جهة دبيس بن مرثد لمصاهرة بينهما. الخطبة في بغداد لطغرلبك فيها سار طغرلبك حتى نزل حلوان، فعظم الإرجاف ببغداد، وأرسل قواد بغداد يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابهم طغرلبك إلى ذلك، وتقدم الخليفة القائم بذلك، فخطب له بجوامع بغداد لثمان بقين من رمضان هذه السنة، ثم أرسل طغرلبك واستأذن في دخول بغداد، فتوجهت إليه الرسل فحلفوه للخليفة القائم وللملك الرحيم، فحلف لهما، وسار طغرلبك فدخل بغداد ونزل بباب الشماسية. وثوب العامة بعسكر طغرلبك والقبض على الملك الرحيم ولما وصل طغرلبك إلى بغداد دخل عسكره يتحوجون، فجرى بين بعضهم وبين السوقية هوشة، وثارت أهل تلك المحلة على من فيها من الغز عسكر طغرلبك ونهبوهم، ثارت الفتنة بينهم ببغداد وخرجت العامة إلى وطاقات طغرلبك، فركب عسكره وتقاتلوا، فانهزمت العامة، وأرسل طغرلبك يقول: إن كان هذا من الملك الرحيم فهو لا يقدر على الحضور إلينا، وإن كان برئا من هذا، فلا غناء عن حضوره، فأرسل الخليفة القائم إلى الملك الرحيم أن يخرج هو وكبار القواد، وهم في أمان الخليفة وذمامه، فخرجوا إلى طغرلبك فقبض على الملك الرحيم وعلى القواد الذين صحبته، فعظم ذلك على الخليفة القائم، وأرسل إلى طغرلبك في أمرهم، وشكا من عدم حرمته وعدم الالتفات إلى أمانه، فأفرج طغرلبك عن بعض القواد، واستمر بالباقين وبالملك الرحيم في الاعتقال، وهذا الملك الرحيم آخر من استولى على العراق من ملوك بني بويه، وكان أول من استولى منهم على العراق وبغداد معز الدولة أحمد بن بويه، ثم ابنه بختيار بن معز الدولة، ثم ابن عمه عضد الدولة، ثم فناخسرو ابن ركن الدولة

стр. 376

بن بويه، ثم ابنه صمصام الدولة بن كاليجار المرزبان بن عضد الدولة، ثم أخوه شرف الدولة شيزريك بن عضد الدولة، ثم أخوه بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة، ثم ابنه سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة، ثم أخوه شرف الدولة ابن بهاء الدولة، ثم أخوه جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة، ثم ابن أخيه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، ثم ابنه الملك الرحيم خسره فيروز ابن أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه وهو آخرهم. غير ذلك من الحوادث فيها وقعت الفتنة بين الشافعية والحنابلة ببغداد، فأنكرت الحنابلة على الشافعية الجهر بالبسملة، والقنوت في الصبح، والترجيع في الأذان، ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. فيها تزوج الخليفة القائم ببنت داود أخي طغرلبك. وفيها وقعت حرب بين عبيد المعز بن باديس، وبين عبيد ابنه تميم بن المعز بالمهدية، فانتصرت عبيد تميم وقتلوا في عبيد المعز وأخرجوهم من المهدية. ابتداء دولة الملثمين والملثمون من عدة قبائل، ينتسبون إلى حمير، وكان أول مسيرهم من اليمن في أيام أبي بكر الصديق ﵁، سيرهم إلى جهة الشام، وانتقلوا إلى مصر، ثم إلى المغرب مع موسى بن نصير، وتوجهوا مع طارق إلى طنجة، وأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها إلى هذه الغاية، فلما كانت هذه السنة، توجه رجل منهم اسمه جوهر من قبيلة جدالة إلى إفريقية، طالباً الحج، فلما عاد استصحب معه فقيهاً من القيروان يقال له عبد الله بن ياسين الكزولي، ليعلم تلك القبائل دين الإسلام، فإنه لم يبق فيهم غير الشهادتين والصلاة في بعضهم. فتوجه عبد الله بن ياسين مع جوهر حتى أتيا قبيلة لمتونة، وهي القبيلة التي منها يوسف بن تاشفين أمير المسلمين، ودعياها إلى العمل بشرائع الإسلام، فقالت لمتونة: أما الصلاة والصوم والزكاة فقريب، وأما قولكما من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يرجم، فهذا أمر لا نلتزمه، اذهبا عنا. فمضى جوهر وعبد الله بن ياسين إلى جدالة قبيلة جوهر، فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل التي حولهم إلى شرائع الإسلام. فأجاب أكثرهم، وامتنع أقلهم، فقال ابن ياسين للذين أجابوا إلى شرائع الإسلام: يجب عليكم قتال المخالفين لشرائع الإسلام، فأقيموا لكم أميراً، فقالوا: أنت أميرنا فامتنع ابن ياسين وقال لجوهر: أنت الأمير. فقال جوهر: أخشى من تسلط قبيلتي على الناس، ويكون وزر ذلك علي. ثم اتفقا على أبي بكر بن عمر رأس قبيلة لمتونة، فإنه سيد مطاع، ليلزم لمتونة قبيلته، فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا عليه ذلك فقبل، فعقد له البيعة، وسماه ابن ياسين أمير المسلمين، اجتمع إليه

стр. 377

كل من حسن إسلامه، وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد، وسماهم المرابطين، فقتلوا من أهل البغي والفساد ومن لم يجب إلى شرائع الإسلام نحو ألفي رجل، فدانت لهم قبائل الصحراء، وقويت شوكتهم، وتفقه منهم جماعة على عبد الله بن ياسين. ولما استبد أبو بكر بن عمر وعبد الله بن ياسين بالأمر، داخل جوهر الحسد، فأخذ في إفساد الأمر، فعقد له مجلس وحكم عليه بالقتل لكونه شق العصا، وأراد محاربة أهل الحق، فصلى جوهر ركعتين، وأظهر السرور بالقتل طلباً للقاء الله تعالى، وقتلوه، ثم جرى بين المرابطين وبين أهل السوس قتال، فقتل في تلك الحرب عبد الله بن ياسين الفقيه، ثم سار المرابطون إلى سجلماسة واقتتلوا مع أهلها، فانتصر المرابطون واستولوا على سجلماسة وقتلوا أصحابها، ولما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني، وهو من بني عم أبي بكر بن عمر، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. ثم استخلف أبو بكر على سجلماسة ابن أخيه وبعث يوسف بن تاشفين ومعه جيش من المرابطين إلى السوس، ففتح على يديه، كان يوسف بن تاشفين رجلا ديناً حازماً مجرباً داهية، واستمر الأمر كذلك إلى أن توفي أبو بكر بن عمر في سنة اثنتين وستين وأربعمائة، فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم ولقبوه بأمير المسلمين، ثم سار إلى المغرب وافتتحها حصناً حصناً، وكان غالبها لزناتة، ثم إن يوسف قصد موضع مراكش، وهو قاع صفصف لا عمارة فيه فبنى فيه مدينة مراكش، واتخذها مقراً ملكه، وملك البلاد المتصلة بالمجماز مثل سبتة وطنجة وسلا وغيرها، وكثرت عساكره، ويقال للمرابطين الملثمين أيضاً، قيل إنهم كانوا يتلثمون على عادة العرب، فلما ملكوا ضيقوا لثامهم، كأنه ليتميزوا به، وقيل بل إن قبيلة لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم، وألبسوا نساءهم لبس الرجال ولثموهن، فقصد بعض أعدائهم بيوتهم، فرأوا النساء ملثمين فظنوهن رجالا، فلم يقدموا عليهن، واتفق وصول رجالهم في ذلك التاريخ فأوقعوا بهم، فتبركوا باللثام وجعلوه سنة من ذلك التاريخ، فقيل لهم الملثمون. مسير طغرلبك عن بغداد لما أقام طغرلبك ببغداد، ثقلت وطأة عسكره على الرعية إلى الغاية، فرحل طغرلبك عن بغداد عاشر ذي القعدة من هذه السنة، أعني سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وكان مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهراً وأياماً، لم يلق الخليفة فيها، وتوجه طغرلبك إلى نصيبين، ثم سار منها إلى ديار بكر التي هي لابن مروان. غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة توفي أمير الكاتب البيهقي، كان من رجال الدنيا. ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة

стр. 378

عود طغرلبك إلى بغداد فيها عاد طغرلبك إلى بغداد بعد أن استولى على الموصل وأعمالها، وسلمها إلى أخيه إبراهيم ينال، ولما قارب طغرلبك الفقص خرج لتلقيه كبراء بغداد، مثل عميد الملك وزير طغرلبك ببغداد، ورئيس الرؤساء، ودخل بغداد وقصد الاجتماع بالخليفة القائم، فجلس له الخليفة وعليه البردة على سرير عمال عن الأرض نحو سبعة أذرع، وحضر طغرلبك في جماعته، وأحضر أعيان بغداد وكبراء العسكر، وذلك يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة من هذه السنة، فقبل طغريل بك الأرض، ويد الخليفة، ثم جلس على كرسي. ثم قال له رئيس الرؤساء: إن الخليفة قد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاده، ورد إليك مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاك، واعرف نعمته عليك، وخلع على طغريل بك وأعطى العهد، فقبل الأرض ويد الخليفة ثانياً وانصرف، ثم بعث طغريل بك إلى الخليفة خمسين ألف دينار، وخمسين مملوكاً من الأتراك، ومعهم خيولهم وسلاحهم مع ثياب وغيرها. غير ذلك فيها قبض المستنصر العلوي خليفة مصر على وزيره اليازوري، وهو الحسن بن عبد الله، وكان قاضياً في الرملة على مذهب أبي حنيفة، ثم تولى الوزارة، ولما قبض وجد له مكاتبات إلى بغداد. وفيها توفي أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري الأعمى وله نحو ست وثمانين سنة، ومولده سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وقيل ست وستين وثلاثمائة، واختلف في عماه، والصحيح أنه عمي في صغره من الجدري، وهو ابن ثلاث سنين، وقيل ولد أعمى، وكان عالماً لغوياً شاعراً، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وأقام بها سنة وسبعة أشهر، واستفاد من علمائها، ولم يتلمذ أبو العلاء لأحد أصلا، ثم عاد إلى المعرة ولزم بيته، وطبق الأرض ذكره، ونقلت عنه أشعار وأقوال علم بها فساد عقيدته، ونسب إلى التمذهب بمذهب الهنود، لتركه أكل اللحم خمساً وأربعين سنة، وكذلك البيض واللبن، وكان يحرم إيلام الحيوان، وله مصنفات كثيرة، أكثرها ركيكة، فهجرت لذلك، وكان يظهر الكفر ويزعم أن لقوله باطناً، وأنه مسلم في الباطن فمن شعره المؤذن بفساد عقيدته قوله: عجبت لكسري وأشياعه ... وغسل الوجوه ببول البقر وقول النصارى إله يضام ... ويظلم حيا ولا ينتصر وقول اليهود إله يحب ... رسيس الدماء وريح القتر وقوم أتوا من أقاصي البلد ... لرمي الجمار ولثم الحجر فوا عجباً من مقالاتهم ... أيعمى عن الحق كل البشر ومن ذلك قوله:

стр. 379

زعموا أنني سأبعث حيا ... بعد طول المقام في الأرماس وأجوز الجنان أرتع فيها ... بين حور وولدة أكياس أي شيء أصاب عقلك يا مس ... كين حتى رميت بالوسواس ومن ذلك: أتى عيسى فبطل شرع موسى ... وجاء محمد بصلاة خمس وقالوا لا نبي بعد هذا ... فضل القوم بين غد وأمس ومهما عشت في دنياك هذي ... فما تخليك من قمر وشمس إذا قلت المحال رفعت صوتي ... وإن قلت الصحيح أطلت همسي ومن ذلك قوله: تاه النصارى والحنيفة ما اهتدت ... ويهود هطرى والمجوس مضلله قسم الورى قسمين هذا عاقل ... لا دين فيه ودين لا عقل له وفي هذه السنة توفي أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني مقدم أصحاب الحديث بخراسان، وكان فقيهاً خطيباً إماماً في عدة علوم. وفيها توفي أياز غلام محمود سبكتكين، وله مع محمود أخبار مشهورة. وفيها مات أبو أحمد عدنان بن الشريف الرضي نقيب العلويين. ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة الخطبة بالعراق للمستنصر العلوي خليفة مصر وما كان إلى قتل البساسيري في هذه السنة سار إبراهيم ينال بعد انفصاله عن الموصل إلى همذان، وسار طغرلبك من بغداد في إثر أخيه أيضاً إلى همذان، وتبعه من كان ببغداد من الأتراك فقصد البساسيري بغداد ومعه قريش بن بدران العقيلي في مائتي فرس، ووصل إليها يوم الأحد ثامن ذي القعدة، ومعه أربعمائة غلام ونزل بمشرعة الزوايا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي خليفة مصر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، ثم عبر عسكره إلى الزاهر، وخطب بالجمعة الأخرى من وصوله للمصري بجامع الرصافة أيضاً، وجرى بينه وبين مخالفيه حروب في أثناء الأسبوع، وجمع البساسيري جماعته ونهب الحريم، ودخل الباب النوبي، فركب الخليفة القائم لابساً للسواد. وعلى كتفه البردة وبيده سيف، وعلى رأسه اللواء وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة، وسرى النهب إلى باب الفردوس من ثأره، فلما رأى القائم ذلك رجع إلى ورائه، ثم صعد إلى المنظرة ومع القائم رئيس الرؤساء، وقال رئيس الرؤساء، لقريش بن بدران: يا علم الدين، أمير المؤمنين القائم يستذم بذمامك وذمام رسول الله وذمام العربية، على نفسه وماله وأهله وأصحابه فأعطى قريش محضرته ذماماً، فنزل القائم ورئيس

стр. 380

الرؤساء إلى قريش من الباب المقابل لباب الحلبة، وسارا معه، فأرسل البساسيري، إلى قريش وقال له: أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ وكانا قد تعاهدا على المشاركة، وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر، ثم اتفقا على أن يسلم رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه، ويبقى الخليفة القائم عند قريش، وحمل قريش الخليفة إلى معسكره ببردته والقضيب ولوائه، ونهبت دار الخليفة وحريمها أياماً. ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارس، وسار به مهارس والخليفة في هودج إلى حديثة عانة، فنزل بها، وسار أصحاب الخليفة إلى طغرلبك، وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر إلى المصلى بالجانب الشرقي، وعلى رأسه ألوية خليفة مصر، وأحسن إلى الناس، ولم يتعصب لمذهب، وكانت والدة القائم باقية، وقد قاربت تسعين سنة فأفرد لها البساسيري داراً وأعطاها جاريتين من جواريها وأجرى لها الجراية؛ وكان قد حبس البساسيري رئيس الرؤساء فأحضره من الحبس، فقال رئيس الرؤساء: العفو. فقال له البساسيري. أنت قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وفعلت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، وكانوا قد ألبسوا رئيس الرؤساء استهزاء به طرطوراً من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة جلود وطافوا به إلى النجمي وهو يقرأ: " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير " " آل عمران: ٢٦ " فلما مر رئيس الرؤساء بتلك الحالة على أهل الكرخ بصقوا في وجهه، لأنه كان يتعصب عليهم. ثم ألبس جلد ثور وجعلت قرونه على رأسه وجعل في كفه كلابان من حديد، وصلب وبقي إلى آخر النهار ومات، وأرسل البساسيري إلى المستنصر العلوي بمصر، يعرفه بإقامة الخطبة له بالعراق، وكان الوزير هناك ابن أخي أبي القاسم المغربي وهو ممن هرب من البساسيري فبرد فعل البساسيري وخوف من عاقبته، فتركت أجوبته مدة، ثم عادت بخلاف ما أمله، ثم سار البساسيري من بغداد إلى واسط والبصر فملكهما، وأما طغريل بك فكان قد خرج عليه أخوه إبراهيم ينال، وجرى بينه وبينه قتال، وآخره أن طغريل بك انتصر على أخيه إبراهيم ينال وأسره وخنقه بوتر، وكان قد خرج عليه مراراً وطغريل بك يعفو عنه، فلم يعف عنه في هذه المرة. عود الخليفة القائم إلى بغداد وقتل البساسيري وكان ذلك في السنة القابلة سنة إحدى وخمسين، فقدم ذكر هذه الواقعة في هذه السنة لتكون أخبارها متتابعة إلى منتهاها فنقول: إنه لما فرغ طغريل بك من أمم أخيه إبراهيم ينال وقتله، سار إلى العراق لرد الخليفة إلى مقر ملكه، وأرسل إلى البساسيري يقول: رد الخليفة إلى مكانه، وأنا أرضى منك بالخطبة، ولا أدخل العراق، فلم يجب البساسيري إلى ذلك. فسار طغريل بك، فلما قارب إلى بغداد انحدر منها خدم البساسيري وأولاده في

стр. 381

دجلة، وكان دخول البساسيري وأولاده سنة خمسين سادس ذي القعدة، وخروجهم من بغداد في سنة إحدى وخمسين سادس ذي القعدة أيضاً، ووصل طغريل بك إلى بغداد وأرسل في طلب الخليفة القائم إلى مهارس، فسار مهارس والخليفة إلى بغداد في السنة المذكورة، أعني سنة إحدى وخمسين في حادي عشر ذي القعدة وأرسل طغريل بك الخيام العظيمة والآلات لملتقى الخليفة القائم، ووصل الخليفة إلى النهروان رابع وعشرين ذي القعدة وخر طغريل بك لتلقيه واجتمع به واعتذر عن تأخره بعصيان أخيه إبراهيم، وأنه قتله عقوبة لما جرى منه، وبوفاة أخيه داود بخراسان، وسار مع الخليفة ووقف طغريل بك في الباب النوبي مكان الحاجب. وأخذ بلجام بغلة الخليفة حتى صار على باب حجرته، ودخل الخليفة إلى داره يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين، ثم أرسل طغريل بك جيشاً خلف البساسيري، ثم سار طغريل بك في إثرهم، واقتتل الجيش والبساسيري. ثامن ذي الحجة، فقتل البساسيري، وانهزم أصحابه وحمل رأسه إلى طغريل بك وأخذت أموال البساسيري مع نسائه وأولاده ثم أرسل طغريل بك رأس البساسيري إلى دار الخلافة فصلب قبالة الباب النوبي، وكان البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة. واسمه أرسلان، وهو منسوب إلى مدينة بسا بفارس، وكان سيد هذا لمملوك من بسا، فقيل له البساسيري لذلك، والعرب تجعل عوض الباء فاء فتقول فسا ومنها أبو علي الفارسي النحوي. غير ذلك من الحوادث وفي هذه السنة أعني سنة خمسين وأربعمائة توفي شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي صاحب الجزيرة، واجتمعت عشيرته على ولده صدقة، وفيها توفي الملك الرحيم أبو نصر خسره فيروز آخر ملوك بني بويه بعد أن نقل من قلعة السيروان إلى قلعة الري، فمات بها مسجوناً وهو الملك الرحيم بن أبي كاليجار المرزبان بن سلطان الدول بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه. وفيها توفي القاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي وله مائة سنة وسنتان، وكان صحيح السمع والبصر، سليم الأعضاء يناظر ويفتي ويستدرك على الفقهاء، ودفن عند قبر أحمد بن حنبل. وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسين علي بن محمد بن حبيب الماوردي، وله تصانيف كثيرة منها، الحاوي المشهور، وعمره ست وثمانون سنة، أخذ الفقه عن أبي حامد الإسفراييني وغيره ومن مصنفاته تفسير القرآن والنكت والعيون والأحكام السلطانية وقانون الوزارة، والماوردي نسبة إلى بيع ماء الورد. وفيها كانت زلزلة عظيمة لبثت ساعة بالعراق والموصل، فخربت كثيراً وهلك فيها الجم الغفير. ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة

стр. 382

وفاة فرخزاد صاحب غزنة في هذه السنة وقيل في سنة تسع وأربعين، توفي الملك فرخزاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بالقولنج، وملك بعده أخوه إبراهيم بن مسعود، فأحسن السيرة، وغزا الهند وفتح حصوناً. وكان ديناً، ولما استقر في ملك غزنة صالح داود بن ميكائيل بن سلجوق صاحب خراسان. وفاة داود وملك ابنه ألب أرسلان في هذه السنة في رجب توفي داود بن ميكائيل بن سلجوق، أخو طغريل بك، وعمره سبعون سنة، صاحب خراسان وهو مقاتل آل سبكتكين، ولما توفي داود ملك خراسان بعده ابنه ألب أرسلان وكان لداود من البنين ألب أرسلان، وياقوتي وقاروت بك وسليمان، فتزوج طغريل بك بأم سليمان امرأة أخيه. غير ذلك من الحوادث فيها قدم طغريل بك إلى بغداد، وأعاد الخليفة، وقتل البساسيري حسبما ذكرنا. وفيها توفي علي بن محمود بن إبراهيم الزوزني، وهو الذي ينسب إليه رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور ببغداد. ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة فيها ملك محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس حلب، على ما تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة. وفيها سار طغريل بك من بغداد إلى بلاد الجبل في ربيع الأول، وجعل الأمير برسق شحنة ببغداد. وفيها توفيت والدة القائم وهي جارية أرمنية، قيل اسمها قطر الندى. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وفاة المعز صاحب إفريقية وفي هذه السنة توفي المعز بن باديس، بضعف الكبد، وكانت مدة ملكه سبعاً وأربعين سنة، وكان عمره لما ملك قيل إحدى عشرة سنة، وقيل ثمان سنين، وملك بعده ابنه تميم بن المعز، ولما مات المعز طمعت أصحاب البلاد بسبب العرب وتغلبهم على بلاد إفريقية كما قدمنا ذكره. وفاة قريش صاحب الموصل وفيها توفي قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب صاحب الموصل ونصيبين، وكانت وفاته بنصيبين، بخروج دم من حلقه وأنفه وأذنيه، وقام بالأمر بعده ابنه شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قريش. وفاة نصر الدولة بن مروان وفي هذه السنة توفي نصر الدولة أبو نصر أحمد بن مروان الكردي، صاحب ديار بكر -

стр. 383

وكان عمره نيفاً وثمانين سنة، وإمارته اثنتين وخمسين سنة، لأن تملكه كان في سنة اثنتين وأربعمائة كما قدمنا ذكره في سنة ثمانين وثلاثمائة، واستولى أبو نصر على أموره وبلاده استيلاء تاماً، وتنعم تنعماً لم يسمع بمثله، وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن بخمسة آلاف دينار، وأكثر، وملك خمسمائة سرية، سوى توابعهن وخمسمائة خادم، وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار، وأرسل طباخين إلى مصر حتى تعلموا الطبخ هناك وقدموا عليه، وغرم على ذلك جملة، ووزر له أبو القاسم المغربي وفخر الدولة بن جهير، ووفد إليه الشعراء وأقام عنده العلماء، ولما مات نصر الدولة المذكور، خلف ابنين نصراً وسعيداً ابني المذكور، فاستقر في الأمر بعده ابنه نصر بن أحمد بميافارقين، وملك أخوه سعيد بن أحمد آمد. وفاة أمير مكة في هذه السنة توفي شكر العلوي الحسيني أمير مكة، وله شعر حسن فمنه: قوض خيامك عن أرض تضام بها ... وجانب الذل إن الذل مجتنب وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة فيها تزوج طغريل بك ببنت الخليفة القائم، وكان العقد في شعبان بظاهر تبريز، وكان الوكيل في تزويجها من جهة القائم عميد الملك، وفيها استوزر القائم فخر الدولة أبا نصر بن جهير بعد مسيره عن ابن مروان. وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، الفقيه الشافعي، صاحب كتاب لشهاب، وكتاب الأنباء عن الأنبياء، وتواريخ الخلفاء وكتاب خطط مصر. تولى قضاء مصر من جهة الخلفاء العلويين مصريين، وتوجه منهم رسولا إلى جهة الروم، والقضاعي منسوب إلى قضاعة، وهو من حمير، وينسب إلى قضاعة قبائل كثير منها: كلب وبلى وجهينة وعدوة وغيرهم، وقيل: قضاعة بن معد بن عدنان. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة أخبار اليمن من تاريخ اليمن عمارة قال: وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة تكامل جميع اليمن لعلي بن القاضي محمد بن علي الصليحي، وكان القاضي محمد والد علي الصليحي المذكور، سني المذهب، وله الطاعة في رجال حراز، وهم أربعون ألفاً ببلاد اليمن، فتعلم ابنه علي المذكور مذهب الشيعة، وأخذ أسرار الدعوة عن عامر بن عبد الله الرواحي، وكان عامر المذكور من أهل اليمن، وهو أكبر دعاة المستنصر الفاطمي خليفة مصر، فصحبه علي بن محمد الصليحي وتعلم منه أسرار الدعوة، فلما دنت من عامر الوفاة، أسند

стр. 384

أمر الدعوة إلى علي المذكور، فقام بأمر الدعوة أتم قيام وصار علي بن محمد الصليحي المذكور دليلا لحجاج اليمن، يحج بهم على طريق الطائف وبلاد السرو، وبقي على ذلك عدة سنين، وفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ترك دلالة الحجاج وثار بستين رجلا، وصعد إلى رأس مشاف، وهو أعلى ذروة من جبال حراز، ولم يزل يستفحل أمره شيئًا فشيئاً، حتى ملك جميع اليمن في هذه السنة، أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ولما تكامل لعلي الصليحي ملك اليمن، ولى على زبيد أسعد بن شهاب بن علي الصليحي، وأسعد المذكور هو أخو زوجته أسماء بنت شهاب، وابن عم علي المذكور. وبقي علي الصليحي مالكاً لجميع اليمن حتى حج، فقصده بنو نجاح وقتلوه بغتة، بالهجم علب بضيعة يقال لها أم الدهيم وبيرام معبد، في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، فلما قتل الصليحي المذكور، استقرت التهائم لبني نجاح واستقر بصنعاء ابن الصليحي المذكور، وهو أحمد بن علي بن القاضي محمد الصليحي، وكان يلقب أحمد المذكور بالملك المكرم، ثم جمع المكرم المذكور العرب وقصد سعيد بن نجاح بزبيد، وجرى بينهما قتال شديد، فانهزم سعيد بن نجاح إلى جهة دهلك، وملك أحمد المذكور زبيد في سنة خمس وسبعين وأربعمائة، ثم عاد ابن نجاح وملك زبيد في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ثم عاد أحمد المكرم وقتل سعيد في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. ثم ملك جياش أخو سعيد وبقي أحمد المكرم على ملك صنعاء حتى مات المكرم في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولما مات أحمد المكرم بن علي بن القاضي محمد بن علي الصليحي تولى بعده ابن عمه أبو حمير سبأ بن أحمد بن المظفر ابن علي الصليحي في السنة المذكورة، أعني سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وبقي سباً متولياً حتى توفي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وهو آخر الملوك الصليحيين. ثم بعد موت سبأ أرسل من مصر علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، فوصل إلى جبال اليمن في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقام بأمر الدعوة والمملكة التي كانت بيد سبأ، وبقي ابن نجيب الدولة حتى أرسل الآمر الفاطمي خليفة مصر وقبض على ابن نجيب الدولة المذكور، بعد سنة عشرين وخمسمائة، وانتقل الملك والدعوة إلى آل الزريع بن العباس بن المكرم. وآل الزريع هم أهل عدن، وهم من همذان بن جشم، وهؤلاء بنو للمكرم يعرفون بآل الذيب، وكانت عدن لزريع بن العباس بن المكرم، ولعمه مسعود بن المكرم، فقتلا على زبيد مع الملك المفضل، فولى بعدهما ولداهما، وهما أبو السعود بن زريع وأبو الغارات ابن مسعود، وبقيا حتى ماتا، وولى بعدهما محمد بن أبي الغارات، ثم ولى بعده ابنه على بن محمد بن أبي الغارات. ثم استولى على الملك والدعوة سبأ بن أبي السعود بن زريع، وبقي حتى توفي في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم تولى ولده الأعز علي بن سبأ، وكان

стр. 385

مقام علي بالدملوة، فمات بالسل، وملك بعده أخره المعظم محمد بن سبأ، ثم ملك بعده ابنه عمران بن محمد بن سبأ، وكانت وفاة محمد بن سبأ في سنه ثمان وأربعين وخمسمائة، ووفاة عمران بن محمد بن سبأ في شعبان سنة ستين وخمسمائة وخلف عمران ولدين طفلين هما، محمد وأبو السعود ابنا عمران. وممن ولي الأمر من الصليحيين، زوجة أحمد المكرم، وهي الملكة ولقبها الحرة، واسمها سيدة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحي، ولدت سنة أربعين وأربعمائة وربتها أسماء بنت شهاب، وتزوجها ابن أسماء أحمد المكرم بن علي الصليحي سنة إحدى وستين وأربعمائة، وطالت مدة الحرة المذكورة، وولاها زوجها أحمد المكرم الأمر في حياته، فقامت بتدبير المملكة والحروب، واشتغل زوجها بالأكل والشرب، ولما مات زوجها وتولى ابن عمه سبأ استمرت هي في الملك، ومات سبأ وتولى ابن نجيب الدولة في أيامها، واستمرت بعده حتى توفيت الحرة المذكورة. في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وممن كان له شركة في الملك: الملك المفضل أبو البركات بن الوليد الحميري صاحب تعز، وكان المفضل المذكور يحكم بين يدي الملكة الحرة وكان يحتجب حتى لا يرجى لقاؤه، ثم يظهر ويدبر الملك حتى يصل إليه القوي والضعيف، وبقي المفضل كذلك حتى توفي في شهر رمضان سنة أربع وخمسمائة، وملك معامل المفضل وبلاده بعده ولده منصور، ويقال له الملك المنصور بن المفضل، واستمر المنصور بن المفضل في ملك أبيه من تاريخ وفاته إلى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فابتاع محمد بن سبأ بن أبي السعود منه المعامل التي كانت للصليحيين بمائة ألف دينار، وعدتها ثمانية وعشرون حصناً، وبلداً، وأبقى المنصور بن المفضل لنفسه تعز، وبقي المنصور في ملكها حتى توفي بعد أن ملك نحو ثمانين سنة. وسنذكر بقية أخبار اليمن في سنة أربع وخمسين وخمسمائة إن شاء الله تعالى. دخول طغريل بك بابنة الخليفة وفي هذه السنة أعني سنة خمس وخمسين وأربعمائة، قدم طغريل بك إلى بغداد ودخل بابنة الخليفة، وحصل من عسكره الأذية لأهل بغداد لإخراجهم من دورهم وفسقهم بنسائهم أخذاً باليد. وفاة طغريل بك في هذه السنة بعد دخول طغريل بك بابنة الخليفة، سار من بغداد في ربيع الأول إلى بلد الجبل، فوصل إلى الري فمرض وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان من هذه السنة، وعمره سبعون سنة تقريباً، وكان طغريل بك عقيماً لم يرزق ولداً، واستقرت السلطنة بعده لابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق.

стр. 386

غير ذلك فيها دخل الصليحي صاحب اليمن إلى مكة مالكاً لها، فأحسن السيرة، وجلب إليها الأقوات، وفيها كان بالشام زلزلة عظيمة خرب بها كثير من البلاد، وانهدم بها سور طرابلس. وفيها ولي أمير الجيوش بدر مدينة دمشق للمستنصر العلوي خليفة مصر، ثم ثار به الجند ففارقها. وفيها توفي سعيد بن نصر الدولة أحمد بن مروان صاحب آمد من ديار بكر. ثم دخلت سنة ست وخسمين وأربعمائة القبض على الوزير عميد الملك وقتله في هذه السنة قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أبي نصر منصور بن محمد الكندري، وزير عمه طغريل بك، بسبب سعي نظام الملك وزير ألب أرسلان به، فقبض ألب أرسلان على عميد الملك وحبسه في مروروز، فلما مضى على عميد الملك في الحبس سنة، أرسل ألب أرسلان إليه غلامين ليقتلا فدخل عميد الملك ورع أهله وصلى ركعتين وخرق خرقه من طرف كمه وعصب عينيه بها، فقتلاه بالسيف وقطع رأسه وحملت جثته إلى كندر فدفن عند أبيه، وكان عمره نيفاً وأربعين سنة، وكان عميد الملك خصياً. لأن طغريل بك أرسله ليخطب له امرأة فتزوجها عميد الملك، فخصاه طغريل بك لذلك، وكان عميد الملك كثير الوقيعة في الشافعي، حتى خاطب طغريل بك في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأمر له بذلك فأمر بلعنهم، وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني، وأقام بمكة أربع سنين ولهذا لقب إمام الحرمين، ومن العجب أن ذكر عبد الملك ومخاصيه، دفن بخوارم لما خصي، ودمه سفح بمرو، وجسده دفن بكندر، ورأسه ما عدا قحفه دفن بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام الملك كان هناك. غير ذلك في هذه السنة ملك ألب أرسلان قلعة ختلان، ثم سار إلى هراة فحاصر عمه بيغو بن ميكائيل بن سلجوق بها، وملكها وأخرج عمه، ثم أحسن إليه وأكرمه، ثم سار إلى صغائيان فملكها أيضاً بالسيف، وكان اسم صاحبها موسى، فأخذ أسيراً وفي هذه السنة أمر ألب أرسلان بعود بنت الخليفة القائم إلى بغداد وكانت قد سارت إلى طغريل بك إلى الري بغير رضى الخليفة. وفيه هذه السنة عصى قطلومش بن أرسلان بن سلجوق على ألب أرسلان، فأرسل إليه ونهاه عن ذلك وعرفه أنه يرعى له القرابة والرحم، فلم يلتفت قطلومش إلى ذلك، فسار إليه ألب أرسلان إلى قرب الري، والتقى العسكران واقتتلوا فانهزم عسكر قطلومش وهرب إلى جهة قلعة كردكوه، فلما انقضى القتال وجد قطلومش ميتاً، قيل إنه

стр. 387

مات من الخوف، فعظم موته على ألب أرسلان وبكى عليه، وقعد للعزاء وعظم عليه فقده فسلاه نظام الملك، ودخل ألب أرسلان مدينة الري في آخر المحرم من هذه السنة، وهذا قطلومش السلجوقي هو جد الملوك أصحاب قونية، وأقصرا وملطية، إلى أن استولى التتر على مملكتهم على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكان قطلومش مع أنه رجل تركي عارفاً بعلم النجوم، وقد أتقنه. وفي هذه السنة شاع ببغداد والعراق وخوزستان وكثير من البلاد، أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون، فرأوا في البرية خيماً سوداء وسمعوا منها لطماً شديداً وعويلا كثيراً، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجن، وأي بلد لم يلطم أهله قلع أصله، فصدق ذلك ضعفاء العقول من الرجال والنساء، حتى خرجوا إلى المقابر يلطمن وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك، قال ابن الأثير: ولقد جرى ونحن في الموصل وغيرها من تلك البلاد في سنة ستمائة مثل هذا، وهو أن الناس أصابهم وجع كثير في حلوقهم فشاع أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود، وكل من لا يعمل مأتماً أصابه هذا المرض، فكان النساء وأوباش الناس يلطمون على عنقود ويقولون يا أم عنقود اعذرينا، قد مات عنقود ما درينا. وإنما أوردنا هذا لأن رعاع الناس إلى يومنا هذا وهو سنة سبعمائة وخمس عشرة يقولون بأم عنقود وحديثها، ليعلم تاريخ هذا الهذيان من متى كان. وفيها توفي أبو القاسم علي بن برهان الأسد النحوي، المتكلم، وكان له اختيار في الفقه وكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس. ولم يقبل من أحد شيئاً، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة، ويعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار، وكان قد جاوز ثمانين سنة. ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة وفيها عبر ألب أرسلان جيحون وسار إلى جند وصبران، وهما عند بخارى، وقبر جده سلجوق بجند، فخرج صاحب جند إلى طاعته، فأقره على مكانه، ووصل إلى كركنج خوارزم، وسار منها إلى مرو. وفيها ابتدأ نظام الملك بعمارة المدرسة النظامية ببغداد. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وفيها أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدار بن المقلد بن المسيب صاحب الموصل، الأنبار وتكريت زيادة على الموصل. وفيها توفي أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الخسروجردي، وكان إماماً في الحديث والفقه على مذهب الشافعي، وكان زاهداً ومات بنيسابور ونقل إلى بيهق، وبيهق قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخاً منها، وكان البيهقي من خسرو جرد وهي - قرية من بيهق - وكان البيهقي أوحد زمانه، رحل في طلب الحديث إلى العراق والجبال والحجاز، وصنف شيئاً كثيراً، وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات، ومن مشهور مصنفاته السنن الكبير والسنن الصغير ودلائل النبوة، وكان قانعاً من الدنيا بالقليل، ومولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وقال إمام

стр. 388

الحرمين في حقه: ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة، إلا أحمد البيهقي، فإن له على الشافعي منة، لأنه كان أكثر الناس نصر المذهب الشافعي. وفيها توفي أبو علي محمد ابن الحسين بن الحسن بن الفراء الحنبلي، وعنه انتشر مذهب أحمد بن حنبل، وهو مصنف كتاب الصفات، أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، وكان ابن التميمي الحنبلي يقول: لقد خرى أبو يعلي بن الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء. وفيها توفي الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده المرسي، وكان إماماً في اللغة، صنف فيها المحكم، وهو كتاب مشهور، وله غيره عدة مصنفات وكان ضريراً، وتوفي بدانية من شرق الأندلس، وعمره نحو ستين سنة. ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة فيها في ذي القعدة فرغت عمارة المدرسة النظامية، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي واجتمع الناس فتأخر أبو إسحق عن الحضور لأنه سمع شواذاً أن أرض المدرسة مغصوبة، ولما تأخر ألقي الدرس بها إلى يوسف بن الصباغ صاحب كتاب الشامل مدة عشرين يوماً، ثم اجتهدوا بأبي إسحاق فلم يزالوا به حتى درس فيها. ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة فيها كانت بفلسطين ومصر زلزلة شديدة حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من الردم عالم عظيم، وزال البحر عن الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس أرضه يلتقطون فرجع الماء عليهم وأهلك خلقاً كثيراً. وفيها توفي الشيخ أبو منصور عبد الملك بن يوسف، وكان من أعيان الزمان. ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة فيها احترق جامع دمشق بسبب فتنة وقعت بين المغاربة والمشارقة، فضربت دار مجاورة للجامع بالنار، فاتصلت النار بالجامع، وعجز الناس عن إطفائها، فأتى الحريق على الجامع، فدثرت محاسنه، وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة. ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة في هذه السنة توفي طفغاج خان ملك ما وراء النهر، واسمه أبو إسحاق إبراهيم بن نصر أيلك خان، وملك بعده ابنه شمس الملك نصر بن طفغاج، وبقي شمس الملك حتى توفي، ولم يقع لي تاريخ وفاته، وملك بعده أخوه حصر خان بن طفغاج، ثم ملك بعده ابنه أحمد، وبقي أحمد المذكور حتى قتل سنة ثمان وثمانين وأربعمائة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفيها كان بمصر غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، وانتزح منها من قدر على الانتزاح، واحتاج خليفة مصر المستنصر العلوي إلى إخراج الآلات وبيعها، فأخرج من خزانته ثمانين ألف قطعة بلور كبار، وخمساً وسبعين ألف قطعة من الديباج وأحد عشر ألف كزغندو، وعشرين ألف سيف محلى، ووصل من ذلك مع التجار إلى بغداد. ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة فيها قطع محمود بن نصر بن صالح ابن مرداس صاحب حلب خطب المستنصر العلوي، وخطب للقائم العباسي خليفة بغداد. وفيها سار السلطان ألب أرسلان إلى ديار بكر، فأتى صاحبها نصر

стр. 389

بن أحمد بن مروان إلى طاعته وخدمته، ثم سار ألب أرسلان حتى نزل على حلب، فبذل صاحبها محمود بن نصر بن صالح بن مرداس له الطاعة، بدون أن يطئ بساطه، فلم يرض ألب أرسلان بذلك، فخرج محمود ووالدته ليلا، ودخلا على السلطان ألب أرسلان فأحسن إليهما، وأقر محموداً على مكانه بحلب. وفيها سار ملك الروم أرمانوس بالجموع العظيمة من أنواع الروم والروس والجركس وغيرهم حتى وصل إلى ملاز كرد، فسار إليه ألب أرسلان وسأل الهدنة من ملك الروم فامتنع واقتتل الجمعان، فولى الروم منهزمين، وقتل منهم ما لا يحصى وأخذ الملك أرمانوس أسيراً، فشرط ألب أرسلان عليه شروطاً من حمل المال والأسرى والهدنة، فأجاب أرمانوس إليها، فأطلقه ألب أرسلان وحمله إلى مأمنه. وفيها قصد يوسف بن أبق الخوارزمي وهو من أمراء ملكشاه بن ألب أرسلان الشام، وفتح مدينة الرملة وبيت المقدس، وأخذهما من نواب الخليفة المستنصر، صاحب مصر، ثم حصر دمشق وضيق على أهلها ولم يملكها. ذكر غير ذلك وفي هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الغوراني الفقيه الشافعي، مصنف كتاب الإبانة وغيره. وفيها توفي أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون الأندلسي القرطبي، وكان من أبناء الفقهاء بقرطبة ثم انتقل وخدم المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية، وصار عنده وزيره. ولابن زيدون المذكور الأشعار الفائقة منها: بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سراً إذا ذاعت الأسرار لم يذع يا بائعاً حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع يكفيك أنك لو حملت قلبي ما ... لم تستطعه قلوب الناس يستطع ته أحتمل واستطل أصبر وأعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع ومر أطع ومن قصائده المشهورة قصيدته النونية التي منها: تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا وفيها في ذي الحجة توفي ببغداد الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب المصنفات الكثيرة، وكان إمام الدنيا في زمانه، وممن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وصنف تاريخ بغداد، الذي ينبئ عن إطلاع عظيم، وكان من المتجرين، وكان فقيهاً فغلب عليه الحديث والتاريخ، ومولده في جمادى الآخر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وكان الخطيب المذكور في وقته حافظ الشرق، وأبو عمرو يوسف بن عبد البر صاحب الاستيعاب حافظ الغرب، وماتا في هذه السنة، ولم يكن للخطيب عقب، وصنف أكثر من ستين كتاباً، وأوقف جميع كتبه ﵀. وأما ابن عبد البر المذكور، فهو

стр. 390

يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، كان إمام وقته في الحديث، ألف كتاب الاستيعاب في أسماء الصحابة، وصنف كتاب التمهيد، على موطأ مالك، تصنيفاً لم يسبق إليه، وكتاب الدرر في المغازي والسير، وغير ذلك، وكان موفقاً في التأليف معاناً عليه، وسافر من قرطبة إلى شرق الأندلس، وتولى قضاء أشبونه وشنترين وصنف لمالكها المظفر بن الأفطس، كتاب بهجة المجالس، في ثلاثة أسفار جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمحاضرة، ومما ذكره في الكتاب المذكور أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل الجنة ورأى فيها عذقاً مدلى فأعجبه وقال: لمن هو؟ فقيل: لأبي جهل. فشق عليه ذلك وقال: ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبداً، فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل مسلماً. فرح به وتأول ذلك العذق، ابنه عكرمة. ومن ذلك ما روي عن جعفر بن محمد الصادق، أن النبي ﷺ رأى كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر بن أبي جوشن، قاتل الحسين، وكان أبرص. فتفسرت رؤياه بعد خمسين سنة. ومنه أن النبي ﷺ قال لأبي بكر الصديق ﵁: يا أبا بكر، رأيت كأني وأنت نرقى في درجة فسبقتك بمرقانين ونصف، فقال أبو بكر يا رسول الله، يقبضك الله إلى رحمته، وأعيش بعدك سنتين ونصفاً. ومنه أن بعض أهل الشام قص على عمر بن الخطاب ﵁ قال: رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا، ومع كل واحد منهما فريق من النجوم، فقال عمر: أيهما كنت؟ قال مع القمر. قال: مع الآية الممحوة، والله لا توليت لي عملا. فقتل الرائي المذكور على صفين، وكان مع معاوية. ومنه أن عائشة ﵂ رأت كأن ثلاثة قمر سقطن في حجرها. فقال لها أبوها أبو بكر ﵄: يدفن في بيتك ثلاثة من خيار أهل الأرض. فل دفن فيه النبي ﷺ قال لها: هذا أحد أقمارك. ولغرابة ذلك أوردناه. وتوفي الحافظ بن عبد البر المذكور في مدينة شاطبة من الأندلس في هذه السنة، أعني سنة ثلاث وستين وأربعمائة. وفيها توفيت كريمة بنت أحمد بن محمد المروزية، وهي التي تروي صحيح البخاري بمكة. وإليها انتهى علو الإسناد الصحيح. ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة وفاة بن عمار قاضي طرابلس وفي هذه السنة في رجب، توفي القاضي أبو طالب بن عمار قاضي طرابلس، وكان قد استولى عليها واستبد بأمرها فقام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن ابن عمار، فضبط البلد أحسن ضبط. ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة مقتل السلطان ألب أرسلان في هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان، واسمه محمد، إلى ما وراء النهر، وعقد على جيحون جسراً وعبره، في نيف وعشرين يوماً، وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس ولما عبر السلطان
следующие страницы →