← История

История · id 12715

المختصر في أخبار البشر

أبو الفداء

Полный текст (814 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المؤرخون في بخت نصر، هل كان ملكاً مستقلاً بنفسه أم كان نائباً للفرس؟ والأصح عند الأكثر أنه كان نائباً للهراسف المذكور، وسار بالجيوش نيابة عنه، وفتح له البلاد، ثم غزا بخت نصر العرب، وكان في زمن معد بن عدنان، فقصده طوائف من العرب مسالمين، فأحسن إِليهم بخت نصر وأنزلهم شاطئ الفرات وبنوا موضع معسكرهم، وسموه الأنبار، واستمروا كذلك مدة حياة بخت نصر. ومما جرى لبخت نصر رؤياه التي أريها رقد أثبتها اليهود في كتبهم، وكذلك المؤرخون من المسلمين. قالوا: رأى صنماً رأسه من ذهب، وصدره وذراعاه من فضة، وبطنه وفخذاه من نحاس، وساقاه وقدماه من حديد، وأصابع قدميه بعضها حديد وبعضها خزف، وأن حجراً انقطعت من جبل، من غير يد، قاطعة له، وصكت الصنم، فاندق الحديد والنحاس وغيره، وصار جميع ذلك مثل الغبار، وألوت به ريح عاصفة، ثم صارت الحجر التي صكت الصنم جبلا عظيماً امتلأت منه الأرض كلها. فقال بخت نصر: لا أصدق تعبير ما رأيته إِلا ممن يخبرني بما رأيت، وكتم بخت نصر ذلك، وسأل العلماء والسحرة والكهنة عن ذلك، فلم يطق أحد أن ينبئه بذلك، حتى سأل دانيال، فخبره دانيال بصورة رؤياه كما رآها بخت نصر، ولم يخلط منها بشيء. ثم عبرها له دانيال، فقال: الرأس ملكك، وأنت بين الملوك بمنزلة رأس الصنم الذهب، والذي يقوم بعدك دونك، بمنزلة الفضة من الذهب، ويكون كل متأخر أقل ممن قبله، مثلما النحاس دون الفضة، والحديد دون النحاس، وأما الأصابع التي بعضها حديد وبعضها خزف، فإن المملكة تصير آخر الوقت مختلطة، مختلفة، بعضها قوي وبعضها ضعيف، ثم إِنّ الله تعالى، يقيم بعد ذلك مملكة لا تبيد إلى آخر الدهر. هذا تعبير رؤياك، فخر بخت نصر ساجداً لدانيال، وأمر له بالخلع وأن يقرب له القرابين. وقد اختلف في مدة ولاية بخت نصر، والذي اختاره أبو عيسى وأثبته أن بخت نصر تولى أو ملك سبعاً وخمسين سنة، وشهراً وثمانية أيام. وتفسير بخت نصر بالعربية، عطارد، وهو ينطق، سمي بذلك لتقريبه الحكماء والعلماء، وحبه أهل العلم. ولما هلك ولي مُلك الفرس بعد بخت نصر، ابنه أولاق سنة واحدة وقتل. ثم ولي بعده - بلطشاصر سنتين، وبلطشاصر هو ابن ابن بخت نصر، ثم إِنه جلس للشراب، واحتفل بلطشاصر في مجلس عمله، وجمع فيه ألف نفس من أصحابه، وجعل فيه من آنية الذهب ما يفوت الحصر، فرأى على ضوء الشمع يد إنسان تكتب على الحائط، فتغير بلطشاصر لذلك، واضطرب ذهنه، واصطكت ركبتاه، فدعا دانيال وقال له: ما رأى، فقال دانيال: إِنك لما عظَمت الذهب، والفضْة والنحاس والحديد، وليس فيها ما ينصرك، ولم تعظم الإِله، الذي بيده نسمتك، وروحك، وجميع تصاريف أمورك، أرسل كفهُ يداً كتبتَ ما معناه: اكشف واعرى، أي أن مملكتك كشفت وعريت وجعلت لأهل فارس، فقُتل بلطاشاصر في تلك الليلة، وبه انقرضت دولة بني بخت نصر. ولنرجع إِلى سياقة ملك لهراسف، ثم مَلَك بعده ابنه

стр. 37

كي بشتاسف، وهو الذي يزعمون أنه باق في كنكدز ولما ملك بشتاسف بنى مدينة - فسا، وظهر في أيامه زرادشت بزاي منقوطة مفتوحة، وراء مهملة، وألف، ودال مضمومة، مهملة وشين منقوطة ساكنة، وتاء مثناه من فوقها. وهو صاحب كتاب المجوس. وتوقفت بشتاسف عن الدخول في دينه، ثم صدقه ودخل فيه، وجرى بين بشتاسف وبين خرزاسف ملك الترك حروب عظيمة، قتل بينهما فيها خلق كثير، بسبب زرداشت، ودخول بشتاسف في دينه، انتصر فيها بشتاسف على خرزاسف ملك الترك. ثم إِن بشتاسف تنسك، وانقطع للعبادة في جبل يقال له طميذر، ولقراءة كتاب زرادشت، ثم فُقد. وكان لبشتاسف ولد يقال له إِسفنديار، هلك في حياة أبيه، وخلف ولداً يقال له أزدشير بهمن بن إِسفنديار بن بشتاسف، ولما تزهد بشتاسف وفقد مَلكَ ابن ابنه أزدشير بهمن المذكور وانبسطت يده حتى ملك الأقاليم السبعة، من كتاب أبي عيسى. وأزدشير بهمن المذكور، اسمه بالعبرانية كورش، ويقال كيرش، وهو الذي أمر بعمارة بيت المقدس بعد أن خربه بخت نصر، فعمره أزدشير وأمر بني إِسرائيل بالرجوع إِليه، ولا دليل على أنّ أزدشير المذكور هو كورش أقوى من كلام أشعيا النبي ﵇، فإِنه يقول في الفصل الثاني والعشرين من كتابه، حكاية عن الله تعالى أنا القائل لكورش: داعي الذي يتم جمع محباتي، ويقول لأورشليم عودي مبنية، ولهيكلها كن مزخرفاً، مزيناً، هكذا قال الرب لمسيحه كورش، الذي أخذ بيمينه لتدبير الأمم وتحنى لك ظهور الملوك سائراً، تفتح الأبواب أمامه فلا تغلق، وأسير أنا قدامك، وأسهل لك الوعور، وأكسر أبواب النحاس، وأحبوك بالذخائر التي في الظلمات ولم يكن أحد في ذلك الزمان بهذه الصفة التي ذكرها أشعيا، أعني ملك الأقاليم والحكم على الأمم، وغير ذلك مما ذكره غير أزدشير بهمن، فتعين أن يكون هو كيرش. وكان أزدشير بهمن كريماً متواضعاً علامته على كتبه بقلمه، من أزدشير بهمن عبد الله وخادم الله والسايس لأمركم. وغزا رومية في ألف ألف مقاتل وبقي كذلك إِلى أن هلك، وتفسير بهمن بالعربية الحسن النية، وكان بهمن متزوجاً بابنته خماني؛ وذلك حلال على دين المجوس، فتوفي بهمن وهي حامل منه بدارا وكانت قد سألت بهمن ن يعقد التاج على ما في بطنها، ويخرج ابنه ساسان بن بهمن من الملك، فأجابها بهمن وأوصى به أكابر دولته، ففعلوا ذلك، وساست خماني الملك بعده أحسن سياسة، وعظم ذلك على ساسان، فلحق بإِصطخر، وتزهد وتجرد من حلية الملك واتخذ غنماً وتولى بنفسه رعيها، وساسان المذكور هو أبو الأكاسرة. ثم وضعت خماني ولداً وسمته دارا وهو ابنها وأخوها، ولما اشتد سلمت الملك إِليه وعزلت نفسها، فتولى دارا بن بهمن الملك، فضبطه بشجاعة وحسن سياسة وولد لدارا ابن فسماه دارا باسم نفسه. ثم هلك دارا وولي الملك ابنه دارا بن دارا، وكان

стр. 38

حقوداً ظالماً، فنفر منه قلوب الخاصة والعامة. وفي زمان دارا المذكور، تملك الإسكندر المشهور ابن فيلبس، فعرف توحش خواطر أصحاب دارا منه، فقصده بجيشه فلحق بالإسكندر المذكور، لما دنا من دارا كثير من أصحاب دارا وأطلعوه على عور دارا وقووه عليه، وطال بينهما القتال إِلى أن وثب جماعة من أصحاب دارا عليه فقتلوه، وأتوا إِلى الإسكندر فقتلهم عن آخرهم، وصار ملك دارا إِلى الإسكندر. الإسكندر بن فيلبس كان أبوه أحد ملوك اليونان، وكانوا طوائف، فلما مَلك الإسكندر غزاهم واجتمع له ملكهم، ثم غزا دارا ملك الفرس وقتله، ثم غزا الهند، وتناول أطراف الصين، ثم انصرف الإسكندر يريد الإسكندرية. وهو الذي بناها، فهلك في ناحية السواد وقيل بشهرزور وكان عصره ستاً وثلاثين سنة، فحمل في تابوت ذهب إِلى أمه، وكان ملكه نحو ثلاث عشرة سنة. واجتمع بعد ذلك ملك الروم وكان متفرقاً، وافترق مُلْكُ فارس وكان مجتمعاً، وكان مرض الإسكندر الذي مات به الخوانيق، وقيل اغتيل بالسم. وهذا الإسكندر هو صاحب أرسطاطاليس وتلميذه وأرسطو الذي أشار عليه بعدم قتل الفرس، وأن يولي أكابرهم، ومن يصلح للملك كل واحد برأسه مملكة، ليحصل بينهم التباغض والتشاحن ولا يجتمعوا على أحد، فقبل الإسكندر ذلك منه، وولاهم فصار منهم ملوك الطوائف. وكان الإسكندر أشقر أزرق وكان اليونان قبله طوائفَ، فأول ما تملك غزاهم، وقتل ملوكهم، واجتمع له جميع مملكة اليونان والروم حسبما ذكرناه، ولما اجتمعت له مملكة المغرب بنى الإسكندرية، وسار يريد الشرق، وقتال دارا، ومر الإسكندر في طريقه على بيت المقدس، وأكرم بني إِسرائيل، ثم سار إِلى بلاد فارس واستولى على مُلك الفرس، وقتل دارا، وكان منه ما ذكر وقد قيل عنه إِنه انصرف من المشرق إِلى جهة الَشمال، وبنى السد على يأجوج ومأجوج، والصحيح أن الإسكندر المذكور لم يكن منه ذلك؛ بل ذو القرنين الذي ذكره الله في القرآن، وهو ملك قديم كان على زمن إِبراهيم الخليل ﵇. قيل إِنه أفريذون، وقيل غيره، وقد غلط من ظن أن باني السد هو الإسكندر الرومي وكذلك قد استفاض على السنة الناس، أن لقب الإسكندر المذكور ذو القرنين وهو أيضاً غلط، فإِن لفظة ذو لفظة عربية محض، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وكان منهم ذو جدن، وذو كلاع، وذو نواس، وذو شناتر، وذو القرنين، الصعب بن الرايش، واسم الرايش الحارث بن ذي سدد بن عاد بن الماطاط بن سبأ. وقد قيل إِن ذا القرنين الصعب المذكور هو الذي مكّن الله له في الأرض وعظم ملكه، وبنى السدّ على يأجوج ومأجوج. ومما نقله ابن سعيد المغربي أن ابن عباس ﵄ سئل عن ذي القرنين الذي ذكره الله في كتابه العزيز فقال: هو مِنْ

стр. 39

حمير، وهذا مما يقوي أنه الصعب المذكور، لأنه كان ملكاً عظيماً، وكان من ولد حمير، ولما مات الإسكندر عرض الملك على ابنه، فأبى واختار النسك، فانقسمت ممالك الإسكندر بين ملوك الطوائف ، وبين ملوك اليونان، على ما سنذكرهم في الفصل الثاني وبين غيرهم. ملوك الطوائف وكان من أمرهم أن الإسكندر لما غلب على الفرس، وأسر ملوكهم وكبارهم، قتل منهم جماعة، وأراد قتل الباقين عن آخرهم، واستشار أرسطوطاليس في ذلك فقال له: إِني لا أرى ذلك بل الرأي أنْ تملك منهم عدة على الفرس، فيقع بينهم التشاحن والتباغض، ولا يجتمعون فتأمن اليونان غائلتهم، ولا يبقى لهم على اليونان دماء كثيرة فمال الإسكندر إِلى ذلك وملك من كبار الفرس عشرين ملكاً على لفرس، وهم المسلمون بملوك الطوائف، واستمر بهم الحال على ذلك نحو خمسمائة واثنتي عشرة سنة، حتّى قام أزدشير بن بابك وجمع ملك الفرس، ولم يبق منهم ملك غيره، وكانت عدة ملوك الطوائف تزيد على تسعين ملكاً، ولم يؤرخ في مبتدأ أمرهم أسماؤهم، ولا مُدد ملكهم، فإِنهم كانوا ملوكاً صغاراً في الأطراف، وعظم بعد الإسكندر ملك اليونان، فكان الحكم لهم، فلذلك ذكروا بعد الإسكندر في التواريخ دون ملوك الطوائف. وبقي الأمر على ذلك حتى اشتهرت الملوك الأشغانية من بين ملوك الطوائف. ذكر الطبقة الثالثة وهم الأشغانية. قال أبو عيسى: وأوّل من اشتهر منهم أشغا بن أشغان. يقال: أشك بن أشكان. قال وكان أولُ مُلك أشغا المذكور لمضي مائتين وست وأربعين سنة لغلبة الإسكندر، وملك أشغا المذكور عشر سنين. أقول فيكون انقضاء ملكه لمضي مائتين وست وخمسين سنة للإِسكندر. ثم ملك بعده سابور بن أشغان ستين سنة، وكان مولد المسيح ﵇ في سنة بضع وأربعين سنة خلت من ملك سابور المذكور، وكان انقضاء ملك سابور مضي ثلاثمائة وست عشرة سنة للإِسكندر. ثم ملك بعده جور بن أشغان، وقيل جوذرز عشر سنين، وهلك لمضي ثلاثمائة وست وعشرين سنة للإِسكندر. ثم ملك بيرن الأشغاني إحدى وعشرين سنة وهلك لمضي ثلاثمائة وسبع أربعين سنة، ثم ملك جوذرز الأشغاني تسع عشرة سنة، وهلك لمضي ثلاثمائة ست وستين سنة. ثم ملك نرسى الأشغاني أربعين سنة، وقال يوم ملك: إِني محب ومكرم من أنقذ أمر، وهلك لمضي أربعمائة وست سنين. ثم ملك هرمز الأشغاني تسع عشرة سنة، وهلك لمضي أربعمائة وخمس وعشرين سنة، وقال هرمز المذكور يوم ملك: يا معشر الناس؛ اجتنبوا الذنوب، كيلا تذلوا بالمعاذير. ثم

стр. 40

ملك بعده أردوان الأشغاني اثنتي عشرة سنة، وهلك لمضي أربعمائة وسبع وثلاثين سنة. ثم ملك خسرو الأشغاني أربعين سنة وقال يوم ملك: لتسطع ناري ما دامت مضطرمة، وهلك لمضي أربعمائة وسبع وسبعين سنة للإِسكندر. ثم ملك بعده بلاش الأشغاني أربعاً وعشرين سنة. وهلك لمضي خمسمائة وسنة. ثم ملك بعده أردوان الأصغر، وظهر أمر أزدشير بن بابك، وقتل أردوان المذكور وغيره من الأردوانيين، واجتمع له ملك جميع ملوك الطوائف، فيكون انقضاء ملك أردوان لمضي خمسمائة واثنتي عشرة سنة لغلبة الإسكندر، ويكون ملكه إِحدى عشرة سنة، وقيل إِنّ أردوان المذكور ملك ثلاث عشرة سنة. ذكر الطبقة الرابعة وهم الأكاسرة الساسانية وأولهم أزدشير بن بابك، وهو من ولد ساسان بن أزدشير بهمن، المقدم الذكر في أخبار أزدشير بهمن، وساسان المذكور هو الذي تزهد، واتخذ غنماً يرعاها، لما أخرجه أبوه بهمن من الملك، وجعله لدارا قبل ولادته حسبما تقدم ذكر ذلك. وكان أزدشير بن بابك المذكور في أول ملكه، أحد ملوك الطوائف، وكان في أيام الأردوانين، فتغلبّ عليهم، وكان غلبته عليهم لمضي تسعمائة وسبع وأربعين سنة، لابتداء ولاية بخت نصر، ولمضي خمسمائة واثنتي عشرة سنة لغلبة الإسكندر على دارا، وهي مدة ملوك الطوائف، فيكون بين قيام أزدشير وبين الهجرة النبوية، أربعمائة واثنتان وعشرون سنة. وكان رصد بطلميوس قبل أزدشير المذكور بسبع وسبعين سنة، وهذه مدة يمكن أن يكون بطليموس قد عاشها، أو عاش غالبها، فليس بطليموس ببعيد عن زمن أزدشير، وجميع الأكاسرة الذين كان آخرهم يزد جرد بن شهريار من ولد أزدشير المذكور، ولما تغلب أزدشير وقتل الأردوانيين جميعهم، وضبط الملك، وكان حازماً طويل الفكر وكتب لابنه سابور عهداً ليكون له ولمن بعده من أهل بيته يتضمن حكماً وناموساً لضبط المملكة، وملك أزدشير أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، فيكون موته في أواخر سنة خمس مائة وسبع وعشرين لغلبة الإسكندر. ثم ملك بعده ابنه سابور بن أزدشير إِحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وكان جميل الصورة حازماً، وظهر في أيامه ماني الزنديق وادعى النبوة واتبعه خلق كثير وهم المسمون بالمانوية، ولما مضى من ملكه إحدى عشرة سنة سار بعساكره وفتح نصيبين من الروم، ثم سار وتوغل في بلاد الروم، وهم على عبادة الأصنام، وذلك قبل تنصرهم، وافتتح من الشام عدة مدن عنوة، وقتل أهلها، ثم سار إِلى جهة رومية، فصانعه ملك الروم وهو حينئذ غرذيانوس، الذي سنذكره في ملوك الروم، إِن شاء الله تعالى، ودخل تحت طاعة سابور المذكور، وكان لسابور المذكور عناية عظيمة مع كتب الفلسفة

стр. 41

لليونانيين، ونقْلها إِلى اللغة الفارسية، ويقال: إِن في زمانه استخرجت العود، وهي الملهاة التي يغني بها، وكان موت سابور المذكور لمضي أربعة أشهر من سنة تسع وخمسين وخمسمائة للإِسكندر. ثم ملك بعده ابنه هرمز بن سابور سنة واحدة وستة أشهر، وكان عظيم الخلق شديد القوة، وكان يلقب البطل لشجاعته، وكان موته في أواخر سنة خمسمائة وستين للإسكندر. ثم ملك ابنه بهرام بن هرمز ثلاث سنين وثلاثة أشهر، واتبع سيرة آبائه في حسن السياسة والرفق بالرعية، وكان موته في أول سنة أربع وستين وخمسمائة بعد مضي شهر منها. ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام سبع عشرة سنة، فيكون موته في أول سنة إحدى وثمانين وخمس مائة للإسكندر. ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام أربع سنين وأربعة أشهر، وسلك سبيل آبائه من العدل والسياسة، ومات في سنة خمس وثمانين وخمسمائة بعد مضي سبعة أشهر منها. ثم ملك بعده أخوه نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أزدشير ابن بابك، وملك تسع سنين فيكون موته في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، بعد مضي سبعة أشهر منها. ثم ملك بعده ابنه هرمز بن نرسي تسع سنين أيضاً، فيكون هلاكه لمضي سبعة أشهر من سنة ثلاث وستمائة، ولما مات هرمز لمٍ يكن له ولد، وكانت بعض نسائه حاملاً، فعقدوا التاج على ما في جوفها، فولدت ابناً وسموه سابور. وهو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أزدشير بن بابك. وبقي سابور حتى اشتد وظهر منه نجابة عظيمة من صباه، وكان أول ما ظهر منه أنه سمع ضجيج الناس بسبب الزحمة على الجسر الذي على دجلة بالمدائن، فقال: ما هذه الجلبة. فقالوا بسبب زحمة الخارجين والداخلين على الجسر. فأمر أن يعمل إِلى جانب الجسر جسراً آخر ليكون أحد الجسرين للخارجين والآخر للداخلين، فعملوه، فزال ما كان يحصل من الزحام، فاستعجب الناس لنجابته، وفي أيام صباه طمعت العرب في بلاده وخربوها، فلما بلغ سابور المذكور من العمر ست عشرة سنة، انتخب من فرسان عسكره عدة اختارها وسار بهم إِلى العرب، وقتل من وجده منهم، ووصل إِلى الحسا والقطيف، وشرع يقتل ولا يقبل فداء، وورد المشقر وبه أناس من تميم وبكر بن وائل، وعبد القيس، فسفك من دمائهم ما لا يحصى، وكذلك سار إِلى اليمامة وسفك بها، ولم يمر بماء للعرب إلا وغوره، ولا بئر إِلا وطمها، ثم عطف على ديار بكر وربيعة، فيما بين مملكة فارس ومملكة الروم، وصار ينزع أكتاف العرب فسمي سابور ذا الأكتاف، وصار عليه ذلك لقباً، ثم غزا سابور المذكور الروم، وقتل فيهم وسبى، ثم هادنه قسطنطين ملك الروم، واستمر على ذلك حتى توفي قسطنطين في سنة خمس وأربعين مضت من ملك سابور المذكور وعمره، وملكت بنو قسطنطين وهلكوا في مدة ملك سابور المذكور، ثم ملك على الروم لليانوس، وارتد إِلى عبادة الأصنام وقتل النصارى،

стр. 42

وأخرب الكنائس، وأحرق الإنجيل، وسار لليانوس إِلى قتال سابور، واجتمع مع لليانوس العرب، لما كان قد فعله فيهم سابور المذكور، وكان على مقدمة جيش لليانوس بطريق اسمه يونيانوس، وكان يونيانوس يسرُّ دين النصارى، ولم يرتد مع لليانوس إِلى عبادة الأصنام، وبسبب ذلك كان يكره لليانوس، فظفر بكشافة لسابور فأمسكهم وأخبروه بمكان سابور، وكان قد انفرد عن جيشه ليتجسس أخبار الروم، فأرسل يونيانوس يحذر سابور، وأعلمه أنه علم به وكان قادراً على إٍمساكه، فحمده سابور على ذلك ولحق بجيشه، ثم اقتتل لليانوس وسابور فانتصر لليانوس وانهزم سابور وجيشه، وقتلت الروم منهم، واستولى لليانوس على مدينة سابور، وهي طيسفون، وهي المعروفة بالمدائن. ثم أرسل سابور واستنجد بالعساكر والملوك المجاورين لبلاده، ودفع عن طيفسون، واستمر لليانوس مقيماً ببلاد الفرس، وبقي سابور يسعى في الصلح معه، فبينما لليانوس جالس في فسطاطه، إِذ أصابه سهم غُربُ في فؤاده فقتله، فهال الروم ما نزل بهم من فقد ملكهم في بلاد عدوهم، فقصدوا يونيانوس في أن يتملك عليهم، فأبى ذلك وقال: لا أتملك على قوم يخالفوني في الدين، فقالوا: نحن نعود إلى الملة النصرانية، ونحن عليها، وإنما أظهرنا عبادة الأصنام خوفاً من لليانوس، فملك يونيانوس وصالح سابور، وسار إِليه في عدة يسيرة من أصحابه واجتمع يونيانوس وسابور واعتنقا وانتظم الصلح والمودة بينهما. وسار يونيانوس بعساكر الروم عائد إِلى بلاده، واستمر سابور على ملكه حتى بعد اثنتين وسبعين سنة، وهي مدة ملكه، ومدة عمره، فيكون موت سابور لمضي سبعة أشهر من سنة خمس وسبعين وستمائة للإِسكندر. ثم ملك بعده أخوه أزداشير بن هرمز أربع سنين بوصية من سابور له بالملك لأن سابور كان صغيراً، ومات في سنة تسع وسبعين وستمائة للإِسكندر. ثم ملك بعده سابور بن سابور ذي الأكتاف خمس سنينٍ وأربعة أشهر، وسلك سابور حسن سيرة أبيه، حتى سقط عليه فسطاط كان منصوباً عليه، فمات من ذلك فيكون هلاكه لمضي أحد عشر شهراً من سنة أربع وثمانين وستمائة للإسكندر. ثم مَلكَ بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف، وهو الذي يُدعى كرمان شاه، لأنه كان على كرمان، وسلك السيرة الحسنة، وملك إِحدى عشرة سنة ومات مقتولاً، لأن جماعة من الفرس ثاروا عليه، وضربه واحد منهم بسهم فقتله، وكان هلاكه لمضي أحد عشر شهراً من سنة خمس وتسعين وستمائة للإسكندر. ثم ملك بعده ابنه يزد جرد بن بهرام بن سابور، وكان يقال ليزدجر المذكور الأثيم والخشن، وملك إِحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر، وكان فظاً خشن الجانب لئيم الأخلاق، فسلك أقبح سيرة من الظلم والعسف وسفك الدماء، ورأى الفرس منه من الشر ما لم يعهدوه من آبائه، وصبروا عليه، وطالت

стр. 43

أيامه، وهو لا يزداد إِلا تمادياً في الجور والعسف. فابتهلوا إِلى الله تعالى في هلاكه، فهلك برفسة فرس، فيكون هلاكه لمضي أربعة أشهر من سنة سبع عشرة وسبعمائة. وكان ليزدجر المذكور ولد اسمه بهرام جور وكان أبوه يزدجر قد أسلمه عند المنذر، ملك العرب ليربيه، بظهر الحيرة، فنشأ بهرام جور هناك وقدم على أبيه قبل هلاكه، وبهرام جور في غاية الأدب والفروسية. فأذاقه أبوه الهوان، ولم يلتفت إليه، ولا رأى منه خيراً، فطلب بهرام جور العود إلى العرب، حيث كان، فأمره بذلك، وعاد بهرام جور إلى المنذر، ومات أبوه وهو عند المنذر. فاجتمع جميع الفرس على أنهم لا يملّكون أحداً من ولد يزد جرد، لما قاسوه منه، وأيضاً فإن بهرام جور قد انتشأ عند العرب وتخلق بأخلاقهم، فلا يصلح للفرس. وولوا شخصاً يسمّى كسرى من ولد أزدشير، وبلغ ذلك بهرام جور فانتصر بالمنذر وبابنه النعمان ملك العرب، وجرى بين العرب وبهرام جور وبين الفرس في ذلك مراسلات كثيرة، وآخر الأمر أن بهرام جور تملك موضع أبيه يزجرد واستقل بالملك. ويحكى عنه من الشجاعة والقوة شيء كثير، وآخر أمره أنه هلك بأن طلع إلى الصيد، وأمعن في طرد الوحش حتى توحل في سبخة وعدم، وكان مدة ملكه ثلاثاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً، فيكون هلاك بهرام جور لمضي ثلاثة أشهر من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ثم ملك بعده ابنه يزد جرد بن بهرام جور ثمان عشرة سنة وأربعة أشهر، وسار بسيرة أبيه بهرام جور، من قمع الأعداء وعمارة البلاد، ثم هلك يزد جرد لمضى سبعة أشهر من سنة تسع وخمسين وسبعمائة. وخلّف ابنين، هرمز وفيروز، فتملك هرمز من يزد جرد سبع سنين وظلم الرعية، واحتجب عن الناس، ولما ملك هرمز هرب أخوه فيروز إِلى الهياطلة، وهم أهل البلاد التي بين خراسان وبين بلاد الترك، وهي طخارستان نص عليه أبو الريحان واستعان بملكهم على رد ملك أبيه إليه، واستقلاعه من أخيه هرمز. فانجده، وسار فيروز بجيش طخارستان، وطوائف من عسكر خراسان إلى هرمز، واقتتلا في الري فظفر فيروز بأخيه هرمز، فسجنه، وكانت أمهما واحدة فيكون انقضاء ملك هرمز، في سنة ست وستين وسبعمائة للإسكندر. ثم ملك فيروز بن يزد جود بن بهرام جور، سبعاً وعشرين سنه، وسلك حسن السيرة وظهر في أيامه غلاء وقحط، وغارت الأعين، ويبس النبات، وهلك الوحش، ودام ذلك مدة سبع سنين، وبعد ذلك أرسل الله تعالى المطر، وعادت الأحوال إلى أحسن حال، وكان ملك الهياطلة حينئذ يسمى الإخشنوار، ووقع بينه وبين فيروز، بسبب أن فيروز خطب ابنة الإخشنوار، فلم يزوجه، فسار فيروز إلى الهياطلة، وذكر سهم ذنوباً، منها أنهم يأتون الذكران، ولم يظفر منهم بشيء، وهلك فيروز بأن تردّى في خندق كان عمله الهياطلة، وغطي فوقع فيه مع جماعته فهلكوا، واحتوى إخشنوار على جميع

стр. 44

ما كان في معسكره، فيكون هلاك فيروز في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة. ثم ملك بعده ابنه بلاش بن فيروز أربع سنين، وكان حسن السيرة، ومات في سنة سبع وتسعين وسبعمائة. ثم ملك بعده أخوه قباذ بن فيروز ثلاثاً وأربعين سنة، منها ست سنين كان فيها قتال بينه وبين أخيه جاماسف، وفي أيام قباذ المذكور، ظهر مردك الزنديق. وادعى النبوة، وأمر الناس بالتساوي في الأموال، وأن يشتركوا في النساء، لأنهم إخوة لأب وأم، أم وحواء، ودخل قباذ في دينه فهلك الناس وعظم ذلك عليهم، وأجمعوا على خلع قباذ. وخلعوه وولوا أخاه جاماسف بن فيروز، ولحق قباذ بالهياطلة، فأنجده وسار بهم وبعسكر خراسان، والتقى مع أخيه جاماسف، وانتصر عليه وحبس جاماسف، وستمر قباذ في الملك حتى مات في سنة أربعين وثمانمائة لمضي سبعة أشهر من السنة المذكورة. ثم ملك بعد قباذ ابنه أنوشروان بن قباذ بن فيروز بنْ يزدجر بن بهرام جور ابن يزد جرد الأثيم بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بني نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أزدشير بن بابك. وملك أنوشروان ثمانياً وأربعين سنة، ولما تولى الملك كان صغيراً، فلما استقل بالملك وجلس على السرير قال لخواصه: إِني عاهدت الله إن صار الملك إلي على أمرين: أحدهما: أن أعيد آل المنذر إلى الحجرة، وأطرد الحارث عنها، وأما الأمر الثاني: فهو قتل المردكية، الذين قد أباحوا نساء الناس وأموالهم، وجعلوهم مشتركين في ذلك. بحيث لا يختص أحد بامرأة ولا بمال، حتّى اختلط أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وتسهّل سبيل العاهرات إلى قضاء نهمهن، واتصلت السفلة إِلى النساء الكرائم التي ما كان أمثال أولئك يتجاسرون أن يملؤوا أعينهم منهن، إذا رأوهن في الطريق، فقال له مردك وهو قائم إلى جانب السرير، هل تستطيع أن تقتل الناس جميعاً. هذا فساد في الأرض، والله قد ولاك لتصلح، لا لتفسد. فقال له أنوشروان: يا ابن الخبيثه، أتذكر وقد سألت قباذ أن يأذن لك في المبيت عند أمي، فأذن لك. فمضيت نحو حجرتها، فلحقت بك وقبلت رجلك، وإن نتن جواربك ما زال في أنفي، منذ ذلك إلى الآن، وسألتك حتى وهبتها لي ورجعت. قال: نعم فأمر حينئذ أنوشروان بقتل مردك، فقتل بين لديه، وأخرج وأحرقت جيفته، ونادى بإباحة دماء المردكة، فقتل منهم في ذلك اليوم عالم كثير، وأباح دماء المانوية أيضاً، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وثبت ملة المجوسية القديمة، وكتب بذلك إلى أصحاب الولايات، وقوي الملك بعد ضعفه، بإدامه النظر وهجر الملاذ، وترك اللهو، وقوي جنده بالأسلحة والكراع، وعمر البلاد، ورد إلى ملكه كثيراً من الأطراف التي غلبت عليها الأمم بعلل وأسباب شتى. منها السند والرخج وزابلستان وطخارستان ودروستان وغيرها، وبنى المعاقل والحصون، وقسم أموال المردكية على الفقراء، ورد الأمر التي لها أصحاب إلى أصحابها وكل مولود اختلف فيه ألحقه بالشبه، وإن كان ولداً للمردكية المقتولة،

стр. 45

جعله عبداً لزوج المرأة التي حبلت به من المردكية، وأمر بكل امرأة غلبت على نفسها، أن تعطى من مال المردكي الذي غلبها بقدر مهرها، وأمر بنساء المعروفين اللائي مات من يقوم عليهن، أو تبرأ منهن أهلهن، لفرط الغيرة والأنفة، أن يجمعن وضع أفرده لهن، وأجرى عليهن ما يمونهن، وأمر أن يزوجن من مال كسرى، لك فعل بالبنات اللائي لم يوجد لهن أب، وأما البنون الذين لم يوجد لهم أب فأضافهم إلى مماليكه، ورد المنذر إِلى الحيرة، وطرد الحارث عنها. وكان من حديث الحارث المذكور: أن العرب كانت قد طمعت في أرض الفرس، أيام قباذ لضعفه عن ضبط المملكة، واستولت كندة على الحيرة، وطردوا اللخميين عنها، وكان ملك اللخميين حينئذ المنذر بن ماء السماء، وملك موضعه الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار ابن عمرو بن معاوية بن ثور وثور هو كندة، ووفق الحارث قباذ على اتباع مردك، فعظمه قباذ وأقامه وطرد المنذر، لذلك فلما استقل أنوشروان بالملك، أعاد المنذر وطرد الحارث عن الحيرة، فهرب، وأرسل المنذر خيلاً في طلب الحارث المذكور، فأمسكوا عدة من أهله فقتلهم، وعدم الحارث، واختلف في صورة عدمه. وسنذكر ذلك عند ذكر ملوك كندة، في الفصل المتضمن ذكر ملوك العرب إِن شاء الله تعالى. وأمر أنوشروان بنساء أبيه قباذ أن يخيرن بين المقام في داره وإجراء الأرزاق عليهن، وبين أن يزوجن بالأكفاء من البعولة، وفتح أنوشروان الرها مدينة هرقل، ثم الإسكندرية، وأذعن له قيصر بالطاعة، وغزا الخزر، ثم توجه إِلى نحو عدن، فسكّر هناك ناحية من البحر بين جبلين، بالصخور وعمد الحديد، ثم سار إلى الهياطلة، مطالباً بدم فيروز، وكبس بلادهم، وقتل ملكهم، وخلقاً كثيراً من أصحابه، وتجاوز بلخ ما وراءها. ثم رجع إلى المدائن وأرسل جيشاً إلى اليمن، وقدّم عليهم وهرز فقتلوا الحبشة المستولين عليها، وأعاد ملك أبا سيف بن ذي يزن عليه، بعد قتل ملك الحبشة مسورق بن أبرهة الأشرم الذي جاء بالفيل ليهدم الكعبة، وغزا برجان وبنى باب الأبواب. وفي زمانه ولد عبد الله أبو النبي ﷺ ، لأربع وعشرين سنة من ملكه، وكذلك ولد النبي ﷺ ، في السنة الثانية والأربعين من ملك أنوشروان المذكور. ومات أنوشروان في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة للإسكندر لمضي سبعة أشهر من السنة المذكورة. ثم ملك بعده ابنه هرمز بن أنوشروان، وكان عادلاً، يأخذ للأدنى من الشريف، وبالغ في ذلك حتى أبغضه خواصه، وأقام الحقّ على بنيه ومحبيه، وأفرط في العدل والتشديد على الأكابر، وقصر أيديهم عن الضعفاء إِلى الغاية، ووضع صندوقاً في أعلاه خرق، وأمر أن يلقي المتظلم قصته فيه، والصندوق مختوم بخاتمه، وكان يفتح الصندوق وينظر في المظالم خوفاً من أن لا ترسل إِليه الشكاوى، على بطانته وأهله. ثم طلب أن يعلم بظلم المتظلم ساعة فساعة، فأمر باتخاذ سلسلة من الطريق، وخرق لها في داره إلى موضع

стр. 46

جلوسه وقت خلوته، وجعل فيها جرساً فكان المتظلم يجيء من ظاهر الدار فيحرك السلسلة، فيعلم به فيتقدم بإحضاره وإزالة ظلامته، ثم خرج على هرمز عدة أعداء، منهم شابة ملك الترك في جمع عظيم، وخرج عليه ملك الروم، وخرج عليه ملك العرب في خلق كثير، حتى نزلوا شاطئ الفرات، فأرسل عسكراً إلى ملك الترك، وقدّم عليهم رجلاً من أهل الري يقال له بهرام جوبين بن بهرام خشنش، واقتتل مع الترك، وآخر ذلك أن بهرام جوبين قتل شابة ملك الترك، ونهب عسكره وطردهم، واستولى على أموال جمة، أرسل بها إِلى هرمز. ثم قام ابن شابة مقام أبيه واصطلح مع بهرام جوبين وتهادنا، ثم أن هرمز أمر بهرام جوبين بالمسير إِلى الترك، وغزوهم في بلادهم، فلم ير بهرام ذلك مصلحة، وخاف من هرمز لكونه لم يمتثل ذلك، فاتفق بهرام والعسكر الذين معه وخلعوا طاعة هرمز، فأنفذ هرمز إِليهم عسكراً فصار أكثرهم مع بهرام جوبين بعد قتال جرى بينهم. وكان برويز بن هرمز مطروداً عن أبيه، مقيماً بأذربيجان فبلغه ضعف أمر أبيه واتفاق أكابر الدولة والعسكر على خلعه، وخشى من استيلاء بهرام جوبين على الملك، فقصد برويز أباه ولما وصل برويز وثب حالا برويز على هرمز وأمسكاه، وسملا عينيه، ولبس برويز التاج وقعد على سرير الملك، وكان من أول ملك هرمز إِلى استقرار ابنه برويز في الملك نحو ثلاث عشرة سنة ونصف سنة فإِن هرمز بقى معتقلاً مدة ثم خنق. وجلس برويز على السرير وخالفه بهرام جوبين فإِنه لما جلس برويز على سرير الملك أول مرة أظهر بهرام جوبين عدم طاعته، وانتصر لهرمز، وقصد أن ينتقم من برويز لما فعله في أبيه هرمز، من سمل عينيه، وجرى بين بهرام جوبين وبين برويز مراسلات، لم يرِد فيها بهرام جوبين إِلا ما يسوء برويز، وآخر الحال أن بهرام جوبين تغلب، وخشى برويز أن يقيم أباه الأعمى صورة ويستولي على الملك، فاتفق مع خواصه على قتل أبيه هرمز، فقتلوه ولحق برويز بملك الروم مستنجداً به. ووصل بهرام جوبين ولبس التاج وقعد على سرير الملك، وقال لعظماء الدولة: إنني وإن لم أكن من بيت الملك فإِنّ الله ملكني اليوم والمُلك بيده، يملّكه من يشاء، ووصل برويز إلى ملك الروم فزوّجه بنته مريم، واًنجده بثمانين ألف فارس، وسار بهم حتى قارب بهرام جوبين فالتقيا وجرى بينهما قتال كثير ولحق ببرويز كثير من الفرس، وولى بهرام جوبين هارباً إلى خراسان ثم لحق بالترك. ثم تملك برويز بعد طرد بهرام جربين، وفرّق في عسكر الروم أموالاً جليلة، وأعادهم إِلى ملكهم، وكان استقرار برويز في الملك في أثناء سنة اثنتين وتسعمائة للإِسكندر، وملك برويز ثمانياً وثلاثين سنة. ولما استقر في الملك غزا الروم وسببه أن الملك الرومي الذي عمل مع برويز ما عمله هلك، فطرد الروم ابنه عن الملك، وأقاموا غيره فجرت بين برويز وبين الروم عدة حروب وكسر الروم ووصلت خيله

стр. 47

القسطنطينية، وجمع برويز في مدة ملكه من الأموال ما لم يجتمع لغيره من الملوك، وتزوج شيرين المغنية، وبنى لها قصر شيرين، بين حلوان وخانقيق وكان له ثمانية عشر ابناً، أكبرهم اسمه شهريار، ومنهم شيرويه الذي ملك بعد أبيه. وأم شيرويه مريم بنت ملك الروم، ثم إِن برويز عتا وتجبر واحتقر الأكابر وظلم الرعية، وكان متولي الحبوس زادان فروخ قد أنهى إِليه أنه قد اجتمع في الحبس ستة وثلاثون ألف رجل، وقد ضاقت الحبوس عنهم، وقد عظم نتنهم، فإِن رأى الملك أن يعاقب من يستحق العقوبة، ويقطع من يستحق القطع، ويفرج عنهم. فقال برويز: بل أقتلهم جميعهم، وأقطع رؤوسهم، وأجعلها قدام باب دار المملكة، فاعتذر زادان فروخ عن ذلك، وسأل الإعفاء عنه، فأكد عليه كسرى برويز وقال: إِن لم تقتلهم فيْ هذا النهار قتلتك قبلهم، وشتمه وأخرجه على ذلك. فذهب إِليهم زادان فروخ وأعلم المحبسين بذلك فكثر ضجيجهم فقال: إِن أفرجت عنكم تخرجون وتأخذون بأيديكم ما تجدونه في الأسواق من آلات وأخشاب وتكبسون كسرى في داره بغتْة، فحلفوا على ذلك، وأفْرج عنهم ففْعلوا ذلك، ولم يشعر كسرى برويز إِلا بالغلبة والصياح، ولم يقدر حاشيته والذين ببابه في ذلك الوقت على رد المذكورين. فهجموا على كسرى برويز في داره، وهرب فاختبأ في جانب بستان بالدار يعرف بباغْ الهند، فدلهم عليه بعض الحاشية، فأخرجوه ممسكاً إِلى زادان فروخ، فحبسه في دار رجل يقال له مارسفيد وقيده بقيد ثقيل، ووكل به جماعة ومضى إِلى عفر بابل. فجاء بشيرويه وأجلسه على سرير الملك، وأطاعه الخاصة والعامة، وجرى بين شيرويه وبين أبيه مراسلات وتقريع، وآخر الآمر قال شيرويه لأبيه: لا تعجب إِن أنا قتلتك، فإنني اقتدي بك، في سملك عيني أبيك هرمز وقتله، ولو لم تفعل ذلك مع أبيك، ما أقدم عليك ولدك بمثل ذلك وأرسل شيرويه بعض أولاد الأساورة الذي قتلهم برويز وأمرهم بقتله، فقتلوه. ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً من ملك بهريز، هاجر النبي ﷺ من مكة إِلى المدينة وكان هلاك برويز لمضي خمس سنين وستة أشهر وخمسة عشر يوماً للهجرة، لأنه من السنة الثانية والأربعين من ملك أنوشران، وهي سنة مولد رسول الله ﷺ ، إِلى نصف السنة الثالثة والثلاثين من ملك برويز وهي عام الهجرة، ثلاث وخمسون سنة وبيان ذلك أن رسول الله ﷺ ولد في السنة الثانية والأربعين من ملك أنوشروان، وهاجر رسول الله ﷺ ، لما كان له من العمر ثلاث وخمسون سنة، فيكون لرسول الله ﷺ سبع سنين في أيام أنوشروان، واثنتا عشرة سنة في أيام هرمز بن أنوشروان، وسنة ونصف بالتقريب في الفترة التي كانت بين إِمساك هرمز وبين استقرار ابنه برويز، واثنتان وثلاثون سنة ونصف بالتقريب من ملك برويز، ومجموع ذلك ثلاث وخمسون سنة. وعلى ذلك فتكون السنة الثالثة والثلاثون

стр. 48

من ملك برويز، هي السنة الخامسة والثلاثون وتسعمائة للإِسكندر. بالتقريب، وكانت مدة ملك برويز ثمانياً وثلاثين سنة، فيكون هلاك برويز في سنة أربعين وتسعمائة للإِسكندر. ثم ملك شيرويه وكان رديء المزاج، كثير الأمراض، صغير الخلق، وكان أخوته السبعة عشر كأنهم عوالي الرماح، قد كملوا في حسن الخلق، والأخلاق، والأدب، فلما ولى شيرويه الملك قتل الجميع، ثم ندم علىٍ قتل أخوته، وابتلى بالأسقام فلم يلتذ بشيء من اللذات، وجزع بعد قتلهم جزعاً شديداً، واحترم نوم الليل، وصار يبكي ليلاً ونهاراً ويرمي التاج عن رأسه، ثم هلك على تلك الحال، إن مدة ملكه ثمانية أشهر. ثم ملك أزدشير بن شيرويه بن برويز، وقيل إِنه كان ابن سبع سنين وحضنه رجل يقال له مهاذر خشنش فأحسن سياسة الملك ثم قتل أزدشير بن شيرويه وكانت مدة ملكه سنة وستة أشهر. ثم ملك شهريران، وكان من مقدمي الفرس، مقيماً في مقابلة الروم في عسكر عظيم من الفرس، وكان الشام إِقطاعه، وأقبل شهريران بعسكره لما بلغه ملك أزدشير بن شيرويه وصغر سنه، وهاجم مدينة طيسبون ليلاً بعد قتال كثير، وقتل مهاذر خشنش، وقتل أزدشير بن شيرويه، واستولى على الخزائن والأموال ولبس التاج وجلس على سرير الملك، ولم يكن من أهل بيت المملكة، ولما جلس على السرير ودخل الناس للتهنئة، أوجعه بطنه بحيث لم يقدر أن يقوم إِلى الخلاء، فدعا بطست وستارة وتبرز بين يدي السرير، فتطير الناس من ذلك وقالوا: هذا لا يدوم ملكه، وكان من سنة الفرس إِذا ركب الملك أن يقف جماعة حرسه صفين له، وعليهم الدروع والبيض، وبأيديهم السيوف مشهورة والرماح. فإِذا حاذاهم الملك وضع كل منهم ترسه على قربوس سرجه، ثم وضع جبهته عليه كهيئة السجود، ثم يرفعون رؤوسهم ويسيرون من جانبي الملك يحفظونه. وركب شهريران، فوقف له بسفروخ وأخواه في جملة الحرس، فلما حاذاهم شهريران طعنه المذكورون فألقوه عن فرسه، وحملت عظماء الفرس على أصحابه فقتلوا منهم جماعة، وشدّوا في رجل شهريران حبلاً وجروه إِقبالاً وإدباراً، لكونه تعرض للملك وليس من بيت المملكة. ثم ولوا المُلك بوران بنت كسرى برويز، فأحسنت السيرة، وردت خشبة الصليب على ملك الروم فعظم موقعها عنده، وأطاعها في كل ما كلفته، وملكت سنة وأربعة أشهر ثم هلكت. فملك خشنشدة من بني عم كسرى برويز، ولمّا ملك خشنشدة المذكور لم يهتد على تدبير الملك، فكان ملكه أقل من شهر وقتل. ثم ملكت أرزمي دخت بنت كسرى برويز، ولما ملكت أظهرت العدل والإِحسان، وكان أعظم الفرس حينئذ فرخ هرمز أصبهبذ خراسان، وكانت أرزمي دخت من أحسن النساء صورة، فخطبها فرخ هرمز ليتزوجها، فامتنعت من ذلك، ثم أجابته إِلى الاجتماع به في الليل ليقضي وطره منها،

стр. 49

فحضر بالليل بالشمع والطيب، فأمرت متولي حرسها فقتله. وكان رستم بن فرخ هرمز، وهو الذي تولى قتل المسلمين فيما بعد، قد جعله أبوه نائبه على خراسان لما توجه بسبب أرزمي دخت، فلما قتلته جَمَعَ رستم المذكور عسكره وقصد أرزمي دخت بنت كسرى برويز، فقتلها آخذاً بثأر أبيه، وكان ملكها ستة أشهر، واختلف عظماء الفرس فيمن يولونه الملك، فلم يجدوا غير رجل من عقب أزدشير بن بابك. واسمه كسرى بن مهرخشنش فملكوه، ولما ملك المذكور لم يلق به الملك، فقتلوه بعد أيام، فلم يجدوا من يملكونه من بيت المملكة. فوجدوا رجلاً يقال له فيروز بن خستان، يزعم أنه منٍ نسل أنوشروان، فملكوا فيروز المذكور ووضعوا التاج على رأسه، وكان رأسه ضخماً فلم يسعه التاج، فقال: ما ضيق هذا التاج، فتطير العظماء من افتتاح كلامه بالضيق وقالوا: هذا لا يفلح فقتلوه. ثم ملك فرخ زاد خسرو من أولاد أنوشروان، وملك ستة أشهر وقتلوه. ثم ملك يزد جرد بن شهريار بن برويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ بن فيروز بن يزجرد بن بهرام جور بن يزد جرد بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف بن هرمز بن نرسي بهرام بن بهرام آخر بن هرمز بن سابور بن أزْدشير بن بابك. وكان يزد جرد المذكور مختفياً بإصطخر لما قتل أبوه مع أخوته، حين قتلهم شيرويه حسبما ذكرناه، وكان ملك يزد جرد المذكور كالخيال بالنسبة إِلى ملك آبائه، وكانت الوزراء تدبر ملكه، وضعفت مملكة فارس واجترأ عليهم أعداؤهم، وغزت المسلمون بلادهم بعد أن مضى من ملكه ثلاث أربع سنين، وكان عمر يزد جرد إِلى أن قتل بمرو، عشرين سنة، وكان مقتله في خلافة عثمان ﵁، في سنة إِحدى وثلاثين للهجرة، وهو آخر من ملك منهم وزال ملكهم بالإسلام زوالاً إِلى الأبد فهذا ترتيب ملوك الفرس من أوشهنج إِلى يزد جرد من كتاب الأمم لابن مسكويه ومن كتاب أبي عيسى. الفصل الثالث ذكر فراعنة مصر واليونان والروم ثم ملوك اليونان ثم ملوك الروم أما الفراعنة فهم ملوك القبط بالديار المصرية، قال ابن سعيد المغربي، ونقله من كتاب صاعد في طبقات الأمم: إن أهل مصر كانوا أهل ملك عظيم في الدهور الخالية والأزمان السالفة، وكانوا أخلاطاً من الأمم ما بين قبطي ويوناني وعمليقي، إلا أن جمهرتهم قبط. قال: وأكثر ما تملك مصر الغرباء، قال: وكانوا صابئة يعبدون الأصنام، وصار بعد الطوفان بمصر علماء بضروب من العلوم، خاصة بعلم الطلسمات والنيرنجات والكيمياء، وكانت مدينة منف هي كرسي المملكة، وهي على اثني عشر ميلاً من الفسطاط. قال: ابن سعيد وأسنده إلى الشريف الإِدريسي: إِن أول من ملك مصر بعد الطوفان بيصر بن حام بن نوح، ونزل مدينة منف هو وثلاثون من ولده وأهله، ثم ملكها بعده ابنه مصر بن بيصر،

стр. 50

وسميت البلاد به، لامتداد عمره وطول مدة ملكه، ثم ملك بعده ابنه قفط بن مصر، ثم ملك بعده أخوه أتريب بن مصر، وأتريب المذكور هو الذي بنى مدينة عين شمس وبها الآثار العظيمة، إِلى الآن، ثم ملك بعده أخوه صا وبه سميت مدينة صا وهي مدينة خراب على النيل من أسفله، ثم ملك بعده تذراس، ثم ملك بعده ماْليق بن تذراس ثم ملك بعده ابنه حرابا بن ماليق. ثم ملك بعده كلكلى بن حرابا، وكان ذا حكمه، وهو أول من جمّد الزئبق، وسبك الزجاج. ثم ملك بعده حريبا بن ماليق وكان شديد الكفر. ثم ملك بعده طوليس وهو فرعون إِبراهيم ﵇. وهو الذي وهب سارة هاجر، وكان مسكن طوليس بالفرما ثم ملك بعده أخته جورياق. ثم ملك بعدها زلفا بنت مامون، وكانت عاجزة عن ضبط المملكة، وسمعت عمالقة الشام بضعفها فغزوها وملكوا مصر. وصارت الدولة للعمالقة وكان الذي أخذ الملك منها الوليد بن دومغ العملاقي، وكان يعبد البقر، فقتله أسد في بعض متصيداته، وقيل هو أول من تسمى بفرعون، وصار ذلك لقباً لكل من ملك مصر بعده. ثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد وهو فرعون يوسف، ونزل مدينة عين شمس. ثم ملك بعده ابنه دارم بن الريان، وفي زمانه توفي يوسف الصديق ﵇، وتجبر دارم المذكور واشتد كفره، وركب في النيل فبعث الله تعالى عليه ريحاً عاصفة أغرقته بالقرب من حلوان. ثم ملك بعده كاسم بن معدان العمليقي أيضاً، وقصد أن يهدم الهرمين، فقال له حكماء مصر إِن خراج مصر لا يفي بهدمهما، وأيضاً فإنهما قبران لنبيين عظيمين، وهما شيث بن آدم، وهرمس، فأمسك عن هدمهما. ثم ملك بعده الوليد بن مصعب، وهو فرعون موسى ﵇. وقد اختلف فيه فقيل إِنه من العمالقة، وهو الأظهر وقيل إِنه هو فرعون يوسف. وأطال الله تعالى عمره إِلى أيام موسى ﵇، قال ابن سعيد، وذكر القرطبي في تاريخ مصر أنّ الوليد المذكور كان من القبط، وكان في أول أمره صاحب شرطة لكاسم العملاقي، وكانت الأقباط قد كثرت، فملكوا الوليد المذكور بعد كاسم وانقرضت من حينئذ دولة العمالقة من مصر، قال: والوليد المذكور هو الذي ادّعى الربوبية. قال: وصنف الناس في سيرته وخلدوا ذكرها، وكانت أرض مصر على أيامه في نهاية من العمارة، فعظمت دولته وكثرت عساكره، وفي مناجاة موسى ﵇، يا رب لم أطلت عمر عدوك فرعون يعني الوليد المذكور مع ادعائه ما انفردتَ به من الربوبية، وجحد نعمتك، فقال الله تعالى: أمهلته لأن فيه خصلتين من خصال الإيمان، الجود والحياء، وكان هامان وزير فرعون المذكور، وهو الذي حفر لفرعون خليج السردوسي، ولما أخذ هامان في حفره سأله أهل كل قرية أن يجريه إِليهم، ويعطوه على ذلك مالاً، وكان يأتي به إِلى القرية نحو المشرق، ثم يرده إِلى القرية من نحو المغرب، وكذلك في

стр. 51

الجنوب والشمال، واجتمع لهامان من ذلك نحو مائة ألف دينار، فأتى بها إِلى فرعون وأخبره بالقضية فقال فرعون: ويحك إِنّه ينبغي للسيد أن يعطف على عبيده، ولا يطمع بما في أيديهم، ورد على أهل كل قرية ما أخذ منهم. وأخبر فرعون المذكور المنجمون بظهور موسى ﵇، وزوال ملكه على يده، فأخذ في قتل الأطفال حتى قتل تسعين ألف ألف طفل، وسلمّ الله تعالى نبيه موسى ﵇ منه بأن التقطته زوج فرعون آسية، وحمته منه، وتزعم اليهود أنَّ التي التقطت موسى هي بنت فرعون لا زوجته، والأصح أنها زوجته، حسبما نطق به القرآن العظيم، ولما كان منه ومن موسى ما تقدّم ذكره من أظهار الآيات لفرعون، وهي العصا ويده البيضاء والجراد والقمل والضفادع وصيرورة الماء دماً وغير ذلك، سلمّ فرعون بني إِسرائيل إِلى موسى ﵇، ولما أخذهم موسى وسار بهم ندم فرعون على ذلك، وركب بعساكره وتبعهم فلحقهم عند بحر القلزم، وأوحى الله تعالى إِلى موسى ﵇، فضرب البحر بعصاه فصار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق، فتبعه فرعون فغرق هو وجنوده وكان هلاك فرعون المذكور بعد مضي ثمانين سنة من عمر موسى ﵇، وكان قد تملك من قبل ولادة موسى، ولذلك أمر بقتل الأطفال في أيام ولادة موسى ﵇ فمدة ملك فرعون المذكور تزيد على ثمانين سنة قطعاً. ولما هلك فرعون المذكور ملكت القبط بعده دلوكة المشهورة بالعجوز، وهي من بنات ملوك القبط، وكان السحر قد انتهى إِليها وطال عمرها حتى عرفت بالعجوز وصنعت على أرض مصر من أول أرضها في حد أسوان إِلى آخرها سوراً متصلاً إِلى هنا انتهى كلام ابن سعيد المغربي ولم يذكر من تولى بعد دلوكة. ثم إِني وجدت في أوراق قد نقلت من تاريخ ابن حنون الطبري، وهو تاريخ ذكر فيه ملوك مصر في قديم الزمان قال: ثم ملك مصر بعد دلوكة صبي من أبناء أكابر القبط، كان يقال له دركون بن بكتوس، ثم ملك بعده توذس، ثم ملك بعده أخوه لقاش، ثم ملك بعده أخوه مرينا، ثم ملك بعده أستماذس، ثم ملك بعده يلطوس بن ميكاكيل، ثم ملك بعده مالوس ثم ملك بعده مناكيل ثم ملك بعده يولة وهو الذي غزا رحبعم بن سليمان بن داود ﵉، وقد ذكر في كتب اليهود أن فرعون الذي غزا بني إِسرائيل على أيام رحبعم كان اسمه شيشاق وهو الأصح، ثم لم يشتهر بعد شيشاق المذكور، غير فرعون الأعرج، وهو الذي غزاه بخت نصر وصلبه، وكان بين رحبعم بن سليمان ﵇ وبخت نصر فوق أربعمائة سنة، وكان شيشاق على أيام رحبعم، فشيشاق قبل فرعون الأعرج بأكثر من أربعمائة سنة، ولم يقع لي أسماء الفراعنة الذين كانوا في هذه المدة، عني فيما بين شيشاق وفرعون الأعرج. ولما قتل بخت نصر فرعون المذكور وغزا مصر وأباد أهلها، بقيت مصر أربعين سنة خراباً. ومن

стр. 52

كتاب ابن سعيد المغربي قال: وصارت مصر والشام من حين غزاهما بخت نصر تحت ولايته حتى مات بخت نصر، وتوالت الولاة من جهة بني بخت نصر على مصر والشام حتى انقرضت دولة بني بخت نصر فتوالت ولاة الفرس على مصر، فكان منهم كشروس الفارسي باني قصر الشمع، ثم تولى بعده طخارست الطويل قال: وفي أيامه كان بقراط الحكيم، وتوالت بعده نواب الفرس إلى ظهور الإسكندر وغلبته على الفرس. ذكر ملوك اليونان أما ملوك اليونان، فأول من اشتهر منهم فيلبس والد الإسكندر، وكان مقر ملكه بمقذونية، وهي مدينة حكماء اليونان، وهي مدينة على جانب الخليج القسطنطيني من شرقيه. وكانت ملوك اليونان طوائف، ولم يشتهر منهم غير فيلبس المذكور، وكان فيلبس المذكور يؤدي الأتاوة لملوك الفرس، فلما مات فيلبس المذكور ملك بعده ابنه الإسكندر بن فيلبس، وقد مرّت أخبار الإسكندر مع ملوك الفرس، وملك الإسكندر نحو ثلاث عشرة سنة ومات الإسكندر في أواخر السنة السابعة من غلبته على ملك الفرس. ولما مات انقسمت البلاد بين الملوك، فملك بعض الشام والعراق أنطياخس. وملك مقذونية أخو الإسكندر واسمه فيلبس أيضاً باسم أبيه وملك بلاد العجم ملوك الطوائف، الذين رتبهم الإسكندر. وملك مصر وبعض الشام والمغرب البطالسة، وهم ملوك اليونان، وكان يسمى كل واحد منهم بطلميوس، وهي لفظة مشتقة من الحرب معناها أسد الحرب، وكان عدد البطالسة الذي ملكوا بعد الإسكندر ثلاثة عشر ملكاً. وكان آخرهم الملكة قلوبطرا بنت بطلميوس، ولم أعلم أي بطلميوس هو ولا كنيته، وزال ملكهم بملك أغستوس الرومي، وصارت الدولة للروم، وكانت جميع مدة ملك اليونان مائتين وخمساً وسبعين سنة، وكان بين غلبة الإسكندر على ملك فارس وبين غلبة أغستوس، مائتان واثنتان وثمانون سنة. وبقي الإسكندر بعد غلبته على دارا نحو سبع سنين، وإذا أنقصنا سبعاً من مائتين واثنتين وثمانين سنة بقي من موت الإسكندر إِلى غلبة أغستوس مائتان وخمس وسبعون سنة، هي مدة ملك البطالسة. وأول البطالسة بعد الإسكندر بطلميوس سشوس ابن لاغوس، وكان يلقب المنطقي، وملك المذكور عشرين سنة فيكون موت ابن لاغوس المذكور، لسبع وعشرين سنة مضت من غلبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس الثاني واسمه فيلوذفوس ومعناه محب أخيه، وملك ثمانياً وثلاثين سنة، وهو الذي نقلت له التوراة من العبرانية إِلى اليونانية، وهو الذي عتق اليهود الذي وجدهم أسرى لما تملك، وقد تقدم ذكر ذلك بعد ذكر بني إِسرائيل. فيكون موت محب أخيه المذكور لخمس وستين سنة مضت من غلبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس الثالث واسمه أوراخيطس

стр. 53

وملك خمساً وعشرين سنة، وفي أيامه أدى له ملك الشام الأتاوة، فيكون موت أوراخيطس المذكور، لتسعين سنة مضت من غلبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس الرابع واسمه فيلوبطور ومعناه محب أبيه، وملك سبع عشرة سنة، فيكون موت محب أبيه المذكور، لمضي مائة سنة وسبع سنين من غلبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس الخامس واسمه فيفنوس أربعاً وعشرين سنة، فيكون موت فيفنوس المذكور لمائة وإحدى وثلاثين سنة مضت من غلبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس السادس واسمه فيلوميطور ومعناه محب أمه، وملك خمساً وثلاثين سنة. فموته لمضي مائة وست وستين سنة لغلبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس السابع واسمه أوراخيطس الثاني، وملك تسعاً وعشرين سنة فموت لمضي مائة وخمس وتسعين سنة للإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس الثامن واسمه سوطيرا ست عشرة سنة، فيكون موت سوطيرا المذكور لمضي مائتين وإحدى عشرة سنة لغلبة الإسكندر. ثم ملك بعد بطلميوس التاسع واسمه سيد يريطس تسع سنين، فيكون موته لمضي مائتين وعشرين سنة لغالبة الإسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس العاشر واسمه إِسكندروس ثلاث سنين فموته لمضي مائتين وثلاث وعشرين سنة للإِسكندر. ثم ملك بعده بطلميوس الحادي عشر واسمه فيلوذفوس آخر وملك ثمان سنين، فموت فيلوذفوس المذكور لمضي مائتين وإحدى وثلاثين سنة للإِسكندر. ثم ملك بطلميوس الثاني عشر واسمه دينو سيوس تسعاً وعشرين سنة، فيكون موت المذكور لمضي مائتين وستين سنة للإِسكندر. ثم ملكت قلوبطرا وهي الثالثهَ عشرة، وملكت المذكورة اثنتين وعشرين سنة، وعند مضي اثنتين وعشرين سنة من ملكها غلبها أغسطس على الملك فقتلت قلوبطرا نفسها وانقرض بذلك ملك اليونان، وانتقلتَ المملكة حينئذ إلى الروم، وهم بنو الأصفر، فموت قلوبطرا وغلبة أغسطس كان لمضي مائتين واثنتين وثمانين سنة لغلبة الإسكندر. ذكر ملوك الروم ذكر أبو عيسى في كتابه أنّ أول ما ملكت عليهم الروم روملّس وروما ناوس، فبنيا مدينة رومية، واشتقا اسمها من اسمهما، ثم وثب روملس على أخيه روما ناوس فقتله، وملك بعد قتله ثمانياً وثلاثين سنة، وحده، واتخذ روملس بروميه ملعباً عجيباً. ثم ملك بعده على رومية عدة ملوك ولم يشتهروا ولا وقعت إِلينا أخبارهم. ومن الكامل لابن الأثير، أنّ ملوك الروم كان مقر ملكهم رومية الكبرى، قبل غلبتهم على اليونان، وكان الروم يدينون بدين الصابئين ولهم أ! نام على أسماء الكواكب السبعة يعبدونها، وكان أول من اشتهر من ملوكهم غانيوس ثم ملك بعده يوليوس، ثم ملك بعده أغسطس

стр. 54

بشينين معجمتين. ولكن لما عرب صار بسينين مهملتين، ولقبه قيصر، ومعناه شق عنه لأنّ أمه ماتت قبل أن تلده، فشقوا بطنها وأخرجوه، فلقب قيصر وصار لقباً لملوك الروم بعده. وخرج أغسطس في السنة الثانية عشرة من ملكه من رومية بعساكر عظيمة، في البر والبحر، وسار إِلى الديار المصرية، واستولى على ملك اليونان، وكانت قلوبطرا هي ملكة اليونان وكان مقامها في الإسكندرية، فلما غلبها أغسطس قتلت قلوبطرا نفسها في السنة الثانية عشرة من ملك أغسطس، ولما ملك أغسطس الرومي على اليونان اضمحل ذكر اليونان ودخلوا في الروم، ولما ملك أغسطس ديار مصر والشام دخلت بنو إِسرائيل تحت طاعته، كما كانوا تحت طاعة البطالسة ملوك اليونان. فولى أغسطس ببيت المقدس على اليهود والياً منهم وكان يلقب هرذوس حسبما تقدم ذكره، وفي أيام أغسطس ولد المسيح ﵇، وقد تقدم ذكره أيضاً، وكانت غلبة أغسطس على ديار مصر وقتل قلوبطرا لمضي مائتين واثنتين وثمانين سنة لغلبة الإسكندر، وكانت مدة ملك أغسطس ثلاثاً وأربعين سنة، منها اثنتا عشرة سنة قبل غلبته على اليونان، وإحدى وثلاثون سنة من غلبته إِلى وفاته، وكان موت أغسطس لمضي ثلاثمائة وثلاث عشرة سنة لغلبة الإسكندر. ثم ملك بعد أغسطس طبياريوس في أول سنة ثلاثمائة وأربع عشرة سنة لاسكندر، من كتاب أبي عيسى أنّ طبياريوس ملك اثنتين وعشرين سنة، وطبياريوس المذكور هو الذي بنى طبرية بالشام، واشتق اسمها من اسمه، ومات طبياريوس لمضي ثلاثمائة وخمس وثلاثين سنة للإسكندر. ثم ملك بعد طبياريوس غانيوس قال أبو عيسى وملك غانيوس أربع شين ولمضي السنة الأولى من ملك غانيوس رفع المسيح عيسى بن مريم ﵇ فيكون رفعه لمضي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة للإسكندر، ومات غانيوس لمضي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة للإسكندر. ثم ملك بعد غانيوس قلوذيوس قال أبو عيسى: وملك قلوذيوس أربع عشرة سنة من القانون وفي أيام قلوذيوس كان سيمون الساحر برومية. من الكامل وفي مدة ملك قلوذيوس المذكور حبس شمعون، ثم خلص وسار إلى إنطاكية، ودعا إلى النصرانية، ثم سار إِلى رومية ودعا أهلها أيضاً فأجابته زوجة الملك، وكان موت قلوذيوس لمضي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة للإسكندر. ثم ملك بعده نارون من قانون أبي الريحان البيروتي أنه ملك ثلاث عشرة سنة، وهو الذي قتل في آخر ملكه بطرس وبولص برومية، وصلبهما منكسين، وكان موت نارون المذكور في أواخر سنة ست وستين وثلاثمائة للإسكندر. ثم ملك بعده ساسيانوس قال أبو عيسى وملك ساسيانوس المذكور عشر سنين، فيكون موته في أواخر سنة ست وسبعين وثلاثمائة. ثم ملك بعده طيطوس من القانون ملك سبع سنين، وهو الذي غزا اليهود

стр. 55

وأسرهم وباعهم وخرب بيت المقدس وأحرق الهيكل، وقد تقدم ذلك عند ذكر خراب بيت المقدس الخراب الثاني، وكان موت طيطوس في أواخر سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة للإسكندر. ثم ملك بعده ذو مطينوس من القانون ملك خمس عشرة سنة، وتتبع النصارى واليهود وأمر بقتلهم، وكان دينه ودين غيره من الروم عبادة الأصنام حسبما قدّمنا ذكره، وكان موت ذو مطينوس في أواخر سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. ثم ملك بعده نارواس من كتاب أبي عيسى أنه ملك سنة واحدة وكانت وفاته في أواخر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة للإسكندر. ثم ملك بعده طرايانوس وقيل غراطيانوس من كتاب أبي عيسى، ملك تسع عشرة سنة وقيل تسعاً وعشرين سنة، فيكون موته في أواخر سنة ثماني عشرة وأربعمائة للإسكندر. ثم ملك بعده أذريانوس من كتاب أبي عيسى، ملك إحدى وعشرين سنة، وكان في أيامه بطلميوس صاحب المجسطي، وقد تقدم أن بطلميوس لقب ملوك اليونان الذين ملكوا بعد الإسكندر. ثم تسمى به الناس، وكان عن جملتهم طلميوس المذكور، قال في الكامل: وبطلميوس صاحب المجسطي المذكور من ولد قلوذيوس، ولهذا قيل له القلوذي، وتجذّم أذريانوس المذكور لمضي ثماني عشرة سنة من ملكه، فسار إِلى مصر يطلب شفاء لجذامه فلم يجد ذلك، وكان موته في أواخر سنة تسع وثلاثين وأربعمائة للإسكندر. ثم ملك بعده أنطونينوس قال أبو عيسى ملك ثلاثاً وعشرين سنة وكان أحد رصّاد بطلميوس صاحب المجسطي في السنة الثالثة من ملكه، وكان موته في أواخر سنة اثنتين وأربعمائة للإسكندر. ثم ملك بعده مرقوس وقيل قوموذوس وشركاوه، من القانون ملك تسع عشرة سنة. ومن الكامل لابن الأثير في أيامه أظهر ابن ديصان مقالته من القول بالاثنين، وكان ابن ديصان أسقفاً بالرها ونسب إلى نهر على باب الرها اسمه ديصان، لأنه بنى على جانب النهر كنيسة. ثم مات مرقوس في أواخر سنة إحدى وثمانين وأربعمائة للإسكندر. ثم ملك بعده قوموذوس من القانون، ثلاث عشرة سنة، وفي آخر أيامه خنق نفسه ومات بغتة، كان موته في أواخر سنة أربع وتسعين وأربعمائة للإسكندر. وقال في الكامل أن جالينوس كان في أيام قوموذوس المذكور، وقد أدرك جالينوس بطلميوس، وكان دين النصارى قد ظهر في أيامه وقد ذكرهم جالينوس في كتابه في جوامع كتاب أفلاطون في سياسة المدن، فقال: إن جمهور الناس لا يمكنهم أن يفهموا سياقة الأقاويل البرهانية، ولذلك صاروا محتاجين إلى رموز ينتفعون بها، يعني بالرموز الأخبار عن الثواب والعقاب في الدار الآخرة، من ذلك أنّا نرى الآن القوم الذين يدعون نصارى، إِنما أخذوا إيمانهم عن الرموز، وقد يظهر منهم أفعال مثل أفعال من تفلسف بالحقيقة، وذاك أن عدم جزعهم من الموت

стр. 56

أمر قد نراه كلنا، وكذلك أيضاً عفافهم عن استعمال الجماع، فإن منهم قوماً رجالاً ونساءً أيضاً قد أقاموا جميع أيام حياتهم ممتنعين عن الجماع، ومنهم قوم قد بلغ من ضبطهم لأنفسهم في التدبير، وشدة حرصهم على العدل، أن صاروا غير مقصرين عن الدين، يتفلسفون بالحقيقة انتهى كلام جالينوس. ثم ملك بعد قوموذوس المذكور فرطنجوس ستة أشهر، وقتل في رحبة القصر، فيكون موته في منتصف سنة خمس وتسعين وأربعمائة. ثم ملك بعده سيوارس من القانون ملك ثماني عشرة سنة، وفي أيامه بحثت الأساقفة عن أمر الفصح وأصلحوا رأس الصوم، وهلك سيوارس المذكور في منتصف سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. ثم ملك بعده أنطينينوس الثاني من كتاب أبي عيسى أربع سنين، وقتل ما بين حران والرها، فيكون هلاكه في منتصف سنة سبع عشرة وخمسمائة. ثم ملك بعده الإسكندروس من كتاب أبي عيسى ثلاث عشرة سنة، فيكون موته في منتصف سنة ثلاثين وخمسمائة. ثم ملك بعده مكسيمينوس من القانون ثلاث سنين، وشدد في قتل النصارى، وإن موته في منتصف سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة للإسكندر. ثم ملك بعده غورذيانوس من كتاب أبي عيسى، ست سنين وقتل في حدود فارس، وكان هلاكه في منتصف سنة تسع وثلاثين وخمسمائة للإسكندر. ثم ملك بعده دقيوس ويقال دقيانوس من كتاب أبي عيسى سنة واحدة، وكان الملك الذي قبله قد تنصّر، فخرج عليه دقيوس وقتله، وأعاد عبادة الأصنام ودين الصابئين، وتتبع النصارى يقتلهم، ومنه هرب الفتية أصحاب الكهف، وكانوا سبعة، وناموا والله أعلم بما لبثوا، كما أخبر الله تعالى، وكان هلاك دقيوس في منتصف سنة أربعين وخمسمائة. ثم ملك بعده غاليوس من كتاب أبي عيسى وملك ثلاث سنين، ومات في منتصف سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة للإسكندر. ثم ملك بعده غلينوس وولريانوس من كتاب أبي عيسى ملكاً خمس عشرة سنة. ومن الكامل أن ولريانوس، وقيل اسمه ولوسينوس، انفرد بالملك بعد سنتين من اشتراكهما. فيكون موت المذكور في منتصف سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. ثم ملك بعده قلوذيوس سنة واحدة فيكون هلاكه في منتصف سنة تسع وخمسين وخمسمائة. ثم ملك بعده أذرفاس وقيل أورليانوس، من كتاب أبي عيسى. ملك ست سنين ومات بصاعقة، فيكون هلاكه في منتصف سنة خمس وستين وخمسمائة. ثم ملك بعده قرونوس من كتاب أبي عيسى. سبع سنين وهلك في منتصف سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ثم ملك بعده قاروس وشركته. من كتاب أبي عيسى. سنتين، ومات في منتصف سنة أربع وسبعين وخمسمائة للإسكندر. ثم ملك بعده دقلطيانوس إحدى وعشرين سنة، ولثلاث عشرة سنة مضت من ملكه عصى

стр. 57

عليه أهل مصر والإسكندرية، فسار إِليهم من رومية وغلبهم وأنكى فيهم، ودقلطيانوس المذكور آخر عبدة الأصنام من ملوك الروم فإنهم تنصروا بعده، وكان هلاك دقلطيانوس في منتصف سنة خمس وتسعين وخمسمائة للإسكندر. ثم ملك بعده قسطنطين المظفر إحدى وثلاثين سنة من القانون ولثلاث مضت من ملكه، انتقل من رومية إلى قسطنطينية وبنى سورها وتنصر، وكان اسمها البيزنطية فسماها القسطنطينية، وزعمت النصارى أنه بعد ست سنين خلت من ملك قسطنطين المذكور، ظهر له في السماء شبه الصليب، فآمن بالنصرانية وكان قبل ذلك هو ومن تقدمه على دين الصابئة، يعبدون أصناماً على أسماء الكواكب السبعة، ولعشرين سنة مضت من ملك قسطنطين المذكور، اجتمع ألفان وثمانية وأربعون أسقفاً، ثم اختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً، فحرموا أريوس الإسكندراني لكونه يقول: إنّ المسيح كان مخلوقاً، واتفقت الأساقفة المذكورون لدى قسطنطين ووضعوا شرائع النصرانية بعد أن لم تكن، وكان رئيس هذه البطارقة بطريق الإسكندرية، وفي إحدى عشرة خلت من ملكه سارت أم قسطنطين واسمها هيلاني إِلى القدس، وأخرجت خشبة الصلبوت وأقامت لذلك عيداً يسمى عيد الصليب، وبنى قسطنطين وأمه عدة كنائس فمنها قيامة بالقدس وكنيسة حمص وكنيسة الرها وكان موت قسطنطين في منتصف سنة ست وعشرين وستمائة للإسكندر، ولما مات قسطنطين انقسمت مملكته بين بنيه الثلاثة، وكان الحاكم عليهم منهم قسطس من القانون وملك قسطس بن قسطنطين أربعاً وعشرين سنة، وكان موته في منتصف سنة خمسين وستمائة. ثم خرج الملك عن بني قسطنطين وملك لليانوس وارتد إلى عبادة الأصنام، وسار إلى سابور ذي الأكتاف وقهره، ثم قتل في أرض الفرس بسهم غرب، وكان قد انتصر على سابور في الأكتاف حسبما تقدم ذكره مع ذكر سابور ذي الأكتاف في الفصل الثاني، ولما هلك لليانوس اضطرب عسكره وخافوا من الفرس، وكانت مدة ملك لليانوس سنتين، وهلك في سنة اثنتين وخمسين وستمائة للإسكندر. ثم ملك بعده يونيانوس سنة واحدة من كتاب أبي عيسى ويونيانوس المذكور لما ملك أظهر تنصره، وأعاد ملة النصرانية إلى ما كانت عليه، ولما ملك المذكور على الروم وهم بأرض الفرس، اصطلح يونيانوس مع سابور، ووصل إلى سابور واجتمعا واعتنقا، ثم عاد يونيانوس بالعسكر إِلى بلاده ومات في منتصف سنة ثلاث وخمسين وستمائة للإسكندر. ثم ملك بعده والنطيانوس من كتاب أبي عيسى ملك أربع عشرة سنة، وكان موته في منتصف سنة سبع وستين وستمائة. ثم ملك بعده أنونيانوس قال أبو عيسى: وملك ثلاث سنين، فيكون موته في منتصف سنة سبعين وستمائة. ثم ملك بعده خرطيانوس من كتاب أبي عيسى ملك

стр. 58

ثلاث سنين، فيكون موته في منتصف سنة ثلاث وسبعين وستمائة. ثم ملك بعده ثاوذوسيوس الكبير من كتاب أبي عيسى. ملك تسعاً وأربعين سنة، فيكن موته في منتصف سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة للإسكندر. ثم ملك بعده أرقاذيوس بقسطنطينية، وشريكه أونوريوس برومية، من القانون. ملكا ثلاث عشرة سنة، فيكون هلاكهما في منتصف سنة خمس وثلاثين وسبعمائة للإسكندر. ثم ملك بعدهما ثاوذوسيوس الثاني من كتاب أبي عيسى ملك عشرين سنة، وفي أيامه غزت فارس الروم، وفي أيام ثاوذوسيوس المذكور، انتبه أصحاب الكهف، وكان موت ثاوذوسيوس المذكور في منتصف سنة خمس وخمسين وسبعمائة للإسكندر، وفي مدة ملكه كان المجمع الثالث في أفسس، واجتمع مائتا أسقف وحرموا نسطورس، صاحب المذهب وكان بطركاً بالقسطنطينية، لقول نسطورس أن المسيح جوهران، جوهر لاهوتي وجوهر ناسوتي، وأقنومان، أقنوم لاهوتي وأقنوم ناسوتي، وقد قيل أن ثاوذوسيوس المذكور ملك اثنتين وأربعين سنة. ثم ملك بعده مرقيانوس من القانون ملك سبع سنين ولسنة خلت من ملكه بنى دير مارون الذي بحمص، وفي أيامه لعن نسطورس ونفي، وكان موت مرقيانوس في منتصف سنة اثنتين وستين وسبعمائة. ثم ملك بعده والنطيس من كتاب أبي عيسى ملك سنة واحدة، فيكون موته في منتصف سنة ثلاث وستين وسبع مائة. ثم ملك بعده لاون الكبير من القانون وملك سبع عشرة سنة، وفي أيامه كثر الخسف في إنطاكية بالزلازل، وكان موته في منتصف سنة ثمانين وسبعمائة. ثم ملك بعده زينون من القانون ملك ثماني عشرة سنة ومات في منتصف سنة ثمان وتسعين وسبعمائة للإسكندر. ثم ملك بعده أسطيثيانوس من كتاب أبي عيسى وملك سبعاً وعشرين سنة، وهو الذي عمر أسرار مدينة حماة في أول سنة من ملكه، وفرغت عمارتها في مدة سنتين، ولعشر سنين خلت من ملكه أصاب الناس جوع شديد، وانتشر فيهم الجراد، ولاثنتي عشرة سنة من ملكه غزا قواد الفرس آمد وحاصروها وخربوها وكان موت أسطيثيانوس في منتصف سنة خمس وعشرين وثمانمائة. ثم ملك بعده يسطينينوس من كتاب أبي عيسى وملك يسطينينوس تسع سنين، ومات في منتصف سنه أربع وثلاثين وثمانمائة للإسكندر. ثم ملك بعده يسطينينوس الثاني من كتاب أبي عيسى وملك ثمانية وثلاثين سنة، وكثرت الحروب في أيامه بين الفرس والروم، وكان في السنة الثامنة من ملكه بينهم مصاف على شط الفرات، قتل منهم خلق عظيم، وغرق من الروم في الفرات بشر كثير، وكان موت يسطينينوس في منتصف سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة للإسكندر. ثم ملك بعده يسطينينوس آخر من القانون أربع عشرة سنة، ولسبع سنين خلت من ملكه، أقبل ملك الفرس وغزا الشام وأحرق مدينة أفامية، وكان موته في منتصف سنة ست وثمانين وثمانمائة. ثم ملك بعده طبريوس

стр. 59

الأول من كتاب أبي عيسى ملك ثلاث سنين، وكان موته في منتصف سنة تسع وثمانين وثمانمائة. ثم ملك بعده طبريوس الثاني، من كتاب أبي عيسى ملك أربع سنين، فيكون هلاكه في منتصف سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة. ثم ملك بعده ماريقوس، من كتاب أبي عيسى وملك ثمان سنين، فيكون هلاكه في منتصف سنة إحدى وتسعمائة. ثم ملك بعده مرقوس الثاني، من كتاب أبي عيسى، وملك اثنتي عشر سنة، فيكون موته في منتصف سنة ثلاث عشرة وتسعمائة. ثم ملك بعده قوقاس ثمان سنين، فيكون موته في منتصف سنة إحدى وعشرين وتسعمائة. ثم ملك بعده هرقل واسمه بالرومي أرقليس، وكانت الهجرة النبوية في السنة الثانية عشرة من ملكه، فتكون الهجرة لمضي ثلاث وثلاثين وتسعمائة سنة لغلبة الإسكندر على دارا، ولكن قد أثبتنا في الجدول أن بين الهجرة وبين غلبة الإسكندر تسعمائة وأربعاً وثلاثين سنة، وذلك باعتبار التفاوت بين السنين الشمسية والقمرية فيما بين مولد رسول الله ﷺ ، وهجرته، وهو ثلاث وخمسون سنة قمرية، وبالتقريب يكون هو إحدى وخمسين سنة شمسية وثلث سنة. الفصل الرابع ملوك العرب قبل الإسلام وأما ما يتعلق بقبائل العرب وأنسابهم، فإنا نذكره عند ذكر كرامة العرب في الفصل الخامس، المشتمل على ذكر الأمم إن شاء الله تعالى، من كتاب ابن سعيد المغربي. ملوك اليمن إن بعد تبلبل الألسن، وتفرق بني نوح، أول من نزل اليمن قحطان بن عابر ابن شالح المقدم الذكر، وقحطان المذكور أول من ملك أرض اليمن ولبس التاج. ثم مات قحطان وملك بعده ابنه يعرب بن قحطان، وهو أول من نطق بالعربية على ما ذكر. ثم ملك بعده ابنه يشحب بن يعرب. ثم ملك بعده ابنه عبد شمس بن يشحب، ولما ملك أكثر الغزو في أقطار البلاد، فسمي سبا، وهو الذي بنى السد بأرض مأرب، وفجر إليه سبعين نهراً، وساق إليه السيول من أمد بعيد، وهو الذي بنى مدينة مأرب، وعرفت بمدينة سبا، وقيل أن مأرب لقب للملك الذي يلي اليمن، وقيل أن مأرب هو قصر الملك، والمدينة سبا. وخلف سبأ المذكور عدة أولاد منهم: حمير وعمرو، وكهلان، وأشعر، وغيرهم على ما سنذكره في الفصل الخامس، عند ذكر أمة العرب. ولما مات سبأ ملك اليمن بعده ابنه حمير بن سبا، ولما ملك أخرج ثمود من اليمن إلى الحجاز. ثم ملك بعده ابنه واثل بن حمير. ثم ملك بعده ابنه السكسك بن واثل. ثم ملك بعده يعفر بن السكسك. ثم وثب على ملك اليمن ذورياش وهو عامر بن باران بن عوف بن حمير. ثم نهض من بني واثل النعمان بن يعفر بن السكسك بن واثل بن حمير، واجتمع عليه الناس، وطرد عامر بن باران عن الملك، واستقل النعمان المذكور بملك يمن، ولقب نعمان المذكور بالمعافر لقوله:

стр. 60

إِذا أنت عافرت الأمور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين المقاول والمقاول: لفظة جمع، وهم الذين يلون الجهات الكبار من اليمن. ثم ملك بعده ابنه أشمح بن نعمان المعافر المذكور. ثم ملك بعده شداد بن عاد بن ألماطاط بن سبا، واجتمع له الملك، وغزا البلاد إلى أن بلغ أقصى المغرب، وبنى المدائن والمصانع، وأبقى الآثار العظيمة. ثم ملك بعده أخوه لقمان بن عاد، ثم ملك بعده أخوه ذو سدد بن عاد، ثم ملك بعده ابنه الحارث بن ذي سدد، ويقال له الحارث الرائش، وقيل إن حارث الرائش المذكور، هو ابن قيس بن صيفي بن سبأ الأصغر، وهو تبع الأول. ثم ملك بعده ابنه ذو القرنين، الصعب بن الرائش، وقد نقل ابن سعيد أن ابن عباس سئل عن ذي القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، فقال: هو من حمير وهو الصعب المذكور، فيكون ذو القرنين المذكور في الكتاب العزيز هو الصعب بن الرائش المذكور، لا الإسكندر الرومي. ثم ملك بعده ابنه ذو المنار أبرهه بن ذي القرنين. ثم ملك بعده ابنه أفريقس بن أبرهه، ثم ملك بعده أخوه ذو الأذعار عمرو بن ذي المنار. ثم ملك بعده شرحبيل بن عمرو بن غالب بن المنتاب بن زيد بن يعفر بن السكسك بن واثل بن حمير، فإِن حمير كرهت ذا الأذعار فخلعت طاعته، وقلدت الملك شرحبيل المذكور، وجرى بين شرحبيل وذي الأذعار قتال شديد، قتل فيه خلق كثير، واستقل شرحبيل بالملك. ثم ملك بعده ابنه الهدهاد بن شرحبيل، ثم ملكت بعده ابنته بلقيس بنت الهدهاد، وبقيت في ملك اليمن عشرين سنة، وتزوجها سليمان بن داود عليهما سلام، ثم ملك بعدها عمها ناشر النعم بن شرحبيل وقيل إن ناشر النعم اسمه مالك بن عمرو بن يعفر بن عمرو، من ولد المنتاب بن زيد الحميري. ثم ملك بعده شمر يرعش بن ناشر النعم المذكور، وقيل شمر بن أفريقس ابن أبرهه ذي المنار. ثم ملك بعده ابنه أبو مالك بن شمر، ثم ملك بعده عمران بن عامر الأزدي، وهو عمران بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ. وانتقل الملك حينئذ من ولد حمير بن سبأ إلى ولد أخيه كهلان بن سبأ، وكان عمران المذكور كاهناً. ثم ملك بعده أخوه مزيقيا عمرو بن عامر الأزدي، وقيل له مزيقياء لأنه كان يلبس في كل يوم بدلة، فإذا أراد الدخول إلى مجلسه رمى بها فمزقت لئلا يجد أحداً فيها ما يلبسه بعده. انتهى كلام ابن سعيد المغربي. ومن تاريخ حمزة الأصفهاني، إن الذي ملك بعد أبي مالك بن شمر المذكور، قبل عمران الأزدي، ابنه الأقرن بن أبي مالك، ثم ملك بعده ذو حبشان بن الأقرن، وهو الذي أوقع بطسم وجديس. ثم ملك بعده أخوه تبع بن الأقرن، ثم ملك بعده ابنه كليكرب بن تبع، ثم ملك بعده أبو كرب أسعد وهو تبع الأوسط، وقتل. ثم ملك

стр. 61

بعده ابنه حسان بن تبع، وتتبع قتلة أبيه فقتلهم عن آخرهم، ثم قتله أخوه عمرو بن تبع، وملك بعده وتواترت الأسقام بعمرو المذكور، حتى كان لا يمضي إلى الخلاء إلا محمولاً على نعش، فسمي ذا الأعواد لذلك. ثم ملك بعده عبد كلال بن ذي الأعواد، ثم ملك بعده تبع بن حسان بن كليكرب، وهو تبع الأصغر. ثم ملك بعده ابن أخيه الحارث بن عمرو، وتهود الحارث المذكور، ثم ملك بعده مرثد بن كلال، ثم تفرق بعده ملك حمير والذي اشتهر بعده أنه ملك وكيعة بن مرتد، ثم ملك أبرهة بن الصباح، ثم ملك صهبان بن محرث، ثم ملك عمرو بن تبع، ثم ملك بعده ذو شناتر ثم ملك بعده ذو نواس، وكان من لا يتهود ألقاه في أخدود مضطرم ناراً، فقيل له صاحب الأخدود. ثم ملك بعده ذوجدن وهو آخر ملوك حمير، وكان مدة ملكهم على ما قيل ألفين وعشرين سنة، وإنما لم نذكر مدة ما ملكه كل واحد منهم لعدم صحته، ولذلك قال صاحب تواريخ الأمم: ليس في جميع التواريخ، أسقم من تاريخ ملوك حمير، لم يذكر فيه من كثرة عدد سنيهم، مع قلة عدد ملوكهم. فإنهم يزعمون أن ملوكهم ستة وعشرون ملكاً، ملكوا في مدة ألفين وعشرين سنة. ثم ملك اليمن بعدهم من الحبشة أربع، ومن الفرس ثمانية، ثم صارت اليمن للإسلام من كتاب ابن سعيد المغربي، إن الحبشة استولوا على اليمن بعد ذي جدن الحميري المذكور، وكان أول من ملك اليمن من الحبشة أرباط. ثم ملك بعده أبرهة الأشرم صاحب الفيل، الذي قصد مكة. ثم ملك بعده يكسوم. ثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، وهو آخر من ملك اليمن من الحبشة. ثم عاد ملك اليمن إلى حمير وملكها سيف بن ذي يزن الحميري وهو الذي ملكه كسرى أنوشروان، وأرسل مع سيف المذكور أحد مقدمي الفرس، واسمه وهرز بجيش من العجم، فساروا إلى اليمن وطردوا الحبشة عنها، وقرروا سيف بن ذي يزن في ملك اليمن، ولما استقر سيف في ملك أجداده باليمن وطرد الحبشة عنها، وجلس في غمدان يشرب، وهو قصر كان لأجداده باليمن، فامتدحته العرب بالأشعار، منها ما قاله فيه أمية بن أبي الصلت، ووصف تغرّب سيف بن ذي يزن وقصده قيصرا أولاً ثم كسرى في إعادة ملك آبائه إليه، حتى قدم بالفرس الذي مقدمهم وهرز، فقال في ذلك: لا يقصد الناس إلا كابن ذي يزن ... إذخيم البحر للأعداء أحوالا وافى هرقل وقد شالت نعامته ... فلم يجد عنده النصر الذي سالا ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة ... من السنين يهين النفس والمالا حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم ... تخالهم فوق متن الأرض أجبالا لله درهم من فتية صبر ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثالا بيض مرازبة غلب أساورة ... أسد ترتب في الغيضات أشبالا

стр. 62

فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... برأس غمدان داراً منك محلالا تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيباً بماء فعادا بعد أبوالا وكان سيف بن ذي يزن المذكور، قد اصطفى جماعة من الحبشان، وجعلهم من خاصته، فاغتالوه وقتلوه، فأرسل كسرى عاملاً على اليمن، واستمرت عمال كسرى على اليمن إلى أن كان آخرهم باذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأسلم، ثم صارت اليمن للإسلام، وانتهى أخبار ملوك اليمن. ملوك العرب الذين كانوا في غير اليمن وكان أول من ملك على العرب بأرض الحيرة مالك بن فهم بن غنم بن دوس ابن عدنان بن عبد الله بن وهزان بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد، والأزد من ولد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، كان وملكه في أيام ملوك الطوائف قبل الأكاسرة ثم ملك بعده أخوه عمرو بن فهم. ثم ملك بعده ابن أخيه جذيمة بن مالك بن فهم، وكان به برص فكنوا عنه وقالوا جذيمة الأبرش، وعظم شأن جذيمة المذكور، وكانت له أخت تسمى رقاش فهويت شخصاً من إياد، كان جذيمة قد اصطنعه، وكان يقال له عدي بن نصر بن ربيعة، وهويها عدي المذكور أيضاً، وكان عدي المذكور متسلماً مجلس شراب جذيمة، فاتفقت معه رقاش على أن يخطبها من أخيها جذيمة حال غلبة السكر عليه، ففعل ذلك، وأذن له جذيمة، فدخل عدي برقاش، فلما أصبح جذيمة وعّلم بذلك عظم عليه فهرب عدي المذكور، فقيل أنه ظفر به جذيمة وقتله، وحبلت رقاش من عدي المذكور فقال لها جذيمة: خبريني رقاش لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت: بل من خيار العرب، وجاءت بولد، وربته وألبسته طوقاً، وسمته عمراً وتبنن به جذيمة، ثم عدم الغلام، وتزعم العرب أن الجن اختطفته، ثم وجده شخصان يقال لهما مالك وعقيل، فأحضراه إلى جذيمة ففرح به فرحاً عظيماً، وكان اسم الصبي عمراً فقال جذيمة لمالك وعقيل اللذين أحضراه: اقترحا ما شئتما. فقالا: منادمتك ما بقيت وبقينا. فهما اللذان يضرب بهما المثل فيقال كندماني جذيمة. وفي أيام جذيمة المذكور، كان قد ملك الجزيرة وأعالي الفرات ومشارق الشام، رجل من العمالقة يقال له عمرو بن الضرب بن حسان العمليقي، وجرى بينه وبين جذيمة حروب، فانتصر جذيمة عليه، وقتل عمرو المذكور. وكان لعمرو بنت تدعى الزباء، واسمها نائلة، فملكت بعده وبنت على الفرات مدينتين متقابلتين، وأخذت في الحيلة على جذيمة وأطمعته بنفسها حتى اغتر وقدم

стр. 63

إليها فقتلته وأخذت بثأر أبيها. ابتداء ملك اللخميين ملوك الحيرة وهم المناذرة بنو عدي بن نصر بن ربيعة من ولد لخم بن عدي بن عمرو بن سبا. ولما قتل جذيمة ملك بعده ابن أخته رقاش عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة، وكان لجذيمة عبد يقال له قصير، فاتفق معه عمرو بن عدي المذكور، وجدع أنف قصير وضربه بالسياط، وحضر قصير على تلك الحالة إلى الزباء على أنه مغاضب لعمرو، فصدقته الزباء وأمنت إليه لما رأت من حاله، وصار قصير يتجر للزباء، ويأخذ المال من مولاه، ويحضره إلى الزباء على أنه كسب متجرها، مرّة بعد أخرى، حتى أتى بقفل نحو ألف حمل من الصناديق، وأقفالها من داخل، وفيها رجال معتدون فلما شاهدت الزباء تلك الأحمال ارتابت منه وقالت: ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلاً يحملن أم حديدا أم صرفاناً بارداً شديدا ... أم الرجال جثماً قعودا فلما دخلوا إِلى حصن الزباء، خرجت الرجال من الصناديق، وأخذوا المدينة عنوة، وقتلوا الزباء وأخذ قصير بثأر مولاه جذيمة، وطالت مدة ملك عمرو بن عدي المذكور. ثم مات وملك بعده ابنه امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخمي، وكان يقال لامرئ القيس المذكور البدا، أي الأول. ثم ملك بعد امرؤ القيس ابنه عمرو بن امرئ القيس وكان ملكه في أيام سابورذي الأكتاف، ثم ملك بعده أوس بن قلام العمليقي، ثم ملك آخر من العماليق، ثم رجع الملك إلى بني عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة اللخميين المذكورين، وملك منهم امرؤ القيس من ولد عمرو بن امرئ القيس المذكور، عرف هذا امرؤ القيس الثاني بالمحرق، لأنه أول من عاقب بالنار، ثم ملك بعده ابنه النعمان الأعور بن امرئ القيس، وهو الذي بنى الخورنق والسدير، وبقي في الملك ثلاثين سنة، ثم تزهد وخرج من الملك في زمن بهرام جور بن يزدجرد، وهو الذي ذكره عدي بن زيد في قصيدته الرائية المشهورة بقوله: وتدبر رب الخورنق إِذ أش ... رف يوماً وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير فارعوى قلبه وقال وما غب ... طة جى إِلى الممات بصير ولما تزهد النعمان الأعور المذكور، ملك بعده ابنه المنذر بن النعمان. وانتهى ملكه في زمن فيزوز بن يزد جرد. ثم ملك بعده ابنه الأسود بن المنذر، وهو الذي انتصر على غسان، عرب الشام، وأسر عدة من ملوكهم، وأراد الأسود المذكور أن يعفو عنهم، وكان

стр. 64

للأسود المذكور ابن عم يقال له أبو أذينة، قد قتل آل غسان له أخاً في بعض الوقائع، فقال أبو أذينة في ذلك قصيدته المشهورة يغري الأسود بقتلهم منها: ما كل يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوغه المقدار ما وهبا وأحزم الناس من إِنْ فرصة عرضت ... لم يجعل السبب الموصول منقضبا وأنصف الناس في كل المواطن من ... سقى المعادين بالكأس الذي شربا وليس يظلمهم من راح يضربهم ... بحد سيف به من قبلهم ضربا والعفو إِلا عن الأكفاء مكرمة ... من قال غيره الذي قد قلته كذبا قتلت عمراً وتستبقي يزيد لقد ... راًيت رأياً يجر الويل والحربا لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إِنْ كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا هم جردوا السيف فاجعلهم له جزراً ... وأوقد النار فاجعلهم لها حطبا إِن تعف عنهم يقول الناس كلهم ... لم يعف حلماً ولكن عفوه رهبا هم أهلة غسان ومجدهم ... عال فإِن حاولوا ملكاً فلا عجبا وعرضوا بفداء واصفين لنا ... خيلاً وِإبلاً تروق العجم والعربا أيحلبون دماً منّا ونحلبهم ... رسلاً لقد شرفونا في الورى حلبا علام تقبل منهم فدية وهم ... لا فضة قبلوا منا ولا ذهبا ونقلت ذلك من مجموع بخط القاضي شمس الدين بن خلكان، ورأيت في تاريخ ابن الأثير خلاف ذلك، فقال: إِن الأسود قتلته غسان، وانتصرت عليه غسان، ثم قال ابن الأثير وقيل غير ذلك، وانتهى ملك الأسود بن المنذر المذكور في زمن فيروز. ثم ملك بعده أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان الأعور، ثم ملك بعده علقمة الذميلي، وذميل بطن من لخم، ثم ملك بعده امرؤ القيس بن النعمان ابن امرئ القيس المحرق، وهو الذي قتل سنمار الذي بنى لامرئ القيس المذكور قصره، وفيه يقول المتلمس: جزاني أبو لخم على ذات بيننا ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب ثم ملك بعده ابنه المنذر بن امرئ القيس، وكانت أم المنذر المذكور يقال لها، ماء السماء واشتهر المنذر المذكور بأمه، فقيل له المنذر بن ماء السماء، ولقبت بماء السماء لحسنها، واسمها ماوية بنت عوف بن جشم، وطرد كسرى قباذ المنذر المذكور عن ملك الحيرة، وملك موضعه الحارث بن عمرو بن حجر الكندي، لأن قباذ كان قد دخل في دين مردك، ووافقه الحارث ولم يوافقه المنذر فطرد لذلك، ثم لما تمكن كسرى أنوشروان بن قباذ المذكور في الملك، طرد الحارث وأعاد المنذر بن ماء السماء إِلى ملك الحيرة، وقد تقدم ذكر ذلك مع ذكر أنوشروان، في الفصل الثاني من هذا الكتاب. ثم ملك بعد المنذر عمرو مضرط الحجارة، وهو ابن المنذر بن ماء السماء، وكان اسم أمه

стр. 65

هند، ويعرف بعمرو بن هند، ولثمان سنين مضت من ملكه، كان مولد النبي ﷺ . ثم ملك بعده أخوه قابوس بن المنذر بن ماء السماء. وقيل إِنه لم يتملك وإنما سمي ملكاً لما كان أبوه وأخوه ملكين، ثم ملك بعده أخوهما المنذر بن المنذر، ثم ملك بعده ابنه النعمان بن المنذر بن المنذر بن ماء السماء، وكنيته أبو قابوس، وهو الذي تنصر، وأمه سلمى بنت وائل بن عطية الصايغ، من أهل فدك، وملك اثنتين وعشرين سنة وقتله كسرى برويز، وبسبب مقتله كانت وقعة ذي قار بين الفرس والعرب. ثم انتقل الملك في الحيرة بعد النعمان المذكور عن اللخميين إِلى إِياس بن قبيصة الطائي، ولستة أشهر من ملك إِياس بعث النبي ﷺ ، ثم ملك بعد إِياس زاذويه ابن ماهسان الهمذاني. ثم عاد الملك إِلى اللخميين، ملك بعد زاذويه المنذر بن النجمان بن المنذر بن المنذر بن ماء السماء، وسمته العرب المغرور، واستمر مالكاً للحيرةِ إلى أن قدم إِليه خالد بن الوليد، واستولى على الحيرة، وكانت المناذرة آل نصر بن ربيعة عمالاً للأكاسرة على عرب العراق، مثل ما كان ملوك غسان عمالا للقياصرة على عرب الشام. ملوك غسان وكانوا عمالاً للقياصرة على عرب الشام، وأصل غسان من اليمن، من بني الأزد ابن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبا. تفرقوا من اليمن بسيل العرم، ونزلوا على ماء بالشام يقال له غسان، فنسبوا إِليه، وكان قبلهم بالشام عرب يقال لهم الضجاعمهَ من سليح، بفتح السين المهلة ثم لام مكسورة وياء مثناه من تحتها ثم حاء مهملة، فأخرجت غسان سليحاً عن ديارهم، وقتلوا ملوكهم، وصاروا موضعهم. وأول من ملك من غسان جفنة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو بن مزيقيا، وكان ابتداء ملك غسان، قبل الإِسلام بما يزيد على أربعمائة سنة، وقيل أكثر من ذلك، ولما ملك جفنة المذكور وقتل ملوك سليح، دانت له قضاعة ومن بالشام من الروم. وبنى بالشام عدة مصانع ثم هلك. وملك بعده ابنه عمرو بن جفنة، وبنى بالشام عدة ديورة منها دير حالي ودير أيوب ودير هند. ثم ملك بعده ابنه ثعلبة بن عمرو وبنى صرح الغدير في أطراف حوران. مما يلي البلقاء، ثم ملك بعده ابنه الحارث بن ثعلبة. ثم ملك ابنه جبلة بن الحارث، وبنى القناطرْ واذرح والقسطل. ثم ملك بعده ابنه الحارث بن جبلة، وكان مسكنه بالبلقاء فبنى بها الحفير ومصنعه. ثم ملك بعده ابنه المنذر الأكبر بن الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة ابن عمرو بن جفنة الأول، ثم هلك المنذر الأكبر المذكور وملك بعدها أخوه النعمان بن الحارث. ثم ملك بعده أخوه جبلة بن الحارث، ثم ملك بعدهم أخوهم الأيهم بن الحارث،

стр. 66

وبنى دير ضخم، ودير البنوة ثم ملك أخوهم عمرو بن الحارث ثم ملك جفنة الأصغر بن المنذر الأكبر، وهو الذي أحرق الحيرة، وبذلك سموا ولده آل محرق. ثم ملك بعده أخوه النعمان الأصغر بن المنذر الأكبر، ثم ملك النعمان ابن عمرو بن المنذر، وبنى قصر السويدا، ولم يكن عمرو أبو النعمان المذكور ملكاً، وفي عمرو المذكور يقول النابغة الذبياني: عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب ثم ملك بعد النعمان المذكور ابنه جبلة بن النعمان، وهو الذي قاتل المنذر ابن ماء السماء، وكان جبلة المذكور ينزل بصفين. ثم ملك بعده النعمان بن الأيهم بن الحارث بن ثعلبة، ثم ملك أخوه الحارث بن الأيهم ثم ملك بعده ابنه النعمان بن الحارث، وهو الذي أصلح صهاريج الرصافهَ وكان قد خربها بعض ملوك الحيرة اللخميين. ثم ملك بعده ابنه المنذر بن النعمان، ثم ملك أخوه عمرو بن النعمان، ثم ملك أخوهما حجر بن النعمان ثم ملك ابنه الحارث بن حجر، ثم ملك ابنه جبلة بن الحارث، ثم ملك ابنه الحارث بن جبلة، ثم ملك ابنه النعمان بن الحارث، وكنيته أبو كرب، ولقبه قطام. ثم ملك بعده الأيهم بن جبلة بن الحارث، وهو صاحب تدمر، وكان عامله بقال له القين بن خسر، وبنى له بالبرية قصراً عظيماً ومصانع، وأظن أنه قصر برقع. ثم ملك بعده أخوه المنذر بن جبلة، ثم ملك بعده أخوهما شراحيل بن جبلة، ثم ملك أخوهم عمرو بن جبلة، ثم ملك بعده ابن أخيه جبلة بن الحارث بن جبلة. ثم ملك بعده جبلة بن الأيهم بن جبلة، وهو آخر ملوك غسان، وهو الذي أسلم في خلافة عمر ﵁، ثم عاد إِلى الروم وتنصر، وسنذكر ذلك في خلافة عمر إِن شاء الله تعالى، وقد اختلف في مدة ملك الغساسنة، فقيل أربعمائة سنة وقيل ستمائة سنة وبين ذلك. ملوك جرهم أما جرهم فهم صنفان، جرهم الأولى: وكانوا على عهد عاد، فبادوا ودرست أخبارهم وهم من العرب البائدة. وأما جرهم الثانية: فهم من ولد جرهم بن قحطان. وكان جرهم أخا يعرب بن قحطان. فملك يعرب اليمن وملك أخوه جرهم الحجاز، ثم ملك بعد جرهم ابنه عبد يا ليل بن جرهم، ثم ابنه جرشم بن عبد يا ليل، ثم ابنه عبد المدان بن جرشم، ثم ابنه ثقيلة بن عبد المدان، ثم ابنه عبد المسيح بن ثقيلة، ثم ابنه مضاض بن عبد المسيح، ثم ابنه عمرو بن مضاض، ثم أخوه الحارث بن مضاض، ثم ابنه عمرو بن الحارث، ثم أخوه بشر بن الحارث، ثم مضاض بن عمرو بن مضاض، وجرهم المذكورون هم الذين اتصل

стр. 67

بهم إِسماعيل ﵇، وتزوج منهم. وسنذكرهم اًيضاً عند ذكر بني إِسماعيل إِن شاء الله تعالى. ملوك كندة من الكامل قال: وأول ملوك كندة حجر آكل المرار ابن عمرو، وهو من ولد كندة، وكان اسم كندة نورا وهو ابن عفير بن الحارث من ولد زيد بن كهلان ابن سبأ، وكانت كندة قبل أن يملك حجر عليهم بغير ملك، فأكل القوي الضعيف، فلما ملك حجر سدد أمورهم وساسهم أحسن سياسة، وانتزع من اللخميين ما كان بأيديهم من أرض بكر بن وائل، وبقي حجر آكل المرار كذلك حتى مات. وقيل له احمل المرار لكون امرأته قالت عنه: كأنه جمل قد أكل المرار، لبغضها له، فغلب ذلك لقباً عليه. ثم ملك بعد حجر المذكور ابنه عمرو بن حجر ويقال لعمرو المذكور المقصور، لأنه اقتصر على ملك أبيه، ثم ملك بعده ابنه الحارث بن عمرو وقوي ملك الحارث المذكور، ووافق كسرى قباذ بن فيروز على الزندقة، والدخول في مذهب مردك، فطرد قباذ المنذر بن ماء السماء اللخمي عن ملك الحيرة، وملك حارث المذكور موضعه، فعظم شأن الحارث، وقد تقدم ذلك في الفصل الثاني، مع ذكر أنوشروان بن قباذ. فلما ملك أنوشروان أعاد المنذر وطرد الحارث المذكور، فهرب وتبعته تغلب وعدة قبائل؛ فظفروا بأمواله وبأربعين نفساً من بني حجر آكل المرار، ابنان من ولد حارث المذكور، فقتلهم المنذر عن آخرهم في ديار بني مرين وفي ذلك يقول امرؤ القيس بن حجر بن الحارث المذكور: فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبناء الملوك مصفدينا ملوك من بني حجر بن عمرو ... يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا ولم تغسل جماجمهم بغسل ... ولكن في الدماء مزملينا تظل الطير عاكفة عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا وهرب الحارث إِلى ديار كلب، وبقي بها حتى عُدِمَ، واختلِف في صورة عدمه. وكان الحارث المذكور قد ملك ابنه حجر بن الحارث على بني أسد ابن خزيمة ن مدركة، وملك أيضاً باقي بنيه على قبائل العرب. فملك ابنه شراحيل بن الحارث على بكر بن وائل، وملك ابنه معدي كرب بن الحارث، وكان يلقب غلفاً لتغليفه رأسه بالطيب، على قيس غيلان، وملك ابنه سلمة على تغلب والنمر. أما حجر المذكور وهو أبو امرئ القيس الشاعر، فبقي أمره متماسكاً في بني أسد مدة، ثم تنكروا عليه فقاتلهم وقهرهم، وبالغ في نكايتهم، ودخلوا

стр. 68

تحت طاعته، ثم هجموا عليه بغتة وقتلوه غيلة. وفي ذلك يقول ابنه امرؤ القيس بن حجر المذكور أبياتاً منها. بنو أسد قتلوا ربهم ... ألا كل شيء سواه خلل وكان امرؤ القيس لما سمع بمقتل أبيه بموضع يقال له دمون من أرض اليمن فقال في ذلك: تطاول الليل على دمون ... دمون أنا معشر يمانون ثم استنجد امرؤ القيس ببكر وتغلب على بني أسد فأنجدوه، وهربت بنو أسد منهم، وتبعهم فلم يظفر بهم، ثم تخاذلت عنه بكر وتغلب، وتطلبه المنذر بن ماء السماء فتفرقت جموع امرئ القيس خوفاً من المنذر، وخاف امرؤ القيس من المنذر، وصار يدخل على قبائل العرب، وينتقل من أناس إِلى أناس، حتى قصد السموءل بن عادياء اليهودي، فأكرمه وأنزله، وأقام امرؤ القيس عند السموءل ما شاء اللهُ، ثم سار امرؤ القيس إِلى قيصر ملك الروم مستنجداً به، وأودع أدراعه عند السموءل بن عادياء المذكور، ومرّ على حماة وشيزر، وقال في مسيرة قصيدته المشهورة التي منها: سمالك شوق بعد ما كان أقصرا ومنها: تقطع أسباب اللبابة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... والحق أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينيك إِنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا وكان بامرئ القيس قرحة قد طالت به، وفي ذلك يقول أبياته التي منها: وبدلت قرحاً دامياً بعد صحة ... لعل منايانا تحولن أبؤسا فمات امرؤ القيس بعد عوده من عند قيصر في بلاد الروم، عند جبل يقال له عسيب. ولما علم بموته هناك قال: أجارتنا إِن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب وقد قيل أن ملك الروم سمه في حلة - وهو عندي من الخرافات - ولما مات امرؤ القيس، سار الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموءل وطالبه بأدرع امرئ القيس، وماله عنده، وكانت الأدراع مائة، وكان الحارث قد أسر ابن السموءل فلما امتنع السموءل من تسليم ذلك إِلى الحارث، قال الحارث: إِمّا أن تسلّم الأدراع، وإِما قتلت ابنك، فأبى السموءل أن يسلمّ الأدراع، وقتل ابنه قدامه فقال السموءل في ذلك أبياتاً منها: وفيت بأدرع الكندي إِني ... إِذا ما ذم أقوام وفيت وأوصى عادياء يوماً بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت وقد ذكر الأعشى هذه الحادثة فقال: كن كالسموءل إِذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار

стр. 69

فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إِني مانع جاري انتهى الكلام في ملوك كندة. عدة من ملوك العرب متفرقين فمنهم عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو مزيقيا بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، من ولد كهلان بن سبأ وكان عمرو بن لحي المذكور ملك الحجاز، وكثير الذكر في الجاهلية، وإليه تنسب خزاعة، فيقولون أنهم من ولد كعب بن عمرو المذكور. قال الشهرستاني: وعمرو بن لحي المذكور، هو أول من جعل الأصنام على الكعبة وعبدها، فأطاعته العرب وعبدوها معه، واستمرت العرب على عبادة الأصنام حتى جاء الإسلام، وكان سبب ذلك أن عمرو المذكور، سار إِلى البلقاء من الشام، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنه، فقالوا له: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية، والأشخاص البشرية، نستنصر بها فننتصر ونستشفي بها فنشفى ونستسقي بها فنسقى، فأعجبه ذلك فطلب منهم صنماً، فدفعوا إِليه هبل، فسار به إِلى مكة ووضعه على الكعبة، واستصحب أيضاً صنمين يقال لهما إِساف ونائلة، ودعى الناس إلى تعظيم الأصنام والتقرب إِليها فأجابوه. وقد ذكر الشهرستاني أنّ ذلك كان في أيام سابور، كان قبل الإسلام بنحو أربعمائة سنة، إِن كان سابور بن أزدشير بن بابك، وأما إِن كان سابور ذا الأكتاف فهو أبعد عن الصواب، لأنه بعد سابور الأول بمدة كثيرة. ومن ملوك العرب زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عون بن عذرة الكلبي، وكان يسمى زهير المذكور الكاهن، لصحة رأيه، وعاش عمراً طويلاً، وغزا غزوات كثيرة وكان ميمون النقيبة، واجتمعت عليه قضاعة، فغزا بهم غطفان بسبب أنّ بني نقيص بن ريث بن غطفان بنوا حرماً مثل حرم مكة، وولي سدانته منهم بنو مرة بن عون فلما بلغ زهيراً ذلك قال: والله لا يكون ذلك أبداً، ولا أخلي غطفان تتخذ حرماً، فغزاهم وجرى بينهم قتال شديد، وظفر بهم زهير وأبطل حرمهم، وأخذ أموالهم ورد نساءهم عليهم، وفي ذلك يقول أبياتاً منها: ولولا الفضل منا ما رجعتم ... إِلى عذراء شيمتها الحياء وكان زهير المذكور قد اجتمع بأبرهة الأشرم الحبشي صاحب الفيل، فأكرمه أبرهة وفضله على غيره من العرب، وأمرّه على بكر وتغلب ابني وائل. واستمر زهير أميراً عليهم حتى خرجوا عن طاعته، فغزاهم أيضاً وقتل فيهم وكذلك أيضاً غزا بني القين، وجرى له مع المذكورين حروب يطول شرحها، وكان الظفر لزهير. ولما أسنَّ زهير المذكور، شرب الخمر صرفاً حتى مات. قال ابن الأثير: وممن شرب الخمر صرفاً حتى مات عمرو بن كلثوم التغلبي، وأبو عامر ملاعب الأسنة العامري. ومن ملوك العرب أيضاً كليب بن ربيعة بن

стр. 70

الحارث بن زهير بن جشم بن بكر ابن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، ووائل هو بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة الفرس بن نزار بن معد بن عدنان، وكان كليب المذكور اسمه وائلاً وكليب لقب غلب عليه، وملك كليب على بني معد، وقاتل جموع اليمن وهزمهم، وعظم شأنه وبقي زماناً من الدهر. ثم داخل كليباً زهو شديد، وبغى على قومه، فصار يحمي عليهم مواقع السحاب، فلا يرعى حماه، ويقول وحش أرض كذا في جواري، فلا يصاد، ولا ترد إبل مع إِبله، ولا توقد نار مع ناره، وبقي كذلك حتى قتله جساس بن مرة بن ذهل ابن شيبان وشيبان من بني بكر بن وائل المذكور. وكان سبب مقتل كليب أن رجلاً من جرم نزل على خالة جساس وكان اسم خالته المذكورة البسوس بنت منقذ التميمية، وكان للجرمي المذكور ناقة اسمها سراب فوجدها كليب ترعى في حماه، فضر بها بالنشاب وأخرم ضرعها. وجاءت الناقة إِلى الجرمي صاحبها مجروحة، فصرخ بالذل، فلما سمعته البسوس وضعت يدها على رأسها وصاحت: واذلاه، بسبب نزيلها الجرمي المذكور. فاستنصر جساس لخالته، وقصد كليباً وهو منفرد في حماه، فضربه بالرمح فقتله. ولما قتل كليب قام أخوه مهلهل بن ربيعة بن الحارث المذكور وجمع قبائل تغلب واقتتل مع بني بكر، وجرى بينهم عدة وقائع أولها يوم عنيزة وكانوا في القتال على السواء ثم اتقعوا بماء يقال له النهي، وكان رئيس تغلب مهلهلا، ورئيس بني شيبان بن بكر الحارث بن مرة أخا جساس، وكان النصر لبني تغلب وقتل من بكر جماعة ثم التقوا بالدنائب وهي من أعظم وقائعهم، فانتصر مهلهل وبنو تغلب، وقتل من بني بكر مقتلة عظيمة، وقتل من بني شيبان جماعة، منهم شراحيل بن هشام بن مرة، وهو ابن أخي جساس، وشراحيل المذكور هو جد معن بن زائدة الشيباني، وقتل أيضاً الحارث بن مرة، وهو أخو جساس، كذلك قتل جماعة من رؤساء بني بكر. ثم التقوا يوم واردات فظفرت تغلب أيضاً، وكثر القتل في بكر، وقتل همام أخو جساس لأبيه وأمه، وجعلت تغلب تطلب جساساً أشد الطلب، فقال له أبو مرة الحق بأخوالك بالشام، وأرسله سراً مع نفر قليل، وبلغ مهلهلاً الخبر فأرسل في طلبه ثلاثين نفراً فأدركوا جساساً واقتتلوا، فلم يسلم من أصحاب مهلهل غير رجلين، وكذلك لم يسلم من البكريين أصحاب جساس غير رجلين، وجرح جساس جرحاً شديداً مات منه، وعاد الذين سلموا فخبروا أصحابهم، وكذلك قتل مهلهل أيضاً بجير بن الحارث البكري، ولما قتله مهلهل قال: بؤبشسع نعل كليب فلما قتل بجير قال أبوه الحارث الأبيات المشهورة التي منها: قربا مربط النعامة مني ... شاب رأسي وأنكرتني رجالي لم أكن من جناتها علم الل ... هـ وإني بحرّها اليوم صالي والنعامة اسم فرسه، ودامت الحرب بين بني وائل المذكورين كذلك نحو أربعين سنة. ولما

стр. 71

قتل جساس أرسل أبوه مرة يقول لمهلهل: قد أدركت ثأرك وقتلت جساساً، فاكفف عن الحرب، ودع اللجاج والإِسراف. فلم يرجع مهلهل عن القتال. ولما طالت الحروب بينهم، وأدركت تغلب ما أرادته من بكر، أجابوهم إِلى الكف عن القتال، وعدم مهلهل، واختلف في صورة عدمه، تركنا ذكره للاختصار. ومن ملوك العرب زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث ابن قطيعة بن عبس. وهو والد الملك قيس بن زهير العبسي، وكان لزهير أتاوة على هوازن يأخذها كل سنة في عكاظ، وهو سوق العرب أيام الموسم بالحجاز، وكان يسوم هوازن الخسف، فكان في قلوبهم منه، ووقعت الحرب بين زهير وبين عامر، فاتفقت هوازن مع خالد بن جعفر بن كلاب وبني عامر على حرب زهير، واقتتلوا معه فاعتنق زهير وخالد وتقاتلا، فقتل زهير وسلم خالد، وكانت الوقعة بالقرب من أرض هوازن، فحملت زهيراً بنوه ميتاً إِلى بلادهم، فقال: ورقة بن زهير أبياتاً في ذلك منها يقول لخالد المذكور: فَطِر خالد إِن كنت تسطيع طيرة ... ولا تقعن إِلا وقلبك حاذر أتتك المنايا إِنْ بقيت بضربة ... تفارق منها العيش والموت حاضرُ ولما كان من خالد بن جعفر بن كلاب ما كان من قتل زهير، خاف وسار إِلى النعمان بن امرئ القيس اللخمي ملك الحيرة واستجار به، وكان زهير سيد غطفان، فانتدب منهم الحارث بن ظالم المري، وقدم إِلى النعمان في معنى حاجة له، وكان النعمان قد ضرب لخالد قبة، فلما جنَّ الليل، دخل الحارث إلى خالد وقتله في قبته غيلة وهرب وسلم. ثم جمع الأخوص بن جعفر، وهو أخو خالد، بين عامر وأخذ في طلب الحارث المري، وكذلك أخذ النعمان في طلبه لقتله جاره، وجرى بسبب ذلك حروب وأمور يطول شرحها وكان آخرها يوم شعب جبلة، على ما سنذكره إِن شاء الله تعالى. ومن ملوك العرب الملك قيس بن زهير العبسي المذكور، وكان قد جمع لقتال بني عامر أخذاً بثأر أبيه زهير. ثم نزل قيس بالحجاز، وفاخر قريشاً، ثم رحل عن قريش ونزل على بني بدر الفزاري الذبياني، ونزل على حذيفة بن بدر منهم، وكان قيس قد اشترى من الحجاز حصانه داحساً وفرسه الغبراء، وقد قيل أن الغبراء بنت داحس استولدها قيس من داحس ولم يشترها. وكان لحذيفة بن بدر فرسان يقال لهما الخطار والحنفاء، وقصدان يسابق مع فرسي قيس، داحس والغبراء، فامتنع قيس وكره السباق، وعلم أنه ليس في ذلك خير، فأبى حذيفة إِلا المسابقة، فأجروا الأربعة المذكورة بموضع يقال له ذات الأصاد، وكان الميدان نحو مائة غلوة، والغلوة الرمية بالسهم أبعد ما يمكن، كان الرهن مائة بعير، فسبق داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون إِليه، وكان حذيفة قد أكمن في طريق الخيل من يعترض داحساً إِنْ جاءَ سابقاً، فاعترضه ذلك القوم وضربوه على وجهه، فتأخر

стр. 72

داحس. ثم سبقت الغبراء أيضاً الخطار والحنفاء فأنكر حذيفة ذلك كله وادّعى السبق، فوقع الخلف بين بني بدر وبني قيس، وكان بين الربيع بن زياد وَبين قيس خلف بسبب درع اغتصبها الربيع من قيس، وكان يسوء الربيع اتفاق بني بدر مع قيس، فلما وقع بينهم بسبب السباق سره ذلك، ولما اشتد الأمر بينهم قتل قيس ندبة بن حذيفة، وكان لقيس أخ يقال له مالك بن زهير، وكان نازلا على بني ذبيان، فلما أبلغهم قتل ندبة، قتلوا مالك بن زهير المذكور غيلة، ولما بلغ الربيع بن زياد مقتل مالك غم ذلك عليه جداً، وعطف على قيس وانتصر له وعمل الربيع أبياتاً في مقتل مالك منها: من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه ... ويقمن قبل تبلج الأسحار ثم اجتمع قيس والربيع واصطلحا وتعانقا، وقال قيس للربيع إِنه لم يهرب منك من لجأ إِليك، ولم يستغن عنك من استعان بك، واجتمع إِلى قيس والربيع بنو عبس، واجتمع إِلى بني بدر بنو فزارة وذبيان، واشتدت الحروب بينهم وهي المعروفة بينهم بحرب داحس فاقتتلوا أولا فقتل عوف بن بدر، وانهزمت فزارة، وقتلت بنو عبس فيهم قتلاً ذريعاً، ثم اتقعوا ثانياً فانتصرت بنو عبس أيضاً، وكانت الدائرة على فزارة، وقتل الحارث بن بدر وطالت الحروب بينهم، وكان آخرها أنهم اتقعوا فانهزمت فزارة، وانفرد حذيفة وحمل أخوه ومعهما جماعة يسيرة وقصدوا جفر الهباة فلحقهم بنو عبس وفيهم قيس والربيع بن زياد وعنترة، وحالوا بين بني بدر وبين خيلهم وقتلوا حذيفة وأخاه حملا ابني بدر، وأكثر الشعراء في ذكر جفر الهباة ومقتل بني بدر عليه، وظهرت في هذه الحروب شجاعة عنترة بن شداد. ثم أن فزارة بعد مقتل بني بدر ساعدتهم قبائل كثيرة، لأنهم أعظموا قتل بني بدر، فلما قويت فزارة سارت بنو عبس ودخلوا على كثير من أحياء العرب، ولم يطل لهم مقام عند أحد منهم، وآخر الحال أن بني عبس قصدوا الصلح مع فزارة. فأجابتهم شيوخ فزارة إِلى ذلك. وتم الصلح بينهم، وقيل أن بني عبس لما سارت إِلى بني فزارة واصطلحوا معهم لم يسر معهم الملك قيس، بل انفرد عن بني عبس وتاب وتنصر وساح في الأرض حتى انتهى إِلى عمان، فترهب بها زماناً، وقيل أن قيساً تزوج في النمر بن قاسط لما انفرد عن بني عبس وولد له ولد اسمه فضالة، وبقي فضالة المذكور حتى قدم على النبي ﷺ وعقد له رسول الله ﷺ على من معه من قومه، وكانوا تسعة وهو عاشرهم. وكان بين ملوك العرب وقائع في أيام مشهورة فمنها يوم خزار اتقعت فيه بنو ربيعة بن نزار، وهو ربيعة الفرس، وقبائل اليمن، وكانت الدائرة على اليمن، وانتصرت بنو ربيعة عليهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وقيل: أن قائد بني ربيعة كان كليب وائل المقدم الذكر، وخزار جبل بين البصرة

стр. 73

إِلى مكة. ومنها أيام بني وائل بسبب قتل كليب، كانت بين تغلب وقائدهم مهلهل أخو كليب، وبين بكر وقائدهم مرة أبو جساس، فأولها يوم عنيزة وتكافأ فيه الفريقان، ثم كان بينهم يوم واردات وانتصرت فيه تغلب على بكر، ثم يوم الحنو وكان لبكر على تغلب، ثم يوم القصيبات انتصرت فيه تغلب وأصيبت بكر حتى ظنوا أنهم قد بادوا، ثم يوم أقضة ويقال يوم التحالق، كثر فيه القتل في الفريقين، وكان بينهم أيام أخر لم يشتد فيها القتال كهذه الأيام. ومن أيام العرب يوم عين اباغ وكان بين غسان ولخم، وكان قائد غسان الحارث الذي طلب أدراع امرئ القيس وقيل غيره، وكان قائد لخم المنذر بن ماء السماء بغير خلاف، وقتل المنذر في هذا اليوم، وانهزمت لخم، وتبعتهم غسان إِلى الحيرة، وأكثروا فيهم القتل وعين أباغَ بموضع يقال له ذات الخبار. ومن أيام العرب يوم مرج حليمة وكان بين غسان ولخم أيضاً، وقعة يوم مرج حليمة من أعظم الوقعات، وكانت الجيوش فيه قد بلغت من الفريقين عدداً كثيراً، وعظم الغبار حتى قيل أنّ الشمس قد انحجبت وظهرت الكواكب التي في خلاف جهة الغبار، واشتد القتال فيه، واختُلِف في النصر لمن كان منهم. ومنها يوم الكلاب الأول وكان بين الأخوين شراحيل وسلمة ابني الحارث ابن عمرو الكندي، وكان مع شراحيل وهو الأكبر بكر بن وائل وغيرهم، وكان مع سلمة أخيه تغلب وائل وغيرهم، واتقعوا في الكلاب وهو بين البصرة والكوفة، واشتد القتال بينهم، ونادى منادي شراحيل من أتاه برأس أخيه سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة من أتاه برأس أخيه شراحيل فله مائة من الإبل، فانتصر سلمة وتغلب على شراحيل وبكر، وانهزم شراحيل وتبعته خيل أخيه ولحقوه وقتلوه وحملوا رأسه إِلى سلمة. ومنها يوم أوارة وهو جبل، وكان بين المنذر بن امرئ القيس ملك الحيرة ين بكر وائل بسبب اجتماع بكر على سلمة بن الحارث، فظفر المنذر ببكر، وأقسم أنه لا يزال يذبحهم حتى يسيل دمهم من رأس أوارة إِلى حضيضه، فبقي يذبحهم والدم يجمد، فسكب عليه ماء حتى سال الدم من رأس الجبل إِلى حضيضه، وبرت يمينه. ومنها يوم رحرحان من العقد: قال وكان من أمره، أن الحارث بن ظالم المري ثم الذبياني، لمّا قتل خالد ابن جعفر بن كلاب قاتل زهير، حسبما تقدم - ذكره، عند ذكر مقتل زهير، هرب الحارث من النعمان ملك الحيرة، لكونه قتل خالداً وهو في جيرة النعمان، فلم يجر الحارث المذكور أحد من العرب خوفاً من النعمان، حتى استجار بمعبد بن زرارة فأجاره، فلم يوافقه قومه بنو تميم، وخافوا من ذلك، ووافقه منهم بنو ماوية وبنو دارم فقط، فلما بلغ الأخوص أخا خالد مكان حارث المري من معبد، سار إِليه واقتتلوا بموضع يقال له وادي رحرحان فانهزمت بنو تميم، وأسر معبد بن زرارة، وقصد أخوه لقيط بن زرارة أن يستفكّه، فلم يقدر، وعذبوا معبداً حتى مات. ومنها يوم شعب جبلة وهو من أعظم أيام العرب، وكان من حديثه: أنه لما انقضت

стр. 74

وقعة رحرحان، استنجد لقيط بن زرارة التميمي ببني ذبيان فنجدته، وتجمعت له بنو تميم، غير بني سعد، وخرجت معه بنو أسد، وسار بهم لقيط إِلى بني عامر وبني عبس في طلب ثأر أخيه معبد، فأدخلت بنو عامر وبنو عبس أموالهم في شعب جبلة، هضبة حمراء بين الشريف والشرف وهما ماآن فحضرهم لقيط فخرجوا عليه من الشعب، وكسوا جمائع لقيط وقتلوا لقيطاً، وأسروا أخاه حاجب ابن زرارة، وانتصرت بنو عامر وبنو عبس نصراً عظيماً، وفي ذلك يقول جرير: ويوم الشعْبِ قد تركوا لقيطاً ... كأنّ عليه حلة أرجوان وكبّلَ حَاجبٌ بالشامِ حولاً ... فحِكم ذا الرقيبة وهو عانِ وقتل أيضاً من بني ذبيان وبني تميم وبني أسد في يوم شعب جبلة جماعة كثيرة، وقد أكثرت العرب من مراثي المقتولين من القبائل المذكورة، وكان يوم رحرحان قبل يوم شعب جبلة بسنة واحدة، وكان يوم شعب جبلة في العام الذي ولد فيه رسول الله ﷺ انتهى النقل من العقد لابن عبد ربه. ومن أيام العرب المشهورة يوم ذي قار وكان في سنة أربعين من مولد رسول الله ﷺ وقيل في عام وقعة بدر الأول أقوى، وكان من حديثه أنّ كسرى برويز غضب على النعمان بن المنذر وحبسه، فهلك في الحبس، وكان النعمَان قد أودع حلقته، وهي السلاح والدروع، عند هانئ بن مسعود البكري، فأرسل برويز يطلبها من هانئ المذكور فقال: هذه أمانة والحر لا يسلم أمانته، وكان برويز لما أمسك النعمان، قد جعل موضعه في مُلك الحيرة إِياس بن قبيصة الطائي، فاستشار برويز إِياساً المذكور فقال إِياس: المصلحة التغافل عن هانئ بن مسعود المذكور حتى يطمئن، وتتبعه فتدركه، فقال برويز إِنه من أخوالك، ولا نألوه نصحاً، فقال إِياس: رأي الملك أفضل. فبعث برويز الهرمزان في ألفين من الأعاجم، وبعث ألفا من بهرا، فلما بلغ بكر ابن وائل خبرهم، أتوا مكاناً من بطن ذي قار فنزلوه، ووصلت إِليهم الأعاجم، واقتتلوا ساعة وانهزمت الأعاجم هزيمة قبيحة، وأكثرت العرب الأشعار في ذكر هذا اليوم. الفصل الخامس ذكر الأمم من الصحاح: الأمة الجماعة، هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة، وفي الحديث " لولا أنّ الكلاب أمة من الأممَ لأمرتُ بقتلها " أمة السريان والصابئين من كتاب أبي عيسى المغربي قال: أمة السريان هي أقدم الأمم، وكلام آدم وبنيه بالسرياني، وملتهم هي ملة الصابئين،

стр. 75

ويذكرون أنهم أخذوا دينهم عن شيث وإدريس، ولهم كتاب يعزونه إِلى شيث، ويسمونه صحف شيث، يذكر فيه محاسن الأخلاق، مثل الصدق والشجاعة والتعصب للغريب وما أشبه ذلك، ويأمر به، ويذكر الرذائل ويأمر باجتنابها، وللصابئين عبادات، منها سبع صلوات، منهن خمس توافق صلوات المسلمين، والسادسة صلاة الضحى، والسابعة صلاة يكون وقتها في تمام الساعة السادسة من الليل، وصلاتهم كصلاة المسلمين من النية، وأن لا يخلطها المصلي بشيء من غيرها، ولهم الصلاة على الميت بلا ركوع ولا سجود، ويصومون ثلاثين يوماً وإن نقص الشهر الهلالي صاموا تسعاً وعشرين يوماً، وكانوا يراعون في صومهم الفطر والهلال، بحيث يكون الفطر وقد دخلت الشمس الحمل، ويصومون من ربع الليل الأخير إِلى غروب قرص الشمس، ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت أشرافها، والشمسة المتحيرة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد. ويعظمون بيت مكة، ولهم بظاهر حران مكان يحجونه، ويعظمون أهرام مصر، ويزعمون أن أحدها قبر شيث بن آدم، والآخر قبر إِدريس، وهو حنوخ، والآخر قبر صابي بن إِدريس الذي ينتسبون إِليه، ويعظمون يوم دخول الشمس برج الحمل، فيتهادون فيه ويلبسون أفخر ملابسهم، وهو عندهم من أعظم الأعياد لدخول الشمس برج شرفها. قال ابن حزم: والدين الذي انتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، والغالب على الدنيا، إِلى أن أحدثوا فيه الحوادث، فبعث الله تعالى إِليهم إبراهيم خليله ﵇، بالدين الذي نحن عليه الآن. قال الشهرستاني: والصابئون يقاتلون الحنيفية، ومدار مذهبهم التعصب للروحانيين، كما أن مدار مذهب الحنفات التعصب للبشر والجسمانيين. أمة القبط وهم من ولد حام بن نوح وكان سكناهم بديار مصر، وكانوا أهل ملك عظيم، وعز قديم، واختلط بالقبط طوائف كثيرة، من اليونان والعماليق والروم وغيرهم، وإنما صاروا أخلاطاً لكثرة من تداول عليهم وَمَلَكَ مصر، فإِن أكثر من تملك مصر الغرباء، وكان القبط في سالف الدهر صابئة يعبدون الهياكل والأصنام، وكان منهم علماء بضروب من علم الفلسفة، وخاصة بعلم الطلسمات والنيرنجات والمرائي المحرقة والكيمياء. وكانت دار ملكهم مدينة منف وهي على جانب النيل من غربيه، وكانت ملوكهم تلقب الفراعنةِ، وقد تقدم ذكرهم. أمّة الفرس ومساكنهم وسط المعمور ويقال لها أرض فارس. ومنها: كرمان والأهواز وأقاليم يطول ذكرها، وجميع ما دون جيحون من تملك الجهات يقال له إِيران، وهي أرض الفرس، وأما ما وراء جيحون فيقال له توران، وهو أرض الترك، وقد اختلف في نسب الفرس، فقيل أنهم من ولد فارس بن إِرم بن سام،
следующие страницы →