Полный текст (389 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي من علينا بالإسلام وهدانا بالإيمان الجاري على أحسن نظام، وأنعم علينا بشفاعة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وجعل سير الأولين عبرة لأولي الأفهام، وتقلبات الأحوال قاضية على كل أمر حادث بالإنصرام، كيلا يغتر ذو جمال حسن ولا ييأس من لعبت بأحواله أكف السقام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشفي القلوب من لظى الأوام وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي فتح للهداية أبواباً يلج المستفتحون لها بمفاتيح الانقياد والاستسلام، صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة ببقاء الأيام وبعد فإني لما رأيت أيام مولانا السلطان، الملك الناصر جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين خادم الحرمين الشريفين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي سقى الله ضريحه صوب الرضوان، وأذاقه في مقر رحمته حلاوة نتيجة الإيمان، قد صدقت من أخبار
стр. 2
الأولين ما كذبه الاستبعاد، وشهدت بالصحة لما روي من نوادر الكرام الأجواد، وحققت وقعات شجعان مماليكها ما قدحت فيه الشكوك من أخبار الشجعان، ورأيت بالعيان من الصبر على المكاره في ذات الله ما قوى به الإيمان، وعظمت عجائبها عن أن يحيط بها خاطر أو يجنها جنان، وجلت نوادرها أن تحد ببيان لسان، أو أن تسطر في طرس ببنان، وكانت مع ذلك من قبيل لا يمكن الخبير بها إخفاؤها، ولا يسع المطلع عليها إلا أن تروي عنه أخبارها وأنباؤها، ومسني من رق نعمتها، وحق محبتها وواجب خدمتها، ما يجب علي به إبداء ما حققت من حسناتها، ورواية ما علمت من محاسن صفاتها. رأيت أن أختصر من ذلك على ما أملاه علي العيان، أو الخبر الذي يقارب مظنونه درجة الإيقان، وذلك جزء من كل، وقل من جل، ليستدل بالقليل على الكثير، وبالشعاع على المستطيل بعد المستطير، وسميت هذا المختصر من تاريخها: النوادر السلطانية، والمحاسن اليوسفية.
стр. 3
وجعلته قسمين أحدهما في مولده ﵀ ومنشئه وخصائصه وأوصافه وأخلاقه المرضية، وشمائله الراجحة في نظر الشرع الوفية، والقسم الثاني في تقلبات الأحوال به ووقائعه وفتوحه، وتواريخ ذلك أيام حياته قدس الله روحه، والله المستعان في الصيانة عن هفوات اللسان والقلم، وجريان الخاطر بما فيه مزلة القدم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 4
القسم الأول
في ذكر مولده وخصائصه وأوصافه وشمائله وخلاله
стр. 5
كان مولده ﵀ على ما بلغنا من ألسنة الثقات الذين تتبعوه حتى بنوا عليه تسيير مولده على ما تقتضيه صناعة التنجيم في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة وذلك بقلعة تكريت، وكان والده أيوب بن شاذي رحمه الله تعالى والياً بها وكان كريماً أريحياً حليماً حسن الأخلاق مولده ببدوين ثم اتفق له الانتقال من تكريت إلى الموصل المحروسة وانتقل ولده المذكور معه وأقام بها إلى أن ترعرع وكان والده محترماً هو وأخوه أسد الدين شيركوه عند أتابك زنكي واتفق لوالده الانتقال إلى الشام وأعطي بعلبك وأقام بها مدة فنقل ولده المذكور إلى بعلبك المحروسة وأقام بها في خدمة والده يتربى تحت حجره ويرتضع ثدي
стр. 6
محاسن أخلاقه حتى بدت منه أمارات السعادة، ولاحت عليه لوائح التقدم والسيادة، فقدمه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى وعول عليه ونظر إليه وقربه وخصصه، ولم يزل كلما تقدم قدماً تبدو منه أسباب تقتضي تقديمه إلى ما هو أعلى منه حتى بدا لعمه أسد الدين ﵀ الحركة إلى مصر المحروسة وذهابه إليها. وسيأتي بيان ذلك مفصلاً مبيناً إن شاء الله تعالى.
стр. 7
ذكر ما شاهدناه من مواظبته على القواعد الدينية
وملاحظته للأمور الشرعية
ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام. وكان رحمة الله عليه حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء وفهم من ذلك ما يحتاج إلى تفهمه بحيث كان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسناً وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة عقيدته عن كدر التشبيه. غير مارق سهم النظر إلى التعطيل والتمويه جارية على نمط الاستقامة موافقة لقانون النظر الصحيح مرضية عند أكابر العلماء، وكان قد جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. وكان شدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يلقونها من حفظهم بين يديه.
стр. 8
وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة حتى أنه ذكر يوماً أن له سنين ما صلي إلا جماعة. وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنين الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح ولم يكن يترك الصلاة ما دام عقله عليه. ولقد رأيته قدس الله روحه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائماً وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه. وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى.
وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال فإنه ملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئاً من أنواع الأملاك.
стр. 9
وأما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام وشرع ﵀ في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها وقد واظب على الصوم مدة حتى بقيت عليه فوائت رمضانين شغلته الأمراض وملازمة الجهاد عن قضائها ومع كون الصوم لا يوافق مزاجه ألهمه الله تعالى الصوم وأقدره على ما قضاه من تلك الفوائت فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها لأن القاضي كان غائباً وكان الطبيب يلوم وهو لا يسمع ويقول لا أعلم ما يكون فكأنه كان ملهماً ما يراد به رحمه الله تعالى.
وأما الحج فإنه كان لم يزل عازماً عليه وناوياً له سيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى وهذا شيء اشترك في العلم به الخاص والعام.
стр. 10
وكان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالماً بعلم القرآن العظيم متقناً لحفظه. وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وجعل له حظاً من خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأ من مزرعة.
وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان ﵀ شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالاً له. وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة.
стр. 11
وكان رحمه الله تعالى يحب أن يقرأ الحديث بنفسه وكان يستحضرني في خلوته ويحضر شيئاً من كتب الحديث ويقرؤها هو فإذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ودمعت عينه.
وكان رحمة الله عليه كثير التعظيم لشعائر الدين يقول ببعث الأجسام ونشورها ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار مصدقاً بجميع ما وردت به الشرائع منشرحاً بذلك صدره مبغضاً للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر
стр. 12
أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه أنه كان معانداً للشرائع مبطلاً وكان قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان به فأمره بقتله فطلبه أياماً فقتله.
كان قدس الله روحه حسن الظن بالله كثير الاعتماد عليه عظيم الإنابة إليه. ولقد شاهدت من آثار ذلك ما أحكيه. وذلك أن الفرنج خذلهم الله كانوا نازلين ببيت نوبة وهو موضع قريب من القدس الشريف حرسها الله تعالى بينهما بعض مرحلة وكان السلطان بالقدس وقد أقام يزكاً على العدو محيطاً به وقد سير إليهم الجواسيس والمخبرين فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ومحاصرته وتركيب القنابل عليه واشتدت مخافة المسلمين بسبب ذلك فاستحضر الأمراء وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة وشاورهم في الإقامة بالقدس فأتوا بمجاملة باطنها غير ظاهرها وأصر الجميع على أن لا مصلحة في إقامته بنفسه فإنها مخاطرة بالإسلام وذكروا أنهم يقصدونهم ويخرج هو ﵀ بطائفة من العسكر يكون حول العدو كما كان الحال بعكا ويكون هو ومن معه بصدر منع ميرتهم أو التضييق عليهم ويكونون هم بصدد حفظ البلد والدفع عنه وانفصل مجلس المشورة على ذلك وهو مصر على أن يقيم بنفسه علماً منه أنه إن لم يقم لم يقم أحد فلما انصرف الأمراء إلى بيوتهم جاء من عندهم خبر أنهم لا يقيمون إلا أن يقيم أخوه
стр. 13
الملك العادل أو أحد أولاده حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي يأتمرون بأمره فعلم أن هذه إشارة منهم إلى عدم الإقامة وضاق صدره وتقسم فكره واشتدت فكرته، ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة وكانت ليلة الجمعة من أول الليل إلى أن قارب الصبح وكان الزمان شتاءً وليس معنا ثالث إلا الله تعالى ونحن نقسم أقساماً ونرتب على كل قسم بمقتضاه حتى أخذني الإشفاق عليه والخوف على مزاحه فإنه كان يغلب عليه اليبس فشفعت إليه حتى يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة فقال ﵀ لعلك جاءك النوم ثم نهض فما وصلت إلى بيتي وأخذت لبعض شأني إلا وأذن المؤذن وطلع الصبح وكنت أصلي معه الصبح في معظم الأوقات فدخلت عليه وهو يمر الماء على أطرافه فقال ما أخذني النوم أصلاً فقلت قد علمت فقال من أين فقلت لأني ما نمت وما بقي وقت للنوم ثم اشتغلنا بالصلاة وجلسنا على ما كنا عليه فقلت له قد وقع لي واقع وأظنه مفيداً إن شاء الله تعالى فقال وما هو
стр. 14
فقلت له الإخلاد إلى الله تعالى والإنابة إليه. والاعتماد في كشف الغمة عليه. فقال: وكيف نصنع فقلت اليوم الجمعة يغتسل المولى عند الرواح ويصلي على العادة بالأقصى موضع مسرى النبي ﷺ ويقدم المولى التصدق بشيء خفية على يد من يثق به ويصلي المولى ركعتين بين الآذان والإقامة ويدعو الله في سجوده فقد ورد فيه حديث صحيح وتقول في باطنك: إلهي قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك أنت حسبي ونعم الوكيل. فإن الله أكرم من أن يخيب قصدك ففعل ذلك كله وصليت إلى جانبه على العادة وصلى الركعتين بين الآذان والإقامة ورأيته ساجداً ودموعه تتقاطر على شيبته ثم على سجادته ولا أسمع ما يقول فلم ينقض ذلك اليوم حتى وصلت رقعة من عز الدين جرديك وكان على اليزك يخبر فيها أن الفرنج مختبطون وقد ركب اليوم عسكرهم بأسره إلى الصحراء ووقفوا إلى قائم الظهيرة ثم عادوا إلى خيامهم وفي بكرة السبت جاءت رقعة ثانية تخبر عنهم بمثل ذلك. ووصل في أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا فذهبت الفرنسيسية إلى أنهم لا بد لهم من محاصرة القدس وذهب الأنكتار وأتباعه إلى أنه لا يخاطر بدين النصرانية ويرميهم في الجبل مع عدم المياه فإن السلطان كان قد أفسد جميع ما حول القدس من المياه أنهم خرجوا للمشورة ومن عادتهم
стр. 15
أنهم يتشاورون للحرب على ظهور الخيل وأنهم قد نصوا على عشرة أنفس منهم وحكموهم فأي شيء أشاروا به لا يخالفونهم ولما كانت بكرة الاثنين جاء المبشر يخبر أنهم رحلوا عائدين إلى جهة الرملة فهذا ما شهدته من آثار استنباطه وإخلاده إلى الله تعالى ﵀.
ذكر عدله رحمه الله تعالى
روى أبو بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: الوالي العادل ظل الله في أرضه فمن نصحه في نفسه أو في عباده أظله الله تحت عرشه يوم لا ظل إلا ظله ومن خانه في نفسه أو في عباده خذله الله يوم القيامة، يرفع للوالي العادل في كل يوم عمل ستين صديقاً كلهم عابد مجتهد لنفسه.
ولقد كان ﵀ عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي. وكان يجلس للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً.
стр. 16
على أنه كان في جميع زمانه قابلاً لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ويفتح باب العدل ولم يرد قاصداً للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ولم يرد قاصداً أبداً أو منتحلاً ولا طالب حاجة وهو مع ذلك دائم الذكر والمواظبة على التلاوة رحمة الله عليه. ولقد كان رؤوفاً بالرعية ناصراً للدين مواظباً على تلاوة القرآن العزيز عالماً بما فيه عاملاً به لا يعدوه أبداً رحمة الله عليه. وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته واعتنى بقصته. ولقد رأيته واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم وكان تقي الدين من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده ولكنه لم يحابه في الحق.
стр. 17
وأعظم من هذه الحكاية مما يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر يدعى عمر الخلاطي وذلك أني كنت يوماً في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل على شيخ حسن تاجر معروف يسمى عمر الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه فسألته من خصمك فقال خصمي السلطان وهذا بساط العدل وقد سمعنا أنك لا تحابي أحد قلت وفي أي قضية هو خصمك فقال إن سنقر الخلاطي كان مملوكي ولم يزل على ملكي إلى أن مات وكان في يده أموال عظيمة كلها لي ومات عنها واستولى عليها السلطان وأنا مطالبه بها فقلت له يا شيخ وما أقعدك إلى هذه الغاية فقال الحقوق لا تبطل بالتأخر وهذا الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات
стр. 18
فأخذت الكتاب منه وتصفحت مضمونه فوجدته يتضمن حلية سنقر الخلاطي وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بأرجيش اليوم الفلاني من شهر كذا من سنة كذا وأنه لم يزل في ملكه إلى أن شذ عن يده في سنة كذا وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن ملكه بوجه ما وتم الشرط إلى آخره فتعجبت من هذه القضية وقلت للرجل لا ينبغي سماع هذا بلا وجود الخصم وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده فرضي الرجل بذلك واندفع فلما اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية فاستبعد ذلك استبعاداً عظيماً وقال كنت نظرت في الكتاب فقلت نظرت فيه ورأيته متصل الورود والقبول إلى دمشق وقد كتب عليه كتاب حكمي من دمشق وشهد به على يد قاضي دمشق شهود معروفون فقال مبارك نحن نحضر الرجل ونحاكمه ونعمل في القضية ما يقضيه الشرع. ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة فقلت له
стр. 19
هذا الخصم يتردد ولا بد أن نسمع دعواه فقال أقم عني وكيلا يسمع الدعوى ثم يقيم الشهود شهادتهم وأخر فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل ها هنا ففعلت ذلك ثم أحضر الرجل واستدناه حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه ثم نزل من طراحته حتى ساواه وقال إن كان لك دعوى فاذكرها فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح أولاً فأجابه السلطان أن سنقر هذا كان مملوكي ولم يزل على ملكي حتى أعتقته وتوفي وخلف ما خلفه لورثته فقال الرجل لي بينة تشهد بما ادعيته ثم سأل فتح كتابه ففتحه فوجدته كما شرحه فلما سمع السلطان التاريخ قال عندي من يشهد أن سنقر هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر وأني اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن أعتقته ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء والمجاهدين فشهدوا بذلك وذكروا القصة كما ذكرها والتاريخ كما ادعاه فأبأس الرجل فقلت له يا مولاي هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلباً لمراحم السلطان وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن أن يرجع خائباً للقصد فقال
стр. 20
هذا باب آخر وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة قد شذ عني مقدارها. فانظر إلى ما في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة والتواضع والانقياد إلى الحق وإرغام النفس والكرم في موضع المؤاخذة مع القدرة التامة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
стр. 21
ذكر طرف من كرمه ﵀
قال ﷺ إذا عثر الكريم فإن الله آخذ بيده وفي الكرم أحاديث، وكرمه قدس الله روحه كان أظهر من أن يسطر، وأشهر من أن يذكر لكن نبهت عليه جملة، وذلك أنه ملك ما ملك ومات ولم يوجد في خزانته من الفضة إلا سبعة وأربعون درهماً ناصرية ومن الذهب إلا جرم واحد صوري ما علمت وزنه وكان ﵀ يهب الأقاليم وفتح آمد وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياه.
ورأيته قد اجتمع عنده جمع من الوفود بالقدس الشريف وكان قد
стр. 22
عزم على التوجه إلى دمشق ولم يكن في الخزانة ما يعطى للوفود فلم أزل أخاطبه في معناهم حتى باع أشياء من بيت المال وفضضنا ثمنها عليهم ولم يفضل منه درهم واحد.
وكان ﵀ يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة. وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال حذراً أن يفاجئهم معهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه وسمعته يقول في معرض حديث جرى: يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب فكأنه بذلك أراد نفسه رحمه الله تعالى.
وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول أعطينا لفلان.
وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئاً. وكان ﵀ يعطي ويكرم أكثر مما يعطى وكان قد عرفه الناس فكانوا يستزيدونه في كل وقت وما سمعته قط يقول قد زدت مراراً فكم أزيد.
وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على لساني ويدي وكنت أخجل منه من كثرة ما يطلبون ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك وما خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره.
стр. 23
وأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فلا تطمع فيها حقيقة أصلاً وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي قد تجاربنا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا فكان عشرة آلاف فرس. ومن شاهد مواهبه يستقل هذا القدر. اللهم إنك ألهمته الكرم وأنت أكرم منه فتكرم عليه برحمتك ورضوانك يا أرحم الراحمين.
стр. 24
ذكر شجاعته قدس الله روحه
روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية.
ولقد كان رحمه الله تعالى من عظماء الشجعان قوي النفس شديد البأس عظيم الثبات لا يهوله أمر ولقد رأيته يعطي دستوراً في أوائل الشتاء ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عددهم الكثير وقد سألت باليان بن بارزان وهو من كبار ملوك الساحل وهو جالس بين يديه ﵀ يوم انعقاد الصلح عن عدتهم فقال الترجمال عنه أنه يقول كنت أنا وصاحب صيدا وكان أيضاً من ملوكهم وعقلائهم قاصدين عسكرنا من صور فلما أشرفنا عليه تحازرناه فحزرهم هو خمس مائة ألف
стр. 25
وحزرتهم أنا بستمائة ألف أو قال عكس ذلك قلت فكم هلك منهم فقال أما بالقتل فقريب من مائة ألف وأما بالموت والغرق فلا نعلم وما رجع من هذا العالم إلا الأقل.
وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين إذا كنا قريباً منهم. ولقد وصل في ليلة واحدة منهم نيف وسبعون مركباً على عكا وأنا أعدها من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس.
وكان رحمه الله تعالى إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبي واحد على يده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ويرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها. وكان يشارف العدو ويجاوره ﵀. ولقد قرئ عليه جزآن من الحديث بين الصفين وذلك أني قلت له قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة ولم ينقل أنه سمع بين الصفين فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسناً فأذن في ذلك فأحضر جزءه كما أحضر من له به سماع فقرأ عليه ونحن على ظهور الدواب بين الصفين نمشي تارة ونقف أخرى.
وما رأيته استكثر العدو أصلاً ولا استعظم أمرهم قط وكان مع ذلك في حال التفكر والتدبير تذكر بين يديه الأقسام كلها ويرتب على كل قسم بمقتضاه من غبر حدة ولا غضب يعتريه. ولقد انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكؤس والعلم وهو ﵁ ثابت القدم في نفر
стр. 26
يسير حتى انحاز إلى الجبل بجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم يزل كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل ﵀ مصابراً لهم وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف والهلاك كان فيهم أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة ونحن لا نتوقعها وكانت المصلحة في الصلح وظهر ذلك لما أبدت الأقضية الإلهية والأقدار ما في مكنونها. وكان ﵀ يمرض ويصح وتعتريه أحوال مهولة وهو مصابر مرابط وتتراءى الناران ونسمع منهم صوت الناقوس ويسمعون منا صوت الأذان إلى أن انقضت الوقعة على أحسن حال وأيسره قدس الله روحه ونور ضريحه.
стр. 27
ذكر اهتمامه بأمر الجهاد
قال الله تعالى::والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " ونصوص الجهاد كثيرة. ولقد كان ﵀ شديد المواظبة عليه عظيم الاهتمام به ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد خروجه إلى الجهاد ديناراً ولا درهماً إلا في الجهاد أو في الأرفاد لصدق وبر في يمينه.
ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءً عظيماً بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا كان له اهتمام إلا برجاله ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه. ولقد هجر في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر بلاده وقنع من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تهب بها الرياح ميمنة وميسرة. ولقد وقعت عليه الخيمة في ليلة ريحية على مرج عكا فلو لم يكن في البرج لقتلته ولا يزيده ذلك إلا رغبة ومصابرة واهتماماً.
стр. 28
وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد وأنا ممن جمع له فيه كتاباً جمعت فيه آدابه وكل آية وردت فيه وكل حديث روي في فضله وشرحت غريبها.
وكان ﵀ كثيراً ما يطالعه حتى أخذه منه ولده الملك الأفضل عز نصره ولأحكينّ عنه ما سمعته منه وذلك أنه كان قد أخذ كوكب في ذي القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة وأعطى العسكر دستوراً وأخذ عسكر مصر في العود إلى مصر وكان مقدمها أخاه الملك العادل عز نصره فسار معه ليودعه ويحظى بصلاة العيد في القدس الشريف حرسه الله تعالى وسرنا في خدمته. ولما صلى العيد في القدس وقع له أن يمضي إلى عسقلان ويودعهم بعسقلان ثم يعود على طريق الساحل يتفقد البلاد الساحلية إلى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا عليه أن يفعل فإن العساكر إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور وهذه مخاطرة عظيمة فلم يلتفت ﵀ وودع أخاه والعسكر بعسقلان ثم سرنا في خدمته إلى الساحل طالبي عكا. وكان الزمان شتاء والبحر هائجاً شديداً وموجه كالجبال كما قال تعالى وكنت حديث عهد برؤية البحر فعظم أمر البحر عندي حتى خيل لي أني
стр. 29
لو قال لي إن جزت في البحر ميلاً واحداً ملكتك الدنيا لما كنت أفعل واستسخفت رأي من ركب البحر رجاء دينار أو درهم واستحسنت رأي من لا يقبل شهادة راكب بحر هذا كله خطر لي لعظم الهول الذي شاهدته من حركة البحر فبينا أنا في ذلك إذ التفت إلي ﵀. وقال أما أحكي لك شيئاً في نفسي أنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائره واتبعتهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت فعظم وقع هذا الكلام عندي حيث ناقض ما كان خطر لي وقلت له ليس في الأرض أشجع نفساً من المولى ولا أقوى منه نية في نصرة دين الله تعالى فقال فكيف فقلت أما الشجاعة فلأن مولانا ما يهوله أمر هذا البحر وهوله. وأما نصرة دين الله فهو أن المولى ما يقنع بقلع أعداء الله من موضع مخصوص في الأرض حتى تطهر جميع الأرض منهم
стр. 30
واستأذنت أن أحكي له ما كان خطر لي فحكيت له ثم قلت ما هذه إلا نية جميلة ولكن المولى يسير في البحر العساكر وهو سور الإسلام ومنعته فلا ينبغي له أن يخاطر بنفسه فقال أنا أستفتيك ما أشرف الميتتين فقلت الموت في سبيل الله فقال غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتتين فانظر إلى هذه الطوية ما أطهرها وإلى هذه النفس ما أشجعها وأجرأها رحمة الله عليه. اللهم إنك تعلم أنه بذل جهده في نصرة دينك وجاهد رجاء رحمتك فارحمه.
стр. 31
صبره واحتسابه رحمة الله عليه
قال الله : " ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ". ولقد رأيته ﵀ بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما يكون منكباً على جانبه إن كان بالخيمة وامتنع من مد الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس وكان يأمر أن يفرق على الناس وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلباً تعبية القتال وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابراً على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل وهذه عناية ربانية.
стр. 32
ولقد مرض ﵀ ونحن على الخرنوبة وكان قد تأخر عن تل الحجل بسبب مرضه فبلغ الإفرنج فخرجوا طمعاً في أن ينالوا شيئاً من المسلمين وهي نوبة النهر فخرجوا في مرحلة الآبار التي تحت التل فأمر ﵀ بالثقل حتى يتجهز بالرحيل والتأخر عن جهة الناصرة. وكان عماد الدين صاحب سنجار متمرضاً أيضاً فأذن له أن يتأخر مع الثقل وأقام هو ثم رحل العدو في اليوم الثاني بطلبنا فركب على مضض ورتب العسكر للقاء القوم تعبية الحرب وجعل طرف الميمنة الملك العادل وطرف الميسرة تقي الدين وجعل ولده الملك الظاهر والملك الأفضل عز نصرهما في القلب ونزل هو وراء القوم يطلبهم وأول ما نزل من التل أحضر بين يديه أفرنجي قد أسر من القوم فأمر بضرب عنقه بين يديه بعد عرض الإسلام عليه وإبائه عنه وكلما سار العدو يطلب رأس النهر سار هو مستديراً إلى ورائهم حتى يقطع بينهم وبين خيامهم وهو يسير ساعة ثم ينزل يستريح ويتظلل بمنديل على رأسه من شدة وقع الشمس ولا ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو ضعفاً ولم يزل كذلك حتى نزل العدو برأس النهر ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم إلى أن دخل الليل ثم أمر العساكر المنصورة إن عادت إلى محل المصابرة وأن يبيتوا تحت السلاح وتأخر هو ونحن في خدمته إلى قمة الجبل فضربت له خيمة لطيفة وبتنا تلك الليلة أجمع أنا والطبيب نمرضه ونشاغله وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى حتى لاح الصباح ثم ضرب البوق وركب هو وركبت العساكر وأحدقت بالعدو ورحل العدو عائداً إلى
стр. 33
خيامهم من الجانب الغربي من النهر وضايقهم المسلمون في ذلك اليوم مضايقة شنيعة وفي ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتساباً وجميع من حضر منهم ولم يزل يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب وعارض الجيش والغلمان بأيديهم الأعلام والبيارق لا غير فيظن الرائي لها عن بعد أن تحتها خلقاً عظيماً ولم يزل العدو سائراً والقتل يعمل فيهم وكلما قتل منهم شخص دفنوه وكلما جرح منهم رجل حملوه حتى لا يبقى بعدهم من يعلم قتله وجرحه وهم سائرون ونحن نشاهدهم حتى اشتد بهم الأمر ونزلوا عند الجسر وكان الإفرنج متى نزلوا إلى الأرض آيس المسلمون من بلوغ غرض منهم لأنهم يجتمعون في حالة النزول جماعة عظيمة وبقي ﵀ في موضعه العساكر على ظهور الخيل قبالة العدو إلى آخر النهار ثم أمرهم أن يبيتوا على مثل ما باتوا عليه بارحتهم وعدنا إلى منزلنا في الليلة الماضية وعاد العسكر في الصباح إلى ما كان عليه بالأمس من مضايقة العدو ورحل العدو وسار على ما مضى من القتل والقتال حتى دنا إلى خيامه وخرج إليه منها من أنجده حتى وصلوا إلى خيامهم.
فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل. اللهم إنك ألهمته الصبر والاحتساب ووفقته فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين.
стр. 34
ولقد رأيته رحمه الله تعالى وقد جاءه خبر وفاة ولد له بالغ يسمى إسماعيل فوقف على الكتاب ولم يعرف أحداً ولم نعرف حتى سمعناه من غيره ولم يظهر عليه شيء من ذلك سوى أنه لما قرأ الكتاب دمعت عينه.
ولقد رأيته ليلة على صفد وهو يحاصرها وقد قال لا ننام الليلة حتى تنصب لنا خمس مناجيق ورتب لكل منجنيق قوماً يتولون نصبه وكنا طول الليل في خدمته قدس الله روحه في ألذ مفاكهة وأرغد عيش والرسل تتواصل تخبره بأن قد نصب من المنجنيق الفلاني كذا ومن المنجنيق الفلاني كذا حتى أتى الصباح وقد فرغ منها ولم يبق إلا تركيب خنازيرها عليها وكانت من أطول الليالي وأشدها برداً ومطراً.
стр. 35
ورأيته وقد وصل إليه خبر وفاة تقي الدين ابن أخيه ونحن في مقابلة الإفرنج جريدة على الرملة وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير فأحضر الملك العادل وعلم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين وأمر بالناس فطردوا من قريب الخيمة بحيث لم يبق حولها أحد زيادة عن غلوة سهم ثم أظهر الكتاب ووقف عليه وبكى بكاءً شديداً حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب ثم قال ﵀ والعبرة تحنقه توفي تقي الدين فاشتد بكاؤه وبكاء الجماعة ثم عدت إلى نفسي فقلت استغفروا الله تعالى من هذه الحالة وانظروا أين وفيم أنتم وأعرضوا عما سواه فقال ﵀ نعم أستغفر الله وأخذ يكررها ثم قال لا يعلم أحد واستدعى بشيء من الماورد فغسل عينيه ثم أشخص الطعام وحضر الناس ولم يعلم بذلك أحد حتى عاد العدو إلى يافا وعدنا نحن إلى النطرون وهو مقر ثقلنا.
وكان ﵀ شديد الشغف والشفقة بأولاده الصغار وهو صابر على مفارقتهم راض ببعدهم وكان صابراً على مر العيش وخشونته مع القدرة التامة على غير ذلك احتساباً لله تعالى. اللهم إن ترك ذلك ابتغاء مرضاتك فارض عنه وارحمه.
стр. 36
ذكر نبذ من حلمه وعفوه ﵀
قال الله : " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ". لقد كان متجاوزاً قليل الغضب ولقد كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الإفرنج إلى عكا يسر الله فتحها وكان من عادته أن يركب في وقت الركوب ثم ينزل فيمد الطعام ويأكل مع الناس ثم ينهض إلى خيمة خاصة له ينام فيها ثم يستيقظ من منامه ويصلي ويجلس خلوة وأنا في خدمته نقرأ شيئاً من الحديث أو شيئاً من الفقه، ولقد قرأ علي كتاباً مختصراً تصنيف الرازي يشتمل على الأرباع الأربعة من الفقه ونزل يوماً على عادته ومد الطعام بين يديه ثم عزم على النهوض فقيل له أن وقت الصلاة قد قرب فعاد إلى الجلوس وقال نصلي وننام ثم جلس يتحدث حديث متضجر وقد أخلا المكان إلا ممن لزم فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين فقال هل أنا الآن ضجران أخرها ساعة فلم يفعل وقدم القصة إلى قريب من وجهه الكريم بيده وفتحها بحيث يقرأها فوقف على الاسم المكتوب في رأسها فعرفه فقال رجل مستحق فقال يوقع المولى له فقال ليست الدواة حاضرة الآن
стр. 37
وكان ﵀ جالساً في باب الخركاه بحيث لا يستطيع أحد الدخول إليها والدواة في صدرها والخركاه كبيرة فقال له المخاطب هذه الدواة في صدر الخركاه وليس لهذا معنى إلا أمره إياه بإحضار الدواة لا غير فالتفت ﵀ فرأى الدواة فقال والله لقد صدق ثم امتد على يده اليسرى ومد يده اليمنى فأحضرها ووقع له فقلت قال الله تعالى في حق نبيه ﷺ وإنك لعلى خلق عظيم. وما أرى المولى إلا قد شاركه في هذا الخلق فقال ما ضرنا شيئاً قضينا حاجته وحصل الثواب ولو وقعت هذه المواقعة لآحاد الناس وأفرادهم لقام وقعد ومن الذي يقدر أن يخاطب أحداً هو تحت حكمه بمثل ذلك وهذا غاية الإحسان والحلم والله لا يضيع أجر المحسنين.
ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص وهو لا يتأثر لذلك ولقد نفرت يوماً بلغتي من الجمال وأنا راكب في خدمته فزحمت وركه حتى آلمته وهو يتبسم ﵀. ولقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس الشريف وهو كثير الوحل فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أتلفت جميع ما كان عليه وهو يتبسم وأردت التأخر عنه بسبب ذلك فما تركني.
стр. 38
ولقد كان يسمع من المستغيثين والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع ويلقى ذلك بالنشر والقبول. وهذه حكاية يندر أن يسطر وذلك أنه كان قد اتجه أخو ملك الإفرنج خذلهم الله إلى يافا فإن العسكر كان قد رحل عنهم وبعد وتراجع إلى النطرون وهو مكان بينه وبين يافا للعسكر مرحلتان للمجدّ وثلاث معتادة وجمع ﵀ العسكر ومضى إلى قيسارية يلتقي نجدتهم عساه يبلغ منهم غرضاً وعلم الإفرنج الذين كانوا بيافا ذلك وكان بها الأنكتار ومعه جماعة فجهز معظم من كان عنده في المراكب إلى قيسارية خشية على النجدة أن يتم عليها أمر وبقى الأنكتار في نفر يسير لعلمهم ببعده ﵀ عنهم وبعد العسكر، ولما وصل ﵀ إلى قيسارية ورأى النجدة قد وصلت إلى البلد واحتمت به وعلم أنه لا ينال منهم غرضه سرى من ليلته في أول الليل إلى آخره حتى أتى يافا صباحاً والأنكتار في سبعة عشر فارساً وثلاثمائة راجل نازلاً خارج البلد في خيمة له فصبحه العسكر صباحاً فركب الملعون وكان شجاعاً باسلاً صاحب رأي في الحرب وثبت بين يدي العسكر ولم يدخل البلد فاستدار العسكر الإسلامي بهم إلا من جهة البحر وتعبى العسكر تعبية القتال وأمر السلطان العسكر بالحملة انتهازاً للفرصة فأجابه بعض الأكراد بكلام فيه خشونة تعتب لعدم التوفير في إقطاعه فعطف ﵀ عنان فرسه كالمغضب لعلمه أنهم
стр. 39
لا يعملون في ذلك اليوم شيئاً وتركهم وانصرف راجعاً وأمر بخيمته التي كانت منصوبة أن قلعت وانفضوا متيقنين أن السلطان في ذلك اليوم ربما صلب جماعة، ولقد حكى لي ولده الملك الظاهر أعز الله أنصاره أنه خاف منه في ذلك اليوم حتى أنه لم يتجاسر أن يقع في عينيه مع أنه حمل في ذلك اليوم وأوغل ولم يزل سائراً حتى نزل بسازور وما من الأمراء إلا من يرعد خفية ومن يعتقد أنه مأخوذ مسخوط عليه قال ولم تحدثني نفسي بالدخول عليه خفية منه حتى استدعاني قال فدخلت عليه وقد وصله من دمشق المحروسة فاكهة كثيرة فقال اطلبوا الأمراء حتى يأكلوا شيئاً قال فسرى عني ما كنت أجده وطلبت الأمراء فحضروا وهم خائفون فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الطمأنينة والأمن والسرور وانصرفوا على عزم الرحيل كأن لم يجر شيء أصلاً فانظر إلى هذا الحلم الذي لا يتأتى في مثل هذا الزمان ولا يحكى عمن تقدم من أمثاله رحمة الله عليه.
стр. 40
ذكر محافظته على أسباب المروءة
قال النبي ﷺ : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. وكان ﷺ إذا صافحه الرجل لا يترك يده حتى يكون الرجل هو التارك الذي يبدأ بذلك. ولقد كان السلطان كثير المروءة ندي اليد كثير الحياء مبسوط الوجه لمن يرد عليه من الضيوف حتى يطعم لا يرى أن يفارقه الضيف حتى يطعم عنده ولا يخاطبه بشيء إلا وينجزه وكان يكرم الوافد عليه وإن كان كافراً. ولقد وفد عليه البرنس صاحب إنطاكية فما أحس به إلا وهو واقف على باب خيمته بعد وقوع الصلح في شهر شوال سنة ثمان وثمانين وخمس مائة عند منصرفه من القدس إلى دمشق عرض له في الطريق وطلب منه شيئاً فأعطاه العمق وهي بلاد كان أخذها منه عام فتح الساحل وهو سنة أربع وثمانين.
ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب صيدا بالناصرة فاحترمه وأكرمه وأكل معه الطعام ومع ذلك عرض عليه الإسلام فذكر له طرفاً من محاسنه وحثه عليه.
وكان يكرم من يرد عليه من المشايخ وأرباب العلم والفضل وذوي الأقدار وكان يوصينا بأن لا نغفل عمن يجتاز بالخيم من المشايخ المعروفين حتى يحضرهم عنده وينالهم من إحسانه.
следующие страницы →