← История

История · id 12716

النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية = سيرة صلاح الدين الأيوبي

بهاء الدين ابن شداد

Полный текст (389 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في عزيمته فاجتمع رأيهم على أنهم يخرجون إلى العدو فارسهم وراجلهم على غرة وغفلة منهم ففعلوا ذلك وفتحت الأبواب وخرجوا دفعة واحدة من كل جانب ولم يشعر العدو إلا والسيف فيهم حاكم عادل، وسهم قدر الله وقضائه فيهم نافذ نازل، وهجم الإسلام على الكفر في منازله، وأخذ بناصية مناضله ورأس مقاتلة، ولما ولج المسلمون لخيام العدو ذهلوا عن المنجنيقات وحياطتها وحراستها. وحفظها وسياستها. فوصلت شهب الزراقين المقذوفة. وجاءت عوائد الله في نصرة دينه المألوفة. فلم تكن ساعة حتى اضطرمت فيها النيران. وتحرقت منها بيدها ما شيدها الأعداء في المدة الطويلة في أقرب آن. وقتل من العدو سبعون فارساً وأسر خلق عظيم وكان من جملة الأسرى رجل مذكور منهم ظفر به واحد من آحاد الناس ولم يعلم بمكانته. ولما انفصل الحرب سأل الإفرنج عنه هل هو حي أم لا فعرف الذي هو عنده عند سؤالهم أنه رجل كبير فيهم وخاف أن يغلب عليه ويرد بنوع مصانعة أو على وجه من الوجوه فسارع وقتله وبذل الإفرنج فيه أموالاً كثيرة ولم يزالوا يشتدون في طلبه ويحرصون عليه حتى ريئت لهم جثته فضربوا بنفوسهم الأرض وحثوا على رؤوسهم التراب ووقعت عليهم بسبب ذلك خمدة عظيمة وكتموا أمره ولم يظهروا من كان واستصغر المسلمون بعد ذلك أمرهم وهجم عليهم العرب من كل جانب يسرقون وينهبون ويقتلون ويأسرون إلى ليلة نصف شعبان وكان الكندهري قد أنفق على منجنيق كبير عظيم الشكل على ما نقل الجواسيس والمستأمنون ألفاً وخمسمائة دينار وأعده ليقدمه إلى البلد ومنع من حريقه في ذلك اليوم كونه بعيداً عن البلد لم يقدم بعد إليه. ولما كانت الليلة المباركة المذكورة خرج الزراقون والمقاتلة تحفظهم من كل جانب والله يكلأهم فساروا من تحت ستر الله حتى أتوا المنجنيق المذكور وأضرموا فيه النار فاحترق من ساعته ووقع الصياح من الطائفتين وذهل العدو فإنه كان بعيداً من البلد وخافوا أن يكونوا قد أحيط بهم من الجوانب وكان نصراً من عند الله وأحرق بلهيبه منجنيقاً لطيفاً إلى جانبه.

стр. 177

ذكر الحيلة وإدخال عكا بطسة عمرها وأودعها أربعمائة غرارة من القمح ووضع فيها الجبن والبصل والغنم وغير ذلك من الميرة وكان الإفرنج خذلهم الله قد أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لها من أن يدخلها مراكب المسلمين وكانت قد اشتدت حاجة من فيها إلى الطعام والميرة فركب في بطسة بيروت جماعة من المسلمين وتزيوا بزي الإفرنج حتى حلقوا لحاهم ووضعوا الخنازير على سطح البطسة بحيث ترى من بعد وعلقوا الصلبان وجاءوا قاصدين البلد من البعد حتى خالطوا مراكب العدو فخرجوا إليهم واعترضوهم في الحراقات والشواني وقالوا لهم نراكم قاصدين البلد واعتقدوا أنهم منهم فقالوا أولم تكونوا قد أخذتم البلد فقالوا لم نأخذ البلد بعد فقالوا نحن نرد القلوع إلى العسكر وقد أتي بطسة أخرى في هوائنا فأنذروهم حتى يدخلوا البلد وكان وراءهم بطسة إفرنجية قد اتفقت معهم في البحر قاصدة العسكر فنظروا فرأوها فقصدوها ينذرونها فاشتدت البطسة الإسلامية في السير واستقامت لها الريح حتى دخلت ميناء البلد وسلبت ولله الحمد. وكان فرحاً عظيماً فإن الحاجة كانت قد أخذت من أهل البلد وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب. ذكر قصة العوام عيسى ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها أن عواماً مسلماً يقال له عيسى وصل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلاً على غرة من

стр. 178

العدو وكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو وكان ذات ليلة شد على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار وكتب للعسكر وعام في البحر فجرى عليه أمر أهلكه وأبطأ خبره عنا. وكانت عادته إذا دخل البلد أطار طيراً عرفنا بوصوله فأبطأ الطير فاستشعرنا هلاكه. ولما كان بعد أيام بينا الناس على طرف البحر في البلد إذا هو قد قذف شيئاً غريقاً فتفقدوه فوجدوه عيسى العوام ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب وكان الذهب نفقة للمجاهدين فما رؤي من أدى الأمانة في حال حياته وقد ردها في مماته إلا هذا الرجل وكان ذلك في العشر الأواخر من رجب أيضاً. ذكر حريق المنجنيقات وذلك أن العدو كان نصب على البلد منجنيقات هائلة حاكمة على السور وإن حجارتها تواترت حتى أثرت في السور أثراً بيناً وخيف من غائلاتها فأخذ سهمان من سهام الجرخ العظيم فأحرق نصلاهما حتى بقيا كالشعلة من النار ثم رميا في المنجنيق الواحد فعلقا فيه واجتهد العدو في إطفائهما فلم يقدر على ذلك وهبت ريح شديدة فاشتعل اشتعالاً عظيماً واتصلت لهبته بالآخر فأحرقته واشتد ناراهما بحيث لم يقدر أحد أن يقرب من مكانهما ليحتال في إطفائهما وكان يوماً عظيماً اشتد فيه فرح المسلمين وساءت عاقبة الكافرين. ذكر تمام حديث ملك الألمان

стр. 179

والحيلة التي عملها المركيس ولما استقر قدم ملك الألمان في أنطاكية أخذها من صاحبها وحكم فيها، وكان بين يديه فيها ينفذ أوامره، فأخذها منه غيلة وخديعة وأودعها خزائنه وسار عنها في الخامس والعشرين من رجب متوجها نحو عكا في جيوشه وجموعه على طريق اللاذقية حتى إلى طرابلس، وكان قد سار إليه من معسكر الإفرنج يلتقيه المركيس صاحب صور، وكان من أعظمهم حيلة وأشدهم بأساً، وهو الأصل في تهييج الجموع من وراء البحر. وذلك أنه صوّر القدس في ورقة، وصوّر فيه صورة القمامة التي يحجون إليها ويعظمون شأنها وفيه قبة قبر المسيح الذي دفن فيه بعد صلبه بزعمهم، وذلك القبر هو أصل حجهم، وهو الذي يعتقدون نزول النور عليه في كل سنة في كل عيد من أعيادهم، وصوّر على القبر فرساً عليه فارس مسلم راكب عليه وقد وطئ قبر المسيح وبال الفرس على القبر وأبدى هذه الصورة وراء البحر في الأسواق والمجامع والقسوس يحملونها ورؤوسهم مكشوفة وعليهم المسوح وينادون بالويل والثبور، وللصور عمل في قلوبهم، فإنها أصل دينهم، فهاج بذلك خلق لا يحصي عددهم إلا الله، وكان من جملتهم ملك الألمان وجنوده فلقيهم المركيس لكونه أصلا في استدعائهم إلى هذه الواقعة، فلما اتصل به قوى قلبه ونصره بالطرق وسلك به الساحل خوفاً من أنه إذا أتى على بلاد حلب وحماة ثار لهم المسلمون

стр. 180

من كل جانب وقامت عليهم كلمة الحق من كل صوب. ومع ذلك لم يسلموا من شن الغارات عليهم فإن الملك المظفر قصدهم بعساكره وجمع لهم جموعاً وهجم عليهم هجوماً عظيماً أخذ فيه من أطراف عساكره، وكان قد لحقهم بأوائل عسكره، ولو لحقهم الملك الظاهر بعساكره لقضى عليهم، ولن لكل أجل كتاب، واختلف حزر الناس لهم. ولقد وقفت على كتب بعض المخبرين بالحرب فقد حرز فارسهم وراجلهم بخمسة آلاف بعد أن كانوا قد خرجوا على ما ذكر، فانظر إلى صنع الله مع أعدائه. ولقد وقفت على بعض الكتب فذكر فيه أنهم لما ساروا من اللاذقية يريدون جبلة وجدوا في أعقابهم نيفاً وستين فرساً قد عطبت وانتزع لحمها ولم يبق فيها إلا العظام من شدة الجوع، ولم يزالوا سائرين وأيدي المسلمين تخطفهم من حولهم نهباً وقتلاً وأسرا، حتى أتوا طرابلس، ووصل خبر وصوله بكرة الثلاثاء ثامن شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة. هذا والسلطان ثابت الجأش راسخ القدم لا يرده ذلك عن حراسة عكا والحماية لها ومراصدة العسكر النازل بها وشن الغارات عليها والهجوم عليهم في كل وقت، مفوضا أمره إلى الله معتمداً عليه منبسط الوجه لقضاء حوائج الناس مواصلاً يسره من يفد إليه من الفقراء والفقهاء والمشايخ والأدباء. ولقد كنت إذا بلغني هذا الخبر تأثرت حتى دخلت عليه وأجد منه من قوة الله وشدة البأس ما يشرح صدري وأتيقن معه نصرة الإسلام وأهله. ذكر وصول البطس من مصر ولما كان العشر الأوسط من شعبان

стр. 181

كتب بهاء الدين قراقواش وهو والي البلد والمقدم على الأسطول والحاجب لؤلؤ يذكران السلطان أنه لم يبق بالبلدة ميرة إلا قدر يكفي إلى ليلة النصف من شعبان لا غير، فأسرّها يوسف في نفسه ولم يبدها لخاص ولا لعام خشية الشيوع والبلوغ إلى العدو فتضعف به قلوب المسلمين، وكان قد كتب إلى مصر بتجهيز ثلاث بطس مشحونة بالأقوات والأدم والمير وجميع ما يحتاج إليه في الحصار بحيث يكفيهم ذلك طول الشتاء، وأقلعت البطس الثلاث من الديار المصرية ولججت في البحر تتوقى النوتية بها الريح حتى ساروا بالريح التي تحملها إلى نحو عكا، ولم يزالوا كذلك حتى وصلوا إلى عكا ليلة النصف من شعبان المذكور وقد فني الزاد، ولم يبق عندهم ما يطعمون الناس في ذلك اليوم، وخرج عليها أسطول العدو يقاتلها، والعساكر الإسلامية تشهد ذلك من الساحل، والناس في تهليل وتكبير، وقد كشف المسلمون رؤوسهم يبتهلون إلى الله تعالى في القضاء بتسليمها إلى البلد والسلطان على الساحل كالوالدة الثكلى، يشاهد القتال ويدعو ربه بنصره، وقد علم من شدة القوم ما لم يعلمه غيره وفي قلبه ما في قلبه، والله يثبته، ولم يزل القتال يعمل حول البطس من كل جانب والله يدفع عنها والريح يشتد والأصوات قد ارتفعت من الطائفتين والدعاء يخرق الحجب حتى وصلوا سالمين إلى ميناء البلد وتلقاهم أهل عكا تلقي الأمطار عن جدب، وامتاروا ما فيها، وكانت ليلة بليال. ذكر محاصرة برج الذباب ولما كان الثاني والعشرون من شعبان جهز

стр. 182

العدو بطساً متعددة لمحاصرة برج الذباب، وهو برج في وسط البحر مبني على الصخر على باب ميناء يحرس به الميناء، ومتى عبره المراكب أمن غائلة العدو، فأراد العدو أخذه ليبقى الميناء بحكمه ويمنع الدخول إليه بشيء من البطس فتنقطع الميرة عن البلد، فجعلوا على صواري البطس برجاً وملأوه حطباً على أنهم يسيرون البطس، فإذا قاربت برج الذباب ولاصقته أحرقوا البرج الذي على الصاري وألصقوه ببرج الذباب ليلقوه على سطحه ويقتل من عليه من المقاتلة ويأخذوه، وجعلوا في البطسة وقوداً كثيراً حتى يلقى في البرج إذا اشتعلت النار فيه، وعبوا بطسة ثانية وملؤوها حطباً ووقوداً على أنهم يدفعون بها إلى أن تدخل بين البطس الإسلامية ثم يلهبونها فتحرق البطس الإسلامية ويهلك ما فيها من الميرة، وجعلوا في بطسة ثالثة مقاتلة تحت قبو بحيث لا يحصل لهم نشاب ولا شيء من آلات السلاح، حتى إذا أحرقوا ما أرادوا إحراقه دخلوا تحت ذلك القبو فأمنوا وقدموا البطسة نحو البرج المذكور، وكان طمعهم يشتد بحيث كان الهواء مصعدا لهم، فلما أحرقوا البطسة التي أرادوا أن يحرقوا بطس المسلمين بها والبرج الذي أرادوا أن يحرقوا به من على برج الذباب فأوقدوا النار وضربوا فيها النفط انعكس الهواء عليهم، كما شاء الله تعالى وأراد، واشتعلت البطسة التي كان فيها بأسرها، واجتهدوا في إطفائها فما قدروا، وهلك من كان فيها من المقاتلة إلا من شاء الله، واحترقت البطسة التي كانت معدّة لإحراق بطسنا، ووثبت أصحابنا عليها فأخذوها إليهم. وأما البطسة التي كانت فيها القبو فإنهم انزعجوا وخافوا وهموا بالرجوع، واختلفوا واضطربوا اضطراباً

стр. 183

عظيما، فانقلبت وهلك جميع من كان بها، لأنهم كانوا في قبو لم يستطيعوا الخروج منها، وكان ذلك من أعظم آيات الله وأندر العجائب في نصرة دين الله. وكان يوماً مشهودا. ذكر وصول الألمان إلى عسكرهم المخول عدنا إلى حديث ملك الألمان، وذلك أنه أقام بطرابلس حتى استجمّ عسكره، وأرسل إلى النازلين على عكا يخبرهم بقدومه إليهم، وقد حموا من ذلك لأن المركيس صاحب صور هو رب مشورته وصاحب دولته، وكان الملك جفري وهو ملك الساحل بالعسكر هو الذي يرجع إليه في الأمور، فعلم أنه مع قدوم الألماني لا يبقى له حكم. ولما كان العشر الأخير من شعبان أزمع رأيه على المسير في البحر لعلمه أنه إن لم يركب البحر نكب وأخذت عليه الطريق والمضايق، فأعدوا المراكب وأنفذت إليه من كل جانب، ونزل فيها هو وعسكره وخيلهم وعدتهم، وساروا يريدون العسكر، فلم تمض إلا ساعة من النهار حتى قامت عليهم ريح عاصف وثار عليهم الموج من كل مكان وأشرفوا على الهلاك، وهلك منهم ثلاثة مراكب حمالة، وعاد الباقون يرصدون هواءً طيّباً، فأقاموا أيّاماً حتى طابت لهم الريح، وساروا حتى أتوا صور، فأقام المركيس

стр. 184

والألماني بها، وأنفذوا بقية العساكر إلى المعسكر النازل عكا، وأقاما بصور إلى ليلة السادس من رمضان وسار الألماني وحده في البحر حتى وصل معسكرهم غروب الشمس من ذلك اليوم في نفر يسير. هكذا تخبر الجواسيس والمستأمنون عنهم. وقد كان لقدمه وقع عظيم من الطائفتين، وأقام أياما، وأراد أن يظهر لمجيئه أثر فرنج القوم على طول مقامهم، وحسن في رأيه أن تضرب مصاف مع المسلمين، فخوّفوه من الإقدام على هذا الأمر وعاقبته، فقال لابد من الخروج على اليزك ليذوق قتال القوم ويعرف مراسهم ويتبصر بأمرهم، فليس الخبر كالعيان، فخرج على اليزك الإسلامي واتبعه معظم الإفرنج راجلهم وفارسهم، وخرجوا حتى قطعوا الوهاد التي بين تلهم وتل العياضية، وعلى تل العياضية خيم اليزك، وهي نوبة الحلقة السلطانية المنصورة في ذلك اليوم، فوقفوا على وجوههم وقاتلوهم وأذاقوهم طعم الموت، وعرف السلطان ذلك، فركب من خيمته بحفلة وسار حتى أتى تل كيسان، فلما رأى العدو العساكر الإسلامية صوّبت نحوه سهام قصدها وأتته من كل جانب كقطع من الليل المظلم عاد ناكصاً على عقبه، وقتل منهم وجرح خلق كثير والسيف يعمل فيهم من أقفيتهم وهم هاربون حتى وصلوا المخيم غروب الشمس، وهو لا يعتقد سلامة نفسه من شدة خوفه، وفصل الليل بين الطائفتين، وقتل من المسلمين اثنان، وجرح جماعة كثيرة، وكانت الكثرة على أعداء الله. ولما عرف ملك الألمان ما جرى عليه وعلى أصحابه من اليزك الذي هو شرذمة من العسكر وهو جزء من كل، رأى أن يرجع إلى قتال البلد ويشتغل بمضايقته، فاتخذ من الآلات العجيبة والصنائع الغريبة ما هال الناظر إليه من شدة الخوف على البلد، واستشعر اخذ البلد من تلك الآلات وخيف منها عليه، فأحدثوا آلة عظيمة تسمى دبابة

стр. 185

يدخل تحتها من المقاتلة خلق عظيم ملبسة بصفائح الحديد ولها من تحتها عجا تحرك به من داخل وفيها المقاتلة حتى ينطح بها الصور ولها رأس عظيم برقية شديدة من جديد وهي تسمى كبشاً ينطح بها الصور بشدة عظيمة، لأنه يجرها خلق عظيم فتهدمه بتكرار نطحها. وآلة أخرى وهي قبو فيه رجال السحب لذلك، إلاّ أن رأسها محدد على شكل السكة التي يحرث بها، ورأس البرج مدور، وهذا يهدم بثقله، وتلك تهدم بحدّتها وثقلها وهي تسمى سنورا، ومن الستائر والسلالم الكبار الهائلة. وأعدوا في البحر بطسة هائلة وضعوا فيها برجاً بخرطوم إذا أرادوا قلبه في السور انقلب بالحركات ويبقي طريقاً إلى المكان الذي ينقلب عليه تمشي عليه المقاتلة، وعزموا على تقريبه إلى برج الذباب ليأخذوه به. ذكر حريق برج الكبش وغيره من الآلات وذلك أن العدو لما رأى آلاته قد تمت واستكملت شرع في الزحف على البلد ومقاتلته من كل جانب، وأهل البلد كلما رأوا ذلك اشتدت عزائمهم في نصرة دين الله وقويت قلوبهم على المصابرة. ولما كان يوم الإثنين ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة وهي التي قدمت به العساكر من الشام

стр. 186

في أحسن زي وأجمل ترتيب وأكمل عدّة مع ولده صاحب حلب وسابق الدين صاحب شيزر ومجد الدين صاحب بعلبك، وكان السلطان التاث مزاجه الكريم بحمى صفراوية، فركب في ذلك اليوم وكان عيداً من وجوه متعددة، وفي ذلك اليوم زحف العدو على البلد في خلق لا يحصي عددهم إلاّ الله، فأهملهم أهل البلد وشجعان المقاتلة الذين فيه وذوو الآراء المثقفة من مقدمي المسلمين حتى نشبت مخاليب أطماعهم في البلد وسحبوا آلاتهم المذكورة حتى قاربوا أن يلصقوها بالسور، وتحصن منهم في الخندق جماعة عظيمة، وأطلقوا عليهم سهام الجروح وأحجار المنجنيق وأقواس الرمي والنيران وصاحوا عليهم صيحة الرجل الواحد وفتحوا الأبواب وباعوا نفوسهم لخالقها وبارئها. ورضوا بالصفقة الموعود بها، وهجموا على العدو من كل جانب وكبسوهم في الخنادق، وأوقع الله الرعب في قلب العدو، وأعطه ظهره الهزيمة وأخذوا مشتدين هاربين. على أعقابهم ناكصين. يطلبون خيامهم والاحتماء بأسوارهم

стр. 187

لكثرة ما شاهدوا وذاقوا من الجرح والقتل، وبقي في الخندق خلق عظيم وقع فيهم السيف وعجل الله بأرواحهم إلى النار، ولما رأى المسلمون ما نزل بالعدو من الخذلان والهزيمة هجموا على كبشهم فألقوا فيه النار والنفط وتمكّنوا من حريقه فأحرقوه حريقاً شنيعاً، وظهرت له لهبة عظيمة نحو السماء، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل. والشكر للقوي الجليل. وسرت نار الكبش بقوّتها إلى السنور فاحترق، وعلق المسلمون في الكبش الكلاليب الحديدية المصنوعة في السلاسل فسحبوه وهو يشتعل حتى حصلوه عندهم في البلد وكان مركباً من آلات هائلة عظيمة ألقى الماء عليه حتى برد حديده بعد أيام. وبلغنا من اليزك أن وزن ما كان عليه من الحديد يبلغ مائة قنطار بالشامي، والقنطار مائة رطل، والرطل الشامي بالبغدادي أربعة أرطال وربع رطل. ولقد أنفذ رأسه إلى السلطان ومثل بين يديه، وشاهدته وقلبته، وشكله على مثل السفود الذي يكون بحجر المدار، قيل أنه ينطح به فيهدم ما يلاقيه. وكان ذلك من أحسن أيام الإسلام، ووقع على العدو خذلان عظيم، ورفعوا ما سلم من آلاتهم، وسكنت حركاتهم التي ضيعوا فيها نفقاتهم وتحيرت أبصار حيلهم، واستبشر السلطان بغرة ولده واستبارك بها حيث وجد النصر مقروناً بقدومه مرّة بعد أخرى، وثانية بعد أولى.

стр. 188

ولما كان يوم الأربعاء الخامس عشر رمضان خرج أصحابنا من الثغر المحروس في شوان على بغتة من العدو، وضربوا البطسة المعدة لأخذ برج الذباب بقوارير نفط فاحترقت وارتفع لهبها في البحر ارتفاعاً عظيماً، وحزن الألمان لذلك حزناً شديداً، وغشيته كآبة عظيمة ووقع عليهم خذلان عميم. ولما كان يوم الخميس السادس عشر الشهر وصل كتاب طائر في طي كتاب وصل من حماة قد طار به الطائر من حلب يذكر فيه أن البرنس صاحب أنطاكية خرج بعسكر نحو القرى الإسلامية التي تليه لشن الغارات عليها، فبصرت به العساكر ونواب الملك الظاهر، فكمنت له الكمينات، فلم يشعر بهم إلاّ والسيف قد وقع فيهم، فقتل منهم خمسة وسبعون نفرا، وأسر خلق عظيم، واستعصم لنفسه في موضع يسمى شيحا، حتى اندفعوا وسار إلى بلده.

стр. 189

وفي أثناء العشر الأوسط ألقت الريح بطستين فيهما رجال وصبيان ونساء وميرة عظيمة وغنم كثيرة قاصدين نحو العدو فغنمها المسلمون. وكان العدو قد ظفر منا بزورق فيه نفقة ورجال أرادوا الدخول إلى البلد فأخذوه، فوقع الظفر بهاتين الطستين ماحياً لذلك وجابراً له، ولم تزل الأخبار بعد ذلك تتواصل على ألسنة الجواسيس والمستأمنين أن العدو قد عزم على الخروج إلى العسكر الإسلامي خروج مصاف ومنافسه، والتاث مزاج السلطان بحمى صفراوية فاقتضى الحال تأخر العسكر إلى جبل سفرعم.

стр. 190

وكان انتقاله تاسع عشر رمضان، فنزل السلطان على أعلى الجبل، ونزل الناس على رؤوس التلال للاستعداد للشتاء والاستراحة من الوحل. وفي ذلك اليوم مرض زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل مرضاً شديداً بحميين مختلفي الأوقات، واستأذن في الرواح فلم يؤذن له، فاستأذن في الانتقال إلى الناصرة، فأذن له في ذلك اليوم وأقام الناصرة أياماً عديدة بمرض نفسه، فاشتد به المرض إلى ليلة الثلاثاء ثامن عشر رمضان، وتوفي ﵀ وعنده أخوه مظفر الدين يشاهده، وحزن الناس عليه لمكان شبابه وغربته، وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلده، واستنزله عن بلاده التي كانت في يده وهي حرّان والرّها وما يتبعهما من البلاد والأعمال، وضمّ إليه بلد

стр. 191

شهر زور أيضاً، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلاً مكانه جابراً لخلل غيبته، وأقام مظفر الدين في نظرة قدوم تقي الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوّال قدم وقد عاد صحبة معز الدين. في ذلك اليوم وأقام الناصرة أياماً عديدة بمرض نفسه، فاشتد به المرض إلى ليلة الثلاثاء ثامن عشر رمضان، وتوفي ﵀ وعنده أخوه مظفر الدين يشاهده، وحزن الناس عليه لمكان شبابه وغربته، وأنعم السلطان على أخيه مظفر الدين ببلده، واستنزله عن بلاده التي كانت في يده وهي حرّان والرّها وما يتبعهما من البلاد والأعمال، وضمّ إليه بلد شهر زور أيضاً، واستدعى الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه ليكون نازلاً مكانه جابراً لخلل غيبته، وأقام مظفر الدين في نظرة قدوم تقي الدين. ولما كان ضحاء نهار ثالث شوّال قدم وقد عاد صحبة معز الدين. ذكر قصة معز الدين وهذا معز الدين هو سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي، وهو صاحب الجزيرة إذ ذاك، وكان من قصته أنه حضر للجهاد وقد ذكرت تاريخ وصوله وأنه أخذ منه الضجر والسآمة والقلق بحيث ترددت رسله ورقاعه إلى السلطان في طلب الدستور، والسلطان يعتذر إليه بأن رسل العدو متكررة في معنى الصلح ولا يجوز أن تنفض العساكر حتى تتميز على ماذا ينفصل الحال من سلم أو حرب، وهو لا يألو جهداً في طلب الدستور، إلى أن كان يوم عيد الفطر من سنة ست وثمانين، وحضر سحر ذلك اليوم في باب الخيمة السلطانية فاستأذن في الدخول فاعتذر إليه بالتياث حتى قد عري مزاج السلطان فلم يقبل العذر، وكرر الاستئذان، فأذن له في الدخول، فلما مثل بالخدمة استأذن في الرواح شفاهاً، فذكر له السلطان العذر بذلك وقال: هذا وقت تقدم العساكر وتجمعها

стр. 192

لا وقت تفرّقها. فانكب على يده وقبلها كالمودّع له ونهض من ساعته وسار، وأمر أصحابه أن ألقوا القدور فيها الطعام وقلعوا الخيم وتبعوه، فلما بلغ السلطان صنيعه، أمر بإنشاء مكاتبة إليه يقول فيها: إنك أنت قصدت الانتماء إلى ابتداء وراجعتني في ذلك مراراً وأظهرت الخيفة على نفسك وقلبك وبلدك من أهلك، فقبلتك وآويتك ونصرتك وبسطت يدك في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، فأنفدت إليك ونهيتك عن ذلك مراراً فلم تنته، واتفق وقوع هذه الواقعة للإسلام فدعوناك، فأتيت بعسكر قد عرفته وعرفه الناس وأقمت هذه المدة المديدة وقلقت هذا القلق وتحركت هذه الحركة وانصرفت عن غير طيب نفس وغير فصل حال مع العدو. فانظر لنفسك وأبصر من تنتمي إليه غيري، واحفظ نفسك ممن يقصدك فمالي إلى جانبك التفات. وسلّم الكتاب إلى نجاب فلحقه قريباً من طبرية، فقرأ الكتاب ولم يلتفت، وسار على وجهه. وكان الملك المظفر تقي الدين قد استدعى إلى الغزاة بسبب حركة مظفر الدين على ما سبق شرحه، فلقيه في الطريق في موضع يسمى عقبة ميق، فرآه محثاً ولم ير عليه أمارات حسنة، وسأله عن حاله، فأخبره بأمره وتعتب على السلطان كيف لم يخلع عليه ولم يأذن له، ففهم الملك المظفر انفصاله من غير دستور من السلطان وأنه على خلاف اختياره، فقال له المصلحة لك أن ترجع إلى الخدمة وتلازم إلى أن يأذن لك وأنت صبي ولم تعلم غائلة هذا الأمر، فقال ما يمكنني الرجوع، فقال: ترجع عن غير يد فليس في الرواح على هذا الوجه لك راحة أصلاً. فأصرّ على الرواح، فخشي عليه وقال: ترجع من غير اختيارك. وكان تقي الدين شديد البأس مقداماً على الأمور ليس في عينه من أحد شيْ، فلما علم أنه قابضه إن لم يرجع باختياره رجع معه حتى أتى العسكر، وخرج الملك العادل ونحن في خدمته إلى لقاء الملك المظفر، فوجدنا معه، فدخلا به على السلطان وسألاه الصفح

стр. 193

عنه، وطلب أن يقيم في جوار تقي الدين خشية على نفسه، فأذن له، فأقام في جواره إلى حين ذهابه. ذكر طلب عماد الدين الدستور وذلك أن عماد الدين زنكي عم المذكور ألحّ في طلب الدستور وشكا هجوم الشتاء عليه مع عدم الاستعداد له، والسلطان يعتذر إليه بأن الرسل متواترة بيننا وبين العدو في الصلح وربما انتظم فينبغي أن يكون انتظامه بحضوركم فالرأي مشترك، واستأذن في أن يحمل إليه خيام الشتاء، فلم يفعل، وأن يحمل إليه نفق فلم يفعل، وتكررت منه الرسل إلى السلطان في المعنى، والسلطان يكرر الاعتذار. ولقد كنت بينهم في شيء من ذلك، وكان عند عماد الدين من على العزم الرواح ما يجاوز كل وصف، وعند السلطان من إمساكه إلى أن يفصل أمر بيننا وبينهم ما لا يحد، وآل الأمر إلى أن يكتب عماد الدين بخطه ويطلب فيه الإذن في الرواح وتليّذن فيها وتخشّن، فأخذها السلطان وكتب في ظهرها بيده الكريمة: من ضيع مثلي من يده، فليت شعري ما استفاد. فوقف عماد الدين عليها وانقطعت مراجعة بالكلية. ذكر خروج العدو إلى رأس الماء وتواترت الأخبار بضعف العدو ووقوع الغلاء في بلادهم وعسكرهم حتى أن الغرارة من القمح بلغت في أنطاكية ستة وتسعين دياوا صورية، ولا يزيدهم ذلك إلاّ صبراً وإصراراً وعنادا.

стр. 194

ولما ضاق بهم الأمر وعظم الغلاء وخرج منهم خلق عظيم مستأمنين من شدة الجوع عزموا على الخروج إلينا، وكان طمعهم بسبب مرض السلطان، فظنوا أنه لا يستطيع النهوض، وكان خروجهم يوم الإثنين حادي عشر شوّال بخيلهم ورجلهم حاملين أزواداً وخياماً إلى الآبار التي استحدثها المسلمون تحت تل الحجل لما كانوا نزولا عليه وأخذوا عليق أربعة أيام، فأخبر ﵀ بخروجهم على هذا الوجه، فأمر اليزك أن يتراجع من بين أيديهم إلى تل كيسان وكان اليزك على العياضية، وكان نزول العدو على الآبار بعد صلاة العصر من اليوم المذكور، وباتوا تلك الليلة واليزك حولهم جميع الليل، فلما طلع الصبح جاء من اليزك من أخبره بأنهم قد تحركوا للركوب، وكان قد أمر الثقل في أول الليل أن يسيروا إلى الناصرة والقيمون، فرحل الثقل وبقي الناس، وكنت في جملة من أقام في خدمته، وأمر العسكر أن يركب يمنة ويسرة وقلبا تعبية القتال، وركب هو، وصاح الجاويش بالناس، فركبوا وسار حتى وقف على تل من جبال الخروبة، وابتدأت الميمنة بالمسير، فسارت حتى بلغ آخرها الجبل، وسارت الميسرة حتى بلغ آخرها النهر بقرب البحر، فكان في الميمنة ولده الملك الأفضل صاحب دمشق وولده الملك الظاهر صاحب حلب وولده الملك الظافر صاحب بصرى وولد عز الدين صاحب الموصل علاء الدين خرم شاه، ثم أخوه في طرفها، ويليه

стр. 195

قريباُ منه حسام الدين لاجين والطواشي قايماز النجمي وعز الدين جرديك النوري وحسام الدين بشاره صاحب بانياس وبدر الدين دلدرم، وجمع كثير من الأمراء، وكان في الميسرة عماد الدين زنكي صاحب سنجار وابن أخيه معز الدين صاحب الجزيرة، وفي طرفها الملك المظفر تقي الدين ابن أخيه، وكان عماد الدين زنكي غائباً مع الثقل لمرض كان ألمّ به وبقي عسكره، وكان في الميسرة على المشطوب وجميع المهرانية والهكارية وخشترين وغيرهم من الأمراء الأكراد، وفي القلب الحلقة السلطانية. وتقدم السلطان أن يخرج من كل عسكر جمع من الجاليش وأن يدوروا حول العسكر واليزك معهم وأخفى بعض الأطلاب وراء التلال عساهم أن يجدوا عزة من العدو. ولم يزل عدو الله يسير والناس من جميع جوانبه وهو سائر على شاطئ النهر من الجانب الشرقي حتى رأس العين وداروا حوله حتى عبروا الجانب الغربي ونزلوا والقتال يتلقف منهم الأبطال. ويصرع منهم الرجال. وكان نزولهم على تل هناك، وضربوا خيامهم هناك ممتدة منه إلى النهر. وجرح منهم في ذلك اليوم خلق عظيم، وقتل منهم أيضاً جماعة وكانوا إذا جرح واحد منهم حملوه أو قتل دفنوه وهم سائرون حتى لا يبين قتيل ولا جريح، وكان نزولهم يوم الثلاثاء بعد الظهر وتراجعت العساكر إلى مواطن المصابرة ومواقف الحراسة، وتقدم السلطان إلى الميسرة أن تستدير بهم بحيث يقع آخرها على البحر والميمنة يستدير بالنهر من الجانب الشرقي والجاليش يقاتلهم بقربهم ويرميهم بالنشاب بحيث لا يقطع النشاب عنهم أصلا، وبات الناس تلك الليلة على هذا المثال، وسار هو ﵀ ونحن في خدمته إلى رأس جبل الخروبة،

стр. 196

فنزل في خيمة لطيفة والناس حوله في خيم لطاف بمرأى من العدو واجتاز العدو يتواصل ساعة فساعة إلى الصبح. ولما كان يوم الأربعاء وصل من أخبر أنهم تحركوا للركوب، فركب هو ورتب الأطلاب وسار حتى أتى أقرب جبال الخروبة إليهم بحيث يشاهد أحوالهم. ملتاث المزاج ضعيف القوى قوي القلب ثم بعث إلى العساكر وأمرها بالمقاتلة والمضايقة والحملة عليهم من كل جانب وأمر الأطلاب أن تحيط بهم بحيث لا تكون قريبة ولا بعيدة لتكون وراء المقاتلة إلى أن تضاحي النهار وسار العدو إلى شاطئ النهر من الجانب الغربي يطلب جهة جهة والقتال يشتد عليهم من كل جانب إلا من جانب النهر والتحم القتال فصرع منهم خلق عظيم وهم يدفنون قتلاهم ويحملون جرحاهم وقد جعلوا رجالتهم سوراً لهم تضرب الناس بالزنبورك

стр. 197

والنشاب حتى لا يترك أحد يصل إليهم إلا بالنشاب فإنه كان يظهر إليهم كالجراد وخيالتهم يسيرون في وسطهم بحيث لم يظهر منهم أحد في ذلك اليوم أصلاً والكؤسات تخفق والبوقات تنعر والأصوات بالتهليل والتكبير تعلو، هذا والسلطان يمد الجاليش بالأطلاب والعساكر التي عنده حتى لم يبق معه إلا نفر يسير ونحن نشاهد الأحوال وعَلَم العدو مرتفع على عجلة هو مغروس فيها وهي تسحب بالبغال وهم يذبون عن العلم وهو عال جداً كالمنارة خرقته بياض ملمع بأحمر على شكل الصلبان ولم يزالوا سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهر قبالة جسر دعوق وقد ألجمهم العطش وأخذ منهم التعب وأثخنهم الجراح واشتد الأمر بهم من شدة الحر. ولقد قاتل المسلمون في ذلك اليوم قتالاً شديداً وأعطوا الجهاد حقه وهجموا عليهم هجوماً عظيماً واستداروا بهم كالحلقة وهم لا يظهرون من رجالتهم ولا يحملون فكان الفعل معظمه للحلقة في ذلك اليوم فإنهم أذاقوهم طعم الموت وجرح منهم جماعة كأبار الطويل فإنه قام في تلك الحرب العظيمة أعظم مقام وجرح جراحات متعددة وهو مستمر على القتال وجراح سيف الدين يازكوج جراحات متعددة وهو من فرسان الإسلام وشجعانه وله مقامات متعددة وجرح خلق كثير ولم تزل الناس حولهم حتى نزلوا ظهر نهار ذلك اليوم عند جسر دعوق وقطعوا الجسر وأخربوه خوفاً من عبور الناس إليهم ورجع السلطان إلى تل الخروبة وأقام عليه يزكاً يحرسهم وأخبارهم تتواتر حتى الصباح وعزم في تلك الليلة على كبس بقيتهم وكتب إلى البلد يعرفهم ذلك حتى يخرجوهم من ذلك الجانب فلم يصل من أهل البلد كتاب فرجع عن ذلك العزم بسبب تأخر الكتاب، ولما كان صباح يوم الخميس رابع عشر الشهر وصل من أخبر أن العدو على حركة الرحيل فركب السلطان ورتب الأطلاب وكف الناس عن القتال خشية أن يغتالوا فإن العدو كان قد قرب من خيمه وأداروا الأطلاب في الجانب الشرقي من النهر تسير قبالة العدو حتى وصلوا إلى خيمه، وكان ممن خرج من مقدميهم في هذه السرية الكندهري والمركيس وتخلف ابن ملك الألمان في الخيم مع جمع كثير منهم، ولما دخل العدو إلى خيمهم كان لهم فيها أطلاب مستريحة فخرجت إلى اليزك الإسلامي وحملت عليه ونشب القتال بين اليزك وبينهم وجرى قتال عظيم قتل فيه من العدو وجرح خلق عظيم وقتل من المسلمين ثلاثة نفر وقتل من العدو شخص كبير فيهم مقدم عليهم وكان على حصان عظيم ملبس بالزرد إلى حافره وكان عليه لباس لم ير مثله وطلبوه من السلطان بعد انفصال الحرب فدفع إليهم جثته وطلب رأسه فلم يوجد وعاد السلطان إلى مخيمه وأعاد الثقل إلى مكانه وعاد كل قوم إلى منزلتهم وعاد عماد الدين وقد أقلعت حماة وبقي الثبات مزاج السلطان وقد كان سبب سلامة هذه الطائفة مع كونه لا يقدر على مباشرة الأمر بنفسه ولقد رأيته وهو يبكي في حال الحرب كيف لم يقدر على مخالطته ورأيته وهو يأمر أولاده واحد بعد واحد بمكافحة الأمر ومخالطة الحرب، ولقد سمعت منه وقائل يقول إن الوخم قد عظم في مرج عكا بحيث أن الموت قد كثر في الطائفتين ينشد متمثلاً: كر التي عنده حتى لم يبق معه إلا نفر يسير ونحن نشاهد الأحوال وعَلَم العدو مرتفع على عجلة هو مغروس فيها وهي تسحب بالبغال وهم يذبون عن العلم وهو عال جداً كالمنارة خرقته بياض ملمع بأحمر على شكل الصلبان ولم يزالوا سائرين على هذا الوجه حتى وصلوا وقت الظهر قبالة جسر دعوق وقد ألجمهم العطش وأخذ منهم التعب وأثخنهم الجراح واشتد الأمر بهم من شدة الحر. ولقد قاتل المسلمون في ذلك اليوم قتالاً شديداً وأعطوا الجهاد حقه وهجموا عليهم هجوماً عظيماً واستداروا بهم كالحلقة وهم لا يظهرون من رجالتهم ولا يحملون فكان الفعل معظمه للحلقة في ذلك اليوم فإنهم أذاقوهم طعم الموت وجرح منهم جماعة كأبار الطويل فإنه قام في تلك الحرب العظيمة أعظم مقام وجرح جراحات متعددة وهو مستمر على القتال وجراح سيف الدين يازكوج جراحات متعددة وهو من فرسان الإسلام وشجعانه وله مقامات متعددة وجرح خلق كثير ولم تزل الناس حولهم حتى نزلوا ظهر نهار ذلك اليوم عند جسر دعوق وقطعوا الجسر وأخربوه خوفاً من عبور الناس إليهم ورجع السلطان إلى تل الخروبة وأقام عليه يزكاً يحرسهم وأخبارهم تتواتر حتى الصباح وعزم في تلك الليلة على كبس بقيتهم

стр. 198

وكتب إلى البلد يعرفهم ذلك حتى يخرجوهم من ذلك الجانب فلم يصل من أهل البلد كتاب فرجع عن ذلك العزم بسبب تأخر الكتاب، ولما كان صباح يوم الخميس رابع عشر الشهر وصل من أخبر أن العدو على حركة الرحيل فركب السلطان ورتب الأطلاب وكف الناس عن القتال خشية أن يغتالوا فإن العدو كان قد قرب من خيمه وأداروا الأطلاب في الجانب الشرقي من النهر تسير قبالة العدو حتى وصلوا إلى خيمه، وكان ممن خرج من مقدميهم في هذه السرية الكندهري والمركيس وتخلف ابن ملك الألمان في الخيم مع جمع كثير منهم، ولما دخل العدو إلى خيمهم كان لهم فيها أطلاب مستريحة فخرجت إلى اليزك الإسلامي وحملت عليه ونشب القتال بين اليزك وبينهم وجرى قتال عظيم قتل فيه من العدو وجرح خلق عظيم وقتل من المسلمين ثلاثة نفر وقتل من العدو شخص كبير فيهم مقدم عليهم وكان على حصان عظيم ملبس بالزرد إلى حافره وكان عليه لباس لم ير مثله وطلبوه من السلطان بعد انفصال الحرب فدفع إليهم جثته وطلب رأسه فلم يوجد وعاد السلطان إلى مخيمه وأعاد الثقل إلى مكانه وعاد كل قوم إلى منزلتهم وعاد عماد الدين وقد أقلعت حماة وبقي الثبات مزاج السلطان وقد كان سبب سلامة هذه الطائفة مع كونه لا يقدر على مباشرة الأمر بنفسه ولقد رأيته وهو يبكي في حال الحرب كيف لم يقدر على مخالطته ورأيته وهو يأمر أولاده واحد بعد واحد بمكافحة الأمر ومخالطة الحرب، ولقد سمعت منه وقائل يقول إن الوخم قد عظم في مرج عكا بحيث أن الموت قد كثر في الطائفتين ينشد متمثلاً: قتلاني ومالكاً، واقتلا مالكاً معي

стр. 199

يريد بذلك التي قد رضيت أن أتلف أنا إذا تلف أعداء الله وحدث بذلك قوة عظيمة في نفوس العسكر الإسلامي. ذكر وقعة الكمين وفي الثاني والعشرين من شوال رأى السلطان أن يضع للعدو كميناً وقوي عزمه على ذلك فأخرج جمعاً من كماة العسكر وشجعانه وأبطاله وفرسانه وانتخبهم من خلق كثير وأمرهم أن يسيروا في الليل ويكمنوا في سفح تل هو شمالي عكا يعيد من عسكر العدو عنده كانت منزلة الملك العادل حين وقعت الوقعة المنسوبة إليه وأن يظهر منهم للعدو نفر يسير وأن يقصدوه في خيامه ويحركوه حتى إذا خرج انهزموا بين يديه نحو المسلمين ففعلوا ذلك وساروا حتى أتوا التل المذكور ليلاً فكمنوا فيه. ولما تجلى نهار الثالث والعشرين خرج منهم يسير على جياد من الخيل وساروا حتى أتوا مخيم العدو ورموهم بالنشاب وحركوا حميتهم بالضرب المتواتر فانتخى لهم مقدار مائتي فارس وخرجوا إليهم شاكي السلاح على خيل جياد بعدة تامة وأسلحة كاملة وقصدوهم وليس معهم أحد راجل وداخلهم الطمع فيهم لقلة عدتهم فانهزموا بين أيديهم وهم يقاتلون ويقتلوا حتى أتوا الكمين فثارت عند وصولهم الأبطال وصاحوا

стр. 200

صيحة الرجل الواحد وهجموا عليه هجمة الأسود على فرائسها فثبتوا وصبروا وقاتلوا قتالاً شديداً ثم ولوا منهزمين فتمكن أولياء الله منهم وأوقعوا فيهم ضرباً بالسيف حتى أفنوا منهم جمعاً عظيماً واستسلم الباقون للأسر فأسروهم وأخذوا خيلهم وعددهم وجاء البشير إلى العسكر الإسلامي فارتفعت الأصوات بالتهليل وركب السلطان يتلقى المجاهدين وسار وكنت في خدمته حتى أتى تل كيسان فلقينا أوائل القوم فوقف هناك يتلقى العائدين من المجاهدين والناس يتبركون بهم ويشكونهم على حسن صنيعهم وهو يعتر الأسرى ويتصفح أحوالهم. وكان ممن أسر مقدم عسكر الإفرنسيس فإنه كان قد أنفذ نجدة قبل وصوله وأسر خازن الملك أيضاً وعاد السلطان بعد تكامل الجماعة إلى مخيمه فرحاً مسروراً وأحضر الأسرى عنده وأمر منادياً ينادي من أسر أسيراً فليحضر الناس أسراهم وكنت حاضراً ذلك المجلس. ولقد أكرم المقدمين منهم وخلع عليهم وعلى مقدم عسكر الإفرنسيس فروة خاصة وأمر لكل واحد من الباقين بفروة جرخية فإن البرد كان شديداً وكان قد أخذ منهم وأحضر لهم طعاماً فأكلوه وأمر لهم بخيمة تضرب قريباً من خيمته وكان يكارمهم في كل وقت ويحضر المقدم على الخوان في بعض الأوقات وأمن بتنفيذهم وحملهم إلى دمشق، حملوا مكرمين وأذن لهم في أن يراسلوا صاحبهم وأن يحضر لهم من عسكرهم ما يحتاجون إليه من الثياب وغيرها ففعلوا ذلك وساروا إلى دمشق. ذكر عود العسكر عن الجهاد ولما هجم الشتاء وهاج البحر وأمن العدو أن يضرب مصاف

стр. 201

وطلب البلد وحصاره من شدة الأمطار وتوترها أذن السلطان للعساكر في العود إلى بلادهم ليأخذوا نصيباً من الراحة وتجم خيولهم إلى وقت العمل. وكان أول من سار عماد الدين صاحب سنجار لما كان عنده من القلق في طلب الدستور. وكان مسيره خامس عشر شوال وسار عقيبه في ذلك اليوم ابن أخيه سنجر شاه صاحب الجزيرة هذا بعد أن أفيض عليه من التشريف والإنعام والتحف ما لم ينعم به على غيرهما. وسار علاء الدين ابن صاحب الموصل في مستهل ذي القعدة مشرفاً مكرماً معه التحف والطرائف وتأخر الملك المظفر إلى أن دخلت سنة سبع وثمانين وتأخر أيضاً الملك الظاهر وسار تاسع المحرم سنة سبع وثمانين وسار الملك المظفر في ثالث صفر ولم يبق عند السلطان إلا نفر يسير من الأمراء والحلقة الخاصة. وفي أثناء ذي القعدة سنة ست وثمانين وفد عليه زلفتدار فالتقاه وأكرم مثواه ووضع له طعاماً يوم قدومه وباسطه مباسطة عظيمة. وكانت حاجته أن يوقع له بإعادة أملاك كانت في يده ثم انتزعت من أعمال نصيبين والخابور فوقع بإعادتها إلى يده وإجراء الأمر فيها بعد ذلك على وفق الشريعة المطهرة وخلع عليه وشرفه وسار فرحاً مسروراً شاكراً لأياديه.

стр. 202

ذكر ارتحال السلطان لإدخال البدل إلى البلد ولما هاج البحر وأمنت غائلة مراكب العدو ورفع ما كان له من الشواني في البحر إلى البر اشتغل السلطان في إدخال البدل إلى عكا وحمل البر والذخائر والنفقات والعدو منها وإخراج من كان بها من الأمراء لعظم شكايتهم من طول المقام بها ومعاناة التعب والسهر وملازمة القتال ليلاً ونهاراً وكان مقدم البلد من البدل الداخل الأمير سيف الدين علي المشطوب دخل سادس عشر المحرم من شهور سنة سبع وثمانين وفي ذلك اليوم خرج المقدم الذي كان بها وهو الأمير حسام الدين أبو الهيجاء وأصحابه ومن كان بها من الأمراء وأعيان الخلق وتقدم إلى كل من دخل أن يصحب ميرة السنة وانتقل الملك العادل بعسكره إلى حيفا على شاطئ النهر وهو الموضع الذي تحمل منه المراكب فتدخل إلى البلد وإذا خرجت تخرج إليه فأقام يحث الناس على الدخول ويحرس المير والذخائر لئلا يتطرق إليها العدو من يعترضها وكان مما دخل إليها سبع بطس مملوءة ميرة وذخائر ونفقات كانت وصلت من مصر محملة وتقدم السلطان بتعبيتها من مدة مديدة وكان دخولها ثاني ذي الحجة من السنة الخالية فانكسر منها مركب على الصخر الذي هو قريب من الميناء فانقلب كل من في البلد من المقاتلة ليلقى البطس. ولما علم العدو ذلك أخذوا غرتهم وزحفوا إلى البلد في جانب البر زحفة عظيمة وقاربوا الأسوار

стр. 203

وصعدوا في سلم واحد فاندق بهم السلم كما شاء الله تعالى وتداركهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقاً عظيماً وعادوا خائبين خاسرين، وأما البطس فإن البحر هاج هياجاً عظيماً وضرب بعضها على الصخر فهلكت وهلك جميع من كان فيها، قيل كان عددهم ستين نفراً وكان فيها ميرة عظيمة لو سلمت كفت البلد سنة كاملة وذلك بتقدير العزيز العليم ودخل على المسلمين بذلك وهن عظيم وأحرج السلطان بذلك حرجاً عظيماً فاستخلف ذلك في سبيل الله تعالى وما عند الله خير وأبقى، وكان ذلك أول علامات أخذ البلد والظفر به، ولما كانت ليلة السبت سابع ذي الحجة من السنة الحالية قضى الله وقدر أن وقع من السور قطعة عظيمة ونقلها على الباشورة فهدمت أيضاً منها قطعة عظيمة وهي العلامة الثانية وقد أخذ العدو الطمع وهاج الزحف هياجاً عظيماً وجاءوا إلى البلد كقطع الليل المدلهم من كل جانب وثارت همم الناس في البلد وقاتلوا العدو قتالاً سديداً حتى ضرسوا وأيسوا من أن ينالوا خيراً فوقفوا على سد موضع القطعة الواقعة وجمعوا من في البلد من البنائين والصناع ووضعوهم في ذلك الموضع وحموهم بالنشاب والمناجيق فما مرت إلا ليال يسيرة حتى انتظمت وعاد بناؤها أحسن مما كان أقوى وأتقن.

стр. 204

ذكر الظفر بمراكب العدو وكان قد استأمن من الفرنج خلق عظيم أخرجهم الجوع إلينا وقالوا للسلطان نحن نخوض البحر في براكيس وبطس إلى العدو ويكون الكسب بيننا وبين المسلمين فأذن لهم في ذلك وأعطاهم بركوساً وهو المركب الصغير فركبوا فيه وظفروا بمراكب للتجار من العدو وهي قاصدة إلى عسكرهم وبضائعهم معظمها فضة مصوغة وغير مصوغة فوقع عليها البركوس وقابلوهم حتى أخذوهم واكتسبوا منهم مالاً عظيماً وأسروهم وأحضروهم بين يدي السلطان وذلك في ثالث عشر ذي الحجة من السنة المذكورة ولقد كنت حاضراً ذلك المجلس وكان من جملة ما أحضروه مائدة فضة وعليها مكبة مخرمة من فضة فأعطاهم السلطان الجميع ولم يأخذ منهم شيئاً وفرح المسلمون بنصر الله عليهم بأيديهم. ذكر موت ابن ملك الألمان وذلك أن العدو لما دخل الشتاء عليهم وتواترت الأنداء واختلفت الأهواء وخم المرج وخماً عظيماً وقع معه موتاً عظيماً وانضم إلى ذلك الغلاء الزائد وانسد عليهم البحر الذي كان يجيئهم منه الميرة من كل جانب وكان يموت منهم كل يوم المائة والمائتان على ما قيل وقيل أكثر من ذلك، ومرض ابن ملك الألمان مرضاً عظيماً وعرض له مع ذلك مرض الجوف

стр. 205

فهلك به في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ست وثمانين وحزن الإفرنج عليه حزناً عظيماً وأشعلت له نيران هائلة بحيث لم يبق له خيمة إلا وأشعلت فيها الناران والثلاثة بحيث بقي عسكرهم كله نار وفرح المسلمون بذلك بمثل ما حزن الكفار بفقده وهلك منهم كبير يقال له الكندبالياط ومرض الكندهري وأشرف على الهلاك، وفي الرابع والعشرين منه أخذ منهم بركوسان فيها نيف وخمسون نفراً وفي الخامس والعشرين منه أخذ منهم أيضاً بركوس وجميع ما فيه وكان من جملة ما فيه ملوطة مكللة باللؤلؤ وهي من تفاصيل الملك وقيل كلن في البركوس ابن أخيه وأخذ أيضاً. ذكر غارة أسد الدين وهذا أسد الدين هو شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير وهو صاحب حمص. وكان من حديثه أن السلطان كان قد رسم له أن يأخذ حذره من الإفرنج بطرابلس ويأخذ نفسه بحراسة المسلمين والفلاحين في تلك الناحية وأنه قيل له إن إفرنج طرابلس قد أخرجوا جشارهم وخيلهم إلى مرج هناك وأبقارهم ودوابهم وأنه قد قرر مع عسكره قصدهم فخرج على غرة منهم وهجم على جشارهم فأخذ منهم الخيل أربعمائة رأس ومائة من البقر فهلك من الخيل أربعون وسلم الباقي وعاد إلى البلد ولم يفقد من أصحابه أحد ووصل الكتاب

стр. 206

بذلك في رابع صفر من سنة سبع وثمانين. ذكر وقائع عدة في هذه السنة وفي ثالث ربيع الأول كان اليزك للحقة السلطانية وخرج من العدو إليهم خلق عظيم وجرى بينهم وقعة شنيعة وقتل فيها من العدو جماعة وقتل منهم رجل كبير على ما قيل ولم يفقد من المسلمين إلا خادم للسلطان يسمى قراقوش وكان شجاعاً عظيماً له وقعات عظيمة كثيرة استشهد في ذلك اليوم، وفي تاسع الشهر بلغ السلطان أن العدو يخرج منه طائفة يتفسحون لبعدنا عنهم فاقتضى رأيه أن أنفذ أخاه الملك العادل وفي خدمته خلق عظيم من العساكر الإسلامية وأمره أن يكمن للعدو وراء التل الذي كانت فيه الواقعة المعروفة به فسار هو وجمع كان من كبراء أهله وأصحابه فكمن وراء تل العاضية وكان ممن كان معه من كبار أهله الملك المظفر تقي الدين وابنه ناصر الدين محمد والملك الأفضل ولده ومعه صغار أولاد الملك الأشرف محمد والملك المعظم طورانشاه والملك الصالح إسماعيل وكان من

стр. 207

المعممين الفاضل والديون وكنت في الصحبة في ذلك اليوم وركب جماعة من الشجعان على الخيول الجياد وناوشوا العدو فلم يخرج في ذلك اليوم وكان قد وشي إليهم بحلية الأمراء إلا أن ذلك اليوم لم ينفك إلا بنوع نصر فإنه وصل في أثنائه خمسة وأربعون نفراً من الإفرنج كانوا قد أخذوا في بيروت وسيروا إلى السلطان ووصلوا في ذلك اليوم إلى ذلك المكان. ولقد شاهدت منه رقة قلب لم ير أعظم منها وذلك أنه كان فيهم شيخ كبير طاعن في السن لم يبق في فمه ضرس ولم تبق له قوة إلا مقدار تحرك لا غير فقال للترجمال قل له ما الذي حملك على المجيء وأنت في هذا السن وكم من ههنا إلى بلادك فقال بلادي بيني وبينها عدة أشهر. وأما مجيئي فإنما كان للحج إلى القمامة، فرقّ له السلطان ومنّ عليه وأطلقه وأعاده راكباً على فرس إلى عسكر العدو. ولقد طلب أولاده الصغار أن يأذن لهم في قتل أسير فلم يفعل فسألته عن سبب المنع وكنت حاجبهم بما طلبوه فقال لئلا يعتادوا من الصغر على سفك الدماء ويهون عليهم ذلك وهم الآن لا يفرقون بين المسلم والكافر. ولما أيس من خروج العدو عاد المخيم في عشية ذلك اليوم. ذكر وصول العساكر الإسلامية والملك افرنسيس ومن ذلك الوقت انفتح الباب وطال الزمان وجاء أوان عود

стр. 208

العساكر إلى الجهاد من الطائفتين فكان أول من قدم علم الدين سليمان بن جندر من أمراء الملك الظاهر وكان شيخاً كبيراً مذكوراً له وقائع ذا رأي حسن والسلطان يحترمه ويكرمه وله قدم صحبة، ثم قدم بعده مجد الدين بن عز الدين فخرشاه وهو صاحب بعلبك وتتابعت بعد ذلك العساكر الإسلامية من كل صوب، وأما عسكر العدو فإنهم كانوا يتواعدون اليزك ومن يقاربهم بقدوم الملك الفرنسيس وكان معظماً عندهم مقدماً محترماً من كبار ملوكهم تنقاد إليه العساكر بأسرها بحيث إذا حضر حكم على الجميع ولم يزالوا يتواعدون بقدومه حتى قدم في ست بطس تحمله وميرته وما يحتاج إليه من الخيل وخواص أصحابه وكان قدومه يوم السبت الثالث والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة. نادرة وبشارة وكان قد صحبه من بلاده باز عظيم هائل الخلق أبيض اللون نادر الجنس ما رأيت بازياً أحسن منه وكان يعزه ويحبه حباً عظيماً فشذ الباز من يده وطار وهو يستجيئه ولا يجيئه حتى سقط على سور عكا فاصطاده أصحابنا وأنفذوه إلى السلطان وقد كان لقدومه روعة عظيمة واستشار عظيم بالظفر به فتفاءل المسلمون بذلك وبذل الإفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا، وقدم بعد ذلك كندفرند وكان مقدماً عظيماً عندهم مذكوراً فذكروا أنه حاضر حماة وحارم في عام الرملة،

стр. 209

ولما كان الثاني عشر من ربيع الآخر وصل كتاب من اللاذقية أن كان جماعة من المستأمنين قد أعطوا براكيس ليكبسوا عليها في البحر من العدو فأخذوها ونزلوا في جزيرة قبرص في عيد لهم وقد اجتمع جمع كثير من أهل الجزيرة في بيعة قريبة من البحر وأنهم صلوا معهم صلاة العيد وأنهم لما فرغوا من الصلاة ضربوا على كل من البيعة من الرجال والنساء وأخذوهم عن آخرهم حتى القس وحملوهم وألقوهم في مراكبهم وساروا بهم حتى أتوا اللاذقية وكان من جملة ما كان فيها سبعة وعشرون امرأة وأموال عظيمة فقسموها فوصل إلى كل واحد على ما قيل أربعة آلاف درهم من الفضة النقرة وقدم بعد ذلك بدر الدين شحنة دمشق في سابع عشر ربيع الآخر وهجم أصحابنا على غنم العدو فأخذوها وكان عددها مائة وعشرين رأساً فركب في طلبها الراجل والفارس فلم يظفروا منها بشيء. ذكر ملك الأنكتار وهذا ملك الأنكتار شديد البأس بينهم عظيم الشجاعة قوي الهمة له وقعات عظيمة وله جسارة على الحرب وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة لكنه أكثر مالاً منه وأشهر في الحرب والشجاعة، وكان من خبره أنه وصل إلى جزيرة قبرص ولم ير أن يتجاوزها إلا وأن تكون له وفي حكمه، فنازلها وقاتلها فخرج إليه صاحبها وجمع له خلقاً عظيماً وقاتلهم

стр. 210

قتالاً شديداً فأنفذ الأنكتار إلى عكا يستنجد إليه الملك جفري أخاه ومعه مائة وستون فارساً ليعينوه على مقصوده وبقيت الإفرنج على عكا ينتظرون ما يكون من الطائفتين، وفي سلخ ربيع الآخر وصلت كتب من بيروت أنه قد أخذ من مراكب الأنكتار القاصدة نحو عسكر العدو خمس مراكب وطرادة فيها خلق عظيم رجال ونساء وميرة وأخشاب وآلات وغير ذلك وفيها أربعون فارساً وكان ذلك فتحاً عظيماً استبشر به المسلمون، وفي رابع جمادى الأولى زحف العدو إلى البلد ونصبوا عليه مناجيق سبعة ووصلت كتب عكا بالاستنفار العظيم والتماس شغل العدو عنهم فأعلم السلطان العساكر بالعزم على الرحيل إلى مضايقة العدو ومقاربته وأصبح على أهبة المسير إلى العدو ورتب العساكر ثم أنفذ من كشف حال العدو وحال خنادقهم هل فيها كمين أم لا فعادوا وأخبروا بخلوها عن الكمين فسار بنفسه في نفر يسير من ممالكيه إلى خنادقهم وصعد جبلاً كان يعرف بتل الفضول قريباً من العدو مشرفاً على خيمهم وشاهد المنجنيقات وما يعمل منها وما هو يطال ثم عاد إلى مخيمه وأنا في خدمته وفي صبيحة هذه الليلة أتاه اللصوص برضيع له ثلاثة أشهر قط أخذ من أمه سرقة.

стр. 211

ذكر قصة الرضيع وذلك أنه كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام العدو فيسرقون منهم الرجال وكان من قصتهم أنهم أخذوا ذات ليلة طفلاً رضيعاً له ثلاثة أشهر وساروا به حتى أتوا إلى خيمة السلطان وعرضوه عليه وكان كل ما يأخذونه يعرضونه عليه ويعطيهم ما أخذوه، ولما فقدته أمه باتت مستغيثة بالويل والثبور طول الليل حتى وصل خبرها إلى ملوكهم فقالوا إنه رحيم القلب وقد أذنا لك بالخروج فاخرجي واطلبيه منه فإنه يرده عليك فخرجت تستغيث إلى اليزك فأخبرتهم بواقعتها فأطلقوها وأنفذوها إلى السلطان فلقيته وهو راكب وأنا في خدمته وفي خدمته خلق عظيم فبكت بكاءً شديداً ومرغت وجهها في التراب فسأل عن قصتها فأخبروه فرقّ لها ودمعت عينه وأمر بإحضار الرضيع فوجدوه قد بيع في السوق فارتده وأمر بدفع ثمنه إلى المشتري وأخذه منه ولم يزل واقفاً حتى أحضر الطفل وسلم إليها فأخذته وبكت بكاءً شديداً وضمته إلى صدرها والناس ينظرون إليها ويبكون وأنا واقف في جملتهم فأرضعته ساعة ثم أمر بها فحملت على فرس وألحقت بعسكرهم مع طفلها فانظر إلى هذه الرحمة الشاملة لجنس البشر، اللهم إنك خلقته رحيماً فارحمه رجمة واسعة من عندك يا ذا الجلال والإكرام وانظر إلى شهادة الأعداء له بالرأفة والكرم شعر: ومليحة شهدت لها ضراتها ... والحسين ليس لحقه من منكر وفي ذلك اليوم وصل ظهر الدين بن البلنكري وكان مقدماً عظيماً من

стр. 212

أمراء الموصل وصل مفارقاً لهم يطلب خدمة السلطان ولما عاد السلطان إلى مخيمه لم يلبث إلا ساعة حتى وصله الخبر بتجديد الزحف فعاد وركب من ساعته نحو البلد وقد انفصل الحرب بدخول الليل من الطائفتين. ذكر انتقال السلطان إلى تل العياضية ولما كانت صبيحة الثلاثاء تاسع جمادى الأولى بلغ السلطان أن الإفرنج قد ضايقوا البلد وركبوا المناجيق فأمر الجاويش أن صاح بالناس وركب لركوبه العسكر راجلهم وفارسهم حتى أتى الخروبة وقوي اليزك بتسيير جماعة من العسكر إليهم فلم يخرج العدو واشتد زحفهم على البلد فضايقهم ﵀ مضايقة عظيمة وهجم عليهم في خنادقهم ولم يزل كذلك حتى عادوا من الزحف ظهر نهار وعاد العدو إلى خيمه وقد أيس من أمر البلد وعاد السلطان إلى خيمة لطيفة ضربت له هناك يستظل فيها من الشمس فنزل بها لصلاة الظهر والاستراحة ساعة وقوي اليزك وأمر الناس بالعود إلى المخيخ لأخذ جزء من الراحة وكنت في خدمته فبينما هو كذلك إذ وصل من اليزك من أخبر أن القوم عادوا إلى الزحف لما أحس بانصرافه عنهم أشد ما كانوا أولاً فأمر من نبه الناس وأمر بالعود فتراجعت العساكر إلى جهة العدو أطلاباً أطلاباً وأمر بالمبيت على أخذ لامة الحرب وأقام هو هناك على عزم المبيت وفارقت

стр. 213

خدمته أخر نهار الثلاثاء وعدت إلى الخيم وبات هو وجميع العسكر على تعبية القتال طول الليل وأصر طائفة منهم على مضايقة العدو ثم سار العسكر أواخر ليلة الأربعاء عاشر الشهر إلى تل العياضية قبالة العدو وضربت له عليه خيمة لطيفة ونازل العدو في ذلك اليوم جمع بالقتال الشديد والضرب المبرح المتواتر الذي لا يفتر شغلاً لهم عن الزحف وهو يدور بين الأطلاب ويحثهم على الجهاد ويرغبهم فيه. ولما رأى العدو تلك المنازلة الهائلة خافوا من الهجوم عليهم في خيمهم فرجعوا عن الزحف واشتغلوا بحفظ الخنادق وحراسة الخيم. ولما رأى فتورهم عن الزحف عاد إلى العياضة ورتب على خنادقهم من يخبره بحالهم ساعة فساعة إذا رجعوا إلى الزحف كل ذلك دفعاً للعدو عن مضايقة البلد والزحف عليه. ذكر الشروع في مضايقة البلد ولقد بلغ من مضايقتهم البلد ومبالغتهم في طم خندقه أنهم كانوا يلقون فيه موتى دوابهم بأسرها وآل الأمر إلى أن كانوا يلقون فيه موتاهم وكانوا إذا جرح منهم أحد جراحة مؤلمة مثخنة ألقوه فيه بهذا جميعه توالت كتب أصحابنا من البلد، وأما أهل البلد فإنهم انقسموا أقساماً: قسم ينزلون

стр. 214

في الخندق يقطعون الموتى والدواب التي يفوتها فيه قطعاً ليسهل نقلها. وقسم ينقلون ما يقطعه ذلك القسم ويلقونه في البحر، وقسم يذبون عنهم ويدافعون حتى يتمكنوا من ذلك وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار وأخذ منهم التعب والنصب وتواترت شكايتهم من ذلك، وهذا ابتلاء لم يبل بمثله أحد ولا يصبر عليه جلد. وكانوا يصبرون والله مع الصابرين. هذا والسلطان لا يقطع الزحف على خنادقهم بنفسه وخواصه وأولاده ليلاً ونهاراً حتى أثرت فيه الأثر البين وكلما ازدادوا في قتال البلد ازداد هو في قتالهم وكبس خنادقهم والهجوم عليهم حتى خرج منهم شخص يطلب من يتحدث معه فلما أخبر السلطان بذلك قال إن كان لكم حاجة فليخرج منكم واحد فأما نحن فليس لنا إليكم حاجة ولا شغل ودام على ذلك متصلاً الليل مع النهار حتى وصل الأنكتار ذكر وصول الأنكتار ولما كان يوم السبت ثالث عشر الشهر قدم ملك الأنكتار بعد مصالحته لصاحب جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وكان قدومه روعة عظيمة ووصل في خمس وعشرين شانية مملوءة بالرجال والسلاح والعدد وأظهر الإفرنج سروراً عظيماً حتى أنهم أوقدوا تلك الليلة نيراناً عظيمة كبيرة وكان ملوكهم يتواعدوننا به فكان المستأمنون منهم يخبروننا عنهم أنهم متوقفون فيما يريدون فيما يفعلوه من مضايقة البلد حتى قدومه فإنه ذو رأي في الحرب مجرب وأثر قدومه في قلوب المسلمين خشية ورهبة، هذا والسلطان يتلقى ذلك كله بالصبر والاحتساب والاتكال على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

стр. 215

ذكر غرق البطسة الإسلامية وهي العلامة الثالثة على أخذ البلد ولما كان السادس عشر وصلت بطسة من بيروت عظيمة هائلة مشحونة بالآلات والأسلحة والمسير والرجال والأبطال المقاتلة وكان السلطان قد أمر بتعبيتها وتسييرها من بيروت ووضع فيها من المقاتلة خلقاً عظيماً حتى تدخل البلد مراغمة للعدو وكان عدة رجالها المقاتلة ستمائة وخمسين رجلاً فأغرقها الأنكتار في عدة شوان، قيل كان فيها أربعون قلعاً فاحتاطوا بها من جميع جوانبها واشتدوا في قتالها وجرى القضاء بأن وقف الهواء فقاتلوها قتالاً عظيماً وقتل من العدو عليها خلق عظيم وأحرقوا للعدو شانياً كبيراً فيه خلق عظيم فهلكوا عن آخرهم وتكاثروا على أهل البطسة وكان مقدمهم رجلاً جيداً شجاعاً مجرباً في الحرب فلما رأى أمارات الغلبة عليهم وأنهم لا بد وأن يقتلوا قال والله لا نقتل إلا عن عزم ولا نسلم إليهم من هذه البطسة شيئاً فوقعوا في البطسة من جوانبها بالمعاول فهدموها ولم يزاولوا كذلك حتى فتحوها عن جانب أبواباً فامتلأت ماء فغرق جميع ما فيها وما فيها من الآلات والمير وغير ذلك ولم يظفر العدو منها بشيء وكان اسم المقدم المذكور يعقوب من رجال حلب وتلقف العدو بعض من كان فيها فأخذوه إلى الشواني من البحر وخلصوه من الغرق وأنفذوه إلى البلد ليخبرهم بالواقعة وحزن الناس لذلك حزناً شديداً والسلطان يتلقى ذلك بيد الاحتساب في سبيل الله والصبر على بلائه والله لا يضيع أجر المحسنين.
следующие страницы →