← История

История · id 12716

النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية = سيرة صلاح الدين الأيوبي

بهاء الدين ابن شداد

Полный текст (389 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

متطلعاً إلى أخبار العدو فأحضر عنده اثنان من الإفرنج قد تخطفهما اليزك فأمر بضرب أعناقهما ووصل من أخبر أن العدو لم يرحل اليوم من منزلته تلك فنزل السلطان واجتمع بأخيه يتحدثان في هذا الأمر وما يصنع مع العدو وبات تلك الليلة في تلك المنزلة. ذكر وقعة أرمون وهي أنكت في قلوب المسلمين ولما كان يوم السبت الرابع عشر بلغ السلطان أن العدو حرك الرحيل نحو أرسوف، فركب ورتب الأطلاب للقتال وعزم على مضايقتهم في ذلك اليوم ومصادمتهم، وأخرج الجاليش من كل طلب، وسار العدو حتى قارب شعرا أرسوف وبساتينها، فأطلق عليهم الجاليش النشاب، ولزمتهم الأطلاب من كل جانب، والسلطان يقرب بعضها ويوقف بعضها ليكون ردأً ويضايق العدو مضايقة عظيمة، والتحم القتال واضطرمت ناره من الجاليش وقتل منهم وجرح، فاشتدوا في السير عساهم يبلغون المنزلة فينزلوا، واشتد بهم الأمر وضاق بهم الخناق، والسلطان يطوف من الميمنة إلى الميسرة يحث الناس على الجهاد، ولقيته مراراً ليس معه إلا صبيان بجنبيه لا غير، ولقيت أخاه وهو على مثل هذه الحال والنشاب يتجاوزهما، ولم يزل الأمر يشتد بالطمع للعدو، وطمع المسلمون فيهم طمعاً عظيماً حتى وصل أوائل راجلهم إلى بساتين أرسوف، ثم اجتمعت الخيالة وتواصلوا على الحملة خشية على القوم، ورأوا أنه لا ينجيهم إلا الحملة. ولقد رأيتهم وقد أجمعوا

стр. 247

في وسط الرجالة وأخذوا رماحهم وصاحوا صيحة الرجل الواحد، وفرج لهم رجالتهم وحملوا حملة واحدة من الجوانب كلها، فحملت طائفة على الميمنة وطائفة على الميسرة وطائفة على القلب، فاندفع الناس بين أيديهم، واتفق أني كنت في القلب ففر القلب فراراً عظيماً، فنويت التحيز إلى الميسرة وكانت أقرب إليّ، ووصلتها وقد انكسرت كسرة عظيمة وفرت أشدّ فرار من الكل، فنويت التحيز إلى طلب السلطان وكان ردأ الأطلاب كلها كما جرت العادة، ولم يبق للسلطان فيه إلاّ سبعة عشر مقاتلا لا غير، وأخذ الباقون إلى القتال لكن الأعلام كلها باقية ثابتة والكؤوس تدق لا تفتر، وأما السلطان لما رأى ما نزل بالمسلمين من هذه النازلة سار حتى أتى إلى طلبه، فوجد فيه هذا النفر القليل، فوقف فيه والناس ينفرون من الجوانب وهو يأمر أصحاب الكؤوس بالدق بحيث لا يفترون، وكلما رأى فارّاً يأمر من يحضره عنده، وفي الجملة ما قصر الناس بفرارهم فإن العدو حمل حملة ففروا ثم وقف خوفاً من الكمين، فوقفوا وقاتلوا، ثم حمل حملة ثانية ففروا وهم يقاتلون في فرارهم، ثم وقف فوقفوا، ثم حمل حملة ثالثة حتى بلغ إلى رؤوس روابٍ هناك وأعالي تلول ففرّوا إلى أن وقف العدو ووقفوا، وكان كل من رأى طلب السلطان واقفاً والكؤوس تدق يستحي أن يجاوزه ويخاف غائلة ذلك فيعود إلى الطلب، فاجتمع في القلب خلق عظيم، ووقف العدو قبالتهم على رؤوس التلول والروابي والسلطان واقف في طلبه، والناس يجتمعون عليه حتى أتت العساكر بأسرها، وخاف العدو أن يكون في الشعرا كمين، فتراجعوا يطلبون المنزلة، وعاد السلطان إلى تل في أوائل الشعرا ونزل عليه في خيمته. ولقد كنت في خدمته أسليه وهو لا يقبل

стр. 248

السلو وظل عليه بمنديل، وسألناه أن يطعم شيئا، فأحضر له شيء لطيف، فتناول شيئاً يسيراً، وبعث الناس للسقي، فإن المكان كان بعيدا، وجلس ينتظر الناس من العود من السقي، والجرحى يحضرون بين يديه وهو يتقدم بمداواتهم وحملهم، وقتل في ذلك اليوم رجالة كثيرة وجرح جماعة من الطائفتين. وكان ممن ثبت الملك العادل والطواشي قايماز النجمي والملك الأفضل ولده وصدم في ذلك اليوم وانفتح دمّل كان في وجهه وسال منه دم كثير على وجهه وهو صابر محتسب في ذلك كله، وثبت أيضاً طلب الموصل ومقدمة علاء الدين، وشكره السلطان على ذلك، وتفقد الناس بعضهم بعضاً فوجدوا أن قد استشهد جماعة من العسكر عرف منهم شخصان أمير كبير مملوك وكان شجاعاً معروفاً وقايماز العادلي وكان مذكوراً وليفوش وكان شجاعاً، وجرح خلق كثير وخيول كثيرة، وقتل من العدو جماعة وأسر واحد وأحضر فأمر بضرب عنقه، وأخذت منهم خيولُ أربعة، وكان قد تقدم ﵀ إلى الثقل أن يسير إلى العوجاء، وذكر أن المنزل يكون على العوجاء، فاستأذنته وقدمت إلى المنزل، وجلس هو ينتظر اجتماع العساكر وما يرد من أخبار العدو، وكان العدو قد نزل على أرسوف قبيلها. المنزل التاسع: وسرت بعد صلاة الظهر حتى أتيت الثقل وقد نزل قاطع النهر المعروف بالعوجاء في منزلة خضراء طيبة على جانب النهر، ووصل السلطان إلى المنزلة أواخر النهار، وازدحم الناس على القنطرة، فنزل على تل مشرف

стр. 249

على النهر ولم يعد إلى الخيمة، وأمر الجاويش أن ينادي في العسكر بالعبور إليه، وكان في قلبه من الوقعة أمر لا يعلمه إلاّ الله تعالى، والناس بين جريح الجسد وجريح القلب، وأقام السلطان إلى سحر الخامس عشر ودقّ الكؤوس وركب، وركب الناس، وسار راجعاً إلى جهة العدو حتى وصل إلى قريب أرسوف وصفّ الأطلاب للقتال رجاء خروج العدو ومسيره حتى يصاف، فلم يرحل العدو في ذلك اليوم لما نالهم من التعب والجراح، وأقام قبالتهم إلى آخر النهار وعاد إلى منزلته التي بات فيها. ولما كانت صبيحة السادس عشر دقّ الكؤوس وركب، وركب الناس، وسار نحوهم، ووصل خبر العدو أنه قد رحل طلباً جهة يافا، فقاربهم مقاربة عظيمة، ورتب الأطلاب ترتيب القتال، وأخرج الجاليش، وأحدق العسكر الإسلامي بالقوم وألقوا عليهم من النشاب ما كان يسد الأفق، وقاتلت قلوبهم قتال الحنق، وقصد ﵀ تحريك عزائمهم على الحملة، حتى إذا حملوا ألقى الناس عليهم وقصدوهم، ويعطي الله النصر لمن يشاء، فلم يحملوا وحفظوا نفوسهم وساروا مصطفين على عادتهم حتى أتوا نهر العوجاء، وهو النهر الذي منزلتنا أعلاه، فنزل في أسفله، وعبر بعضهم إلى غربي النهر، وأقام الباقون من الجانب الشرقي، فلما علم الناس بنزولهم تراجع الناس عنهم، وعاد السلطان إلى الثقل ونزل في خيمته وأطعم الطعام، وأتى بأربعة من الإفرنج قد أخذتهم العرب ومعهم امرأة فرفعوا إلى الزردخانات، وأقام بقية ذلك اليوم يكتب الكتب إلى الأطراف باستحضار بقية العساكر، وحضر من أخبر أنه قتل من العدو يوم أرسوف خيول كثيرة وأنه تتبعها العرب

стр. 250

وعدّوها فزادت على مائة، وأمر السلطان أن رحلت الجمال وتقدمت إلى الرملة، وبات هو بتلك المنزلة. المنزل العاشر: ولما كان سابع عشر صلّى الصبح ورحل، ورحل معه الثقل الصغير، وسار يريد الرملة، وأتى باثنين من الإفرنج فضرب أعناقهم، ووصل من اليزك من أخبر أن العدو رحل من يافا، وسار السلطان إلى أن أتى الرملة، وأتى باثنين من الإفرنج أيضاً فسألهم عن أحوالهم، فذكروا أنهم ربما أقاموا بيافا أيّاماً وفي أنفسهم عمارتها وشحنها بالرجال والعدد، فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وأنها هل تخرب أو تبقى، واتفق الرأي على أن يتخلف الملك العادل ومعه طائفة من العسكر مقارب العدو ليعرف أحوالهم واتصالها وأن يسير هو ويخرب عسقلان خشية أن يستولي عليها الإفرنج وهي عامرة فيقتلوا من بها من المسلمين ويأخذوا بها القدس الشريف ويقطعوا بها طريق مصر، وخشي السلطان من ذلك، وعلم عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم من عكا وما جرى على من كان مقيماً بها ويخيفوا الناس عن الدخول إلى عسقلان، فادخرت القوة في عسكر الإسلام لحفظ القدس المحروس فتعين لذلك خراب عسقلان، فسار الثقل والجمال من أوّل الليل، وتقدم إلى ولده الملك الأفضل أن سار عقيب الثقل نصف الليل، وسار هو وأنا في خدمته سحر الأربعاء.

стр. 251

المنزل الحادي عشر: وهو على عسقلان. ولما كان يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر وصل السلطان إلى يبنا، فنزل بها ضحى، وأخذ الناس راحة، ثم رحل وسار حتى أتى أرض عسقلان، وقد ضربت خيمته بعيدا منها، فبات هناك مهموماً بسبب الخراب، وما نام إلاّ قليلا. ولقد دعاني في خدمت سحرا، وكنت فارقت خدمته بعد مضي نصف الليل، فحضرت وبدأ الحديث في معنى خرابها، وأحضر ولده الملك الفضل وشاوره في ذلك، وطال الحديث في المعنى. ولقد قال لي: والله لأن أفقد أولادي بأسرهم أحب إليّ من أن أهدم منها حجراً واحداً، ولكن إذا قضى الله ذلك لحفظ مصلحة المسلمين كان، ثم استخار الله تعالى، فأوقع الله في نفسه أن المصلحة في خرابها لعجز المسلمين عن حفظها، فاستحضر الوالي قيصر بها وهو من كبار مماليكه وذوي الآراء منهم، فأمره بجمع العمال فيها، ولقد رأيته وقد اجتاز بالسوق والوطاق بنفسه مستقر الناس للخراب، وقسم السور على

стр. 252

الناس، وجعل لكل أمير وطائفة من الناس العسكر بدونه معلومة وبرجا معلوما يخربونه، ودخل الناس البلد ووقع الضجيج والبكاء، وكان بلداً نضراً خفيفاً على القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكناه، فلحق الناس عليه حزن عظيم، وعظم عويل أهله على مفارقة أوطانهم، وشرعوا في بيع ما لا يمكن حمله، فبيع ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد، واختبط البلد، وخرج أهله إلى العسكر بذراريهم ونسائهم خشية أن يهجم الإفرنج، وبذلوا في الكراء أضعاف ما يساوي قوم إلى مصر وقوم إلى الشام وقوم يمشون إذا لم يقع لهم كراء، وجرت أمور عظيمة وفتنة هائلة لعلها لم تختص بالذين ظلموا، وكان هو بنفسه وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في الخراب والحث عليه خشية أن يسمع العدو فيحضر ولا يمكن خرابها، وبات الناس في الخيام على أتم حال من التعب والنصب، وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل أن الإفرنج تحدثوا معه في الصلح، وأنه خرج إليه ابن الهنغري وتحدث معه وأنه طلب جميع البلاد الساحلية، فرأى السلطان أن ذلك مصلحة لما رأى في أنفس الناس من الضجر والسآمة من القتال والمصابرة وكثرة ما علاهم من الديون، وكتب إليه يسمح في الحديث في ذلك وفوّض أمر ذلك إلى رأيه، وأصبح في العشرين على الإصرار على الخراب واستعمال الناس فيه، وحثهم عليه، وأباحهم الهري الذي كان ذخيرة في البلد للعجز عن نقله وضيق الوقت والخوف من هجوم الإفرنج، وأمر بحرق البلد، فأضرمت النار في بيوته ودوره، ورفض أهله بواقي الأقمشة للعجز عن نقلها، والأخبار تتواتر من جانب العدو بعمارة يافا، وكتب الملك

стр. 253

العادل يخبر أن القوم لم يعلموا بخراب البلد وأن سوّف القوم وطوّل الحديث لعلّنا نتمكن من الخراب، وأمر بحشو أبراج البلد بالأحطاب وأن تحرق، وأصبح الحادي والعشرون فركب يحث الناس، ودام يستعملهم على التخريب ويطوف عليهم بنفسه حتى التاث مزاجه التياثاً قويّاً امتنع بسببه من الركوب والغذاء يومين، وأخبار العدو تتواصل إليه في كل وقت ويجري بينهم وبين اليزك والعسكر وقعات وهو يواظب على الحث على الخراب، ونقل الثقل إلى قريب البلد ليعاونوا الغلمان والحمالين وغيرهم من ذلك، فخرب من السور معظمه، وكان عظيم البناء بحيث أنه كان عرضه في مواضع تسعة أذرع وفي مواضع عشرة أذرع، وذكر بعض الحجارين للسلطان وأنا حاضر أن عرض السور الذي ينقبون فيه مقدار رمح، ولم يزل التخريب والحريق يعمل في البلد وأسواره إلى سلخ شعبان، وعند ذلك وصل من جرديك كتاب يذكر فيه أن القوم يتفسحون وصاروا يخرجون من يافا يغيرون على البلاد القريبة منها، فتحرك السلطان لعله يبلغ منهم غرضاً في غرّتهم، فعزم على الرحيل على أن يخلف في عسقلان حجارين ومعهم خيل تحميهم ويستنهضونهم في الخراب، ثم رأى أن يتأخر بحيث يحرق البرج المعروف بالأسبتار، وكان برجاً عظيماً مشرفاً على البحر كالقلعة المنيعة، ولقد دخلته وطفته فرأيت بناءه أحكم بناه، يقرب من أن لا تعمل فيه المعاول، وإنما أراد أن يحرقه حتى يبقى بالحريق قابلا للخراب ويعمل الهدم فيه. وأصبح مستهل رمضان فأمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك بنفسه وخواصه. ولقد رأيته يحمل الخشب ويحشونه في البرج حتى امتلأ، ثم أطلقت

стр. 254

فيه النار فاشتعل الخشب، وبقيت النار تشتعل فيه يومين بلياليهما، ولم يركب السلطان في ذلك اليوم تسكينا لمزاجه، وعرض لي أيضاً تشوش مزاج اقتضى انقطاعي عنه في ذلك اليوم، ولقد تردد إلى من سأل عن مزاجي من عنده ثلاث مرات مع اشتغال قلبه بذلك المهم. فالله تعالى يرحمه، لقد ماتت محاسن الأخلاق بموته. تشوش مزاج اقتضى انقطاعي عنه في ذلك اليوم، ولقد تردد إلى من سأل عن مزاجي من عنده ثلاث مرات مع اشتغال قلبه بذلك المهم. فالله تعالى يرحمه، لقد ماتت محاسن الأخلاق بموته. ذكر رحيله إلى الرملة ثم رحل السلطان ثاني رمضان نصف الليل خشية على مزاجه من الحر، ووصل بنا ضحوة النهار، ونزل في خيمة أخيه، وبات في تلك المنزلة، وأصبح ثالث الشهر راحلاً إلى جهة الرملة، فسار حتى أتاها ضحوة النهار، ونزل بالثقل الكبير نزول إقامة، ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلباً، وأطعم الناس الطعام، وأخذ جزءاً من الراحة، وركب بين صلاتي الظهر والعصر وسار إلى لد ورآها ورأى بيعتها وعظم بنائها، فأمر بخرابها وخراب قلعة الرملة، فوقع الخراب في الموضعين في ذلك اليوم وفرق الناس فرقا لتخريب المكانين وأرباح ما فيها

стр. 255

من التبن والشعير في الأهراء السلطانية، وأمر من كان فيها من المقيمين بالانتقال إلى المواضع العامرة، وما كان بقي في المكانين إلا نفر يسير، وظل الناس يخربون إلى أن أمسى المساء، ثم عاد إلى خيمته وأصبح رابع رمضان فأقام الحجارين في المكانين ورتب عليهم من يستنجزهم في ذلك، وهو يتردد عليهم في الأصائل، حتى جاء وقت المغرب فمد الطعام وأفطر الناس وانفصلوا إلى خيمهم، ووقع له أن يسير خفية في نفر يسير يشاهد أحوال القدس. فسار من أول الليل، حتى أتى بيت نوبة، فبات فيها حتى أتى الصباح وصلّى ثم سار حتى أتى القدس في خامس الشهر، وخلف أخاه في العسكر يحث الناس على الخراب، وأقام ذلك اليوم يتصفح أحوال القدس في عمارته وميرته وعدته ورجاله وغير ذلك، وظفر في ذلك غلمان الطواشي قايماظ بنفر من النصارى ومعهم كتب قد كتبها الوالي إلى السلطان قريبة التاريخ يذكر فيها أعواز البلد الغلة والعدة والرجال، فوقف على الكتب وضربت رقاب كل من كان معهم، وما زال يتصفح أحوال المكان ويأمر بسد خلله إلى الثامن وخرج سائراً إلى العسكر بعد صلاة الظهر فبات في بيت نوبة. وفي هذا اليوم وصل عز الدين قيصر شاه صاحب ملطية ابن قليج أرسلان وافداً عليه مستنصراً به على أخوته وأبيه، فإنهم كانوا يقصدون أخذ بلدة منه فلقيه الملك العادل قاطع لد فاحترمه وأكرمه، ثم لقيه الملك الأفضل وضربت خيمته قريباً من لد. وفي ذلك اليوم خرج من العدو الحشاشة فحمل عليهم اليزك، ووصل الخبر إلى عسكرهم فخرج إلى نصرتهم خيالة وجرى بينهم وبين اليزك قتال، وذكر بعض الأسرى أنه كان معهم الأنكتار وأن مسلما قصد طعنه فحال بينه وبينه إفرنجي فقتل الإفرنج وجرح هو هكذا ذكروا والله أعلم.

стр. 256

ولما كان التاسع وصل ﵀ إلى العسكر ولقيه الناس مستبشرين بقدومه، ولقيه ابن قليج أرسلان فنزل له واحترمه وأكرمه، ونزل في خيمته، وأقام يحث الناس على التخريب، وتتواصل أخبار العدو إليه، ويقع بينهم وبين اليزك وقعات، ويسرق العرب من خيولهم ويقاتلهم رجالهم. ذكر وصول رسول مركيس وفي غضون ذلك وصل رسول المركيس يذكر أنه يصالح الإسلام بشرط أن يعطى صيدا وبيروت، على أن يجاهر الإفرنج بالعداوة ويقصد عكا ويحاصرها ويأخذها منهم، واشترط أن يبذل للسلطان اليمين على ذلك ابتداء قسير العدل النجيب وحمله الإجابة إلى ملتمسه لقصد فصله عن الإفرنج فإنه كان خبيثاً ملعوناً، وكان قد استشعر منهم أخذ بلده وهي صور فانحاز عنهم واستعصم بصور وهي منيعة فقال ذلك القول لهذا السبب، وسار النجيب العدل مع رسوله في الثاني عشر واشترط عليه أن يبدأ بمجاهرة القوم وحصار عكا أخذها

стр. 257

وإطلاق من بها وبصور من الأسرى، وعند ذلك يسلم إليه الموضعان. وفي عشية ذلك اليوم خرج رسول ملك الأنكتار إلى الملك العادل في تحريك سلسلة الحديث في الصلح. ولما كان الثالث عشر من رمضان رأى السلطان أن يتأخر العسكر الجميل ليتمكن الناس من إنقاذ دوابهم إلى العلوفة، فإنّا كنّا على الرملة قريبين من العدو، ولا يمكن التفريط في الدواب خشية المهاجمة، فرحل ونزل على جبل متصل بجبل النطرون بالثقل الكبير وجمع العساكر ما عدا اليزك على العادة، وذلك بعد خراب الرملة ولد، ولما نزل هناك دار حول النطرون وأمر بخرابها، وكانت قلعة منيعة حصينة من القلاع المذكورة فشرع في خرابها. وترددت الرسل بين الملك العادل والأنكتار يذكرون أنه قد سلم أمر الصلح إلى الملك العادل، وأخلد إليه، وخرج في عشرة أنفس إلى اليزك، فأخبروه بأخبار طيّبة وكتب بها إلى السلطان في السابع عشر، وكان مما اخبره به أخوه أن الملك افرنسيس مات، وكان موته

стр. 258

بأنطاكية عن مرض عرض له، وأن الأنكتار عاد إلى عكا، وكان سبب عوده أنه صح عند مراسلة المركيس للسلطان وبلغه أن المركيس قد انتظم الحال بيننا وبينه وأنه قد استقرت القاعدة على عكا، فعاد هو إلى عكا لفسخ هذه المصالحة واسترجاع المركيس إليه، فركب السلطان إلى اليزك واجتمع بأخيه في لد، وسأله عن الأخبار، وعاد إلى المخيم وقت العصر، وأتى باثنين من الإفرنج قد تخطفهم اليزك فأخبروا بصحة موت الإفرنسيس وعود الأنكتار إلى عكا. ذكر مسير الملك العادل إلى القدس ولما كان التاسع عشر اقتضى الحال تفقد القدس والنظر في عمارته، وكان الملك العادل قد عاد من اليزك وعلم بعد مسير مقدمي الإفرنج عنا فرأى أن يكون هو الذي يسير، فسار في هذا اليوم لهذا الغرض. وفي تاريخ هذا اليوم وصل كتاب من تقي الدين يخبر فيه أن قزل صاحب ديار العجم ابن يلدكز قفز عليه أصحابه فقتلوه، وقيل أن ذلك كان من تحت يد زوجته تعصباً للسلطان طغريل، وجرى بسبب قتله خبط عظيم في بلاد العجم، وكان قتله في أوائل شعبان من هذه السنة.

стр. 259

ولما كان الحادي والعشرون من رمضان قدم الملك العادل من القدس، وفي هذا التاريخ وصل كتاب من الديوان العزيز النبوي يذكر فيه قصد الملك المظفر تقي الدين خلاط ويذكر فيه العناية التامة ببكتمر ويشفع في حسن بن قفجاق والتقدم بإطلاقه، وكان قد قبض عليه مظفر الدين بن زين الدين بإربل ويتقدم بمسير القاضي الفاضل إلى الديوان لبث حال وفصل أمر وسير الكتاب إلى الفاضل ليقف عليه ويكتب إلى تقي الدين. ذكر أخبار يزك كان على عكا ولصوص دخلوا في خيام العدو ولما كان الثاني والعشرون أحضر لصوص فرساً وبغلة قد دخلوا إلى خيم العدوّ وسرقوهما، وكان قد رتب ﵀ ثلاثمائة لص من شلوح العرب يدخلون ويسرقون منهم أموالهم وخيولهم ويسرقون الرجال أحيانا، وذلك أنه يكون الواحد منهم نائماً فيوضع على حلقه الخنجر ثم يوقظ فيرى الشلح وقد وضع الخنجر على نحره فيسكت ولا يتجاسر أن يتكلم فيحمل وهو على هذا الوضع إلى أن يخرج من الخيم ويؤخذ أسيرا، وتكلم منهم جماعة

стр. 260

فنحروا، فصار من أصابه ذلك لا يتكلم، واختاروا الأسر على القتل، وداموا على ذلك مدة طويلة إلى انتظام الصلح. وفي ذلك اليوم وصل من اليزك من أخبر أنهم خرجوا من عكا يتفسحون وأن اليزك حمل عليهم فأسر منهم أحداً وعشرين نفساً، وأن الأسرى أخبروهم بصحة عود الأنكتار إلى عكا وأنه مريض بها، وخبروا عن ضعف أهل عكا وفقرهم وقلة الميرة عندهم. وفي هذا التاريخ وصل للعدو مراكب عدة قيل أنها وصلت من عكا وأن فيها الأنكتار قد عاد بجماعة عظيمة ليقصد عسقلان ويعمرها، وقيل يقصد القدس، والله اعلم. ولما كان الرابع والعشرون وصل الأسرى المذكورون من الزيب وكان وصولهم فرحاً للمسلمين مبشراً بكل خير وفيه وصل رسول قزل وكان قد سيّره قبل وفاته، ورسول ابن أخيه إيناج، وفي عشيته وصل رسول من الأنكتار معه حصان إلى الملك العادل في مقابلة هدية كان أنفذها عليه، وفيه وصل خبر وفاة حسام الدين لاجين بدمشق لمرض كان اعتراه فصعب على السلطان موته وشق عليه، وفيه وصل كتاب من سامة يذكر فيه أن البرنس أغار على جبلة واللاذقية وانه كسر كسرة عظيمة وقتل منه جماعة وعاد إلى أنطاكية.

стр. 261

ذكر رسول الملك العادل إلى الأنكتار ولما كان السادس والعشرون كان اليزك للعادل فطلب الأنكتار رسوله فأنفذ الصنيعة وهو كاتبه. وكان شاباً حسناً، فوصل إليه وهو في بازور قد خرج في جمع كثير من الرجالة وانبثوا في تلك الأرض فاجتمع به وسار معه زمناً طويلا وحادثه في معنى الصلح وقال لا ارجع عن كلام أتحدث به من أخي وصديقي، يعني العادل، وذكر له كلاماً وعاد وأخبره به، فكتبه الملك العادل في رقعة وأنفذها إلى السلطان وكان يتضمن أنك تسلم عليه وتقول له إن المسلمين والإفرنج قد هلكوا وخربت البلاد وخرجت من يد الفريقين بالكلية، وقد تلفت الأموال والأرواح من الطائفتين وقد أخذ هذا الأمر حقه وليس هناك حديث سوى القدس والصليب والبلاد، والقدس متعبدنا ما ننزل عنه ولو لم يبق منا إلاّ واحدا. وأما البلاد فيعاد إلينا ما هو قاطع الأردن. وأما الصليب فهو خشبة عندكم لا مقدار له وهو عندنا عظيم فيمنّ به السلطان علينا ونصطلح ونستريح من هذا التعب. ولما وقف السلطان على هذه الرسالة استدعى أرباب المشورة في دولته واستشارهم في الجواب والذي رآه السلطان أن قال القدس لنا كما هو لكم، وهو عندنا أعظم مما هو عندكم، فإنّه مسرى نبيّنا ومجتمع الملائكة، فلا تتصوّر أن ننزل عنه ولا نقدر على التفريط بذلك بين المسلمين، وأما البلاد فهي أيضاً لنا في الأصل واستيلاؤكم عليها كان طارئاً عليها لضعف من كان فيها من المسلمين في ذلك الوقت، وما يقدركم الله على عمارة حجر منها ما دام الحرب قائما، وما في أيدينا منها نأكل بحمد الله مغله وننتفع به. وأما الصليب فهلاكه عندنا قربة عظيمة لا يجوز لنا أن نفرّط فيها إلا لمصلحة راجعة إلى الإسلام هي أوفى منها، وسار هذا الجواب إليه مع الواصل منه.

стр. 262

ذكر هرب شيركوه بن باخل الكردي من عكا وكان أسيراً ولما كان آخر السادس والعشرين وصل شيركوه بن باخل وهو من جملة الأمراء المأسورين بعكا وكان من قصته أنه هرب ليلة الحادي والعشرين، وذلك أنه كان ادّخر له حبلاً في مخدّته وكان الأمير حسن بن باريك ادّخر له حبلاً في بيت الطهارة واتفقا على الهرب ونزلا من طاقة كانت في بيت الطّهارة، وانحدرا من السور الأوّل وعبر شيركوه من الباشورة وكان ابن باريك حالة نزوله انقطع به الحبل ونزل شيركوه سليماً، فرآه وقد تغير من الوقعة فكلّمه فلم يجبه، وحرّكه فلم يتحرّك، فهزّه لعلّه ينشط فيسير معه فلم يقدر، فعلم أنه إذا أقام عنده أخذا جميعا، فتركه وانصرف واشتد هرباً في قيوده حتى أتى تل العياضية وقد طلع الصبح، فأكمن في الجبل حتى علا النهار، وكسر قيده وسار وستر الله حتى أتى المعسكر ومثل بخدمة السلطان، وكان من أخباره أن سيف الدين المشطوب ضيّق عليه وأنه قطع على نفسه قطيعة عظيمة من خيل وبغال وأنواع الأموال وأن الملك الأنكتار أتى عكا وأخذ كل ما له بها من خدمه ومماليكه وأقمشته ولم يبق له منها شيئاً، وأن فلاحي الجبل يمدونه بالميرة مدداً عظيماً، وأن طغرل السلحدار أخذ خواص مماليك السلطان وهربوا قبل هروبه.

стр. 263

ذكر رسالة سيّرني فيها الملك العادل إلى السلطان مع جماعة من الأمراء وذلك أنه لما كان التاسع والعشرون من رمضان استدعاني الملك العادل في صحبته، واحضر جماعة من الأمراء علم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين بن المقدم وحسام الدين بشارة، وشرح لنا ما عاد به رسوله من الأنكتار من الرسالة والكلام، وذلك أنه ذكر أنه قد أراد أن يتزوج الملك العادل بأخت الأنكتار وكان قد استصحبها معه من صقلية، فإنها كانت زوجة صاحبها وقد مات فأخذها أخوها لما اجتاز بصقلية، فاستقرت القاعدة على أن يكون مستقر ملكها بالقدس، وأن أخاها يعطيها بلاد الساحل التي بيده من عكا إلى يافا وعسقلان إلى غير ذلك ويجعلها ملكة الساحل ويجعله ملك الساحل ويكون ذلك مضافاً إلى ما في يده من البلاد والإقطاع وأنه يسلم إليه صليب الصلبوت وتكون القرى للداوية والأسبتار والحصون لهما وأسرانا تفك وكذلك أسراهم وأن الصلح يستقر على هذه القاعدة ويرحل الأنكتار طالباً بلاده في البحر وينفصل الأمر، هكذا ذكر رسول العادل عن الأنكتار. ولما عرف ذلك العادل بنى عليه أن استحضرنا عنده وحمّلنا هذه الرسالة إلى السلطان وجعلني المتكلم فيها ولجماعة يسمعون ونعرض عليه هذا الحديث فإن استصوبه ورآه مصلحة للمسلمين شهدنا عليه بالإذن في

стр. 264

ذلك والرضا به، وإن أباه شهدنا عليه أن الحال في الصلح قد انتهى إلى هذه الغاية وأنه هو الذي رأى إبطاله، فلما مثلنا بالخدمة السلطانية عرضت عليه الحديث وتلونا عليه الرسالة بمحضر من الجماعة المذكورين، فبادر إلى الرضا بهذه القاعدة معتقداً أن الأنكتار لا يوافق على ذلك أصلا، فإن هذه منه مكر وهزل، فكررت عليه الرضا بذلك ثلاث مرات وهو يقول نعم ويفرح ويشهد على نفسه به، فلما تحققنا منه ذلك عدنا إلى الملك العادل فعرّفناه بما قال، وعرّفه الجماعة أني كررت عليه الحديث في تقييد الشهادة عليه وأنه أصرّ على الإذن في ذلك واستقرّت القاعدة عليه. ذكر عودة الرسول إلى الأنكتار بالجواب عن هذه الرسالة ولما كان ثاني شوال سار ابن النحال رسولا من جانب السلطان ومن جانب الملك العادل، فلما وصل إلى مخيم العدو وأنفذ من عرف الملك بقدومه، أنفذ إليه من قال له أن الملكة عرض عليها أخوها النكاح فسقطت من ذلك وغضبت بسببه وأنكرت ذلك إنكاراً عظيماً وحلفت بدينها المغلظ من يمينها أنها لا تفعل ذلك وكيف تمكن مسلماً من غشيانها، ثم قال أخوها: إن الملك العادل يتنصر وأنا أتمم ذلك، وترك باب الكلام مفتوحا.

стр. 265

ولما كان خامس شوال وصل الخبر أن الأسطول الإسلامي استولى على مراكب الإفرنج وفيها مركب يعرف بالسطح، قيل أنه كان فيه أنفر وزائد على ذلك وأنه قتل منهم خلق عظيم واستبقى منهم أربعة مذكورون، وسرّ المسلمون بذلك، وضربت بشائر النصر، ونعق بوق الظفر، فلله الحمد والمنّة. ولما كان سادس شوّال جمع السلطان أكابر الأمراء وأرباب الآراء من دولته وشاورهم كيف يصنع إن خرج العدو، وكان قد تواصلت الأخبار عنهم أنهم قد اتفقوا على الخروج إلى العسكر الإسلامي، فانفصل الرأي بين ذوي الآراء على أنهم يقيمون بمنزلهم بعد تخفيف الأثقال، فإن خرج الإفرنج كانوا على لقائهم. وفي عشية ذلك اليوم استأمن من الإفرنج اثنان على فرسين وأخبرا أن العدو على عزم الخروج وأنهم زهاء عشرة آلاف فارس، وذكر أنهم لا يعرفون قصدهم، وهرب أسير مسلم من جانبهم وأخبر أنهم قد أظهر الخروج إلى الرملة ثم فيها يتعقون على موضع يقصدونه. ولما تحقق السلطان أمر الجاويش أن ينادي في العسكر حتى يتجهز جريدة وشدت الرايات واتفق على أنه يقف قبالة القوم إن خرجوا وسار في السابع مؤيداً منصوراً حتى أتى قبلي كنيسة الرملة ليلاً فخيّم هناك ليليه.

стр. 266

ذكر خروج الإفرنج من يافا ولما كانت صبيحة الثامن رتب الأبطال للقتال وسلم اليزك للملك العادل وتبعه من يريد من الغزاة وكان قد وصل وجماعة من الروم يريدون الغزاة فخرجوا في جملة من خرج فلما وصلوا إلى خيام الإفرنج هجم عليهم المماليك السلطانية لقوة جأشهم وأنسهم بقتالهم وثقتهم بمراكبهم ورموا عليهم النشاب فرآهم الغزاة والواصلون من الروم فاغتروا بإقدامهم ووافقوهم في فعلهم وقاربوا عسكر العدو فلما رأى الإفرنج تلك المضايقة والمنازلة ثارت هممهم وحركتهم نخوتهم فركبوا من داخل الخيام وصاحوا صيحة الرجل الواحد وحملوا في جمع كثير فنجا من سبق به جواده وقدر في القدم نجاته وظفروا بجماعة فقتل منهم ثلاثة نفر ونقلوا خيامهم إلى بازور وأقام السلطان في تلك الليلة بمنزلته إلى الصباح. ذكر وفاة تقي الدين الملك المظفر ولما كان الحادي عشر ركب السلطان إلى جهة العدو فأسرف عليهم ثم عاد وأمرني بالإشارة إلى أخيه بأن يحضر معه علم الدين سليمان وسابق الدين وعز الدين بن المقدم فلما مثل الجماعة بين يديه أمر خادماً أن يخلي المكان عن غير الحاضرين وكنت في جملتهم وأمر بإبعاد الناس عن الخيمة ثم أخرج

стр. 267

كتاباً من قباه وفضّه ووقف عليه وبدت دموعه وغلبه البكاء والنحيب حتى وافقناه من غير أن نعلم السبب ما هو وفي أثناء ذلك ذكر أنه يتضمن وفاة الملك المظفر فأخذ الجماعة في البكاء حتى أتوا بوظيفته ثم ذكرته لله تعالى وانتهاء قضائه وقدره فقال أستغفر الله إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم قال: المصلحة كتم ذلك وإخفاؤه لئلا يتصل بالعدو ونحن ننازله. ثم أحضر الطعام، فأكلوا الجماعة وانفصلوا، وكان الكتاب الواصل المتضمن نعيه هو غير الكتاب الواصل إلى حماة بنعيه في طي كتاب وصل من النائب بها، وكانت وفاته بطريق خلاط عائداً إلى ميافارقين فحمل ميتاً إلى ميافارقين ثم عملت له تربة عليها مدرسة مشهورة بأرض حماة وحمل إليها، وزرت ضريحه، وكانت وفاته تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانين. ذكر كتاب وصل من بغداد ولما كان الثاني عشر من شوال وصل من دمشق كتاب من النواب بها في طيه كتاب من بغداد من الديوان العزيز النبوي مجده الله يتضمن فصولاً ثلاثة: الأول الإنكار على الملك المظفر في مسيره إلى بكتمر وبولغ فيه حتى قيل إن الديوان العزيز لا يسلمه. والفصل الثاني يتضمن الإنكار على مظفر الدين في إمساك حسن بن قفجاق والأمر بإعادته إلى الكرخاني وبولغ فيه حتى قيل إن الديوان العزيز لم يأذن لغيره في سكناها. وكانت قصة حسن بن قفجاق أنه قصد أرمية إلى السلطان طغريل فإنه كان قد نزل به في معونته لما هرب من ديار العجم واستنصر

стр. 268

به وتزوج أخته ووقع في ذهنه أنه يكون أتابكه ويملك به البلاد فقصد أرمية فقتل أهلها على ما قيل وسبى نساءهم وذراريهم وتعرض للقوافل وكان معقله الكرخاني فلما وجد السلطان طغريل قوته تركه وانصرف عنه وعاد إلى بلاده وأظهر الفساد في الأرض والتعرض للقوافل على ما قيل فاستعطفه مظفر الدين صاحب إربل حتى عاد إليه وانخرط في سلك أصحابه وقبض عليه وأنفذ إلى الديوان العزيز ذلك وفي معناه استيلاء مظفر الدين على بلاده ولعله تشفع إلى الديوان فاقتضت عاطفته ذلك في حقه. وأما الفصل الثالث فكان يتقدم بإحضار القاضي الفاضل في الديوان رسولاً لتقرر عليه قواعد ويسر إليه أسباب. هكذا كان مضمون الكتاب، وأما الجواب عنه فإن السلطان أجاب عن الفصل الأول بأنا لم نأمره بشيء من ذلك وإنما عبر ليجمع العساكر ويعود إلى الجهاد فاتفقت أسباب اقتضت ذلك وقد أمرنا بالعود. وأما الفصل الثاني فأجاب عنه بأن عرفهم حال بأن قفجاق وما تصدى له من الفساد في الأرض وأنه تقدم إلى مظفر الدين حتى يحضره معه إلى الشام فيقطعه فيه ويكون ملازماً للجهاد. وأما الفصل الثالث فإنه اعتذر عن القاضي الفاضل بأنه كثير الأمراض وقوته تضعف عن الحركة إلى العراق. فهذا اكن حاصل الجواب. ذكر وصول صاحب صيدا رسولاً من جانب المركيس ولما كان ثالث عشر شوال وصل من

стр. 269

أخبر بوصول صاحب صيدا من جانب المركيس صاحب صور وكان قد جرى بيننا وبينه أحاديث مترددة حاصلها أنهم ينقطعون عن الإفرنج ونصرتهم ويصيرون معنا عليهم بناء على فتنة كانت جرت للمركيس مع الملوك بسبب امرأة تزوجها كانت زوجة لأخي الملك جفري وقبح نكاحها بأمر اقتضاه دينهم فاضطربت آراؤهم فيه فخاف المركيس على نفسه فأخذ زوجته وهرب تحت الليل إلى صور وأخلد إلى السلطان والاعتضاد به وكان في ذلك مصلحة للمسلمين لانقطاع المركيس عن الإفرنج فإنه كان أشدهم بأساً. وأعظمهم للحرب مراساً. وأثبتهم في التدبير أساساً. وحين اتصل خبر وصول هذا الرسول بالسلطان أمر بإجلاله واحترامه فضربت خيمة وضرب حولها شقة ووضع فيها من الطرح والفرش ما يليق بعظمائهم وملوكهم وأمر بإنزاله في الثقل يستريح ثم يجتمع به. ذكر واقعة الكمين الذي استشهد فيه إياس المهراني ولما كان سادس عشر شوال أمر السلطان الحلقة أن كمنت للعدو في بطون أودية هناك واستصحبوا جماعة من العرب فلما استقر الكمين في موضعه ظهرت العرب على جاري عادتها في مناوشتها العدو وكان العدو تخرج منه جماعة للاحتشاش والاحتطاب قريباً من مخيمة تضرب العرب وتضرب العرب عليهم فضربوا عليهم ووقع الحرب وثار الصياح وسمع العدو فركب منهم جمع من الخيالة وطلبوا جهة العرب

стр. 270

فانهزم العرب بين أيديهم إلى جهة الكمين والعدو يتبعهم طمعاً حتى قاربوا الكمين فخرج الكمين عليهم وصاحوا بهم صيحة الرجل الواحد فانهزموا بين أيديهم نحو خيامهم واتصل الخبر بالعدو فركب منهم خلق عظيم وقصدوا نحو الوقعة والتحم القتال واشتد الأمر وقتل جمع من الطائفتين وأسر وجرح من العدو وأخذ منهم خيل كثيرة وكان سبب انفصال الحرب أن السلطان أحس بهذه الوقعة فأنفذ أمراء أخر أسلم وسيف الدين يازكج ومن يجري مجراهما ردأً للمسلمين وقال: إذا رأيتم الغلبة على الكمين فاظهروا. فلما رأوا الكثرة من جانب العدو وخرجوا بخيلهم ورجلهم ولما رأى العدو الأطلاب الإسلامية قد صوبت نحوه أعنة خيلها ولوا الأدبار نحو خيامهم والسيف يعمل في أقفيتهم حتى دخلوا الخيام. وانفصل الحرب قبيل الظهر وكان السلطان قد ركب متشوّفاً أخبار الكمين وكنت في خدمته وكان أول من دخل من الوقعة ووصل جماعة من العرب ومعهم خمس رؤوس من الخيل قد أخذوها وانفصلوا قبل انفصال الحرب وما زالت الطلائع تتواتر والبشائر تتواصل، وقتل العدو زهاء ستين نفراً وجرح من المسلمين جماعة منهم إياس المهراني وكان شجاعاً معروفاً واستأمن اثنان بخيولهما وعدتهما وعاد السلطان إلى خيمته فرحاً مسروراً معرضاً من قتل فرسه، متلطفاً بالجريح، مترجماً على

стр. 271

الشهيد. وفي بقية هذا اليوم وصل رسول الأنكتار إلى الملك العادل يعتبه على الكمين ويطلب الاجتماع به. ذكر ما جرى للملك العادل والأنكتار واجتماعهما ولما كان الثامن عشر سار الملك العادل إلى اليزك وضربت له قبة عظيمة وسار ومعه من الأطعمة والحلاوات والتجملات والتحف وما جرت العادة أن يحمل من ملك إلى ملك وهو إذا تجمل في ذلك لا يغلب، وسار الأنكتار إلى خيمته وحضر عنده فاحترمه احتراماً عظيماً ووصل مع الأنكتار إلى خيمته وأحضر من طعامهم الذي يختصون به ما أتحف به الملك العادل على وجه المطايبة فتناول منه الملك العادل وتناول هو وأصحابه الواصلون معه من طعام الملك العادل وتحادثا معظم ذلك النهار وتفاصلا على تواد ومحبة أكيدة. ذكر الرسالة التي أنفذها الأنكتار إلى السلطان وفي ذلك اليوم سأل الأنكتار الملك العادل أن يلتمس من السلطان الاجتماع به والمثول بين يديه. ولما وصلت هذه الرسالة شاور

стр. 272

السلطان الجماعة في الجواب فما منهم من وقع له ما وقع للسلطان. وذلك أنه قال: الملوك إذا اجتمعوا يقبح منهم المخاصمة بعد ذلك فإذا انقطع أمر حسن الاجتماع والاجتماع لا يكون إلا لمفاضة في مهم، وأنا لا أفهم بلسانك وأنت تفهم بلساني ولا بد من ترجمان بيننا نثق أنا وأنت به فليكن ذلك الترجمان رسولاً حتى يستقر أمر وتستتب قاعدة وعند ذلك يكون الاجتماع الذي يعقبه الوداد والمحبة. قال الرسول: ولما سمع الأنكتار هذا الجواب استعظمه وعلم أنه لا يقدر على بلوغ غرض إلا بالدخول تحت المراضي السلطانية ولما كان التاسع عشر جلس السلطان واستحضر صاحب صيدا لسماع رسالته وكلامه فحضر وحضر معه جماعة وصلوا معه وكنت حاضر المجلس فأكرمه إكراماً عظيماً وحادثهم وقدم بين أيديهم ما جرت به العادة. ولما فرغ الطعام خلا بهم وكان حديثهم في أن السلطان يصالح المركيس صاحب صور وكان قد انضم إليه جماعة من أكابر الإفرنجية منهم صاحب صيدا وغيره من المعروفين وقد سبقت قصته وكان من شروط الصلح معه إظهار عداوة الإفرنج البحرية وكان سبب ذلك شدة خوفه منهم وواقعة وقعت له معهم بسبب الزوجة وبذل له السلطان الموافقة على شروط قصد بها الإيقاع بينهم وأن يقتل بعضهم فلما سمع السلطان

стр. 273

حديثه وعد أن يرد عليه الجواب فيما بعد وانصرف عنه في ذلك اليوم. ذكر وصول رسول الأنكتار وهو ابن الهنغري وهو من أكابرهم وملوكهم ومن أولاد ملوكهم وصل وفي صحبته شيخ كبير ذكروا أن عمره مائة وعشرون سنة فأحضره السلطان عنده وسمع كلامه. وكانت رسالته أن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك وأنك ذكرت أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية لأخيك فأريد أن تكون حكماً بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا علقة بالقدس الشريف ومقصودي أن نقسم بحيث لا يكون عليه لوم من المسلمين ولا علي لوم من الإفرنجية فأجابه في الحال بوعد جميل ثم أذن له في العود في الحال وتأثر بذلك تأثراً عظيماً وأنفذ وراءهم من سألهم عن حديث الأسارى وكان منفصلاً عن حديث الصلح. فقال: إن كان صلح فعلى الجميع وإن لم يكن صلح فلا يكون من حديث الأسارى شيء وكان غرضه ﵀ أن ينسخ قاعدة الصلح فإنه التفت إلي في آخر المجلس بعد انفصالهم وقال متى ما صالحناهم لا تؤمن غائلتهم فإنني لو حدث لي حادث الموت ما تكاد تجتمع هذه العساكر وتقوى الإفرنج فالمصلحة أن لا نزال على الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت. هذا كان رأيه قدس الله روحه وإنما غلب على الصلح.

стр. 274

ذكر مشورة ضربها في التخيير بين الصلح بين الأنكتار والمركيس ولما كان حادي عشر شوال جمع السلطان الأمراء والأكابر وأرباب المشورة وذكر لهم القاعدة التي التمسها المركيس واستقر الأمر من جانبه عليها وهي أخذ صيدا وأن يكون معنا على الإفرنج ويقاتلهم ويجاهرهم بالعدوان، وذكر ما التمسه الملك من تقرير قاعدة الصلح وهي أن تكون لنا من القرى الساحلية مواضع معينة وتكون لنا الجبليات بأسرها أو تكون القرى كلها مناصفة وعلى هذين القسمين يكون لهم قسوس فيبيع القدس الشريف وكنائسه. وكان الأنكتار قد خيرنا بين هذين القسمين فشرح قدس الله روحه الحال في القاعدتين للأمراء واستنبط آراءهم في ترجيح أحد الحالين فرأى أرباب الرأي أنه إن كان صلح فليكن مع الملك فإن مصافاة الإفرنج للمسلمين بحيث يخالطوهم بعيدة غير مأمونة الغائلة. وانفض الناس وبقي الحديث متردداً في الصلح والرسل تتواتر في تقرير قواعد الصلح. وأصل التقاعد أن الملك قد بذل أخته للملك العادل بطريق النرويج وأن تكون البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية لهما، فأما الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب السلطان وكان آخر الرسائل من الملك في المعنى أن قال: إن معاشر دين النصرانية قد أنكروا علي

стр. 275

وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ومقدمه وها أنا أسيّر رسولاً يعود في ستة أشهر فإن أذنت فيها ونعمت وإلا زوجتك ابنة أخي وما أحتاج إلى إذنه في ذلك. هذا كله وسوق الحرب قائم، والقتال عليهم ضربة لازم، وصاحب صيدا يركب مع الملك العادل في الأحيان ويشرف على الإفرنج وهم كلما رأوه تحركوا لطلب الصلح خوفاً من أن ينضاف المركيس إلى المسلمين وعند ذلك تنكسر شوكتهم ولم يزل الحال كذلك إلى خامس عشر شوال. ذكر رحيله ﵀ إلى تل الجزر ولما كان ذلك اليوم أصبح الملك على عزم الرحيل وأحضر أرباب الرأي وشاورهم في جواب رسالة القوم وعرض عليهم حديثه وذكر ما عندهم في ذلك وأحضر الرسل وكان ابن الهنغري يترجم بينه وبين البحرين واستقرت القاعدة على أن ينفذ معهم رسولين: رسولاً من جانبه ومن جانب العادل الآخر لأن الحديث كان يتعلق به وكان من جملة من رسالتهم أن البابا إن أذن في هذا العقد تم، وإن لم يأذن زوجنا الملك العادل بابنة أخي الملك وهي بكر وذكروا أن من ينهم أن البابا إنما يحتاج إلى إذنه في تزويج الثيب من بنات

стр. 276

الملوك وأما الأبكار فيزوجها أهلها. وانفصل الحال على ذلك وسارت الرسل إلى خيم الملك العادل ليجهز رسول السلطان ويلحقه، ثم وصل بعد ذلك من اليزك من أخبر أن الفرنج قد انتشر منهم راجل كثير وخرجوا عن الأسوار التي لهم ولم يظهر لخروجهم غائلة، وسار رحمة الله عليه إلى تل الجزر لارتياد اليزك وتبعه الناس في الرحيل فما كان الظهر إلا ورحل الناس إلى السلطان ونزلنا بتل الجزر. ولما عرف الإفرنج بعود السلطان رحلوا عائدين وأقام السلطان بتل الجزر ثم رحل إلى جهة القدس الشريف ورحل الإفرنج إلى جهة بلادهم واشتد الشتاء واعظمت الأمطار وسار السلطان إلى القدس الشريف وأعطى العسكر دستوراً وأقمنا بالقدس في ذلك الشتاء أجمع. وعاد العدو إلى بلادهم ووصل الأنكتار عساكره إلى يافا وعاد إلى عكا ينظر في أحوالها فأقام مدة ثم وصل منه رسول يقول إني أوثر الاجتماع بالملك العادل ففيه مصلحة تعود على الطائفتين فقد بلغني أن السلطان فوض أمر الصلح إلى أخيه الملك العادل فاتفق الرأي في مضي الملك العادل على أنه يمضي بحيث يجتمع بعساكرنا التي في الغور وكوكب وتلك النواحي ويحدثه ويقول له أن الحديث جرى بيننا مراراً وما أسفر عن مصلحة فإن كانت هذه الدفعة كتلك الدفعات فلا حاجة إلى الحديث، وإن كان الغرض بت حال فقارب الحال وأنا لا أجتمع

стр. 277

بك إلا أن رأي ما يقارب فصل الحال وقرر مع الملك العادل أن رأى ما يمكن معه فصل الحال وإلا طاوله وماطله إلى أن تصل العساكر من الأطراف فالتمس الملك العادل تذكرة تتضمن إنهاء ما ينفصل الحال عليه فكتب تذكرة فيها المناصفات وذكر فيها من أمر بيروت أنه أصر على طلبها وأن نعطي صليب الصلبوت ويكون لهم في القمامة قس ويفتح لهم باب زيارتها بشرط أن لا يحملوا السلاح وكان الحامل على ذلك ما أخذ الناس من تعب مواظبة الغزاة وكثرة الديون والبعد عن الأوطان فإن من الناس من كان لا يفارق السلطان ولا يمكنه طلب دستور منه. ذكر مسير الملك العادل وكان مسيره من القدس الشريف عصر الجمعة رابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وخمسمائة ثم وصل كتابه من كيسان يخبر أنه لقيه الهنغري مع الحاجب أبي بكر رسولاً من الأنكتار يقوا إنا قد وافقنا على قسمة البلاد وأن كل من في يده شيء فهو له، فإن كان ما في أيدينا زائداً أخذتم في مقابله ما يقابل الزيادة مما يخصنا، وإن كان ما في أيديكم أكثر فعلنا كذلك ويكون القدس لنا ولكم فيه الصخرة. هكذا كان مضمون الكتاب. فأوقف السلطان عليه الأمراء فاستصوب ذلك الأمير أبو الهيجاء ورأى من حال هذا المقال أن يوافق عليه الملك العادل وهو مصلحة. وسار الجواب إلى الملك العادل في ذلك. ولما كان

стр. 278

حادي عشر ربيع الأول وصل الحاجب أبو بكر صاحب الملك العادل يخبر أن الأنكتار سار إلى يافا من عكا وأن الملك العادل ما رأى أن يجتمع بخ إلا عن قاعدة منفصلة وأنه جرى بين هذا الحاجب وبين الأنكتار مفاوضات كثيرة حاصلها أنه نزل على أن تكون الصخرة لنا والقلعة في أيدينا والباقي مناصفة وأن لا يكون في البلد منهم مذكور وأن تكون قرى القدس وباطنه مناصفة ثم قدم الملك العادل في سادس عشر ربيع الأول من الغور ولقيه السلطان وحكى ما سبق من الخبر. وفي بقية ذلك اليوم وصل من أخبر أن الإفرنج أغاروا على حلة عرب قريبة من الدارون وأنهم أخذوا منهم جماعة وأنهم أخذوا منهم زهاء ألف رأس غنم فعظم ذلك على السلطان وشق عليه فسير جماعة فلم تلحقهم.

стр. 279

ذكر انفصال رسول المركيس وكان قد وصل يوسف غلام صاحب صيدا رسولاً من جانب المركيس يلتمس الصلح مع المسلمين فاشترط ﵀ عليه شروطاً منها أن يقاتل جنسه ويباينهم. ومنها أن ما يأخذه من البلاد الإفرنجية بعد الصلح بانفراده يكون له وما نأخذه نحن بانفرادنا يكون لنا وما نتفق نحن وهو على أخذه تكون له نفس البلد ويكون لنا ما فيه من أسرى المسلمين وغير ذلك من الأموال. ومنها أن يطلق لنا كل أسير مسلم في مملكته. ومنها أن فوض الأنكتار إليه أمر البلاد أمر يجري بينهم كان الصلح بيننا وبينه على ما استقر بيننا وبين الأنكتار ما عدا عسقلان وما بعدها فلا يدخل في الصلح وتكون الساحليات له وما في أيدينا لنا وما في الوسط مناصفة وسار رسوله على هذه القاعدة. ولما كان يوم الاثنين الثامن والعشرون من ربيع الأول وصل أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه ووصل جريدة مقدماً على عسكره. ذكر خروج سيف الدين المشطوب من الأسر وكان وصوله إلى القدس الشريف يوم الخميس مستهل جمادى الآخرى. دخل على السلطان بغتة وعنده أخوه الملك العادل

стр. 280

فنهض له وعانقه وسر به سروراً عظيماً وأخلى المكان وتحدث معه بطرف من أحاديث العدو وسأله عن حديث الصلح فذكر أن الأنكتار سكت عنه. وفي هذا اليوم كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل أن يسير إلى قاطع الغزاة ويستلم البلاد من الملك المنصور بن الملك المظفر وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف من السلطان على نفسه وأظهر ذلك ودخل في أمره الملك العادل وسير إلى الملك العادل حتى يتحدث في أمره. وكان ذلك قد شق على السلطان وأثار منه غيظاً عظيماً كيف يكون هذا الأمر من أهله ولم يكن أحد من أهله خاف منه ولا طلب يمينه وهذا كان السبب في توقف الأنكتار في الصلح فإنه ظن أن خلافه يكدر للسلطان شرب الغزاة ويحوجه إلى الموافقة على ما يرضاه فأنفذ إلى الملك الأفضل أن يسير إلى البلاد وكتب إلى الملك الظاهر بحلب المحروسة أن أخاه إن احتاج إلى معونة عاونه وجهزه بحملة كبيرة وسار باحترام عظيم حتى وصل إلى حلب وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكراماً عظيماً وعمل له ضيافة تامة وقدم بين يديه تقدمة سنية. وعدنا إلى حديث العدو. ذكر عودة رسول صور ولما كان سادس ربيع الآخر من سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وصل يوسف من جانب المركيس يجدد حديث الصلح ويقول قد انفصل الحال على شيء بينه وبين الإفرنجية فإن نجز في هذه الأيام سارت الفرنسيسية في البجر وإن تأخر

стр. 281

بطل الحديث في الصلح بالكلية فرأى السلطان الصلح مع المركيس مصلحة لاشتغال قلبه من جانب الشرق وخاف أن يتصل ابن تقي الدين بكتمر فيحدث من ذلك ما يشتغل الخاطر من الجهاد فأجاب إلى ملتمس المركيس وكتب مع صاحبه مواضعة علة نعت ما تقدم، وسار يوسف الرسول بالجواب تاسع ربيع الآخر. ذكر قتل المركيس ولما كان السادس عشر من الشهر وصل من الرسول المنفذ إلى المركيس كتاب أن المركيس قتل وعجل الله بروحه إلى النار، وكانت صورة قتله أنه تقدم يوم الثلاثاء ثالث عشر عند الأسقف ثم خرج فقفز عليه اثنان من أصحابه بالسكاكين، وكان خفيفاً من الرجال، فما زالا يضربانه حتى عجل الله بروحه إلى النار، وأمسك الشخصان وسئلا عن هذا الأمر ومن حضهما عليه، فقالا: إن الأنكتار حملنا عليه، وقام بالأمر اثنان فحفظا القلعة إلى أن اتصل الخبر بالملوك وانعقد الأمر وتدبر المكان. ذكر تتمة خبر الملك المنصور وما جرى له وذلك أنه لما بلغه مؤاخذة السلطان أنفذ إلى الملك العادل رسولا يشفع به ليطيب قلب السلطان ويقترح عليه أحد

стр. 282

قسمين إما حرّان والرها وسميساط، وإما حماة ومنبج وسلمية والمعرة مع كفالة أخوته، فراجع الملك العادل السلطان مراراً فلم يجبه إلى شيء من ذلك، فكثرت الشفاعة إليه من جميع الأمراء، وهزت شجر رأفة منه، فرجع خلقه النبوي وحلف له على حران والرها وسميساط على أنه إذا عبر الفرات أعطي المواضع أفرجها وتكفل أخوته ويتخلى عن تلك المواضع التي في يده ودخلت تحت ضمان الملك العادل، ثم التمس الملك العادل خط السلطان ثانياً ولج عليه فمزق نسخة اليمين في التاسع والعشرين من ربيع الآخر، وانفصل الحال وانقطع الحديث، وكنت المتردد بينهما في ذلكن وأخذ الغيظ السلطان كيف يخاطب بمثل ذلك من جانب أولاد أولاده. ذكر قدوم رسول ملك الروم ولما كان مستهل جمادى الأولى وصل رسول من قسطنطينية الكبرى والتقى بالاحترام والإكرام ومثل بالخدمة السلطانية في ثالث الشهر، وكانت رسالته تشتمل على مطالب، منها صليب الصلبوت، ومنها أن تكون القمامة بيد قسوس من جانبه وكذا سائر كنائس القدس، ومنها أن يكون الاتفاق معه على أن يكون عدوّ من عاداه وصديق من صادقه، وأن يوافق على قصد جزيرة قبرص، فأقام عنده يومين، ثم سيّر معه رسولً يقال له ابن البزاز من الديار المصرية، وأجيب بالمنع عن جميع مقترحاته، وقيل إن الصليب قد بذل فيه ملك الكرج مائتي ألف دينار فلم يجب إلى ذلك.

стр. 283

ذكر ما جرى للملك العادل في البلاد التي هي قاطع الفرات وذلك أنه لما سار الملك الأفضل رقق الملك العادل قلب السلطان على ابن تقي الدين، وقد كثر الحديث في معناه، وأنفذني السلطان لمشاورة الأمراء في خدمة الملك العادل في أمره، فجمعهم في خدمته، فذكرت لهم ما راسلني فيه إليهم، فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهيجاء للجواب، وقال نحن عبيده ومماليكه وذلك صبي وربما حمله خوفه أن انضاف إلى جانب آخر ونحن لا نقدر على الجمع بين قتال المسلمين والكفار، فإن أراد أننا نقاتل المسلمين صالحنا الكفار وسرنا إلى ذلك الجانب وقاتلنا بين يديه، وإن أراد منا ملازمة الغزاة صالح المسلمين وسامحهم. وهذا كان جواب الجميع، فرق السلطان وجدد نسخة يمين لابن تقي الدين وحلف له بها وأعطاه خطه بما استقر من القاعدة. ثم إن الملك العادل التمس من السلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين بعد استقلاله، وجرت مراجعات كثيرة في العوض عنها، وكنت الرسول بينهما، وكان آخر ما استقر أنه يسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات ما عدا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء، وحاصه بمصر بعد النزول عن الجيزة وعليه في كل سنة ستة آلاف غرارة غلة تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى المقدس والمغل في السنة المذكورة في مواضعه له ومغل قاطع الفرات في هذه السنة للسلطان أيضاً، وأخذ خط السلطان بذلك، وسار بنفسه يصلح أمر ابن تقي الدين ويطيب قلبه، وكان مسيره في ثامن جمادى الأولى.

стр. 284

ذكر استيلاء الفرنج على الدارون وكان الإفرنج خذلهم الله تعالى لما رأوا أن السلطان قد أعطى العساكر دستوراً وتفرقت العساكر عنه نزلوا على الدارون طمعاً فيه وكان بيد علم الدين قيصر وفيه نوابه. ولما كان يوم تاسع جمادى الأولى اشتد زحف العدو على المكان راجلاً وفارساً، وكان الأنكتار قد استنفذ من نوبة عكا نقابين جبليين فتمكنوا من نقب المكان وأحرقوا النقب وطلب أهل الحصن مهلة بحيث يشاورون السلطان فلم يمهلوهم، واشتدوا في القتال عليه فأخذوه عنوة، واستشهد فيه من قدر الله له ذلك، وأسر من قدر له ذلك، وكان ذلك قدراً مقدّراً. ذكر قصدهم لمجدل يابا ولما استولى الإفرنج على الدارون ساروا بعد أن قرروا أمره ووضعوا فيه من اختاروا حتى نزلوا على منزلة يقال لها الحسي، وهي قريب من جبل الخليل ﵇، وذلك رابع عشر جمادى الأولى، فأقاموا عليه ثم تأهبوا بقصد حصن يقال له مجدل يابا، فأتوه جريدة وخلفوا خيامهم في منزلتهم، وكان بها عسكر إسلامي فلقيهم وجرى بينهم قتال عظيم، وقتل من العدو كند مذكور واستشهد من المسلمين فارس واحد كان سبب قتله أنه وقع رمحه فنزل ليأخذه فمنعه فرسه الركوب فبادروه وقتلوه وعادوا إلى خيامهم بقية اليوم خائبين ولله الحمد.

стр. 285

ذكر وقعة جرت في صور ولما كان سادس عشر جمادى وصل كتاب من حسام الدين بشارة يذكر أنه تخلف في صور مائة راكب وانضم إليهم من عكا خمسون وطمعوا فخرجوا لشن الغارات على البلاد الإسلامية، فوقع عليهم العسكر المرصد لحفظ البلاد من ذلك الطرف، وجرى بينهم قتال شديد، وقتل من العدو خمسة عشر نفراً ولم يقتل من المسلمين أحد، وعادوا خائبين ولله الحمد. ذكر قدوم العساكر الإسلامية للجهاد ولما رأى السلطان ما جرى من العدو من التنبط سير إلى العساكر من سائر الأطراف أن يسابقوا إلى الحضور، وكان أول قادم بدر الدين دلدرم مع خلق كثير من التركمان، فلقيه السلطان واحترمه، ووصل بعده عز الدين بن المقدم في سابع عشر جمادى الأولى بعسكر حسن وآلات جميلة ففرح بها السلطان. وأما العدو فإنه رحل من الحسي ونزل على مفرق طرق منها طريق
следующие страницы →