← История

История · id 12716

النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية = سيرة صلاح الدين الأيوبي

بهاء الدين ابن شداد

Полный текст (389 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثم راسله قليج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم، واستقر الصلح وحلف السلطان في عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين، ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وديار بكر، وكان ذلك على نهر سبخة سنخة وهو نهر يرمي إلى الفرات، وسار السلطان نحو دمشق. ذكر وفاة الملك الصالح ووصول عز الدين إلى حلب وفي سنة سبع وسبعين مرض الملك الصالح بالقولنج، وكان أول مرضه في تاسع رجب، وثالث عشر منه غلق باب القلعة لشدّة مرضه، واستدعى الأمراء واحداً واحداً وحلفوا لعز الدين صاحب الموصل، وفي الخامس والعشرين منه توفّي ﵀، وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس. ولما توفّي سارعوا إلى إعلام عز الدين مسعود بن قطب الدين بذلك وإعلامه بما جرى له من الوصية إليه وتحليف الناس له، فسارع سائراً إلى حلب مبادراً خوفاً من السلطان،

стр. 72

وكان أوّل قادم من أمرائه إلى حلب مظفّر الدين بن زين الدين وصاحب سروج ووصل معهما من حلف جميع الأمراء له، وكان وصولهم في ثالث شعبان من السنة المذكورة، وفي العشرين منه وصل عز الدين إلى حلب وصعد القلعة واستولى على خزائنها وذخائرها، وتزوّج أمّ الملك الصالح خامس شوّال من السنة المذكورة. ذكر مقايضة عز الدين أخاه عماد الدين بالبلاد ثم أقام عز الدين بقلعة حلب إلى سادس عشر شوّال، وعلم أنه لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لحاجته إلى ملازمة الشام لأجل السلطان، وألحّ عليه الأمراء في طلب الزيادات، ورأوا أنفسهم أنهم قد اختاروه، وضاق عطنه، وكان صاحب أمره مجاهد الدين قايماز وكان ضيق العطن لم يعتد بمقاساة أمراء الشام، فرحل من قلعة حلب طالباً للرقّة، وخلف ولده ومظفّر الدين بها، وسار حتى أتى الرقّة، ولقيه أخوه عماد الدين عن قرار بيتهم، واستقر مقايضة حلب بسنجار، وحلف عز الدين لأخيه على ذلك في الحادي والعشرين من شوّال، وسار من جانب عماد الدين من تسلم حلب ومن جانب عز الدين من تسلم سنجار، وفي ثالث عشر محرّم سنة ثمان وسبعين صعد عماد الدين إلى قلعة حلب.

стр. 73

ذكر عود السلطان من مصر وأما السلطان فإنه لما وقع الصلح على قليج أرسلان صعد إلى الديار المصرية واستخلف ابن أخيه عز الدين فخروشاه واليا، ولما بلغه وفاة الملك الصالح عزم على العود إلى الشام خوفاً على البلاد من الإفرنج، وبلغه أيضاً وفاة فخروشاه فاشتد عزمه. وكان وصوله إلى دمشق في سابع عشر صفر سنة ثمان وسبعين، ثم أنشأ التأهب لغزاة بيروت، فإنه عبر على الإفرنج في عوده من مصر مكابرة من غير صلح، فقصد بيروت ونزلها ولم ينل منها غرضاً، واجتمع الإفرنج فرحّلوه عنها ودخل إلى دمشق، وبلغه أنّ رسل الموصل وصلوا إلى الإفرنج يحثّونهم على قتال المسلمين، فعلم أنهم نكثوا اليمين، وأنشأ العزم على قصدهم لجمع كلمة العساكر الإسلامية على عدوّ الله، فأخذ في التأهب لذلك، فلما بلغ ذلك عماد الدين سير إلى الموصل يشعره بالخبر ويستحث العساكر، وسار السلطان حتى نزل على حلب في ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وأقام ثلاثة أيّام، ورحل في الحادي والعشرين يطلب الغزاة، واستقر الحال بينه وبين مظفّر الدين وكان صاحب حرّان، وكان قد استوحش

стр. 74

من جانب الموصل، وخاف من مجاهد الدين فالتجأ إلى السلطان، وعبر إلى قاطع الفرات وقوّى عزمه على البلاد وسهّل أمرها عنده، ودخل الرّها والرقّة ونصيبين وسروج، ثم شحن على الخابور وأقطعه. ذكر نزوله على الموصل وكان نزوله عليه في هذه الوقعة في يوم الخميس حادي عشر شهر رجب، وكنت إذ ذاك في الموصل، فسيّرت رسولاً إلى بغداد قبيلا بأيام قلائل، فسرت مسرعاً في الدجلة، وأتيت بغداد في يومين وساعتين من اليوم الثالث مستنجداً بهم فلم يحصل منهم سوى الإنفاذ إلى شيخ الشيوخ وكان في صحبته رسول من جانبهم يأمرونه بالحديث معه ويتلطف الحال معه ويسير إلى بهلوان رسولاً من الموصل يستنجدونه، فلم يحصل من جانبه سوى شرط كان الدخول تحته أخطر من حرب السلطان، ثم أقام السلطان على الموصل أيّاماً، وعلم أنه بلد عظيم لا يتحصل منه شيء بالمحاصرة على هذا الوجه، ورأى أن طريق أخذه أخذ قلاعه وما حوله من البلاد، وإضعافه بطول الزمان، فرحل عنها ونزل على سنجار في سادس عشر شعبان،

стр. 75

وأقام يحاصرها، وكان فيها شرف الدين بن قطب الدين وجماعة، ويشتد عليه الأمر حتى كان ثاني شهر رمضان فأخذها عنوة، وخرج شرف الدين وجماعته محترمين محفوظين إلى الموصل وأعطاها ابن أخيه تقي الدين ورحل عنها إلى نصيبين. ذكر قصة شاه أرمن صاحب خلاط وذلك أنّ أصحاب الموصل أنفذوا إليه واستنجدوا به وطرحوا أنفسهم عليه، فخرج من خلاط لنصرتهم، ونزل بحرزم، وسيّر إلى عز الدين صاحب الموصل أعلمه، فخرج إليه، وذلك في الخامس عشر من شوّال، فسار حتى اجتمع به صاحب ماردين، ووصل جماعة من عسكر حلب، كل ذلك للقاء السلطان، وأرسل شاه أرمن بكتمر إلى السلطان يخاطبه في الصلح بتوسط شيخ الشيوخ، فلم ينتظم بينهم حال، ورحل السلطان إلى عسكر شاه أرمن، فلما سمع شاه أرمن بوصول السلطان ولّى راجعاً إلى بلاده، وعاد عز الدين إلى بلاده، وتفرّقوا، وسار السلطان يطلب بلد آمد، فنزل عليها وقاتلها وأخذها في ثمانية أيّام، وذلك في أوّل محرّم سنة تسع وسبعين، وأعطاها نور الدين بن قره أرسلان.

стр. 76

ومنّ على ابن نيسان بجميع ما كان فيها من الأموال وغيرها، ثم سار يطلب الشام لقصد حلب. وفي هذه المدّة خرج عماد الدين وخرب قلعة إعزاز وخرب حصن كفر لاثا وأخذها من بكمش، فإنّه كان قد صار مع السلطان في الثاني والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة، وقاتل باشر وكان صاحبها ولد رم الباروقي قد صار مع السلطان، فلم يقدر عليها، وجرت غارات من الإفرنج في البلاد بحكم اختلاف العساكر ودفعهم الله تعالى وتسلم الكرزين ثم عاد إلى حلب. ذكر عود السلطان إلى الشام ولمّا عاد إلى الشام بدأ بتل خالد، فنزل عليها وقاتلها، وأخذها في الثاني والعشرين من محرّم سنة تسع وسبعين، ثم سار طالباً حلب، فنزل عليها في السادس والعشرين. وكان أوّل نزوله بالميدان الأخضر،

стр. 77

واستدعى العساكر من الجوانب واجتمع خلق عظيم، وقاتلها قتالاً شديداً، وتحقق عماد الدين أنه ليس له قبل، وكان قد ضرس من اقتراح الأمراء وجبههم، فأشار إلى حسام الدين طمان أن يسفر له مع السلطان في إعادة بلاده وتسلم حلب إليه، واستقرت القاعدة ولم يشعر أحد من الرعية ولا من العسكر حتى تمّ الأمر واستحكمت القاعدة واستفاض ذلك، واستعلم العسكر منه ذلك، فأعلمهم، وأذن في تدبير أنفسهم وأنفذوا عنهم وعن الرعية عز الدين جرديك النوري وزين الدين، فقعدوا عنده إلى الليل، واستحلفوه على العسكر وعلى أهل البلد وذلك في السابع عشر من صفر، وخرجت العساكر إلى خدمته إلى الميدان الأخضر ومقدمو حلب، وخلع عليهم وطيب قلوبهم، وأقام عماد الدين بالقلعة يقضي أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه والسلطان مقيم بالميدان الأخضر إلى الثالث والعشرين من صفر، وفيه توفّي تاج الملوك أخوه من جرح كان أصابه، وشقّ عليه أمر موته، وجلس للعزاء،

стр. 78

وفي ذلك اليوم نزل عماد الدين إلى خدمته وعزّاه، وتقرّرت بينهما قواعد، وأنزله السلطان في الخيمة وقدم له تقدمة سنية وخيلا جميلة وخلع على جماعة من أصحابه. وسار عماد الدين من يومه إلى قرار حصار سائراً إلى سنجاب وصعد السلطان قلعة حلب مسروراً منصورا. وعمل له حسام الدين طمان دعوة سنية، وكان قد تخلّف لأخذ ما تخلّف لعماد الدين من قماش وغيره، وكان قد أنفذ إلى حارم من يستلمها، ودافعهم الموالي، وانفذ الأجناد الذين بها يستحلفونه، فخلف لهم وسار من وقته إلى حارم فوصلها في التاسع والعشرين من صفر وتسلّمها وبات بها ليلتين، وقرّر قواعدها، وولّى فيها إبراهيم بن شرده، وعاد إلى حلب ودخلها في ثالث ربيع الأوّل، ثم أعطى العساكر دستوراً وسار كل منهم إلى بلاده، وأقام يقرّر قواعد حلب ويدبر أمورها.

стр. 79

ذكر غزات عين جالوت ولم يقم في حلب إلاّ إلى الثاني والعشرين من ربيع الآخر، وأنشأ عزما إلى الغزاة، فخرج في ذلك اليوم مبرزا نحو دمشق، واستنهض العساكر، فخرجوا يتبعونه، ولم يزل يواصل بين المنازل حتى دخل دمشق في ثالث جمادى الأولى، فأقام بها متأهباً إلى السابع والعشرين منه، ثم برز في ذلك اليوم ونزل على جسر الخشب وتبعته العساكر مبرزة فأقام به تسعة أيام، ثم رحل في ثامن جمادى الآخرة وسار حتى أتى الفؤاد وتعبّى فيه للحرب، وسار حتى نزل القصير، فبات به، وأصبح على المخاض، وعبر وسار حتى أتى بيسان، فوجد أهلها قد رحلوا عنها وتركوا ما كان من ثقيل الأقمشة والغلال والأمتعة بها، فنهبها العسكر وغنموا وحرقوا ما لم يمكن أخذه، وسار حتى أتى الجالوت، وهي قرية عامرة وعندها عين جارية، فخيّم بها، وكان قد عزم عز الدين جرديك وجماعة من المماليك النورية

стр. 80

وجاولي مملوك أسد الدين حتى يكشفوا خبر الإفرنج، فاتفق أنهم صادفوا عسكر الكرك والشوبك سائرين نجدة للإفرنج، فوقع أصحابنا عليهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا منهم زهاء مائة نفر، وعادوا ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد يدعى بهرام الشاووش، فوصل إليه في بقية يوم الكسرة وهو العاشر من جمادى الآخرة، فاستبشر المسلمون بالنصر والظفر. ولما كان السبت حادي عشر وصل الخبر إليه أن الإفرنج قد اجتمعوا في صفورية، فرحلوا إلى الفولة وهي قرية معروفة وكان غرضه المصاف، فلمّا سمع بذلك تعبّى للّقاء ورتّب الأطلاب يمنة ويسرة وقلباً، وسار للقاء العدّة، وسار الإفرنج طالبين المسلمين ووقعت العين في العين، وأخرج السلطان الجاليش خمسمائة رجل معروفة فواقعوا الإفرنج، وجرى قتال عظيم، وقتل من العدة جماعة وهم ينضم بعضهم إلى بعض يحمي

стр. 81

راجلهم فارسهم، ولم يخرجوا للمصاف، ولم يزالوا سائرين حتى أتوا العين ونزلوا عليها، ونزل السلطان حولهم والقتل والجرح يعمل فيهم ليخرجوا إلى المصاف وهم لا يخرجون لخوفهم من المسلمين فإنهم في كسرة عظيمة، ولما رأى أنهم لم يخرجوا رأى الانتزاح عنهم لعلهم يرحلون فيضرب معهم مصاف فرجل نحو الطور وذلك في السابع عشر من هذا الشهر فنزل تحت الجبل مترقباً رحيلهم ليأخذ منهم فرصة وأصبح الإفرنج في الثامن عشر راحلين راجعين على أعقابهم ناكصين فرحل ﵀ نحوهم وجرى من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة فلم يخرجوا ولم يزل المسلمون حولهم حتى نزلوا الفولة المقدم ذكرها راجعين إلى بلادهم فلما رأى المسلمون ذلك اجتمعوا على السلطان وأشاروا بالعود لفراغ زادهم وكان قد نال منهم بالقتل والأسر وخربت عفربلا وقلعة بيسان وزرعين وهي من حصونهم المذكورة وخربت عليهم قرى عديدة فعاد منصوراً مظفراً مسروراً حتى نزل الغوار وأعطى الناس دستوراً من أثير المسير ثم سار هو حتى أتى دمشق فدخلها فرحاً مسروراً في يوم الخميس الرابع والعشرين من هذا الشهر.

стр. 82

فانظر إلى هذه الهمة التي لم يشغلها عن الغزاة أخذ حلب ولا الظفر بها بل كان غرضه الاستعانة بالبلاد على الجهاد فالله يحسن جزاءه في الآخرة كما وفقه الأعمال المرضية في الدنيا. ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك ثم إنه أقام بدمشق إلى ثالث رجب سنة تسع وسبعين وخرج مراراً نحو الكرك وكان قد سير إلى الملك العادل وهو بمصر يتقدم إليه بالاجتماع به على الكرك فبلغه خبر حركته من مصر فخرج للقائه وسار حتى أتى الكرك ووافاه الملك العادل عليها وقد خرج معه خلق عظيم من تاجر وغير تاجر وذلك في رابع شعبان من هذه السنة وكان قد بلغ الإفرنج خبر خروجه فساروا براجلهم وفارسهم نحو الكرك للدفع عنه ولما انتهى ذلك إليه سير الملك المظفر تقي الدين إلى مصر وذلك في خامس عشر شعبان وفي السادس عشر منه نزلت الإفرنج على الكرك وتزحزح السلطان عنه بعد أن قاتله قتالاً عظيماً وعليه قتل شرف الدين برغش النور شهيداً.

стр. 83

ذكر إعطائه أخاه الملك العادل حلب ثم رحل السلطان مستصحباً أخاه الملك العادل معه إلى دمشق لا يلسه عن الكرك بعد نزول الإفرنج عليها فدخل دمشق في الرابع والعشرين من شعبان وأعطى أخاه الملك العادل حلب بعد مقامه بدمشق إلى ثاني يوم من شهر رمضان وكان بها ولده الملك الظاهر ومعه سيف الدين يازكج يدبر أمره وابن العميد في البلد وكان الملك الظاهر من أحب الأولاد إلى قلبه لما خصه الله به من الشهامة والفطنة والعقل وحسن السمت والشغف بالملك وظهور ذلك كله وكان أبر الناس بوالده وأطوعهم له ولكن أخذ منه حلب لمصلحة رآها فخرج من حلب لما دخل الملك العادل هو ويازكج سائرين إلى خدمة السلطان فدفع دمشق الثامن عشر من شوال فأقام في خدمة أبيه لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن نظر والده وفي ذلك الشهر وردنا على السلطان رسلا من جانب الموصل وكنا قد توسلنا إلى الخليفة الناصر لدين الله في إنفاذ شيخ الشيوخ بدر الدين رسولاً وشعيعاً إلى السلطان فسيره معنا من بغداد وكان غزير المروءة

стр. 84

عظيم الحرمة في دولة الخليفة وفي سائر البلاد وكانت مكانته عند السلطان بحيث يتردد إليه إذا كان عنده في معظم الأيام. ذكر وصولنا إلى خدمة رسلا وكان الشيخ قد وصل إلى الموصل وسار منها في صحبة القاضي محيي الدين بن كمال الدين وكان بينهم صحبة من الصبا وكنت مع القوم وسرنا حتى أتينا دمشق وخرج السلطان إلى لقاء الشيخ ونحن في خدمته فلقيه عن بعد وكان دخولنا إلى دمشق يوم السبت حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة ولقينا من السلطان كل جميل فيما يرجع إلى الإكرام والاحترام وأقمنا أياماً نراجع في فصل حال فلم يتفق صلح في تلك الوقعة وخرجنا راجعين إلى الموصل وخرج السلطان إلى وداع الشيخ إلى القصر واجتهد في ذلك اليوم أن ينقضي شغل فلم يتفق وكان الوقوف من جانب محيي الدين فإن السلطان اشترط أن يكون صاحب إربل والجزيرة على خيرتهما في الانتماء إليه أو إلى الموصل فقال محيي الدين لا بد من ذكرهما في النسخة فوقف الحال وكان مسيرنا سابع ذي الحجة وفي تلك الدفعة ثبت في نفسه الشريفة مني أمر لم أعرفه إلا بعد خدمتي له

стр. 85

وأقام السلطان بدمشق ترد عليه الرسل من الجوانب فوصل رسول سنجر شاه صاحب الجزيرة فاستحتفه لنفسه في الانتماء إليه ورسول إربل وحلف لهما وسارا ووصل إليه أخوه الملك العادل رابع ذي الحجة فأقام عنده وعيد وتوجه إلى حلب المحروسة. ذكر غزواة أخرى إلى الكرك وصل ابن قره أرسلان نور الدين إلى حلب ثامن عشر صفر سنة ثمانين فأكرمه الملك العادل إكراماً عظيماً وأصعده إلى القلعة وباسطه ورحل معه طالباً دمشق في السادس والعشرين منه. وكان السلطان قد مرض أياماً ثم شفاه الله، ولما بلغه وصول قره أرسلان خرج إلى لقائه وكان السلطان يكارم الناس مكارمة عظيمة فالتقاه على عين الجسر بالبقاع وذلك في تاسع ربيع الأول ثم عاد إلى دمشق وخلف نور الدين واصلاً مع الملك العادل فتأهب للغزاة وخرج مبرزاً إلى جسر الخشب في منتصف ربيع الأول

стр. 86

وفي الرابع والعشرين منه وصل الملك العادل ومعه ابن قره أرسلان إلى دمشق فأقاما فيها أياماً ثم رحلا يلتحقان بالسلطان من رأس الماء طالباً للكرك فأقام قريباً منها أياماً ينتظر وصول الملك المظفر من مصر إلى تاسع عشر ربيع الآخر فوصل إلى خدمته ومعه بيت الملك العادل وخزانته فسيرهم إلى الملك العادل وتقدم إليه وإلى بقية العساكر بالوصول إليه إلى الكرك فتتابعت العساكر إلى خدمته حتى أحدقوا بالكرك وذلك في رابع جمادى الأولى وركب المناجيق على المكان وقد التقت العساكر المصرية والشامية والجزرية أيضاً مع قره أرسلان، ولما بلغ الإفرنج ذلك خرجوا براجلهم وفارسهم إلى الذب عن الكرك وكان على المسلمين منه ضرر عظيم فإنه كان يقطع عن قصد مصر بحيث كانت القوافل لا يمكنها الخروج إلا مع العساكر الجمة الغفيرة فاهتم السلطان بأمره ليكون الطريق سابلة إلى مصر. ولما بلغ السلطان خروج الإفرنج تعبأ للقاء وأمر العساكر أن خرجت ظاهر الكرك وسير الثقل نحو البلاد وبقي العسكر جريدة ثم سار السلطان ينصد للعدو. وكان الإفرنج قد نزلوا بموضع يقال له الواله وسار حتى نزل

стр. 87

على قرية يقال لها حسبان قبالة الإفرنج ورحل منها إلى موضع يقال له ماء عين والإفرنج مقيمون بالواله إلى السادس والعشرين من جمادى الأولى ثم رحلوا قاصدين الكرك فسار بعض العساكر وراءهم فقاتلهم إلى آخر النهار ولما رأى قدس الله روحه تصميم الإفرنج على الكرك أمر العساكر أن دخلوا الساحل لخلوه عن العساكر فهجموا نابلس ونهبوها وغنموا ما فيها ولم يبق فيها إلا حصناها وأخذوا جانين والتحقوا بالسلطان برأس الماء وقد نهبوا وأسروا وحرقوا وخربوا واتفق دخول السلطان دمشق يوم السبت سابع جمادى الآخرى ومعه الملك العادل ونور الدين ابن قره أرسلان فرحاً مسروراً وأكرمه واحترمه وأحسن إليه. وفي هذا الشهر وصل رسول الخليفة ومعه الخلع فلبسها السلطان وألبس أخاه الملك العادل وابن أسد الدين خلفاً جاءت لهم وفي الرابع عشر من هذا الشهر خلع السلطان خلعة الخليفة على ابن قره أرسلان وأعطاه دستوراً وأعطاه للعساكر وفي ذلك التاريخ وصلت رسل ابن زين الدين مستصرخاً إلى السلطان يخبر أن عسكر الموصل وعسكر قزل نزلوا مع مجاهد الدين قايماز وأنهم نهبوا وأحرقوا وأنه نصر عليهم وكسرهم.

стр. 88

ذكر خروج السلطان إلى جهة الموصل في الوقعة الثانية ولما سمع السلطان ذلك رحل من دمشق يطلب البلاد وتقدم إلى العساكر فتبعته وسار حتى أتى حران على طريق البيرة والتقى مع مظفر الدين بالبيرة في الثاني عشر من محرم سنة إحدى وثمانين وتقدم السلطان إلى سيف الدين المشطوب أن يسير في مقدمة العسكر إلى رأس العين ووصل السلطان حران الثاني والعشرين من صفر. وفي السادس والعشرين منه قبض على مظفر الدين بن زين الدين لشيء كان قد جرى منه وحديث كان بلغه رسول فلم يقف عليه وأنكره فأخذ منه قلعة حران والرها ثم أقام في الاعتقال تأديباً إلى مستهل ربيع الأول ثم خلع عليه وطيب قلبه وأعاد إليه قلعة حران وبلاده التي كانت بيده إلى قانونه في الإكرام والاحترام ولم يتخلف له سوى قلعة الرها ووعده بها ثم رحل السلطان ثاني ربيع الأول إلى رأس العين ووصله في ذلك رسول قليج أرسلان يخبره أن ملوك الشرق بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على

стр. 89

قصد السلطان إن لم يعد عن الموصل وماردين وأنهم على عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك فرحل السلطان يطلب دنيسر فوصله ثامن ربيع الأول عماد الدين بن قره أرسلان ومعه عسكر نور الدين صاحب ماردين فالتقاهم واحترمهم ثم رحل من دنيسر حادي عشر نحو الموصل حتى نزل موضعاً يعرف بالإسماعيلان قريب الموصل يصل من العسكر كل يوم نوبة جديدة يحاصر الموصل فبلغ عماد الدين بن قره أرسلان موت أخيه نور الدين فطلب من السلطان دستوراً طمعاً في ملك أخيه فأعطاه دستوراً. ذكر موت شاه أرمن صاحب خلاط ولما كان ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين توفي شاه أرمن صاحب خلاط وولي بعده غلامه بكتمر وهو الذي وصل رسولاً إلى خدمة السلطان بسنجار فعدل وأحسن إلى أهل خلاط وكان متصوناً في طريقته فأطاعه الناس ومالوا إليه، ولما ملك خلاط امتدت نحوه الأطماع لموت شاه أرمن فسار نحوه بهلوان بن الدكز. فلما بلغه ذلك سير إلى خدمة السلطان من يقرر معه تسليم

стр. 90

خلاط إليه واندراجه في جملته وإعطائه ما يرضيه فطمع السلطان في خلاط وارتحل عن الموصل متوجهاً نحوها وسير إلى بكتمر الفقيه عيسى وغرس الدين قليج لتقرير القاعدة وتحريرها فوصلت الرسل وبهلوان قد قارب البلاد جداً فتخوف بهلوان من السلطان فطلب بهلوان إصلاحه وزوجه ابنة له وولاه وأعاد البلاد إليه واعتذر إلى رسل السلطان وعادوا من غير زبدة، وكان السلطان قد نزل على ميا فارقين فحاصرها وقاتلها قتالاً ونصب عليها مجانيق وكان بها رجل يقال له الأسد وما قصر في حفظها لكن الأقدار لا تغلب فملكها السلطان في التاسع والعشرين من جمادى، ولما أيس من أمر خلاط عاد إلى الموصل فنزل بعيداً عنها وهي الوقعة الثالثة بموضع يقال له كفر زمار وكان الحر شديداً فأقام مدة.

стр. 91

وفي هذه المنزلة أتاه سنجر شاه من الجزيرة واجتمع به فأعاده إلى بلده ومرض ﵀ بكفر زمار مرضاً شديداً خاف من غائلته فرحل طالباً حران وهو مريض وكان يتجلد ولا يركب محفة فوصل وهو شديد المرض وبلغ إلى غاية الضعف وأيس منه ورجف بموته فوصل إليه أخوه من حلب ومعه أطباؤه. ذكر صلح المواصلة معه وكان سبب ذلك أن عز الدين أتابك صاحب الموصل سيرني إلى الخليفة يستنجد فلم يحصل منه زبدة فلما وصلت من بغداد ورددت جواب الرسالة أيس من نجدة فلما بلغهم مرض السلطان رأوا بذلك فرصة وعلموا سرعة انقياده ورقة قلبه في ذلك الوقت فندبوني لهذا الأمر وبهاء الدين الربيب وفوض إلي أمر النسخة التي حلف بها وقالوا امضيا ما يصل إليه جهدكما وطاقتكما فسرنا حتى أتينا العسكر والناس كلهم آيسون من السلطان وكان وصولنا في أوائل ذي الحجة فاحترمنا

стр. 92

احتراماً عظيماً وجلس لنا وكان أول جلوسه من مرضه وحلف في يوم عرفة وأخذنا منه بين النهرين وكان أخذها من سنجر شاه فأعطاها المواصلة وحلفته يميناً تامة وحلفت أخاه الملك العادل ومات قدس الله روحه وهو على ذلك الصلح لم يتغير عنه وسرنا معه وهو بحران وقد تماثل ووصله خبر موت ابن أسد الدين صاحب حمص وكانت وفاته يوم عرفة وجلس الملك العادل للعزاء، وفي تلك الأيام كانت وقعة التركمان مع الأكراد وقتل بينهم خلق عظيم، وفي هذا الشهر وصل خبر وفاة بهلوان ابن الدكز وكانت وفاته في سلخ ذي الحجة. ذكر عود السلطان إلى الشام ولما وجد السلطان نشاطاً من مرضه رحل يطلب جهة حلب وكان وصوله إليها رابع عشر محرم سنة اثنتين وثمانين وكان يوماً مشهود الشدة فرح الناس بعافيته ولقائه فأقام فيها أربعة أيام ثم رحل نحو دمشق ولقيه أسد الدين شيركوه بن محمد شيركوه بتل السلطان ومعه أخته وقد صحبه خدمة عظيمة فمن عليه بحمص وأقام أياماً يعتبر تركة أبيه ثم سار يطلب لجهة دمشق وكان دخوله إليها في ثاني ربيع الأول وكان يوماً لم ير مثله فرحاً وسروراً

стр. 93

ووقعت في هذا الشهر وقعات كثيرة بين الترك والأكراد بأرض نصيبين وغيرها وقتل من الفئتين خلق عظيم وبلغ السلطان أن معين الدين قد عصا بالراوند فكتب إلى عسكر حلب أن حاصروه، وفي ثاني جمادى الأولى وصل معين الدين من الراوند وقد سلمها إلى علم الدين سليمان ثم مضى إلى خدمة السلطان، وفي سابع عشر وصل الملك الأفضل إلى دمشق ولم يكن قد رأى قبل ذلك الشام. ذكر مسير السلطان العادل إلى مصر ووصول الملك الظاهر إلى حلب وذلك أن السلطان رأى ذهاب الملك العادل إلى مصر فإنه كان آنس بأحوالها من الملك المظفر ليزيل تقاويضها بذلك وهو على حران مريض وقد حصل ذلك في نفس الملك العادل فإنه كان يحب الديار المصرية

стр. 94

فلما عاد السلطان إلى دمشق ومنّ الله بعافيته سير يطلب الملك العادل إلى دمشق فخرج من حلب جريدة في الرابع والعشرين من ربيع الأول وسار حتى أتى دمشق فأقام بها في خدمة السلطان فجرت بينهما أحاديث ومراجعات في قواعد تقرير إلى جمادى الآخرة واستقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر وتسليم حلب وسير الصنيعة لإحضار أهله من حلب وكان الملك الظاهر أيده الله والملك العزيز بدمشق في خرمة والدهما فلما استقرت القاعدة على عود الملك العادل إلى مصر استقرت على أن يكون أتابك الملك العزيز وسلمه والده إليه يربي أمره وسلم الملك العادل حلب إلى الملك الظاهر، ولقد قال لي الملك العادل أنه لما استقرت عليه هذه القاعدة واجتمعت بخدمة الملك العزيز والملك الظاهر وجلست بينهما قلت للملك العزيز

стр. 95

يا مولاي إن السلطان قد أمرني أن أسير في خدمتك إلى مصر وأنا أعلم أن المفسدين كثير وغداً لا يخلون ممن يقول عني مالا يجوز ويخوفونك مني فإن كان لك أذن تسمع فقل لي حتى لا أجيء فقال لا أسمع وكيف يكون ذلك، ثم التفت وقلت للملك الظاهر أنا أعرف أن أخاك ربما يسمع في أقوال المفسدين وأنا فمالي إلا أنت متى ضاق صدري من جانبه فقال مبارك وذكر كل خير، ثم إن الملك الظاهر سيره والده إلى حلب ليعلمه أن حلب هي أصل الملك وجرثومته وقاعدته ولهذا دأبت في طلبها ذلك الدأب، ولما حصلت أعرض عما عداها من بلاد المشرق وقنع منهم بالطاعة والمعونة على الجهاد فسلمها إليه علماً منه بحذاقته وحزمه وثباته وعلو همته فسار إليها حتى العين المباركة وسير في خدمته الشحنة حسام الدين بشاره ووالياً عيسى بن بلاشوا فنزل بعين المباركة وخرج الناس إلى لقائه في بكرة تاسع جمادى الآخرى

стр. 96

وصعد القلعة ضحوة نهار وفرح الناس به فرحاً شديداً ومد على الناس من جناح عدله. وأفاض عليه وابل فضله، وأما الملك العزيز والملك العادل فإن السلطان قرر حالتهما وكتب إلى الملك المظفر يخبره بمسير الملك العزيز وهو صحبة عمه ويأمره بالوصول إلى الشام وشق ذلك عليه حتى أظهر للناس وعزم على المسير إلى ديار الغرب إلى برقا فقبح ذلك عليه جماعة من أكابر الدولة وعرفوه أن عمه السلطان يخرج من يده في الحال والله أعلم ما يكون بعد ذلك فرأى الحق بعين البصيرة وأجاب بالسمع والطاعة وسلم البلاد ورحل واصلاً إلى خدمة السلطان فسار السلطان إلى لقائه وفرح بوصوله فرحاً شديداً وذلك في الثالث والعشرين من شعبان وأعطاه حماة وسار إليها وكان قد عقد بين الملك الظاهر وبعض بنات الملك العادل عقد نكاح فتمم ذلك ودخل بها في السادس والعشرين من شهر رمضان ودخل الملك الأفضل على زوجته بنت ناصر الدين بن أسد في شوال من السنة المذكورة المباركة.

стр. 97

ذكر غزاة أنشأها إلى الكرك ولما كان محرم سنة ثلاث وثمانين عزم على قصد الكرك فسير إلى حلب من يستحضر العسكر وبرز من دمشق في منتصف محرم فسار حتى نزل بأرض نيطرة منتظراً اجتماع العساكر المصرية والشامية وأمر العساكر المتواصلة إليه بشن الغارات على ما في طريقهم من البلاد الساحلية ففعلوا ذلك وأقام بأرض الكرك حتى وصل الحاج الشامي إلى الشام وأمنوا غائلة العدو ووصل قفل مصر الشتوي ووصل معه بيت الملك المظفر وما كان له بالديار المصرية وتأخرت عنه العساكر الحلبية بسبب اشتغالها بالإفرنج بأرض الأرمن من بلاد ابن لاون وذلك أنه قد مات ملك الإفرنج ووصى لابن أخيه بالملك وكان الملك المظفر بحماه وبلغ السلطان الخبر فأمرهم بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرتهم وسار الملك المظفر بعسكر حلب إلى حارم فأقام بها ليعلم العدو أن هذا الجانب ليس بمهمل فعاد السلطان إلى الشام ونزل بعشترا في السابع عشر من ربيع الأول ولقيه ولده الملك الأفضل ومظفر الدين بن زين الدين وجميع العساكر.

стр. 98

وكان قد تقدم إلى الملك المظفر بمصالحة الجانب الحلبي مع الإفرنج ليتفرغ البال من العدو في جانب واحد فصالحهم في العشر الأواخر من ربيع الأول وتوجه إلى حماة يطلب خدمة السلطان للغزاة التي عزم عليها فسار ومن اجتمع به من العساكر الشرقية في خدمته وهم عسكر الموصل مقدمتهم مسعود بن الزعفراني وعسكر ماردين فلقيهم السلطان في العشر الأوسط من ربيع الآخر فأقرهم وأكرمهم في منتصف هذا الشهر عرض السلطان العسكر لأمر قد عزم عليه على تل يعرف بتل تسيل تيسل وتقدم في أصحاب الميمنة بحفظ موضعهم وإلى أصحاب الميسرة بذلك وإلى القلب بمثله. ذكر واقعة حطين المباركة على المؤمنين وذلك أنّ السلطان رأى أن نعمة الله عليه باستقرار قدمه في الملك وتمكين الله إياه في البلاد وانقياد الناس لطاعته ولزومهم قانون خدمته ليس لها شكر سوى الاشتغال ببذل الجهد والاجتهاد إلى إقامة قانون الجهاد، فسير إلى سائر العساكر واستحضرها، واجتمعوا إليه بعشترا في التاريخ المذكور، وعرضهم ورتبهم، واندفع قاصداً نحو بلاد العدو المخذول في نهار الجمعة سابع عشر ربيع الآخر، وكان أبداً يقصد

стр. 99

بوقعاته الجمع سيّما أوقات صلاة الجمعة تبرّكاً بدعاء الخطباء على المنابر، فربّما كانت أقرب إلى الإجابة، فسار في ذلك الوقت على تعبية الحركة، وكان بلغه أن العدو لما بلغهم أنه قد جمع العساكر اجتمعوا بأسرهم في مرج صفورية بأرض عكا وقصدوا نحو المصاف معهم، فسار ونزل من يومه على بحيرة طبرية عند قرية تسمى الصبيرة، ورحل من هناك ونزل غربي طبرية على سطح الجبل بتعبية الحرب منتظراً أن الإفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه، فلم يتحركوا من منزلهم، وكان نزوله في هذه المنزلة يوم الأربعاء الحادي والعشرين، فلما رآهم لا يتحركون نزل جريدة على طبرية وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو، ونازل طبرية وزحف عليها فهجمها وأخذها في ساعة من نهار، وامتدت الأيدي إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل، واحتمت القلعة وحدها. ولما بلغ العدو ما جرى على طبرية لم يأخذهم الصبر دون إجابة الحمية فرحلوا من وقتهم وساعتهم، وقصدوا طبرية للدفع عنها، فأخبرت الطلائع الإسلامية الأمراء بحركة الإفرنج، فسيروا إلى السلطان من عرّفه ذلك، فترك على طبرية من يحفظ قلعتها ولحق العسكر هو ومن معه، فالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي منها، وذلك في أواخر الخميس الثاني والعشرين، وحال الليل بين الفئتين، فتبايتا على مصاف شاكي السلاح إلى صبيحة الجمعة في الثالث والعشرين، فركب العسكران وتصادما، وعملت الجاليشية،

стр. 100

وتحركت الأطلاب، والتحم القتال، واشتد الأمر، وذلك بأرض قرية تسمى اللوبيا، وضاق الخناق بالقوم هذا وهم سائرون كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وقد أيقنوا بالويل والثبور. وأحست أنفسهم أنهم في غد زوّار القبور. ولم يزل الحرب يلتحم. والفارس مع قرنه يصطدم. حتى لم يبق إلاّ الظفر. ووقع الوبال على من كفر. فحال بينهما الليل وظلامه، وجرى في ذلك اليوم من الوقائع العظيمة، والأمور الجسيمة، ما لم يحك عمّن تقدم، وبات كل فريق في سلاحه ينتظر خصمه في كل ساعة وقد أقعده التعب عن النهوض. وشغله النصب عن الحبو فضلا عن الركوض. حتى كان صباح السبت الذي بورك فيه فطلب كل من الفريقين مقامه، وعلمت كل طائفة أن المكسورة بينهما مدحورة الجنس معدومة النفس. وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد القوم وأن لا ينجيهم إلاّ الله تعالى، وكان الله قدّر نصر المؤمنين ويسّره. وأجراه على وفق ما قدّره. فحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وحمل القلب وصاحوا صيحة الرجل الواحد، فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين. وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين. وكان القومص ذكي القوم وأطغاهم، فرأى أمارات الخذلان قد نزلت بأهل دينه ولم يشغله ظن محاسنة حبسه عن تعبية، فهرب في أوائل الأمر قبل اشتداده وأخذ طريقه نحو صور، وتبعه جماعة من المسلمين، فنجا وحده. وأمن الإسلام كيده واحتاط أهل الإسلام بأهل الكفر والطغيان

стр. 101

من كل جانب وأطلقوا عليهم السهام وعاملوهم بالصفاح، وانهزمت منهم طائفة فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها واحد، واعتصمت الطائفة الأخرى بتل يقال له تل حطين، وهي قرية عنده وعندها قبر شعيب ﵊ وعلى سائر الأنبياء، فضايقهم المسلمون على التل، وأشعلوا حواليهم النيران، وقتلهم العطش، وضاق بهم الأمر، حتى كانوا يستسلمون للأسر خوفا من القتل، فأسر مقدموهم وقتل الباقون وأسروا، وكان فيمن سلم وأسر من مقدميهم: الملك جفري والبرنس أرناط وأخو الملك، والبرنس هو صاحب الشوبك، وابن الهنغري وابن صاحب طبرية ومقدم الداوية وصاحب حبيل ومقدم الأسبتار، وأما الباقون من المقدمين فإنهم قتلوا، وأما الأذوان فإنهم قسموا إلى قتيل وأسير ولم يسلم منهم إلاّ من أسر، وكان الواحد العظيم منهم يخلد إلى الأسر خوفاً على نفسه، ولقد حكى لي من أثق به أنه لقي بحوران شخصاً واحداً معه طنب خيمة فيه نيف وثلاثون أسيرا أخذهم وحده لخذلان وقع عليهم. فأما الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم. أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها. وأما مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم. وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله، وذلك أنه كان عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ ، وبلغ ذلك السلطان، فحمله الدين والحميّة على أنه نذر إن ظفر به قتله. ولما فتح الله بالنصر والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة، وجلس فرحاً مسروراً لما أنعم الله به عليه، ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط، وناول الملك جفري شربة من حلاب بثلج، فشرب منها وكان على أشدّ حال من العطش، ثم ناول بعضها البرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته، وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب من ماء لمن أسره أمن بذلك، جرياً على مكارم الأخلاق، ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا، فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم، وأقعد الملك في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما قال، وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد ﵊، ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل، ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر، وعجّل الله بروحه إلى النار، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي به، فاستحضره وطيّب قلبه وقال: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز حدّه فجرى ما جرى. وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد، وتسلّم قدّس الله روحه في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء. ثم رحل طالباً عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذ واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر، فإنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوّها عن الرجل بالفتك والأسر، ولما استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق عليها بالزحف الخناق، وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة شديدة، ونصره الله عليهم، وتسلمها ثامن عشر عنوة، وأسر من بقي بها بعد القتل، ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها، ومن الغد تسلمها وأقام عليها بحيث قرر قاعدتها. ثم سار حتى أتى بيروت، فنازلها في الثاني والعشرين، فركب عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر، حتى أخذها في التاسع والعشرين، وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل، فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر، ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون، وأقام عليها المنجنيقات، وقاتلها قتالا شديداً، وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال، وحمان بين فتوح عسقلان، وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة، فإنّ العدوّ ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. خذلان وقع عليهم. فأما الذين بقوا من مقدميهم فنذكر حديثهم. أما القومص الذي هرب فإنه وصل إلى طرابلس وأصابته ذات الجنب فأهلكه الله بها. وأما مقدم الأسبتار والداوية فإن السلطان اختار قتلهم فقتلوا عن بكرة أبيهم.

стр. 102

وأما البرنس أرناط فكان السلطان قد نذر أنه إذا ظفر به قتله، وذلك أنه كان عبر به بالشوبك قافلة من الديار المصرية في حالة الصلح فنزلوا عنده بالأمان، فغدر بهم وقتلهم، فناشدوه الله والصلح الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي ﷺ ، وبلغ ذلك السلطان، فحمله الدين والحميّة على أنه نذر إن ظفر به قتله. ولما فتح الله بالنصر والظفر جلس السلطان في دهليز الخيمة فإنها لم تكن نصبت والناس يتقربون إليه بالأسرى ومن وجدوه من المقدمين، ونصبت الخيمة، وجلس فرحاً مسروراً لما أنعم الله به عليه، ثم استحضر الملك جفري وأخاه والبرنس أرناط، وناول الملك جفري شربة من حلاب بثلج، فشرب منها وكان على أشدّ حال من العطش، ثم ناول بعضها البرنس أرناط، فقال السلطان للترجمان: قل للملك أنت الذي سقيته وأما أنا فما سقيته، وكان على عادة جميل العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل وشرب من ماء لمن أسره أمن بذلك، جرياً على مكارم الأخلاق، ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضع عين لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئا ثم عادوا، فاستحضرهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم، وأقعد الملك في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه على ما قال،

стр. 103

وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد ﵊، ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل، ثم حمل النمجاة وضربه بها فحل كتفه وتمم عليه من حضر، وعجّل الله بروحه إلى النار، فأخذ ورمي على باب الخيمة، فلما رآه الملك قد خرج به على تلك الصورة لم يشك أنه يشي به، فاستحضره وطيّب قلبه وقال: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك. وأما هذا فإنه تجاوز حدّه فجرى ما جرى. وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور، وأكمل حبور، ترتفع أصواتهم بالحمد لله والشكر له والتكبير والتهليل حتى طلع الصبح في يوم الأحد، وتسلّم قدّس الله روحه في بقية ذلك اليوم قلعة طبرية وأقام بها إلى يوم الثلاثاء.

стр. 104

ثم رحل طالباً عكا، وكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، وقاتلها يوم الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذ واستنقذ من كان فيها من الأسارى وكانوا زهاء أربعة آلاف نفر، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع والتجائر، فإنها كانت مظنة التجار، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة وأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك لخلوّها عن الرجل بالفتك والأسر، ولما استقرت قواعد عكا واقتسم الغانمون أموالها وأساراها سار يطلب تبتين فنزل عليها يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى وهي قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق عليها بالزحف الخناق، وكان بها رجال أبطال شديدون في دينهم فاحتاجوا إلى معاناة شديدة، ونصره الله عليهم، وتسلمها ثامن عشر عنوة، وأسر من بقي بها بعد القتل، ثم رحل منها إلى صيدا فنزل عليها، ومن الغد تسلمها

стр. 105

وأقام عليها بحيث قرر قاعدتها. ثم سار حتى أتى بيروت، فنازلها في الثاني والعشرين، فركب عليها القتال والزحف وضيق عليهم الأمر، حتى أخذها في التاسع والعشرين، وتسلم أصحابه حبيلا وهو على بيروت. ولما فرغ باله من هذا الجانب رأى قصد عسقلان ولم ير الاشتغال بصور بعد أن نزل عليها ومارسها لأن العسكر كان قد تفرق في الساحل وذهب كل إنسان يأخذ لنفسه شيئا وكانوا قد ضرسوا من القتال وملازمة الحرب، وكان قد اجتمع في صور كل إفرنجي بقي في الساحل، فرأى قصد عسقلان لأن أمرها كان أيسر، ونازلها في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وتسلم في طريقه مواضع كثيرة كالرملة وبينا والدارون، وأقام عليها المنجنيقات، وقاتلها قتالا شديداً، وتسلمها سلخ هذا الشهر وأقام عليها إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبرين والنطرون بغير قتال،

стр. 106

وحمان بين فتوح عسقلان، وأخذ الإفرنج لها من المسلمين خمسة وثلاثون سنة، فإنّ العدوّ ملكها في سبعة وعشرين من جمادى الأخرى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ذكر فتوح القدس الشريف حرسها الله تعالى ولما تسلم عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمّر عن ساق الجدّ والاجتهاد في قصده، واجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة في الساحل بعد انقضاء لبانها من النهب والغارة فسار نحوه معتمداّ على الله معوضاً أمره إليه منتهزاً فرصة فتح باب الخير الذي حثّ عليه ﷺ بقوله: من فتح باب خير فلينتهز بأنه لا يدري متى يغلق دونه، وكان نزوله عليها في الخامس عشر من رجب سنة ثلاثة وثمانين المباركة، فنزل في الجانب الغربي، وكان مشحوناً بالمقاتلة والخيانة والرجالة. ولقد تحازر أهل الخبرة عدة من كان فيه من المقاتلة بما يزيد على ستين ما عدا النساء والصبيان. ثم انتقل ﵀ لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي ونصب عليه المناجيق، وضايقه بالزحف

стр. 107

والقتال وكثرة الرماة حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم في قرنة شمالية. ولما رأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر، وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم مقتولون، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة بين الطائفتين، وكان تسلمه القدس قدس الله روحه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلة كانت المعراج المنصوص عليها في القرآن المجيد. فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسّر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم ﷺ وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى، وكان فتوحاً عظيماً شهده من أهل العلم خلق عظيم ومن أرباب الحرف والطرق، وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسّر الله على يده من فتوح الساحل، وشاع قصده القدس، قصده العلماء من مصر ومن الشام بحيث لم يتخلف معروف من الحضور، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وخطب فيه، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه. وحطّ الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما، ونصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر. وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرة

стр. 108

دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ذكر أو أنثى ديناراً واحداً فمن أحضر القطيعة سلم نفسه وإلا أخذ أسيراً أو فرج الله عمن كان أسيراً من المسلمين وكان خلقاً عظيماً زهاء ثلاثة آلاف أسير وأقام ﵀ يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والعلماء وإيصال من دفع قطيعته منهم إلى مأمنه وهو صور. ولقد بلغني أنه رحل عن القدس ولم يبق له من ذلك الملك شيء وكان مائتي ألف دينار وكان رحيله يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان. ذكر قصده صور ولما ثبت قدم السلطان بملك القدس والساحل قويت نفسه على قصد صور وعلم أنه إن أخر أمرها ربما اشتد فرحل سائراً إليها حتى عكا فنزل عليها ونظر في أحوالها ثم رحل متوجهاً إلى صور يوم الجمعة خامس شهر رمضان وسار حتى أشرف عليها ونزل قريباً منها ينتظر وصول آلات القتال

стр. 109

وكان لما تحرر عزمه على قصد صور سير إلى ولده الملك الظاهر يستحضره وكان قد تركه بحلب ليسد ذلك الجانب لاشتغاله هو بأمر الساحل فقدم عليه في الثامن عشر على تلك المنزلة وسر بوصوله سروراً عظيماً، ولما تكاملت عنده آلات القتال من المناجيق والدبابات والسنائر وغير ذلك نزل عليها في الثامن والعشرين وضايقها وقاتلها قتالاً عظيماً واستدعى أسطول مصر وكان يحاصرها من البحر والعسكر من البر وكان قد خلف أخاه الملك العادل بالقدس يقرر قواعده فاستدعاه فوصل إليه في خامس شوال وسير من حاصر هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال. ذكر كسرة الأسطول وذلك أنه قدم على الأسطول إنسان يقال له الفارس بدران وكان

стр. 110

ناهضاً جلداً في البحر وكان رئيس البحريين يقال له عبد المحسن وكان قد أكد عليهم الوصية وأخذ حذرهم وتيقظهم لئلا تنتهز منهم فرصة فخالفوه وغفلوا عن أنفسهم في الليل فخرج أسطول الكفار من صور وكبسوهم وأخذوا المقدمين مع خمسة قطع وقتلوا خلقاً عظيماً من الأسطول الإسلامي وذلك في السابع والعشرين من شوال فلما علم السلطان ما تم على المسلمين ضاق عطنه وكان قد هجم الشتاء وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال من شدة المطر فجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل ليأخذ العسكر جزأً من الراحة ويستعدوا لهذا الأمر استعداداً جديداً فرأى ذلك رأياً ورحل عنها بعد أن رمى المنجنيقات وسيرها وأحرق مالا يمكن ثقله وكان رحيله ثاني ذي القعدة من هذه السنة ففرق العساكر وأعطاها دستوراً وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بعكا حتى دخلت سنة أربع وثمانين. ذكر نزوله على كوكب ولما دخلت عليه هذه السنة المباركة رأى الاشتغال بالحصون الباقية لهم مما يضعف قلوب من في صور وينهي أمرها به فاشتغل بذلك ونزل على كوكب في أوائل محرم وكان سبب بداءته بكوكب أنه قد جعل حولها جماعة يحفظونها من أن تدخل إليهم قوة فخرج الإفرنج ليلاً وأخذوا غرتهم وكبسوهم
следующие страницы →