← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12720

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ابن مسكويه

Полный текст (210 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أرشد إلى الصراط المستقيم ومدح الخلق العظيم وأرسل نبيه محمد متمما لمكارم الأخلاق وأدبه فأحسن تأديبه على الإطلاق. اللهم إنا نتوجه إليك ونسعى نحوك ونجاهد نفوسنا في طاعتك ونركب الصراط المستقيم الذي نهجته لنا إلى مرضاتك فاعن بقوتك واهدنا بعزتك واعصمنا بقدرتك وبلغنا الدرجة العلي برحمتك والسعادة القصوى بجودك ورأفتك إنك على ما تشاء قدير. قال أحمد بن محمد بن مسكويه غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليمي والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ماهي وأي شيء ولأي شيء أوجدت فينا، أعني كمالها وغايتها وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية وما الأشياء العائقة لناعنها وما الذي يزكيها فتفلح وما الذي يدسيها فتخيب فإن الله عز من قائل يقول: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاسب من دساها.

стр. 2

ولما كان لكل صناعة مباد عليها تبتني وبها تحصل وكانت تلك المبادى مأخوذة من صناعة أخرى وليس في شيء من هذه الصناعات أن تبين مبادى أنفسنا كان لنا عذر واضح في ذكر مبادىء هذه الصناعة على طريق الإجمال والإشارة بالقول الوجيز وأن لم يكن مما قصدنا له واتباعها بعد ذلك بما توخيناه من إصابة الخلق الشريف الذي يشرف شرفا ذاتيا حقيقيا لا على طريق العرض الذي لا ثبات له ولا حقيقة أعني المكتب بالمال والمكاثرة أو السلطان والمغالبة أو الإصطلاح والمواضعة فنقول وبالله التوفيق لوا نبين به إن فينا شيئا ليس بجسم ولا بجزء من جسمب ولا عرض ولا محتاج في وجوده إلى قوة جسيمة بل هو جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس ثم نبين ما مقصودنا منه الذي خلقنا له وندبنا إليه فنقول:

стр. 3

تعريف النفس</ إنّا لما وجدنا في الإنسان شياما يضاد أفعال الأجسام وأجزاء الأجسام بحده وخواصه وله أيضا أفعال تضاد أفعال الجسمب وخواصه حتى لا يشاركه في حال من الأحوال وكذلك نجده يباين الأعراض ويضادها كلها غاية المباينة ثم وجدنا هذه المباينة المضادة منه للأجسام والأعراض إنما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا حكمنا بأن هذا الشيء ليس بجسم ولا جزء من جسم ولا عرضا وذلك إنه لا يستحيل ولا يتغير وأيضا فإنه يدرك جميع الأشياء بالسوية ولا يلحقه فتور ولا كلال ولانقص ﴿وبيان ذلك﴾ إن كل جسم له صورة ما فإنه ليس يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى إلا بعد مفارقته الصورة الأولى مفارقة تامة ﴿مثال ذلك﴾ إن الجسم إذا قبل صورة وشكلا من الأشكال كالتثليث مثلا فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير وغيرهما إلا بعد أن يفارقه الشكل الأول وكذلك إذا قبل صورة نقش أو كتابة أو أي شيء كان من الصور فليس يقبل صورة أخرى من ذلك الجنس إلا بعد زوال الأولى وبطلانها ألبته فإن بقي فيه شيء من رسم الصورة الأولى لم يقبل الصورة الثانية على التمام بل تختلط به الصورتان فلا يخلص له إحداهما على التمام ﴿مثال ذلك﴾ إذا قبل الشمع صورة نقش في الخاتم لم يقبل غيره من النقوش إلا بعد أن يزول عنه رسم النقش الأول

стр. 4

وكذلك الفضة إذا قبلت صورة الخاتم وهذا حكم مستقيم مستمر في الأجسام. ونحن نجد أنفسنا تقبل صور الأشياء كلها على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال من غير مفارقة للأولى ولا معاقبة ولا زوال رسم بل يبقى الرسم الأول تاما كاملا وتقبل الرسم الثاني أيضا تاما كاملا ثم لا تزال تقبل صورة بعد صورة أبدا دائما من غير أن تضعف أو تقصر في وقت من الأوقات عن قبول ما يرد ويطرأ عليها من الصور بل تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى وهذه الخاصة مضادة لخواص الأجسام ولهذه العلة يزداد الإنسان فهما كلما ارتاض وتخرج في العلوم والآداب فليست النفس إذا جسما فأما إنها ليست بعرض فقد تبين من قبل أنالعرض لا يحمل عرضا لأن العرض في نفسهمحمول أبا موجود في غيره لا قوام له بذاته وهذا الجوهر الذي وصفنا حاله هو قابل أبدا حامل أتم وأكمل من حمل الأجسام للأعراض. فإذا النفس ليست جسما ولا جزأ من جسم ولا عرضا وأيضا فإن الطول والعرض والعمق الذي به صار الجسم جسما يحصل في النفس في قوتها الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة ثم تزداد فيها هذه المعاني أبدا بلا نهاية فلا تصير بها أطول ولا أعرض ولا أعمق بل لا تصير بها جسما ألبتة ولا إذا تصورة أيضا كيفيات الجسم تكيفت بها. أعني إذا تصورت الألوان والطعوم والروائح لم تتصور بها كما تتصور الأجسام ولا يمنع بعضها قبول بعض من أضدادها كما يمنع في الجسم بل تقبلها كلها في حالة واحدة بالسواء. وكذلك حالها في المعقولات فإنها تزداد بكل معقول تحصله قوة على قبول غيره دائما أبدا بلا نهاية وهذه حالة مقابلة لا حوال الأجسام وخاصة في غاية البعد من خواصها،

стр. 5

وأيضا فإن الجسم قواه لا تعرف العلوم إلا من الحواس ولا يميل غلا إليها فهي تتشوقها بالملابسة والمشابكة كالشهوات البدنية ومحبة الإنتقام والغلبة وبالجملة كل ما يحس ويوصل إليه بالحس والجسم يزداد بهذه الأشياء قوة ويستفيد منها تماما وكمالا لأنها مادته وأسباب وجوده فهو يفرح بها ويشتاق إليها من أجل إنها تتمم وجوده وتزيد فيه وتمده. فأما هذا المعنى الآخر الذي سميناه نفسا فإنه كلما تباعد من هذه المعاني البدنية التي أحصيناها وتداخل إلى ذاته وتحلى من الحواس بأكثر ما يمكن ازداد قوة وتماما وكمالا وتظهر له الآراء الصحيحة والمعقولات البسيطة. وهذا إذن أدل دليل على أن طباعه وجوهره من غير طباع الجسم والبدن وأنه أكرم جوهر أو أفضل طباعا من كل ما في هذا العالم من الأمور الجسمانية وايضا فإن تشوقها إلى ما ليس من طباع البدن وحرصها على معرفة حقائق الأمور الآلهية وميلها إلى الأمور التي هي أفضل من الأمور الجسمية وإيثارها لها وإنصرافها عن الأمور واللذات الجسمانية يدلنا دلالة واضحة إنها من جوهر أعلى وأكرم جدا من الأمور الجسمانية. لأنه لا يمكن في شيء من الأشياء أن يتشوق ما ليس من طباعه وطبيعته ولا أن ينصرف عما يكمل ذاته ويقوم جوهره فإذا كانت أفعال النفس إذا إنصرفت إلى ذاتها فتركت الحواس مخالفة لأفعال البدن ومضادة لها في محاولاتها وإراداتها فلا محالة إن جوهرها مفارق لجوهر البدن ومخالف له في طبعه. وأيضا فإن النفس وإن كانت تأخذ كثيرا من مبادىء العلوم عن الحواس فلها من نفسها مباد أخر وأفعال لا تأخذها عن الحوس ألبتة وهي المبادىء الشريفة العالية التي تنبني عليها القياسات الصحيحة. وذلك إنها إذا حكمت إنه ليس بين طرفي النقيض واسطة فإنها لم تأخذ هذا الحكم من شيء آخر لم يكن أوليا. وأيضا فإن الحواس تدرك المحسوسات فقط وأما النفس فإنها تدرك أسباب الإتفاقات وأسباب الإختلافات التي من المحسوسات وهي معقولاتها التي لا تستعين عليها بشيء من الجسم ولا آثار الجسم.

стр. 6

وكذلك إذا حكمت على الحس إنه صدق أو كذب فليست تأخذ هذا الحكم من الحس لأنه لا يضاد نفسه فيما يحكم فيه ونحن نجد النفس العاقلة فينا تستدرك شيئا كثيرا من خطأ الحواس في مبادىء أفعالها وترد عليها أحكامها. من ذلك أن البصر يخطىء فيما يراه من قرب ومن بعد أما خطأه في البعيد فبادراكه الشمس صغيرة مقدارها عرض قدم وهي مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة يشهد بذلك البرهان العقلي فتقبل منه وترد على الحس ما شهد به فلا يقبله. وأما خطأه في القريب فبمنزلة ضوء الشمس إذا وقع علينا من ثقب مربعات صغار كحلل الأهواز وأشباهها التي يستظل بها فإنه يدرك بها الضوء الواصل إلينا منها مستدير افترد النفس العاقلة عليه هذا الحكم وتغلطه في إدراكه وتعلم إنه ليس كما يراه وتخطأ البصر أيضا في حركة القمر والسحاب والسفينة والشاطىء ويخطأ في الأساطين المسطرة والنخيل وأشباهها حتى يراها مختلفة في أوضاعها. ويخطىء أيضا في الأشياء التي تتحرك على الإستدارة حتى يراها كالحلقة والطوق ويخطىء أيضا في الأشياء الغائصة في الماء حتى يرى أن بعضه أكبر من مقداره ويرى بعضها مكسورا وهو صحيح وبعضها معوجا وهو مستقيم وبعضها منكسرا وهومنتصب.

стр. 7

فيستخرج العقل أسباب هذه كلها من مباد عقلية ويحكم عليها احكاما صحيحة وكذلك الحال في حاسة السمع وحاسة الذوق وحاسة الشم وحاسة اللمس. أعني حاسة الذوق تغلط في الحلو تجده مرا عند الصد أو أشبهه وحاسة الشم تغلط كثيرا في الأشياء المنتنة لا سيما في المنتفل من رائحة إلى رائحة فالعقل يرد هذه القضايا ويقف فيها ثم يستخرج أسبابها ويحكم فيها أحكاما صحيحة والحاكم في الشيء المزيف له أو المصحح أفضل وأعلى رتبة من المحكوم عليه وبالجملة فإن النفس إذ علمت أن الحس صدق أو كذب فليست تأخذ هذا العلم من الحس ثم إذا علمت أنها قد أدركت معقولاتها فليست تعلم هذا العلم من علم آخر لأنها لو علمت هذا العلم من علم آخر لاحتاجت في ذلك العلم أيضا إلى علم آخر وهذا يمر بلا نهاية فإذا علمها بأنها علمت ليست بمأخوذ من علم آخر البتة بل هو من ذاتها وجوهرها أعني العقل وليست تحتاج في إدراكها ذاتها إلى شيء آخر غير ذاتها ولهذا ما قيل في أواخر هذا العلم. إن العقل والعاقل والمعقول شيء واحد لاغيرية شيء يتبين في موضعه. فأما الحواس فلا تحس ذواتها ولا ما هو موافق لها كل الموافقة كما سيتبين أيضا وإذ قد تبين من هذه الأشياء بيانا واضحا إن النفس ليست بجسم ولا بجزء من جسم ولا حال من أحوال الجسم وإنها شيء آخر مفارق للجسم بجوهره وأحكامه وخواصه وأفعاله فتقول:

стр. 8

شوق النفس إلى أفعالها الخاصة بها أما شوقها إلى أفعالها الخاصة بها أعني العلوم والمعارف مع هربها من أفعال الجسم الخاصة به فهو فضيلتها وبحسب طلب الإنسان لهذه الفضيلة وحرصه عليها يكون فضله وهذا الفضل يتزايد بحسب عناية الإنسان بنفسه وانصرافه عن الأمور العائقة له عن هذا المعنى بجهده وطاقته وقد وضح مما تقدم ما الأشياء العائقة لنا عن الفضائل أعني الأشياء البدنية والحواس وما يتصل بها. فأما الفضائل أنفسها فليست تحصل لنا إلا بعد أن تطهر نفوسنا من الرذائل التي هي أضدادها أعني شهواتها الرديئة الجسمانية ونزواتها الفاحشة البهيمية. فإن الإنسان إذا علم أن هذه الأشياء ليست فضائل بل هي رذائل تجنبها وكره أن يوصف بها وإذا ظن أنها فضائل لزمها وصارت له عادة وبحسب التباسه وتدنسه بها يكون بعده من قبول الفضائل. وقد يظهر للإنسان أن هذه الأشياء التي يشتاقها البدن بالحواس ويميل إليها الجمهور أعني المآكل والمشارب والمناكح هي رذائل وليست فضائل وأنه إذا عقلها في الحيوانات الآخر وجد كثيرا منها أقدر على الإستكثار منها وأحرص عليها كالخنزير والكلب وأصناف كثيرة من حيوان الماء وسباع الوحش والطير فإنها أقوى وأحرص من الإنسان علىهذه الأشياء وأكثر احتمالا لها وليست تكون بها أفضل من الإنسان.

стр. 9

وأيضا فإن الإنسان إذا اكتفى من طعامه وشرابه وسائر لذاته البدنية إذا عرض عليه الإستزادة منها كما يستزاد من الفضائل أبى ذلك وعافه وتبين له قبح صورة من يتعاطاها لا سيما مع الإستغناء عنها والإكتفاء منها بل يتجاوز ذلك إلى مقته وذمه بل إلى تقويمه وتأديبه. فينبغي الآن أن نقدم أمام ما نطلبه من سعادة النفس وفضائلها كلاما يسهل به فهم ما نريده فنقول: كل موجود من حيوان ونبات وجماد وكذلك بسائطها أعني النار والهواء والأرض والماء وكذلك الأجرام العلوية له قوى وملكات وأفعال بها يصير ذلك الموجود هو ما هو وبها يميز عن كل ما سواه وله أيضا قوى وملكات وأفعال بها يشارك ما سواه. ولما كان الإنسان من بين الموجودات كلها هو الذي يلتمس له الخلق المحمود والأفعال المرضية وجب أن لا ننظر في هذا الوقت في قواه وملكاته التي بها يشارك سائر الموجودات إذ كان ذلك من حق صناعة أخرى وعلم آخر يسمى العلم الطبيعي. وأما أفعاله وقواه وملكاته التي يختص بها من حيث هو إنسان وبها تتم إنسانيته وفضائله فهي الأمور الإرادية التي بها تتعلق قوة الفكر والتمييز. والنظر فيها يسمى الفلسفة العلمية. والأشياء الإرادية التي تنسب إلى الإنسان تنقسم إلى الخيرات والشرور. وذلك أن الغرض المقصود من وجود الإنسان إذا توجه الواحد منا إليه حتى يحصل هو الذي يجب أن يسمى به خيرا أو سعيدا. فأما من عاقه عنها عوائق أخر فهو الشرير الشقي فإذا الخيرات هي الأمور التي تحصل للإنسان بإرادته وسعيه في الأمور التي لها أوجد الإنسان ومن أجلها خلق.

стр. 10

والشرور هي الأمور التي تعوقه عن هذه الخيرات بإرادته وسعيه أو كسله وانصرافه والخيرات قد قسمها الأولون إلى أقسام كثيرة. وذلك إن منها ما هي شريفة ومنها ما هي ممدوحة ومنها ما هي بالقوة كذلك ونعني بالقوة التهيؤ والإستعداد ونحن نعددها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا القول أن كل واحد من الموجودات له كمال خاص وفعل لا يشاركه فيه غيره من حيث هو ذلك الشيء أعني أنه لا يجوز أن يكون موجودا آخر سواه يصلح لذلك الفعل منه وهذا حكم مستمر في الأمور العلوية والسفلية كالشمس وسائر الكواكب وكأنواع الحيوان كلها كالفرس والبازي وكأنواع النبات والمعادن وكالعناصر البسائط التي متى تصفحت أحوالها تبين لك من جميعها صحة ما قلناه وحكمنا به. فإذا الإنسان من بين سائر الموجودات له فعل خاص به لا يشاركه فيه غيره وهو ما صدر عن قوته المميزة المروية فكل من كان تمييزه أصح ورويته أصدق واختياره أفضل كان أكمل في إنسانيته. وكما أن السيف والمنشار وأن صدر عن كل واحد منهما فعله الخاص بصورته الذي من أجله عمل. فأفضل السيوف ما كان أمضى وأنضر وما كفاه يسير من الإيماء في بلوغ كماله الذي أعد له. وكذلك الحال في الفرس والبازي وسائر الحيوانات فإن أفضل الأفراس ما كان أسرع حركة وأشد تيقظا لما يريده الفارس منه في طاعة اللجام وحسن القبول في الحركات وخفة العدو والنشاط. فكذلك الناس أفضلهم من كان أقدر على أفعاله الخاصة به وأشد تمسكا بشرائط جوهره الذي تميز به عن الموجودات،

стр. 11

فإذا الواجب الذي لا مرية فيه أن نحرص على الخيرات التي هي كمالنا والتي من أجلها خلقنا ونجتهد في الوصول إلى الإنتهاء إليها ونتجنب الشرور التي تعوقنا عنها وتنقص حظنا منها فإن الفرص إذا قصر عن كماله ولم تظهر أفعاله الخاصة به على أفضل أحوالها حط عن مرتبة الفرسية واستعمل بالأكاف كما تستعمل الحمير وكذلك حال السيف وسائر الآلآات متى قصرت ونقصت أفعالها الخاصة بها حطت عن مراتبها واستعملت استعمال ما دونها والإنسان إذا نقصت أفعاله وقصرت عما خلق له أعني أن تكون أفعاله التي تصدر عنه وعن رويته غير كاملة أحرى بأن يحط عن مرتبة الإنسانية إلى مرتبة البهيمية. هذا إن صدرت أفعاله الإنسانية عنه ناقصة غير تامة فإذا صدرت عنه الأفعال بضد ما أعد له أعني الشرور التي تكون بالروية الناقصة والعدول بها عن جهتها لأجل الشهوة التي يشارك فيها البهيمة أولا أو الإغترار بالأمور الحسية التي تشغله عما عرض له من تزكية نفسه التي ينتهب بها إلى الملك الرفيع والسرور الحقيقي وتوصله إلى قرة العين التي قال الله: (فَلاَ تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفيَ لَهُم مِن قٌرَةِ أَعيُن) وتبلغه إلى رب العالمين في النعيم المقيم واللذات التي لم ترها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر

стр. 12

وانخدع عن هذه الموهبة السرمدية الشريفة بتلك الخساسات التي لا ثبات لها. فهو حقيق بالمقت من خالقه خليق بتعجيل العقوبة له وإراحة العباد والبلاد منه. وإذ تبين ان سعادة كل موجود إنما هي صدور أفعاله التي تخص صورته عنه تامة كاملة وإن سعادة الإنسان تكون في صدور أفعاله الإنسانية عنه بحسب تمييزه ورويته وأن لهذه السعادة مراتب كثيرة بحسب الروية والمروي فيه ولذلك قيل أفضل الروية ما كان في أفضل مروي ثم ينزل رتبة فرتبة إلى أن ينتهي إلى النظر في الأمور الممكنة من العالم الحسي فيكون الناظر في هذه الأشياء قد استعمل رويته والصورة الخاصة به التي صار من أجلها سعيدا معرضا للملك الأبدي والنعيم السرمدي في أشياء دنيئة لا وجود لها بالحقيقة فقد تبين أيضا أجناس من السعادات بالجملة وأضدادها من الشقاوات وأجناسها وأن الخيرات والشرور في الأفعال الإرادية هي إما باختيار الأفضل والعمل به وإما باختيار الأدون والميل إليه. ولما كانت هذه الخيرات الإنسانية وملكاتها التي في النفس كثيرة ولم يكن في طاقة الإنسان الواحد القيام بجميعها وجب أن يقوم بجميعها جماعة كثيرة منهم ولذلك وجب أن تكون أشخاص الناس كثيرة وأن يجتمعوا في زمان واحد على تحصيل هذه السعادات المشتركة لتكميل كل واحد منهم بمعاونة الباقين له فتكون الخيرات

стр. 13

مشتركة والسعادة مفروضة بينهم فيتوزعونها حتى يقوم كل واحد منهم بجزء منها ويتم للجميع بمعاونة الجميع الكمال الإنسي وتحصل لهم السعادات الثلاث التي شرحناها في كتاب الترتيب. ولأجل ذلك وجب على الناس أن يحب بعضهم بعضا لأن كل واحد يرى كماله عند الآخر ولولا ذلك لما تمت للفرد سعادته فيكون إذا كل واحد بمنزلة عضو من أعضاء البدن وقوام الإنسان بتمام أعضاء بدنه. وقد تبين للناظر في أمر هذه النفس وقواها أنها تنقسم إلى ثلاثة أعني القوة التي بها يكون الفكر والتمييز والنظر في حقائق الأمور والقوة التي بها يكون الغضب والنجدة والإقدام على الأهوال والشوق إلى التسلط والترفع وضروب الكرامات والقوة التي بها تكون الشهوة وطلب الغذاء والشوق إلى الملاذ التي في المآكل والمشارب والمناكح وضروب اللذات الخسية وهذه الثلاث متباينة ويعلم من ذلك ان بعضها إذا قوي أضر بالآخر وربما أبطل أحدهما فعل الآخر وربما جعلت نفوسنا وربما جعلت قوى لنفس واحدة والنظر في ذلك ليس يليق بهذا الموضع وأنت تكتفي في تعلم الأخلاق بأنها قوى ثلاث متباينة تقوي إحداهما وتضعف بحسب المزاج أو العادة أوالتأدب. فالقوة الناطقة هي التي تسمى الملكية وآلتها التي تستعملها من البدن، الدماغ،

стр. 14

والقوة الشهويد التي تسمى بالبهيمية وآلتها التي تستعملها من البدن، الكبد. والقوة الغضبية هي التي تسمى السبعية وآلتها التي تستعملها من البدن القلب فلذلك وجب أن يكون عدد الفضائل بحسب إعداد هذه القوى وكذلك أضدادها التي هي رذائل فمتى كانت حركة النفس الناطقة معتدلة وغير خارجة عن ذاتها وكان شوقها إلى المعارف الصحيحة ﴿لا المظنونة معارف وهي بالحقيقة جهالات﴾ حدثت عنها فضيلة العلم وتتبعها الحكمة ومتى كانت حركة النفس البهيمية معتدلة منقادة للنفس العاقلة غير متأبية عليها فيما نقسطه لها ولا منهمكة في اتباع هواها حدثت عنها فضيلة العفة وتتبعها فضيلة السخاء. ومتى كانت حركة النفس الغضبية معتدلة تطيع النفس العاقلة فيما تقسطه لها فلا تهيج في غير حينها ولا تحمي أكثر مما ينبغي لها حدثت منها فضيلة الحلم وتتبعها فضيلة الشجاعة ثم يحدث عن هذه الفضائل الثلاث باعتدالها ونسبة بعضها إلى بعض فضيلة هي كمالها وتمامها وهي فضيلة العدالة. فلذلك أجمع الحكماء علىأن أجناس الفضائل أربع وهي الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة ولهذا لا يفتخر أحد ولا يتباهى إلا بهذه الفضائل فقط. فأما من افتخر بآبائه وأسلافه فلأنهم كانوا على بعض هذه الفضائل أو عليها كلها وكل واحدة من هذه الفضائل إذا تعدت صاحبها إلى غيره تسمى صاحبها بها ومدح عليها

стр. 15

وإذا اقتصرت على نفسه لم يسم بها بل غيرت هذه الأسماء. أما الجود فإنه إذا لم يتعد صاحبه سمى صاحبه منفاقا. وأما الشجاعة فإن صاحبها يسمى آنفا. وأما العلم فإن صاحبه يسمى مستبصرا ثم إن صاحب الجود والشجاعة إذا عم غيره بفضيلتيه وتعدتاه رجى بإحداهماواحتشم وهيب بالأخرى. وذلك في الدنيا فقط لأنهما فضيلتان حيوانيتان. أما العلم إذا تعدى صاحبه فإنه يرجى ويحتشم في الدنيا والآخرة لأنه فضيلة إنسانية ملكية. وأضداد هذه الفضائل الأربع أربع أيضا وهي الجهل والشره والجبن والجور وتحت كل واحد منهذه الأجناس أنواع كثيرة سنذكر منها ما يمكن ذكره. فأما أشخاص الأنواع فهي بلا نهاية وهي أمراض نفسانية تحدث منها أمراض كيرة كالخوف والحزن والغضب وأنواع العشق الشهواني وضروب من سوء الخلق وسنذكرها ونذكر علاجاتها فيما بعد إنشاء الله تعالى. والذي يجب علينا الآن هو تحديد هذه الأشياء أعني الأجناس الأربعة التي تحتوي على جمل الفضائل فنقول:

стр. 16

أما الحكمة فهي فضيلة النفس الناطقة المميزة وهي أن تعلم الموجودات كلها من حيث هي موجودة وإن شئت فقل إن تعلم الأمور الإلهية والأمور الإنسانية ويثمر علمها بذلك أن تعرف المعقولات أيها يجب ان يفعل وأيها يجب أن يغفل. واما العفة فهي فضيلة الحس الشهواني وظهور هذه الفضيلة في الإنسان يكون بأن يصرف شهواته بحسب الرأى أعني أن يوافق التمييز الصحيح حتى لا ينقاد لها ويصير بذلك حرا غير متعبد لشيء من شهواته، وأما الشجاعة فهي فضيلة النفس الغضبية وتظهر في الإنسان بحسب إنقيادها للنفس الناطقة المميزة واستعمال ما يوجبه الرأى في الأمور الهائلة أعني أن لا يخاف من الأمور المفزعة إذا كان فعلها جميلا والصبر عليها محمودا.

стр. 17

فأما العدالة فهي فضيلة للنفس تحدث لها من إجتماع هذه الفضائل الثلاث التي عددناها وذلك عند مسالمة هذه القوى بعضها للبعض وإستسلامها للقوة المميزة حتى لا تتغالب ولا تتحرك لنحو مطلوباتها على سوم طبائعها ويحدث للإنسان بها سمة يختار بها ابدا الإنصاف من نفسه أولا ثم الإنصاف والإنتصاف من غيره وله. وسنتكلم على كل واحدة من هذه الفضائل بكلام أوسع من هذا إذا ذكرنا الفضائل التي تحت كل جنس من هذه الأربع إذ كان غرضنا في هذا الموضع الإشارة إليها بالرسوم الوجيزة ليتصورها المتعلم. والذي ينبغي الآن أن نتبع ما قدمنا بذكر أنواع هذه الأجناس وماتحت كل واحد منها فنقول ﴿الأقسام التي تحت الحكمةْ الذكاء. الذكر. التعقل. سرعة الفهم وقوته صفاء الذهن سهولة التعلم وبهذه الأشياء يكون حسن الإستعداد للحكمة فأما الوقوف على جواهر هذه الأقسام فيكون من حدودها. وذلك أن العلم بالحدود يفهم جواهر الأشياء المطلوبة الموجودة دائما على حال واحد وهو العلم البرهاني الذي لا يتغير ولا يدخله الشك بوجه من الوجوه.

стр. 18

والفضائل التي هي بذاتها فضائل لا تكون في حال من الأحوال غير فضائل، فكذلك العلوم بها. أما الذكاء فهو سرعة انقداح النتائج وسهولتها على النفس. اما الذكر فهو ثبات صورة ما يخلصه العقل أو الوهم من الأمور. وأما التعقل فهو موافقة بحث النفس عن الأشياء الموضوعة بقدر ما هي عليه. وأما صفاء الذهن فهو استعداد لما قد لزم من المقدم. وأما سهولة التعلم فهي قوة للنفس وحدة في الفهم بها تدرك الأمور النظرية. الفضائل التي تحت العفة الحياء. الدعة. الصبر. السخاء. الحرية. القاعة. الدماثة. الإنتظام. حسن الهدى. المسالمة. الوقار. الورع، أما الحياء فهو إنحصار النفس خوف إتيان القبائح والحذر من الذم والسب الصادق. وأما الدعة فهي سكون النفس عند حركة الشهوات. وأما الصبر فهو مقاومة النفس الهوى لئلا تنقاد لقبائح اللذات

стр. 19

وأما السخاء فهو التوسط في الإعطاء وهو أن ينفق الأمور فيما ينبغي بعلى مقدار ما ينبغي وعلى ما ينبغي وتحت السخاء خاصة أنواع كثيرة نحصيها فيما بعد لكثرة الحاجة إليها. وأما الحرية فهي فضيلة للنفس بها يكتسب المال من وجهه ويعطي في وجهه وتمنع من اكتسابه منغير وجهه. وأما القناعة فهي التساهل في المآكل والمشارب والزينة. وأما الدماثة فهي حسن إنقياد النفس لما يجمل وتسرعها إلى الجميل. وأما الإنتظام فهو حال للنفس تقودها إلى حسن تقدير الأمور وترتيبها كما ينبغي. وأما حسن الهدى فهو محبة تكميل النفس بالزينة الحسنة. وأما المسألة فهي موادعة تحصل للنفس عن ملكة لا اضطرار فيها. واما الوقار فهو سكون النفس وثابتها عند الحركات التي تكون في المطالب وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس.

стр. 20

الفضائل التي تحت الشجاعة كبر النفس. النجدة. عظم الهمة، الثبات. الصبر، الحلم. عدم الطيش، الشهامة، احتمال الكد والفرق بين الصبر والصبر الذي في العفة أنهذا يكون في الأمور الهائلة وذلك يكون في الشهوات الهائجة. اما كبر النفس فهو الإستهانة باليسير والإقتدار على حمل الكرائه فصاحبه أبدا يؤهل نفسه للأمور العظام مع استخفافه لها. وأما النجدة فهي ثقة النفس عند المخاوف حتى لا يخامرها جزع. وأما عظم الهمة فهي فضيلة للنفس تحتمل بها سعادة الجد وضدها حتى الشدائد التي تكون عند الموت. وأما الثبات فهو فضيلة للنفس تقوى بها على إحتمال الآلام ومقاومتها في الأهوال خاصة. وأما الحلم فهو فضيلة للنفس تكسبها الطمأنينة فلا تكون شغبة ولا يحركها الغضب بسهولة وسرعة. وأما السكون الذي نعني به عدم الطيش فهو إما عند الخصومات وإما في الحروب التي يذب بها عن الحريم أو عن الشريعة. وهو قوة للنفس تقسر حركتها في هذه الأحوال لشدتها. وأما الشهامة فهي الحرص على الأعمال العظام توقعا للأحدوثة الجميلة. وأما احتمال الكد فهو قوة للنفس بها تستعمل آلات البدن في الأمور الحسية بالتمرين وحسن العادة.

стр. 21

الفضائل التي تحت السخاء الكرم. الإيثار، النيل، المواساة. السماحة المسامحة. أما الكرم فهو إنفاق المال الكثير بسهولة من النفس في الأمور الجليلة القدر الكثيرة النفع كما ينبغي وباقي شرائط السخاء التي ذكرناها. وأما الإيثار فهو فضيلة للنفس بها يكف الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصه حتى يبذله لمن يستحقه. وأما النيل فهو سرور النفس بالأفعال العظام وإبتهاجها بلزوم هذه السيرة. وأما المواساة فهي معاونة الأصدقاء والمستحقين ومشاركتهم في الأموال والأقوات. وأما السماحة فهي بذل بعض ما لا يجبز وأما المسامحة فهي ترك بعض ما يجب والجميع يكون بالإرادة والإختيار.

стр. 22

الفضائل التي تحت العدالة الصدقة، الألفة. صلة الرحم. المكافأة. حسن الشركة. حسن القضاء، التودد. العبادة. ترك الحقد. مكافأة الشر بالخير. استعمال اللطف. ركوب المروءة في جميع الأحوال. ترك المعادات. ترك الحكاية عمن ليس بعدل مرضي. البحث عن سيرة من يحكي عنه العدل. ترك لفظة واحدة لا خير فيها مسلم فضلا عن حكاية توجب حدا او قذفا أو قتلا أو قطعا. ترك السكون إلى قول سفلة الناس وسقطهم. ترك قول من يكدي بين الناس ظاهرا باطنا أو يلحف في مسألة أو يلح بالسؤال فإن هؤلاء يرضيهم الشيء اليسير فيقولون لأجله حسنا ويسخطهم إذا منعوا اليسير فيقولون لأجله قبيحا. ترك الشره في كسب الحلال وترك ركوب الدناءة في الكسب لأجل العيال. الرجوع إلى الله وإلى عهده وميثاقه عند كل قول يتلفظ به أو لحظ يلحظه أو خطرة في أعدائه وأصدقائه. ترك اليمين بالله وبشيء من أسماءه وصفاته رأسا. وليس بعدل من لم يكرم زوجته وأهلها المتصلين بها وأهل المعرفة الباطنة به وأهل المعرفة الباطنة به. وخير الناس خيرهم لأهله وعشيرته والمتصلين به من أخ أو ولد أو متصل بأخ أو والد أو قريب أو نسيب أو شريك أو جار أو صديق أو حبيب. ومن احب المال حبا مفرطا لم يؤهل لهذه المرتبة. فإن حرصه على جمع المال يصده عن استعمال الرأفة وامتطاء الحق وبذل ما يجب ويضطره إلى الخيانة

стр. 23

والكذب والإختلاق والزور ومنع الواجب والإستقصاء وإستجلاب الدانق والحبة والذرة لبيع الدين والمروءة. وربما أنفق أموالا جمة محبة منه للمحمدة وحسن الثناء ولا يريد بذلك وجه الله وما عنده. بل يتخذها مصيدة ويجعل ذلك مكسبة ولا يعلم أن ذلك عليه سيئة ومسبة. أماالصداقة فهي محبة صادقة يهتم معها بجميع أسباب الصديق وغيثار فعل الخيرات التي يمكن فعلها به. وأما الألفة فهي إتفاق الآراء والإعتقادات. وتحدث عن التواصل فيعتقد معها التضافر على تدبير العيش. وأما صلة الرحم فهي مشاركة ذوي اللحمة في الخيرات التي تكون في الدنيا. وأما المكافأة فهي مقابلة الإحسان بمثله أو بزيادة عليه. وأما حسن الشركة فهو الأخذ والإعطاء في المعاملات على الإعتدال الموافق للجميع. وأما حسن القضاء فهو مجازاة بعدل بغير ندم ولا من. وأما التودد فهو طلب مودات الأكفاء وأهل الفضل بحسن اللقاء وبالأعمال التي تستدعي المحبة منهم. وأما العبادة فهي تعظيم الله تعالى وتمجيده وطاعته وإكرام أوليائه من الملائكة والأنبياء والأئمة والعمل بما توجبه الشريعة وتقوى الله تعالى تتم هذه الأشياء وتكملها، وإذ قد تقصينا الفضائل الأولى وأقسامها وذكرنا أنواعها وأجزاءها فقد عرفنا الرذائل التي تضاد الفضائل لأنه يفهم من كل واحدة من تلك الفضائل كلها ما يقابلها لأن العلم بالأضداد واحد.

стр. 24

ولما كانت هذه الفضائل أوساطا بين أطراف وتلك الأطراف هي الرذائل وجب أن تفهم منها وأن اتسع لنا الزمان ذكرناها لأن وجود أسمائها في هذا الوقت متعذر وينبغي ان تفهم من قولنا أن كل فضيلة فهي وسد بين رذائل ما أنا واصفه. إن الأرض لما كانت في غاية البعد من السماء قيل إنها وسط وبالجملة المركز من الدائرة هو على غاية البعد من المحيط وإذا كان الشيء على غاية البعد من شيء آخر فهو من هذه الجهة على القطر. فعلى هذا الوجه يبنغي أن يفهم معنى الوسط من الفضيلة إذا كانت بين رذائل بعدها منها أقصى البعد ولهذا إذا انحرنفت الفضيلة عن موضعها الخاص بها أدنى انحراف قربت من رذيلة أخرى ولم تسلم من العيب بحسب قربها من تلك الرذيلة التي تميل إليها ولهذا صعب جدا وجود هذا الوسط ثم التمسك به بعد وجوده أصعب لذلك قالت الحكماء إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها ولزوم الصواب بعد ذلك حتى لا يخطأها أعسر وأصعب. وذلك أن الأطراف التي تسمى رذائل من الأفعال والأحوال والزمان وسائر الجهات كثيرة جدا. ولذلك كانت دواعي الشر أكثر من دواعي الخير ويجب أن تطلب أوساط تلك الأطراف بحسب كل فرد فرد. فأما ما يجب على المؤلف فهو أن يذكر جمل هذه الأوساط وقوانينها بحسب ما يليق بالصناعة لا على ما يجب على كل شخص فإن هذا غير ممكن فإن النجار والصائغ وجميع أرباب الصناعات إنما يحصل في نفوسهم قوانين وأصول فيعرف النجار صورة الباب والسرير والصائغ صورةالخاتم والتاج على الإطلاق.

стр. 25

فأما أشخاص ماقام في نفسه فإنما يستخرجها بتلك القوانين ولا يمكنه تعرف الأشخاص لأنها بلا نهاية. وذلك أن كل باب وخاتم إنما يعمل بمقدار ما ينبغي وعلى قدر الحاجة وبحسب المادة. والصناعة لا تضمن إلا معرفة الأصول فقط. وإذ قد ذكرنا معنى الوسط في الأخلاق وماينبغي أن يفهم منه فلنذكر هذه الأوساط لتفهم منها الأطراف التي هي رذائل وشرور فنقول وبالله التوفيق. أما الحكمة فهي وسط بين السفه والبله وأعني بالسفه ههنا إستعمال القوة الفكرية فيما لا ينبغي وكمالا ينبغي. وسماه القوم الجزيرة وأعني بالبله تعطيل هذهالقوة وإطراحها وليس بنبغي أن يفهم أن البله ههنا نقصان الخلقة بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة. وأما الذكاء فهو وسط بين الخبث والبلادة فإن أحد طرفي كل وسط إفراط والآخر تفريط أعني الزيادة عليه والنقصان منه فالخبث والدهاء والحيل الرديئة هي كلها إلى جانب الزيادة فيما ينبغي أن يكون الذكاء فيه. وأما البلادة والبله والعجز عنغدراك المعارف فهي كلها إلى جانب النقصان من الذكاء. وأما الذكر فهو وسط بين النسيان الذي يكون بإهمال ما ينبغي أن يحفظ وبين العناية بما لا ينبغي أن يحفظ. وأما التعقل - وهو حسن التصور - فهووسط بين الذهاب بالنظر في الشيء الموضوع إلى أكثر مما هو عليه وبين القصور وبالنظر فيه عما هو عليه. وأما سرعة الفهم فهي وسط بين إختطاف خيال الشيء من غير إحكام لفهمه. وبين الإبطاء عن فهم حقيقته.

стр. 26

وأما صفاء الذهن فهو وسط بين ظلمة النفس عن إستخراج المطلوب بوبين التهاب يعرض فيها فيمنعها من استخراج المطلوب وأما جودة الذهن وقوته فهو وسط بين الإفراط في التأمل لما لزم من المقدم حتى يخرج منه إلى غيره وبين التفريط فيه حتى يقصر عنه. وأما سهولة التعلم فهي وسط بين المبادرة إليه بسلاسة تثبت معها صورة العلم وبين التعصب عليه وتعذره. وأما العفة فهي وسط بين رذيلتين وهما الشره وخمود الشهوة. وأعني بالشره الإنهماك في اللذات والخروج فيها عما ينبغي وأعني بخمود الشهوة السكون عن الحركة التي تسلك نحو اللذة الجميلة التي يحتاج إليها البدن في ضروراته وهي ما رخص فيه صاحب الشريعة والعقل. وأما الفضائل التي تحت العفة فإن الحياء وسط بين رذيلتين. إحداهما لوقاحة والأخرى الخرق. وأنت تقدر على أن تلحظ أطراف الفضائل الأخرى التي هي رذائل وربما وجدت لها أسماء بحسب اللغة وربما وجدت لها إسما وليس يعسر عليك فهم معانيها والسلوك فيها على السبيل التي سلكناها ﴿وأما الشجاعة﴾ فهي وسط بين رذيلتين إحداهما الجبن والأخرى التهور. أما الجبن فهو الخوف مما لا ينبغي ان يخاف منه. وأما التهور فهو الإقدام على ما لا ينبغي أن يقدم عليه وأما السخاء فهو وسط بين رذيلتين إحداهما السرف والتبذير والأخرى البخل والتقتير. أما التبذير فهو بذل ما لا ينبغي لمن لا يستحق. وأما التقتير فهومنع ما ينبغي عمن يستحق

стр. 27

﴿وأما العدالة﴾ فهي وسط بين الظلم والإنظلام، أما الظلم فهو التوصل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي كما لا ينبغي. وأما الإنظلام فهو الإستحذاء والإستماتة في المقتنيات لمن لا ينبغي وكما لا ينبغي. ولذلك يكون للجائر أموال كثيرة لأنه يتوصل إليها من حيث لا يجب ووجوه التوصل إليها كثيرة. وأما المنظلم فمقتنياته وأمواله يسيرة جدا لأنه يتركها من حيث لا يجب. وأما العادل فهو في الوسط لأنه يقتني الأموال من حيث يجب. ويتركها من حث لا يجب. فالعدالة فضيلة ينصف بها الإنسان من نفسه ومن غيره من غير أن يعطي نفسه من النافع أكثر وغيره أقل. وأما في الضار فبالعكس وهو أن لا يعطي نفسه أقل وغيره أكثر لكن يستعمل المساواة التي هي تناسب ما بين الأشياء ومن هذا المعنى اشتق اسمه أعني العدل. وأما الجائر فأنه يطلب لنفسه الزيادة من المنافع ولغيره النقصان منها وأما في الأشياء الضارة فإنه يطلب لنفسه النقصان ولغيره الزيادة منها. فقد ذكرنا الأخلاق التي هي خيرات وفضائل وأطرافها التي هي شرور ورذائل على طريق الإيجاز وحددنا ما يحد منها ورسمنا ما يرسم وسنشرح كل واحد منها على سبيل الإستقصاء فيما بعد إن شاء الله تعالى. وينبغي أن نلخص في هذا الموضع شكا ربما لحق طالب هذه الفضائل فنقول: أنا قد بينا فيما تقدم أن الإنسان من بين جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته. ولا بد له من معاونة قوم كثيرى العدد حتى يتمم به حياته طيبة ويجري أمره على السداد.

стр. 28

ولهذا قال الحكماء أن الإنسان مدني بالطبع أي هو محتاج إلى مدينة فيها خلق كثير لتتم له السعادة الإنسانية فكل بالطبع وبالضرورة يحتاج إلى غيره فهو لذلك مضطر إلى مصافاة الناس ومعاشرتهم العشرة الجميلة ومحبتهم المحبة الصادقة لأنهم يكملون ذاته ويتممون إنسانيته وهو أيا يفعل بهم مثل ذلك. فإذا كان كذلك بالطبع وبالضرورة فكيف يؤثر الإنسان العاقل العارف بنفسه التفرد والتخلي ولا يتعاطى ما يرى الفضيلة في غيره. فإذا القوم الذين رأوا الفضيلة في الزهد وترك مخالطة الناس وتفردوا عنهم إما بملازمة المغارات في الجبال وأما ببناء الصوامع في المفاوز. وأما بالسياحة في البلدان لا يحصل لهم شيء من الفضائل الإنسانية التي عددنها. ذلك أن من لم يخالط الناس ولم يساكنهم في المدن لا تظهر فيه العفة ولا النجدة ولا السخاء ولا العدالة بل تصير قواه وملكاته التي ركبت فيه باطلة لأنها لا تتوجه لا إلى خير ولا إلى شر فإذا بطلت ولم نظهر أفعالها الخاصة بها صاروا بمنزلة الجمادات والموتى من الناس ولذلك يظنون ويظن بهم أنهم أعفاء وليسوا بإعفاء وأنهم عدول وليسوا بعدول وكذلك في سائر الفضائل اعني أنه إذا لم يظهر منهم أضداد هذه التي هي شرور. ظن بهم الناس أنهم أفاضل وليست الفضائل إعداما بل هي أفعال وأعمال تظهر عند مشاركة الناس ومساكنتهم وفي المعاملات وضروب الإجتماعات. ونحن إنما نعلم ونتعلم الفضائل الإنسانية التي نساكن بها الناس ونخالطهم ونصبر على أذاهم لنصل منها وبها إلى سعادات أخر إذا صرنا إلى حال أخرى. وتلك الحال غير موجودة لنا الآن.

стр. 29

المقالة الثانية

стр. 30

" الخلق " الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية ولا روية. وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيا من أصل المزاج كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه أو يرتاع من خبر يسمعه وكالذي يضحك ضحكا مفرطا من أدنى شيء يعجبه وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله، ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرب وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا. ولهذا اختلف القدماء في الخلق فقال بعضهم الخلق خاص بالنفس غير الناطقة وقال بعضهم قد يكون للنفس الناطقة فيه حظ. ثم اختلف الناس أيضا اختلافا ثانيا فقال بعضهم من كان له خلق طبيعي لم ينتقل عنه وقال آخرون ليس شيء من الأخلاق طبيعيا للإنسان ولا نقول أنه غير طبيعي. وذلك أنا مطبوعون على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب والمواعظ إما سريعا أو بطيئا. وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره لأنا نشاهده عيانا ولأن الرأى الأول يؤدي إلى أبطال قوة التمييز والعقل وإلى رفض السياسات كلها وترك الناس همجا مهملين وإلى ترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم وهذا ظاهر الشناعة جدا.

стр. 31

وأما الرواقيون فظنوا أ، الناس كلهم يخلقون أخيارا بالطبع ثم بعد ذلك يصيرون أشرارا بمجالسة أهل الشر والميل إلى الشهوات الرديئة التي لا تقمع بالتأديب فينهمك فيها ثم يتوصل إليها من كل وجه ولا يفكر في الحسن منها والقبيح. وقوم آخرون كانوا قبل هؤلاء ظنوا أن الناس خلقوا من الطينة السفلى وهي كدر العالم فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع. وإنما يصيرون أخيارا بالتأديب والتعليم إلا أن فيهم منهو في غاية الشر لا يصلحه التأديب وفيهم من ليس في غاية الشر فيمكن أن ينتقل من الشر إلى الخير بالتأديب من الصبا ثم بمجالسة الأخيار وأهل الفضل، فأما جالينوس فإنه رأى أن الناس فيهم من هو خير بالطبع وفيهم من هو شرير بالطبع وفيهم من هو متوسط بين هذين. ثم أفسد المذهبين الأولين اللذي ذكرناهما أما الأول فبأن قال أن كان كل الناس أخيارا بالطبع وإنما ينتقلون إلى الشر بالتعليم فالبضرورة إما أن يكون تعلمهم الشرور من أنفسهم وإما من غيرهم. فإن تعلموا من غيرهم فإن المعلمين الذين علموهم الشر أشرار بالطبع. فليس الناس إذا كلهم أخيارا بالطبع. وإن كانوا تعلموه من أنفسهم فإما أن يكون فيهم قوة يشتاقون بها إلى الشر فقط فهم إذاً أشرار بالطبع.

стр. 32

وأما الرأى الثاني فإنه أفسده بمثل هذه الحجة. وذلك أنه قال إن كان كل الناس أشرارا بالطبع فإما أن يكونوا تعلموا الخير من غيرهم أو من أنفسهم ونعيد الكلام الأول بعينه، ولما أفسد هذين المذهبين صحح رأى نفسه من الأمور البينة الظاهرة. وذلك أنه ظاهر جدا أن من الناس من هو خير بالطبع وهم قليلون وليس ينتقل هؤلاء إلى الشر ومنهم من هو شرير بالطبع وهم كثيرون وليس ينتقل هؤلاء إلى الخير. ومنهم من هو متوسط بين هذين وهؤلاء قد ينتقلون بمصاحبة الأخيار ومواعظهم إلى الخير وقد ينتقلون بمقاربة أهل الشر وإغوائهم إلى الشر. وأما أرسطو طاليس فقد بين في كتاب الأخلاق وفي كتاب المقولات أيضا أن الشرير قد ينتقل بالتأديب إلى الخير. ولكن ليس على الإطلاق لأنه يرى أن تكرير المواعظ والتأديب وأخذ الناس بالساياسات الجيدة الفاضلة لا بد أن يؤثر ضروب التأثير في ضروب الناس فمنهم من يقبل التأديب ويتحرك إلى الفضيلة بسرعة ومنهم من يقبله ويتحرك إلى الفضيلة بابطاء. ونحن نؤلف من ذلك قياسا وهو هذا: كل خلق يمكن تغيره. ولا شيء مما يمكن تغيره هو بالطبع. فإذا لا خلق ولا واحد منه بالطبع. والمقدمتان صحيحتان والقياس منتج في الضرب الثاني من الشكل الأول.

стр. 33

أما تصحيح المقدمة الأولى. وهي أن كل خلق يمكن تغيره فقد تكلمنا عليه وأوضحناه وهو بين من العيان ومما استدللنا به من وجوب التأديب ونفعه وتأثيره في الأحداث والصبيان ومن الشرائع الصادقة التي هي سياسة الله لخلقه وإما تصحيح المقدمة الثانية وهي أنه لا شيء مما يمكن تغيره هو بالطبع فهو ظاهر أيضا. وذلك أنا لا نروم تغيير شيء مما هو بالطبع أبدا. فإن أي أحد لا يروم أن يغير حركة النار التي إلى فوق بأن يعودها الحركة إلى أسفل ولا أن يعود الحجر حركة العلوم يروم بذلك أن يغير حركة الطبيعة التي إلى أسفل. ولو رامه ما صح له تغيير شيء من هذا ولا ما يجري مجراه أعني الأمور التي هي بالطبع فقد صحت المقدمتان وصح التأليف في الشكل الأول وهو الضرب الثاني منه وصار برهانا. فأما مراتب الناس في قبول هذه الآداب التي سميناها خلقا والمسارعة إلى تعلمها والحرص عليها فإنها كثيرة وهي تشاهد وتعاين فيهم وخاصة في الأطفال فإن أخلاقهم تظهر فيهم منذ بدء نشأتهم ولا يسترونها بروية ولا فكر كما يفعله الرجل التام الذي انتهى في نشؤه وكماله إلى حيث يعرف من نفسه ما يستقبح منه فيخفيه بضروب من الحيل والأفعال المضادة لما في طبعه: وأنت تتأمل من أخلاق الصبيان واستعدادهم لقبول الأدب أو نفورهم عنه أو ما يظهر في بعضهم من القحة وفي بعضهم من الحياء

стр. 34

وكذلك ما ترى فيهم من الجود والبخل والرخمة والقسوة والحسد وضده ومن الأحوال المتفاوتة ما تعرف به مراتب الإنسان في قبول الأخلاق الفاضلة وتعلم معه أنهم ليسوا على رتبة واحدة وأن فيهم المتواني والممتنع والسهل السلس والفظ العسر والخير والشرير. والمتوسطون بين هذه الأطراف في مراتب لا تحصى كثرة وإذا أهملت الطباع ولم ترض بالتأديب والتقويم نشأ كل إنسان على رسوم طباعه وبقي عمره كله على الحال التي كان عليها في الطفولية وتبع ما وافقه في الطبع أما الغضب وأما اللذة وأما الزعارة وأما الشره وأما غير ذلك من الطباع المذمومة. الشريعة والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسية بالفكر الصحيح والقياس المستقيم وعلى الوالدين أخذهم بها وسائر الآداب الجميلة بضروب السياسات من الضروب إذا دعت إليه الحاجة أو التوبيخات أن صدتهم أو الأطماع في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الراحات أو يحذرونه من العقوبات. حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا برهين ما أخذوه تقليدا وينبهوا على طرق الفضائل وإكتسابها والبلوغ إلى غاياتها بهذه الصناعة التي نحن بصددها. والله الموفق

стр. 35

وللإنسان في ترتيب هذه الآداب وسياقها أولا فأولا إلى الكمال الأخير طريق طبيعي يتشبه فيها بفعل الطبيعة. وهو أن ينظر إلى هذه القوى التي تحدث فينا أيها أسبق إلينا وجودا فيبدأ بتقويمها ثم بما يليها على النظام الطبيعي وهو بين ظاهر. وذللك أن أول ما يحدث فينا هو الشيء العام للحيوان والنبات كله ثم لا يزال يختص بشيء شيء يتميز به عن نوع نوع إلى أن يصير إلى الإنسانية. فلذلك يجب أن نبدأ بالشوق الذي يحصل فينا إلى الغضب ومحبة الكرامة فنقومه ثم بآخره وهو الشوق الذي يحصل فينا إلى المعارف والعلوم فنقومه. وهذا الترتيب الذي قلنا أنه طبيعي إنما حكمنا فيه لما يظهر فينا منذ أول نشونا أعني أن نكون أولا أجنة ثم أطفالا ثم أناسا كاملين وتحدث فينا هذه القوى مرتبة. فأما أن هذه الصناعة هي أفضل الصناعات كلها أعني صناعة الأخلاق التي تعني بتجويد أفعال الإنسان بحسب ما هو إنسان فيتبين مما أقول. الإنسان لما كان للجوهر الإنساني فعل خاص لا يشاركه فيه شيء من موجودات العالم كما بيناه فيما تقدم، وكان الإنسان أشرف موجودات عالمنا ثم لم تصدر عنه أفعاله بحسب جوهره

стр. 36

وشبهناه بالفرس الذي إذا لم تصدر عنه أفعال الفرس على التمام استعمل مكان الحمار بالاكاف وكان وجوده أروح له من عدمه وجب أن تكون الصناعة التي تعني بتجويد أفعال الإنسان حتى تصدر عنه أفعاله كلها تامة كاملة بحسب جوهره ورفعه عن رتبة الأخس التي يستحقق بها المقت من الله والقرار في العذاب الأليم أشرف الصناعات كلها وأكرمها. وأما سائر الصناعات الأخر فمراتبها من الشرف بحسب مراتب جوهر الشيء الذي تستصلحه وهذا ظاهر جدا من تصفح الصناعات لأن فيها الدباغة التي تعني باستصلاح جلود البهائم الميتة وفيها صناعة الطب والعلاج التي تهتم باستصلاح الجواهر الشريفة الكريمة وهكذا الهمم المتفاوتة التي ينصرف بعضها إلى العلوم الدنيئة وبعضها إلى العلوم الشريفة. وإذا كانت جواهر الموجودات متفاوتة في الشرف في الجماد والنبات والحيوان. أما في الحيوان فكجوهر الديدان والحشرات إذا قيس إلى جوهر الإنسان. وإما في جوهر الموجودات الآخر فظاهر لمن أراد أن يحصيها. فالصناعة والهمة التي تصرف إلى أشرفها أشرف من الصناعة والهمة التي تصرف إلى الأدون منها. ويجب أن يعلم ان اسم الإنسان وإن كان يقع على أفضلهم وعلى أدونهم فإن بين هذين الطرفين أكثر مما بين كل متضادين من البعد. وإن رسول الله ﷺ قال: ﴿ليس شيء خيرا من ألف مثله الإنسان " وقال: ﵊ " الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة واحدة "

стр. 37

وقال: " الناس كأسنان المشط وفي بعضها كأسنان الحمار وإنما يتفاضلون بالعقل. ولا خير في صحبة من لا يعرف لك من الفضل ما تعرف له " وفي نظائر هذه أشياء كثيرة تدل على هذا المعنى وأن الشاعر الذي قال: (ولم أر أمثال الرجال تفاوتا إلى المجد حتى عد ألف بواحد) وإن كان عنده أنه قد بالغ فإنه قد قصر. والخبر الخمروي عن النبي ﵊ " إني وزنت بأمتي فرجحت بهم " أصدق وأوضح. وليس هذا في الإنسان وحده بل في كثير من الجواهر الأخر. وإن كان في الإنسان أكثر وأشد تفاوتا فإن بين السيف المعروف بالصمصام وبين السيف المعروف بالكهام تفاوتا عظيما. وكذلك الحال في التفاوت الذي بين الفرس الكريم وبين البرذون المقرف فمن أمكنه أني رقى بالصناعة منأدون هذه الجواهر مرتبة إلى أعلاها فاشرف به وبصناعته ما أكرمه وأكرمها. فأما الإنسان من بين هذه الجواهر فهو مستعد بضروب من الإستعدادات لضروب من المقامات. وليس ينبغي أن يكون الطمع في إستصلاحه على مرتبة واحدة وهذا شيء يتبين فيما بعد بمشيئة الله وعونه. إلا أن الذي ينبغي أن يعلم الآن أن وجود الجوهر الإنساني متعلق بقدرة فاعله وخالقه تبارك وتقدس إسمه وتعالى.

стр. 38

فأما تجويد جوهره فمفوض إلى الإنسان وهو معلق بإرادته. فاعرف هذه الجملة إلى أن تلخص في موضعها إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب إن قلنا ينبغي أن نعرف نفوسنا ما هي ولأي شيء هي. ثم قنا إن لكل جوهر موجود كمالا خاصا به وفعلا لا يشاركه فيه غيره من حيث هو ذلك الشيء وقد بينا ذلك في غاية البيان في الرسالة المسعدة. وإذا كان ذلك محفوظا فنحن مضطرون إلى أن نعرف الكمال الخاص بالإنسان والفعل الذي لا يشاركه فيه غير منحيث هو إنسان لنحرص على طلبه وتحصيله ونجتهد في البلوغ إلى غايته ونهايته. ولما كان الإنسان مركبا لم يجز أن يكون كماله وفعله الخاص به كمال بسائطه وأفعالها الخاصة بها وإلا كان وجود المركب باطلا كالحال في الخاتم والسرير. فإذا له فعل خاص به من حيث هو مركب وإنسان لا يشاركه فيه شيء من الموجودات الأخر. فأفضل الناس أقدرهم على إظهار فعله الخاص والزمهم له من غير تلون فيه ولا إخلال به في وقت دون وقت. وإذا عرف الأفضل فقد عرف الأنقص على إعتبار الضد، فالكمال الخاص بالإنسان كمالان وذلك أن له قوتين إحداهما العالمة والأخرى العاملة فلذلك يشتاق بإحدى القوتين إلىالمعارف والعلوم وبالأخرى إلى نظم الأمور وترتيبها وهذان الكمالان هما اللذان نص عليهما الفلاسفة فقالوا.

стр. 39

الفلسفة تنقسم إلى قسمين إلى الجزء النظري والجزء العملي فإذا كمل الإنسان بالجزء العملي والجزء النظري فقد سعد السعادة التامة، أما كماله الأول بإحدى قوتيه أعني العالمة وهي التي يشتاق بها إلى العلوم فهو أن يصير في العلم بحيث يصدق نظره وتصح بصيرته وتستقيم رويته فلا يغلط في إعتقاد ولا يشك في حقيقة وينتهي في العلم بأمور الموجودات على الترتيب إلىالعلم الإلهي الذي هو آخر مرتبة العلوم ويثق به ويسكن إليه ويطئن قلبه وتذهب حيرته وينجلي له المطلوب الأخير حتى يتحد به وهذا الكمال قد بينا بالقوة الأخرى أعني القوة العاملة فهو الذي نقصده في كتابنا هذا وهو الكمال الخلقي ومبدؤه من ترتيب قواه وأفعاله الخاصة بها حتى لا تتغالب وحتى تتسالم هذه القوى فيه وتصدر أفعاله كلها بحسب قوته المميزة منتظمة مرتبة كما ينبغي وينتهي إلي التدبير المدني الذي يرتب الأفعال والقوى بين الناس حتى تنتظم ذلك الإنتظام ويسعدوا سعادة مشتركة كما كان ذلك في الشخص الواحد. فإذا الكمال الأول النظري منزلته منزلة الصورة والكمال الثاني العملي منزلته منزلة المادة وليس يتم أحدهما إلا بالآخر لأن العلم مبدأ والعمل تمام والمبدأ بلا تمام يكون ضائعا والنمام بلا مبدأ يكون مستحيلا وهذا الكمال هو الذي سميناه غرضا.

стр. 40

وذلك أن الغرض والكمال بالذات هما شيء واحد وإنما يختلفان بالإضافة فإذا نظر إليه وهوبعد في النفس ولم يخرج إلي الفعل فهو غرض فإذا خرج إلي الفعل وتم فهو كمال. وكذلك الحال في كل شيء لأن البيت إذا كان متصورا للباني وكان عالما بأجزائه وتركيبه وسائر أحواله كان غرضا. فإذا أخرجه إلي كماله ويصدر عنه فعله الخاص به إذا علم الموجودات كلها أي يعلم كلياتها وحدودها التي هي ذواتها لا أعراضها وخواصها التي تصيرها بلا نهاية. فإنك إذا علمت كليات الموجودات فقد علمت جزئياتها بنحو مالان الجزئيات لاتخرج عن كلياتها فإذا كملت هذا الكمال فتممه بالفعل المنظوم ورتب القوى والملكات التي فيك ترتيبا علميا كما سبق علمك به. فإذا انتهيت إلى هذه الرتب فقد صرت عالما وحك واستحقيت أن تسمى عالما صغيرا لأن صور الموجودات كلها قد حصلت في ذاتك فصرت أنت هي بنحو ما. ثم نظمتها بأفعالك على نحو استطاعتك فصرت فيها خليفة لمولاك خالق الكل جلت عظمته فلم تخط فيها ولم تخرج عن نظامه الأول الحكمى فتصير حينئذ عالما تاما. والتام من الموجودات هو الدائم الوجد والدائم الوجود هو الباقي بقاء سرمديا فلا يفوتك حينئذ شيء من النعيم المقيم لأنك بهذا الكمال مستعد لقبول الفيض من المولى دائما أبدا وقد قربت منه القرب الذي لا يجوز أن يحول بينك وبينه حجاب. وهذه هي الرتبة العليا والسعادة القصوى. ولولا أن الشخص الواحد من أشخاص الناس يمكنه تحصيل هذه المنزلة في ذاته وتكميل صورته بها وإتمام نقصانه بالترقي إليها لكان سبيله سبيل أشخاص الحيوانات
следующие страницы →