← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وقال: قالوا الحمام سيأتي هجماً عليك مصابه فقلت أهلاً وسهلاً إن حاز اقترابه ... ما كان لا بدّ منه يهون عندي صعابه الموت للناس حتم وذاك في الخلق دأبه ... لي خالق بي رؤوف للجود يقصد بابه العفو منه يرجى جواداً ويخشى عقابه ... ولست أكره أني ألقاه لكن إهابه وله مما يكتب في حياصة: لقد غار مني العاشقون وأظهروا ... قلائي فلا نال الوصال غيور ومن ذا الذي أضحى له كعلائقي ... لديه ولكنّ النفوس غرور وقد ضاع مني خصره فوق ردفه ... فلا عجب أني عليه أدور وله في المعنى في حياصة ذهب: غار المحبون مني ... إذ درت حول نطاقه ونلت ما لم ينالوا ... من ضمه واعتناقه ما اصفرّ لوني إلا ... مخافة من فراقه وله في جواب كتاب: أهلاً وسهلاً بكتاب غدا ... كالروض جادته سماء السماح وافى فمن فرط سروري به ... بات نديماً لي حتى الصباح تمزج فيه بالعتاب الرضا ... وانما تمزج راحا براح وله كتب بها إلى بعض أصحابه بالحجاز الشريف: يا راحلاً قد كدت أقضي بعده ... أسفاً وأحشائي عليه تقطّع

стр. 1052

شطّ المزار فما القلوب سواكن ... لكنّ دمع العين بعدك ينبع وقال وقد اشتد به المرض: لا يجد همّي ولا حزني ... أم مفقود لها وله ما بقاء الروح في جسدي ... غير تعذيب لها وله وقال أيضاً: يا بديع الجمال رقّ لمن ... ستر هواك عليك مهتوك دموعه في هواك جارية ... وقلبه في يدك مملوك وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: ولقد شكوت لملتقى ... حالي ولطفت العباره فكأنني أشكو إلى ... حجر وإن من الحجارة وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: وبي رشأ مصون في الفؤاد له ... ودّ فما أحد في الناس يشركه مهابه في قلوب العاشقين له ... فكم دم منهم باللحظ يسفكه يا من يروم وصالاً منه مت كمداً ... إن الوصال إليه عنه مسلكه يا عاذلاً قد لحاني في محبته ... إليك عني فإني لست أتركه وليس يقبلني إلا تعففه ... مع الأنام ولي وحدي تهتّكه وهذا صدق قول بعضهم في مبذول: وليس يقبلني إلا تهتكه ... مع الأنام ولا وحدي تعففه ولزين الدين المذكور في شبابة: وناحلة صفراء تنطق عن هوى ... فتعرب عما في الضمير وتخبر

стр. 1053

يراها الهوى والوجد حتى أعادها ... أنابيب في أجوافها الريح تصفر ومما انقل من خطه على ديوان عز الدين أحمد بن معقل: لسيدنا الحبر الإمام ابن مقبل ... قصائد شعر كالقلائد في النحر هو البحر في جود وعلم نائل ... ولا عجب للبحر يقذف بالدرّ هي الروضة الغناء يمهقها الحيا ... وأنبت في أرجائها يانع الزهر عرائس أبكار المعاني يلفظه ... على الطرس يحلى منه في حبر الحبر فما عقد السحر الحرام كنظمه ... ولم يحكه حسناً عقود على السحر وله وقد أنشد: قالوا تسلّ بغيره عن حبه ... يسليك عنك قلت لا وحياته من أين لي وجه يكون كوجهه ... حسناً ومن أوصافه كصفاته الحسن أجمع في حبيبي إنه ... أضحى يتيه على الوجود بذاته يا غائباً عن ناظري وخياله ... أبداً يراه القلب في مرآته عطفاً على دنف أجلّ مراده ... إن كنت تقبله على علاته إن لم تجد بالوصل منك له فقد ... عاجلته بالموت قبل مماته محمود بن عابد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن جعفر بن عمارة بن عيسى بن علي بن عمارة أبو الثناء تاج الدين التميمي الصرخدي الحنفي. مولده سنة ثمان وسبعين وخمس مائة بصرخد، وتوفي ليلة الجمعة السادس

стр. 1054

والعشرين من ربيع الآخر بدمشق بالمدرسة النورية، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر عند قبر شيخه جمال الدين الحصيري - رحمه الله تعالى. وكان تاج الدين المذكور من الصلحاء العلماء الفضلاء، لين الجانب، دمث الأخلاق، كريم الشمائل، كثير التواضع، قنوعاً من الدنيا بقدر الكفاية، معرضاً عن التكثر مع تمكنه من ذلك وقدرته عليه؛ وكانت له وجاهة عظيمة عنند الملوك والأمراء والوزراء والأكابر والقبول العظيم من الخاص والعام. وله اليد الطولى في النظم، فمن شعره: حدث فقد حدثتنا دوحة السلم ... عنهم فما أنت في قول بمتّهم أخيّموا بالكثيب الفرد أم نزلوا ... منابت الرمل بالوعساء من إضم هل حدثوك فأضحى الدرّ من صدف ... الثغور ما بين منثور ومنتظم أضحى النسيم عليلاً ما به رمق ... لما رموه من الجفان بالسقم أهوى حديث قديم العهد إن نطقت ... به المعاهد عن أحبابنا القدم ويزدهيني وميض البرق في سدف ... من الظلام بحالي ثغر مبتسم بأمور ذا اللهو من أجزاع كاظمة ... نحن العطاش إلى سلسالك الشبم أعابد فيك ما قضيت من وطر ... مع الظباء ولو في طارق الحلم أفدى أناساً لووا عهد اللوى ونأوا ... عني وما حلت عن عهدي ولا ذمم أحبة كلما اشتاق عن ادّكارهم ... تبدل الدمع من تذكارهم بدم وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: إن كان قصدي غيركم يا سادتي ... لا نلت منكم بغيتي وإرادتي

стр. 1055

من ذا الذي حاز الجمال سواكم ... فأحبه وتقوم فيه قيامتي والله لا أنسى محبته سادة ... إحسانهم تمحو قبيح إساءتي وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: لقديم وجدي في هواك حديث ... تفنى به الأيام وهو حديث ولطيب ذكرك في فؤادي خطرة ... ميت الغرام بنشرها مبعوث أضحى الغرام يزيد وهو كمدمعي ... جار إلى جاري العيون حثيث ولقد بكيت على زمان المنحنى ... أسفاً فدمعي للديار غيوث يا أيها الصب الذي أجفانه ... وحش وأحداق العيون حثيث بالله يا ميثاق سلع ضائع ... عندي ولا عهد الحمى منكوث يثنيك عني مثل ودّ ماذق ... ويعوف طرفك إن أراد يغوث ببلية صليت في شرع الهوى ... ما لي عليها في الأنام مغيث حدق وأجفان سبت بسوادها ... قلبي وفرع كالظلام أثيث لولا ابتسام الثغر ريع هذه ... هذا لكن أضلني التثليث وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: قسماً بتعريف الحجيج وليلة ال ... مسعىوأيام الحطيم وزمزم والرمي والجمرات والتشريق وال ... بيت العتيق وكل أشعث محرم وسعى إخوان الصفاء على الصفا ... وبما أريق على المحصب من دم

стр. 1056

لأحلت عن حييكم وبحبكم ... يلقى الإله حشاشتي بل أعظمي هذا وقلبي ما غدا من حبكم ... صفراً ولا حبي لكم بمحرم وإذا ذكرتكم غنيت بذكركم ... عن مشرب طول الزمان ومطعم وإذا ابتسام البرق حرّك ساكنا ... في القلب حرّكتم بكل تبسم لكم تعطرت الخمائل الربا ... بنسيمكم وحياتكم بمتيّم فلأشكرن يد النسيم وواجب ... بين الورى تكرار شكر المنعم علقت بروحي أو وقد علقتكم ... قلبي فمجموعي بكم وتقسمي إن جنكم صب فليس بمدنف ... أو حازكم قلب فليس بمغرم وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: لا تقولوا سلا المحب هوانا ... لا ولو ذقت في هواكم هوانا أنا صبّ أرى المذلة عزاً ... في رضاكم وذنبكم غفرانا لست أسلوكم وحاشى هواكم ... أن يرى فيه عاشق سلوانا أيها المعرضون ردوا على المش ... تاق قلباً عذبتموه زمانا أفردوا الرقاد ثم مرّوا الطي ... ف مراراً لعله يغشانا أين أيامنا ونحن وأنتم ... قد غدونا على الحمى جيرانا تسرح العين فيكم فيرى النا ... ظر في كل نظرة بستانا لا ولا ذقت وصلكم إن تطلّب ... ت خروجاً عن حبكم وأمانا قال أيضاً - رحمه الله تعالى: قضى ولم يقض من أهل الحمى إرباً ... صبّ متى شام برق الأبرقين صبا

стр. 1057

لاحت له في الدجى نار على علم ... وهناً فآنس منها قلبه لهبا فحنّ وجدا إلى الوادي نزلوا ... به وبات بتلك النار مكتئبا يهيجه نشر رند في النسيم على ... بعد ويصبو إذا برق الحمى وجبا ويسأل البرق من نجد إعادة أيامه البيض والعيش الذي ذهبا هيهات يا سرحة الوادي بشعبهم ... للشمل فيك التئام بعد ما انشعبا وقال - رحمه الله تعالى -: رعى الله ليلاً زارني في دجائه ... رشيق التثني مسرف في جماله فمزق جلباب الدجى صبح وجهه ... وضوّع جمر الخد غنبر خاله وبتّ ولي من ريقه العذب قرقف ... معتقة ممزوجة بدلاله مضى وانقضى ذاك الوصول كأنما ... منام رأته العين طيف وصاله لقد صدّ حتى لو تمنيت طيفه ... يضنّ على ضعفي بطيف خياله واتبعه هجراً يرى الوصل عنده ... حراماً فوصلي لا يمرّ بباله وما زال يوليني الصدود تدللاً ... فوا حرباً من صده ودلاله وقال أيضاً ﵀: أنتم لأجسامنا الأرواح والمهج ... وللنواظر فيكم منظر بهج أنتم لنا الحجة العظمى إذا انقطعت ... بنا الأدلة يوم البعث والحجج لا نرتجي غيركم في كل نائبة ... إذا ذكرناكم بالذكر ينفرج وما سلكنا إليكم في الدجى بهجاً ... إلا وأشرق نوراً منكم البهج لنا الهداية منكم لا نضلّ ولا ... نخشى الضلال وأنتم للورى سرج

стр. 1058

لولاكم ما اغتدت منا القلوب هوا ... ء يتيه في نشر رياه وينبهج منكم رأينا طريق الحق واضحة ... لا زيغ فيها ولا أمت ولا عوج ففي القلوب لنا من ذكركم طرب ... وفي النسيم لنا من نشركم أرج وفيكم نزه الأبصار ما نظرت ... إلا وعنّ لها من حسنكم فرج وحبكم مذهب لولاه ما رفعت ... عنا المشقة والتكليف والحرج وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: سقى الله أيام الحمى ما يسرها ... وخصك يا عصر الشبيبة بالرضا فعنك عرفت النفس غضّاً مطاوعاً ... ولكنه لما انقضى عصرك انقضا فلولاك لم يسفح على السفح عبرة ... لعيني ولا صدّ السرور وأعرضا ولا نلت برقاً بالثنية لامعاً ... ولا غاص دمع العين من قبقبة الأضا ولا ترف الدمع المصون كآبة ... عليك لما أدى حقوقا ولا قضى وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: سلام على الدار التي قد تباعدت ... ودمعي بها طول الزمان سفوح خليلي ما لي لا أرى بأن حاجر ... يلوح ولا نشر الأراك يفوح يعز علينا أن تشط بنا النوى ... ولي عندكم قلب يذوب وروح إذا نفحت من جانب الرمل نفحة ... وفيها غزار للغوير وشيح وضاعت رياض الحزن في رونق الضحى ... وهب لنا من نحو رامة ريح تذكرتكم والدمع يستر مقلتي ... وقلبي باستياف البعاد جريح وقلت وبي من لاعج الشوق زفرة ... ولوعة وجد تغتدي فتروح ألا هل يعيد الله أيامنا التي ... نعمنا بها والحادثات تروح

стр. 1059

وقال أيضاً ﵀: قلبي بتذكار الأحبة مولع ... حيران من ألم الفراق مولع كيف التصبر بعد فرقة سادة ... فارقتهم والقلب مني موجع يا صاح لو أبصرتني لرثيت لي ... والقلب عند فراقهم يتقطع وأنا أنادي والمدامع هطل ... يا رب قل تصبري ما أصنع وقال أيضاً ﵀: يا حادي العيس مر بي حيث ما ساروا ... أذابني لهم شوق وتذكار ساروا وقلبي على جمر الغضا تركوا ... وكيف يصبر من في قلبه نار تلك البدور سروا تحت الظلام دجى ... فهتكت تحت ذاك الستر أستار دعني أمزق أسرار الحياء بهم ... فما عليّ إذا مزقتهم عار وقال أيضاً ﵀: ما نلت من حب من كلفت به ... إلا غراماً عليه أو ولها ومحنتي في هواه دائرة ... آخرها ما يزال أولها وقال أيضاً: أنشدها للشيخ شمس الدين الستي الواعظ البغدادي بجامع دمشق في الأيام المعظمية وكان يجلس يوم الثلاثاء: أيها العالم الذي ورثته ال ... علم جداً أجداده ميراثا والذي إن أتى بوعد وعهد ... كان لا مخلفاً ولا نكاثا كل يوم نراك بحراً خضيماً ... نغرف الدر منه يوم الثلاثا

стр. 1060

قسم الدهر للتفحص في ال ... علم والنسك والندى أثلاثا نام طرف الخليل ليلاً فنودي ... هب فاذبح مطهماً دلهاثا والبشير النذير نام وما كا ... ن يذوق المنام إلا حثاثا فأتاه آت فناداه قم فار ... كب متن البراق وامض مغاثا واسر حتى ترى مقاماً كريماً ... تعجز سيرك البروق الحثاثا أي فرق بين المنامين بين ... ما تراه بين البرية عاثا ؟ محمود بن عبيد الله بن أحمد أبو المجاهد ظهير الدين الزنجاني الصوفي الفقيه الشافعي، كان من أعيان الصوفية وأكابرهم وعنده فضيلة، ويفتي على مذهب الإمام الشافعي ﵀؛ وكان إمام المدرسة التقوية بدمشق وأكثر نهاره بها، وفي الليل يبيت بالخانكاة الشميساطية. سمع الكثير وحدث واشتغل عليه جماعة، صحب الشيخ شهاب الدين السهروردي وسمع عليه عوارف المعارف وغير ذلك، وحدث به وصنف تصانيف مفيدة، منها الرسالة المنقذة من الجمر في إلحاق الأنبذة بالخمر. وقال أيضاً ﵀: توفي بدمشق وقد نيف على السبعين سنة من العمر رحمه الله تعالى. وكان والده ركن الدين عبيد الله قاضي زنجان من الفضلاء. ومن شعر ظهير الدين ﵀: إلهي! ذنوبي والخطايا كثيرة ... فأنت الذي تعفو وتمحو الكبائرا متاعي من الطاعات والبر بائر ... فأنت الذي يسري وأشرك مآثرا

стр. 1061

وإن كنت تصلي النار نفسي بنورها ... وويل على النفس التي كنت بائرا وقال أيضاً ﵀: قد قال لي العين أعين الشيطان ... في الخلوة لم سكنت بين الاخوان أشكر فرحاً وكل ونم قلت له ... بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان مسعود بن عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حموية الجويني الملقب سعد الدين، هو أسن من أخيه الشيخ شرف الدين، وكان أولاً يعاني زي الخدمة، ثم لما أسن ترك ذلك الزي ولبس القيار وصار شريكاً لأخيه في مشيخة الشيوخ بدمشق، وكان عنده إطلاع على التواريخ وأيام الناس، وجمع في ذلك جموعاً مفيدة. وقال أيضاً ﵀: توفي بدمشق ليلة الجمعة سابع وعشرين ذي الحجة، ودفن يوم الجمعة بسفح قاسيون؛ ومولده ليلة الأحد سادس عشر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، وأمه عالية النسب ابنة الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن عبد الماجد القشيري. سمع سعد الدين المذكور على الكندي المقامات وأجزاء أدبيات في سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وسمع على القاضي جمال الدين عبد الصمد بن الحرستاني مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في سنة ثمان وتسعين وخمس مائة، وسمع البخاري بقراءة أبي الفضل الوليد على عبد السلام بن عبد الله بن بكران الداهري لحق سماعه من السجزي عن الداوودي عن

стр. 1062

السرخسي عن الفربري عن البخاري، وأجازه جماعة، منهم الشيخ يحيى بن عقيل بن شريف السعدي، ومجد الدين عمر بن دحية والشيخ محمود بن عبد الله الحاري وغيرهم وحدث. وله نظم لا بأس به فمنه - وقد رأى مملوكاً حسن المنظر في يده كلب صيد: رأيت في الصحراء ظبياً غدا ... مرتعه لب قلوب الرجال في يده كلب أسير له ... وعادة الكلب يصيد الغزال وله أيضاً في الزهر: رأيت أزاهير الرياض وقد حكت ... بياض مشيب المرء حين علاها وقد ثملت أغصانها فهي تنثني ... وجاد عليها المزن ثم سقاها ومن عجب أن يهرم الشيب دائماً ... وهذا مشيب الدوح بدر صباها وله يتشوق إلى دمشق يمدح الملك المظفر صاحب ميافارقين: غرامي إلى الأحباب ليس يحول ... وفرط اشتياق نحوهن طويل أحن إلى ماذي دمشق ودوحها ... إذا رفحته بالأصائل قبول أيا راكباً بلّغ هديت تحيتيإلى من هموا على الشئام نزول وخبرهم أني حواني منزل ... بأكناف ميافارقين ظليل أرى ملكاً الذي ملوك زمانه ... يميناً وناديه أعز جميل من النفر الشم الذين سمعت بهم ... فروع إلى علياهم وأصول هو الملك غاز ليس في الناس مثله ... كريم شجاع صادق وأصيل

стр. 1063

حباني وأحياني وقرّب منزلي ... وقابلني منه سناً وقبول وما أنا والأشعار لولا صفاتكم ... تعلمني في الحال كيف أقول فلا زلت في الدنيا سعيداً مهنأ ... ولا زلت منصور اللوى وتنيل السنة الخامسة والسبعون وست مائة دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة في السنة الخالية والملك الظاهر بالشام عائداً من الكرك. متجددات الأحوال في ثالث المحرم دخل الملك الظاهر دمشق، وافق يوم دخوله إليها وفد عليه من أعيان المغل سكتاي وأخوه جاروجي واخبراه أن الأمير حسام الدين بيجار التاتيري قد قطع خرت برت وولده بهادر عازمان على الحضور. وكان سبب وصول سكتاي وأخيه أن بهادر كان متزوجاً بأختهما. وكان لهما أخ كافر فوصل إليهما ومعه جماعة من أقاربهم. وطلبوا منهما مالاً وقالوا لهما: أنتما في راحة بسكنى المدن، ونحن في التعب بملازمة البكار فأعطونا شيئاً نستعين به، وإلا أحضروا معنا إلى أبغا ليفصل بيننا؛ فشاوروا البرواناة فأشار أن يدفعا لهم ما التمسوه، فأخذوه وتوجهوا، فقال البرواناة لبهادر: ما أنا ممن يدعو علينا عند أبغا إننا باعيه فنتضرر: فلحقهم بهادر وصهراه فقتلوهم وأخذوا ما معهم.

стр. 1064

وكانت رسل أبغا ترد على البرواناة تحثه على المصير إليه وهو يسوفهم منتظراً لعسكر الملك الظاهر. فلما يئس منه توجه إلى أبغا في حادي عشر ذي الحجة من السنة الخالية وصحبته أخت السلطان غياث الدين ليدخل بها إلى أبغا ومعه من الأموال والتحف ما لا يوصف كثرة، وتوجه خواجا على الوزير. ولما عزم على التوجه حضّ بهادر على التوجه إلى الملك الظاهر مع أبيه لأن أبغا ينقم عليه قبل من قتله من التتر. فتقدم بهادر إلى سكتاي وأخيه بالمسير إلى بين يده إلى الملك الظاهر ليعرفاه بعزمه وعزم أبيه على الوصول وتذكراه بما تقدم لبيجار من اليمن. فلما وصلا أحسن إليهما وبعث بهما إلى القاهرة ليجتمعا بولده الملك السعيد، فوصلاها يوم الجمعة ثاني عشر المحرم، فأحسن إليهما الملك السعيد وردّ بهما إلى أبيه بعد ثلاث. وفي أواخر المحرّم سيّر الملك الظاهر الأأمير بدر الدين بكتوت الأتابكي ومعه ألف فارس وأمره إذا وصل حلب يستصحب عسكراً منها ويتوجه إلى بلاد الروم، وكتب على يده كتباً إلى أمراء الروم يحرضهم فيها على طاعته. وكان سبب هذه المكاتبة ان شرف الدين مسعود بن الخطير بعد سفر الرواناة في النسة الخالية إلى أبغا كتب إلى الملك الظاهر يحثّه على الوصول إلى الروم بعساكره لينظم إليه والسلطان غياث الدين ومن في بلاد الروم من العساكر، وبعث كتابه إلى سيف الدين جندر مقطع البلستين

стр. 1065

ليبعثه إلى الملك الظاهر، فدفعته إلى ولده بدر الدين أقوش وأمره أن لايبعثه فخالفه وبعثه. واما شرف الدين فداخله الندم وخاف إن هو خرج من الروم لا يعود إليه، فكتب إلى سيف الدين جندر أن لا يبعث الكتاب فاستدعى بولده وطلبه منه فأخبره أنه بعثه. ولما وصل بدر الدين الأتابكي إلى البلستين صادف من عسكر الروم جماعة منهم الأمير مبارز الدين شورى الجاشنكير، وسيف الدين جندر، وبدر الدين لؤلؤ، وبدر الدين ميكائيل، وعند وقوع نظره عليهم لم ينزل ولا من معه على ظهور الخيل بعثوا إليهم بإقامة جليلة وركبوا إليه وسالوه الإبقاء عليهم على أن يقتلوا من بالبلستين من التتر ويصيروا معه إلى باب الملك الظاهر فأجابهم، فلما وفوا بذلك قفل بهم، فوافوا الملك الظاهر بحارم فأقبل عليهم. ذكر وفود بيجار وولده بهادر لما تواترت الأخبار بقربهما تقدم إلى الأمير نور الدين نائبه بحلب بالاهتمام بالإقامة له، ثم الخروجإلى لقائه إذا شارف البلاد. ولما قارب أرض دمشق سيّر جمال الدين محمد نهار لتلقيه ووصل بيجار إلى دمشق يوم الأربعاء تاسع عشر المحرم، فتلقاه السلطان وبالغ في إكرامه، وأنزله في النيرب. ثم وصل ولده بهادر إلى دمشق يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر وكان تأخر بسبب جمع أمواله من البلاد، وكان مهذب الدين علي بن البرواناة نائباً عن أبيه في البلاد يومئذ. فلما بلغه رحيلهم جهز

стр. 1066

خلفهم عسكراً من التتر وقدم عليهم نيجى فسار إلى خرت برت فلم يلحق أحداً منهم غير أنه عشر على خمس مائة فرس عربية عريقة الأنساب، كان بهادر قدمها بين يديه فضلّت عن الطريق. لما قضى الملك من الاجتماع بهما بعث بهادر إلى القاهرة مع بيسرى وخطليجا فخرجوا من دمشق يوم الخميس تاسع صفر ووصلوا يوم السبت ثالث ربيع الأول ثم بعث أباه بيجار مع شرف الدين الحاكي فوصلاها يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر فخرج الملك السعيد لتلقيه واحتفل به وحمل إليه أموالاً وخلعاً. وفي الرابع والعشرين من صفر علق مشاء السلطان وكسر الخليج بكرة السبت الخامس والعشرين منه وركب الملك السعيد وباشر ذلك بنفسه وانتهت الزيادة إلى أربع عشرة إصبعاً من تسع عشرة ذراعاً. وفي الخميس تاسع صفر توجه الملك الظاهر من دمشق إلى حلب، فوصل حمص ثالث عشر صفر فوافاه عليها ضياء الدين محمود بن الخطير، وسنان الدين بن الأمير سيد الدين طرنطاي بكلربيكي؛ وسبب وصولهما أن شرف الدين بن الخطير كان لما وردت كتب الملك الظاهر على امراء الروم شرع في تفريق العسكر الرومي، وأذن لهم في نهب من يجدونه من التتر وقتله وإنجاز الأمير محمد بن قرمان وإخوته واولاده بمن معه من التركمان إلى السواحل وأغاروا على من جاورهم. ثم كتب السلطان الملك الظاهر يعرفه مباينته التتر وإخراج السواحل من أيديهم، وبلغ السلطان غياث الدين ومهذب الدين ما اعتمده شرف الدين بعثاً في طلبه. فلما وصل

стр. 1067

إليهما أمر مهذب الدين أن يحضر بجمع رسل التتر ونوابهم ومن كان من المغل ممن كان مع ينجي على أسوأ حال، فأحضروا مكشفين الرؤوس وبسطت الرعية أيديهم فيهم، وحبس من قبض عليه منهم وبعث بمهذب الدين إلى شرف الدين مسعود، وكان ظاهر المدينة ليحضر فأبى. فخرج إليه تاج الدين كيوى ثم تبعه سيف الدين طرنطاي وسبق تاج الدين. فلما اجتمع بشرف الدين عنّفه، وأغلظ له فأمر به فقتل وقتل معه سنان الدين بن أرسلان طمغش زوباشي قونية. ولما قتلهما خاف من مهذب الدين فتوجه قاصد الملك الظاهر. وذلك يوم الجمعة ثالث عشر صفر وأدركه سيف الدين طرنطاي. فلما رأى السيوف مجردة أنكر عليه فقال شرف الدين: فات ما فات فاستر عليّ بالمصلحة؛ فقال: الرأي أن أرجع إلى بيتي فرجع وتركه. ولما بلغ مهذب الدين ذلك بعث إلى سيف الدين يستدعيه فأتى فتحيّل أنه مع شرف الدين، ثم بعث شرف الدين إليه. فلما اجتمع به سأله أن يوفق بينه وبين مهذب الدين فعاد سيف الدين إلى مهذب الدين وسأله في ذلك وأجاب. وخرج السلطان غياث الدين إلى ظاهر قيسارية، فنزل بجمال طاسي في عشية النهار المذكور. فلما رآه شرف الدين وضياء الدين ومن معهما ترجّلوا وقبّلوا الأرض ونادوا في البلد بشعار الملك الظاهر. واتفقوا أن السلطان غياث الدين والعسكر يتوجهون إلى مدينة بكيدة يقيمون بها

стр. 1068

ويبعثون قصاداً إلى الملك الظاهر يستوثقون باليمين لغياث الدين ولأنفسهم فاستأذنهم مهذب الدين في أن يدخل إلى قيصارية ليخرج أثقاله فأذنوا له، فدخل وحمل منها أثقاله وخزينته وخرج منها ليلاً وقصد دوقات؛ فلما تحققوا ذلك، بعث شرف الدين بن الخطير أخاه ضياء الدين ومعه سبعة وثلاثون نفراً من أصحابه، وبعث الأمير سيف الدين طرنطاي بكلربكي ولده سنان الدين ومعه عشرون نفراً إلى الملك الظاهر ليستوثقوا منه باليمين لغياث الدين ولأنفسهم فاستأذنهم مهذب الدين في أن يدخل قيصارية ليخرج أثقاله فأذنوا له فدخل وحمل أثقاله وخزينته وخرج منها ليلاً وسار سيف الدين وشرف الدين والسلطان غياث الدين إلى بكيدة وقدروا مع رسلهم أن يحثوا الملك على المسير إليهم بعد أن يستحلفوه على ما تقرر. فلما وصلوا إلى الملك الظاهر واجتمعوا به في حمص وأخبروه بما جرى وحثوه على المسير؛ قال: أنتم استعجلتم في الباينة فإني كنت قد عدوت معين الدين قبل توجهه إلى الأرد، وفي أواخر هذه السنة أطأ البلاد بعساكري فإنها بمصر وما يمكنني أن أدخل البلاد بمن معي الآن لقتلهم، وأما انفصال مهذب الدين إلى دوقات فنعم مافعل، فإنه كان مطلعاً على ما بيني وبين والده. ثم أنزلهم وأكرمهم وطلب ضياء الدين أن يجتمع بالسلطان خلوة،

стр. 1069

فأجابه فلما اجتمع به قال: ليتني لم تقصد البلاد في هذا الوقت لم آمن على أخي أن يقتل ومن معه من الأمراء الذين خلفوا وغن كان لا بدّ من تصبّرك فابعث إلى بلاد من فيه قوة من عسكرك حتى يكونوا ردءاً السلطان غياث الدين ولأخي، فتمكنوا من الخروج من البلاد؛ فقال: أرى من المصلحة أن ترجعوا إلى بلادكم وتحصنوا قلاعكم ويحتموا بها على أن أرجع إلى مصر وأربع خيلي، وأعود في زمنالشتاء فإن آبار الشام في هذا الوقت قد غارت، ثم استصحبهم معه إلى حلب في العشرين من صفر؛ ولما مر بحماة استصحب صاحبها، ووصل حلب في الخامس والعشرين من صفر وجهز الأمير سيف الدين بلبان الزيني في عسكره، وبعث به إلى الروم ليحضر السلطان غياث الدين، وشرف الدين بن الخطير، وسيف الدين طرنطاي، وبقية من حلف له من الأمراء. فلما وصل كينوك - وهي الحدث المراء - وردت القصاد إليه بعود البرواناة إلى الروم في خدمة منكوتمر وإخوته في ثلاثين ألف فارس والأمراء، راجعاً إلى تتاوون، فكتب إلى الملك الظاهر يعرفه بذلك، فظن أن التتر إذا سمعوا به في عسكر قليل قصدوه؛ فرحل من حلب إلى دمشق ثم إلى مصر ثم عاد الأمير سيف الدين. ولما ترك الملك الظاهر حمص قدم عليه رسل صاحب سيس ومعهم هدية فقبل الهدية ولم يجتمع بالرسل، وكان دخوله مصر يوم الخميس ثاني عشر ربيع الأول.

стр. 1070

ذكر هروب شرف الدين بن الخطير قد تقدم القول بوصول البرواناة ومنكوتمر ومن معهم من العساكر إلى الروم في أوائل ربيع الآخر، فلما قدموا ظهر لهم شرف الدين المباينة وعزم ان يلقيهم فسبقه من كان معه رأيه وقالوا: كيف يلتقي بأربعة آلاف ثلاثين ألفاً، فعلم أنه مقتول لا محالة فقصد قلعة لولوة ليتحصن بها، فلم يمكنه واليها من دخولها بجماعتهبل بمفرده، فدخلها ومعه أمير علمه وكان قد أذاه من مدة تزيد على ست عشرة سنة، فقال لوالي القلعة: احتفظ بشرف الدين حتى تسلمه إلى أبغا لتكون لك عنده اليد البيضاء؛ فبض عليه وبعثه إلى البرواناة. فلما وقع نظره عليه سبه وبصق في وجهه وأمر بالاحتياط به. ذكر ما حدث ببلاد الروم عند وصول التتر إليها لما عاد البرواناة - كما قلنا - بمن معه من العساكر التترية جلس وتنادوا مقدمي العساكر وكراي وتقو والبرواناة في الإيوان مجلساً عاما. وأحضروا السلطان غياث الدين ومن رافقه على الانقياد إلى الملك الظاهر وقالوا له: ما حملك على ما فعلت من خلع طاعة أبغا وركونك إلى صاحب مصر؟ فقال: أنا صبي وما علمت الصواب، ولما رأيت أكابر دولتي قد فعلوا ذلك، خفت أن يسلموني إذا لم أوافقهم. فنهض البرواناة إلى شجاع الدين قاسا الخصى الالاء فقتله بيده. ثم أحضروا سيف الدين طرنطاي ومجد الدين أتابك، وجلال الدين المستوفى وسألوهم عن سبب إنفاذهم إلى صاحب

стр. 1071

مصر؛ فقالوا: شرف الدين بن الخطير أمرنا بذلك، وخفنا إن لم نجبه فعل بنا كما فعل بتاج الدين. فأحضروا شرف الدين وسألوه، فقال للبرواناة: أنت حرضتني على ذلك، وذكر له المكاتبات التي كاتب بها المظفر واتفاقه معه إلى التاريخ الذي عزم شرف الدين على قصد الملك الظاهر فيه، فأنكر ما ادعاه عليه، فكتبوا ما قاله شرف الدين وانكار البرواناة؛ ثم سألوا شرف الدين عن الأمير سيف الدين طرنطاي، ومجد الدين الأتابك - ختن البرواناة - هل كانوا موافقين بذلك؟ فأنكر وقال: أنا كلفتهم وألزمتهم بإرسال الرسل إلى الملك الظاهر فأمر تتاوون بضربه بالسياط ليقر بمن كان معه. فأقر على نور الدين حجا وسيف الدين قلاوون وعلم الدين سنجر الجمدار وغيرهم. فلما تحقق البرواناة أنه يقتل بإقرار شرف الدين عليه بعث إليه يقول له: متى قتلوني لم يبقوك بعدي، فاعمل على خلاص نفسك وخلاصي بحيث متى حضرت مرة ثانية وضربت وسئلت عن الحال، فارجع عما قلت واعتذر بأن اعترافك كان من ألم الضرب؛ ففعل ما أمره البرواناة، وطولع أبغا بصورة الحال، ثم رسم أن يضرب كل يوم مائة سوط إلى ان يعود الجواب، فعاد الجواب، فأمر بقتله في آخر ربيع الآخر، فقتل وبعث برأسه إلى قونية وإحدى يديه إلى أنكورية والأخرى إلى أرزنجان،

стр. 1072

وفرقوا أعضاءه في سائر بلاد الروم، وقتل معه سيف الدين بن قلاوون وعلم الدين سنجر الجمدار وش١ محمد قاتل شمس الدين الأصبهاني نائب الروم وجماعة كثرة من التركمان، وأثبتوا ديناً على طرنطاي ففدى نفسه بمائتي فرس وأربع مائة ألف درهم، وعلى أن يقيم بألف من المغل في زمن الشتاء، وصانع جماعة من امراء المغل حتى أبقوا عليه نفسه، ثم خرج البرواناة إلى البلاد فطافها بعسكره، وقتل من وجد في ضواحيها من المفسدين. ولما اتصل خبر شرف الدين بن الخطير بأخيه ضياء الدين وهو بالقاهرة دخل على الملك الظاهر في ثوب غيار، فسأله عن سبب ذلك فذكر له أن أخاه قتل. وكان سبب قتله أنه شهد عليه بمتابعة السلطان ومنابذة أبغا سيف الدين طرنطاي ومجد الدين الأتابك وجلال الدين المستوفي وأصحابهم، وأمر الملك الظاهربالقبض على سنان الدين موسى بن طرنطاي ونظام الدين يوسف أخي مجد الدين الأتابك والحاجي أخي جلال الدين المستوفي، وحبسهم في برج من قلعة الجبل، وحبس أتباعهم في خزانة البنود، وذلك في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى ولم يزالوا محبوساً إلى شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين، فأفرج عنهم الملك السعيد. وفي تاسع ربيع الآخر كانت وقعة بين نجم الدين أبي نمي أمير مكة وبين عز الدين جماز أمير المدينة على ساكنهما أفضل الصلاة والسلام، وسببها أن إدريس بن حسن بن قتادة صاحب الينبع اتفق هو وجماز

стр. 1073

وقصدا أبا نمي، فخرج غليهما واكتفى بهما على مر الظهران، فكسرهما وأسر إدريس وهرب جمّاز، فألحق بالمدينة، وكان مع أبي نمي مائتا فارس وثمانون راجلا، ومع إدريس وجمّاز مائتان وخمس عشرة فارساً وست مائة راجل. ذكر عرس المللك السعيد لما عاد المللك الظاهر من الشام ودخل القاهرة يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر أمر بالاهتمام بعرس ولده، فلما كان يوم الخميس خامس جمادى الأولى أمر العسكر بالركوب إلى الميدان الأسود تحت القلعة في أحسن زيّ، وأقاموا يركبون كل يوم كذلك، ويتراكضون في الميدان خمسة أيام، وفي اليوم السادس أفرق الجيش فرقتان، وحملت كل فرقة على الأخرى، وجرى من اللعب والزينة ما لايوصف، وفي اليوم السابع خلع الملك الظاهر على سائر الأمراء والوزراء والقضاة والكتاب وخواص الحاشية مقدار ألف وثلاثمائة خلعة، وبعث إلى دمشق الخلع ففرقت كذلك، ثم في اليوم الذي يلي ذلك وهو يوم الخميس مدّ الخوان في الميدان المذكور في أربعة دهاليز. وحضر السماط من علا ومن دنا ورسل التتر ورسل الفرنج وعليهم الخلع أيضاً، وجلس السلطان يومئذ في صدر الخيمة على تخت آبنوس وعاج مصفح بالذهب مسمّر بالفضة غرم عليه ألف دينار، ولما انقضى السماط قدم الأمراء الهدايا والتحف من الخيل والسلاح والمتاع وسائر الملابس وغير ذلك، فلم يقبل السلطان لأحد، فنهم ماله

стр. 1074

قيمة سوى ثوب واحد جبراً له. فلما كان وقت العصر ركب إلى القلعة وأخذ في تجهيز ما يليق بالزفاف والدخول، ولم يمكن إحدى من نساء المراء عللا الاطلاق من الدخول إلى البيوت، ودخل الملك السعيد الحمّام ثم دخل إلى بيته الذي هيىء لدخوله فيه بأهله، وحملت الجارية إليه، فدخل عليها. ولما بلغ الملك المنصور صاحب حماة ذلك توجه إلى القاهرة مهنئاً ومعه هدية سنيّة، فوصل القاهرة في ثامن عشر جمادى الأخرى، فركب الملك السعيد لتلقيه ونزل في الكبش وأقام مدة يسيرة بحيث ما استراح ثم عاد إلى بلده. ذكر توجّه الملك الظاهر إلى الروم خرج من قلعة الجبل بالقاهرة يوم الخميس العشرين من شهر رمضان بعد أن رتب الأمير شمس الدين اقسقر الفارقاني نائباً عنه في خدمة الملك السعيد، وترك معه من العسكر بالديار المصرية لحفظ البلاد خمسة آلاف فارس، ورحل من المنزلة يوم السبت ثاني وعشرين الشهر، وسار إلى دمشق فدخلها يوم الأربعاء سابع عشر شوال، وخرج منها متوجهاً إلى حلب يوم السبت العشرين منه، ودخل حلب يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة وخرج منها يوم الخميس إلى حيلان، فترك بها بعض الثقل وتقدم إلى الأمير سيف الدين علي بن مجلى الناب بحلب أن يتوجه إلى الساجور؛ ويقيم على الفرات بمن معه من عسكر حلب لحفظ معابر الفرات لئلا يعبر

стр. 1075

منها أحد من التتر قاصداً الشام، ووصل إلى نور الدين الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا. فبلغ نوّاب التتر بالعراق نزولهم على الفرات. فجهزوا إليهم جماعة من عرب خفاجة لكبسهم، فحشدوا وتوجهوا نحوهم، فاتصل بالأمير نور الدين الخبر، فركب إليهم والتقى بهم فكسرهم وأخذ منهم ألفاً ومائتي جمل. وركب الملك الظاهر من حيلان يوم الجمعة ثالث عشر إلى عين تاب ثم إلى دلوك ثم إلى مرج الديباج ثم إلى كينوك ثم إلى صو ومعناه النهر الأزرق، ثم رحل عنه إلى انحاء دربند فوصله يوم الثلاثاء من ذي القعدة قطعه في نصف النهار، فلما خرجت عساكره وملكت المغاور قدم المير شمس الدين سنقر الأشقر على جماعة من العسكر، وأمره بالمسير بين يديه، فوقع على كتيبة من التتر عدتهم ثلاثة آلاف فارس، مقدمهم كراي، فهزمهم وأسر منهم طائفة؛ وذلك يوم الخميس تاسع الشهر، ثم وردت الأخبار على الملك الظاهر بأن عسكر المغل والروم مع تتاوون والبرواناة على نهر جيحان. فلما صعد العسكر الجبال الشرف على صحراء البلستين فشاهد التتر قد رتبوا عساكرهم أحد عشر طلباً في كل طلب ألف فارس، وعزلوا عسكر الكرج طلباً واحداً، فلما رأى الجمعان حملت ميسرة التتر حملة

стр. 1076

واحدة فصدفوا سنجقة الملك الظاهر، ودخلت منهم طائفة بينهم وشقوها، وساقت إلى الميمنة؛ فلما رآهم الملك الظاهر ردفهم بنفسه ثم لاحت منه التفاتة؛ فرأى الميسرة قد انحت عليها ميمنة التتر، فكادت أن تثقل، فأمر جماعة من حماة أصحابه بإردافها، ثم حمل، فحملت العساكر برمّتها حملة واحدة، فترجّل التتر عن خيولهم، وقاتلوا أشد قتال، فلم يغن عنهم شيئاً، وأنزل الله بأسه بهم، فقتلوا وفرّ من نجا منهم، فاعتصموا بالجبال، فقصدوا وأحاطت بهم العساكر، فترجلوا عن خيولهم وقاتلوا وقتلوا حينئذ ممن قاتلهم الأمير ضياء الدين بن الخطير، واستشهد الأمير سيف الدين قيران العلائي والأمير عز الدين أخو المجدي وسيف الدين قلعق الجاشنكير وعز الدين إيبك الشقيقي - رحمهم الله تعالى؛ وأسر من كبراء الروميين مهذب الدين بن معين الدين البرواناة، وابن بنت معين الدين، والأمير تقي الدين جبريل بن خاجا والأمير قطب الدين محمود أخو مجد الدين الأتابك، والأمير سراج الدين إسماعيل بن خاجا، والأمير سيف الدين سنقرجا الزباشي، والأمير نصرة الدين بهمن أخو تاج الدين كيوي صاحب سيواس، والأمسر كمال الدين إسماعيل عارض الجيش، والأمير حسام الدين كاول، والأمير سيف الدين الجاويش، والأمير شهاب الدين غازي بن علي شير التركماني، ومن مقدمي التتر على الألف والمئتين زيرك صهر أبغا، وسرطق، وحيرلد، وسركده، وتماديه. ولما أسر من أسر وقتل من قتل نجا البرواناة، فدخل قيصرية سحر

стр. 1077

يوم الأحد ثاني عشر ذي الحجة واجتمع بالسلطان غياث الدين، والصاحب فخر الدين، والأتابك مجد الدين، والأمير جلال الدين المستوفي، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب، فأخبرهم بالكسرة، وأوحى إليهم أن المغل المنهزمين متى دخلوا قيصارية فتكوا بمن فيها حنقاً على المسلمين، واشار عليهم بالخروج منها. فخرج السلطان غياث الدين بأهله وماله إلى دوقات، وبينها وبين قيصارية مسيرة أربعة أيام. ونظم الشعراء في هذه الواقعة عدة قصائد، فمن عقل في ذلك المولى شهاب الدين محمود كاتب الدرج بالشام: كذا فلتكن في الله عز العزائم ... وإلا فلا تجفو الجفون الصوارم عزائم حازتها الرياح فأصبحت ... مخلّفة تبكي عليها الغمائم سرت من حمى مصر إلى الروم فاحتوت ... عليه سورات الظبا واللهاذم بجيش تظل الأرض منه كأنها ... على سعة الأرجاء في الضيق خاتم كتائب كالبحر الخضمّ جيادها ... إذا ما تهادت موجه المتلاطم تحيط بمنصور اللواء مظفّر ... له النصر والتأييد عبد وخادم مليك يلوذ الدين من عزماته ... بركن له الفتح المبين دعائم مليك لأبكار الأقاليم نحوه ... حين كذا تهوى الكرام الكرائم فلم قطبت طوعاً وكراً جياده ... معاقل قرطاها السها والنعائم مليك له بالدين في كل ساعة ... بشائر وللكفارمنها مآتم

стр. 1078

حلا حين أقدى الكفر منه إلى الهدى ... ثغوراً بكى الشيطان وهي بواسم إذا رام شيئاً لم يعقه لبعدها ... وشقتها عنه الأكام الطواسم فلو نازع النسرين أنزلنا له ... وذا واقع عجزاً وذا بعد حائم ولما رمى الروم المنيع بخيله ... ومن دونه سدّ من الصخر عاصم بروم عقاب الجوّ قطع عقابه ... إليه فلا تقوى عليها القوادم غدا وهو من وقع السنابك دائر ... تطاه فتستوطى ثراه المناسم ولما امتطت أعلاه أعلام جيشه ... وقد لاح فيها للفلاح علائم ترأت عيون الكافرين خلالها ... بروق سيوف صوبهن الجماجم فلم يثن عنها الطرف خوفاً وحيرةً ... ومالت على كره إليها الغلاصم وأبرزت الأرض الكمين وقد علت ... عليه طيور للحمام خوائم فأهوى إليهم كل أجرد طائر ... تطير به نحو الهياج القوائم يخوض الوغى لم تثنه اللجم راقصاً ... دلالاً ويغدو وهو في الدم عائم وسالت عليهم أرضهم بمواكب ... لها النصر طوع والزمان مسالم أدارت بهم سوراً منيعاً مشرفاً ... بسمر العوالي ما له الدهر هادم من الترك أما في المعان فإنهم ... شموس وأما في الوغى فضراغم غدا ظاهراً بالظاهر النصر فيهم ... تبيد الليالي والعدى وهو دائم

стр. 1079

فأهووا إلى لثم الأسنة في الوغى ... كأنهم العشاق وهي المناسم وصالحت البيض الصفاح رقابهم ... وعانقت السمر القدود النواعم فكم حاكم منهم على ألف دارع ... غدا حاسراً والرمح في فيه حاكم وكم ملك منهم رأى وهو موثق ... خزائن ما تحويه وهي غنائم توسوست السمر الدقاق فأصبحت ... لها من رؤوس الدارعين تمائم فيا ملك الاسلام يامن بنصره ... على الكفر أيام الزمان مواسم بهن بفتح سار في الأرض ذكره ... سرى الغيث تحدوه الصبا والنعائم بذلت له في الله نفساً نفيسة ... فوافاك لا يثنيه عنك اللوائم ولما هزمت القوم ألقت زمامها ... إليك الحصون العاصيات العواصم ممالك حاطتها الرماح فكم سرت ... على رجل فيها الرياح النواسم تبيت ملوك الأرض وهي مناهم ... وليس بها منهم مع الشوق حالم ولولاك ما أومى إلى برق ثغرها ... لعزة مثواه من الشام شائم أقمت لها بالخيل سوراً كأنها ... أساور أضحت وهي فيها معاصم فلا زلت منصور اللواء مؤيداً ... على الكفر ما ناحت وأبكت حمائم وحضر بعد الوقعة الأمير سيف الدين جالس بن إسحاق، والأمير ظهير الدين متوج، وشرف الملك الأمير نظام الدين بن شرف بن الخطير، وولد الأمير ضياء الدين، وأخوه الأمير سيف الدين بلبان المعروف لكجكنا، والأمير سيف الدين شاهنشاه، والأمير مظفر الدين حجافي،

стр. 1080

والأمير نصرة الدين جالش عارض ملطية. ثم جرّد الملك الظاهر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في جماعة لإدراك من فات من المغل والتوجه إلى قيصارية، وكتب معه كتاباً بتأمين أهلها وإخراج السواق والتعامل بالدراهم الظاهرية. ثم رحل بكرة السبت حادي عشر ذي القعدة قاصداً قيصرية، فمرّ في طريقه بقرية لهل الكهف ثم على قلعة سمندو؛ فنزل إليه واليها مذعناً لطاعته؛ ثم على قلعة درندا وقلعة ذالوا، فولّفعل متيهاً كذلك، ونزل ليلة الأربعاة خامس عشر الشهر بقرية قريبة من قيصرية. فلما بات بها وأصبح رتب عساكره، وخرج أهل قيصرية بجملتهم مستبشرين بلقائه، وكانوا عدوا لنزوله الخيام بوطأة تعرف بكيخسرو. فلما قرب منها ترجّل وجوه الناس على طبقاتهم، ومشوا بين يديه إلى أن وصلها. فلما كان يوم الجمعة سابع عشر الشهر ركب لصلاة الجمعة، فدخل قيصرية، ونزل دار السلطنة، وجلس على التخت، وحضر بين يديه القضاة والفقهاء والصوفية والقرّاء، وجلسوا في مراتبهم على عادة ملوك السلجوقية، فأقبل عليهم ومدّ لهم سماطاً فأكلوا وانصرفوا، ثم حضر الجمعة بالجامع، وخطب له، وحضّر بين يديه الدراهم التي ضربت باسمه، وحمل إليه ما كانت لزوجة البرواناة كرجى خاتون تركية من الأموال التي لم تستطع استصحابها حين خروجها، وماخلفه سواها ممن النتزح معها. وبعث إليه البرواناة ليهنئه بالجلوس على التخت، فكتب إليه يأمره بالوفود عليه ليوليه مكانه،

стр. 1081

فكتب إليه يسأله أن ينتظره خمسة عشر يوماً، وكان مراده أن يصل إليه أبغا يحثه المسير ليدرك الملك الظاهر بالبلاد، فاجتمع تتاوون وبالأمير شمس الدين سنقر الأشقر وعرّفه مكر البرواناة في ذلك، فكان ذلك سبباً لرحيل الملك الظاهر عن قيصرية، مع ما انضاف إلى ذلك من قلة العساكر؛ فرحل يوم الاثنين، وكان يومئذ على اليزك علاء الدين إيبك الشيخي وكان قد ضربه الملك الظاهر بسبب سبقه الناس فتسحّب يومئذ إلى التتر وكان أولاد قرّمان قد رهنوا أخاهم الصغير عليّ بك بقيصرية، فخرج الملك الظاهر فأنعم عليه وسأله تواقيع وسناجق له ولإخوته، فأعطاه فتوجه نحو إخوته مقيمين بجبل لارندا إلى أرمناك إلى السواحل. ونزل الملك الظاهر بقيرلو، فورد عليه رسول من جهة البرواناة، ومعه رجل يسمى ظهير الدين الترجمان يستوقف السلطان عن الحركة، وما كانوا يعلمون أين يريد، وكان الخبر شائعاً أن الحركة إلى سيواس. فكان جواب السلطان عن الرسالة أن معين الدين وما كانت تأتيني كتبهم شرطوا شروطاً لم يفوا بها، وقد عرفت الروم وطرفه وما كان جلوسنا على التخت رغبة فيه إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن شيء نريده بحول الله وقوته، ويكفينا أخذنا أمه وابنه وابن ابنته. ثم رحل ونزل خان كيقباد، وبعث الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في عسكر إلى الرمانة فحرقها وقتل من بها من الأرمن، وسبى حريمهم

стр. 1082

لأنهم كانوا أخفوا جماعة من المغل لما اجتاز السلطان عليهم، ثم رحل وأعمل السير في جبال وأودية وخوض أنهار حنى نزل إليه ليلة السبت السادس والعشرين منه عند قرا حصار قريباً من بازار، وهو السوق الذي يجتمع إليه الناس من سائر الأقطار. ثم رحل يوم السبت فعبر بالمعركة، فرأى القتلى فسأل عن عدتهم فأخبر أن المغل خاصة ستة آلاف وسبع مائة وسبعون نفساً. فلما بلغ أفحاء دربند بعث الخزائن والدهليز والسناجق صحبة الأمير بدر الدين الخزندار ليعبر بها الدربند، وأقام في ساقة العسكر بقية اليوم ويوم الأحد، ورحل يوم الاثنين فدخل الدربند، وأقام في ساقة العسكر بقية اليوم، ولما خلص منه عبر النهر الأزرق. ثم رحل فنزل قريباً من كينوك، ثم رحل وأعمل السير حتى نزل يوم الثلاثاء سادس ذي الحجة قريباً من حارم فوردت عليه قاصد الأمير شمس الدين محمد بن قرمان. ولما نزل حارم ركب وارتاد منزلة يرتضيها وعيّد هناك، ووافاه جماعة من امراء التركمان المقيمين بالروم، ومعهم خلق كثير، فخلع عليهم ورحل إلى دمشق، فوصلها في سابع المحرم سنة سبع وسبعين. ذكر ما اعتمد عليه الأمير شمس الدين محمد بك بن قرمان قد ذكرنا أنه انجاز معه إلى السواحل منابذاً لما خلع شرف الدين بن الخطير طاعة التتر، فلما بلغه كسرة الملك الظاهر للمغل في عاشر ذي القعدة حشد وجمع وقصد آقصرا، فلم ينل منها طائلاً، فرحل عنها وقصد قونية

стр. 1083

في ثلاثة آلاف فارس ونازلها، فغلق أهلها أبوابها في وجهه، فرفع على رأسه سناجق الملك الظاهر التي سيّرها مع أخيه علي بك من قيصرية، وبعث إليهم يعرّفهم أن الملك الظاهر كسر التتر ودخل قيصرية وملكها وخطب له فيها وضربت الدراهم باسمه وأنه من قبله، فلم يركنوا إلى قوله، فأحرق باب الفاخراني وباب سوق الخيل، ودخل قونية يوم عرفة الظهر وهو يوم الخميس، وكان النائب بها أمين الدين ميخايل فقصد من معه داره ودار غيره من الأمراء والأسواق والخانات، فنهبوها ثم إنهم ظفروا بأمين الدين، فأخرجوه ظاهر البلد وعذبوه إلى أن استأصلوا ماله، ثم قتلوه وعلّقوا رأسه داخل البلد. ولما لم يسلم أهل البلد القلعة رتب أن يلقى رجلاً شاباً عنوة في الطريق، فإذا رآه رمى نفسه عليه وقبّل رجليه. فإذا قال له الشاب: من أين تعرفني؟ يقول له: ما أنت علاء الدين كيخسرو بن السلطان عز الدين كيقباذ، أنسيت تربيتي وحملي لك على كتفي، وليكن ذلك بمشهد من العامة؟ فلما فعل ذلك ازدحم العامة عليهما، وإذ الجماعة من التركمان كانوا رؤيت معهم أنهم إذا رأوا العامة قد أحدقوا به يأخذونه من بين أيديهم ويحملونه إلى شمس الدين. فلما فعلوا ذلك أقبل عليه وضمّه إليه وعقد له لواء السلطنة وحمل السناجق على رأسه، وذلك في رابع عشر ذي الحجة. فحملت أهل قونية المحبة في آل سلجوق على المتابعة، ثم نازلوا القلعة فامتنع من فيها من تسليمها، فحاصروها حتى تقرّر بينهم الصلح على تسليمها، ويعطى

стр. 1084

من فيها سبعون ألف درهم فدخلوها وجلّسوا علاء الدين على التخت. ثم بلغ شمس الدين بن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمد ونصرة الدين محمود ابني الصاحب فخر الدين خواجا على أن حشدوا وقصداهم فساروا إليهما وعلاء الدين معه فالتقى بهما على اق شهر فكسرهما وقتلهما، وقتل خواجا سعد الدين يونس بن المستوفى صاحب أنطاكية، وهو خال البرواناة، وقتلوا جلال الدين خسروا بك بن شمس الدين بوتاش بكلاربكي، وأخذ رؤوسهم وعادوا إلى قونية في آخر ذي الحجة، واستمروا بها إلى أن دخلت سنة سبع وسبعين، فبلعهم أن أبغا وصل إلى مكان الوقعة، فرحلوا عن قونية وطلبوا الجبال، وكان مقامهم بقونية سبعة وثلاثون يوماً. ذكر قصد أبغا الروم لأخذ النشاز كان البرواناة لما رأى الدائرة على التتر كتب إلى أبغا يعرّفه ويستحثه على المبادرة ليدرك البلاد قبل أن يستولي عليها الملك الظاهر، ثم كان من دخوله قيصرية وخروجه إلى دوقات ما ذكرناه. فلما قضى غرضه من حفظ ما كان معه من الذخائر والأموال وترتيب أمر السلطنة، بلغه توجه أبغا طالباً بلاد الشام، فخرج غله فوافاه في الطريق، وسار معه بمن بقي من العساكر إلى ان وصل البلستين. فلما شارف المعركة ورأى القتلى بكى ثم قصد منزلة الملك الظاهر فقاسها بعصا الدبوس فعلم عدة من كان فيها من العساكر، فأنكر على البرواناة كونه لم يعرفه بجلية أمرهم، فأنكر ان يكون عنده علم منهم، وأنه ما أحس بهم غلا عند دخولهم، فلم يقبل منه هذا العذر، وحنق

стр. 1085

عليه، وقال بحق ما قالوا: إن لك باطناً مع صاحب مصر. ثم بعث إلى عسكره إلى الشام، وكان عز الدين إيبك السنجي قد عاد في خدمته فقال: أرني مكان الميمنة والقلب والميسرةفأوقف له في كل منزلة رمحاً. فلما رأى بعد ما بين الرماح قال: ما هذا عسكر يكفيهم هذه الثلاثين ألف الذين جاؤوا معي، ثم سيّر إلى العسكر الذي توجه إلى كينوك وطلبه. ثم بلغه أن الملك الظاهر بالشام متّهم بلقائه، وكان قد نفق أكثر خيل أبغا وخيل عسكره، فرأى من نفسه الضعف فرد إلى قيصرية، وسأل أهلها: هل كان مع صاحب مصر جمال؟ فقالوا: لم يكن معه إلا خيل وبغال. فقال: هل نهب منكم شيئاً؟ قالوا: لا. فقال: كم لهم عندكم يوم؟ فقالوا: خمسة وعشرون يوماً. فقالوا: هم الآن عند جمالهم وأموالهم. ثم عزم على قتل من في قيصرية من المسلمين فاجتمع إليه القضاة والفقهاء. وقالوا: هؤلاء رعيى لا طاقة لهم بدفع عسكرهم مع الزمان في طاعة من ملكهم، فلم يقبل وأمر بقتل جماعة من أهل البلد وقاضي القضاة جلال الدين وأمر عسكره فانبسط في البلد، وقتل عالماً عظيماً من الرعية ما ينيف على مائتي ألف وقيل خمس مائة ألف من فلاح إلى عامي إلى جندي من قيصرية إلى ارزن الروم وما بينهما. وفي اوائل هذه السنة تقدم فخر الدين طغاي البحري على جماعة من الغيارة وكبس دنيسر، ونهب من بها، وقتل نحواً من ثلاثين نفراً وأسر جماعة من النصارى، وفي رجوعه حصل بين مقدمي العسكر مشاجرة على

стр. 1086

المكاسب، ولم يظهر سوى القليل، وغضب صاحب ماردين لكونه حصلت الغارة على بلده. وفي يوم الخميس حادي عشر شوال انتهت الكسوة برسم الكعبة الشريفة وطيف بالمحمل بالقاهرة فتوجه بها الطواشي محسن مشدّ الخزانة أمير الركب. وفي سابع عشر شوال وجد إلى جانب دير البغل ظاهر مصر مكان فيه آثار محارب المسلمين فوقف عليه العدول والمهندسون، وأثبتوا أنه كان مسجداً وشرع في عمارته. وفيها: توفي إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر أبو إسحاق الحموي الكناني بالقدس الشريف وهو من أصحاب الشيخ أبي البيان ﵀ أعني من المنتمين إليه. سمع من فخر الدين بن عساكر وغيره، وحدث وكان من الصلحاء الذاكرين الله كثيراً، رافقته في طريق الحجاز سنة ثلاث وسبعين وست مائة قلّ أن صادفته إلا وهو يذكر الله تعالى. ومولده يوم الاثنين منتصف رجب سنة سبع وتسعين وخمس مائة وهو والد قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة. وكانت وفاته يوم عيد النحر ﵀ واسم شيخه نبأ بن محمد بن محفوظ بن أحمد أبو البيان القرشي

стр. 1087

الشافعي شيخ فاضل مشهور كثير الاتباع بدمشق وغيرها. وكتب بخطه كثيراً من كتب الأدب وغيره، ولأصحابه من بعده بني في أيام الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀ الرباط الذي ينسب إليه بدرب الحجر بدمشق سنة خمس وخسمين وخمس مائة. وكان أبو البيان يجلس بأصحابه في المسجد الكبير المعروف بمسجد درب الحجر وصنف لهم كتاب الذكر ذكر فيه نظوماً عجيبة واسجاعاً غريبة أثنى فيها على الباري سبحانه وتعالىأنواعاً من الثناء، وكان يوردها في المساجد والمشاهد ليلاً بين أصحابه وهم يكررونها بأصواتهم، وبقي بعد ذلك يفعلها أصحابه بدمشق وغيرها إلى زماننا هذا وله نظم حسن فمنه: ولما لم اجد في الوسع شيئاً ... يليق به سوى ما كان منه جعلت هديتي تمشي إليه ... وكيف أصون ما هو منه عنه وقال أيضاً ﵀: أيها المغرور بالدنيا إلى كم ذا الغرور كيف يغتر بالعيش من إلى الموت يصير ثم بعد الموت عرض ... وحساب ونشور قال الشيخ أبو البيان ﵀: قد صنفت في القوافق كتاباً سميته كتاب قصيدة التاج الأدبي في علم قوافي الشعر العربي، وذكرت فيه من أحكام قوافي الشعر وضروبها وعيوبها وألقابها وشواهد ذلك ما لم أظن أحداً من العلماء صنع مثله، ولا ذكر ما ذكرته فيه؛ ولله الحمد، وتكلم على مواضع

стр. 1088

من نظمه وشرحها وبسط القول فيها، واستشهد على لفظ أصيلبمعنى مكين ثابت من قولهم فلان أصيل الرأي فقال: قال ابن صمصام الرقاش في آياي تسعة آخرها: لا يعجبنك من خطيب قوله ... حتى يكون مع البيان أصيلا شرّ البيان بيان أهوج مكثر ... في القول لا يلفى له معقولا قال: ومن زعم ان هذا الشعر للأخطل التغلبي فقد أخطأ. وفيه البيت الذي استشهدت به الأشعرية على حقيقة الكلام على ما أنشده وهو: إن من البيان من الفؤاد وإنما ... جعل السان لما يقول رسولا ورواه الأشعرية: إن الكلام من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا قال: والصحيح ما قدمناه لأن الآيات عندنا جميعها باسم قائلها وشاعرها محدث. قال: وليس هذا موضع الكلام على هذه المسألة، ونحن على المنهاج الأفضل وإجماع السلف الأول. توفي الشيخ أبو البيان ﵀ بداره بدمشق في درب الحجر شمالي الرباط المنسوب إلى أصحابه في شهور سنة إحدى وخمسين وخمس مائة، ودفن بمقابر باب الصغير في مقبرة الصحابة ﵃. وقال أبو يعلى التميمي: توفي يوم الثلاثاء ثالث شهر ربيع الأول من هذه السنة المذكورة. نقلت ذلك من خط قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان - رحمه الله تعالى. أحمد بن عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن

стр. 1089

أبي عصرون أبو المعالي قطب الدين التميمي الشافعي، مولده بحلب في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة. سمع من ابن طبرزد وعبد الصمد الحرستاني وغيرهم، وأجاز له جماعة من شيوخ بغداد، منهم عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، ودرس بالمدرسة الأمينية بدمشق مدة، وبالمدرسة العصرونية وقف جده. وبيته مشهور بالعلم والتقدم. وكانت وفاته بحلب يوم الأربعاء سادس عشر جمادى الآخرة من هذه السنة - رحمه الله تعالى. ايدكين بن عبد الله علاء الدين الخزندار الصالحي متولي قوص، كان عنده شجاعة وإقدام وكفاية وضبط لعلمه على اتساعه؛ وله نكايات في المجاورين له من النوبة وغيرهم. وتوفي ثالث وعشرين ذي القعدة وقد ناهز خمسين سنة من العمر، وخلف تركة طويلة جليلة المقدار. بحتر بن الخضر بن بحتر شجاع الدين، قد تقدم ذكر أخيه شهاب الدين، وكان هذا شجاع الدين حسن العشرة والمكارم، وخدم عند الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة المحروسة؛ بقي في خدمته إلى أن أدركته منيته بحماة في العشر الآخر من جمادى الأولى هذه السنة، وهو في عشر الخمسين ﵀ ثم نقل إلى بعلبك، ودفن عند والده بالقرب من قبة الزرزاري ﵀. جعفر بن محمد بن علي أبو محمد بدر الدين المذحجي الآمدي، مولده سنة سبع وتسعين وخمس مائة، وتوفي ليلة الأربعاء رابع عشرين شوال

стр. 1090

بدمشق. كان ناظر النظار بالشام، وهو في محلّ الوزارة يتعرف في الأموال والولاية والعزل، وكان حسن السيرة ليّن الكلمة كثير الرفق والستر لايكشف لأحد عورة، واما أمانته وعفّته فإليها المنتهى. وكان عنده تشيّع لكنه لم يسمع منه ما يؤخذ عليه ﵀. جندل بن محمد الشيخ الصالح العارف، كان زاهداً عابداً منقطعاً صاحب كرامات وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جدّ واجتهاد ومعرفة بطريق القوم. وكان الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري ﵀ يتردد إليه في كثيرمن الأوقات وله به اختصاص كثير. قال ولده الشيخ برهان الدين - نفع الله به: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير يستغرق وقته في الكلام معه بما لا يفهمه احد من الحاضرين بألفاظ غريبة. وقال الشيخ تاج الدين المذكور ﵀: الشيخ جندل من أهل الطريق وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة اثنتين وستين فسمعته يقول: طريق القوم الواحد، وأنما ثبت عليه ذوو العقول الثابتة، وقال أيضاً ﵀: قال: الموله منفي، ويعتقد أنه واصل، ولو علم أنه منفي لرجع عما هو عليه. وقال أيضاً ﵀: قال: ما تقرب أحد إلى الله بمثل الذل والتضرع. وقال أيضاً ﵀: وقال الشيخ تاج الدين ﵀: اجتمعت به في سنة إحدى وستين وست مائة فأخبرني أنه قد بلغ من العمر خمساً وتسعين سنة، واجتمعت به في شعبان
следующие страницы →