Полный текст (1 675 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
بدا لي وقد خط العذار بوجهه ... حبيب له مني علي رقيب
كمثل هلال العيد وقد دنا ... من الأفق مرماه وحان مغيب
وله في غلام أهدى له تفاحة من يده:
أتى يهز قضيب البان حين مشى ... من تحت طلعة البدرفوق جيد رشا
حيا بتفاحة من خده اكتسبت ... لوناً ومن ريقه طعماً وطيب نشا
لا تعجبوا وهي من أوصافه خلقت ... إن العليل إذا ما شمها انتعشا
وله غير ذلك وكان في العلماء في فنون كثيرة ﵀ وإيانا.
الشيخ نجيب الدين محمد بن العلي الخلاطي كان عالماً بتعبير الرؤيا وغيرها من علوم شتى وتواريخ الناس وأخبارهم حكى ابن الجزري عن والده قال حكى لي الشيخ نجيب الدين حكاية عن سفيان الثوري قال دخل سفيان على جعفر بن محمد الصادق فقال يا سفيان ما جاء بك؟ فقال يا ابن رسول الله جئت أتعلم منك فقال يا سفيان أنت رجل يطلبك السلطان وأنا أهل بيت أعين الناس إلينا سراع فإذا أنعم الله عليك بنعمة فقل الحمد لله وإذا استبطأت الرزق فقل أستغفر وإذا خفت شيئاً فقل لا حول ولا قوة إلا بالله أرجع راشداً قال سفيان فلما وليت اتبعني بصره ثم قال يا سفيان ثلاثاً وأي ثلاث وروى أيضاً أنه خرج سليمان بن داود ﵇ يستسقي فمر بنملة مستلقية رافعة قوائمها إلى السماء تقول اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى
стр. 387
عن سقيك ورزقك فلا تهلكنا بذنوب بني آدم فقال سليمان أرجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم وفي رواية قائمة على رجليها رافعة يديها تقول فأنزل علينا غيثك ولا تؤاخذنا بذنوب عبادك فرجعوا يخوضون الماء إلى الركب وتوفي في شهور سنة ثمان وخمسين وستمائة ﵀ وإيانا ودفن بقاسيون.
الأمير مجير الدين إبراهيم بن أبي بكر بن أبي زكرى توفي مقتولاً بنابلس كان من أكابر الأمراء وشجعانهم بطلاً هماماً مريناً كثير الإحسان إلى الناس وله المنزلة العلية عند الملك الصالح نجم الدين أيوب قدم في صحبته إلى الشام وترقى عند الملك الناصر وكان حظياً عنده وكلمته مسموعة وشفاعته لا ترد وعنده كرم وفضيلة وله نظم فمنه قوله:
جعل العتاب إلى الصدود سبيلا ... لما رأى سقمي عليه دليلا
فظللت أورده حديث مدامعي ... عن شرح جفني مسنداً منقولا
وله أيضاً:
قضى البارق النجدي في حالة اللمح ... بفيض دموعي إذ تراءى على السفح
ذبحت الكرى ما بين جفني وناظري ... فمحمر دمعي الآن من ذلك الذبح
قيل أنه لم يقتل حتى قتل من التتر سبعة عشر نفراً وانكسر سيفه فقاتل بدبوس فتكاثروا عليه فقتلوه ﵀ وإيانا.
الصدر شرف الدين عثمان بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون التميمي الدمشقي الشافعي مولده
стр. 388
بدمشق في ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة كان رئيساً جواداً كبير الهمة مفرطاً في الكرم يستقل الكثير في العطاء وأنفق من الأموال جملاً عظيمة وتوفي وهو فقير من فقراء المسلمين.
يحكى عنه في كرمه وسعة صدره غرائب كثيرة من جملتها أنه توجه إلى الديار المصرية معه هدية نفيسة لأولاد شيخ الشيوخ وغيرهم وكان بينه وبين أولاد شيخ الشيوخ قرابة فإن والدتهم أبنة عمه فلما سير للأمير فخر الدين نصيبه من الهدية استعظمها وقال بما نقابل هذا الرجل واتفق حضور الهدية سكر عال مكرر للأمير فخر الدين بالقصد من بعض اقطاعاته فسير له منه حملاً وقال هذا يشربوه غلمان الشيخ شرف الدين فلما جاء السكر عمله حلوى منوعة وكان في خدمته حلاوي من الشام ماهر في صناعته وسير الحلوى للأمير فخر الدين فلما أكل منه أعجبته أعجاباً كثيراً ورأى لها طعماً غريباً لم يعهده في غيرها فأحضر الحلاوي الذي في مطبخ نفسه وأطعمه من تلك الحلوى ورام منه أن يعمل مثلها فقال ما أدري ما هذه ولا أعرف كيف عملت ثم سال الحلاوي لمن ساعد حلاوي شرف الدين على عملها عن كيفيتها فذكر أنها ليست بشيرج وإنما هي بدهن لوز استخرج وطبخت به مع كثرة الفستق والمسك وغيره ولعلها أرادت أرادب عدة قلب لوز فأخبر الحلاوي الأمير فخر الدين بذلك فستهالها وقال هذا جنون.
стр. 389
حكى الشيخ قطب الدين عن المذكور قال حكى لي الجمال نصر الله وكان في خدمته قال خلف له والده من الأموال والأثاث والقماش والخيول والبغال والجمال والمماليك والجواري والخدام ما لا يحصى كثرة ومن الأملاك كذلك إلى وخلف له والده سطل بلور أكبر من المد الشامي له طوق ذهب وعلاقة ذهب وهو ملآن جواهر نفيسة لو وضع عليها حبة واحدة سقطت فأذهب الجميع بيعاً وهبة كانت وفاته في العشرين من صفر بديار مصر مغتالاً لأنه كان قد اجتمع بالملك المظفر وأراه كتاباً أن بمصر دفائن وأنها لا تحصل إلا بخراب أماكن كثيرة وأصغى إليه السلطان فكأن بعض من كان يتحصل له الضرر بخراب ملكه اغتاله والله أعلم.
الشيخ الصالح محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر أبوعبد الله البيطار المعروف بالأكال أصله من جبل بني هلال مولده بقصر حجاج خارج دمشق سنة ستمائة وتوفي بها خامس شهر رمضان في هذه السنة وكان رجلاً صالحاً ديناً كثير الإيثار للأرامل والأيتام والفقراء وعمارة المساجد وبنى منارة مسجد قصر حجاج وكان لا يدخر شيئاً ولا يأكل لأحد شيئاً إلا بإجرة وكان ضريبة الصحن الحلوى خمسة دراهم وقدح الشراب خمسة دراهم والطعام فعلي مقداره عشرين درهما وثلاثين درهما إلى المائة وكذلك الملبوس.
حكى ابن الجزري عن والده عن الشيخ محمد الأكال قال حكى
стр. 390
لي الأمير فخر الدين بن ملكيشو وزين الدين محمود الخيمي قال كنا في سماع قد عمله النقيب بهاء الدين نقيب الأشراف بداره وعنده الأمير السيفي والأمير ركن الدين البندقداري وأكثر البحرية الذين كانوا في خدمة الملك الناصر فجرى حديث الشيخ محمد الأكال فقال السيفي أنا أحضره وأطعمه فلما حضر أحضر له صحن حلاوة وقال له كل فقال ما آكل إلا بخمسين درهماً فشرع السيفي يبربس عليه فقال له الشيخ محمد والله لا أكله إلا بخمسين درهماً لك وللفقراء بخمسة دراهم فأحضر له خمسين درهماً وأكل من الصحن ثم طلب منه أن يطعمه شيئاً آخر فلم يقبل واشتغل أهل السماع به ولم يزالوا حواليه يسألوه فما أنقضى السماع حتى أخذ من السيوفي نحو ثلاثمائة درهم ومن الملك الظاهر خمسين درهما ومن باقي البحرية وأهل السماع تكملة ستمائة درهم وبقي السيفي وأكثر البحرية بعد ذلك يترددون إليه ويطلبون بركته وكان يتفقد الجيوش فوقتاً يبرهم ووقتاً يخلص بعضهم ويرضي غرمائهم ولا يبقي أحداً يبوس يده إلا بشئ وكان في شهر رجب وشعبان ورمضان يطلق يديه يبوسها الناس بلاش فيجئ بعض الناس فيكثر التقبيل فيقول أغبن وكان كثير الحج والسفر إلى الحجاز وكان إذا قدم من الحج يطلق يديه للناس يبوسوها بلاش وكان أكثر الناس ينكر على من
стр. 391
يعامله بهذه المعاملة وينسبه إلى التهور فإذا اجتمع به أنفعل له في كل ما يختار ولا يكاد يخالفه فيما يطلب منه وكان مجاورا لابن الجزري في درب الأسدية.
حكى ابن الجزري عن والده قال لما تزوجت بوالدتك أولمت وطلبت أصحابي وأهل الحارة فحضروا فقيل لي عنه فقلت للجماعة أنا ما أعطيه شيئاً وأنا جاره ونزيله وأنا رجل غريب فإن حضر فلا كلام وإن لم يحضر فلا حيلة فراح إليه زين الدين الخيمي وذكر له ما قلت فقام وحضر وقال لي أنت مشرقي غلبتني كنت أريد أن أحمل لك شيئاً لأجل أنك جاري والآن قد أطلقتك أيش عندك قلت ثلاث براني شراب فقال ثلاثين درهماً قلت والله ثلاث فلوس حمر ما أعطيك فقال هات من كل واحدة قدحاً فشرب ولعق منهم بالملعقة ثم أحضرت الحلاوة وهريسة فستق فقال والله هذا مأكول خشن يا مشرقي والله ما غلبني أحد غيرك فلا تخبر على مشتري قال وبقي بعد ذلك كل واحد يهادي صاحبه إلى أن مات ﵀ قال وكان دائماً يبعث إلى مما يجيئه وأنا أبعث له من عير أجرة وكان لا يقبل لأحد هدية إلا بشئ فكان كثير من الناس يبعث له شيئاً فيضعوه في أسفل داره أو في الباب ويهربون فلا يدخل منه شيئاً إلى داره بل يفرقه للفقراء الحاضرين وجواره في الدرب رباطين فيسيره إليهم وإلى غيرهم من المحاجين وكان من عجائب الدهر وغرائبه لم يسبقه أحد قبله بهذا
стр. 392
الفعل ولا جاء بعده مثله ﵀ وإيانا والمسلمين أجمعين.
الفخر محمد بن يوسف الكنجي كان رجلاً فاضلاً أديباً وله نظم حسن قتل في جامع دمشق بسبب دخوله مع نواب التتر ومن شعره في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعلى آله:
وكان على أرمد العين يبتغي ... دواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلة ... فبورك مرقياً وبورك راقيا
وقال سأعطي الراية اليوم فارساً ... كمياً شجاعاً في الحروب محاميا
يحب الآله والآله يحبه ... به يفتح الله الحصون كما هيا
فخص به دون البرية كلها ... عليا وسماه الوصي المواخيا
﵀ وإيانا:
الشيخ الإمام الناسك الرباني العارف القدوة الزاهد العابد الورع القطب أبو بكر بن علي بن قوام بن منصور بن معلي بن حسن بن هارون بن قيس بن ربيعة بن عامر بن هلال بن قصي بن كلاب الراسبي الزاهد أحد مشايخ الشام ﵃ أجمعين ولد بمشهد صفين سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثم أنتقل إلى بالس وبها ربي وكان شيخاً زاهداً عابداً قانتاً لله تعالى عارفاً بالله عديم النظير أماماً عالماً عاملاً له كرامات وأحوال حسن الأخلاق لطيف الصفات وافر الأدب والعقل
стр. 393
دائم البشر مخفوض الجناح كثير التواضع شديد الحياء متمسكاً بالآداب الشرعية معظماً لأهل العلم والدين كثير المتابعة للسنة محباً لسالكي طريق الآخرة مع دوام المجاهدة ولزوم المراقبة إلى أن توفاه الله تعالى في سنة ثمان وخمسين وستمائة بقرية يقال لها علم بالقرب من مدينة حلب المحروسة ودفن هناك في تابوت ثم نقل منها إلى دمشق المحروسة في شهر ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة وقدموا به إلى دمشق في يوم الخميس ثامن شهر المحرم سنة سبعين وستمائة ودفن من الغد بالزاوية المعروفة به بسفح قاسيون.
وقد جمع له حفيده هو شيخنا الجليل أبو عبد الله محمد بن عمر بن الشيخ الجليل الكبير أبو بكر بن قوام المذكور جزأ كبيراً ذكر فيه أشياء نذكر منها بتسير إن شاء الله تعالى قال شيخنا أبو عبد الله محمد بن عمر أخبرني والدي ﵀ قال أوصاني الشيخ قدس الله روحه أن أدفنه في تابوت وقال لي يا بني أنا لابد لي أن أنقل إلى الأرض المقدسة وكان كما قال فإنه نقل بعد موته بأثنتي عشر سنة إلى جبل قاسيون وكنت في من حضر خروجه من قبره وسرت معه إلى دمشق وشهدت دفنه وذلك صبيحة يوم الجمعة تاسع المحرم سنة سبعين وستمائة ورأيت في سفري معه عجائب منها أنّا كنا لا نستطيع الليل أن نجلس عنده لكثرة تراكم الجن عليه وزيارتهم له وقدمنا في الطريق على قرية بعلاه المعرة يقال له شمسين فخرج أهلها إلى زيارته
стр. 394
وفيهم رجل كبير فقال من هذا فقلنا الشيخ أبو بكر بن قوام فحصل له اضطراب كثير وأنزعاج فلما أفاق قال له والدي أي شئ أوجب هذا الأنزعاج قال كنت أتردد إلى زيارة الشيخ في بلده فدعوته مرة إلى قريتي هذه فقال لا بد أن أزورك في قريتك وتوفي ﵀ وبقي عندي من قوله شيء فلما قلتم أنه هذا ذكرت بقوله ووفاه بعهده بعد موته وقدمنا حماة فتلقانا خلق كثير من العلماء والمشايخ وجاء الناس إلى زيارته إرسالاً وقدمنا بعلبك فتلقاه جماعة من المشايخ والصالحين منخ الشيخ الإمام عبد الله بن الشيخ الجليل محمد بن الشيخ العارف القدوة عبد الله اليونيني وأنزلوه في مكان وعزموا أن يقيم عندهم أياماً وصنعوا طعاماً فلما أكل الطعام حضر قوال وأستأذن أن يقول شيئاً فلما قال قام المشايخ ﵃ قال ابن الجزري فحصل لوالدي انزعاج كثير فلما خرج ليتوضأ لصلاة العصر قال له بعض من حضر يا سيدي رأينا اليوم منك شيئ لم نره منك ولا نعرفه فقال رأيت الشيخ وهو واقف مع المشايخ وتقدم إلي وقال يا ولدي عجل بنا إلى الصالحية فقمنا وسافرنا من ساعتنا ولم يشعر بنا أحد من الجماعة حتى صرنا بقرية فصه فأدركنا منهم جماعة وقالوا كيف سافرتم ولم نشعر بكم فأخبرهم والدي بما رأى من الشيخ فتعجبوا لذلك وقدمنا دمشق ثامن المحرم قال وأخبرني الصاحب محي الدين بن النحاس ﵀ قال كنت بحلب في سنة ثمان وخمسين وستمائة وبها الشيخان أبو بكر بن فتيان وأبو بكر بن قوام فسير الشيخ أبو بكر بن فتيان إلى
стр. 395
الشيخ أبي بكر بن قوام أن اخرج بنا من هذا البلد إلى بعض القرى فإن متنا دفنا في البر فقال للرسول قل له تربتنا في أرض دير مران فكان كما قال دفن أحدهما شرقي الدير وهو الشيخ أبو بكر بن فتيان والآخر غربي الدير وهو أبو بكر بن قوام رحمهما الله وإيانا وحضر دفنه خلق كثير من المشايخ والعلماء والصالحين منهم الشيخ مجد الدين بن الخليلي والصاحب محي الدين بن النحاس والشيخ قطب الدين ابن عصرون وخلق كثير لم أعرف أسماءهم وقبل أن يوضع في قبره كشف عنه ورآه الحاضرون وحصل وقت عجيب من الرقة والبكاء وحضر في الجماعة رجل من أهل حماة حال قدومه منها وقال رأيت النبي ﷺ في المنام وأنا في حماة وقال لي يا فلان قم وامض إلى دمشق واحضر دفن رجل من الأولياء فحضر دفنه وعاد على عقبه إلى حماة ولم يدخل دمشق.
ذكر بداية أمره قال ﵁ كانت الأحوال تطرقني في بداية أمري فكنت أخبر بها شيخي ﵁ فينهاني عن الكلام فيها وكان عنده سوط يقول متى تكلمت في شيء من هذا ضربتك بهذا السوط ويأمرني بالعمل ويقول لا تلتفت إلى شيء من هذه الأحوال فما زلت معه كذلك حتى كنت عنده في بعض الليالي وكانت لي أم ضريرة وكنت باراً بها ولم يكن لها من يخدمها غيري فاستأذنت الشيخ في المضي إليها فأذن لي وقال أنه سيحدث لك في هذه الليلة أمر عجيب فاثبت له ولا تجزع فلما خرجت من عنده وأن مار
стр. 396
إلى جهة أمي سمعت صوتاً من جهة السماء فرفعت رأسي فإذا نور كأنه سلسلة متداخل بعضه في بعض فالتفت على ظهري حتى أحسست ببردها في صدري فرجعت إلى الشيخ فأخبرته بما وقع لي فقال الحمد لله وقبلني بين عيني وقال يا بني الآن تمت النعمة عليك أتعلم يا بني ما هذه السلسلة فقلت لا فقال هذه سنة رسول الله ﷺ وأذن لي في الكلام وكان قبل ينهاني عنه.
وسمعنا نحن من غير واحد من صحبه أنه كان يقول أذن لي في الكلام ولو لم يؤذن لي ما تكلمت بشيء ولا في شيء.
ذكر ما أظهره الله تعالى له من الكرامات والأحوال: سمعته يوماً وقد دخل إلى البيت وهو يقول لزوجته ولدك قد أخذه قطاع الطريق في هذه الساعة وهم يريدون قتله وقتل رفاقه فراعها قول الشيخ ﵁ فسمعته يقول لها لا بأس عليك فإني قد حجبتهم عن أذاه وأذى رفاقه غير أن مالهم يذهب وغداً إن شاء الله تعالى يصل هو ورفاقه فلما كان من الغد وصلوا كما ذكر الشيخ وكنت فيمن تلقاهم وأنا يومئذ ابن ست سنين وذلك سنة ست وخمسين وستمائة.
قال وسمعت الشيخ الصالح إسماعيل بن أبي سالم بن أبي الحسن المعروف بابن الكردي يقول حججت مع أبواي فلما كنا بأرض الحجاز وسار الركب في بعض الليالي وكان أبواي راكبين في مجادة وكنت
стр. 397
أمشي تحتها فحصل لي شيء من القولنج فعدلت إلى مكان وقلت لعلي أستريح ثم ألحق الركب فنمت فلم أشعر بنفسي إلا والشمس قد طلعت ولم أدر كيف أتوجه ففكرت في نفسي وفي أبواي فإنهلم يكن معهما من يخدمهما ولامن يقوم بشأنهما غيري فبكيت عليهما وعلى نفسي فبينما أنا أبكي إذ سمعت قائلاً يقول ألست من أصحاب الشيخ أبي بكر بن قوام فقلت بلى والله قال سل الله تعالى به فإنه يستجاب لك قال فسألت الله تعالى به كما قال فوالله ما استتم الكلام إلا وهو واقف عندي وقال لا بأس عليك ووضع يده في عضدي وسار بي يسيراً وقال هذا جمل أبويك فسمعتهما وهما يبكيان علي فقلت لا بأس عليكما وأخبرتهما بما وقع لي.
قال وحدثني أيضاً قال كنا جلوساً مع الشيخ في تربة الشيخ رافع ﵄ ونحن ننظر إلى الفرات إذ لاح على شاطئ الفرات رجل فقال الشيخ أترون ذلك الرجل الذي على شاطئ الفرات فقلنا نعم قال إنه من أولياء الله تعالى وهو من أصحابي وقد قصد زيارتي من بلاد الهند وقد صلى العصر في منزله وقد توجه إلي وقد زويت له الأرض فخطا من منزله خطوة إلى شاطئ الفرات إلى ههناتأدباً منه معي وعلامة ما أقول لكم أنه يعلم أني في هذا المكان فيقصده ولا يدخل البلد فلما قرب من البلد
стр. 398
عرج عنه وقصد المكان الذي فيه الشيخ والجماعة فجاء وسلم وقال يا سيدي أسألك أن تأخذ على العهد أن أكون من أصحابك فقال له الشيخ وعزة المعبود أنت من أصحابي فقال الحمد لله لهذا قصدتك واستأذن الشيخ في الرجوع إلى أهله فقال له الشيخ وأين أهلك؟ قال في الهند قال متى خرجت من عندهم؟ قال صليت العصر وخرجت لزيارتك فقال له الشيخ أنت الليلة ضيفنا فبات عند الشيخ وبتنا عنده فلما أصبحنا من الغد طلب السفر فخرج الشيخ وخرجنا في خدمته لوداعه فلما سرنا في وداع الشيخ وضع الشيخ يده بين كتفيه ودفعه فغاب عنا ولم نره فقال الشيخ وعزة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند أو كما قال.
قال وسمعت الأمير الكبير المعروف بالأخضري وكان قد أسن يحكى قال كنت مع الملك الكامل لما توجه إلى الشرق فلما نزلنا بالس قصدنا زيارة الشيخ مع فخر الدين عثمان وكنا جماعة من الأمراء فبينما نحن عنده اذ دخل رجل من الجند فقال يا سيدي كان لي بغل وعليه خمسة آلاف درهم فذهب مني وقد دليت عليك فقال له الشيخ اجلس وعزة المعبود قد حصرت على آخذه الأرض حتى ما بقي له مسلك إلا باب هذا المكان وهو الآن يدخل فغذا دخل وجلس ليشير إليك بالقيام فقم وخذ بغلك وما لك فلما سمعنا كلام الشيخ قلنا لا نقوم حتى يدخل هذا الرجل فبينما نحن جلوس إذ دخل الرجل فأشار
стр. 399
إليه الشيخ فقام وقمنا معه فوجدنا البغل والمال بالباب فأخذه صاحبه فلما حضرنا عند السلطان أخبرناه بما رأينا من الشيخ فقال أحب أن أزوره فقال فخر الدين عثمان أن البلد لا يحمل دخول مولانا السلطان فسير إليه فخر الدين عثمان فقال له إن السلطان يحب أن يراك وأن البلد لا يحمل دخوله فهل يرى سيدي الشيخ أن يخرج إليه ليراه فقال له الشيخ يا فخر الدين إذا رحت أنت إلى عند صاحب الروم يطيب للملك الكامل فقال لا فقال فكذلك أنا إذا رحت على عند الملك الكامل لا يطيب لأستاذي ولم يخرج إليه.
قال وحدثني الشيخ الإمام الخطيب شمس الدين الخابوري قال سألت الشيخ عن قوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون وقد عبد عزيز وعيسى بن مريم فقال تفسيرها إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون فقلت له يا سيدي أنت لا تعرف تكتب ولا تقرأ فمن أين لك هذا فقال يا أحمد وعزة المعبود لقد سمعت الجواب فيها كما سمعت سؤالك.
قال وحدثني بعض التجار من أهل بلدنا قال خرجنا مسافرين إلى حماة وكان قد بلغنا أن الطريق مخيف ووافينا الشيخ في خروجنا فقلت له يا سيدي قد بلغنا أن الطريق مخيف ونشتهي أن لا تغفل عنا ولا تنام وتدعو لنا فقال إن شاء الله تعالى فلما بلغنا حماة وأنا راكب على دابة وقد أخذني النعاس وإذا أنا بشخص قد وضع يده
стр. 400
في عضدي وقال نحن ما نمنا فلا تنام أنت ففتحت عيني فإذا بالشيخ فسلم علي ومشى معي وقال قد بلغنا حماة وتركني ومضى وحدثني الشيخ تمام بن أبي غانم قال كنا جلوساً مع الشيخ ظاهر البلد في زمن الربيع وحوله جماعة من الناس فقال وعزة المعبود أني لأنظر إلى ساق العرش كما أني أنظر إلى وجوهكم.
وسمعت الحاج مسلم بن حامد قال سئل الشيخ مرة عن الشيخ حياه وكان من خواص أصحابه وهو بمصر فقال ها هو جالس بخان مسرور وقد طبخ ليمونية وهو يأكل ورفاقه وهذه يدي معه في القصعة وهو قد أحس بها وعلم أنها يدي وسئل عنه مرة أخرى وكان بمصر فقال ها هو راكب على دابته ويتلو في سورة كذا وهذه يدي في عضده وقد رميته عن الدابة وقد علم أني أنا الذي فعلت به هذا.
ذكر ما كان عليه من المجاهدة والعمل الدائم كان كثير العمل دائم المجاهدة في نفسه ويأمر أصحابه بذلك ويلزمهم بقيام الليل وتلاوة القرآن والذكر دأبه لا يفتر عنه وفي كل ليلة جمعة يجعل لكل إنسان منهم وظيفة من الجمعة إلى الجمعة وكان يحثهم على الإكتساب وأكل الحلال ويقول أصل العبادة أكل الحلال والعمل لله في سننه شديد الإنكار على أهل البدع لا يأخذه في الله لومة لائم.
قال وأخبرني الشيخ إبراهيم بن الشيخ أبو طالب البطائحي قال قدمت على الشيخ فوجدته يعمل في النهر الذي استخرجه لأهل بالس
стр. 401
ووجدت عنده خلقاً كثيرين يعملون معه فقال لي يا إبراهيم أنت لا تطيق العمل معنا ولا أحب أن تقعد بلاب عمل فإني لا أحب أن أرى الفقير بطالاً من شغل الدنيا فاذهب إلى الزاوية وصل ما قدر لك فهو خير لك من قعودك عندنا بلا عمل ولا من عمل الآخرة وكان يحث أصحابه على التمسك بالسنة ويقول ما أفلح من أفلح ولا سعد من سعد إلا بالمتابعة فإن الله تعالى يقول (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقال وما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وكان يقول ما اتخذ الله ولياً صاحب بدعة قط قيل له فإن اتخذه؟ قال يصلحه، وكان يقول رجال الشام أمكن من رجال العراق وأعرف وكان لا يمر على أحد إلا ناداه بالسلام حتى على الصبيان وهم يلعبون ويداعبهم ويتنازل إليهم ويحدثهم وكنت أكون فيهم وكان يتفقد أصحابه ويعود المرضى ويسأل أصحابه من عنده مريض حتى يعوده فيتفقد الأرامل بنفسه ويقضي حوائجهم ويحمل ما عنده من نفقة وكسوة وغيرها وكان يسرع إلى إجابة دعوة الفقراء والمساكين أكثر من إجابة دعوة الأغنياء والأمراء وكان دأبه جبر قلوب الضعفاء من الناس قال وسمعت والدي ﵀ يقول كان إذا عطش الشيخ وهو جالس في المجلس مع الناس قام فشرب بنفسه يريد بذلك تربية المريدين وكان عنده في الزاوية رجل كبير مسن وكان به قطار البول فأتخذ تحته شيئاً يقطر فيه البول فكان يقوم ويريقه بنفسه ويغسل
стр. 402
ما أصاب الحصير منه وكان يعلم المريدين كيفية الدخول على المشايخ والجلوس بين يديهم وكان لا يمكن أحداً من تقبيل يده ويقول إذا مكن الشيخ أحداً من تقبيل يده نقص من حاله شيء.
وكان شديد الحياء لا يقطع على أحد كلامه ولا يخجل أحداً بما يقول وإذا جلس على طعام طأطأ رأسه لئلا ينظر إلى أحد ولا ينظر أحد إليه وكان كثير الورع يتحرى في مطعمه وملبسه ويقول الدين الورع وهو أصل العبادة وكان يتورع عن أموال السلاطين والجند وكان عن مال العرب أشد تورعاً لا يأكل لهم طعاماً ولا يقبل لهم هدية وكان للعرب عادة يمرون كل سنة بأرضنا مرتين فإذا مروا لا يأكل مما يباع في السوق لا لحماً ولا لبناً ولا غيرهما بل يتأدم بالزيت وما كان من الأدم في البيت وكان في بدو أمره لا يأكل إلا من المباح يجمع الأشنان بيده وتارة يحصد فلما كبر وأسن كان يأمر من حوله من الفقراء والأصحاب فيخرجون إلى الصحراء فيزرعون زرعاً ويحصدونه فإذا حصل قال لهم لا ترفعوه حتى تدفعوا إلى السلطان نصيبه منه وكانوا يفعلون ذلك قال وأخبرني الشيخ أبو المجد بن أبي الثناء قال حدثني الشيخ طالب الحلي قال حضرت مع الشيخ في وليمة فلما حضر الطعام قدم بين يدي قصعة طعام وكان لي بصيرة فنظرت فإذا الطعام الذي فيها حرام فتوقفت عن أكله فقال الشيخ للخادم يا فلان امض إلى ذلك الفقير وارفع القصعة التي بين يديه فإن بينه وبينها خصومة فجاء الخادم ورفع القصعة من بين يدي وجاء بقصعة غيرها.
стр. 403
وصنع له بعض أصحابه في بعض الأيام طعاماً فيه جزر فلما وضعه بين يديه قال له الشيخ من أين اشتريت هذا الجزر فإنه حرام فقال من السوق فقال امض إليه واسأل عنه من أين اشتروه فمضى وسأل عنه فوجده قد اشترى من طعمة المكاسين.
قال وأخبرني الشيخ معالي بن رسلان كنت عند الشيخ فدخل عليه رجل فقال له الشيخ أي شيء أكلت فذكر طعاماً فقال الشيخ إنه حرام إني أرى يخرج من فيك دخان فذهب الرجل وسأل عن ذلك الطعام فوجده كما قال الشيخ فاستغفر الله تعالى منه.
وكان ﵁ زاهداً في الدنيا كثير التقلل منها بكل ممكن فمن ذلك ما حدثني الشيخ أبو المجد بن أبي الثناء قال حضرت عند الشيخ في المرض الذي مات فيه فقال يا بني أنا في هذا المرض أموت فبكيت فقال ما يبكيك أتظن أني أجزع من الموت لا والله يا بني وذلك أني عاهدت الله عهداً وأنا ألقاه به فقلت يا سيدي ما هو؟ فقال أن لا أموت وعندي من الدنيا شيء وكان كما قال ﵁ فإنه مات وليس عليه زيق ولا عمامة لكن ملتحف بعباءه وكان عندنا بعضها نتبرك به ونجد أثر بركته ولم تزل عندنا إلى فتنة التتار فذهبت فيما أذهبه الله تعالى قال وسمعت والدي ﵀ يقول قدم على الشيخ جماعة ولم يكن عنده ما يقدم لهم وكان بعض أخوتي صغيراً وفي يده شيء من السكر يعلل به كما جرت به عادة الصغار فأخذه وذقه
стр. 404
ووضعه بين أيديهم وقال هذا الذي حضر عندنا في الوقت وكان من عادته لابد أن يضع للضيف ما تيسر إحضاره.
قال وحمل إليه مرة الملك الكامل على يد فخر الدين عثمان خمسة عشر ألف درهم فلم يقبلها ولكن قال لا حاجة لنا بها أنفقها في جند المسلمين.
وحكى لي بعض الفقراء قال حضرت مع شيخي في زاوية الشيخ إبراهيم التيمي بحلب وحضر عنده صاحب شيزر وأحضر معه أربعة آلاف درهم فلم يقبلها الشيخ قال وكنت قد أملكت على إمرأة وأمرها موقوف على ستين درهماً فمد الشيخ يده وعد ستين درهماً وقال قم يا فلان وخذ هذه الستين ودفع إلى آخر ثلاثين درهماً كانت عليه دين وقال لصاحب المال خذ مالك.
قال وسمعت والدي يقول حمل بعض الأغنياء إلى الشيخ ثلاثة آلاف درهم فدعاني وقال يا بني فرقها على الفقراء والضعفاء من الناس ففرقتها كما قال ولم يبق منها شيئاً لأهله وكانوا على حاجة ﵁ يؤثر الخشن من اللباس والطعام ويقول ما للفقير الطيب من الطعام واللباس إنما ذلك للأغنياء المترفهين وكان غالب قوته خبز الشعير.
قال وأخبرني الشيخ عمر بن مريريك الجعبري قال عزمت على
стр. 405
الحج ولم يكن معي شيء
فجئت إلى الشيخ لأودعه فقال لي عزمت على الحج فقلت نعم يا سيدي غير أن وقتي فقير فقال لي خذ هذين الدرهمين واجعلهما معك ولا تنفقهما فاخذتهما وفعلت كما قال وجئت إلى دمشق ففتح الله تعالى علي فيها بزاد وراحلة وبمائتي درهم فلما حججت وعدت إلى بالس بدأت بالسلام على الشيخ فلما سلمت عليه قال ما فعلت بالدرهمين فأخبرته بما فتح الله تعالى علي ببركتهما فقال قد قضيت بهما حاجتك فهاتهما فقلت لاوالله لا أدفعهما إلى أحد فتبسم وتركهماوما زالا معي ألتمس بركتهما حتى أذهبهما الله مني.
قال وحدثني الشيخ سيف الدين أبو بكر الجرديكي من أصحاب الشيخ أبي الفتح الكناني قال خرجنا مع شيخنا الشيخ أبي الفتح إلى زيارة الشيخ فلما قدمنا عليه أقمنا عنده شهراً وكنا ثمانية عشر رجلاً فلما أردنا السفر استأذناه فلم يأذن لنا وقال لنا لم نجد لكم ثقلاً ولا كلفةً إنه من حين قدمتم علينا وضعت تحت السجادة فلوساً هي ثلاثة دراهم ونحن ننفق منها وهي إلى الآن لم تفرغ أو كما قال.
قال وأخبرنا الصاحب محيي الدين بن النحاس قال كان لي بستان وكان فيه تين ماسوني كبار وكنت أؤخره إلى آخر السنة فقدم علينا الشيخ في آخر السنة فأهديت له من ذلك أربعين تينة وكان وزنها أربعة أرطال بالحلبي وحملها معي إليه ولدي يوسف وكان الشيخ في مشهد قرية علم والناس عنده وهم خلق كثير فقال يا محمد ما هذه الهدية؟ فقلت له تين فقال هذا اليوم طرفة وهو يشتهي وقال للخادم عد الناس
стр. 406
كم هم فعدهم فإذا هم مائتان وأربعون رجلاً فقال للخادم أعط كل واحد منهم واحدة ولا ترفع المنديل عن الطبق فاستحييت منه لعلمي أن التين أربعون واحدة فمد يده ووضعها على فخذي قال طيب قلبك لو كانوا ما عسى أن يكونوا لكفاهم ففرقه الخادم على الناس واحدة واحدة ودفع إلى الشيخ واحدة وأخذ الخادم واحدة ودفع إلي واحدة وإلى ولدي واحدة فلم أر أكثر بركة منه.
وعنه أيضاً قال بلغني أن الشيخ في قرية تريدم فخرجت إلى زيارته فمررت بسوق الفاكهة فوجدت بطيخة باكورة السنة تباع فيه فاشتريتها بسبعة دراهم وقلت لعل الشيخ يراها فيدعو لنا وللمسلمين بالبركة فلما جئت بها ورأها قال اللهم بارك لنا وللمسلمين في سنتنا وبلدنا وصاعنا ومدنا الحديث وطلب سكيناً فحزها فكنت أراها تربو بين يديه وتزيد وفرقها على أهل القرية كلهم الرجال والنساء والولدان وفضل منها وكان لا يضع يده في شيء إلا أكل منه الجم الغفير ﵁ قال وحدثني الشيخ عبد الله الكفربلاطي قال دعونا الشيخ إلى قريتنا وجاء معه خلق كثير ولم يكن عندنا ما يكفي الناس فاجتمع جماعة القرية يفكرون في أمرهم فبينما هم مجتمعون في المسجد إذ جاء خادم الشيخ فقال الشيخ يدعوكم فجئنا إليه وهو في المسجد فقال امضوا وأحضروا ما عندكم فإن فيه بركة وكفاية ويكفي الناس وفضل إن شاء الله تعالى.
فأحضرنا الذي كان عندنا فأكل الناس وفضل منه كما قال ﵁ قال وحدثني غير واحد من أصحابه أنهم شهدوا
стр. 407
غير مرة الطعام يوضع بين يديه فيأكل منه الخلق الكثير ثم يرفع وهو كما كان أو أزيد مما كان وكان عندنا نحن عكازته فكنا نضعها في الشيء اليسير من مؤنتنا فنأكل منه نحن ومن يرد علينا من الفقراء وغيرهم السنة الكاملة ويفضل منه ولم تزل عندنا نلتمس بركتها إلى أن أذهبها الله تعالى في فتنة التتار سنة تسع وتسعين وست مائة.
قال وأخبرني والدي قال سمعت الشيخ يقول كنت معتكفاً في مسجد في شهر رمضان فدخل علي بعض أولياء الله تعالى فلم أعرفه لعلو مقامه فلما كان وقت الإفطار لم يكن سوى خبز من شعير ولبن حامض أفطر عليه، فقلت في نفسي إذا صليت مغرب أتركع بعدها لعل بعض الجماعة يعزم عليه فيطعمه أصلح من طعامي قال فتركت طويلاً ثم إلتفت فلم أجد أحد في المسجد غيري وغيره فقلت فما بقي إلا أن أعزم عليه فقلت له يا سيدي قد حضر ههنا شيء نفطر عليه عن أذنك نحضره فقال بل أنت في ضيافتي، فلما تكلم كشف لي عن مقامه وإذا هو القطب، فنهضت وتمثلت بين يديه فقال أجلس فجلست فمد يده وتناول شيء من الغيب ووضعه بين يدي وقال كل فأكلت فإذا هو خبز حار وسمن وعسل فأكلنا وفضل منه شيء كثير خذه فقال أذهب به إلى أهلك وعد إلي بسرعة ففعلت ما قال وعدت إليه فقال لي قد أمرت في هذه الساعة بالمسير إلى العراق فقام وقمت معه فلما أقبلنا على باب البلد انفتح وخرجت معه وودعني وقال لي يا أبا بكر أبشر إنه لن
стр. 408
تموت حتى تبلغ هذا المقام وغاب عني فلم أره ﵁.
ومما أظهره الله تعالى له من الكرامة بعد موته أن بعض التجار من أصحابه خرج مسافراً إلى مصر للتجارة في أوائل سنة اثنتين وتسعين وستمائة فقتله قطاع الطريق فبلغنا الخبر بدمشق ولم نعلم له قاتلاً فبينما نحن كذلك إذ رأى بعض الفقراء من أصحابه الشيخ في المنام فقال له يا فلان الذين قتلوا فلاناً قد جمعناهم بمكان كذا وكذا بدمشق فامضوا وخذوهم وهم أربعة نفر فمضينا إلى ذلك المكان فوجدنا منهم اثنين فأخذوا وأحضروا بين يدي نائب السلطان وهو يومئذ الأمير علم الدين الشجاعي فقال لهم أين رفاقكم قالوا دخلنا في هذا اليوم إلى هذا البلد ونحن أربعة فمضى منا اثنان إلى الصالحية وهم في مكان كذا وكذا فمضينا نحن إلى ذلك المكان فوجدنا فيه واحداً فأخذناه وكانت هذه الواقعة يوم السبت ثمان صفر من السنة المذكورة فلما كانت ليلة الأحد من الأسبوع الثاني رأى بعض الفقراء أيضاً الشيخ وهو يقول يا فلان قد جئنا بالغريم الرابع وقد حصرناه في بئر في جبل الصالحية في مكان كذا وكذا معروف بالصالحية فمضينا نحن وأعوان السلطان إلى ذلك المكان وأخذناه من البئر كما قال الشيخ ﵁ وصلب الغرماء الأربعة يوم الأثنين، وكان يوماً مشهوداًمشهوراً بدمشق وكانت قصته طويلة فأختصرنا منها هذا القدر خشية التطويل وفي هذه القصة أنشد الشيخ الإمام العالم المفيد شمس الدين محمد بن عبد القوي
стр. 409
المقدسي لنفسه:
إن كنت تهوى أن تعيش مسلماً ... وتفوز في الأخرة بدار سلام
فدع التعرض للرجال ذوي النهى ... والجد والأحوال كابن قوام
أو ما ترى كيف أستقص لواحد ... من صحبه من أربع بتمام
لا تحسبن الموت يوهن جاههم ... كلا ولكن زيد في الإعظام
ومن ذلك أن بعض أصحابه التجار كان بدمشق وقد اجتمع عنده ثلاثون ألف درهم في قيسارية فرآه بعض السراق وكان في أعلى القيسارية فأخذ حبلاً وتدلى به من أعلى المكان إلى أسفله ومعه ما يقطع به القفل فقطعه وفتح الباب وأخذ المال وربطه بحبل وصعد إلى دائر المكان وأراد أن يتقيه فانقطع الحبل بالمال وقصر عن المكان وعجز السارق عن النزول فرأى بعض أصحاب الشيخ في الساعة وهو نائم في القيسارية أن الشيخ دخل عليه وقال له يا فلان قم إلى الحاج أحمد بن صالح وقل له أن السارق قد أخذ ماله وأني تعلقت في الحبل حتى قطعته فليقم وليأخذ ماله وليتصدق منه بكذا وكذا وقال أيضاً للرائي وأنت يا فلان قد سقط منك مائة دينار منذ أيام في قيسارية المعتمد قدام دابتك ولي أيام أحجب عنها الناس لكيلا يأخذوها فقم وخذ مالك فقام الرجل من ساعته وأخبر بالرؤيا فقام الجماعة فوجدوا الأمر كما أخبر به ﵁.
ومن ذلك أن بعض أصحابه سافر من مصر إلى دمشق فانقطع
стр. 410
له جمل بوادي نجمة وعليه حمل قماش ومضى الرفقة وتركوه فجعل يسأل الله تعالى بالشيخ فقام الجمل وسار حتى لحق بالقافلة فسألوه عن سبب قيامه فقال ما عملت غير أني سألت الله تعالى بالشيخ فقام فرأى بعض أصحاب الشيخ وهو بدمشق الشيخ في منامه وقال له يا فلان قل لفلان أنه لما سأل الله تعالى بي أوجدني الله عنده فأقمت الجمل بإذن الله تعالى وألحقت به القافلة.
قال ومن ذلك ما أخبرني به الحاج علي بن حامد بن مسلم قال كنا في البحر وهاج حتى أشرفنا على الغرق فسألت الله تعالى ببركة الشيخ فبينما أنا أسأل الله تعالى إذ رأيت الشيخ وهو مار في الهواء فسكن البحربإذن الله تعالى وسلمنا والحمد لله فهذا ما شهد منه بعد الموت رحمه الله تعالى.
стр. 411
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ذكر سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداري
لما وصل الملك المظفر إلى القيصر وبينه وبين الصالحة مرحلة واحدة ورحل العسكر طالباً الصالحية وضرب الدهليز السلطاني بها وكان جماعة قد اتفقوا مع الأمير ركن الدين على قتله منهم سيف الدين أنص من غلمان الرومي الصالحي وعلم الدين صنغلي وسيف الدين بلبان الهاروني وغيرهم وكان الأمير ركن الدين قد طلب من الملك المظفر لما ملك الشام أن يستنيبه بحلب فلم يجبه فأثر ذلك عنده واتفق عند القصير أن ثارت أرنب فساق الملك المظفر عليها وساق هؤلاء المتفقون على قتله معه، فلما بعدوا ولم يبق معه غيرهم تقدم إليه الأمير ركن الدين وشفع إليه في إنسان فأجابه فأهوى ليقبل يده وقبض عليها وحمل أنص عليه وقد اشغل الأمير ركن الدين يده وضربه أنص بالسيف وحمل الباقون عليه ورموه عن فرسه ورشقوه بالنشاب فقتلوه ثم حملوا على العسكر وهم
стр. 412
شاهرون سيوفهم حتى وصولا إلى الدهليز السلطاني فنزلوا ودخلوا والأتابك على باب الدهليز فأخبروه بما فعلوا فقال من قتله منكم فقال الأمير ركن الدين أنا فقال يا خوند اجلس في مرتبة السلطنة فجلس واستدعيت العساكر للحلف وكان القاضي برهان الدين قد وصل إلى العسكر ملتقياً للملك المظفر فاستدعي وحلف العسكر للملك الظاهر ركن الدين واستقرت قدمه في السلطنة وأطاعته العساكر ثم ركب وساق في جماعة من أصحابه ووصل إلى القلعة ففتحت له واستقر ملكه وأحسن إلى الأمير جمال الدين ايدغدي العزيزي وكان البلدان قد زينا لمقدم الملك المظفر فاستمرت الزينة وأحسن إلى خشداشيته البحرية وأمر أعيانهم، وكانت هذا الواقعة في ذي القعدة ولما استقر في المملكة نفى الملك المنصور نور الدين على بن المعزو أمه وأخاه نصر الدين قاآن إلى بلد الأشكرى وكانوا معتقلين بالقلعة.
وكان الملك الظاهر لما ملك لقب نفسه الملك القاهر وكان الوزير بمصر زين الدين بن الزبير وكان فاضلاً في الأدب والترسل وعلم التاريخ فأشار بتغيير هذا اللقب وقال ما لقب به أحد فأفلح لقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه وخلع وسمل ولقب به الملك القاهر
стр. 413
ابن صاحب الموصل فسم فلم تزد أيامه في المملكة على سبع سنين فأبطل الملك الظاهر اللقب الأول ولقب نفسه الملك الظاهر.
وأما حوادث الشام ففي العشر الآخر من ذي القعدة أمر الأمير علم الدين الحلبي بتجديد عمارة قلعة دمشق وزفت بالمغاني والطبول والبوقات وفرح أهل دمشق بذلك وحضر كبراء الدولة وخلع على الصناع والنقباء وعمل الناس في البناء حتى النساء وكان يوم الشروع في تجديد عمارتها يوماً مشهوداً.
وفي العشر الأول من ذي الحجة دعا الأمير علم الدين الحلبي الناس بدمشق إلى الحلف له بالسلطنة فأجابوه وحضر الجند والأكابر وحلفوا له ولقب الملك المجاهد وخطب له على المنابر وضربت السكة باسمه وكاتب الملك المنصور صاحب حماة ليحلف له فامتنع وقال أنا مع من يملك الديار المصرية كائنا من كان.
؟ ذكر دخول التتر إلى الشام
؟ واندفاع عسكر حلب وحماة بين أيديهم
ولما صح عند التتر قتل الملك المظفر ﵀ وكان النائب بحلب ابن صاحب الموصل وقد أشرنا إلى سوء سيرته مع الجند والرعية فأجمع رأي الأمراء بحلب على قبضه وإخراجه من حلب وتحالفوا على ذلك وعينوا للقيام بالأمر الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي فبينا هم على ذلك وردت عليهم بطاقة وإلى البيرة يخبر أن التتر قد قاربوا البيرة لمحاصرتها واستصرخ بهم لينجدوه بعسكر وكان التتر قد
стр. 414
هدموا أبراج البيرة وأسوارها وهي مكشوفة من جميع جهاتها فجرد الملك السعيد عسكراً إليها وقدم عليهم الأمير سابق الدين أمير مجلس الناصري فحضر الأمراء عنده وقالوا له هذا العسكر الذي جردته لا يمكنه رد العدو ونخاف أن يحصل النشب بيننا وبين العدو وعسكرنا قليل فيصل العدو إلى حلب ويكون ذلك سبباً لخروجنا منها فلم يقبل فخرجوا من عنده وهم غضبانون وسار العسكر المسير إلى البيرة من حلب فلم وصلوا إلى عمق البيرة صادفوا التتر بجموعهم فوقع النشب معهم فتراءت الفئتان فلم يمكن سابق الدين لقاءهم فقصد البيرة واتبعه التتر وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة وما سلم منهم إلا القليل، وورد الخبر بذلك إلى حلب فجفل أهل حلب إلى جهة القبلة ولم يبق بها إلا القليل من الناس وندم الملك السعيد على مخالفة الأمراء فيما أشاروا به عليه وقوى بسبب ذلك غضبهم عليه وقاطعوه وباينوه ووقعت بطاقة من البيرة فيها أن طائفة من التتر توجهوا إلى جهة منبج وهم على عزم كبس العسكر بحلب فانثنى عزم الأمراء عن القبض عليه لئلا يطمع العدو فيهم وأخذ يتبذلك للأمراء ويعتذر إليهم مخالفتهم وطلب أن يشيروا عليه بما يعتمده فأشاروا عليه بالخروج إلى جهة التتر وأن يضرب دهليزه ببابلا وهي شرقي حلب وأن يكون العسكر حوله وأن يجمع إليه العرب والتركمان ويكون على أهبة لقائهم فأجابهم إلى ذلك وضرب دهليزه ببابلا ونزل العسكر حوله وأخذ في تجهيز عصية وهو أحد أمراء
стр. 415
العرب إلى منبج للكشف واستطلاع أخبار العدو فوقع التتر عليه وقاتلوه فقتلوه وورد الخبر بذلك إلى حلب فاشتد خوف الملك السعيد من غائلة هذا الأمر وبعد يومين وصل الأمير بدر الدين أزدمر الدوادار العزيزي.
وكان قطز ﵀ قد رتبه نائباً باللاذقية وجبلة فقصد خشداشيته بحلب فلما قرب منها ركبت العزيزية والناصرية والتقوه فأخبرهم أن الملك المظفر قتل وأن ركن الدين البندقداري ملك الديار المصرية وتلقب بالملك الظاهر وإن الأمير علم الدين الحلبي قد خطب له بالسلطنة في دمشق وصار مالكاً لها ولبلادها قال ونحن نعمل أيضاً مثل عمل أولئك ونقيم واحداً من الجماعة مقدماً ونقبض على هذا المدبر يعني ابن صاحب الموصل ونقتصر على حلب وبلادها مملكة أستاذنا فأجابوه إلى ذلك وتقرر بينهم أن حال وصولهم إلى المخيم تمضي إليه الأمراء حسام الدين الجوكندار وسيف الدين بكتمر الساقي وبدر الدين أزدمر الدوادار وكان الملك السعيد نازلاً ببابلا في دار القاضي بهاء الدين ابن الأستاذ قاضي حلب وهو فوق سطحها والعساكر حوله وكانت الإشارة بين هؤلاء الأمراء وبين باقي الأمراء أنهم متى شاهدوا هؤلاء المذكورين معه على السطح يشرعون في نهب وطاقه والذين عنده
стр. 416
يقبضون عليه، فلما حضر المذكورون بابه وطلبوا الإذن للدخول عليه أذن لهم فلما حضروا عنده على السطح وأعين الباقين من الخشداشية ممتدة إليهم شرعوا في نهب وطاقه وخيله وأصحابه فسمع الضجة فاعتقد أن التتر قد كبست العسكر ثم شاهد نهب العزيزية والناصرية لوطاقه ووثب الأمراء الذين عنده ليقبضوا عليه فطلب منهم الأمان على نفسه فأمنوه وشرطوا عليه أن يسلم إليهم جميع ما حصله من الأموال ثم نزلوا به إلى الدار وقصدوا الخزانة فما وجدوا فيها طائلاً فتهددوه وقالوا أين الأموال التي حصلتها وطلبوا قتله أو المال فقام إلى ساحة بستان في الدار المذكورة وحفر تحت أشجار نارنج هناك وأخرج أموالاً كثيرة ذكر أنها كانت تزيد على أربعين ألف دينار ففرقت على الأمراء على قدر منازلهم ورسموا عليه جماعة من الجند وسيروه إلى شغر وبكاس معتقلاً وبقي في الاعتقال أياماً ثم أخرجوه بعد أن اندفعوا بين يدي التتر كما سنذكره إن شاء الله، وبعد أيام دهم العدو حلب فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندار المقدم بمن معه من العسكر إلى جهة دمشق فلما اندفعوا دخلت التتر حلب وملكوها وأخرجوا من فيها من المسلمين إلى قرنبيا قهراً بعيالاتهم وأولادهم وأحاط التتر بهم في ذلك المكان
стр. 417
ووضعوا السيف في بعضهم فأبادوهم وأطلقوا الباقين فدخلوا حلب في أسوأ حال.
ووصل الأمير حسام الدين الجوكندار ومن معه من العسكر إلى حماة وبها صاحبها الملك المنصور فنزلوا ظاهرها من جهة القبلة وقام بضيافتهم وهو مستشعر منهم ثم تقدم التتر إلى جهة حماة فلما قربوا منها رحل الجوكندار والملك المنصور بعسكريهما إلى حمص ووصلت التتر إلى حماة ونازلوها فغلقت أبوابها فطلبوا منهم فتح الأبواب وأنهم يؤمنوهم كالمرة الأولى فلم يجيبوهم ولم يكن مع التتر خسروشاه ولم يكن أهل حماة يثقون إلا إليه وأخرجوا لهم شيئاً من المأكول واندفعوا عن حماه طالبين لقاء العسكر وجفل الناس بين أيديهم وخاف أهل دمشق خوفاً شديداً.
فصل
فيها توفي إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى ابن حمد بن محمد بن إسحاق بن محمد أبو إسحاق الشيباني الوزير مؤيد الدين المعروف بن القفطي ومولده بالقدس في رابع عشر المحرم سنة أربع وتسعين خمسمائة سمع من أبي هاشم عند المطلب بن الفضل الهاشمي وغيره حدث بحلب ودمشق ووزر بحلب بعد أخيه القاضي الأكرم مدة
стр. 418
إلى أن انقضت الدولة الناصرية وملك التتر حلب فأمروه بالاستمرار في تنفيذ الأشغال وهو متمرض فباشر على كره منه وتوفى عقيب ذلك في أحد الربيعين بحلب وكان من الصدور الرؤساء الفضلاء الأعيان ﵀ إبراهيم بن أبي بكر بن زكرى الأمير مجير الدين كان من أعيان الأمراء الأكابر كثير الخير والدين والمعروف عظيم القدر جواداً شجاعاً ممدحاً من بيت كبير في الأكراد خدم الملك الصالح نجم الدين وهو بالشرق وقدم معه إلى الشام واعتقله الملك الصالح عماد الدين إسماعيل لما أمسك الملك الصالح نجم الدين واعتقل بالكرك ثم أفرج عنه فكان في خدمة الملك الصالح نجم الدين بالديار المصرية وغيرها إلى أن توفي وقتل ولده الملك المعظم ثم اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وحج بالناس من دمشق سنة ثلاث وخمسين وفعل من البر والمعروف والإنفاق في سبيل الله تعالى في تلك الحجة ما هو مشهور ومذكور، ولما ضرب البحرية وعسكر الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك المصاف مع بعض عسكر الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ أمسكوه وأمسكوا معه الأمير نور الدين علي بن الشجاع الأكتع فاعتقلا بالكرك مدة ثم أفرج عنهما عند ما تقرر الصلح بين الملك الناصر والملك المغيث وجعله الملك الناصر بعد ذلك بنابلس وأمر تلك الناحية وما حولها من البلاد عائد إليه، ثم جعل عنده قطعة من العسكر بنابلس منهم الأمير نور الدين علي بن
стр. 419
الشجاع الأكتع عند ما رحل الملك الناصر ﵀ عنها إلى غزة في هذه السنة فقدم عليه جمع عظيم من التتر فهجموا نابلس فتلقاهم بوجهه وقاتلهم قتالاً شديداً وقتل منهم بيده جماعة كثيرة وأنكى فيهم نكاية عظيمة واستشهد رحمه الله تعالى مقبلاً غير مدبر وكذلك استشهد معه الأمير نور الدين علي بن الشجاع الأكتع وكان بينهما اشتراك في الكردية والإمرة وخدمة الملك الناصر والدين والفضيلة والكرم والشجاعة وأمسكا جميعاً واعتقلاً بالكرك وأفرج عنهما معاً وجردا في نابلس واستشهدا في يوم واحد وكان بينهما مصافاة واتحاد جمع الله بينهما في الفردوس الأعلى وتغمدهما برحمته ورضوانه.
وكان الأمير مجير الدين من حسنات الدهر وعلى ذهنه جملة كثيرة من الشعر وعنده فضيلة حسن المحاضرة والمذاكرة كريم العشرة كثير الأدب يصل بره إلى الفقراء والأغنياء، قال القاضي جمال الدين بن واصل أنشدني في الديار المصرية مقطعات حسنة لبعض الشعراء فمنها:
دنف نأى عن من يحب فشاقه ... أطلاله سحراً على أطلاله
سأل الحمى عنه وأصغى للصدى ... كيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محط رحاله ... فأجاب أين ترى محط رحاله
قلت أنشدني الفقيه نجم الدين موسى بن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم الشقراوي للأمير مجير الدين إبراهيم المذكور ﵀:
стр. 420
جعل العتاب إلى الصدود سبيلاً ... لما رأى سقمي عليه دليلا
ظللت أورده حديث مدامعي ... عن شرح جفني مسنداً منقولا
من أبيات وأنشدني نجم الدين للأمير مجير الدين المذكور ﵀:
قضى البارق النجدي في حالة اللمح ... بفيض دموعي إذا تراءى على السفح
ومنها:
ذبحت الكرى ما بين جفني وناظري ... فمحمر دمعي الآن من ذلك الذبح
من أبيات وكان مقتله ﵀ في أحد الربيعين من هذه السنة بنابلس شهيداً على أيدي التتر.
أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة بن الخياط أبو العباس صدر الدين التغلبي الدمشقي الشافعي قاضي القضاة بدمشق وأعمالها المعروف بابن سني الدولة وسني الدولة هو الحسن ابن يحيى الكاتب كان كاتب درج لملك دمشق في ذلك الوقت وله نعمة ظاهرة وقف من عرضها أوقافاً على ذريته وهي مشهورة بدمشق وأعمالها يبيد أربابها إلى الآن وتاريخ وقفه الأوقاف المذكورة في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، والشاعر المشهور المعروف بابن الخياط وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى أن صدقة التغلبي هو عم سني الدولة أخو والده كان كاتباً شاعراً طاف
стр. 421
البلاد وامتدح الناس ودخل بلاد العجم ولما اجتمع بأبي الفتيان بن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره قال قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ من أبناء جنسه ودخل مرة حلب وهو رقيق الحال فكتب إلى ابن حيوس المذكور:
لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك مني منظري عن مخبري
ألا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري
فلما وقف عليهما ابن حيوس قال لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن وديوانه مشهور، ومن مشهور شعره قوله:
خذا من صبا نجد أماناً لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... إذا هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوى الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنةً ... حذارا وخوفاً أن تكون لحبه
وهي طويلة ومن شعره أيضاً:
стр. 422
سلوا سيف ألحاظه الممتشق ... أعند القلوب دم للحدق
أما من معين ولا عاذر ... إذا عنف الشوق يوماً رفق
تجلى لنا صارم المقلت؟ ... ين مضنى الموشح والمنتطق
من الترك ما سهمه إذ رمى ... بأفتك من طرفه إذ رمق
وليلة وافيته زائراً ... سمير السهاد ضجيع القلق
دعتني المخافة من فتكه ... إليه وكم مقدم من فرق
وقد راضت الكأس أخلاقه ... ووقر بالسكر منه النزق
وحق العناق فقبلته ... شهي المقبل والمعتنق
وبت أخالج فكري به ... أزور طرا أم خيال طرق
أفكر في الهجر كيف انقضى ... وأعجب للوصل كيف اتفق
وللحب ما عز مني وهان ... وللحسن ما جل منه ودق
وقال يعتب على أهله وأصحابه:
يا من بمجتمع الشطين إن عصفت ... بكم رياحي فقد قدمت أعذاري
لا تنكرن رحيلي عن دياركم ... ليس الكريم على ضيم بصبار
وله أيضاً:
أتظنني لا أستطي؟ ... ع أحيل عنك الدهر ودي
من ظن أن لا بد من؟ ... ؟ هـ فإن منه ألف بد
وله من جملة قصيدة:
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه
стр. 423
كانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق وتوفي بها في حادي عشر شهر رمضان المعظم سنة سبع عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى وقيل مات سابع عشر شهر رمضان ومولد القاضي صدر الدين سنة تسع وثمانين وخمسمائة وقيل تسعين وخمسمائة سمع من أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وأبي المعالي محمد بن علي القرشي وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وأبي الفضل عبد الصمد ابن محمد الحرستاني وغيرهم وأجاز له جماعة كثيرة من بلاد عديدة وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى وكان فقيهاً إماماً عالماً عارفاً بالمذهب مشكور السيرة في ولاياته لين الجانب دمث الأخلاق كثير المداراة والصفح والاحتمال تنقلت به الأحوال فولى وكالة بيت المال بدمشق ثم ناب في الحكم بها مدة ثم ولي القضاء بها وبأعمالها استقلالاً لما فتح عماد الدين بن شيخ الشيوخ دمشق للملك الصالح نجم الدين ولم ينتقد عليه في حكم من أحكامه في جميع ولاياته ولم يزل مستمراً في الحكم إلى حيث انقضت الدولة الناصرية ففوض هولاكو الحلم بالشام وغيره إلى القاضي كمال الدين التفليسي ﵀ وكان ينوب عن قاضي القضاة صدر الدين المذكور بدمشق فتوجه صدر الدين
стр. 424
صحبة القاضي محي الدين أبي الفضل يحيى بن الزكي إلى هولاكو واجتمعوا به ففوض هولاكو القضاء بالشام إلى القاضي صدر الدين صحبته على غير شيء من الولايات فلما وصل حماة تمرض فركب في محفة ووصل إلى بعلبك وهو مثقل بالمرض فأنزلته في منزلي لقرابة كانت بينه وبين والدتي فإنه ابن عمها وابن خالتها وزوج أختها فبقي يومين في منزلي وتوفي إلى رحمة الله تعالى وحضر والدي ﵀ غسله فغسله الشيخ زكي الدين إبراهيم بن المعري وصلى عليه والدي ودفن بالقرب من ضريح الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه قبلي مدينة بعلبك وكانت وفاته يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف يحبه ويثني عليه كثيراً وكذلك الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل يثني على والده قاضي القضاة شمس الدين أبي البركات يحيى لما كان متولياً القضاء بالشام في أيامه ويقول عنه ما ولي دمشق مثله ﵏ أجمعين.
الملك السعيد نجم الدين أيل غازي بن الملك المنصور ناصر الدين أبي المظفر أرتق أرسلان بن نجم الدين أيل غازي بن ألبى بن تمرتاش ابن أيل غازي بن أرتق أبو الفتح صاحب ماردين كان ملكاً جليلاً كبير المقدار شجاعاً جواداً حازماً ممدحاً وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة
стр. 425
وقيل في سادس عشر صفر سنة تسع وخمسين والأول أصح وسبب موته وباء وقع في أهل القلعة فأهلك أكثرهم ووصل الخبر إلى التتر بموته من رجل يسمى أحمد بن الفارس علي الشافصني رمى بنفسه من القلعة إليهم فبعثوا إلى ولده الملك المظفر رسولاً وطلبوا منه الدخول في الطاعة وكان قد قام مقام أبيه فأجابهم جواباً أرضاهم وأظهر لهم الدخول في طاعتهم والعمل على مداراتهم.
توران شاه بن يوسف بن أيوب بن شاذي أبو المفاخر وقيل أبو منصور فخر الدين الملك المعظم بن السلطان الكبير الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ يعظمه ويحترمه ويثق به ويسكن إليه كثيراً لعلمه بسلامة جانبه وأنه لا تحدثه نفسه بالتوثب عليه فكان عنده في أعلى المنازل يتصرف في قلاعه وخزائنه وعساكره وغلمانه، ولما استولى التتر على مدينة حلب اعتصم بقلعتها ثم نزل منها بالأمان على ما شرحنا ومولده بالديار المصرية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وخمسمائة سمع من أبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحراني وغيره وحدث وخرج له الحافظ أبو محمد التوني مشيخة في جزء حديثي وكانت وفاته بحلب في السابع والعشرين من ربيع الأول ودفن بدهليز داره رحمه الله تعالى.
следующие страницы →