← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

المنيع وأتى الظالع شأو الضليع، ولكني بحرصي على طلب التوصل الروحاني إليه بإجابة سؤاله، وشغفي بنيل التوصل الحقيقي لديه بإيراد الجواب عن مقابلة اجترأت، فامتثلت أمره واشتغلت بمرسومه، فإن كان موافقاً كما أراد فقد أدركت طلبي وإلا فليعذرني إذ قدمت معذرتي والله المستعان وعليه التكلان، والأخذ في تصفح الرسالة فصلاً فصلاً، وتقريرما يتقدر عندي منه أو برد عليّ مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه إنه الموفق والمعين. محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع أبو المكارم الأسدي الشافعي محي الدين قاضي القضاة بحلب؛ مولده بها في خامس شعبان سنة اثنتي عشرة وست مائة بحلب، سمع وحدث ودرس بالمدرسة المسرورية بالقاهرة، وتولى القضاء بحلب وأعمالها إلى حين وفاته؛ وبيته معروف بالعلم والدين والتقدم والسنة والجماعة، وتوفي في ثالث عشر جمادى الأولى بحلب، ودفن بتربة جده رحمه الله تعالى؛ وقيل في وفاته غير ذلك. وقد ولي القضاء بحلب من بيتهم غير واحد ﵏ أجمعين. محمد بن الموفق بن الزهر مبارك أبو عبد الله الأمير نجم الدين، وقد تقدم ذكر أخيه الأمير سيف الدين عيسى ﵀، ووفاته في أوائل هذه السنة. وتوفي نجم الدين محمد المذكور ليلة السبت سابع عشر شهر

стр. 982

رجب بقرية بحوشية، ودفن بها عند أهله وهو في عشر الستين رحمه الله تعالى. وكان عنده ديانة وتشيّع ومعرفة بمذهبه وتغالى فيه كثير المكارم حسن الصحبة والأدب مع من يصحبه رحمه الله تعالى. محمد بن أبي الرجاء بن أبي الزهر بن أبي القاسم أبو عبد الله التنوخي الدمشقي المتطبب المعروف بابن السلعوس، مولده في العشر الأوسط من شهر رجب سنة تسع وتسعين وخمس مائة، سمع من عبد الصمد الحرستاني وحدث عنه بالقاهرة، وتوفي في الخامس والعشرين من شعبان بالقاهرة، ودفن من الغد بمقابر باب النصر رحمه الله تعالى. نعمان بن حمدان بن نعمان التكريتي الملقب بشجاع الدين من التجار المشهورين بالثروة وكثرة الجد، وعنده سعة صدر فيما يقدمه للملوك والأمراء من التقادم والتحف، وكانت له مكانة عند الملك الظاهر، ﵀ وقرب أوجب تغير خاطر وزيره الصاحب بهاء الدين عليه، فلم تنفعه مكانته وقربه، وكان صهر وجيه الدين محمد بن سويد التكريتي وزج ابنته وأولاده منها وتوفي ليلة الجمعة ثاني جمادى الآخرة بدمشق، ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀. أبو بكر بن أحمد بن عمر البعلبكي المعروف بابن الحبال ويعرف بابن

стр. 983

دشينية توفي ببعلبك ليلة الجمعة تاسع وعشرين شهر ربيع الأول، ودفن يوم الجمعة بعد الصلاة ظاهر باب نخلة، وهو في عشر السبعين، وخلف تركة عظيمة؛ قيل أنها تقارب بمائة ألف دينار، ولم يرزق ولداً، وإنما كان له زوجة وابنا عم، فاحتاط الملك الظاهر على تركته، وكان بدمشق وأخذ منها قريب أربع مائة ألف درهم وأفرج لورثته عن الوثائق والأملاك فتمحق أكثر ذلك، وكان وقف في حال حياته وقفاً على وجوه البر يتحصل منه في السنة قريب خمسة آلاف درهم وقفه على نفسه مدة حياته، ثم من بعده يصرفه في مصارفه، فجرى فيه فصول واستقر بعد وفاته وقفاً كما وقفه، وكان أراد الرجوع فيه قبل وفاته واستفتى على ذلك، فوجد كتاب الوقف قد كتب به نسخة وحكم الحكام بصحته فلم يجد إلى ذلك سبيلاً، وكان يشح على نفسه بأيسر الأشياء. وكان سبب وقفه لهذا الوقف أن الحوطة لما حصلت في سنة أربع وستين ورسم أنه لا يفرج لأحد إلا بعد ثبوت كتابه بدمشق في وجه وكيل بيت المال نظر المشار إليه ووجد عنده فوق المائة كتاب وأنه يغرم على الإثبات بدمشق وبعلبك على كل كتاب تسجيل وشهود الطريق قريب الخمسة عشر درهماً، فرأى ذلك يشق عليه ولم تسمح نفسه به، فقيل له: أنت ليس لك نية تبيع هذا الملك ولا ترهنه، والمصلحة أنك توقفه على نفسك مدة حياتك، ثم بعدك على أولادك إن كان لك ولد وإلا على وجوه البر، فتجمع هذه الأملاك

стр. 984

في كتاب واحد وتحصل الأفراج به فجنح إلى ذلك وعمله، ثم أراد نقضه كما تقدم فتعذر عليه، وكان فيه رفق بمن يعامله ويدانيه بصبر بعد الاستحقاق المدة الطويلة، وقل إن كان يحبس له غريم ﵀ وإيانا وكان في بداية أمره ضعيف الحال لا شيء له وإنما اكتسب ذلك بالأسفار ونماه بالمعاملة مع قلة الخرج وكثرة الدخل فصار له جملة طائلة وبعض الناس يقول أنه ربما وجد شيئاً مدفوناً ولا أصل لذلك، وفي الجملة لم ير بعده من أرباب الأموال ببعلبك مثله ﵀. السنة الثالثة والسبعون وست مائة دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة والملك الظاهر بالديار المصرية. متجددات الأحوال في خامس عشر المحرم يوم السبت جهزت الشواني من دار الصناعة إلى دمياط. وفي يوم الأحد سادس عشره وصل الملك المنصور من حماة إلى القاهرة وصحبته أخوه الأفضل وولده المظفر محمود، فنزل بالكبش وبعث إليه الملك الظاهر السماط بكماله صحبة الأمير شمس الدين الفارقاني أستاذ الدار فوقف في وسطه لما مد، فلم يتركه الملك المنصور وسأله حتى جلس

стр. 985

ثم وصلت الخلع وغيرها، وأباح له ما لم يبحه لأحد من خواصه من شرب الخمر وسماع الغناء وسائر الملاهي مبالغة في إكرامه واحترامه. وفي سادس صفر ولدت امرأة نصرانية بقصر الشمع محلة بمصر ثلاث بنات في بطن واحد لكل واحدة منهن مشيمة ومتن لوقتهن. وفي يوم الأحد سابع صفر توجه الملك الظاهر إلى الكرك على الهجن، وفي صحبته الأمير بدر الدين بيسري وسيف الدين أتامش السعدي وسبب توجهه أنه وقع بالكرك برج فأحب أن يكون إصلاحه بحضوره، وكان بالكرك بساتين محكرة بشيء يسير، فأمسكها جميعها ثم عاد إلى مصر، فدخلها يوم الثلاثاء ثاني وعشرين ربيع الأول، ولقيه صاحب حماة على الغرابي ليلاً، فودعه وسار إلى حماة. وقبل توجه الملك الظاهر إلى الكرك أعطى الأمير شهاب الدين يوسف بن الأمير حسام الدين الحسن بن أبي الفارس القيمري خبز أربعين طواشياً بدمشق، وكان من أعيان الأمراء في الدولة الصالحية النجمية والدولة الناصرية، وكان بطالاً قد أطلق له من بيت المال في كل يوم عشرين درهماً لنفقته وكلفته. ذكر هرب رئيس الإسكندرية ومن معه من عكا قد تقدم القول بكسر الشواني وأسر من كان فيها، ولما أسروا

стр. 986

بعث بهم إلى عكا طلباً للفداء، فامتنع الملك الظاهر من فدائهم، وقال: إني قد استغنيت عنهم. وكتب إليهم أن يسعوا في فداء أنفسهم. ومن فدى نفسه شنقته ودام الحال على ذلك، فمات من مات وهرب من هرب، فكتب الملك الظاهر إلى الأمير عز الدين العلائي نائب السلطنة بقلعة صفد بأن يوسع الحيلة في خلاصهم، فكتب إلى ابن جعفر من الفرنج بعكا ووعد ألف دينار إن سعى في خلاصهم فدسّ المذكور إليهم مبارداً قطعوا بها شبّاكاً في البرج الذي هم فيه، ثم أخرجوا من الباب ليلاً، وعليهم زي الفرنج إلى مركب قد أعدوا لهم، فركبوه إلى ساحل عيّن لهم، فوجدوا خيل البريد معدة لهم، فركبوا وغيروا زيهم وتلثموا ودخلوا صفد سراً لم يشعر بهم أحداً وبعث بهم العلائي ملثمين بحيث لا يعرفون، فوصلوا إلى القاهرة في ربيع الأول، وهم الرئيس شهاب الدين أبو العباس المغربي وشهاب الدين محمد بن الموفق رئيس الاسكندرية وزين الدين أخوه، والرئيس سيف الدين أبو بكر بن إسحاق. وكان توفي من المأسورين بعكا وقبرس سيف الدين محمد بن المجاهد وسيف الدين بن أبي سلامة رئيسا الاسكندرية، وشرف الدين علوي رئيس دمياط، ومن رؤساء مصر نجم الدين نجم بن سيف الدولة الجبلي، وسيف الدين أبو بكر بن المخلص إبراهيم بن إسحاق، وجمال الدولة يوسف بن المخلص وسيف الدين محمد بن نور الدولة علي بن المخلص وغيرهم، والباقون منهم

стр. 987

من تحيل وهرب ومنهم من توفي ومنهم من بقى في الأسر بجزيرة قبرص، ولما وصل الرؤساء الذين سلموا كان الملك الظاهر بالكرك، فلما عاد أحضرهم ووبخهم على تفريطهم، فقال له شهاب الدين رئيس الاسكندرية: قضاء الله لا يرد بحيلة. فاستحسن منه ذلك وخلع عليهم. وفي سابع عشر ربيع الآخر عاد ابن غراب وصارم الدين أزبك وجماعة من الأجناد والعرب والمماليك من برقة، ومعهم منصور صاحب قلعة طلميثة ومفاتيحها معه. وفي سادس وعشرين ربيع الآخر خرج الملك الظاهر لرمي البندق، وترك في القلعة نائباً عنه الأمير بدر الدين أيدمز الوزيري، فأقام خمسة أيام ثم عاد إلى القلعة. وسبب عوده أن بعض العرب اطلع على أن جماعة من التتر يكاتبون، ثم ردف ذلك أن والي غزة أمسك ثلاثة نفر، ومعهم بدوي في خان حماق قد خرجوا من القاهرة لقصد التتر، فأنكر الخاني كلامهم، فعرّف الوالي بهم فأخذهم ووجد معهم كتباً، فسيرها إلى القاهرة ووقف الملك الظاهر على الكتب، فوجدها من عند قجقار الحموي وموغان بن منكورس وسربغا وطنغري برمش وأنوك وبرمش وبلبان محلى والمعلاني المرتد

стр. 988

وبلاغاً وطعبني وأيبك وسنجر الحواشي التركي؛ فقيض عليهم وقابلهم بما فعلوا؛ فأقروا فكان آخر العهد بهم. وفي يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى توجه الملك الظاهر وولده الملك السعيد إلى جهة البحرية للصيد في الخراريق ودخل الاسكندرية فشكى إليه وإليها شمس الدين بن باخل، فضربه وأخذ خطه بخمسين ألف دينار، وهدم له بستاناً كبيراً وقف عليه بنفسه حتى هدمته العامة، وأقره على الولاية فقط، وفوض أمر الجيش والديوان إلى الطواشي بهاء الدين صندل فشيد دار الطراز، وعاد نهار الخميس خامس جمادى الآخرة. وفي رابع شعبان رحل الملك الظاهر بالعساكر نحو الشام، فوصل دمشق يوم الخميس تاسع عشرين منه، ثم خرج قاصداً بلد سيس وعبر إليها الدربند، فملكها وملك إياس والمصيصة وأذنة، وكان دخول العساكر إلى سيس يوم الاثنين حادي عشرين شهر رمضان، وخروجهم منها في العشرين من شوال بعد أن قتلوا من الأرمن وأسروا خلقاً كثيراً لا يحصى، وغنموا من البقر والغنم ما بيع بالمجان، وأقام الملك الظاهر بجسر الحديد إلى أن انقضى شوال وذو القعدة، ورحل في العشر الأول من ذي الحجة، فدخل دمشق يوم الثلاثاء خامسه، وأقام بدمشق إلى أن دخلت سنة أربع وسبعين. أعجوبة: في السابع والعشرين من شعبان وقع رمل بمدينة الموصل

стр. 989

ظهر من القبلة وانتشر يميناً وشمالاً حتى ملأ الأفق وعميت الطرق، فخرج العالم إلى ظاهر البلد بتلعها وبمشهد يحيى بن قاسم، ولم يزالوا يبتهلون إلى الله تعالى بالدعاء إلى أن كشف الله ذلك عنهم. وفي هذه السنة بعث أبغا إلى الروم تقونوين عوضاً عن أجاي ومعه أربعين رجلاً من خواصه، وأمره أن يكتب جميع أموال الروم ويضبطها، ولا يحكم البرواناة ولا غيره من أمراء الروم إلا بحضوره، ولا يصدرون إلا عن رأيه، فلما وصل حضر مجلسه جميع امراء الروم وقدموا له الهدايا والتحف خصوصاً البرواناة، وطاف تقونوين جميع بلاد الروم وحصل منها أموالاً جسيمة وحملها إلى أبغا، ولما رأى البرواناة تمكن تقونوين ذل له واستكان وبذل له الطاعة. وفيها توفي إبراهيم بن يوسف بن جعفر بن عرفة بن المأمون بن المزمل بن قاسم بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو إسحاق المعروف بظهير الدين بن شيخ الإسلام القرشي الأموي، ومولده بدمشق في ثالث عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وست مائة، سمع وحدث، وبيته معروف بالحديث والرواية والديانة والرئاسة والأمرة والتقدم، وكانت وفاته في رابع عشرين جمادى الآخرة، ودفن من يومه بمقابر باب النصر - رحمه الله تعالى. إبراهيم بن شروة بن علي بن مرزبان بن كلول جكو أبو إسحاق الأمير

стр. 990

سيف الدين الزهيري الجاكي توفي ببعلبك قبل طلوع الشمس من يوم الخميس رابع عشرين شهر رجب، ودفن من يومه ظاهر باب حمص من مدينة بعلبك، وقد نيف على السبعين سنة من العمر - رحمه الله تعالى. وكان من الأمانة والحشمة وشرف النفس وصدق اللهجة على طريقة لا يدانيه فيها غيره. حكى لي غانم بن العشيرة أنه كان متولي حلب عند فقد التتار لها، ولما هجمت المدينة صعد إلى القلعة وأحضر غلمانه صناديق من داره رموها في خندق القلعة لضيق الوقت عن ادخالها إلى القلعة وكذلك غيره، ثم سير غلمانه ليحضروا له شيئاً من تلك الصناديق، فخرجوا والقتال يعمل، فقاتلوا ولا زالوا حتى أحضروا صندوقاً، فلما فتحه وجد فيه ذهباً ودراهم وحوائص وأشياء فاخرة وما هوله؛ فقال له غلمانه: أنت محتاج خذ منه شيئاً ولو على سبيل القرض. فأبى ولا زال ينبشه حتى وجد فيه شطفة رنك بعض الأمراء، فسير اليه عرّفه فحضر وتسلّمه، وكان ولي حران في الأيام الناصرية وأمير جندار العزيز بن عبد الملك الناصر، وتوجه معه إلى هولاكو وبعد أخذه قلعة حلب جعله هولاكو أمير شكار وسلم إليه الجوارح وغيرها، وكان عنده محترماً خلاف وكان الملك الظاهر يحترمه ويثني عليه ويصفه بالعفة والأمانة

стр. 991

والحشمة - رحمه الله تعالى، وخلف أولاداً منهم الأمير علاء الدين أحمد أخذ خبزه وولي بعده مكانه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك أبو العباس الأمير شهاب الدين بن الأمير جمال الدين، كان معروفاً بالشهامة والصرامة، ولاه الملك الظاهر رحمه الله تعالى المحلة وأعمالها من الغربية، فهذبها ومهّد قواعدها وأباد من بها من المفسدين والدعار، وقطع من الأيدي والأرجل ما لا يحصى كثرة وشنق ووسط وأباد بحيث أفرط في ذلك، فخافه البريء والسقيم وتمكنت مهابته في صدور أهل عمله ومن جاورهم. توفي بالمحلة في رابع عشرين جمادى الأولى، وحمل إلى القرافة. فدفن بتربتهم في الثامن والعشرين منه، وكان عنده كرم ورياسة وحشمة وسعة صدر وبر بمن يقصده، وله نظم وعنده إلمام بالفضيلة ﵀ وتجاوز عنه، فمن شعره: وبي أهيف واف وفيه محاسن ... بدت وعليها للعيون تهافت ممشي في ضياء الدين كالبدر وجهه ... وبينهما للناظرين تفاوت وأعجب ما شاهدته فيه أنه ... يكلم قلبي لحظه وهو ساكت وقال في غلام عنبري من أبيات: تحكم في الألباب حتى رأيته ... ينظّم حبات القلوب قلائدا

стр. 992

وقال في غلام يمد الشريط: وبي زيّنا كالبدر والظبي بهجة ... وجدّا بقلبي ناره وهو جنتي منعم خده كاللجين بياضه ... يمد نضاراً كاصفراري ودقتي وقال وكتب بها إلى الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري وقد أهدى إليه شاهيناً بدرياً: يا سيد الأمراء يا من قد غدا ... وجه الزمان به جميلاً ضاحكا وافى لك الشاهين قبل أوانه ... ليفوز قبل الحائمات ببابكا حتى الجوارح قد غدت بدرية ... لما رأت كل الوجود لذالكا وله يخاطب صاحباً الملك الظاهر له ورد عليه من الاسكندرية إلى المحلة: إن صدرتم عن منزل فلكم ... فيه ثناء كنشر روض بهى أو وردتم فاللمحب الذي من ... آل موسى في الجانب الغربي بيمند بن بيمند بن بيمند متملك طرابلس توفي بها في العشر الأول من شهر رمضان المعظم، ودفن في كنيستها، وتملك ولده بعده كان حسن الشكل مليح الصورة، رأيته ببعلبك في سنة ثمان وخمسين وست مائة، وقد حضر إلى خدمة كتبغا نوين وصعد إلى قلعة بعلبك وداراها وحدثته نفسه أنه يطلبها من هولاكو ويبذل له ما يرضيه وشاع ذلك عند بعلبك، فشق على أهلها وعظم لديهم فحصل بحمد الله ومنته من كسرة التتار ف آخر الشهر المذكور ما أمنهم من ذلك ثم لما ملك الملك المنصور

стр. 993

سبف الدين قلارون ﵀ طرابلس وفتحها في سنة ثمان وثمانين وست مائة نبش الناس عظام بيمند المذكور من الكنيسة وألقوها في الطرقات وطرابلس في الحقيقة عند الفرنج إنما هي لامرأة من أولاد صنجيل الذي افتتحها أولاً وأخذها من بني عمار وهي في الجزائر في قلعة لها هناك، واستنابت هي أو جدها جد هذا، فاستولى لبعدها عنه، وكان من شياطين الفرنج ودهاتهم وتداولها أولاده من بعده، وكان ابن صنجيل خرج من قلاعها لأمر أوجب ذلك وركب البحر، فتوفقت عليه الريح ونفد زاده، وكاد يهلك هو ومن معه وقرب من طرابلس فسيّر إلى صاحبها إذ ذاك وسأله أن يأذن له في النزول في أرضه والإقامة في البر بمقدار ما يستريح ويتزود فأذن له. فنزل بمكان الحصن المعروف به الآن وهو حيث بنيت طرابلس الجديدة وباع واشترى فنزل إليه أهل حبه يشري وسائر تلك النواحي وجميعهم نصارى وأطمعوه في البلد وعرّفوه ضعف صاحبه وعجزه عن دفعه، فأقام وبنى الحصن المعروف به وتكثر بأهل بلاد طرابلس واتفق اشتغال ملوك الشام ونواب الدولة المصرية به فغنم وتم مراده وصابر طرابلس مدة زمانية فتوجه ابن عمار إلى السلطان ملك شاه السلجوقي يستنجد منه، فلم يحصل له مقصود فأخذت منه طرابلس وانتقل بأمواله وذخائره إلى عرقا.

стр. 994

واستفحل أمر الفرنج بالساحل فلم يمكنه مجاورتهم فانتقل إلى حصن الخوابي وكان له فأخذ عرقاً متملك طرابلس والله أعلم. سعد الله بن سعد الله بن سالم بن واصل زين الدين الحموي، كان فاضلاً في الطب مجرباً حاذقاً حسن المعالجة متديناً ذا مروءة غزيرة، وله تقدم في الدولة، مولده سنة خمس وثمانين وخمس مائة، وتوفي في شوال رحمه الله تعالى. عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الكريم بن قرناص أبو محمد جمال الدين بن الشيخ نجم الدين أبي علي بن مخلص الدين أبي إسحاق الخزاعي الحموي، توفي بحماة عشية يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر، ودفن من الغد بالتربة المعروفة بهم ﵀ وهو في عشر السبعين. وذكره القاضي جمال الدين بن واصل ﵀؛ فقال: جمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن الشيخ نجم الدين أبي علي الحسن بن إبراهيم بن قرناص كان رئيساً كبيراً كريماً ذا نعمة واسعة، وداره مأوى القاصدين إليه والواردين عليه واللازمين من الأصحاب له مع ديانة تامة، وحسن طوية، وطلاقة وجه لم يكن في بلده في وقته من يضاهيه في ذلك، مولده سنة عشرين وست مائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وست مائة، ودفن بالمدرسة التي أنشأها جده الرئيس مخلص الدين إبراهيم بن عبد الكريم بن قرناص ظاهر حماة رحمه الله تعالى.

стр. 995

عبد الله بن محمد بن عطاء أبو محمد شمس الدين الحنفي توفي بدمشق يوم الجمعة ثامن جمادى الأولى، كان والده شرف الدين محمد حنبلي المذهب، وكان يتغالى في والدي ﵀ ويحبه محبة عظيمة مفرطة وبسببه انتقل إلى بعلبك واستوطنها مدة سنين، وقرأ ولده شمس الدين القرآن العزيز على والدي واستأذنه والده شرف الدين محمد فيما يشتغل به ولده المذكور، فأشار عليه أن يشغله في الفقه على مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه؛ فاشتغل وحفظ القدوري ورحل إلى دمشق وتفقه بحيث صار المشار إليه في الحنفية، وتولى تدريس مدارس عدة، وناب في الحكم بدمشق عن قاضي القضاة صدر الدين أحمد بن سنى الدولة ﵀، ومن بعده من القضاة، فلما رتب الملك الظاهر ﵀ القضاة من المذاهب الأربعة سيّر له تقليدا بقضاء القضاة بدمشق المحروسة وأعمالها، فباشر ذلك وانتقل من النيابة إلى الاستقلال، وذلك في سنة أربع وستين، واتفق حوطة الملك الظاهر على الأملاك وبساتين دمشق، وقعد في دار العدل وجرى الحديث في هذا المعنى بحضور القضاة وجماعة من العلماء والمشايخ وغيرهم، فكل ألان القول وخشي سطوة الملك الظاهر إلا القاضي شمس الدين المذكور ﵀، فأنه بالغ في الصدع بالحق ولم يخش إلا الله تعالى، وقال: لا يحل لمسلم أن يتعرض إلى هذه الأملاك ولا البساتين فإنها بيد أربابها ويدهم ثابتة عليها. فغضب الملك الظاهر لهذا القول، وقام من دار العدل، وقال: إذا كنا ما نحن مسلمين أيش قعودنا. فشرع

стр. 996

الأمراء يتلافوه وقالوا: لم يقل أن مولانا السلطان ما هو مسلم وإنما قال ما يحل لمسلم التعرض إلى أملاك الناس. فلما سكن غضبه قال: اثبتوا كتبنا عند هذا القاضي الحنفي وتحقق صلابته في الدين فعظم في عينه. وأما القاضي شمس الدين ﵀ فلم يتأثر ولا التفت وعصمه الله منه بحسن قصده، وكان القاضي شمس الدين من العلماء الأعيان تام الفضيلة وافر الديانة كريم الأخلاق حسن العشرة كثير التواضع عديم النظير قليل الرغبة في الدنيا، يقتنع منها باليسير ولا يحابي أحداً في الحق، واشتغل عليه خلق كثير وجم غفير كان مرضه وهو صغير ببعلبك مرضاً أشفى منه والده بدمشق في شغل له، فسيرت والدته إليه تقول: إلحق ولدك عبد الله فإنه هالك. فبطّل ما كان بصدده وحضر إلى بعلبك، فرآه في حال اليأس منه فحضر عند والدي فسلم عليه وأخبره بما شاهده من حال ولده، فقال له: طيب قلبك فإن ولدك يبرأ بإذن الله تعالى وما عليه بأس. فقام لوقته وسافر ولم يبت تلك الليلة ببعلبك، فقالت له زوجته: تسافر وولدك على هذه الحال! قال لها: قال لي الشيخ الفقيه: إنه يهدى وما عليه بأس. وتم سفره ومدفنه يجبل قاسيون ﵀ ورضي عنه. عثمان بن محمد بن منصور بن أبي محمد بن عبد الله بن سرور أبو عمرو فخر الدين الأميني ويعرف بابن الحاجب، والحاجب هو جده منصور بن أبي، ومولده بدمشق سنة اثنتين وست مائة. سمع من جماعة من

стр. 997

المشايخ الكثير وحدث وتوفي في الرابع من ربيع الآخر، ودفن من الغد ظاهر باب النصر ﵀؛ وللأميني نسبة إلى أمين الدولة صاحب صرخد. محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم أبو عبد الله عز الدين الحلبي الأصل المعروف بابن العجمي، قد تقدم ذكر والده كمال الدين في سنة سبع وستين وست مائة، ولما توفي والده رتب عز الدين ولده في كتابة الإنشاء، وكان عنده أهلية تامة وفضيلة كثيرة ومروءة غزيرة ومثابرة على قضاء حوائج الناس، وتوفي بدمشق في هذه السنة ودفن بمقابر الصوفية إلى جانب قبر أبيه رحمه الله تعالى ولعله لم يبلغ ثلاثين سنة من العمر رحمه الله تعالى، وكان عارفاً بالفقه على مذهب الشافعي ﵀، مشاركاً في علوم كثيرة، متفنناً أكثرها مع كثرة الديانة وسعة الصدر، كثير التعبد والانقطاع عن الناس، حفظ شيئاً كثيراً من الكتب المشهورة في فنون العلوم ودرّس بعدة مدارس بالقاهرة وغيرها، وصنف وأفاد وبرع نظراءه، وله نظم كثير فمنه: حكم الغرام وحكمه مقبول ... إني بسيف لحاظه مقتول فعلام تنكر ما جنت ألحاظه ... ودمي على وجناته مطلول بدر وغصن قدّه ورضابه ... ذا عاسل يثني وذا معسول لا غرو أن أضحى القوام مثقفاً ... فسنانه من جفنه مسلول حل اصطباري عقد مبسمه ... وما عقد الوداد لودّه محلول

стр. 998

أرادفه مثل الكثيب بحالها ... لكن محل وشاحه مجدول كيف السبيل إلى وصال حبيبه ... وصدوده ببعاده موصول وله ملغزاً في عقرب: وما اسم رباعي إذا ما عددته ... تراه بلا شك يزيد على عشر له منزل إن شئت في أبرج السماء ... ومنزله في الأرض باد لدى حجر إذا أدركته الشمس يذهب شخصه ... وتبصره في الشمس يسعى إلى الوكر معكوسه ستر إذا ما رفعته ... رأيت جمالاً حل باريه كالبدر وتصحيفه أرجوه من خالق الورى ... يمن به قولاً إذا حفت من وزري وقال أيضاً ﵀: أتراه يذري في الهوى ولهن به ... أم عنده خبر الجوى ولهيبه أم هل ترى ترتي النوى لمقاطع ... ما زال يوصل دمعه بنحيبه صب تسربل في قميص سقامه ... لما كساه الحب ثوب شحوبه عجباً له عذبت بفيه مشارب ... وعذابها سبباً إلى تعذيبه فنحيبه لحبيبه وسراره ... لرقيبه وسقامه لطبيبه حكم الهوى أن لا يمر بربعهم ... إلا ستاه بدمعه وغروبه ويظل يطلب منه عن سكانه ... خبراً وذاك الرسم غبر مجيبه بالله ما يجري السؤال لمعهد ... أفنى الزمان رسومه بخطوبه درست معالمهم فلست مفرقاً ... في الرسم بين وهاده وكثيبه

стр. 999

هب النسيم على محل ديارهم ... فشممت من رياه عند هبوبه آبجاً لأجلهم صبوت له كما ... يصبو المحب إلى لقاء حبيبه أنسيته لما بدا بدر الدجى ... يحكيه صافي نهره وقليبه فنظرت عند شروقه وغروبه ... ورأيته بين طلوعه ومغيبه بدري الذي قد همت فيه ولم ... أخف من كيد عذله ووشي رقيبه فلئن عفا فلطالما قد مر لي ... زمن نعمت بحسنه وبطيبه ولئن حلا فلكم جوى من شادن ... يحتال بين حزونه وسهوبه ومشنف كحل اللحاظ منعم ... ومهفهف علا القوام رطيبه غنى الربيع بربعه فكساه من ... تفضيضه حللاً ومن تذهيبه نبأ لدهر ما تبسم ساعة ... إلا وأعقبها بعام قطوبه لم أبك إطلالاً له ولكنني ... أبكي على عيش تقضي لي به وقال ﵀ ملغزاً في قاسم: سألت محبوبي عن اسمه ... فقال ما عندي له علم لكنني أبدي له كنية ... يعرفها من عنده فهم ترخيمه وصف لقلبي فإن ... أسقطت منه أولاً فاسم وعكسه عضو إذا رخموا ... منى اللحم والعظم فقلت لا نبعث من لفظه ... تصحيفه تجلى بها الوهم فحله وانظم يا ذا الفتى ... بفضله قد شهد النظم

стр. 1000

وقال أيضاً ملغزاً: يا أولي الفضل والفضيلة قد أع ... وزني في حل وفي كشف خبروني عن اسم جمع وطرف ... ومعكوسه إذا شئت حرف وهو أن صحفوه في الصدر بعض ... وهو أن حرفوه في القلب ألف وتراه فلا تشك بأني ... قلت حقاً إذا بدا منه وصف وهو معتل طالما صحح ال ... مرء معروف بالخفافة عطف ينبي العكس منه عن كل واحد ... هو إذا خففوه كم فيه ألف أي عذر وقد أتاك صريحاً ... لك إن كان في جوابك خلف وكتب إليه شخص من أصحابه لغزاً: رأيت صبياً قارئاً ذا فصاحة ... يريك آيات النساء ويجوّد فقلت له ما الاسم أطرق ساعة ... يصوب نحوي طرفه ويصوّد فقال إذا ما رمته فهو ظاهر ... بأول ما أتلوه حين أردد فصحفه بعد العكس منه فإنه ... تراه صحيحاً واضحاً حين يقصّد فأجابه عنه يقول: أظنك تعني خادماً ما لبيباً ... ومن تنقل الأخبار عنه وتسند إذا عكسوه فهو ضوء لبارق ... وإن حرفوه فهو للصب مسعد وتصحيفه انبئت حقاً بفضله ... فما ارتاب فيه لا ولا أتردد فخذه ودم ما ناح في الجو طائر ... وما دام أدوار وما دام فرقد

стр. 1001

وقال ﵀ ملغزاً أيضاً: ما اسم كلتا بفضيلة سماه نعترف ... متصرف كان في ملكه غير منصرف فحرفان منه فعل أمر لمذكر وثلاثة أمر لمؤنث أن حرف وباقيه فعل ماض معناه الكذب، والمشار إليه بالصدق قد عرف له خصائص صفات قد باين بها الحيوان بالبشر ورحيل مشهور كاد أن يضاهي برحيل الشمس وبتسيير القمر وسلوك في الجو أعجب من كل عجيب وهو أن صحفته وقلبته تام تكتيب، وله ﵀ مجيباً: هو النبي سليمان الذي ظهر ... إيمان في عصره واستخبأ الشرك هذا الجواب بلا شك أتاك فإن ... صحفت حرفين منه جاءك الشك محمد بن إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين أبو عبد الله شمس الدين، كان رجلاً حسناً، وعنده اشتغال بالفقه والنحو وغيره، وتوفي ببعلبك في بكرة نهار الجمعة خامس وعشرين شهر رجب، ودفن من يومه بتربة ابن قرقين بمقابر باب سطحاً ظاهر بعلبك، وهو في عشر الأربعين رحمه الله تعالى. محمد بن علي بن موسى بن عبد الرحمن أبو بكر أمين الدين الأنصاري الخزرجي المحلي النحوي العروضي الكاتب، ولد في شهر رمضان المعظم سنة ست مائة، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر ذي القعدة، ودفن يوم الجمة بين القرافقين بالديار المصرية، قرأ الأدب وبرع فيه، وانتفع به جماعة؛

стр. 1002

وله تصانيف، وكان أحد الفضلاء المشهورين، عارفاً بعلوم عدة؛ وله نظم حسن وأرجوزة في العروض وأخرى في القوافي وغير ذلك، كتب في مرضه إلى بعض معارفه الأكابر يشكو المضائقة وسوء الحال: يا من الذي عم الورى نفعه ... ومن له الإحسان والفضل العبد في منزله مدنف ... وقد جفاه الصحب والأهل فزوجه البقل ويا ويح من ... فروجه في المرض البقل ومات بعد قوله هذه الأبيات الثلاثة بثلاثة أيام، وكان له صاحب فمرض فلم يعده أمين الدين المذكور وكتب إليه: إن جئت نلت ببابك التشريفا ... وإن انقطعت فأوثر التخفيفا ووحق حبي فيك قدماً أنني ... عوفيت أكره أن أراك ضعيفا محمد بن يحيى بن الفضل بن يحيى بن عبد الله بن القاسم بن المظفر أبو حامد محي الدين ابن الشهرزوري الموصلي، مولده في ثامن عشر شهر رمضان سنة تسعين وخمس مائة، كان من أولاد القضاة، وعنده فضيلة، وله نظم حسن، ووالده تاج الدين أبو طاهر كان قاضي الجزيرة العمرية، والمحيي المذكور ترك زي الفقهاء وتزيا بزي الأجناد، وكانت وفاته يوم الأحد ثاني عشر شهر ربيع الآخر من هذه السنة بالمقس ظاهر القاهرة من الديار المصرية، وبيته مشهور بالرئاسة والتقدم، وتولى القضاء فب الأقطار غير واحد منهم ﵀.

стр. 1003

مسلم البرقي البدوي شيخ الفقراء كان رجلاً صالحاً كثير التعبد، وله رباط بالقرافة الصغرى، وكان أحد المشايخ المشهورين مقصوداً للزيارة والدعاء والتبرك به وأصحابه معروفون. وتوفي في خامس ربيع الأول، ودفن من الغد بقرافة مصر الصغرى ﵀. منصور بن سليم بن منصور بن فتوح الهمداني الاسكندري أبو المظفر وجيه الدين ابن الشافعي الشيخ الفقيه العالم المحدث الفاضل، مولده في صفر سنة سبع وست مائة، وولد بالاسكندرية، وسمع من جماعة وحدّث ووليّ الحسبة بالاسكندرية ودرس بها وجمع وصنف وخرّج وألّف تاريخاً لبلده الاسكندرية، وكان حافظاً صالحاً حسن الطريقة جميل السيرة محسناً إلى من يرد إليه من الطلبة عفيداً حسن الأخلاق ليّن الجانب؛ رحل إلى بغداد وأقام بها مدة، وله ذيل على ابن نقطة فيما ذيله على كتاب الأمير ابن ماكولا، وله تاريخ الاسكندرية وتاريخ لمنارة الاسكندرية وغير ذلك، وكانت وفاته بالاسكندرية في ليلة الحادي والعشرين من شوال، ودفن من الغد بين العشاوين رحمه الله تعالى. نصر الله بن عبد المنعم بن نصر الله بن أحمد بن جعفر بن حواري أبو الفتح شرف الدين التنوخي الدمشقي الحنفي، مولده في سنة ثلاث أو أربع وست مائة، وتوفي في سادس شهر ربيع الآخر بدمشق، ودفن بمغارة

стр. 1004

الجوع بسفح قاسيون، وكان فاضلاً ديّناً حلو النادرة حسن المحاضرة، على ذهنه من الأشعار والحكايات والوقائع شيء كثير، وله يد في نظم وليس بذلك، وكان كبير النفس عالي الهمة كثير الكرم يتجمل فيما يصنعه لمعارفه وأصحابه من المآكيل ولعله يدعو النفر الواحد والنفرين، ويحضر من الأطعمة الفاخرة ما يكفي جماعة كثيرة، وكان في غالب أوقاته يمتنع من أكل طعام غيره وقبول هدية فلمته على ذلك؛ فقال: أشتهي أن أكون حراً لا يسترقني أحد بإحسانه. وكان في زمن أولاد شيخ الشيوخ ﵏، قد تعرف بهم وصار له قرب منهم وحرمة وافرة بسببهم وعمّر في آخر عمره مسجداً عند طواحين الأشنان ظاهر دمشق وغرم عليه جملة كثيرة وتأنق في عمارته، وكان يدعو معارفه إليه ويبالغ في الاحتفال على عادته في سعة صدره وعلو همته، وسمع الكثير وكتب بخطه ما لا يحصى وحدّث رحمه الله تعالى؛ ومن نظمه يتغزل ويصف دمشق: ما كنت أول مستهام مدنف ... كلف بممشوق القوام مهفهف يردي لواحظه بكل مهند ... ماض وعطفاه بكل مثقف مستعذب الألفاظ يفعل طرفه ... في قلب من يهواه فعل المشرف شمس الضحى كسفت بنور جبينه ... خجلاً ولولا حسنه لم تكف

стр. 1005

أنا واله دنف بورد خدوده ... وبغض نرجس مقلتيه المضعف فحذار من طرف كحيل أوطف ... يسبي ومن خصر نحيل مخطف يا حائراً أبداً بعادل قده ... ما حيلتي في الحب إن لم ينصف ديوان حبك لم يزل مستوفياً ... وجدي وأشواقي بحسن يصرف لك ناظر فتّاك بالعشاق قد ... أضحى على الهلكات أعجل مشرف ورشيق قد عامل في مهجتي ... من غبر حاصل أدمعي لم تصرف يا من يروم الوصل من متمنع ... أبداً على عشاقه لم يعطف أغرس غصون اللهو مهما تستط ... يع فإن بدت ثمرات لهوك فاقطف وإذا طلائع عارضيه بدت فقل ... قف يا عذار بخده واستوقف واكشف قناعك إن أردت لذاذة ... لاخير في اللذات إن لم يكشف لا شي أعذب من تهتك عاشق ... في عشق معسول المراشف أهيف إن يخف وجدك فالغرام يدعيه ... والوجد أقتل ما يكون إذا خفى فإذا بلغت لما تحاول من منىً ... بحصاة همك عن فؤادك فاحذف يا من على صنم الملاحة عاكفاً ... صنم يكون عليه من لم يعكف أشرفت فيما قد أتيت وإنما ... قد يدرك اللذات غير المشرف كلّفت نفسك حمل أعباء الهوى ... ومن العجيب خطاب غير مكلف يا من يعنّف في دمشق ووصفها ... لو كنت تعقل كنت غير معنف هي جنة الدنيا وتكفي منزهاً ... وفضيلة أوصافها في المصحف بلد سبي الزمّر الذي حلوا به ... بمياهه ومروجه والزخرف

стр. 1006

يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم أبو المحاسن الأسدي الدمشقي الملقب جمال الدين التكريتي الجد، الموصلي الأب، الدمشقي المولد، المحلي الوفاة، المعروف بابن الطحان، المشهور بالحافظ اليغموري مولده بدمشق سنة ست مائة - تخميناً - سمع الكثير بالموصل ودمشق ومصر والاسكندرية وغيرها من جماعة من المشايخ وحصل الأصول والفوائد منهم أبو العباس أحمد بن سلمان بن أبي بكر بن سلامة بن الأصفر البغدادي، وكان عنده فهم وتيقظ، وله مشاركة جيدة في الأدب والتاريخ وغيره من علوم متعددة، وجمع جموعاً مفيدة، وكتب بخطه الكثير، وكان كثير البحث والتنقير، جامعاً لفنون حسنة، حسن الأخلاق لطيف الشمائل، مشغولاً بنفسه، وحدّث وصحب الأمير جمال الدين موسى بن يغمور ﵀ ولازمه وعرف به، فلا يعرف إلا بالحافظ اليغموري، وكان حلو المحادثة مليح النادرة لا تمل مجالسته. توفي إلى رحمة الله تعالى في ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من ربيع الآخر بمدينة المحلة من أعمال الغربية، وكان قد قصدها لرؤية الأمير شهاب الدين أحمد بن يغمور المقدم ذكره، فتوفي عنده في هذا التاريخ، وتوفي شهاب الدين من بعده بشهر ويومين على ما هو مذكور في ترجمته رحمهم الله تعالى، وكتب إليه الأديب شهاب الدين محمد بن عبد المنعم المعروف بابن الخيمي وكلاهما أرمد: أبثّك يا خليلي إن عيني ... غدت رمداء تجري مثل عين

стр. 1007

حديثاً أنت تعرفه بيننا ... لأنك قد رمدت وأنت عيني فأجابه الحافظ رحمه الله تعالى يقول: كفاك الله ما تشكو وحيّا ... محاسن مقلتيك بكل زين فإني من شفاك على يقين ... فإني قد شفيت وأنت عيني وكتب إليه الأديب شهاب الدين - ابن الخيمي - المذكور: يا أيها البحر الذي ... هو سائغ فيه الشراب والحبر كعب حين ين ... سب في العلوم له كعاب أأبا المحاسن أنت حا ... فظها فليس لها ذهاب أضحت وصدرك لوحها الم ... حفوظ ما حفظ الكتاب كل المحاسن والفضا ... ئل والعلوم به تصاب وكذا الغرائب أنت مو ... طنها فليس لها اغتراب أشكو إليك وربما ... يلّتذ بالشكوى المصاب ذهب الصبا وزمانه ... ذاك الزمان المستطاب وتغيرت منى الغري ... زة في علوم واكتساب وتنكرت عندي المعا ... رف والمعارف والصّحاب وسألت لذاتي الإيا ... ب فلم يكن منها إياب وا خيبتي ما كان يجم ... ع بيننا إلا الشباب وبدت عيوب كان من ... بون الشباب لها حجاب

стр. 1008

وخضبت أستر حالتي ... عنها فما نفع الخضاب ومن القضايا في المشي ... ب وكلها فيه صعاب كحقوق مخدومي جما ... ل الدين طاب به المآب قد طال شغل خدمتي ... إياه وهو لها ثواب دأبي له إما ثنا ... ء أو دعاء مستجاب أو نظم جوهر وصفه ... في سلك نظم يستطاب وبدائع من فضله ... يبدو بها العجب والعجاب إلا اجتناب القرب من ... هـ فما يضر الاجتناب إذا كان للإجلال والإجلال ... الأدوان دأب ومع التجنب فالمو ... دة فوق ما معها اقتراب فخليفتي في خدمتي ... وله فيها انتداب قصد النزول بظله ... ليكون منه انتساب في دار علم جنة ... تجري جواريها العذاب وللحافظ اليغموري: رجع الود على رغم الأعادي ... وأتى الوصل على وفق مرادي ما على الأيام ذنب بعدها ... كفه القرب أساءت البعادي وقال رحمه الله تعالى: أنا مرآة فإن أبصرتمو ... حسناً أنتم بها ذاك الحسن

стр. 1009

أوتروا ما ليس رضوه فقد ... صدئت إن لم تروها من زمن قال الحافظ اليغموري: ذكرت الأمير سيف الدين المشد ﵀ زهر السفرجل وحرصته على رؤيته، فلما صار إليه ورأى بهجته كتب إلي يستدعيني: زهر السفرجل ما علم ... ت فقد أشرت برؤيته يدعوك دعوة شيق ... فاغنم إجابة دعوته إن لم تعنه بنظرة ... أذبلت يانع نضرته قال الحافظ: فأجزت هذه الأبيات ببيت تأدباً: حاشاه أن يذوي وقد ... حل البذى في ساحته مرض للأمير جمال الدين موسى بن يغمور ﵀ بعض مماليكه، وكان يعز عليه معالجة بعض الأطباء واتفق أن ذلك المملوك توفي إلى رحمة الله تعالى فخرج في جنازته خلق عظيم من الأمراء والأعيان وغيرهم، وخرج الطبيب الذي عالجه في الجملة ووقف على شفير القبر، وجعل يقول للحفار: افعل كذا وكذا؛ فقال له الحافظ اليغموري: يا حكيم أنت قضيت ما عليه ووصلته إلى هنا وما لك بعد هذا حديث هذا يتولاه غيرك. فضحك بعض الحاضرين وخجل الطبيب وبلغ الأمير جمال الدين ذلك فطرب له.

стр. 1010

بسم الله الرحمن الرحيم ؟ السنة الرابعة والسبعون وستمائة دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة في السنة الخالية والملك الظاهر بدمشق. مجددات الأحوال في رابع عشر المحرم بعث الملك الظاهر الأمير بدر الدين الخزندار على البريد إلى القاهرة لإحضار الملك السعيد فعاد به إلى دمشق في يوم الأربعاء سادس شهر صفر. وفي الثالث والعشرين من جمادى الأولى فتح حصن القصير وهو بين حارم وأنطاكية وكان فيه قسيس عظيم عند الفرنج يقصدونه للتبرك به، وكان الملك الظاهر قلد أمراء التركمان وبعض عسكر حلب بمحاصرته وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين ثم بعث إليه الأمير سيف الدين الرومي الدوادار فحصل بينه وبين القسيس مراسلات فيها ضروب من الخداع ألجأه الجمالي فيها النزول إليه. فلما اجتمع به أكرمه سيف الدين وجعل عليه عيوناً تمنعه من التصرف والعود إلى الحصن من حيث لا يشعر ولك يزل يلاطفه بالمواعيد إلى أن سلمه وأطلعه ووفى له بما وعده.

стр. 1011

ذكر ما ورد من أخبار بلاد الروم فمن ذلك أن أبغا طلب تقونوين والسلطان غياث الدين والبرواناة فخرجوا من الروم في ذي الحجة من السنة فصادفوا آجاي في أرزن الروم عائداً من عند أبغا إلى الروم، فخافوا منه وقدموا له هدايا كثيرة ثم فارقوه وكان في صحبتهم مرحسيا سركيس وهو قسيس يؤثره أبغا ويكرمه، فوصلوا إلى أبغا في أوائل المحرم وهو بأرموا من بلاد آذربيجان نازلاً في الدار التي أنشأها هولاكو وأنشأ إلى جانبها كنيسة عظيمة لزوجته طغز خاتون وبواطن جدرانها مصفحة بالذهب بأنواع الجواهر فلما مثلوا بين يديه أتحفوه بما معهم من الهدايا، فكان أول ما قبل هدية مرحسياً وكان من جملتها جواشن مبدعة الصفة فأعجبته وفرقها على خواصه ثم سأل السلطان غياث الدين عن أبيه فقال له أبوك مات أو قتل وكان قصده أن يأخذ به من قتله فقال مات وردد القول عليه مراراً وهو لا يغير الجواب الأول، وكان قد تقدمهم خواجا علي فاجتمع بهم عند أبغا فتوسط لهم تقونوين في عوده إلى الوزارة ولولديه تاج الدين ونصير الدين في أن برد عليهما أقطاعاً على أن يبذل في كل سنة ألفي بالشت وسبع مائة فرس يستظهر بها على ما كان يحمل إليه من بلاد الروم فأجاب إلى ذلك، وخلع

стр. 1012

عليه وعلى ولديه وعادوا، فلما جلسوا بسيواس بلغهم أن آجاي ضرب نواب البرواناة وضياء الدين بن الخطير، واستأصل أموالهم وتعرض لمن سواهم من الأعيان وعسفهم فكتبوا إلى أبغا بذلك فبعث إليه يطلبه. ذكر ما دبر البرواناة في إخراج آجاي على ما كاتب به البرواناة اتفقا على أكل مال الروم وأنهما يشنآن بي ليخرجاني ويستبدان بها فكتب إليه من هو البرواناة حتى نسمع كلامه فيك، أمره إليك إن شئت أن تقتله وإن شئت أن تبقيه، وكان البرواناة لما بلغه أن آجاي بعث رسولاً في أمره جعل عليه عيناً عن عوده بالجواب فلما قدم الرسول أخذ إلى دار البرواناة وأنزل وأكرم وحمل إليه الخمر وأعطى بعض غلمانه دراهم وأمره أن يسرق الكتاب ويحمله إليه ليقف عليه ويعيده إليه ففعل ذلك، فلما وقف على الكتاب سارع في تجهيز هدية سنية بعث بها إلى أجاي ولاطفه بأعذار قبلها منه، ثم إن البرواناة أخذ خطوط وجوه أهل الروم بأن آجاي قد عزم على قتله وقتل تقونوين وتسليم البلاد لصاحب مصر فعاد الجواب باستدعاء آجاي وتقونوين والبرواناة ومرحسياً القسيس، والأمير سيف الدين طغان البكلربكي فخاف البرواناة من استصحاب سيف الدين فأقطعه أرزنكان وولاه كفالة السلطان غياث الدين ثم خرج فيمن بقي معه واستصحب معه كل من كان آجاي ظلمه وعسفه ليستصرخوا عليه عند أبغا فوصلوا إليه في ربيع الأول فلما مثلوا بين يديه وسمع شكوى

стр. 1013

المتظلمين أمر آجاي أن يقيم عنده وقتل من أصحابه سبعة أنفس وأنهى مرحسياً إلى أبغا أن البرواناة أقطع سيف الدين أرزنجان لكي لا أسكنها وإني إن أقتطعها حملت كل سنة خمس مائة فرس عليها خمس مائة فارس نجدة، فقال له تقونوين أنت تلبس البرنس ولا تليق الإقطاع إلا لمن يلبس السراقوج وإن كنت ترغب في الإقطاع فاخلع البرنس. وقال للبرواناة هذا يضيع كل سنة من أموال الروم شيئاً كثيراً لأنه يحمي من الفلاحين خلقاً يلبسهم البرانس فلا يؤدون الخراج ولا الجزية، فأمر أبغا أن لا يحمي أحد في سائر البلاد لمرحسياً إلا في أرزنجان لا غير لكونه ساكناً بها ثم عاد إلى الروم في ربيع الآخر، لما عاد البرواناة وتقونوين ومن معهما إلى بلاد الروم ورد عليهم أمر أبغا بخروجهم ونزولهم على قلعة البيرة فرحلوا قاصدين البيرة فنزلوا عليها يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة وعدتهم ثلاثون ألفاً، منهم خمسة عشر ألفاً من المغل مقدمهم تابشي وأقتاي نوين ومقدم عسكر الروم البرواناة، ومقدم عسكر ماردين وميافارقين شرف الدين عبد الله اللاوي، ومعهم من عساكر الموصل وشهرزور والعراق طوائف، فوصلوا إليها ونصبوا ثلاثة وعشرين منجنيقاً أفرنجياً والرامي به مسلم، ونصبوا من القلعة عليه منجنيقاً فلم يصبه حجره وكان يقع رائداً عنه فقال له الرامي المسلم، لو قطع الله من ساعدك ذراعاً كان أهل البيرة

стр. 1014

يستتركون منك لقلة معرفتك ففهم إشارته وقطع ذراعاً من ساعد المنجنيق ورمى به فأصاب المنجنيق فكسره، وخرج أهل البيرة في الليل وكبسوا العسكر فقتلوا الكثير ونهبوا وأحرقوا المنجنيقات وعادوا. وكان البرواناة لما نزل على البية بعث أربعمائة فارس يتجسسون أخبار الملك الظاهر ليقتلهم ويعمل السير إلى البيرة فإذا سمع بقدومه كبس عسكر المغل بمن معه من عسكر الروم وتوجه إلى الملك الظاهر فلما عبرت الأربعمائة الفرات إلى الشام وجدوا ثلاثة قصّاد وكتب معهم من الملك الظاهر، كتب إلى البرواناة تتضمن أننا وقفنا على ما كتبت به إلينا، وها نحن على أثر رسلك، فكن على أهبة فيما عزمت عليه من اجتماع الكلمة على العدو المخذول، فأحضروا القصّاد عند أقتاي نوين فعزم على قتل من في العسكر من المسلمين فأشار سمعان عليه أن لا يفعل فإنهم يلجأون إلى أهل البيرة فيقووا بهم على قتالنا فتتركهم إلى أن ننفصل ونرحل ونقتلهم في بعض الأماكن ونقتل معهم البرواناة فأمر بحملتهم إلى البرواناة فأنكرهم، وقال هذه مكيدة من صاحب سيس فقبلوا ذلك منه في الظاهر وقالوا شأنك والقصّاد فقتلهم وطاف برؤوسهم في العسكر ثم سيرت الكتب إلى أبغا من غير علم البرواناة، ولما امتد حصار القلعة وعصيانها أرسل أقتاي نوين إلى سيف الدين بكلربكي وحسام الدين بيجار يستشيرهما فأجاباه هذه القلعة حصينة وعساكر صاحبها قريبة وفيها ذخائر كثيرة وعساكرنا قد ضعفت من الغلاء والوباء والرأي الرحيل فرحلوا يوم السبت سابع عشر جمادى الآخرة بعد أن أحرقوا

стр. 1015

مجانيقهم ونهبوا أسواقهم بأيديهم. ولما بلغ الملك الظاهر وهو بدمشق نزول التتر على البيرة أنفق على العساكر فوق ستمائة ألف دينار، وخرج يوم السبت سابع عشر جمادى الآخرة وهو يوم رحيل التتر عن البيرة فاتصل به خبر رحيلهم بالقطيفة فنم إلى حمص وترادفت الأخبار عليه بتفريق شملهم فعاد إلى دمشق ودخلها يوم الخميس سلخه ثم خرج منها يوم السبت ثاني شهر رجب ومعه جميع العساكر ووصل القاهرة يوم الثلاثاء ثامن عشره وكان قد اجتمع بالقاهرة رسل الملك المظفر صاحب اليمن ورسل الأنبروز ورسل الجنوبين ورسل منكوتمر بن تولي خان بن جنكز خان ملك المسلمين من التتر ورسل العلان ورسل الأشكري وعدتهم خمسة وعشرون رسولاً فركبوا وتلقوا الملك الظاهر على بركة الجب ورجّلوا وقبلوا الأرض فسلم عليهم وأمرهم بالركوب ودخل القلعة. وأما البرواناة وعساكر الروم فإنهم استشعروا من أقتاي بسبب القصّاد فلما رحلوا عن البيرة فارقوهم وعبروا الفرات قاصدين ملطية وبلاد الروم فلما وصلوا أوطانهم تيقنوا أن لا مقام لهم في الروم مع التتر فأجمعوا رأيهم مع البرواناة على منابذتهم فاستحلف البرواناة حسام الدين بيجار النابتري وولده بهاء الدين مقطع ديار بكر وشرف الدين الخطير وضياء الدين محمود أخاه وأمين الدين ميكائيل على أن يكونوا مع الملك الظاهر يعادون من عاداه ويوالون من والاه فلما بلغ ذلك مجد الدين أتابك وجلال الدين المستوفي أنكرا على البرواناة ولما اطلع

стр. 1016

الأمير سيف الدين بكلربكي على ذلك لزم بيته ثم سير البرواناة رسولاً بنسخة اليمين بدعاء نور الدين بريز يطلب من الملك الظاهر عسكراً يستعين به وأن يكون السلطان غياث الدين على ما هو عليه من الجلوس من التخت على أن يحمل له ما كان يحمله إلى التتر فأجابه الملك الظاهر بالشكر والاعتذار بأن العسكر لا يمكنه الدخول إلى هذه البلاد إلا بعد انقضاء الربيع ويقع العزم على التوجه إليك إن شاء الله تعالى. ذكر استئصال شأفة النوبة كان داود ملك النوبة أغار على سرح عيذاب سنة إحدى وسبعين وقتل من فيها من التجار ووفد على الملك الظاهر شكدة ابن عم داود متظلماً منه وزعم أن الملك كان له وأنه تغلب عليه فلما استقر الملك الظاهر بقلعة الجبل بعد عوده من الشام تقدم إلى الأميرين عز الدين أفرم وشمس الدين الفارقاني بالمسير إلى النوبة وأصحبهما ثلاثمائة فارس وشكندة وأمرهما بتسليم البلاد إليه على أن يكون ربعها للملك الظاهر فخرجوا يوم الاثنين مستهل شعبان فوصلوا دنقلة في ثالث عشر شوال فخرج إليهم ملكها داود وأخوه جنكو ومن عندهما على النجب الصهب بأيديهم الحراب وليس عليهم ما يقي من السهام غير أكسية سود تسمى الدكاديك فانهزموا وقتل منهم مالا يحصى وأسر أكثر مما قتل، وبيع الرؤوس من السبي بثلاثة دراهم وعزلوا منهم ألف نفر للسلطان، وانهزم داؤد وقطع النيل بأمه وأخته إلى البر الغربي،

стр. 1017

ثم هرب في أثناء الليل إلى بعض الحصون فركب الأفرم والفارقاني بمن معهما وسارا في طلبه ثلاثة أيام مجدين فلما أحس بهم ترك أمه وأخته وابنة أخيه جنكو ونجا بنفسه وابنه وأخذوا حريمه ورجعوا إلى دنقلة وملكوا شكندة ورتبوه على كل بالغ في البلاد ديناراً في السنة جزية وأن يحمل إلى السلطان في كل سنة عدة كثيرة من الهجن والبقر والعبيد وقرروا مع صاحب بلاد الجبل وكان مبايناً لداؤد أن يكون دووبريم، وهما قلعتان حصينتان بغرب أسوان بينهما سبعة أيام خاصاً للملك الظاهر، وفوضوا إليه نيابة السلطنة فيهما ومتى قصده عدو نجدته العساكر، ثم عاد الأميران ومن معهما إلى القاهرة في خامس ذي الحجة ومعهما أخو الملك داود في برج بقلعة الجبل ثم وصل بعد أيام أم داؤد وأخته وابنة أخيه فحبسوا، ثم وصل السبي فبيع بمائة وعشرين ألف درهم، وأمر الملك الظاهر أن لا يباع منهم شيء على يهودي ولا على نصراني وأن لا يفرق بين المرأة وأولادها، ولما هرب الملك داؤد قصد صاحب الأنواب وهو ملك ملوك النوبة فقبض عليه وسيّره إلى الملك الظاهر فوصل يوم الثلاثاء ثاني المحرم سنة خمس وسبعين فحبس في بعض أبراج القلعة وتقدم السلطان إلى الصاحب بهاء الدين باستخدام عمال على ما يستخرج من الجزية والخراج بدنقلة وأعمالها وأن يجمّل إليها من فوض الصناع والفلاحين والبياعين. وفي العشر الآخر من شهر رجب شنق الطواشي شجاع الدين عنبر المعروف بصدر الباز، وسبب ذلك أنه كان من خواص الخدام المباشرين لدور الملك الظاهر فبلغه عنه أنه يشرب الخمر بالبلغة مع جماعة من الخدام

стр. 1018

فأحضره ليلاً وقام إليه بنفسه ولكمه وأمر بعض الفراشين بشد كتافه بطنب وشنقه بالميدان الأسود وشنق تلك الليلة خمسة من الأجناد كانوا تخلفوا عن العرض بحمص، وشفع في جماعة أخرى تخلفوا فحبسوا في خزانة البنود، وأمر بمن كان يحضر معه في الشراب من الخدام فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسملت أعينهم وكانوا أربعة عشر نفراً فمنهم من مات ومنهم من سلم. وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة عقد نكاح الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة بن الملك الظاهر على ابنة الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي بالإيوان في القلعة على صداق خمسة آلاف دينار المعجل منها ألفا دينار معاملة، وتوكل في قبول النكاح عن الملك السعيد الأمير بدر الدين الخزندار، وتوكل عن الأمير سيف الدين قلاوون في العقد شمس الدين الفارقاني، وجزى العقد بحضور الملك الظاهر والوزراء والقضاة وأعيان الشهود والأمراء وأعيان الأجناد، وكتب الصداق محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر وقرأه في المجلس فخلع عليه وأعطي مائة دينار. مضمون الصداق وصورته: الحمد لله موفق الأملاك لأسعد حركة، ومصدق الفأل لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصهره ملكه، الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانه نصيراً، وميز أقدارهم باصطفاء تأهيله حتى حازوا بغنى أو ملكاً كبيراً، وأقر فخارهم بتقريبه حتى أفاد شمس آمالهم ضياء وزاد قمرها نورا، وسربه وصلتهم حتى أصبح فضل الله عليهم بهاء عظيماً وأفضاله كثيرا، فهي أسباب التوفيق

стр. 1019

الآجلة والعاجلة وجاعل ربوع كل أملاك من الأملاك بالشموس والبدور والأهلة آهلة، جامع أطراف الفخار لذوي الإيثار حتى حصلت لهم النعمة الشاملة، وحلت عندهم البركة الكاملة. نحمده على أن أحسن عند الأولياء بالنعمة الاستيداع، وأجمل لتأملهم الاستطاع وكمّل لاختيارهم الأجناس من العز والانقطاع، وآتى آمالهم ما لم يكن في حساب من الابتداء بالتحويل والابتداع، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حسنة الأوضاع، ملئة بتشريف الألسنة وتشنيف الأسماع، ونصلي على سيدنا محمد الذي أعلى الله به الأقدار، وشرف به الموالي والأصهار، وجعل كرمه داراً لهم في كل دار، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرف الأنوار، صلى الله عليهم صلاة زاهية الأزهار يانعة الثمار. وبعد فلو كان اتصال كل شيء بحسب المتصل به في تفضيله لما استصلح البدر شيئاً من المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئاً من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لساناً لترتيله، ولا الجوهر الثمين شيئاً من التيجان لحلوله، لكن ليشرف بيت يحل به القمر، ونبت يزوره المطر، وكذلك تجملت برسول الله ﷺ أصهاره من أصحابه، وتشرفت أنسابهم بأنسابه، وتزوج ﷺ وتمت لهم قربة الفخار، حتى رضوا عن الله رضي عنهم. والمترتب على هذه القاعدة إفاضة نور يستمده الوجود، وتقرير أمر يقارن الأخبية منه سعد السعود، وإظهار خطبة تقول الثريا لانتظام

стр. 1020

عقودها، وكيف وإبرام وصله يتجمل بترصيع جوهرها متن السيف، الذي يغبطه في إيداع هذه الجوهرة كل سيف، ونسيج صهارة يتم بها إن شاء الله كل أمر شديد ويتفق بها كل توفيق تخلق الأيام وهو جديد، ويختار لها أبرك طالع وكيف لا تكون البركة في ذلك الطالع وهو سعيد. وذاك بأن المراسيم الشريفة السلطانية أرادت أن تخص المجلس السامي الأميري ونعوته بالإحسان المبتكر تفرده بالموهبة التي يرهف بها منه الحد المنتضى ويعظم الجد المنتظر، وأن يرفع من قدره بالصهارة مثل ما رفعه النبي ﷺ من قدر صاحبيه صهريه أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فخطب إليه أسعد البرية، وأمنع من تحميها السيوف وأعز من تسبل عليها ستور الصون الخفية، وتضرب دونها خدود الجلالة الرضية، ويتجمل بنعوتها العقود وكيف لا وهي الدرة الألفية، فقال والدها المذكور، هكذا ترفع الأقدار وتزان، وكذا يكون قران السعد وسعد القران، وما أسعد روضاً أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميلة وأشرف سيفاً غدت منطقة بروج سمائها له حميلة وما أعظمها موهبة أبت للأولياء من لدنها سلطاناً، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا، وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لسرعة إبرامها ليت، ولسرفها عبودية كرمت سلماتها بأن جعلته من أهل البيت. شوإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر الملوك، وخصصته بهذه المرتبة التي يتقاصر عنها آمال أكابر الملوك، فالأمر لمليك البسيطة في رفع درجات عبيده كيف يشاء، والتصدق بما يتفوه به هذا
следующие страницы →