← Акыда

Акыда · id 12723

رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا

محمد رشيد رضا

Полный текст (359 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا]ـ المؤلف: محمد رشيد رضا ﵀ الناشر: دار المنار، القاهرة الطبعة: الثانية، ١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة (حقائق دينية تاريخية اجتماعية إصلاحية) بقلم: السيد الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى وغفر له الطبعة السابقة للكتاب: كانت في سنة ١٣٦٦ هـ (١٩٤٧ م) تخريج وتعليق: محمد بن أحمد بن محمد العَبّاد اعتراف وشكر وتقدير أتوجه بالشكر الجزيل إلى المشايخ الذين التقيت بهم واستفدت منهم وتعلمت على أيديهم ما أرجو أن ينفعني الله به مما يخص موضوع هذا الكتاب. وعلى رأسهم فضيلة الشيخ عثمان بن محمد الخميس حفظه الله الذي لا يوفي حقه مثل هذه السطور، وكذلك الشيخ محمد سالم الخضر حفظه الله، وخاصة في كتابه القيم " ثم أبصرت الحقيقة ". كما أشكر الشيخ الذي وإن كنتُ وإياه لم نَتعارَفْ ترائياً، ولم نَتَلاقَ تدانِياً، إلا أن فضله لديَّ كالمُشاهَد، وشخصه في نفسي غير متباعد إنه الشيخ الفاضل الدكتور طه حامد الدليمي حفظه الله صاحب التصانيف الجامعة والكلمات النافعة ومعه أيضاً الشيخان الفاضلان علاء الدين البصير، وعبد الملك الشافعي حفظهما الله أصحاب المؤلفات ذات الطابع التجديدي غير التقليدي. والاعتراف والشكر والتقدير كذلك متوجه إلى الجهود المبرورة التي يبذلها القائمون على المواقع الإسلامية الحريصة على الدعوة بالحسنى إلى الدعوة الحسنى، ومنها: موقع أنصار آل محمد ﵊:http://www.ansaaar.com موقع الشيخ فيصل نور: www.fnoor.com موقع البرهان: www.alburhan.com كما أشكر جميع الأخوة في الله ممن استحَثَّ خُطاي للإسراع في إخراج هذا الكتاب راجياً أن يكون العمل خالصاً لوجه الله الكريم وأن يكون عند حسن ظن الإخوة القراء الكرام

стр. 3

مقدمة المعتني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ ، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساء لون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ ، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ ، أما بعد: فأضع بين يديك أخي القارئ الكريم أول نتاجٍ لهذه السلسلة - التي أرجو الله سبحانه أن يجعلها مباركة - من مكتبة مؤلفات الإمام محمد رشيد رضا ﵀. ونفتتحها بهذا الكتاب عن " السنة والشيعة " الذي خضع لظروف تاريخية أنتجت لنا هذا الكتاب حول "الخلافات بين السنة والشيعة" للشيخ محمد رشيد رضا. إنها تلك الفترة التي حكم فيها الملك عبد العزيز آل سعود الدولة السعودية كأول دولة سنية بعد انهيار الخلافة العثمانية، وبالتزامن مع ظهور تيارين معارضين لقيامها هما: التيار العلماني، والتيار الشيعي الرافضي. أما السبب المباشر لتأليف الكتاب، فهو نشر مجلة " العرفان " اللبنانية مجموعة من المقالات، التي حاولت فيها التفريق بين المسلمين السنة والدعوة الوهابية كما تُسمى عند البعض، وصَوَّرت الدعوة الوهابية بما لا يتفق مع الإسلام وعقائده. وكذلك تأليف المرجع الشيعي اللبناني محسن الأمين العاملي رسالة سماها "الحصون المنيعة في الرد على ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة" وهي رد على مقال نشره رشيد رضا للرحالة محمد كامل الرافعي البغدادي رصد فيه بعض محاولات علماء الشيعة بث التشيع بين بدو العرب عن طريق إغرائهم بنكاح المتعة. ومع أن رشيد رضا دائم التأكيد على تمسكه بمشروعه الإصلاحي في ما يقول ويكتب، وهو ما يقوم أصلا على محاربة التعصب المذهبي، الأمر الذي لم يدفعه للرد على مجلة العرفان ورسالة العاملي في البداية، إلا انه رأى في الكتاب الثاني للعاملي "الرد على الوهابية" الذي ملأه بالأباطيل على أهل السنة، وانتصر فيه للثقافة القبورية، وهاجم فيه دولة آل سعود السنية الفتية، أمرا يجب التنبيه عليه من صاحب المنار، سيما أنه رأى أن كتابات العاملي ستلحق ضررا كبيرا بعقائد المسلمين إذا تم السكوت عليها. ثم أتبع الشيخ رحمه ذلك بذكر بعض ردود الأفعال تجاه ردِّه وذكر بعض المواقف التي وقعت له مع بعض كبراء الشيعة وعلى رأسهم محمد حسين آل كاشف الغطاء. وسيخلص القارئ لكتاب "الخلافات بين السنة والشيعة" إلى أن تلك العقيدة التي تحدث عنها الكتاب تتكئ اتكاء كبيرا على فكرة المادية النفعية التي حاربها القرآن، وذلك من خلال صياغة نظريات وضعية تكرس الجهل العام والثقافة العدائية التفريقية (١) ، كما تكرس الطقوس القبورية والخرافية، وتمارس استفزاز الغرائز والشهوات البشرية لبلوغ أكبر قدر من الحصاد المادي باسم محبة آل البيت. وبناء على هذا البون العقدي الواسع بين السنة والشيعة، يأتي هذا الكتاب بمثابة إعلان يأس رشيد رضا في التوصل إلى أي مقاربة مع الرافضة ضمن مشروعه الإصلاحي، بل ويعلن القطيعة معهم، بعد أن خاض تجربته المريرة مع علماء مجتهدين منهم - كما يقال عنهم - بادروه التقية في مسألة الوحدة الإسلامية بعد انهيار الخلافة العثمانية، ولكن سرعان ما تعصبوا لضلالاتهم وكشفوا عن الوجه العدائي الحقيقي لأهل السنة بعد قيام أول حاضنة عقدية لهم في دولة آل سعود. (٢) وقد كانت آخر طبعة للكتاب - حسب علمي - في سنة ١٣٦٦ هـ (١٩٤٧ م) ، فتأمل! فلذلك أحببت إعادة طباعة الكتاب مع التعليق عليه بما - أحسب أنه - يتناسب مع مكانة الكتاب ومؤلفه كما يتناسب ما نعيشه اليوم من أطروحات: ١ - فقمت بتخريج الأحاديث وتوثيق المسائل والأقوال التي حكاها الشيخ ﵀ سواء عن الشيعة من كتبهم ومن المصادر الأصلية، وكذلك ما حكاه عن المستشرقين بل وحتى عن علماء النفس وغيرهم كل ذلك قدر المستطاع. ٢ - قمت ببيان مواضع أقوال المؤلف ﵀ في مجلة المنار في المواضيع التي تم التطرق إليها في الكتاب قدر المستطاع. ٣ - ما كان من تعليقات المؤلف في الحاشية نبهت عليه بوضع حرف (ر) آخر كل تعليق له، وما كان من تعليقات الآلوسي نبهت عليه بوضع حرف (أ) . ٤ - جعلت توثيق الجزء والصفحة أو رقم الرواية التي ذكر المؤلف مصدرها بجانب المصدر بين معكوفتين [] . وأما ما يخص ترجمة المصنف ﵀ فقد أوجزت الكلام حولها في هذه الرسالة إلا أني توسعت فيها في ترتيبي لفتاوى الإمام رشيد رضا الذي سيرى النور عما قريب بحول الله تعالى. وأرجو أن يسامحني أخي القارئ الكريم إن كان يرى أن هذه التعليقات قد أثقلت الكتاب بكثرتها وطولها أحياناً، إلا أني أرجو أن يكون عذري في هذا تتميم جهد المؤلف ﵀ وفائدة القارئ، خاصة من خلال توثيق كثير من المسائل التي ظن بعض الشيعة الاثنا عشرية الذين ردوا على الشيخ ﵀ أنها لم تكن سوى ((محض افتراء إذ لم ينسبها إلى كتاب معتبر)) (٣) . لذا فإن من أهم مقاصد المعلق على هذا الكتاب - الذي بين يديك أخي القارئ - الدفاع عن الكتاب ومؤلفه أمام تلك الكتابات التي اتهمته بالكذب والافتراء على الطائفة تارة، وبالنصب وبغض أهل البيت تارات أخرى! فكانت النتيجة هي غمطهم حق الشيخ وقراءة هذا الكتاب بهدف الرد والطعن في المؤلف ﵀. فأرجو الله سبحانه وأسأله بفضله أن ييسر أمر من يتقبل هذه الرسالة ويطالعها بعقل، ويبحث بين أسطرها عن الحق، أو على الأقل عن عيوبه لكي يصلحها. اللهم، رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير، والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه: محمد أحمد العباد نبذة موجزة عن المؤلف ﵀: ولد المؤلف في قرية القلمون التابعة لطرابلس الشام بلبنان في سنة (١٢٨٢هـ = ١٨٦٥م) ، وهاجر ﵀ من لبنان إلى القاهرة سنة (١٣١٥هـ = ١٨٩٨م) واتخذها مستقرًا له. وقد كان له أثر بالغ في شتى أقطار المسلمين، وكذلك كانت له أسفارٌ وزيارات إلى العديد من الأقطار الإسلامية، ومنها زيارته إلى الكويت حيث كانت تربطه روابطُ - آكدها رابطة العقيدة - إضافة لما تحمله الأرواح المؤتلفة من المودة والمحبة مع العديد من الشخصيات الكويتية. وهنا أدع الشيخ رشيد رضا ﵀ ليحدثنا عن بعض أحداث زيارته للكويت، فيقول (٤) : ((جَرَت السفينة بنا من "مسقط" ظهر يوم الاثنين، وهي - أي: السفينة - إنكليزية، تقطع في الساعة ١٢ ميلاً فقط، وفي ضحوة اليوم الثاني خرجت بنا عن محاذاة جبال عمان ودخلت في الخليج الفارسي فصرنا نرى بر فارس عن اليمين وبر العرب عن اليسار، ووقفت بنا فجر يوم الخميس في موضع من عرض البحر كان ينتظرنا فيها مركب شراعي كبير أرسله إلينا الشيخ مبارك الصباح صاحب الكويت، وكان عَلِم بأننا نصل إليه في هذا الوقت في هذه الباخرة مما كُتِبَ إليه من بُمْبَي ومسقط، فنزلنا فيه قبل طلوع الشمس فأقلع بنا والريح لينة والبحر رهو. ثم قويت الريح قليلاً في النهار فبلغ بنا الكويت قبل غروب الشمس، وكان رجال الشيخ مبارك حملوا فيه خروفين كبيرين وكثيرًا من الحلوى والمشمش والخيار فأفطرنا وتغدينا فيه. وقد استقبلنا أولاد الشيخ مبارك وبعض الوجهاء في زورق صغير خارج الميناء. أنزلني الشيخ مبارك في قصره الجديد الذي هو قصر الإمارة وتولى مؤانستي ومجالستي في عامة أوقاته في مدارسة العلم ومراجعة الكتب حتى صار له مشاركة جيدة في جميع العلوم الإسلامية، وأقمت في الكويت أسبوعًا كنت كل يوم ما عدا يوم البريد، ألقي فيه خطابًا وعظيًّا في أكبر مساجد البلد فيكتظ الجامع بالناس، وكان يحضر مجلسي كل يوم وليلة وجهاء البلد من أهل التقوى وحب العلم يسألون عما يشكل عليهم من أمر دينهم. وأما الشيخ ناصر (٥) فكان يسأل عن دقائق العلوم في العقائد والأصول والفقه وغير ذلك، على أنه لم يتلقَ عن الأساتذة (٦) فهو من مظاهر الذكاء العربي النادر)) . كما كان للشيخ عبد العزيز العتيقي ﵀ (توفي عام ١٣٨٨ هـ) مراسلات مع الشيخ رشيد رضا. (٧) وكذلك له علاقة مع الشيخ المؤرخ عبد العزيز الرشيد حيث قال ﵀ عن مجلة "التوحيد": ((جريدة دينية أدبية يصدرها في سنغافورة الأستاذ الفاضل الشهير الشيخ عبد العزيز الرشيد صاحب مجلة الكويت التي كان يصدرها في الكويت من قبل، والأستاذ كاتب عالم معتدل فنتمنى لصحيفته الرواج)) . (٨) وقال عن مجلة (الكويت) : ((مجلة دينية تاريخية أدبية شهرية صدر الجزء الأول من هذه المجلة في مدينة الكويت لمحررها الأديب الفاضل الشيخ عبد العزيز الرشيد المعروف من خيرة أدباء تلك البلاد العربية العزيزة، فألفيناه وقد تناول المواضيع الإصلاحية الدينية بعناية تنم عن مشربه الحسن في الإصلاح الديني. . . فنرجو (للكويت) تقدمًا مضطردًا ورواجًا يليق بهمة وإخلاص منشئها الفاضل)) . (٩) ويقول الشيخ يوسف بن عيسى القناعي ﵀: ((وكان لمؤلفات الإمامين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومجلة "المنار" الغراء أكثر أثر في إنارة السبيل أمامي وإماطة الستار الذي أبصرت من خلفه الحق واضحاً فتغيرت بعده كل ما ألفته مما لا يتفق مع الدين في شيء)) . (١٠) من مؤلفاته وكتبه: لقد استغرقت مجلة المنار معظم جهود الشيخ رشيد رضا، حيث كان يكتب أغلب ما ينشر في المنار، وكان لا يوقع على مقالاته، وبحوثه فيها باستثناء الافتتاحية، ويقرر هو أن كل ما كتب في المنار دون إمضاء فهو من تأليفه. وعلى صفحات المجلة استكمل التفسير الذي بدأه شيخه محمد عبده وتوقف عند الآية (١٢٥) من سورة النساء، ثم واصل التفسير حتى كانت خاتمته الحسنى التي انتهى إليها على ما علمه الخاص والعام في قول يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ، ويُعدّ هذا التفسير من أجلّ التفاسير على الرغم من عدم اكتماله، وقد استخرج هذا التفسير من المجلة وطبع مستقلاً تحت عنوان تفسير المنار في ١٢ مجلدًا، وله أيضًا: محاورات المصلح والمقلد نداء للجنس اللطيف الخلافة شبهات النصارى وحجج الإسلام. السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة، وهو كتابنا هذا. مناسك الحج، وغير ذلك. وفاته: كان للشيخ رشيد رضا علاقات وثيقة في شتى أنحاء الدول العربية، خاصة مع رجالات العرب ومصلحيها, وذات يوم وهو في رحلة عودته من وداع الأمير سعود بن عبد العزيز بالسويس أصيب بنوبة قلبية توفي على إثرها في ٢٣ جمادى الأولى ١٣٥٤هـ ـ ٢٢ أغسطس ١٩٣٥م، وقد جاوز السبعين من العمر. وأختم الترجمة الموجزة بعبارةٍ موجزة تؤكد ما ابتدأتُ به حول الأثر العظيم والمهم للمؤلف ﵀ لصالح أمته، والعبارة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني حيث قال ﵀: ((السيد محمد رشيد رضا، ﵀ له فضل كبير على العالم الإسلامي، بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بوساطة مجلته المنار،..)) (١١) . اهـ

стр. 4

مقدمة رسائل السنة والشيعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٥٩) ، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣٠-٣٢) .

стр. 5

بَرَّأَ اللهُ ورسولَه محمدًا خاتم النبيين ﷺ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا ونهى عباده المؤمنين من هذه الأمة المحمدية وحذَّرهم أن يكونوا من المشركين الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا، ولكن التفرق في الدين إلى الشيع والأحزاب كالتفرق في السياسة سنة من سنن الاجتماع تابعة لدأبهم في الاتباع والابتداع. *** تاريخ التشيع ومذاهب الشيعة كان التشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁ مبدأ تفرق هذه الأمة المحمدية في دينها وفي سياستها، وكان مبتدع أصوله يهودي اسمه عبد الله بن سبأ (١) أظهر الإسلام خداعًا للمسلمين ودعا إلى الغلو في علي كرَّم الله وجه لأجل تفريق هذه الأمة وإفساد دينها ودنياها عليها كما فعل أمثاله في النصرانية قديمًا وحديثًا، وسبب ذلك ما كان من العداوة والقتال بين قومه اليهود وبين النبي صلوات الله وسلامه عليه وكانوا هم المعتدين فيه، وقد انتهى ذلك بنصر الله تعالى لرسوله

стр. 6

عليهم وإخراجهم من جواره في مدينته ودار هجرته، ثم أجلى عمر بن الخطاب الخليفة الثاني بعده من بقي منهم في أرض الحجاز. ابتدع هذا اليهودي بدعته، وأعانه عليها آخرون من أهل ملته، أظهروا الإسلام نفاقًا ليقبل المسلمون أقوالهم الخادعة، ومنها وضع الأحاديث وغش رواة التفسير بالخرافات الإسرائيلية وغير ذلك. بيد أن العداوة بين المسلمين واليهود لم تطل عليها الأمد؛ لأن اليهود كانوا مظلومين مُضطهدين في وطنهم القديم في البلاد المقدسة وما جاورها، وفي البلاد التي تفرقوا فيها، فلما فتح المسلمون الأمصار في الشرق والغرب رفعوا عنهم الظلم الذي أرهقهم من نصارى الروم والقوط وعاملوهم بالعدل والرحمة كالمسلمين وغيرهم فكفوا عن الكيد لهم وفضلوا سلطانهم على كل سلطان. (١) ولكن بدعة التشيع كانت قد سرت وانتشرت في المسلمين

стр. 7

بالدعاية السرية، وكانت أقوى الأسباب في العداوة السياسية بين كبراء الصحابة ﵃ بما كان مما يسمى في عرف هذا العصر بسوء التفاهم وحسن النية، ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلاً يرى مبلغ تأثير إفساد السبئيين لذات البَيْن، وحَيْلُولَتهم بالمكر والفساد دون ما كاد يقع من الصلح (١) . لولا أن خلف زنادقة الفرس هؤلاء السبئيين، في إدارة دعاية التفريق بين المسلمين، بالتشيع والغلو في علي وأولاده وأحفاده الطاهرين ﵃ لزال خطرها بعد ترك اليهود لزعامتها السرية، ولكن الخليفتين الجليلين أبا بكر وعمر ﵁ حاربا الفرس وتم للثاني فتح جُلّ بلادهم وثَلُّ عرش كسرى والقضاء على ديانتهم المجوسية، فأحفظ ذلك قلوب أمرائهم وزعمائهم من رجال الدين والدنيا، وليس لذي

стр. 8

العجز عن الثأر بالقوة الحربية إلا المكايد السرية، فتولى مهرة رجال الفرس أمرها وكانوا أجدر بها وأهلها، فمنهم من تولى السعي لإفساد دين العرب الذي انتصروا بتعاليمه وجمعه لكلمتهم على الفرس وغيرهم، ومنهم من تولى السعي للإفساد السياسي بتحويل الخلافة إلى العلويين، ولما لم يجدوا منهم لزهدهم في الدنيا من يواتيهم على كل عمل ولو غير مشروع في الدين حولوها إلى العباسيين، ثم صاروا يكيدون للعباسيين بما كان أغرب طرقهم فيه ما قام به البرامكة من جعل جميع إدارة ملك الرشيد الواسع وسياستهم في أيديهم، حتى تنبَّه لذلك فبطش بطشته الكبرى بهم، وكانوا قد ملكوا عليه سويداء قلبه، مع قبضهم على أزمة ملكه. (١) وكان أذكى من فطن لدسائس البرامكة وإلحاد الشيعة الباطنية ووقف على كثير من دقائقه العلامة المحقق القاضي أبو بكر بن العربي الأندلسي كما نوَّه به في رحلته وفي كتاب العواصم والقواصم، ويليه حكيم الإسلام ابن خلدون فقد أشار إليه في مقدمة تاريخه.

стр. 9

كان من تعليم غلاة الشيعة بدعة عصمة الأئمة الذين استخدموا أسماءهم وشهرتهم لترويج سياستهم، وبدعة تحريف القرآن والنقص منه بفريتهم ثم البدع المتعلقة بالقائم المنتظر محمد المهدي وكونه هو الذي يظهر القرآن التام الصحيح الذي يزعمون أن عليًّا كتبه بيده بعد وفاة النبي ﷺ . (١) وفتحهم أبواب التأويلات لنصوصه بما لا يتفق مع شيء من قواعد اللغة، فكان قدوة سيئة لجميع المبتدعة، دع قول بعضهم بألوهية بعض أئمة أهل البيت الموروثة عند الإسماعيلية وغير الموروثة عند غيرهم من الباطنية، ثم دع كون غايتهم بعد الوصول إلى آخر درجات الدعوة الكفر الصريح كما تراه مبسوطًا في خطط المقريزي [٣ / ٤٢١ - ٤٢٤ ط: مدبولي] وغيره. وأهم ما يجب بيانه في هذه المقدمة: أنه كان بين من أطلق عليهم لَقَبُ الشيعة أو وَصْفُ التشيع على اختلاف تعاليمهم وعقائدهم الظاهرة والباطنة أناس من أهل السنة والجماعة وكانوا يرون أن عليًّا ﵁ أحق بالخلافة من غيره، ومنهم

стр. 10

من يرى أنه أفضل من سائر الصحابة أو يفضله على من دون الشيخين، ويرون أنه أحق بالخلافة من عثمان لا من أبي بكر وعمر، ولكن لم يقل أحد من هؤلاء ببطلان خلافة الثلاثة، وكان عدد هؤلاء قليلاً من السلف والخلف، ولكن السواد الأعظم من أهل السنة سلفهم وخلفهم يعتقدون أن معاوية كان باغيًا على الإمام الحق أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وإن قدر بدهائه وسياسته على تأليف قوة عظيمة له، ولكن الجمهور تأولوا له بأنه كان مجتهدًا أخطأ في اجتهاده. والغرض من ذكر هذا أن اسم الشيعة كان يطلق على: - بعض أهل السنة والجماعة. - وعلى كثير من المبتدعة الذين حافظوا على أركان الإسلام الخمسة. - وعلى فرق زنادقة الباطنية حتى إن بعض كبراء علماء الإمامية حاول جعل فرقة الشيعة ٧٣ فرقة وفسر بذلك الحديث الذي ورد بافتراق هذه الأمة إليها ليخرج أهل السنة والجماعة التي هي السواد الأعظم من أمة محمد ﷺ . (١)

стр. 11

وقد انقسم الشيعة الذين يحافظون على أركان الإسلام إلى: غلاة أطلق عليهم اسم الرافضة. وإلى معتدلين وهو الذي خص أكثرهم باسم الزيدية لاتباعهم للإمام زيد بن علي ﵁ الذي أبى على الغلاة البراءة من أبي بكر وعمر ﵄ فرفضوه ويوجد معتدلون في غيرهم أيضًا. ومن الغريب أن يشتبه أمر زنادقة الباطنية على كثير من مسلمي الشيعة حتى أهل العلم والذكاء منهم كالشريف الراضي المشهور باعتداله في شيعيته الذي قال: ألبس الذل في ديار الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي من أبوه أبي ومولاه مولاي ... إذا ضامني البعيد القصيّ لف عرقي بعرقه سيد الناس ... جميعًا محمد وعلي إن ذلي بذلك الجو عز ... وأوامي بذلك النقع ريّ (١) فالمراد بالأعادي عنده الخلفاء العباسيون أبناء عمومته وكان الخليفة العباسي يعامله معاملة الأقران حتى إنه كان يفتخر عليه

стр. 12

مخاطبًا له بمثل الأبيات التي أنشدها الخليفة القادر بالله في آخر قصيدة يمدحه بها: مهلاً أمير المؤمنين فإننا ... في دوحة العلياء لا نتفرق ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبداً كلانا في المفاخر معرق إلا الخلافة ميزتك فإنني ... أنا عاطل منها وأنت مطوّق فلهذا الاختلاط ترى في تراجم المحدثين والعلماء والأدباء والشعراء أسماء رجال كثيرين وصفوا بالتشيع؛ إذ كان هذا الوصف يطلق كثيرًا على من عرفوا بالمبالغة في حب آل البيت النبوي ﵈ ومدحهم وذم الظالمين لهم، وإن لم يكن أحد منهم على مذهب أحد من الشيعة المعتدلين كالزيدية ولا روافض الإمامية، فضلاً عن كونهم من زنادقة الباطنية، بل منهم المجتهد المستقل والمنسوب لأحد مذاهب أهل السنة. والشيعة الإمامية منهم معتدلون قريبون من الزيدية،

стр. 13

ومنهم غلاة قريبون من الباطنية، وهم الذين لقحوا ببعض تعاليمهم الإلحادية، كالقول بتحريف القرآن وكتمان بعض آياته، وأغربها في زعمهم سورة خاصة بأهل البيت يتناقلونها بينهم حتى كتب إلينا سائح سني مرة أنه سمع بعض خطبائهم في بلد من بلاد إيران يقرؤها يوم الجمعة على المنبر وقد نقلها عنهم بعض دعاة النصرانية (المبشرين) . (١) فهؤلاء الإمامية الاثني عشرية ويلقبون بالجعفرية درجات، وينقسم جمهورهم إلى أصوليين وإخباريين: فالأصوليون: هم الذين يعرضون ما يروى من أخبار الأئمة على أصول وضعها المتقدمون فينقلون منها ما وافقها ويردون ما خالفها. والإخباريون: هم الذين يتلقون جميع تلك الأخبار بالقبول، وإن خالفت المعقول، وما عند أهل السنة والجماعة من المنقول، وهدمت الفروع مع الأصول. وحدث في المتأخرين

стр. 14

منهم مذاهب أخرى كالكشفية (١) ، ولهم في الدين فلسفة غريبة، ويرد عليهم الشهاب الآلوسي في تفسيره (روح المعاني) . ولهذا الاستعداد في الإمامية للغلو وقرب الكثيرين منهم من زندقة الباطنية ظهرت منهم وراجت فيهم بدعة البابية ثم البهائية الذين يقولون بألوهية البهاء ونسخه لدين الإسلام وإبطاله لجميع مذاهبه. وقد نقل الإمام (المقبلي) في العلم الشامخ (٢) عن بعض العلماء أنه قال: ائتني بزيدي صغير أُخْرِج لك منه رافضيًّا كبيرًا، وائتني برافضي صغير أخرج لك منه زنديقًا كبيرًا، قال: يريد أن مذهب الزيدية يجر إلى الرفض، والرفض يجر إلى الزندقة. اهـ (٣) والمقبلي سلم هذا في أفرادٍ من الزيدية رَدَّ عليهم، لا في جملتهم. ***

стр. 15

سعينا للتأليف بين أهل السنة والشيعة كان من قواعد الإصلاح التي وضعها حكيم الإسلام في هذا العصر وموقظ الشرق السيد جمال الدين الأفغاني رحمه الله تعالى وجوب السعي لجميع المسلمين والتأليف بين فِرَقهم التي يجمعها الإيمان بالقرآن المجيد المعصوم ورسالة محمد خاتم النبيين ﷺ ، والاستعانة على ذلك بالسياسة التي كانت السبب الأول لهذا التفرق الذي ألبس بعد ذلك لباس الدين، ولكن كما يلبس الفرو مقلوبًا (١) ، فكانت سبب ضعف جميع الفرق، ومن أهم أسباب ضعفهم وسلب الأجانب لملكهم. ولا أعرف أحدًا عُني بعد السيد المصلح ﵀ بهذا السعي كما عُنِيَ به هذا العاجز (منشئ المنار) في أسفاره ومقامه في هذه البلاد الحرة أدام الله عمرانها، وأتم لها استقلالها،

стр. 16

وفي المنار كثير من الدلائل والشواهد على هذا، منها تقريظ له من أحد علماء الشيعة الفضلاء في سورية نشر في الجزء الثاني من مجلده السابع الذي صدر في ١٦المحرم سنة ١٣٢٢ ص ٦٦ - ٦٨ كتم اسمه في ذلك الوقت لتشديد الدولة في منع المنار من بلادها وعقاب من يوجد عنده، ومما قال في المنار: *** أقوال العلماء الشيعة وساستهم في المنار وصاحبه حسنة هذه الأيام، ونتيجة سعد هذا الدور (منار الإسلام) بل الساطع في كافة الأنام، والماحي بلألائه حنادس الظلام، ولا بدع إذا انبثق من فرع زيتونة يكاد زيتها يضيء ولو لم يمسسه نار، وغصن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ومن طابت أرومته، وزكت جرثومته فهو الجدير بأن يحلو جناه، وتعرب عن طيب أصله أقواله وسجاياه. ومما استعذبته منه - وكله عذب سائغ - تأليفكم بين فرق

стр. 17

الإسلام ورفع الوحشة التي نشأت عليها أحداث الأمة في الأعصر الأواخر وفشت بين العامة والخاصة حتى فتت في عضد الاجتماع وحلت عرى الارتباط..)) إلخ. ثم قال في آخره: ((وحقيق بحملة العلم في كل قطر أن ترفع أيدي الابتهال إلى ذي العزة والجلال بالدعاء لكم بدوام التأييد والمجد، والتوفيق لنصر الدين وإيضاح الحق ودَحْض الباطل وإرشاد الضال، وجمع الكلمة وإحكام الألفة بين المسلمين إنه على ذلك قدير بالإجابة جدير، آمين آمين)) . ولما أعلن الشاه مظفر الدين حكومة الشورى النيابية في إيران نوَّهْنَا بعمله في (م٧، ٨ من المنار) وفضلناه بها على سائر ملوك المسلمين، وإن عارض ذلك بعض علمائهم المتعصبين الجامدين (١) ، إذ بيَّنا أن حكومة الشورى هي حكومة القرآن، فإذا نفذتها حكومة إيران تكون هي الحكومة الإسلامية الوحيدة. ثم نشرنا في ج١٢م٩ رسالة جاءتنا من طهران فيما كان من تأثير ما كتبه المنار في تلك العاصمة ذكر فيها مرسلها

стр. 18

أن الجرائد الفارسية ترجمت مقالتنا (الشورى في بلاد إيران) فاعترض عليها سفير الدولة العثمانية الأمير شمس الدين بك وكتب بذلك إلى وزير الخارجية (علاء السلطنة) كتابًا أغلظ فيه، وزعم أن ما نقلته الجرائد عن المنار أسباب يلقيها أعداء الدولة لإيقاع النفاق بين الدولتين، وإحداث الشقاق بين الفريقين إلخ، وذكر أن وزير خارجية إيران أجاب السفير التركي بأن كاتب المقالة ليس من رعيتهم حتى يؤاخذوه ... إلخ. ومما قاله صاحب هذه الرسالة في أولها: إن أول من ترجم مقالة المنار هو ذكاء الملك في جريدته (تربيت) فنبه علماء الفرس وسواسهم وذكر لهم بعد الترجمة (أن منزلة ومقام حضرة حكيم الإسلام وفيلسوفه السيد محمد رشيد رضا عند جميع أهل الأقطار من المسلمين وخصوصًا العرب الكرام بمنزلة مائة عالم مجتهد من أهل التشيع، فاغتنموا الفرص وفكروا أيها السواس في مقالة هذا الحبر واقرءوها على المنابر وفي المعابر) .

стр. 19

وذكر صاحب الرسالة أن صاحب جريدة (مجلس) نقل الترجمة وما قالته جريدة (تربيت) في جريدته، وإنها جريدة يقرؤها في طهران وسائر إيران الكبير والصغير والذكر والأنثى، وإن مديرها السيد محمد صادق نجل السيد محمد الطباطبائي المجتهد الشهير. وذكر أيضًا أنه حضر في إثر ذلك مجلسًا غاصًّا بطلاب العلوم الدينية في طهران فتذاكروا في المسألة وما جرى بين السفير التركي ووزير خارجيتهم فقام أحدهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه وكان مما قاله: (انفتحت علينا أوربة وأتانا أهلها من كل حَدَب ينسلون: هذا تاجر وهذا سائح وهذا حكيم والآخر داعٍ إلى دينه والقصد من الكل ابتلاعنا معاشر أهل الإسلام، فإن تيقظتم وإلا فأنتم صبوحهم ونحن غبوقهم لا سمح الله بذلك. أيها الترك! تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا نتخذ المستبدين أربابًا من دون الله طاعتهم كطاعته ومعصيتهم كمعصيته، بل نجادلهم بالسيف

стр. 20

والسنان، والقلب واللسان، فإن توليتم فنشهدكم بأنا مسلمون ونبرأ إلى الله من المستبدين الخائنين، ومستمسكون بقوله عز من قائل في وصف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: ٣٨) وهم الذين قال فيهم: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] )) . اهـ هذا مثال مما كنا ندعو إليه ونسعى له سعيه من جمع كلمة المسلمين، وتأييد المحسنين منهم وتفنيد المسيئين، ولا نزال كذلك إن شاء الله تعالى حتى يأتينا اليقين، ولكن هذا الذي أرضى عنا جماعة المسلمين المنصفين، قد أغضب علينا المتعصبين المفرقين، وإنما اشتد علينا غضبهم في هذه السنين، بعد أن أظهر الله تعالى دولة السنة باستيلاء إمامها عبد العزيز آل سعود على مهد الإسلام، وقيامه بإحياء السنن، وهدم مباني البدع، فأيدناه ودافعنا عنه كما يجب علينا شرعًا، وكما شرعنا من قبل في تأييد دولة الشاه مظفر الدين الشيعية فيما كنا ندعو إليه الدولة العثمانية،

стр. 21

من إقامة حكومة الشورى الإسلامية، على ما بين الحكومتين من البَوْن البَيِّن، وما بين الشعبين من الفرقان المبين وليس بهين، فكان خصومنا في تأييد دولة السنة فريقين: دعاة الإلحاد وغلاة الروافض. *** تعصب صاحب مجلة العرفان للشيعة مجلة عربية اسمها (العرفان) كنا نَعُدُّ صاحبها من المعتدلين ونحسبه من أصدقائنا وأعواننا على جمع كلمة المسلمين، على ما نرى من احتذائه في تأييد مذهبه وأهل فرقته الإمامية، حذو مجلة المشرق اليسوعية في تأييد الكاثوليكية، وقد كان كتب إلينا في ٣٠ رمضان سنة ١٩٢٧ رسالة ينكر فيها ما عزوناه إلى الشيعة من إباحة الجمع بين تسع نسوة (١) ، واستطرد فيها إلى الطعن في رسالة عالم من ثقات العلماء أرسلها إلينا من بغداد ذكر فيها بثَّ الشيعة لمذهبهم في بدو العراق، وهي الرسالة التي ذكرت في الفصل الأول من مقصد رسالتنا هذه، ولكنه

стр. 22

على شدة لهجته في الإنكار، لم يكن قد بلغ من شدة التعصب ما بلغه في هذه الأعوام، بل كان متحليًا بشيء يعتد به من الأدب والإنصاف، فقد افتتح رسالته بقوله: (كتابي إلى مولاي الأستاذ الحكيم، بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كتاب معجب بما له من الأيادي البيضاء في إصلاح الأمة ورفع (منار) الإسلام وإرشاد المسلمين إلى الطريق الأقوم والصراط السوي، بيد أني أعتقد أنه لا بد لجواد أن يكبو، وللصارم أن ينبو) . ثم ذكر المسألة التي أنكرها، وأحسن ما قاله في هذه الرسالة إنكاره نقل المخالف في المذهب، ووجوب أخذ أقوال كل طائفة من كتبها دون كتب المخالفين لها، وقوله في ذلك: (فإني رأيت كثيرًا ما ينسب السنة إلى الشيعة ما يتبرءون منه وما لم يوجد في كتبهم المعتبرة، وكذلك يفعل علماء الشيعة، وخذ لذلك مثالاً ما ينسبه أكثر المسلمين إلى الوهابية من المقالات الشنيعة والاعتقادات الفاسدة، ولو راجعنا كتبهم لألفيناهم

стр. 23

يتبرءون منها ولم يكن علاقتهم بها إلا كقول الشاعر: إنما أنت من سليمى كواو ... ألحقت في الهجاء ظلمًا بعمرو) . ثم استطرد بمناسبة الخطأ في النقل إلى الإنكار على رسالة ذلك العالم السائح التي أرسلها إلينا من بغداد، وذكر ما نشره من الرد عليها في مجلته العرفان. وقد نشرت رسالته هذه في (ج١١م١٢ من المنار) مع تعليق بدأته بالشكر له على بيانه وذكرت فيه شدة كراهتي لعصبية المذاهب وختمتها بأن نشري لرسالة ذلك العالم السائح من باب النقل، وإن الناقل عدل ثقة عندي، ولكنه قد يخطئ ويصدق بعض الروايات الباطلة. فهكذا كنا وكان زميلنا وصديقنا من قبل صاحب مجلة العرفان المفيدة على عصبيتها في بث العلم والأدب، وهذا ما كان يصرح به من افتراء الناس على الوهابية وكذبهم في الطعن عليهم. ثم اشتدت حماسة الرجل وغلا في الرفض فصار يطعن فينا كلما سنحت له فرصة ولا سيما بعد ظهور دولة السنة التي يلقبها هو

стр. 24

وأمثاله بالوهابية ويجعلون الوهابية (١) (أي السنة) مما لا يتفق مع الإسلام في عقائده ولا في أحكامه ويقر ما كان أنكره من الطعن فيهم وبرأهم منه. *** زعيم الرافضة وعدو السنة ثم انتهى أمره بالتنويه بالكتاب الجديد الذي لفَّقَه أشد علماء الروافض في هذا العصر تعصبًا وطعنًا في عقائد أهل السنة، وخداع عوامهم بما يبث من الدعوة إلى الرفض وما فيه من الخرافات والبدع، وهو الشيخ الملا السيد محسن أمين العاملي. أظهر ملاحدة الترك معاداة الإسلام والبراءة منه والطعن فيه وإجبار قومهم على الارتداد عنه فلم يظهر من هذا الشيخ العاملي أدنى غيرة عليه ولا أقل دفاع عنه. وظهر من ملاحدة إيران الشيعية وملاحدة الأفغان السنية بوادر الاقتداء بملاحدة الترك في شر ما عادوا به الإسلام وسعوا في هدمه، فلم نسمع عنه ولم نقرأ له كلمة إنكار ولا نصيحة

стр. 25

لهؤلاء المغرورين الأغرار بأن يدعو لهذه الشعوب حريتها في دينها، وكذلك صاحب المجلة التي تنشر له دعوته وتنوه بكتابه (الشيخ عارف الزين) . بل فشا الكفر البواح، والفسق الصراح، وتهتك النساء وذهاب الأعراض أدراج الرياح، وكثر دعاتهما في سائر الأقطار الإسلامية، إلا نجد والحجاز واليمن، ولم نر منهم غيرة على الدين، ولا على أعراض المسلمين، وإنما ظهرت غيرتهما على الدين - بل الرفض المبين - لَمَّا أيد الله إمام السنة في هذا العصر (عبد العزيز آل سعود) ورأيا أن السنة تنفذ بالفعل وهياكل البدعة تُهْدَم في مهد الإسلام؛ فإن أكثر البدع والخرافات إنما جاءت من غلاة الشيعة وهم حُمَاتها ودُعَاتها وهي مرتزق زعمائها، وعليها مدار جاههم العريض، ومنهم سرت عدواها إلى طرق الصوفية الذين ينتسبون كلهم إلى آل البيت بالباطل إلا طريقتين من الطرق المشهورة وهي المَوْلَوِيَّة التي أيدها الترك مباراة للروافض، و الطريقة النقشبندية الخفية التي ليس لها تقاليد ولا مظاهر بدعية، وإنما ينكر عليها

стр. 26

المعتصمون بهَدْي السلف مسألة الرابطة والتزام الذكر غير المأثور. (١) *** سعينا للتأليف بين الوهابية والشيعة أَمَا - والله - إنني لم أكن أرى في طريق الدعوة إلى التأليف بين المسلمين عقبة يعسر اقتحامها إلا التقريب بين الشيعة ولا سيما غلاة الإمامية وأهل السنة السلفيين الملقبين بالوهابية ... وقد جرى بيني وبين جلالة الملك فيصل حديث طويل في هذه المسألة لما كنا في دمشق، وكان أهم غرض لي في مقابلته المعروفة بمصر سؤاله عن مبلغ خبرته في ذلك، وأما البحث في هذا بيني وبين أصحابي من عقلاء الشيعة والسنة في مصر وسورية وغيرهما فكثير، ومن ذلك ما كان من سعيي للتأليف بين الفريقين عندما سافر سفير دولة إيران السابق إلى مكة المكرمة للقاء ابن السعود وقد زودته بكتاب إليه في ذلك وحمل هو إليَّ من ابن السعود كتابًا بل كتبًا أخرى تتعلق بالمؤتمر الإسلامي العام، ولكن هذا السعي لم يثمر الثمرة المَرْجُوَّة، كما أثمر من قبله السعي إلى التأليف بين الإمامين الجليلين يحيى وعبد العزيز أحياهما الله وأعز بهما

стр. 27

الإسلام والعرب. ذلك بأنه ليس بين مذهب الزيدية ومذهب السنة من البُعْد كما بين الروافض وأهل السنة (١) ، وقد كتبت إلى كل من الإمامين أدعوه إلى الاتفاق مع الآخر قبل فتح الحجاز بسنين، فأجاب كل منهما إلى ذلك بالارتياح والقبول، ودارت بينهما المكاتبات الودية في ذلك على ما طرأ من أسباب الخلاف، وما كان من سعي أهل الفساد لإلقاء العداوة والبغضاء بينهما وإغراء كل منهما بقتال الآخر، ونسأل الله تعالى أن يتم النعمة بنجاح ما نسعى له ويسعى له غيرنا من عقلاء المسلمين وأهل الغيرة منهم بعقد المحالفة التي تكون أقوى الوسائل لحفظ جزيرة العرب من التعدي على استقلالها، ولبلوغها أقصى ما هي مستعدة له من العمران وإحياء حضارة الإسلام. ولما رأيت ما رأيت من سوء أمر مؤتمر النجف لشيعة العراق، ومن أمارات نشر الإلحاد في إيران والأفغان، ومن تجديد الشيخ العاملي في تواليفه والشيخ عارف الزين في مجلته

стр. 28

الطعن في السنة وتنفير المسلمين من دولتها الوحيدة في إقامتها ونصرها (١) ، ومن بث الرفض والخرافات بين المسلمين، رأيت من الواجب عليَّ أن أظهر للمسلمين ما يخفى على جمهورهم من الحقائق التي لم يكن العاملي ولا الزين يعلمان بوقوفي عليها لعلهما يفيئان إلى أمر الله، فكتبت الفصول التالية بهذه النية و (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) . وكنت عند البدء بالكتابة عقب اطلاعي على كتاب العاملي الجديد وما فيه الطعن الباطل في السنة باسم الوهابية، وفي شيخ الإسلام المصلح الكبير ابن تيمية، ومن تشريفي بطعنه فيَّ وبهتانه عليَّ، كنت عند البدء بذلك عازمًا على الاختصار، والاكتفاء بما ينشر في المنار، ثم جاءتني مجلة العرفان، فإذا هي بعد اطلاعها على الفصل الأول في المنار قد أسرفت في البهتان، والبغي والعدوان، والشتم والسب والكذب والإفك فرأيت من الواجب في نصر السنة ودفع البدعة، أن أتوسع في الكتابة، ونشر ما أكتبه في رسالة أو رسائل مستقلة.

стр. 29

ثم جاءتني بعد ذلك جريدة أم القرى حاملة تفصيل ذلك النبأ العظيم، نبأ عقد المؤتمر الإسلامي في الرياض عاصمة نجد ، الذي هو الحجة الكبرى على انفراد حكومة ابن السعود بإحياء حكومة الخلفاء الراشدين في الأرض، فشحذ ذلك غرار عزمي على نصرها وشد أزرها، ومجاهدة أعداء الله ورسوله من الطاعنين فيها، وفي هذا العصر الذي نرى الحكومات الأعجمية تفضل شرائع أعدائهما على شريعتهما، وفسادهم على إصلاحها والإلحاد على دين الله وهو الإسلام، والعصبية العمية على الوحدة وجماعة ملة محمد ﵊. وإنني أعتقد اعتقادًا جازمًا بما تيسر لي من الاختبار الطويل بأن هذه الخرافات والبدع التي كان التشيع مثارها الأعظم ستقضي على الإسلام إن لم يقض المصلحون عليها، وإن سيرة ملاحدة الترك في الصد عنه برهان على ذلك فإنهم يصورون لعامة أهل بلادهم تلك الخرافات الفاشية في الأولياء والصالحين بأقبح الصور المنفرة. ومن ذلك: أنهم نبشوا بعض قبورهم وأروا الناس بأعينهم رميم عظامهم، وعجزهم على

стр. 30

الدفاع عن أنفسهم وعن مراقدهم ... وطالما صرَّح المنار بإثبات فنائهم وأكل الأرض لأجسادهم وشرك الذين يدعونهم كما يدعون الله تعالى لجلب النفع لهم ورفع الضر عنهم. وإنني أدعو عقلاء المسلمين كافةً، والمخلصين في إسلامهم من عقلاء الشيعة المعتدلين خاصةً: أن ينهضوا معنا نهضة جريئة لإحياء عقيدة التوحيد الخالص، والقضاء على عبادة الميتين، من أئمة أهل البيت الطاهرين، من سائر الأولياء الصالحين. (١) وعن التمسك ب ما يدعيه فقهاء الشيعة الجامدين، من تلقي الدين والفتوى من سرداب سامرا حيث اختبأ المهدي المنتظر (٢) ؛ فإن هذا التشريع لا يقبله أحد من عقلاء البشر، ومن بيَّن لي أنني على خطأ فيما دعوت إليه بالدليل فإنني أرجع إلى قوله من قريب ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨) .

стр. 31

دعاية الرفض والخرافات والتفريق بين المسلمين ومُوقِدُ نارها الشيخ محسن الأمين العاملي خطة المنار في التأليف بين المسلمين يعلم جميع قراء المنار والمطلعين، وكذا الواقفون على النهضة الإصلاحية التي قام بها منشئه على أساس الوحدة الإسلامية منذ ثلاثين سنة أو أكثر أنه كان من سيرته في مجاهدة البدع والخرافات التمثيل لها بما فشا منها بين أهل المذاهب المنسوبة إلى السنة دون ذكر أهل مذاهب الشيعة وغيرهم؛ لئلا يتهمه المتعصبون من هؤلاء بالتعصب، وإن كان يصرح دائمًا ببناء دعايته على أساس نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف

стр. 32

الصالح وعدم التقيد فيها بمذهب من المذاهب، بل مع تصريحه بما يعتقده من أن التعصب لأي مذهب منها مناف للوحدة الإسلامية ومخالف لنصوص القرآن. وقد اشتهرت قاعدته الذهبية التي دعا إليها علماء المذاهب كلها، وهي نتعاون فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما تختلف فيه، وندعو علماء كل طائفة وأهل كل مذهب لمقاومة البدع الفاشية فيهم؛ لتكون دعوتهم أقرب إلى القبول. (١) وقد وافقنا على دعوتنا هذه كثيرون من أهل السنة المستقلين والمقلدين للمذاهب ولكننا لم نر أحدًا من علماء الشيعة نصرنا عليها بالكتابة، وإنما استحسنها بعض المنصفين فيما شافهونا به (كالسيد الشهرستاني النجفي والسيد عبد الحسين العاملي والمرحوم الشيخ محي الدين عسيران) على أننا لم نسلم من شر متعصبيهم، فقد نشرنا مرة رسالة في أول المجلد ١٦ من المنار (سنة ١٣٢٦) لصديقنا العلامة المرحوم الشيخ محمد كامل الرافعي من بغداد كتبها في أثناء سياحته

стр. 33

يذكر فيها قيام علماء الشيعة بدعوة الأعراب إلى التشيع، واستعانتهم على ذلك بإحلال متعة النكاح لمشايخ قبائلهم الذين يرغبون في الاستمتاع بكثير من النساء في كل وقت. ولما نشرنا تلك الرسالة في المنار علقنا عليها تعليقًا رجونا أن يحول دون تعصب الشيعة واحتمائهم علينا ورمينا بضد ما نقوم به من التأليف والتوحيد، فقلنا: ((إن تعليم الإعراب الجاهلين مذهب الشيعة في العبادات والحلال والحرام خير من بقائهم على جهلهم المعهود، وحصرنا توجيه انتقاد الكاتب في وجهته السياسية، وهي ما كان يشوب تلك الدعاية من التنفير من الدولة العثمانية والتحبيب في الدولة الإيرانية إلخ ولم ننشر اسم الكاتب يومئذ لئلا توذيه الحكومة الحميدية لما هو معلوم من حالها)) . نشرنا هذا في المنار فلم نجد أحدًا منهم هاجه واحتمى عليه إلا هذا المتعصب الجامد على الرفض (١) الشيخ محسن

стр. 34

الأمين العاملي على خلاف ما نَقَلَ لنا بعض الناس عنه من إظهار الإنصاف في مجالسه مع علماء السنة من باب التقية، فألف رسالة سماها (الحصون المنيعة، في الرد على ما أورده صاحب المنار في حق الشيعة) لم يكن في تأليفها محسنًا في الرد، ولا أمينًا في النقل، ولكنها فرصة اغتنمها لبث أمرين: (أحدهما) فيما ارتأيت في ذلك التاريخ صَدّ نابتة الشيعة في جبل عامل وغيره عن المنار؛ إذ كانت قد أثرت فيهم خطته الإصلاحية ودعوته إلى الاستقلال في فهم الدين من الكتاب والسنة وترك التقليد وعصبية المذاهب فيه، والشيعة أشد الفرق في ذلك حتى الذين يسمونهم المجتهدين منهم، ويفتخرون على أهل السنة بأنهم هم الذين يأخذون بالاجتهاد الذي أقفل بابه أهل السنة، ومن المعلوم ببداهة العقل أن الاجتهاد الحقيقي الذي هو الاستقلال بأخذ الدين من ينابيعه ينافي التمذهب بمذهب معين. (١)

стр. 35

) الأمر الثاني) بث مذهب الشيعة بين أهل السنة وترجيحه على مذهب السنة، وجعل مسألة متعة النكاح حجة على هذا الترجيح، فأطال فيها بغير طائل. أرسلت إليَّ هذه الرسالة عقب صدورها فلم أشأ أن أرد على أباطيلها لسببين: (أحدهما) مخالفة ذلك لخطتي في التأليف بين فرق المسلمين؛ لأن المجادلات في الانتصار للمذاهب تذكي نار التعصب والشقاق بين أهلها. (وثانيهما) أن صاحبها لا يستحق أن يرد على مثله؛ لأنه لا يطلب الحق في المناظرة كما هو شأن المقلدين، ولا سيما المتعصبين الغلاة مثله، فمناظرتهم تضر ضررًا لا يقابله منفعة استبانة الحق لهم فيرجى رجوعهم إليه. وكيف يرد مثلنا من المستقلين ودعاة التأليف على من يستدل على صحة المتعة بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (النساء: ٢٤) (١) فيزعم أن لفظ الأجور لا يصح أن

стр. 36

يكون بمعنى المهور؛ لأنه لم يرد في لغة القرآن بهذا المعنى وإنما سماها القرآن الصدقات (بضم الدال) وزعمه هذا يدل على أحد أمرين: إما الجهل بالقرآن ولغته، وإما تعمد تحريفه وقد يجتمعان، فقد قال الله تعالى في سورة الممتحنة في المؤمنات اللواتي يتركن أزواجهن المشركين ويهاجرن إلى المدينة ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الممتحنة: ١٠) . وقال تعالى بعد ذكر حل طعام أهل الكتاب من سورة المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (المائدة: ٥) . (١) وإنني لما حررت الدلائل في مسائل متعة النكاح في تفسير سورة النساء من جزء التفسير الخامس وتعرضت لخلاف الشيعة فيها قلت في آخر البحث ما نصه (وهو قد كتب بعد تأليف تلك الرسالة) : ((ولا سعة في هذا التفسير لهذه المباحث بل أخشى أن

стр. 37

أكون خرجت بهذا البحث عن منهاجي فيه وهو الإعراض عن مسائل الخلاف التي لا علاقة لها بفهم القرآن والاهتداء به، وعن الترجيح بين المذاهب الذي هو مثار تفرق المسلمين وتعاديهم، على أنني أبرأ إلى الله من التعصب والتحيز إلى غير ما يظهر لي أنه الحق، والله عليم بذات الصدور)) إلى أن قلت: ((فإن اطلعنا بعد ذلك على روايات أخرى للشيعة بأسانيدها فربما نكتب في ذلك مقالاً تمحص فيه ما ورد من الطريقين ونحكم فيه بما نعتقد من قواعد التعارض والترجيح وننشر ذلك في المنار)) . اهـ وقد أرسل علامة الشام المستقل الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى رسالة العاملي في أثناء نشرها إلى علامة العراق المستقل السيد محمود شكري الألوسي رحمه الله تعالى وسأله عن رأيه فيها فأجابه برسالة تتضمن الرد الشديد عليها وتجهيل مؤلفها، وقد اطلعنا على هذا الرد، ولم نشأ أن ننشره لما تقدم بيانه. (١) ولكن العاملي الرافضي المتعصب عاد في هذه الأيام إلى

стр. 38

ما هو شر مما كتبه في تلك الرسالة؛ لأن حرية الطعن والتفريق في ظل الحكومة الفرنسية أوسع مما كان في عهد دستور الدولة العثمانية، فألف كتابًا كبيرًا استغرق خمسمائة صفحة في هذا الموضوع جعل عنوانه الرد على الوهابية، ودس فيه ما يبغي من الدعاية الرافضية، وإثبات الخرافات القبورية، والطعن في صاحب المنار لا فيما نشره مما يخالف مذهبه وتقاليده فقط، بل طعن في شخصه ونقل ما كتبه شاب إيراني فرمسوبي (١) متعصب للدولة الإيرانية ولمذهبها لأنه مذهبها!! في بعض الجرائد من الطعن الشخصي فيه والافتراء عليه بضد الواقع، ولا سيما في مسألة الشريف حسين وأولاده والاتحاديين فقد زعم أننا كنا نمدح الشريف في وقت عزه وملكه، وزهدناه بعد فقده (٢) ، وهذا كذب وبهتان، كما يعلم جميع المطلعين على المنار، كزعمه أن فيصلا هو الذي عين صاحب المنار رئيسًا للمؤتمر السوري العام في دمشق وكل الناس يعلمون كالشيخ العاملي أن المؤتمر انتخب صاحب المنار لرياسته انتخابًا، وأنه ما كان لفيصل أن يعينه تعيينًا.

стр. 39

طالبني بعض أهل السنة بالرد على هذا الكتاب وقد تصفحت أهم مسائل أبوابه في زهاء ثلاث ساعات فرأيت فيها من الكذب في النقل أو الاقتصار منه على ما يوافق هواه ومن الدعاوي الباطلة والكلم المحرف عن مواضعه وتأويل النصوص القطعية ما يبخل الحريص على وقته أن يقرأه كله فكيف يضيعه في الرد على كل ما فيه من الباطل؟ ولكن في نشر هذا الكتاب ضررًا عظيمًا وإفسادًا كبيرًا لعقائد المسلمين كافة وعقائد أهل السنة خاصة؛ لما فيه من الشبهات الكثيرة الصادرة في صور الأدلة على عبادة موتى الصالحين بالدعاء وغيره وتحريف نصوص القرآن الصريحة في منع ذلك كقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (١) (الجن: ١٨) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (الأعراف: ١٩٤) وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (الإسراء: ٥٧) أي أولئك الذين يدعونهم من دون الله توسلاً بهم إليه هم يبتغون الوسيلة والقربى إلى الله ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (الإسراء: ٥٧) أي

стр. 40

يبتغي ذلك أقربهم إلى الله كالمسيح ﵇ والملائكة فكيف من دونهم؟ (١) كما أنه يرد بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك؛ لأنها من رواية أهل السنة، أو يحرفها بالتأويل. وما أضعف المسلمين في دينهم ودنياهم شيء كما أضعفهم وأفسدهم الاتكال على الميتين في قضاء حاجاتهم ومصالحهم ودفع الأذى عنهم، فهذا مما يضر أهل السنة والشيعة، ولا سيما في هذا العصر، وهو يوهم الفريقين أنه من الإسلام وأنه لم يخالف فيه أحد منهم إلا الوهابية، مع أنه لم يقل به أحد من أئمتهم لا أئمة أهل البيت كالصادق والباقر ولا أئمة الأمصار الآخرين كالأربعة رضوان الله عليهم أجمعين، بل النصوص عن أئمة أهل البيت ﵈ موافقة للأحاديث الصحيحة من منع هذه البدع الخرافية كما يعلم من المناظرة بين العالمين الشيعي والسلفي المستقل التي نشرناها في المجلد الثامن والعشرين من المنار. (٢) ومثال ما يضر أهل السنة وحدهم ما صوَّره الرافضي المتعصب في رسالته وكتابه لهم من أن أصول الدين والفقه عند الشيعة
следующие страницы →