Полный текст (485 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقيدت
بين يديه بغلة أخرى مسرجة ملجمة، وسار بين يديه الشهود والأمناء. وقرأ سجله بجامع مصر على المنبر.
وساق المسبّحي في تاريخه السِّجل بطوله، وأضيف إليه في الأحكام مصر وبرقة وصقلية والشام وقضاء الحرمين ما عدا فلسطين، فإن الحاكم كان ولاها أبا طالب ابن بنت الزيدي الحسيني، فلم يجعل لابن أبي العوام عليه أمراً. وكان أبو طالب تَرَفَّع عن قضاء مصر، إلا أنه كان يهاب الحاكم، وجُعل لأبي العباس النظر في المعيار، ودار الضرب، والصلاة والمواريث، والمساجد والجوامع، فباشر أبو العباس ذلك، وهو يترقب القتل. وكان يمكنه أن يستتر إلا أن حب الرياسة غلب عليه.
وكان يركب أيام الجمع مع الحاكم، ويطلع إليه يوم السبت يعرفه ما جرى من أمر القضاة والشهود والأمناء بالبلاد، وما يتعلق بالحكم. ويجلس يوم الأحد والخميس بمصر، ويوم الاثنين والثلاثاء بالجامع الأزهر، ويوم الأربعاء لراحته. فكان ينقطع في دار له بالقرافة يتعبد فيها إلى المغرب، ويخلو بمن يريد من الشهود وغيرهم.
ذكر ذلك كلَّه إسماعيلُ بن علي بن إسماعيل بن موسى الحسيني في كتابه أخبار قضاة مصر. وذكر أنه خلع عليه يوم العشرين من شعبان. وقرئ سجله بالقصر وبجامع مصر. فلم يزل على وظيفة القضاء إلى أن مات لعشرين ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة، فكانت ولايته اثنتي عشرة سنة وسبعة أشهر.
وكان مولده بمصر سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. وشهد عند محمد ابن النعمان سنة أربع وثمانين. وخلف الحسين بن النعمان على الفروض. وناب في الحكم عن الحسن بن كامل النائب عن الحسين بن النعمان. وكان من أهل الصيانة من صباه.
ولما مات صلّى عليه الظاهر ابن الحاكم وأخرج تراباً من كُمه، فمر أن يوضع في قبره تحت خده، ذكر ذلك ابن ميسر في تاريخه.
стр. 72
وذكر إسماعيل المذكور، عن أبي حفص الأدمي الفرائضي، أن ابن أبي العوام دخل على أبي الطاهر الذهلي القاضي، هو وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق، فقال الحكيمي الوراق - وكان من أهل العلم، وله تقدم في معرفة الشروط -: يا أبا حفص ترى هذين فإنهما لابد أن يصيرا رئيسي مصر، فما مضت الأيام والليالي، حتى ولي أبو العباس القضاء، وأبو يوسف المشيخة.
ولأبي العباس رواية عن أبيه عن جده، وروى أيضاً عن أبي بكر محمد بن جعفر بن أعين، وأبي بشر الدولابي، وأبي جعفر الطحاوي، وإبراهيم بن أحمد بن سهل الترمذي، ومحمد بن الحسين البخاري صاحب حريث بن أبي الورقاء، وأسامة بن أحمد بن أسامة، والقاسم بن جعفر بن محمد البصري، ومحمد بن محمد بن الأشعث، وأحمد بن علي بن شعيب المدائني وغيرهم.
وله مصنف حافل من مناقب أبي حنيفة وأصحابه. روى عنه القُضاعي الكتاب المذكور. وحدث به السِّلَفي عن الرازي عن القضاعي.
ومن الحوادث التي وقعت لابن العوام، أن حمزة اللباد الزَّوزني الملحد، الذي ادّعى أن روح الإله حلت في الحاكم، ركب في جَمْع من أصحابه، إلى أن دخلوا الجامع العتيق، معلنين بكفرهم. فتقدم منهم ثلاثة إلى مقر القاضي فناول أحدهم القاضي رقعة يأمره فيها الزوزني بالدعاء إلى مقالته. وكان الزوزني استفحل أمره، حتى كان يساير الحاكم إذا ركب ويخلو به. فقال له القاضي حتى أدخل إلى مولانا وأسمع كلامه فلم يقنع منه بالجواب وأطال معه الكلام في ذلك. فثار العامة بالرجل فقتلوه. ثم قتلوا رفيقه. وتتبعوا من كان على مقالتهم فقتلوهم في الطرقات. فبلغ ذلك الحاكم فشق عليه وأمر بتحريق مصر، فكان في ذلك ما اشتهر.
وكان ابن أبي العوام أولَ من نقل دواوين الحكم إلى الجامع. وكانت قبله تكون عند القاضي. ثم تنقل إذا مات أو عزل، إلى دار الذي يلي بعده. فاتخذ ابن أبي العوام مقرها في بيت المال بالجامع. وكان على من يكون قاضياً إذ ذاك في شهر رمضان، أن يصعد المنبر يوم الجمعة، ويصلح مظلته ويكبر خلف الخليفة أو ولي عهده، هو إذا ذاك عبد الرحيم بن إلياس. وأقطع الحاكم هذا القاضي تلبانة، وهي ضيعة معروفة بمصر، كتب له بذلك سجلاً.
стр. 73
وفي سنة تسع وأربعمائة، جلس ابن أبي العوام، وقد أمر بإحضار الشهود، وكانوا ألفا وخمسمائة فاسقط منهم في يوم واحد أربعمائة. فتظلموا للحاكم، فقال: الذي عدّلكم هو الذي أسقطكم.
وفي صفر سنة عشر وأربعمائة.
ولما ولي الظاهر ابن الحاكم أقرّ أبا العباس على القضاء.
أحمد بن محمد بن أبي زكريا يحيى بن أبي العوام، أبو عبد الله ابن عم أبي العباس المذكور قبله. حنفي من المائة الخامسة. ولي القضاء بمصر أولاً نيابة عن القاسم بن عبد العزيز بن النعمان، وهو وأبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي. فاتفق أنهما حضرا يشكوان من سوء سيرة القاسم، فدخل القاسم يشكو منهما كثرة مخالفتهما له، فصرفه المستنصر. وقرر اليازوري في القضاء مع الوزارة. وأمره أن يفوض أمر القضاء إليهما. ثم وليه استقلال في حادي عشر شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، من قبل المستنصر. وأضيف إليه النظر في المظالم، ودار الضرب، والصلاة والخطابة والأحباس. وخلع عليه وقرئ سجله على منبر القصر. ولقب قاضي القضاة نصير الدولة أمين الأئمة. فباشر ذلك إلى أن مات، في صفر أو في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.
أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عطاء الله بن عَوّاض بن نجا بن حمُّود بن نهار بن مؤنس بن محمد بن حاتم الزبيري الإِسكندراني المالكي، ابن التَّنَسِي، بفتح المثناة الفوقانية والنون بعدها مهملة. من المائة التاسعة ناصر الدين ابن جمال الدين. كان ينسب إلى جده لأمه ابن التنسي. ويسوق له نسباً إلى الزبير بن العوام. فيقال في حازم أو حاتم أنه ابن بُبْلَي بن جابر بن هشام ابن عروة بن الزبير بن العوام. وإلى ذلك سار فيه قول صهرهم صديقنا العلامة الأوحد البدر ابن الدماميني من أبيات يصفه فيها.
стр. 74
وأجاد فكرُك في بحار علومه ... سُبْحاً لأنك من بين العوًّامِ
وكان مولده سنة أربعين وسبعمائة. واشتغل كثيراً ومهر. وعني بالعربية والفنون وشرح التسهيل، فوصل فيه إلى التصريف.
وكان عارفاً بالأحكام، كثير العناية بالتجارة، ولم يكن يدخل في المنصب إلا صيانة لماله.
وتولى القضاء بالإسكندرية في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. وتناوب هو وابن الربعي مدة، إلى أن استقر ابن التنسي في قضاء الديار المصرية في رابع عشري ذي القعدة سنة أربع وتسعين وسبعمائة. فتحول بأهل وعياله وأسبابه. فباشر بعفة
ونزاهة مع العقل والتودد للناس وطهارة الذيل، وسلامة الباطن، وقلة الكلام حتى كان يقال: لم يسمع منه ذم أحد، بقول ولا فعل.
وهو من بيت رياسة. ولي أبوه جمال الدين قضاء الإسكندرية وكذا جده شمس الدين. وكان جده الأعلى عطاء الله يلقب رشيد الدين.
قرأت بخط الشيخ جمال الدين البشبيشي في وصفه: أقام دهراً طاهر اللسان، لم ينل أحداً بمكروه. وكانت أيامه كالعافية، والرعية في أمان على أنفسهم وأموالهم، لا ينظر إلى ما بأيديهم، ولم يعرف الناس قدره حتى فقد. ولم يدخل عليه في طول ولايته خلل، ولا أدخل عليه أحد شيئاً من ذلك. قال: وفي الجملة كان هو وابن خير قبله من محاسن الوجود. انتهى.
ولم يزل على طريقته إلى أن مضى بجميل، ومات بالقاهرة في ليلة الخميس أول يوم من شهر رمضان سنة إحدى وثمانمائة.
أحمد بن نصر الله بن أحمد بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل ابن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكناني الحنبلي العسقلاني الأصل، نزيل
стр. 75
القاهرة. والده الملقب بناصر الدين سبط قاضي القضاة، موفق الدين عبد الله بن محمد الآتي ذكره
واسم أمه زينب. ولد في المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة في السنة التي مات فيها جده، واشتغل ومهر.
قرأت بخط ابن أخيه القاضي العالم الفاضل البارع العلامة، عز الدين ابن برهان الدين، في ترجمة عمّه هذا، أنه كان حسن الشكل، كثير العلم، قوي الإدراك حسن المحاضرة، نزهاً فكهاً، له تعاليقُ في الفقه والنحو وغير ذلك، تدل على حسن بصيرته بالعلم.
ولما مات أخوه برهان الدين، واستقر في المنصب بعد أن سعى فيه غيره فما أجيب، كتب إليه الشيخ شهاب الدين المقري الأوحدي:
بإبراهيم قد مضت المنايا ... وأخلفَهُ أخوه ذَا المُمجَّد
وأولى الناس في القرآن نَصّاً ... وأجدرهم بإبراهيم أحمدْ
ولم تطل مدة الموفق في القضاء ولا عمره، فإنه سعى عليه في سنة ولايته، فصرف بعد سبعة أشهر، أو دونها بالنور الحكري، من جمادى الثانية سنة اثنتين وثمانمائة ثم أعيد في آخر السنة، فلم يلبث أن دهمت الناس الكائنة العظمى بالبلاد الشامية باللنكية. فخرج في سنة اثنتين مع العسكر المصري، ثم رجع بعد الهزيمة، فلم يلبث أن مات في يوم الاثنين حادي عشر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة، ودفن من الغد.
أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر الحنبلي القاضي،
стр. 76
محب الدين التستري الأصل البغدادي، نزيل القاهرة، من المائة التاسعة. ولد في شهر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة. واشتغل على أبيه وغيره، وسمع من أبيه، ومن الكِرْماني والسِّنْجَارِي في آخرين. ودخل الشام سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، فسمع بحلب من ابن المُرَحِّل وبدمشق من ابن المحب. واستمر إلى أن دخل الديار المصرية فحج منها وعاد. ثم قدم أبوه فولاه برقوق تدريس الحديث بالظاهرية التي بين القصريين. ثم شغر منصِب تدريس الحنابلة بها فوليه أبوه، واستمر مدرسين بالظاهرية البرقوقية وكان أبوه من أهل الفضل التام والأدب له النظم الفائق والترسل الرائق.
ولما مات استقر القاضي محب الدين في الدرسين، ونُوزع في ذلك فساعده جماعة إلى أن استمر فيهما. ثم ناب فِي الحكم عن القاضي علاء الدين
ابن المغلي الحنبلي الحموي، لما ولي قضاء الحنابلة. واستقل بالقضاء بعد موته في صفر سنة ثمان وعشرين وثمانمائة. ثم صرف بعز الدين القدسي في الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين. ثم أعيد في صفر سنة واحد وثلاثين. واستمر إلى أن مات.
قرأت بخط العز ابن البرهان ابن نصر الله: وافق القاضي محب الدين، عمي موفق الدين، يعني الذي قبله في اسمه واسم أبيه وجده، ومذهبه ومنصبه، وسكنه بالصالحية.
قلت: وفارقه فِي اللقب، وأصل البلد، والنسبة إلى الجد الأعلى، وطول المدة، وسعة العلم، والتبسط في بيع الأوقاف، ونحو ذلك.
وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثمانمائة.
стр. 77
الأفراد
إسحاق بن الفرات بن الجَعْد بن سُلَيْم الكندي مولاهم، أبو نعيم من موالي معاوية بن حُدَيْج مالكي من المائة الثانية. ولد سنة خمس وثلاثين ومائة
واستخلفه محمد بن مسروق لما خرج من مصر إلى العراق، وذلك في سنة أربع وثمانين ومائة.
وكان أول من ولي قضاء مصر من الموالي. وكان من كبار أصحاب مالك. وأخذ عن أبي يوسف، وروى عن الليث بن سعد وابن لَهِيعة، ويحيى بن أيوب وحميد بن هانئ والمفضل بن فَضالة ومعاذ بن محمد وغيرهم. روى عنه أبو الطاهر ابن السِّرح، ومحمد بن نصر، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن أخي ابن وهب وآخرون.
قال ابن عبد الحكم: ما رأيت فقيهاً أفضل منه، وكان علماً. وقال بحر ابن نصر قال لي إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيًّة: ما رأيت في بلدكم أحداً يحسن العلم إلا إسحاق بن الفرات. قال بحر: وكان الشافعي يثني عليه ويقول: ما رأيت بمصر أحداً أعلم باختلاف الناس منه. قال الشافعي: وقد أشرت على بعض الولاة أن يوليه القضاء. وقلت: إنه يتخير وهو عالم باختلاف من مضى. ذكر ذلك أبو عمر الكندي بسند صحيح.
стр. 78
وتعقبه بعض من صنَّف في القضاة ممن لقيته. فقال: كان قدوم الشافعي إلى مصر في آخر سنة ثمان وتسعين ومائة، أو أول سنة تسع وتسعين ومائة. وإسحاق إنما ولي قبل قدومه بثلاث عشرة سنة أو أكثر.
وحل هذا الإشكال، أن الشافعي أشار على من كان أميراً في عصره، أن يولي إسحاق فلم يتفق ذلك، لا أنه هو الذي أشار على محمد بن مسروق باستخلافه، ولا على أمير مصر بإبقائه قاضياً.
وقال ابن يونس: كان فقيهاً. وفي أحاديثه أحاديث كأنها منقلبة. وقال أحمد بن يحيى بن وزير: كان يتخير في الأحكام. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أغرب.
وقال أحمد بن سعيد الهَمْدَاني: قرأ علينا إسحاق بن الفرات الموطأ بمصر من حفظه، فما أسقط منه حرفاً فيما أعلم. وقال العجلي وأبو عوانة الإسُفَراييني: ثقة. وقال
أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور. وقال العقيلي: لا بأس به. وقال عبد الحق في الأحكام: ضعيف. وتعقب بأن السلف له في هذا الإطلاق، إلا أن السليماني ذكره في الضعفاء، وقال: منكر الحديث.
وقال ابن يونس: مات بمصر في ذي الحجة سنة أربع ومائتين. قال أبو عمر الكندي: أقام إسحاق بن الفرات على القضاء منذ استُخلف محمد بن مسروق، إلى أن قدم العمري في صفر سنة خمس وثمانين ومائة.
وقال أبو عمر الكندي في كتاب الموالي من أهل مصر: قال أحمد بن يحيى ابن وزير: كان عند سعيد بن عُفَيْر، شيء من أموال اليتامى، فدعاه إسحاق بن الفرات وهو على القضاء بمصر، فقال: سلمها، فكأن سعيداً عرَّض بالقاضي بأنه من الموالي. فقال إسحاق بن الفرات: هل تعرف معاوية بن حديج، أنه سيد الناس كلهم من الفرما إلى الأندلس. قال ابن عفير: إني لعارف. قال: فإنه مولى، فمن أنت؟ فأصمت سعيد بن عفير وسلم ما عنده.
وكان لإسحاق أخ يسمى يحيى. حدث وتوفي قبل أخيه بسنة. قال ابن يونس: وكانت وفاة إسحاق ليلة الجمعة لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة أربع ومائتين.
стр. 79
ووقع في كتاب المدارك للقاضي عياض، أنه مات في سنة خمس ومائتين. وكأنه أرخه ببلوغ الخبر إلى المغرب. فإن ابن يونس أتقنُ في هذا الباب من غيره. وقد أرخه أبو عمر الكندي في سنة أربع. وروى النسائي في السنن، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن إسحاق بن الفرات.
إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن موسى الكِنَاني البَلبْيِسي، نزيل القاهرة القاضي مجد الدين أبو محمد الحنفي، من المائة التاسعة.
ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وتفقه ومهر. وطلب الحديث بنفسه. فسمع من أحمد بن كَشْتُغْدي وأولاد الفيومي الثلاثة: إبراهيم ومحمد وفاطمة، أولاد محمد بن محمد، ومحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الأيوبي وأبي الفتح الميدومي وخرج له عنهم صاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن محمد الأفقهسي مشيخة في ثمانية أجزاء، سمعتها عليه. ورافق الشيخُ مجد الدين الشيخَ جمال الدين الزيلعي في الطلب، فسمع معه الكثير. وكان متثبتاً لا يحدث إلا من أصله. وأخذ فن الحديث عن الشيخ مُغَلْطاي. وعن القاضي علاء الدين
بن التُّرْكماني. وتفقه بفخر الدين الزَّيْلَعِي وغيره. ومهر في الشروط، وصنَّف في الفرائض والحساب، ووقَّع على الأحكام. ثم ناب في الحكم.
وكان أديباً فاضلاً ديناً عفيفاً، حسن المفاكهة جيد المحاضرة. وصنَّف شرح التلقين لأبي البقاء في النحو، وفي الشروط.
وكان صديقنا القاضي تاج الدين ابن الظريف مع مهارته في الفرائض والحساب، يثني على تصنيف شيخنا مجد الدين. واختصر الأنساب للرَّشَاطي، وأضاف إليها زيادات الأنساب لابن الأثير. اختصره من كتاب أبي سعد ابن السمعاني.
стр. 80
ولم يزل على حالته، حتى ولي القاضي شمس الدين الطرابلسي ولايته الثانية. فاتفق له معه شيء، فامتنع من النيابة، إلى أن قُدِّر أنه استدعاه الملك الظاهر، فخلع عليه وفوض إليه قضاء الحنفية. فاتفق أنه كان حينئذ قد اعتكف في العشر الأخير من شهر رمضان، بالطيبرسية المجاورة للجامع الأزهر. فخرج من اعتكافه بقية الشهر فباشر بصلابة ونزاهة وعفة، وتشدد في الأحكام، وفي قبول الشهود.
قال المقريزي: لكنه دخله الجبن خشية من عود الطرابلسي إلى المنصب. فكان لا يقضي لأحد حاجة. ويعتذر بأن الطرابلسي وراءه. فوقفت أحواله، ومقته مَن كان يحبه، وندم على ولايته من تمناها له، ليُبُس قلمه عن الأمور العامة والخاصة، ولم يتفق أنه عدَّل من الشهود أحداً من مدة ولايته اثنين، وأبغضه الرؤساء لرد رسائلهم.
وذكر بعض من يعرفه: أن سبب خموله في المنصب، أنه كان يزهو بنفسه، ويرى أن المنصب دونه، لما كان عنده من الاستعداد، ولما في غيره من النقص في العلم والمعرفة، فانعكس أمره لذلك.
وذكر أيضاً أن كبار الموقعين في زمانه، كانوا يرجعون إليه فيما يقع لهم من المعضلات، ويحمدون أجوبته فيها. وكان جَمْعُهُم إذ ذاك متوفراً.
واشتهر عنه أنه كان إذا رأى المكتوب عرف حاله من أول سطر بعد البسملة غالباً. ولم يكن فيه ما يعاب به إلا ما تقدم ذكره، من التوقف عن الأمور، ولو كانت واضحة.
وكان الملك الظاهر يجلُّه ويكرمه، بسبب أنه كان ممن امتنع من الكتابة في الفتاوي، التي كتبت عليه في كائنة الكرك. واستتر بمنزله بكوم الريش، حتى انقضت تلك المحنة، فكان يشكر له ذلك. وكان يذكر أنه لما طلبه ليوليه القضاء سأله عن اسمه ونسبه، فذكره له، فأمر بعض خدمه، فأحضر كيساً من الحرير الأسود، فأخرج منه ورقاً، وأمر بعض مماليكه أن يتصفح الأسماء، هل فيها اسمه، فلم يجدوا
فيها اسمه. فسأله، هلا كتبت في الفتاوي؟ فذكر له فراره واستتاره بمنزله فأعجبه فلم يزل على منزلته عنده، حتى تحرك الظاهر للسفر إلى الشام، فتوسل القاضي جمال الدين العجمي وهو يومئذ قد ولي نظر الجيش، بصهره شهاب الدين الطولوني المعلم، وكانت ابنتُه تحتَه، وابنته الأخرى عند
стр. 81
السلطان، واتفق أن الطولوني شفع في شاهد عند القاضي مجد الدين، أن يجلسه في حانوت الشهود فتوقف. فحقدها عليه. فتكلم مع السلطان في أن المجد عاجز عن السفر، لثقل بدنه. وكان السلطان يشاهده أيام الموكب، فيرى حركته بطيئة إلى الغاية، فإنه كان يجلس في كل اثنين وخميس إلى جانبه الأيسر. فإذا انفض الموكب، وأراد القيام - وكان عبل البدن - يتكئ على يديه وترتفع عجيزته، فلا ينهض إلا بعد بطء، فصدق السلطان القائل، وأمر بإعفائه فسعى الجمال حينئذ ببذل المال، والسلطان محتاج إلى الاستكثار منه، بسبب الإنفاق على الجند فولاه، وذلك في شعبان سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة.
وانصرف المَجد إلى منزله بالسيوفية، فأقام فيه بطالاً، ولكنه يشغل الطلبة، ويحضر الوظائف التي كانت بيده قبل القضاء.
وكان جُل تكسبه من التوقيع، فامتنع عليه أن يباشره، بعد أن صار قاضي القضاة، فضاق حاله، وتعطل إلى أن نُسِي، كأن لم يكن شيئاً مذكوراً.
وكان الظاهر يتفقده بالصدقات، فلما مات الظاهر كف بصر المَجد، وساءت حاله إلى الغاية.
ومات في أول شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة. وكان كثير النظم، جيد الوزن فيه، إلا أنه لم يكن بالماهر في عمله. وله أشياء كثيرة من قسم المقبول كقوله:
لا تحسبنَّ الشِّعْر فضلاً بارعاً ... ما الشعرُ إلا محنةً وخبَالُ
فالهجو قَذْفٌ والرثاء نيَاحةٌ ... والعَتْب ضِغْنٌ والمديح سؤالُ
وقال أيضاً ...
стр. 82
إسماعيل بن سعيد بن عَلَس الصدفي، من بني عريب. ذكره أبو سعيد بن يونس وقال: ولي قضاء مصر أيام وله أخبار. وأخته أم قيس بنت سعيد التي ترعف بها الناحية المعروفة بدار أم قيس. وذكره الدارقطني في علس. ولم يذكر ابن يونس متى وَلي ولا عَمَّن ولي، ولا من ولاه. ولعله كان في الفترة التي بين عزل الحارث بن مسكين وولايته دحيم.
وهجم عليه الموت قبل أن يتوجه إلى مصر، فأقامت بغير قاض حتى قدم بكار، فلعل هذا تكلم في الأحكام بإذن أمير مصر إلى أن قدم بكار.
إسماعيل بن سلامة الأنصاري الحلحُولي: يلقب الموفَّق في الدين، ويكنى أبا الطاهر وهو إسماعيل من المائة السادسة. فوض إليه الحافظ لدين الله القضاء لما عزل ابن الأزرق وذلك في سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وخمسمائة وأمره أن يحكم بين الناس، إلى أن يختار من يصلح. فاستمر على ذلك إلى أن انسلخت السنة.
стр. 83
وكان قبل ذلك داعي الدعاة ولقب لما وليها مكين الدولة. فقرر في الوظيفة المكرَّمي. فلما بلغ ذلك ابن سلامة، سعى أن يوفر لجهة الخليفة معلومَ القضاء، وهو في الشهر أربعون ديناراً، ومعلوم الدعوة، وهو في الشهر ثلاثون. فذلك سبعون يحصل منها في السنة ثمانمائة وأربعون ديناراً، وأن يستقل بالحكم. فأجيب إلى ذلك. وهو أول من فعله، ولم يباشر المكرَّمي، إلا أياماً يسيرة، من أول سنة خمس وثلاثين.
واستمر ابن سلامة إلى أن صرف عن القضاء في السابع من المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وبقيت معه الدعوة. وذكر ابن فضلان في تاريخه أنه تأخرت وفاته إلى سنة ست وأربعين.
قال محمد بن أسعد الجواني في النقط: وكان كريم الخلق، حليماً مهيباً، وفوراً مليح الشيبة، ظريف الهيئة، وكان على رأي القوم. قال: ورأيته - عدة سنين بمصر،
يوم طواف المساجد والجوامع قبل رمضان بيومين - إذا وصل إلى مسجد الحاكم.. نزل وصلى فيه يناوله صرة فيها مائة درهم، وربما كانت ثلاثمائة فيأخذها منه، ويضعها في كمه، ويقول له يا سيدنا: هذه برسم الغلمان. قال: فدام على ذلك عدة سنين.
وقال الجواني أيضاً: سمعت أبا الطاهر يحدث والدي بدار الضرب، قال: قال لي الحافظ: يا قاضي أحدثك بحديث عجيب، قلت نعم. قال: لما جرى علي من أبي على ابن الأفضل ما جرى، رأيت وأنا في الاعتقال أني جلست في مجلس أعرفه في القصر، وكأني عدت إلى الخلافة، ودخل إلي المغاني وفيهن واحدة معها عود تغني وتقول:
أَتتكَ الخلافةُ مُنْقادةً ... إليكَ تُجرِّرُ أَذْيالَها
فلم تكُ تصلحُ إلاَّ لَهُ ... ولم يكُ يصلحُ إلاَّ لهَا
وَلَوْ رَامَهَا أَحَدٌ غَيْرَهُ ... لَزُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلُزَالَها
стр. 84
وكأني قمت إلى خزانة الجواهر، فملأت فمها منه جوهراً. قال: ثم استيقظت فما كان إلا يومين، حتى قبض على أبي علي، وأخرجت وأجلست في ذلك المجلس بعينه، ودخل المغاني وفيهم تلك المرأة، وغنت ذلك الغناء بعينه. فقمت إلى خزانة الجوهر، وأخذت الْحُقَّ، وقلت لها: فاتحي فاك، فملأته من الدر.
إسماعيل بن عبد الواحد بن محمد الرَّبعي المقْدِسّي، أبو هاشم، من المائة الرابعة، شافعي.
قال أبو محمد بن زولاق: كان أبو هاشم من الفضلاء النبلاء، يجمع الحفظ والفهم، ويدرس القرآن والعلوم، إلا أنه كان قوي النفس تَيَّاهاً. وكانت ولايته للقضاء في صفر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فأقام قدر شهرين. وكان السبب في ذلك أن ابن زَبْر، لما مرض تَكِين بمرض السل، خشي على نفسه من أهل مصر، لما كان عامَلهم به. فكرب ابن زبر إلى تكين، فاستأذنه في السفر فامتنع من الإذن له. فألحّ عليه فلم يقبل. فركب ابن زبر إلى أبي هاشم هذا، وكان قد اختص بالأمير تكين، حتى كان لا يصدر إلى عن رأيه. فسأله أن يقبل عنه نيابة الحكم إلى أن يعود، وأن يتلطف له في الإذن بالسفر. فلم يزل أبو هاشم يكلم الأمير حتى أذن له في ذلك. فتسلم الديوان من ابن زبر، ورجل ابن زبر جميع ما حصله، وتوجه إلى دمشق. فلقي الإخشيد محمد بن طغج، فسأله عن أحوال مصر، فأعلمه أن الأمير على موت. فتصوب الإخشيد للتوجه إلى مصر، واستمر أبو هاشم يحكم بين الناس، ويتقوَّى بالأمير.
وفي ولايته تحدَّث مع الأمير تَكِين فبعث معه صاحب الشُّرَط، فأقام من كان بالجامع العَمْرِي من المالكيين والحنفيين إلا القليل منهم، وهو خمسة:
стр. 85
ابن الحداد والطحاوي وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن رمضان الزيات وأبو بكر الرازي، فحقدوا عليه. ثم سئل في حلقة محمد بن عبد الغني التي فيها أبو الذكر، فأذن له إلى أن مات تكين.
ووقعت الفتنة بين ولده محمد بن تكين وبين الوزير محمد بن علي المَاذَرَائي. فاجتمع جماعة ممن أهانهم أبو هاشم، فتكلموا فيه عند الماذرائي. فأرسل إليه فمنعه من الحكم. كان أبو هاشم أمر بكر محمد بن عليا لعسكري أن ينظر في الفروض، فاستمر بعد منع أبي هاشم على حاله. وأذن له أن ينظر بين الخصوم، فنظر أياماً إلى أن وصل ابن قتيبة.
ولما شغب الجند على محمد بن تكين، توجهوا إلى دار أبي هاشم، فنهبوا جميع ما فيها، وأخرجوا منها آلات الملاهي والمسكر، وكان ذلك لحظية مودعة أودع عند بكران بن الصباغ بضعة وثمانين ألف دينار، فخانه في أكثرها.
وكان جماعة من المالكين أرادوا أن يكتبوا عليه محضراً عند العسكري، فبلغ ذلك ابن الحداد، فركب إلى العسكري فثني رأيه عن ذلك. وذكر له العسكري أموراً عملها أبو هاشم معه ومع غيره، فلم يقبل منه. ولم يزل به حتى رجع عن المساعدة عليه.
وكان يلزم الشهود أن يركبوا معه. فركب يوماً فتفقد محمد بن رمضان، فسأل عنه، فقيل له: هو حاضر، وكلنه لم يجد ما يركبه. فمشى فالتفت، فرآه ماشياً فنزل عن بغلته، وأمره أن يركبها وركب هو بغلة أخرى، وقال: هذا جزاء من أتانا ماشياً.
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: ولي قضاء مصر نحو من شهرين، وكان من كبار الشافعية، وكان جبّاراً ظَلُوماً فلم تطل ولايته.
كذا قال. ولو راجع كلام ابن زولاق لأجاد وأفاد فوصْفُه له بأنه من كبار الشافعية لا سلف له فيه، وتعليله قصر ولايته بأنه كان جباراً ظَلوماً، ليس بواضح من سيرته التي حررناها.
стр. 86
ولما فر إلى الرملة أقام بها خمس سنين، حتى ملك الإخشيد مصر، فبعث إليه يستدعي، فوجده الرسول قد أصابه الفالج. فقال: قل له ما قال الجاحظ: (ما تصنع بشق مائل، ولُعاب سائل، وعقل ذاهل) . ومات بعد ذلك بيسير في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة.
إسماعيل بن اليَسَع بن الربيع أو ابن الربعي بن اليسع الكندي الكوفي الحنفي، وأبو الفضل وأبو عبد الرحمن. كان من أهل الكوفة، من المائة الثانية. أخذ عن أبي حنيفة. وسمع من محمد بن عمرو بن علقمة وغيره، روى عنه عبد الله بن وهب وسعيد بن أبي مريم وأبو صالح الحراني، وغيرهم.
قال أبو عمر الكندي: كانت ولايته بعناية يعقوب بن داود وزير المهدي. وهو أول كوفي ولي القضاء على رأي أبي حنيفة، وذلك بعد موت ابن لَهيعة سنة أربع وستين ومائة.
وقال سعيد بن أبي مريم: أول من أدخل مذهب أبي حنيفة مصر، إسماعيل ابنا ليسع، وكانوا لا يعرفونه وكان من خير قضاتنا، إلا أنه كان مذهبه إبطال الأحباس، فثقل على أهل مصر وابغضوه.
وقال يحيى بن بُكير: كان فقيهاً مأموناً، وكان يصلي بنا الجُمع، وعليه كساء مربع من وف وقطن، وقَلَنْسُوَة من خز. وقال خلف بن ربيعة عن أبيه وغير واحد: كان إسماعيل رجلاً صالحاً، وكان في زمان ولايته القضاء، أميرَ مصر إبراهيمُ بن صالح، وصاحبَ البريد سراجُ بن خالد فأراداه على الحكم لهما بشيء فلم يطعهما، فاحتالا عليه، فاستدعاه عُسَامة بن عمرو، فأطعمه سمكاً، ثم أدخل الحمام فمرض، فكتبا إلى
الخليفة المهدي إن إسماعيل حصل له فالج. فكتب بعود غوث بن سليمان إلى القضاء، فصرف إسماعيل في سنة سبع وستين ومائة.
стр. 87
وقال ابن يونس: حدثنا علي بن أحمد بن سليمان. حدثنا أحمد بن سعد ابن أبي مريم، سمعت عمي يقول: قدم علنيا إسماعيل بن اليسع الكوفي قاضياً بعد ابن لهيعة، وكان من خير قضاتنا، غير أنه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة، ولم يكن أهل مصر يعرفون مذهب أبي حنيفة، فذكر الباقي نحوه.
وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي، أنه سمعه يقول: أول عراقي ولي قضاء مصر إسماعيل بن اليسع. فكتب المهدي في أمره لأهل مصر فقالوا: إنا لم ننكر عليه شيئاً في مال ولا دين، غير انه أحدث أحكاماً لا نعرفها ببلدنا، فعزله.
وقال يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه جاء رجل إلى الليث بن سعد فقال: ما تقول في رجل قال لرجل يا مأبون يَا من ينكح دبره؟ فقال له الليث: ائت القاضي
إسماعيل بن اليسع فاسأله فقال: قد صرت إليه فسألته فقال لي: يقول له مثل ما قال له. فقال الليث سبحان الله وهل يقال هذا! قال: فكتب الليث فيه إلى الخليفة فعزله.
قال: وجاء الليث إلى إسماعيل بن اليسع فجلس بين يديه، فقام إسماعيل وأجلّه، وأمره أن يرتفع، فقال ما جئت إليك زائراً وإنما جئت إليك مخاصماً. قال في ماذا؟ قال: في إبطالك أحباس المسلمين. قد حبّس رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فمن بقي بعد هؤلاء؟ وقام فكتب إلى المهدي فورد الكتاب بعزله. فأتاه الليث فجلس إلى جنبه، وقال للقارئ: اقرأ كتاب أمير المؤمنين فقال له. إسماعيل: يا أبا الحارث وما كنت تصنع بهذا؟ والله لو أمرتني بالخروج لخرجت من البلد. فقال له الليث: إنك والله ما علمت، لَعفيفٌ عن أموال الناس.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرني أبي قال: كتب في الليث إلى المهدي: (يا أمير المؤمنين إنك وليت علنيا رجلاً يكيد سنة رسول الله ﷺ بين أظهرنا مع أنا ما علمنا عليه في الدينار والدرهم إلا خيراً، فكتب بعزله) .
стр. 88
وكان ورود الكتاب بعزله في جمادى الأولى سنة سبع وستين ومائة، وفيه تولية غوث بن سليمان وكانت وفاته في.
الأعزّ بن أبي عقيل هو أحمد بن عبد الرحمن تقدم أوس بن عبد الله بن عَطيَّة بن أوس الحضرمي ابن أخي يونس بن عطية. ويأتي تمام نسبه في يونس، وهو من المائة الأولى.
لما ثقل عمه في الضعف ولاه عبد العزيز بن مروان القضاء، وولي عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج الشُّروط، فأقام أوس في القضاء شهرين ونصفاً. ثم صرفه عبد العزيز بعد موت عمه. وأضاف القضاء إلى والي الشرطة المذكور. وذلك في شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين.
ويقال إن يونس كان قد استناب في مرضه رجلاً من تُجيب، فبلغه أنه قام الرجل في مجلس الحكم، فعزله. وقال: ليس علي هذا مضى السلف، وكان أوس المذكور..
стр. 89
حرف الباء الموحدة
بدر الجمالي أمير الجيوش أبو النجم. كان مملوكاً لجمال الدولة أبي الحسن علي بن عَمَّار صاحب طرابلس، ملكه وهو صغير ورباه فظهرت عليه النجابة. فلم يزل ينتقل حتى ولي إمرة دمشق منق بل المستنصر العبيدي في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربعمائة. وولي المستنصر معه الشريفَ ثقة الدولة ذات الجلالتين أبا الحسين يحيى بن زيد الحسيني ناظراً على الأعمال. فباشر بدر الإمرة سنةً وثلث سنة. ثم خرج منها في رجب سنة ست وخمسين. ثم أعيد إلى إمرتها في شعبان سنة ثمان وخمسين، بعد سنتين فباشرها سنتين. ثم بلغه أن ولده قتل بعسقلان فتوجه من دمشق في رمضان سنة ستين، فلما كان بمسجد القدم خارج دمشق، عمد بعض الجند والعامة إلى قصره فأحرقوه. ولم يزل ينتقل في الإمرة من دمشق إلى صور حتى ملكها. وأخرج صاحبها عين الدولة أبا الحسن محمد بن عبد الله بن عياض بن أبي عقيل، وكان قاضيها، فغلب عليها وتولى إمرتها.
ثم أقام بدر بعكا إلى أن تغلب ناصر الدولة ابن حمدان على الأمر بمصر، ونقصت حرمة الخليفة المستنصر باستبطائه ناصر الدولة، واستبداده بأحوال المملكة دونه. فشكا المستنصر حاله لبعض من يثق به، فأشار عليه بمكاتبة بدر وأن يفوض إليه أمر مصر ليكفيه من يعارضه فيها. فكتب إليه كتاباً يحثه فيه على القدوم، وبالغ في الاستعانة به حتى قال في ذلك الكتاب:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلاَّ فأدركني ولمَّا أُمزَّقِ
فلما قرأ الكتاب قويت رغبته في ملك مصر، فلم يملك نفسه أن صاح: لبيك، لبيك، لبيك. وتوجه في أسرع وقت بعد أن جمع معه عسكراً علم صدق نيَّتهم في طاعته، وركب البحر في وسط الشتاء في مائة مركب، فوصولا سالمين حتى
стр. 90
دخل دمياط. وزعم أهل البحر أنهم لم يعهدوا صحواً متمادياً في كانون الثاني، وما بعده مدة أربعين يوماً، إلا في تلك الأيام. وسار في البر من دمياط إلى ظاهر قليوب. فأمر المستنصر العسكر بتلقيه فتلقوه. فدخل في جمادى الأولى سنة ست وستين وأربعمائة. فقربه وبالغ في إكرامه. ولم يكن أحد منهم علم باستدعائه إياه، وإنما ظنوا أنه قدم زائراً، فبالغوا في إكرامه وضايفته. فلما عرف بدر أنه استوفى ضيافة الجميع، دعاهم إلى دعوى صنعها لهم فلم يتخلف عنه منهم أحد. فقرر مع جماعته أن يوكل كل واحد منهم بأمير من تلك الأمراء، يُظهر أنه قائم على رأسه لخدمته، وجعل الأمارة معهم أنه إذا تكامل أكلهم، ورفع السماط، وخرج
هو إلى قضاء حاجته في المسترفق، أن كل من يتوجه إلى قضاء حاجته فيا لمسترفق يتوجه بمن هو موكَّل به معه. فإذا دخل الخلاء قتله، ويتوجه الذي يليه بعده كذلك. فقتلوا الجميع في تلك اللحظة من غير أن يشعر الثاني بما جرى للأول. فلما تم له الأمر، قرَّر في إمرة كل أمير من كان موكلا به، حتى في داره وجواريه وماله. ثم صبّح المستنصر، فاخبره، فقرره في وزارته، وفوض إليه الأمور كلها، وعاهده على ذلك. وجعل إليه أمر القضاة والدعاة، ولقبه السيد الأجل أمير الجيوش كافِلَ قضاة المسلمين، هادى دعاة أمير المؤمنين، وصار هو الذي يولي القاضي والداعي فيكون كل منهما نائباً عنه. وكان فيما تضمنه تقليده: (وقد قلدك أمير المؤمنين جوامع تدبيره. وناط بك النظر في كل ما ولى لسريره) .
وكانت خلعته نظير خلع القضاة بالطرحة. وكانت إذ ذاك تسمى الطيلسان المقوّر مع اللثام والذؤابة التي تسمى الآن العذبة، وكان إذ ذاك يسمى الحنك وفي طوقه العقد المنظم بالجوهر. فشرع في تدبير الأمور، واستبد بها، وتجرد أولاً لقمع المفسدين إلى أن أبادهم، وأنشأ دولة جديدة، واستعاد البلاد التي غلب عليها الولاة والقضاة، وهي عسقلان وصور وطرابلس. وأنشأ داره بحارة برجوان، وتعرف بدار المظفر. واستدعى بجمع كثير من الأرمن، فاتخذهم جنده
стр. 91
وخدمه ثم طاف البلاد حتى أزاح عنها المتغلبين من العرب وغيره، فأوقع بهم بالإسكندرية ثم بطوخ وبدمياط، إلى أن صفت له البلاد. ثم توجه إلى الصعيد الأعلى، حتى بلغ أسوان، فقتل كبير الدولة الذي كان يغلب عليها فهزمه وقلته وبنى بها مسجد النظر.
واتفق أنه كان له ولد كبير فعصى عليه، واستولى على الإسكندرية فحاصره حتى أخذه. فلما قبض عليه قتله بيده، وأباد من أعانه وساعده. وبنى بها الجامع الكبير المعروف بجامع العطارين. وفي أيامه أخِّر باب زويلة إلى حيث هو. وكان قبل ذلك بموضع الغرابليين الآن. وكذا صنع بباب الفتوح، وضعه حيث هو وكان قبل ذلك على رأس حارة قراقرش. وبسبب ذلك صار جامع الحاكم داخل البلد، بعد أن كان خارج بابها.
وكان شديد الهيبة، مخوف السطوة، سريع البطش، وفيه يقول أبو يَعلى ابن الهبَّاريّة في منظومته التي عرف بالصاد والباغم:
كان بمصر بَدرُ ... له عليها الأمرُ
يَقتلُ كل ساعة ... من أهلها جماعة
ويشرب الدماءَ ... حتى تُخَال ماءَ
أصلحها بسيفه ... وجوره وحيفهِ
جزاء كلُ فعل ... لديه سوءُ القتل
لما عصاه ولدُه ... وبان منه نكدُه
أراده حَتْفاً بيده ... ثم رَمَى بجسده
فغضب المستنصرُ ... قبلى في جثماني
ثم غزا لواته ... إذا ظنهم حماته
فحين قيدَ الأسرى ... قال اقتلوهم صبرا
عشرون ألفاً كانوا ... حتى جرى الميدان
فيا لنيل من دمائهم ... ولج في فنائهم
стр. 92
وهو على ظهر الفَرَسْ ... كضَيْغَم إذا افتَرَسْ
وكان بدر جواداً يسمع المديح ويثيب عليه، حتى قيل إن احتياجه في كل شهر من السكر كان مائة قنطار بالركل الشامي.
وكان من تدبيره أنه عمد إلى مصر بعد الغلاء المفرط، فنادى بإباحة الزرع لمن زرع وبذر، بغير خَراج، ثلاث سنين، فكثر الزراع لرغبتهم في عدم وزن الخراج. فما مضى الثلاث حتى استغنوا. فوضع الخراج في الرابعة. واقتصر فيما يقال على جباية النصف، وسمح للزراع بالنصف، ثم صار بعد ذلك يستوفي الخراج، بعد أن عُمِّرت الأرض كلها.
وكان من مكارمه ما ذكره ابن ميسر في ترجمة علقمة بن عبد الرزاق العُلَيْمي أنه وفد عليه، فوجد أشراف الناس وأكابرهم على بابه، فلم يتيسر له
الوصول إليه، إلى أن اتفق أنه خرج يوماً يريد الصيد، فوقف له على تل. فلما اجتاز به أشار إليه بورقة في يده، وصاح بأعلى صوته:
نحت التجارُ وهذه أعلاقُنا ... دُرِّ وجود يمينك المبتاعُ
قَلِّب وفتِّشها بسمعك إنما ... هي جوهرٌ تختاره الأسماعُ
كسَدت علينا بالشآم وكلما ... قل النَّفاقُ تعطل الصنَّاعُ
فأتاك يحملها إليك تجِارها ... ومطيّها الآمال والأطماعُ
حتى أنَاخُوها ببابك والرجا ... من دونك السِّمسارُ والبَيَّاعُ
فوهبت ما لم يعطه في دهره ... هرِمٌ ولا كعبٌ ولا القعقاع
وسَبقتَ هذا الناسَ في طلب العلا ... والناسُ بعدك كلهم أتباعُ
يا بدرُ أُقسم لَوْ بِكَ اعتصم الوَرَى ... ولجوا إليك جميعُهم ما ضاعوا
قال: فلما شرع في الإنشاد، أمسك عنان فرسه، فلما فرغ كان في يده بازي، فدفعه لبعض أتباعه وجعل يستعيد الأبيات. فأمر بإحضاره مجلسه. فلما دخل عَلَيْهِ قال مَن أحبني فَليخْلَع عليه، فما توجه من حضرته إلى بسبعين حملاً، وأجازه من ماله بعشرة آلاف درهم.
стр. 93
وهو أول من ولي الوزارة والقضاء من ذوي السيوف، وأول من أقام للأرمن دولة بالديار المصرية. وكان الذي في القضاء، لما ولي بدرٌ الجمالي القاهرةَ، الحسنَ
ابن أبي كُدَيْنه كما سيأتي في ترجمته. فسيًّره بدر الجمالي إلى دمياط فقتل بها، وقتل معه ولده.
وكان القضاء قبل هذه السنة قد صار مبتذلاً مهاناً جداً، حتى كان يقول ... حدثونا لم فصل.. بحيث إن ابن أبي كدينة وكذا الوزير هذا، ولي القضاء والوزارة في مدة عشر سنين ثلاث عشرة دفعة، منها في سنة تسع وخمسين خاصة، خمس مرات. فلما ولي بدر استناب عبد الحاكم بن وهيب المليجي، ثم صرفه وقرر جلال الملك ابنَ عبد الكريم ألف ارقي.
وذكر ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة أسع بن مهذب، ابن أبي المليح مَمَّاتي الكاتب الشاعر عن جمال الدين القفطي، قال: بلغني أن بعض تجار الهند قدم إلى مصر، ومعه سمكة مصنوعة من عنبر، قد تأنق فيها، فعرضها على بدر الجمالي، فسامها منه. فقال لا أنقصها على ألف دينار، فاستغلاها فردها صاحبها، فسأله أبو المليح فقال هل وكان حينئذ كاتباً تحت يد كاتب الجيش، بباب بدر أمير الجيوش: كم سمعت فهيا؟ قال: ألف دينار. فدفع له الألف ينار وأخذها. فلما كان بعد مدة كان أبو المليح في داره يوم بطالة، فشرب، فقال لمن عنده: قد اشتريت سمكة، فأحضروا لي المقلي والنار. فأحضروا له مقلي من حديد وفحماً، فأخرج تلك السمكة فوضعها فوق ذلك الفحم بعد أن ألقت فيه النار. ففاحت روائحها وتزايدات حتى امتلأت بيوت الجريان. واتصل ذلك ببدر الجمالي وهو في درا له على النيل، فخشي أن تكون
خزائنه احترقت فتفقدها فوجدها سالمة. فقال: اكشفوا عن هذا الدخان من أين يأتي؟ فتتبعوه فوجوده من بيت المليح. فأخبروه الخبر، فاستكشف عن حقيقة الخبر حتى عرفها.
فلما دخل أبو المليح الديوان على عادته استدعى به، فقال له وهو مغضب: ويحك أنا أستعظم شراء سمكة عنبر بألف دينار وأنا ملك مصر، فأتركها استكثاراً لثمنها، تشتريها أنت؟ ثم لا يقنعك حتى تقليها في النار؟ فتذهب في ساعة واحدة؟. ما سمحت بهذه إلا وقد نقلت أموال بيت المال إلى دارك! فقال:
стр. 94
لا والله ما فعلت هذا إلى غَيرة على الملك، فإنك اليوم سلطان نصف الدنيا، وهذه السمكة لا يشتريها إلا ملك، فخفت أن يقال إنك استعظمتها فتركتها، فأردت أن يقال إنك إنما تركتها احتقاراً لها، لأن كاتباً نصرانياً عند كاتب من الكتاب ببابك اشتراها وأحرقها، فيشيع ذلك فيعظم قدر ملكك بين الملوك، فأعجبه ذلك. وأمر له بضعف ثمنها وزاد في أرزاقه.
بدر بن بدر بن عالي وقيل ابن عبد الله بن عالي أبو النجم الخوَافي من المائة الخامسة أصله من خَوَاف بلدة بالمشرق، ولي القضاء بالديار المصرية بعد صرف حسين بن يوسف الرصافي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة فلم تطل مدة ولايته حتى صرف في السنة المذكورة واستقر نعمة ابن بشير النابلسي.
بدر بن عبد الله بن عالي، وقيل هو بدر بن عالي والد المذكورة قبله، وهو قول ابن ميسر، وهو مقتضي قول ابن دانيال: ثم ابن بدر وأبو الفضل قضى.
ولي بعد حسين بن يوسف الرصافي.
وقرأت بخط الحافظ قطب الدين: بدر بن عالي بن نصير ذكر في قضاة مصر بعد عبد الله بن مكرم، وذكر أيضاً قبل مجلي بن جميع الأرسوفي. ثم قال ولم أرَ من ذكره غير ابن دانيال، كذا قال. وقد ذكره ابن ميسر، لكن سمي أباه بدراً ورأيت في رجز القاضي بدرِ الدين بن جماعة من نظمه، ما يتقضي أن بدر بن عالي ولي القضاء، وكذا ولده بدر بن بدر.
стр. 95
ويؤخذ من هذا أن بدر بن عالي ولي القضاء بعد عبد الله بن مكرم، ثم وليه مرة ثانية بعد الرصافي ويلي بعده ابنه بدر بن بدر، ولي بعده وأنه ولي مرة أخرى قبل مجلى ولم أعرف من حال بدر بن علاي ولا ابنه شيئاً.
بُشَيْر بن النَّضْر بن بشير بن عمرو بن يزيد بن ملحة بن عمرو بن بكر المُزّنِيِّ، لوالده إدراك، فإنه شهد فتح مصر واختطّ بها، وولاه - أعني بشيراً - عبدُ العزيز بن مروان القضاء لما مات عابس، وذلك في سنة ثمان وستين. مات بعد مضي سنة واحدة وذكره سعيد بن عُفير في الأخبار. وقال خلف بن ربيعة عن أبيه عن ابن لهيعة: وليها بشير بن النضر. قيل ما لبث أن مات. قال ربيعة: فسألت أهله فقالوا: مات سنة تسع وستين أو في سنة سبعين. وذكر أبو عمر الكندي من طريق جعفر بن ربعية أن بشير بن النضر المزني وكان قاضياً قبل ابن حُجَيْرة في زمن عبد العزيز قال في قوله تعالى: (وَعَلَى الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) قال: الوارث: الصبي.
стр. 96
وجمع لبشير بين القضاء والقصص وبيت المال. وكان رزقه في كل سنة ألفَ دينار. وذلك أنه كان له على القضاء مائتا دينار، وعلى القصص مثلها، وعلى بيت المال مثلها، وفي العطاء، مثلها، وفي الجوائز مثلها، فلا يحول الحول وعندها منها شيء. وكان يقتدي به لورعه. وكانوا يهدون له في الأعياد وفي المواسم، فلا يقبل لأحد شيئاً. وكان شديد التواضع.
بَكَّار بن قُتَيْبَة بن عُبَيْد الله بن أبي بَرْذَعة بن عُبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبي بكرة، أبو بكرة، الثقفي ثم البكراوي. كذا نسبة ابنُ عساكر، وساق نسبة من عند أبي عمر الكندي، فأسقط عبيد الله بين قتيبة، وأبي برذعة، وعبيد الله بين أبي برذعة، وبشير بن عبيد الله، وكذا في تاريخ أبي جعفر الطحاوي. وأما ابن يونس فأسقط عبيد الله الأول وأثبت الثاني وهو المعتمد. وفي سير النبلاء للذهبي: بكار بن قتيبة بن أسد بن عبيد الله، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وهو حنفي. أخذ الشروط والفقه عن هلال بن يحيى الرأي، وعن عيسى بن أبان، وطلب الحديث فاكثر عن أبي داود الطيالسي، ويزيد بن هارون، وصفوان بن عيسى، وعبدا لصمد بن عبد الوارث، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم من مشايخ البصرة، كأبي أحمد الزبيري، وعبد الله بن بكر، وعفان، حسين بن حفص الأصبهاني، وإبراهيم بن أبي الوزير، وحبان بن هلال، وأبي عاصم، وعثمان بن الهيثم، وسعيد بن عامر الضَّبْعي، ويحيى بن حماد، ومكي بن إبراهيم، وعبد الله بن رجاء، وروح بن عبادة، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي عامر العَقدي، ويعقوب بن إسحاق، ويحيى بن يونس، وحسين بن مهدي، وقريش بن أنس في آخرين.
стр. 97
وذكر ابن عساكر في الرواة عنه، ولده بكر بن بكّار، وفيه نظر، لأنه سيأتي في قضيته مع مسوى بن عبد الرحمن أنه قال: ما نكحت قط. روى عنه أبو داود
السجستاني خارج السنن، وابن خزيمة، وأبو عوانة في صحيحيهما، ويحيى بن محمد بن صاعد، وابن جَوْصَا، وأحمد بن عبد الله الناقد. والحسن بن محمد ابن النعمان، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة الدمشقي، وأكثر عنه الطحاوي جداً، وروى عنه أيضاً محمد بن سليمان بن حَذْلَم الدمشقي، وأبو الميمون عبد الرحمن البجلي، ومحمد بن العباس بن زِيَرْك وصاعد، وابن جَوْصَا، وأحمد بن عبد الله الناقد. والحسن بن محمد ابن النعمان، ومحمد بن محمد بن أبي حذيفة الدمشق، وأكثر عنه الطحاوي جداً، وروى عنه أيضاً أحمد بن سليمان بن حَذْلَم الدمشقي، وأبو الميمون عبد الرحمن البجلي، ومحمد بن العباس بن زِيَرْك وصاعد بن عبد الرحمن البَجَلي، والحسن بن حبيب الحَصَائِري، وعلي بن الحسين بن محمد بن النضر، وأحمد ابن محمد بن بشر وأحمد بن محمد بن فضالة، وأبو الحسين محمد بن علي بن أبي الحديد، وجعفر بن محمد بن موسى، وإبراهيم بن إسحاق الصَّرَفَنْدِي، وأبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني، وأبو العباس محمد بن يعقوب الأصم. وهذان خاتمة أصحابه.
وكان له اتساع في الفقه والحديث. قال أبو بكر ابن المقرئ في فوائده: سمعت محمد بن بكر الشَّعْرَانِي بالقدس يقول: سمعت أحمد بن سهل الهروي يقول: كنت ألازم غرياً لي إلى بعد العشاء الآخرة، أو نحو هذا. قال وكنت ساكناً في جوار بكار بن قتيبة، فانصرف بعد العشاء إلى منزلي فإذا هو يقرأ (يَدَاؤُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةَ فِي الأرْضِ) الآية. فوقفت أتسمَّع عليه طويلاً، ثم انصرفت فقمت في السَّحَر على أن أصير إلى منزل الغريم، فإذا هو يقرأ هذه الآية يرددها ويبكي فعلمت أنه كان يقرؤها من أول الليل.
وفي فوائد المشرف بن علي التَّمِّار من رواية أحمد بن سعيد، سمعت سعيد ابن عثمانَ يقول: سمعت بكار بن قتيبة يقول:
لنفسي أبكى لستُ أبكي لغيرها ... لعَيْبِي في نفسي عن الناس شاغل
وقال أبو عمر الكندي: قال محمد بن الربيع الجيزي: ولي من قبل المتوكل، فدخلها يوم الجمعة لثمان ليال خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين. ويقال أنه لقي، وهو قاصدٌ مصر، محمد بن أبي الليث بالجفار وهو الرمل الذي بين غزَّة والعَريش راجعاً إلى العراق مصروفاً، فقال له بكرا: أنا رجل
стр. 98
غَريب وأنت رجل قد عرفت البلد، فدلني على من أُشاوره وأسكنُ إليه، فقال له عليك برجلين أحدهما عاقل، وهو يونس بن عبد الأعلى، فإنني سعيت في سفك دمه، وقدر علي فحقَن دمي. والآخر موسى بن عبد الرحمن بن القاسم فإنه زاهد. قال: فصفهما لي، فوصفهما له. فلما دخل بكار مصر ودخل الناس رأي شيخنا بالوصف الذي وُصفهما لي، فوصفهما له. فلما دخل بكار مصر ودخل الناس رأى شيخنا بالوصف الذي وُصِفَ له به يونس بن عبد الأعلى فظن أنه هو فأكرمه. فبينما هو في الحديث معه إذ قبل: جاء يونس بن عبد الأعلى فأعرض عن الرجل وتلّقَّى يونسَ فأكرمَه، وأتاه موسى بن عبد الرحمن فأعظَمه واستشاره وأخذ برأيه. وحمل يونس بكاراً على فسخ قضية الحارث بن مسكين في دار
الفيل ففعل.
واشتهى بكرا أن يرى الحارث بن مسكين فعُرِّف بزمانه فركب إليه، وسلم عليه في داره بسوق وردان. فاتفق أن بكاراً قال لموسى بن عبد الرحمن بعد ما تخصص به: يا أبا هارون من أين المعيشة؟ قال: من وقف أبي، قال: يكفيك؟ قال قد تَفَّيت به. وقد سأل القاضي، فأسأل؟ قال: سل. قال: هل ركب القاضي دينٌ بالبصرة لم يجد له وفاء حتى تولى القضاء؟ قال: لا، قال: فرزق ولداً أحوجه إلى ذلك؟ قال: لا. قال فعيال؟ قال ما نكحت قط. وما عندي سوى غلامي قال: فأجبره السلطان على القضاء وخوفه؟ قال: لا، قال: فضربت آباط الإبل من البصرة إلى مصر، لغير حاجة إلا لتلي الدماء والفروج؟ لله علي أن دخلت عليك أبداً. فقال: أقِلني يا أبا هارون، قال: أنت ابتدأت بمسألتي ثم انصرف عنه فلم يعد إليه.
وقد استبعد صاحبنا جمال الدين البشبيشي صحة هذه الحكاية من جهة أن ابن أبي الليث كان حينئذ محبوساً بالعراق، لأن خروجه من مصر كان في سنة إحدى وأربعين قبل مجيء بكار بخمس ينين.
وأجرى المتوكل على بكار في الشهر مائة وثمانية وستين ديناراً. فلم تزل تجري عليه طول حياته.
قلت: وهي على حساب خمسة ونصف وثمان كل يوم، فلعلها كانت ستة فحط الكُتَّاب منها نقص الأهلة.
стр. 99
وكان بكار عارفاً بالفقه كثير البكاء والتلاوة. وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وغرض من تقدم إليه وما حكم به على نفسه. وكان يكثر الوعظ للخصوم ولا سيما عند اليمين. وكان يحاسب أمناءَه في كل وقت، ويسأل عن الشهود.
وكان إبراهيم بن أبي أيوب يكتب للحارث بن مسكين، فلما دخل بكار مصر حضر إليه وكان ذكر عنده بسوء، فقال له: انصرف فلا حاجة لنا بك. فخرج فرآه أهل الخصومات الذين بباب بكار، فثاروا عليه ومزقوا ثيابه وضربوه، فقيل أبكار إن لم تُدْركه قُتِل، فقام فنادى: كفوا فقد أشركناهم في الكتابة مع كاتبنا. فرجع الذين وثبوا عليه، ينفضون ثيابه ويعتذرون إليه. ولولا هذه الحيلة من بكار كان إبراهيم قتل، ثم لم يستعمله بكار.
ولما أمر المتوكل ببناء المقياس في الجزيرة كتب إلى بكار أن يندب إلى المقياس أميناً، فاختار لذلك أبا الرداد عبد الله بن عبد السلام المؤدب فاستمر ذلك في ولده، وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين. وكان الذي يتولى أمر المقياس النصارى، فأمر المتوكل ألا يوليه إلا مسلماً يختاره. ذكر ذلك ابن زولاق.
وذكر أبو عمر الكندي أن كتاب المتوكل بذلك، ورد على يزيد أمير مصر، فأقام أبا الرداد المعلِّم، وأجرى عليه ابن وهب صاحب الخراج كل شهر ستة دنانير. وكانت وفاة أبي الرداد المذكور في سنة ست وثمانين ومائتين.
ودخل أبو إبراهيم المُزّنِيُّ علي بكار في شهادة، ولم يكن رآه قبلها لاشتغال المزني بنفسه، وإنما اضطر إلى أداء الشهادة. فلما أداها قال له: تَسَمَّ، فقال: إسماعيل بن يحيى المُزني، قال: صاحبُ الشافعي؟ قال: نعم. فاستدعى من شهد عنده أنه هو، فقبل شهادته. قال الطحاوي: ما أدري كم كان يجيء أحمد بن طولون إلى بكار وهو على الحديث، فما يشعر به بكار إلا وهو جالس إلى جنبه، فيقول: ما هذا أيها الأمير؟ هلا تركتني حتى أقضي حقك! أحسن الله مجازاتك.
وقال أبو حاتم ابن أخي بكار: قدم على بكار رجلٌ، من أهل البصرة، ذكر أنه كان رفيقه في المكتب، فأكرمه جداً، ثم احتاج إلى شهادة فشهد مع رجل مصري عند بكار، فتوقف عن الحكم، فظن أهل مصر أنه لأجل المصري، فسئل في خلوة عن ذلك، فقال: المصري على عدالته ولكن السبب البصري، وذكر منه أمراً رآه
منه في الصغر، قال: لا تطيب نفسي إذا ذكرت ذلك أن أقبل
стр. 100
شهادته. وذكر أنه أكل معه أرزاً في سمن وعسل فنفد العسل الذي من ناحية بكار، ففتح من جهة صاحبه حتى جرى العسل، فقال له (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) فقال له بكار: أتهزأ بالقرآن في مثل هذا؟! فبقيت في نفسه عليه.
ومات رجل من المتقبلين وعليه مال للأمير وله أطفال، فطلب عاملُ الخراج من أحمدَ بن طولون أن يأمر القاضي ببيع داره فيما عليه، فأرسل ابن طولون إلى بكار في ذلك، فقال: حتى يثبت عليه الدين، فأثبتوه وسألوه البيع، فقال: حتى يثبت عندي أنه ملكه، فأثبتوه ثم سألوه البيع، فقال: حتى يحلف من له الدَّين، فحلف ابن طولون، فقال بكار: أنا الآن فقد أمرت بالبيع.
ومات آخر وعليه مال، وله دار حُبس، فقال عامل الخراج لأحمد: إن كباراً يرى بيع الحبس. فسأله ففعل كما فعل في المرة الأولى. فلما ثبت الدَّين، وثبت وضع يده عليه، وأنه حبُس، قال ابن طولون أبكار: مُر بيعه على مذهبك. فسكت ساعة، فعاوَده، فقال: أيها الأمير إنك قد بنيت المسجد الجامع والمارستان، والسقاية والصهريج، وحبست على ذلك ما شاء الله، فلا تجعل لغيرك على أحباسك سبيلاً. فسكت أحمد.
وكان بكار في غاية العفاف والسلامة. واتفق أن دخل عليه بعض أمنائه وهو مخرّق الثياب. فقال: بعثتني أحفظ تركة فلان فصنع بي جاره هذا، فقال أحضروه: فأحضره الأعوان، فقال له بكار: أنت صنعتَ هذا باميني؟ قال: نعم. فقال خذوه، فأخذه الأعوان فسقط ميتاً، فدهش بكار، فقال له أمناء القاضي: هذا عَمِلَه اليوم، مات مرتين، فاستوى الرجل جالساً، فقال كذبوا والله ما مِتُّ إلا الساعَة ورقد. فجعل بكار برشُّ عليه المَاوَرد ويُشٍمُّه الكافور ويَرْفُق به، ويعِده إلى أن قام فصرفه. واقبل على أعوانه، فقال هددتموه وجررتموه فلو وافق أجله.
وكان ابن طولون إذا حضر جنازة لا يصلي عليها غيرهُ، إلا أن يكون بكار حاضراً، ولما مات يحيى بن القاسم العلوي كانت جنازته حافلة، فحضر ابن طولون وبكار، وبعد أن صلى الناس على الجنازة فقال ابن طولون: حطوا النعش، وقال أبكار: تقدم فصل عليه. فقال له كم أُكبّر؟ قال: خمساً، فتقدم بكار فصلى عليه وكبر خمساً، وأعاد أكثر الناس الصلاة عليه مع بكرا.
стр. 101
وقدم قوم من أصحاب الحديث ليسمعوا من بكار فقال: من أي البلاد أنتم؟ قالوا: من الرملة قال: ما حال قاضيكم، قالوا: عفيف، فقال بكار: إنا لله، يقال قاض عفيف! فسدت الدنيا.
وكان بكار عثمانياً، فتظلّم إليه رجل فجعل ينادي: ذهب الإسلام! فقال له بكار: يا هذا نُحر عثمان، فما ذهب الإسلام، يذهب بسببك؟!. فلما وقع بينه وبين ابن طولون بكَّته بها ابن طباطبا النقيب.
وقال الطحاوي: جاء رجل إلى أبي جعفر محمد بن العباس التل الفقيه فقال له: في دار لرجل غائب وإني أريد إخراجها من يدي، فقال له: صِرْ إلى القاضي فسلِّمها له. فمضى وعاد، فقال: قلت له، فقال: أخرجوه، فقال له التل: صدق، عُد إليه واذكر له موضعها وحدودها ففعل، فقال: أخرجوه، فقال له التل: صدق، عُد إليه وسَمِّ له اسمَ صاحبها وأنه غائب، فقال أخرجوه، فقال التل: صدق، عُد إليه واذكر له الموضع الذي هو غائب فيه، فقال: أخرجوه. فقال التل: صدق: عُد إليه واذكر أنه لا ملك لك عليها، ولا على شيء منها بسبب من الأسباب. فقال: أخرجوه فقال التل: صدق. عُد إليه وقل له وأنا عاجز عن حفظها، فمضى ثم عاد فقال: عرفته ذلك. فقال: اكتبوا عليه بما ذكر كتاباً وأعطوه نسخته، واقبضوا الدار وأقيموا لها أميناً، حتى يحضر صاحبها، فقال له التل: ابتلِيتَ بقاضٍ فقيه.
قلت: والتل هذا يسمى محمد بن العباس بصري سكن مصر، ومات في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
وقال بكار يوماً في مجلسه: ما حللتُ سراويلي على حلال قط، فقال له رجل ولا حرام؟ فقال: والحرام يذكر! وقال أبو مسعود الأسد: كنت أتردد أنا وأخي إلى بكار بسبب أحباسنا، فجئت يوماً فصعدت إلى الدرجة، فسمعته يخاطب وكيلاً له ويقول له بعثتك لتزوج امرأة فتزوجتَها أنت! وهو يعتذر، وبكار يوبخه، فلما مضى كلامه نزل، فعرفته وإذا هو من شهوده.
وكان الحسنُ بن محمد بن سنان ابن أخي يزيد بن سنان من وجوه المصريين، وكان يريد من بكار أن يقبل شهادته، فلم يفعل، فصعدت أنا إلى بكار فقال: متى جئت؟ قلت: حين كنت تعاتب فلاناً، فقال: خذ هذين الدينارين اكتم ما سمعتَ مني، فقلت: أفعل. ثم نزلت من عنده إلى الحسن
стр. 102
ابن محمد فقلت له: أريد عمامة وطيلساناً وأحدثك حديثاً، فأخرج إلي عمامة، وثوباً زهرياً فحدثته، فركب من ساعته فلم يرجع حتى طاف على وجوه المصريين. فبلغ ذلك بكارا فأرسل إلي فقال: أعرَّفتَ أحداً ما سمعتَ؟ قلت: لا أفشي سر القاضي، قال: فمن أين بلغ الخبر الحسن بن محمد؟ قلت: قد قيل إن الجن تَبول في الماء فلا يشرب أحد من ذلك الماء إلا علم بذلك الخبر فقال بكّار: فقد قيل. انصرف في حفظ الله. قال: وكان الحسن بن محمد أميناً عند القضاة.
وكانت ودائع بكار وغيره عنده وعند زوجته فاطمةَ بنت يزيد بن سنان، وعاش الحسن بن محمد إلى سنة تسع وتسعين ومائتين.
وقال ابن زولاق حدثني عبيد الله بن عبد الكريم قال: كان بكار يشتهي أن يسمع كلام المُزني، فاجتمعا يوماً في جنازة، فأشار بكار إلى أبي جعفر التل، أن يسأل المزني عن مسألة، فقال التل: ما رأيت أعجب من أصحابنا الشافعيين، لهم أحاديث في تحريم قليل النبيذ، ولنا أحاديث في تحليله، فمن جعلهم ألوى بأحاديثهم منا بأحاديثنا؟ فقال المزني. ليس يخلو أن تكون أحاديثُكم قبل أحاديثنا أو بعدها، فإن كانت قبلها، فهكذا نقول إنها كانت محلَّلة ثم حرِّمت، فما نحتاج إلى أحاديثكم. وإن كانت أحاديثكم بعد أحاديثنا فهذا لا يقول أحد، إنها كانت حلالاً ثم صارت محرَّمة ثم يحلِّل. فقال بكار سبحان الله! إن يكن كلام أدق من الشعر فهو هذا، واتفق فراغهم، فصاح المنادي انصرفوا.
قال عبيد الله بن عبد الكريم: وكان بكار يخالف أصحابه في تحليل قليل النبيذ، ويذهب إلى تحريمه. وعاتب أبا جعفر التل صاحبُه على الشرب، قال: وكان بكار في غاية المعرفة بالقضاء، فاحتاج مرة إلى قبول شهادة رجل فسأل عنه فقيل له: ما يعرف حاله إلا ابنا الخلال الشافعيان، وكانا من جلساء المزني فأرسل إليهما، فسألهما فقالا: عامَلْناه وأوفانا. فقال لهما بكار: عاملكما وأوفاكما وأعفاكما؟ فقالا: لا، ترددنا إليه. فقال: وكان قادراً على الوفاء؟ قالا نعم. قال: فوقف عن قبول شهادته. قال: وكان
في مجلس ابن طولون، فتخاصم رجلان فقال له احكم بينهما، فنظر في القضية وتوجهت اليمين على أحدهما، فاستحلفه. فلما فرغ، قال له الخصم: استحلفه أيها القاضي برأس الأمير، فقال
стр. 103
بكار: يا هذا قد حلف بالله، أعظم من الأمير. فقال: بل استحلِفه برأس الأمير، فقال له بكار، تحلف برأسه؟ قال: لا، فقال له بكار: يا عدو الله، تحلف بالله خالق السموات والأرض، وتمتنع أن تحلف برأس مخلوق مثلك! قال: فحظي ذلك الرجل بعد ذلك عند أحمد بن طولون.
قال ابن زولاق: كان أبكار اتساعٌ في العلم والمناظرة، ولما رأى مختصر المزني وما فيه من الرد على أبي حنيفة شرع هو في الرد على الشافعي، فقال لشاهدَين من شهوده، اذهبا إلى المزني فقولا له: سمعتَ الشافعي يقول ما في هذا الكتاب؟. فمضيا: وسمعا المختصر كلَّه من المزني، وسألاه: أسمعتَ الشافعي يقول هذا؟ قال نعم. فعادا إلى بكار فأخبراه بذلك، فقال: الآن استقام لنا أن نقول أن الشافعي. ثم صنّف الرد المذكور.
ولما غضب أحمدُ بن طولون على بكّار سجنه، وكان السبب في ذلك أنه لما خرج إلى قتال الموفق، بسبب العهد حين ضيق الموفق، وهو ولي العهد، على أخيه المعتمد بذلك، وهو الخليفة حينئذ، حتى إنه لم يبق للمعتمد إلا الاسم، ضاق المعتمد بذلك، فكاتب أمراء الأطراف فوافقه أحمد بن طولون، وواعده أنه يحضر إليه ويحمله معه إلى مصر، ويجعلها دار الخلافة، ويذب عنه من يخالفه في ذلك. فتهيأ المعتمد لذلك، واهتم أحمد بأمره. فبلغ الموفق فنصب لأحمد الحرب، وصرح بعزله
ولعْنه، فصرح أحمد بخلع الموفق من ولاية العهد، وأمر بلعنه وخرج أحمد بالعسكر من مصر، واستحصب بكاراً. فلما كان بدمشق جاء كتاب المعتمد إلى ابن طولون بخلع الموفق من ولاية العهد ففعل، وأجاب القضاة كلهم إلى خلعه، وسماه بكار " الناكث " وأشهد على نفسه هو وسائر قضاة الشام الثغور، وطلب منهم أحمد أن يلعنوا الموفق، فامتنع بكار، فألح عليه، الشام والثغور، وطلب منهم أحمد أن يلعنوا الموفق، فامتنع بكار، فألح عليه، فأصر على الامتناع حتى أغضبه، وكان قبل ذلك له مُكْرِما معظماً، عارِفاً بحقه. وكان يجيزه في كل سنة بألف دينار. فلما غضب عليه أرسل إليه: أين جوائزي؟ فقال: على حالها، فأحضرها من منزله بخواتيمها ستة عشر كيساً، فقبضها أحمد. وكان قبل ذلك أرسله إلى ابنه العباس، لما خالف عليه ببرقة، فأجابه العباس إلى الرجوع إلى أبيه، ثم خلا ببكار فقال له: المستشار مؤتمن، أتخاف علي من أبي؟ قال: قد أمنك وحلف لك، ولا أدري يفي أم لا فامتنع العباس من الرجوع معهم.
стр. 104
وكان أحمد قد داوم النظر في المظالم، حتى استغنى الناس عن الشرطيين وعن القاضي حتى كان بكار ربما نعس في مجلسه واتكأ، ثم انصرف إلى منزله ولم يتقدم إليه اثنان. ولما ألحّ ابن طولون على بكار في لعن الموفق، وامتنع من إجابته خوطب في ذلك إلى أن قال بكار لأحمد بن طولون: ألاَن لعنة الله على الظالمين. فقال علي بن الحسين ابن طباطبا، وكان نقيب الطالبيين بمصر: أيها الأمير إنه عَنَاكَ. فغضب أحمد وأمر بتمزيق ثيابه، وجروه برجله، وليس عليه إلا سراويلُ وخُفان وقلنسوة، مَسلوب الثياب.
وكان بِرجْل بكّارٍ عِلّة لا يستطيع التَرَبُّع، بل يمد رجله من تحت ثيابه فضربه رجل بعود حديد على رجله المدودة فقال: أوَّه، وضمّها. ثم حمل من بين يديه إلى السجن، وأقامه للناس يطالبونه بمظالم يدعونها عليه. فكان يحضر في مجلس المظالم بين يدي أحمد قائماً.
وكان الطحاوي يقول: ما تعرض له أحد فأفلح بعد ذلك. لقد تعرض له غلام يقال له عامر بن محمد بن نجيح، وكان في حجره، فرآه في مجلس المظالم، فقال بكار يا عامر ما تصنع ها هنا؟ فقال أتلفتَ عليَّ مالي، فقال: إن كنت كاذباً فلا نفعك الله بعقلك.
قال: فأخبرني من رآه ذاهل العقل، يسيل لُعابه، يَسُبُّ الناس ويرميهم بالحجارة، والناس يقولون: هذه دعوة بكار. قال: وتقدم إليه نصراني فقال: أيها الأمير إن هذا الذي يزعم أنه كان قاضياً، جعل رَبع أبي حُبسا، فقال بكار: نعم. ثبت عندي أن أباه حبَّس هذا الربع وهو يملكه، فأمضيت الحبس فجاءني هذا متظلماً فضربته فخرج إلى بغداد، فجاءني بكتاب هذا الذي يزعم أنه الموفق (لا تمض أحباس النصارى) فعرفت أنه جاهل، فلم ألتفت إليه. وقد شهد عند إسحاق بن معمر بأن هذا كان أسلم ببغداد على يد الموفق، فإن شهد عندي آخرُ مثل إسحاق ضربته عُنقه. فصاح أحمد بالنصراني، المُطْبَق المُطْبَق، فأخر فحبس.
ومن قضايا بكار: أن رجلاً خاصم آخر شافعياً في شفعة جوار، فطالبه عند بكار فأنكر، فطاوله بكار حتى عرف أنه من أهل العلم. فقال بكار للمدعي ألك
стр. 105
بينة؟
قال: لا قال لخصمه: أتحلف؟ قال: نعم. فحلَّفه، فحلفَ فزاد في آخر اليمين أنه ما يستحق تمليك هذه الشفعة، على قول من يعتقد شعفة الجوار، فامتنع. فقال له بكار: قُم فأعطه شفعته. قال فأخبر الرجل المزني بقضِيَّته، فقال له: صادفتَ قاضيها فقيهاً.
وقال الطحاوي: لما قَبض أحمد بن طولون يدَ بكارٍ عن الحكم وسجنه، أمره أن يسلم القضاء لمحمد بن شَاذانَ الجوهري كالخليفة له ففعل. ثم كان بكار إذا حضر مجلسَ المظالِم للمناظَرة يُعَادُ إلى السجن إذا انقضى المجلس. وكان يغتسل في كل يوم جمعة، ويلبس ثيابه، ويجئ باب السجن، فيرده السّجّان ويقول: اعذرني أيها القاضي، فما أقدر على إخراجك، فيقول: الله أشهد، فبلغ ذلك أحمد، فأرسل إليه: كيف رأيت المغلوب المقهور لا أمر له ولا نهي، ولا تصرُّفَ في نفسه. لا تزال هكذا حتى يرد عليّ كتاب المعتمد بإطلاقك.
ولما طالب حبس بكار طلب أصحاب الحديث إلى أحمد بن طولون أن بأذن لهم في السماع منه، فأذن لهم، فكان يحدثهم من طاق في السجن، فأكثر من سمع منه في آخر عمره، كان كذلك.
وقال ابن زولاق: ثم أمر ابن طولون بنقل بكار من السجد إلى دار اكتريت عند درب المصقلي فأقام بها مدة. فلما مات أحمد بن طولون
بلغ بكاراً فقال: ما للناس؟ قيل انصرف أيها القاضي إلى منزلك فقد مات أحمد فقال: الدار بأجرة وقد صلحت لي. وعاش بعد ابن طولون أربعين يوماً ومات في تلك الدار. فحضرت جنازته فما رأيت كبير أحد، فقلت ليحيى بن عثمان بن صالح. يموت مثل هذا الرجل وتكون هكذا جنازته! فما صليت العصر حتى ما فقدت أحداً، ولم أر فيها أحداً راكباً. وصلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة، ودفن بطريق القرافة، والدعاء عند قبره مستجاب. ومات يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين وقد قارب التسعين. وكانت مدة ولايته أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر وستة وعشرين يوماً.
بكران هو لقب، واسمه عتيق بن الحسن، يأتي في حرف العين.
стр. 106
بهرامُ بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوض بن عمر تاج الدين أبو البقاء الدَّمِيري، الفقيه المالكي، من المائة الثامنة. ولد في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة
واشتغل كثيراً، وأخذ عن مشايخ عصره، منهم شرف الدين الرَّهوني والشيخ خليل وسمع الحديث من محمد بن إبراهيم البياني وغيره، ومهر في الفقه وشرح مختصر شيخه الشيخ خليل شرحاً محموداً، انتفع به الطلبة لأنه في غاية الوضوح، يحُل ألفاظه من غير تطويل بدليل أو تعليل.
وصنّف المناسك في مجلدة وشرحها في ثلاثة أسفار. وشرح مختصر ابن الحاجب الأصلي، وألفية ابن مالك وكانت ولايته بعد خلع برقوق وإرساله إلى الكرك. فلما عاد من الكرك إلى السلطنة عزله، وولي الركراكي كما سيأتي بيان ذلك في ترجمته في حرف الميم في محمد بن يوسف.
وكان قد ناب عن الإخنائي والبساطي وابن خير، وولي تدريس الشيخونية، فلما مات ابن خير، في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فلما خرج منطاش لقتال برقوق لمَّا ظَهر من الكرك، استصحب معه الخليفة وقُضاة القُضاة، فأصاب القاضي طعنةٌ في صدره، وأخرى في شدقه. فلما استولى برقوق
على الخليفة والقضاة وصحبهم إلى جهته، صحبوه إلى القاهرة، وبهرام في غاية الضُرّ من الطعنتين، فاستمر عليلا، وصرف في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، فاستمر معزولاً عن الحكم متفرغاً للاشتغال بالعلم. وشغل الطلبة إلى أن مات في نصف جمادى الآخرة سنة خمس وثمانمائة، كذا أرخه البشبيشي وأرخه المقريزي في سابع ربيع الأول. وكان لين الجانب، عديم الشر، كثير البر قلَّ أن يمنع سائلاً يسأله في شيء يقدر عليه.
стр. 107
حرف التاء المثناة
توبة بن نَمِر بن حَرْمَل بن ربيعة بن نمر بن شَاجي بن نمر بن لِشَرح بن خزيمة الحضرمي، يكنى أبا محجن وأبا عبد الله. من المائة الثانية، وروى عن زياد ابن عجلان والمعلَّى بن كثير وغيرهما، وكذره ابن السمعاني في الأنساب في البَسِّي بفتح الباء الموحدة وتشديد السين المهملة نسبة إلى بسّ وهو بطن من حمير ينسب إليه أبو محجن توبة بن نمر البَسَّي قاضي مصر، كذا قال.
روى عنه عمر بن الحارث والليث بن سعد وابن لَهيِيعة ورجاء بن أبي عطاء، وضِمام بن إسماعيل وغيرهم.
قال ابن يونس: كانت له عبادة وفضل، وكانت له امرأة يقال لها عُفَيْرة، من عليه السناء وأهل الفضل. وكانت ولايته القضاء من قبل الوليد بن رفاعة فولاه القضاء في مستهل صفر سنة خمس عشرة ومائة قال غوث بن سليمان:
أرسل إليه الوليد حين مات الخيار بن خالد فدخل عليه وهو على سريره، ومعه امرأته عفيرة الأشجعية وكان برزة فولاه القضاء، فقال له امرأته: والله ما حاباك ابن رفاعة بهذه الولاية فلو وجده في قيس كلها من يسد مسدك لآثره عليك.
وأخرج ابن عمر الكندي من طريق ابن لهيعة قال: لما ولي توبة القضاء دعا امرأته فقال لها: أي صاحب كنتُ لكِ يا أم محمد؟ قالت: خير صاحب وأكرمه قال فاسمعي ما أقول لك: لا تعرضي لي في شيء من القضاء، ولا تذكريني بخصم، ولا تسأليني في حكومة. فإن فعلتِ شيئاً من ذلك فأنتِ طالقٌ ثلاثاً. فإما أن تقيمي مكرمة، وإما أن تبيني ذميمة. فانتقلت عنه، فلم تكن تأتيه إلا في الشهر أو الشهرين.
стр. 108
ومن طريق المفضل بن فَضالة نحوه وزاد، وكانت ترى دواته قد احتاجت إلى الماء، فلا تأمر بها أن تمد، خوفاً أن يدخل عليه في يمينه شيء.
وعن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: إن رجلاً وامرأته اختصما إلى توبة فطلقها. فقال له توبة متعها، فامتنع فلم يلزمه بذلك، ثم جاءه الرجل بعد ذلك في شهادة فلم يقبله، وقال: إنك أبيت أن تكون من المحسنين. وأبيت أن تكون من المتقين ولم يقبل له شهادة.
ومن طريق ابن لهيعة أن توبة كان يقضي بالشاهد واليمين في الشيء اليسير.
ومن طريق الليث: أن توبة كان يقضي في الرجل يجعل لامرأته أن لا يخرجها من منزلها، أن له ذلك إذا شاء.
ومن طريق المفضل بن فضالة أن توبة كان يقضي في المرأة المدخول بها إذا أفلس بصداقها، أن يكمل لها صداقها، وما بقي من ماله كان للغرماء.
ومن طريق سعيد بن عُفير عن ابن وهب عن عبد الله بن المُسَيَّب قال: حضرتُ توبة يقول للنخاسين: من اشترى منكم رقيقاً لم أرده له بالعيب لأنكم تبصرون ما تشترون، فإن بعتم سكتم، وإن اشتريتم أردتم رده، لا، ولا كرامة.
وعن المفضل بن فضالة: كان توبة لا يقبل شهادة الأشراف، ولا يقبل شهادة يمنى علي نِزاري، ولا نزاري على يمنى، بل يردهم إلى عشائرهم ليصلحوا بينهم.
ومن طريق يحيى بن عبد الله بن بكير عن ابن لهيعة قال: أول من وضع للأحباس ديواناً توبة بن نمر في زمن هشام وإنما كانت الأحباس في أيدي أهلها وأوصيائهم، فقال توبةُ: أرى مآل هذه الأحباس إلى الفقراء والمساكين فأرى أن أضع يدي عليها، حفظاً لها من التواء والتوارث. فلم يمت توبة حتى صار للأحباس دويان عظيم.
ومن طريق أشهب بن عبد العزيز قال: أول قاض بمصر تسلم الأحباس توبة، وكان ذلك في سنة ثمان عشرة ومائة.
стр. 109
ومن طريق ابن لهيعة، كان توبة ومن أدركت من القضاة، يقضون بشهادة الرجل وحده على شهادة الرجل الذي أشهده، إن كان قد غاب أو مات. قال ابن لهيعة: وأخبرنا يزيد بن أبي حبيب عن ابن شهاب بمثل ذلك.
ومن طريق ربيعة ابن أخي غوث بن سليمان الحضرمي. قال: كان توبة لا يملك شيئاً إلى وهبه، ووصل به إخوانه وأفضل به عليم، فلما ولي القضاء كان يحجر على السفيه والمبذر، فرفع إليه غلام من حمير لا يحوي بيده شيئاً إلا وهبه.
فأراد أن يحجر عليه فقال له الغلام فمن يحجر عليك فوالله ما نبلغ في أموالنا عشر معشار من تبذيرك فسكت توبة ولم يحجر على أحد بعد.
قال ربيعة: وأنشدني عمَّي لتوبة:
نَشَبِي وما جمَّعتُ من صَفَدٍ ... وَحَوَيْتُ من مالٍ ومن وَلَدِ
هِمم تقاذفت الهمومُ بها ... فَنَزَعْن من بلد إلى بلد
يا رَوْحَ من حَسَمَتْ قناعَتُه ... سببَ المطامع من غدٍ وغَدِ
من لم يكنْ لله متهِماً ... لم يُمْسِ محتاجاً إلى أحد
ومن طريق سعيد بن عفير، قال: مات توبة بن نمر وهو على القضاء في شهر ربيع الآخر سنة عشرين ومائة. فكانت مدة ولايته أربع سنين وشهراً واحداً. ويقال: إنه مرض فاستعفى، وأشار بولاية كاتبه خير بن نعيم.
стр. 110
حرف الثاء المثلثة
ثقة الملك، هو مسلم بن علي، يأتي في حرف الميم، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →