← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12726

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ابن عربشاه

Полный текст (515 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أن صحبة الأخيار كجرة النضار بطيئة الانكسار سريعة الأنجبار وصحبة الأشرار كجرة الفخار سريعة الانكسار بطيئة الأنجبار وبالجملة فما في صحبة الناس فائدة ولا في مخالطة الناس كبير عائده وقد قيل: ولم تر من بني الدنيا سلاما ... فان تراه فابلغه سلامي وينبغي أن تكون غيبتكم وحضوركم وأجوالكم وأموركم وأجتماعاكم وفراقكم وصلحكم وشقاقكم في حالتي السراء والضراء والبؤس والرخاء على وتيرة واحدة وهي الخالية عن الأغراض الفاسدة أعني إذا رضيتم فبالحق وإذا غضبتم فالحق وإذا توجهتم فاللحق ولا تبطروا في حالة النعم ولا تضجروا في حالة النقم وعلى كل حال فلا يقع بينكم اختلال

стр. 37

وذلك بتفرق الكلمة واختلافها وتصادمها وعدم ائتلافها فانه قيل: إن الدليل الذي ليست له عضد ... مثل الوحيد بلا مال ولا عدد (وقيل أيضاً) : كونوا جميعاً يا بني إذا اعترى ... خطب ولا تتفرقوا أجنادا تأبى القداح إذا جمعن تكسرا ... وإذا افترقن تكسرت أفرادا ولا تثقوا بأحد من الكبار والصغار إلا بعد الأختبار في الشدة والضعف والرفق والعنف والبؤس والرخاء والخوف والرجاء ولا تقدموا على قديم الأصحاب أحداً ولا على الموثوق بهم من لا جربتموه أبداً وقد قيل في المثل المشهور النحس المعروف خبر من الجيد المنكور وقيل أيضاً خير الأشياء جديدها الأصحاب قديمها وأسوأ قواعدكم أخراكم في دنياكم واغتنموا السعادة الباقية من الدار الفانية وعاملوا تجدوا وازرعوا تحصدوا وتفكروا من أول يومكم أحوال عزكم ومن أوائل عمركم أواخر دهركم ومن ليلة الهلال سرار أشهركم فكل من له صدق قدم يتفكر وهو موجود حالة العدم ومن زمان شبابه حالة الهرم كما فعل التاجر المراقب وما آل إليه العواقب فقبل الأرض الأولاد وقالوا مولانا السلطان أعظم من أفاد لو تصدق على عبيده الطائعه ببيان تلك الواقعة (قال الملك) ذكر الحكماء وذووا الفضل من العلماء أنه كان في بعض الأمصار تاجراً من أعيان التجار ذو مال جزيل وجاه عريض طويل ونعمة وافرة وجشم وخدم متكاثرة من جملتهم غلام مخابل السعادة من جبينه لائحة وروائح النجابة من أذيال شمائله فائحة قد أفتى عمره في خدمة مولاه ولم يقصر لحظة في طلب رضاه

стр. 38

فقال له سيده في بعض الأيام لك على حق يا غلام وأنا أريد مكافأتك وأطلب موافاتك فتوجه هذه المرة في هذه السفرة فمهما ربحت فهو لك بعد أن أعتقك من قيد رق أشغلك ثمن أوسق مركباً وفسح له في السير شرقاً ومغرباً وصاه بأشياء امتثل مرسومها والتزم منطوقها ومفهومها فقال له مولاه سأرفعك على إضرابك وأغنيك عن أمثالكوأصحابك وأجعلك كأكبر من في الدنيا ولجميع رفقتك بمنزلة المولى ثم أخذ في تعبية البضائع وأوسق مركبه المتاجر والمنافع وسلمه إلى الهواء والماء بعد أن توكل على رب السماء فسار بعض أيام وهو في أهنى مرام وخضره الملاح وموسى وفتاة حافظ الألواح وبينهما السفينة من نسف العواصف أمينه تجاري السهم والطير وتبارى الدهم في السير فإذا بالرياح هاجت والأمواج ماجت وأشباح البحر تصادمت وأطواد الأمواج على العرفاء تلاطمت فعجز ذلك الملاح والحافظ ونشر مذهب ابنه أبو الجاحظ وترك سيمة الوقار والسكينة ورقم نقش الحروف في ألواح السفينة فشاهدوا من ذلك الهواء والأهوال وغدا قاع البحر كالجبال وصار في ذلك الغراب بمن فيه من الأصحاب كأحوال الدنيا بين صعود وهبوط وقيام

стр. 39

وسقوط طوراً يستأمنون الأفلاك ويناجون الأملاك وينهون أخبار ظلمات صاحب الحوت إلى السماك وطوراً يهبطون الغور وينظرون قرن الثور وربما قوامنه من تحت الزور فلم يزالوا عاجزين حيارى سكارى وما هم بسكارى يتناشدون: وفلك كبناه والبحر ذو ... هواء فثار وحار ومارا فطوراً اعلونا السماء وطوراً ... رمتنا أراضيه منها انحدارا وآخر الأمر نسفت السفينة الرياح وألقى كاتب الحاصب إلى كل حرف من حروف الجبال لوحاً من الألواح وأوعر الله سهلها وخرقها فأغرقها وأهلها وذهب البحر بأموالها وأرواحها وتعلق الغلام بلوح من ألواحها واستمر تقذفه الأمواج وتصدم به أثباج البحر الهياج إلى أن وصل إلى ساحل فخرج وهو كئيب ناحل وصعد إلى جزيرة فواكهها غزيرة ووصفها عجيب ليس بها داع ولا مجيب فجعل يمشي في جنباتها إلى أن أداه التوفيق إلى فم طريق فسار تلك الجادة وهداية الله له مادة فانتهى به المسير إلى أن تراءى له سواد كبير وبلغ مملكة عظيمة ولاية جسيمة ورأى على بعد مدينة مسورة حصينه فعمد إلى ذلك البلد وتوجه نحوها وقصد فاستقبله طائفة من الرعال نساء ورجال يتبعهم جنود مجندة وطوائف محشدة مع طبول تضرب وفوارس تلعب رزمور تزعق

стр. 40

وألسنة بالثناء تنطق حتى إذا وصلوا إليه تراموا عليه وأكبوا بين يديه يقبلون يديه ورجليه مستبشرين برؤيته متبركين بطلعته ثم ألبسوه الخلع السنية وقدموا فرساً عليه بكنبوش ذهب وسرج مغرق ووضعوا له التاج على المفرق ومشوا في الخدمة بين يديه والجنائب في الموكب تجر لديه ينادون حاشاك واليك سلطان الناس قادم عليك حتى وصلوا إلى المدينة ودخلوا قلعتها الحصينة ففرشوا شقق الحرير ونثروا النثار والكثير وأجلسوه على السرير وأطلقوا مجامر الند والعبير ووقف في خدمته الصغير والكبير والمأمور والأمير والدستور والوزير وأشندوه: قدمت قدوم البدر بيت سعوده ... وأمرك فينا صاعد كصعوده

стр. 41

والنصوح الصديق جزاك الله خيرا وكفاك ضيماً وضيراً أني قد فكرت في شيء ينفع نفسي ويحيها ويدفع شر هذه البلية التي وقعت فيها وأريد معاونتك وأطلب مساعدتك فأني رأيتك في الفضل متميزاً بين أقرانك فاثقافي محاسن الشيم على أصحابك وإخوانك فقال افعل يا ذا الزعامة وحبالك وكرامه قال اعلم أيها الصاحب الأعظم أن الرجوع إلى هذاالمكان الذي كنت فيه خارج عن الإمكان والإقامة في هذا الملك المعهود إنما هي إلى أجل معدود ووقت محدود وانقضاؤه على البتات وكل ما هو آت آت وكيفية الخروج قد عرفت وطريقها قد تقررت ووصفت ولهذا قيل يا ذا الفضل الجزيل دخلنا مضطرين وأقنا متحيرين وخرجنا مكرهين ولم يتجه مخلص من هذا المقنص إلا طريق واحد وسبيل غير متعاهد وهي أن تأخذ طائفة من البنائين وجماعة من المهندسين والنجارين وتذهب بهم أيها الوزير إلى

стр. 42

مكان إليه نصير فتأمرهم أن يبنوا لنا هناك مدينة ويشيدوا لنا فيها أماكن مكينة ومخازن وحواصل وتملؤها من الزاد المتواصل من المآكل الطيبة والأطعمة والأشربة اللذيذة المستعذبة ولا تغفل عن الإرسال ولا تختر الإمهال والإهمال في الظهيرة والأسحار والغدوّ والآصال إذ أوقاتنا وأنفاسنا معدودة وساعة تمضي منها غير مردوده وإذا فات شيء من ذلك الوقت فلا نعوض عنه إلا الخيبة والمقت فننقل هناك ما يكفينا على حسب طاقتنا ومقدار قدرتنا واستطاعتنا فإذا تزودنا منها لم نرحل عنها بحيث إذا نقلنا من هذه الديار وطرحنا في تلك المهمة والقفار وجفانا الأصحاب وتخلى الإخلاء عنا والأحباب وأنكرنا المعارف والأوداء واحتوشتنا في تلك البيداء فنون الداء نجد ما نستعين به على إقامة الأود مدة إقامتنا في ذلك البلد فأجاب بالسمع والطاعة وأختار من المعمارية جماعة وأحضر المراكب وقطع البحر إلى ذلك الجانب وجعل الملك يمدهم بالآلات والأدوات على عدد الأنفاس ومدى الساعات إلى أن أعنى المعمارية العمارة وأكملوا حواصل الملك ودلره وأجروا فيها الأنهار وغرسوا فيها الأشجار فصارت تأوي إليها الطيور بالليل والنهار ويترنم فيها البلبل والهزار بأنواع

стр. 43

التسبيح والأذكار وغدت من أحسن الأمصار وبنوا إليها الضياع والقرى وزرعوا منها الوهاد والثرى ثم أرسل إليها ما كان عنده من الخزائن ونفائس الجواهر والمعادن وأرسل من ظريف التحف إليها ومن حاجاته المعول عليها بحيث لو أقام بها سنين قامت بكفايته وفضلت خزائنها عن حاجته وأكثر من إرسال ما يلزم من الأدوات والأشربة والمطعومات وجهز الخدم والحشم وصنوف الأستعدادات من النعم فما انقضت مدة ملكه ودنت أوقات هلكه إلا ونفسه إلى مدينته تاقت وروحه إلى مشاهدتها اشتاقت وهو مستوفز للرحيل ورابض للنهوض والتحويل فلما تكامل له في الملك العام لم يشعر إلا وقد أحاط به الخاص والعام ممن كان يفديه بروحه من خادمه ونصوحه ومن كان سامعاً لكلمته من أعيان خدمه وحشمته وقد تجردوا لجذبه من السرير ونزع ما عليه من لباس الحرير ومشوا على عادتهم القديمة وسلبوه الحشمة الجسيمة ومملكته العظيمة وزالت الحشمة والكلمة والحرمة وشدوا وثاقه وذهبوا به إلى الحراقة ووضعوه وقد ربطوه في المركب الذي هيئوه وأوصلوه إلى ذلك البز من البحر فما وصل إليه إلا وقد أقبلت خدمه عليه وتمثلت طوائف الحشم والناس لديه ودقت البشائر المقدمة وحل في سروره المقيم ونعمه واستمر في أتم سرور واستقر في أوفر حبور ثم قال الملك للأولاد فلذ الأكباد وإنما أوردت هذا المقال على سبيل المثال فأصغوا إلى حسن التنظير حتى أبين لكم النظير وعوامل ما أقول بآذان القبول وتأملوا رموز المعاني من هذه الألفاظ التي خجلت المثاني ثم تفكروا وتبصروا وبعد التذكير والتبصر تدبروا

стр. 44

أما ذلك العام المعهود فأنه الولد في أول الوجود وأما المركب الذي أودعه فهو بطن أمه الذي استودعه وانكسار السفينة هو انشقاق المشيمة والجزيرة التي خرج إليها فهي الدنيا التي دخل عليها والناس الذين استقبلوه فأقاربه وذووه وأهلوه يربونه بالملاطفة والعلال ويعاملونه بالإكرام والأفضال وذلك الشاب الذي هو وزيره فهو عقله ومن إيمانه نوره والسنة المضروبة أجله المحتوم وعمره المعدود المعلوم ونزوله عن سريره عبارة عن آخرته ومصيره وخروجه من الدنيا بالإكراه وشروعه في دخول إلى أخراه والبحر الثاني الذي طرح فيه هو أحوالما يعاينه عند الموت ويعانيه إلى سفر طويل زاده قليل قفاره يابسة وطرقه دامسه لا أنيس فيه ولا رفيق ولا مصاحب ولا صديق ولا دليل ولا خليل ولا مغيث ولا مقيل ولا ماء ولا معين ولا صاحب ولا معين فيهيئ لهذا السفر بقدر

стр. 45

الإمكان ما قدر من الزاد وألما والمركب والكلا ونور الطريق والمسافر والرفيق والخادم والأنيس والمنادم والجليس ويمهد المضجع للمبيت ويهيئ والمقيل ويهيئ الموضع في النزول والرحيل وبالجملة لا يترك من أفعال الخير شيئاً إلا فعله ولا مجملاً إلا فصله ولا متأخر إلا قدمه ولا معاملاً في مبايعة إلا أسلفه وأسلمه وليعلم أن كل ذلك محتاج إليه ومصروف لديه إذا نقل إلى دار البقاء وأقبل عليه فإذا جاء وقت الرحيل ونادى منادي الانتقال والتحويل وجد ما كان في عمله حاضراً وكل ما قدمه إلى رياض الخير نزها ناضراً كما قال ذو الجلال وأخبر به الصادق في الوعد والمقال أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون معنى أن لا تخافوا لا خوف عليكم فيما هو أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفتم وراءكم فإذا دخل في قبره وجده روضته من رياض الجنة يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم وأما الشقي الغافل الغبي الذي أمهل أمره ونسي الله وذكره وأهمل ما خلق لأجله وتاه في بيداء الضلال وسبله فقد اغتر بهذه اللذة اليسيرة في تلك المدة القصيرة واستمر سكران في ميدان العصيان من خمرة الطغيان وتردى لباس الردى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فانهدمت عمارتهم ولا ربحت تجارتهم حتى إذا جاءه الوقت المعلوم ونزل به الأجل المحتوم ونظر أمام وتراءت الأعلام فإما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم نزل من دار الغرور إلى دار الشرور فندم ولا ينفعه الندم وقد زلت به القدم فخاب مآبا وقال يا ليتني كنت تراباً فانظروا يا أولادي وعدتي وعتادي حال الفريقين وتأملوا ما للطائفتين فقد بذلت في النصيحة جهدي وأستخلف الله عليكم من بعدي

стр. 46

فقال أكبر ولده وهو أسلك محاسنهم واسطة عقدهم جزى الله مولانا عن شفقته خيراً وأولاده على حسن النصيحة أجروا ذخراً فلقد أحييت قلوباً بزواهر حكمك وشنفت أسماعاً بجواهر كلمك ولكن أخوتي وإن كانوا من أولي العلم وأرباب النباهة والحلم والعقل الغزير والفضل الجم الكثير والرأي المصيب المنير غير أن حدة الشباب عليهم غالبه ودواعي النفس بشهواتها مطالبه لا سيما أن حصلوا على ملك عريض وكرعوا من ألبانه المخض والمخيض فان اتفق مع ذلك موافق منافق أو صاحب ممارق أو صديق خدوع أو مباطن مكار هلوع أضلهم عن سواء السبيل وصار إلى طريق المخالفة أوضح دليل فتتحول صداقتنا عداوة وتتبدل فيها بالمرارة الحلاوة الرخاء فينتزع الرخاء ويتمزع الإخاء ويبغي بعضنا على بعض وتعود الأخوة على موضعها بالنقض ويتولد من ذلك الفتن ويظهر من العداوة ما بطن فالرأي عندي أنه ما دام زمام التصرف في يد الإمكان يتصرف مولانا السلطان على مقدار جهده في مصلحة عبده بحيث لا أكون مضغة للماضغ ومشغلة لكل قلب فارغ ولا يسلمني لا سباب الحوادث ومخالب الدهر الكوارث فإنه بذلك يكفيني من نوائب الزمان ما يدهيني والعياذ بالله المنان من مفارقة مولانا السلطان جلعني الله تعالى فداءه ولا أراني فيه يوماً أساءه فليأخذ بيدي من هذه الورطة وليرحمنيمن شر هذه الخطه فانه قد قيل من لا يقبل المستقبل ولا يغيث المستغيث ولا يتقصد بمعنى الحديث ولار يدفع غصة هذه القصة ويفوت عند الأمكان الفرصة يصيبه من حوادث الزمان ما أصاب بعض الجرذان الذي لم يخلص الغزالة الواقعة في شرك الحبالة قال السلطان قل لي كيف كانت قصته وما كانت قضيته

стр. 47

(فقال) ذكر أن بعض الصيادين المحتالين الكيادين نصب حباله ليصيد غزاله فعلق بها مهاة من المها وطلبت مجالاً واضطربت يميناً وشمالاً فوقعت عينها على جرذ من الجرذان عنيد يتفرج عليها من بعيد فنادته بلسان زلق وأثنت عليه بلسان طلق وقالت يا فارس ميدان المروة والنجدة والفتوة والموصوف بالشطارة والقوة هذا وقت الكرم وأوان استعمال مكارم الشيم وفعل المعروف وإغاثة الملهوف وصرف الهمة إلى كشف الغمة نعم وأن كانت طرائق الصداقة بيننا معدومة ونقوش التنافر على صحف خواطرنا مرقومه ونقود المعرفة والإخاء في جنب التباين غير مبذولة ومرآة

стр. 48

فاشمأزت من الرشيق نفسه وزوى في رياض مصاحبته غرسه فأمر الحجار والبوابين أن يكونوا لدخوله على الملك آبين فلما أن جاء الرشيق وقصد الدخول بجاش وثيق منعوه من الدخول فرجع خائباً خاسراً وبقي حائراً بائراً ولم يشك أن هذا الضرب سهم غرب لأنه لم يعلم السبب فقضى من الزمان العجب فشرع يتفحص عن سبب البعاد ويتردد بين أغوار وانجاد ويذهب رائد فكره كل مذهب ويعزم على توابعه ليقفوا على موانع المطلب إلى أن وقف على السبب المضرم وعلم أنه الإحسان إلى ذلك المجرم وظهر لذلك البحر البر من قوله الإحسان إلى اللئيم سلف في الشر فاجتمع بجماعة من أصحابه وطائفة من خلص أحبابه وعرض عليهم

стр. 49

قصته واستدفع بآرائهم غصته ثم تعرى من لباسه عند الخواص من أناسه لينظروا إلى جسده وباسه فرأوا يدنا كسبائك الفضة وأطرافنا ناعمة غضه وأعضاء تحسبها من الحور غوانيها مسلمة لاشية فيها فأجمعوا على سلامتها وذكروا للملك محاسنها بعلامتها وشهدوا بحسن صفائها ورونق بهائها وأنها سليمة عن الأدواء بريئة من كل داء وكأنه في شأنه قيل: وأعجب ما شاهدت في وصله وقد ... نزعنا غلالات وثوب حياء تلألؤ نور في ترقرق مائه ... وصورة روح في مثال هواء وإنما لشدة الحسد عاب ذلك الجسد فقال الملك صدقتم وبالحق نطقتم ولكن كيف وقد قيل: قد قيل ذلك أن صدقاً وان كذباً ... فما احتيالك في شيء وقد قيلا

стр. 50

واطمأن خاطره واستقرت أموره واستقامت حبوره فلما هجم جيش الليل أقبلت السباع من الوادي كأنها السيل وقصدت الوحوش والهوام ما لها من مأوى ومقام وعوت الذئاب وزأرت الأسود وهمزت النمور والنسور والفهود فساورت ابن الملك الهموم وأورثته

стр. 51

أصناف الغموم وأحتوشته المخاوف والوجوم فلجا إلى جناب الحي القيوم جناب قاصده ولا يصدر الابنيل الأمل وأرده وصار يحسس بيديه ويصغي إلى الحيوان بأذنيه ويتمشى إلى كل جانب ويهوى بيديه إلى الأطراف والجوانب ويتعلق بحبال الهواء كالغريق الغاطس في الماء فوقعت يده على شجره فعلق فيها يديه وظفره وصعد عليها وأوى إليها وتوجه بقلبه إلى خالقه وموجده ورازقه وقطع عما سواه أسباب علائقه واشتغل بالذكر والتسبيح وفوض أمره إلى الله بأمل فسيح واستمر في هذا الويل برهة من الليل وكان طائفة من الجان المهرة كل ليلة تأوي إلى هذه الشجرة فتيذاكرون ما جرى في العالم وما صدر في عالم السكون والفساد من أعمال بني آدم ويقيمون أفراحهم ويتعاطون انشراحهم فلما اجتمعوا تلك الليلة ذكر كل قوله وما جرى من الحوادث ومن المفرحات والكربات وما وقع من العجائب واتفق من واقعات الغرائب فقال واحد من القوم ومن أعجب ما وقع اليوم من الأمر الكريه ما فعله ملك بابل بابنأخيه وذكر لهم القضية وما تضمنه من بليه وجعل يتأرق ويتحرق ويتبرم ويتضرم ويحرق الأرم ويتعجب من عدم وفاء بني آدم فقال رئيس الجان وهذا غير بديع من طبع الإنسان فانه مجبول على الغدر مطبوع على الدهاء والمكر ألم تسمع قول قائلهم في وصف فضائلهم وقبيح شمائلهم ممن أنخرط في سلك الفضل بدون منع ولا حجز إذا كان الغدر طباعاً فالثقة بكل أحد عجز ثم قال الرئيس اعلم يا نفيس اني أعلم ما يزيل هذا الألم ويطفيء هذا الضرم ويشفي هذا السقم وهو أن هذه الشجرة النجيبة لها خاصية عجيبة

стр. 52

اسمها شجرة النور وفضلها في ذلك مشهور إذا أخذ من عصارة ورقها ووضعها الأعمى على حدقها انجلى عماها بدقرة رب براها وخلقها فسواها ورد إليها بصرها وزاد نظرها ثم أن الخرابة الغلانية فيها حجر حية بذيه وهي تابعة ملك بابل الفاعل هذا الفعل السافل وحياته متعلقة بحياتها وموته موقوف على مماتها لأن طالعه على طالعها وطبعه اللئيم مطبوع على طابعها فبمجرد ما تموت الحية يموت وينقل من درج الملك إلى درج الملكوت كل ذلك وابن الملك يسمع هذا القول فلجأ إلى ذي القوة والحول حتى من عليه بعد شديد العقاب بهذا الطول وجعل ينادي ويبتهل ويقول متى جبين الصبح يهل وينشد: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الأصباح منك بأمثل فلما أصبح الصباح ونادى مؤذن السعد حي على الفلاح تميم ابن الملك وصلى وحمد الله على النهار إذا تجلى ورض بين حجرين من ورق الشجرة واكتحل بمائه فرد الله عليه بصره ثم وجه ذهابه إلى تلك الخرابة ورصد خروج تلك الحية اللاطئة وضربها ضربة غير خاطئة فاحاط بها نازل الهلك وفي الحال خر الملك ميتاً على سرير الملك وبينما العزاء عليه قائم وإاذا بصاحب السرير عليهم قادم وقد قصد ملك أبيه وتمكن من ملكه وذويه وتصرف فيه كما شاء وألبسه خلعة الملك من يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وإنما أوردت هذا التمثيل خوفاً أن يكون صاحب مولانا الملك الجليل الذي بخراسان من هذا القبيل فتبدل المحبة بالبغض وترجع على موضوعها بالنقض

стр. 53

ثم أن بعض الصحاب والأخوان يفعل ما يفعله من الخير والإحسان على سبيل المكافاة لأعلى طريق والمصافاة فإذا كافأ بالإحسان عاد إلى ما كان عليه من العدوان فأسال الحضرة الشريفة والمراحم المنيفة ذات الفضل المشهور والإحسان المأثور التأمل في عواقب هذه الأمور لئلا يصيبنا ما أصاب المسافر ضعف الحداد المنافر من العفريت الملقى في المحافر قال أخبرني أيها الولد النجيب عن ذلك الأمر العجيب وقاك الله شر الواجيب (قال) بلغني من رواة الأخبار أن شخصاً من الأخيار لازم الأسفار وقطع القفار فجاب مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أكنافها وجوانبها وشاهد عجائبها وقاسى حر الزمان وذاق حلوه ومره وعانى خيره وشره فأداه بعض المسير إلى بلد كبير فرأى في بعض نواحيه وطرف من بعض ضواحيه طائفة من الصبيان قد اجتمعوا في مكان فوصل إليهم ذلك الفقير فوجدهم واقفين على حفير يرمون فيه بالأحجار وهم يستغيثون بالستار من العدو المكار الغدار والحسود القديم والكافر الذميم والشيطان الرجيم فسألهم ما هذه المعضلة فقالوا عفريت وقع في هذه البئر المعطلة وهو عدو قديم نريد أن نقتله فقال أفسحوا حتى أنظر إليه وأساعدكم عليه ففسحوا عن ذلك الطوى فنظر في قعر الركى فرأى في جانب منها عفريتاً منزوياً

стр. 54

وقد هشموه وكسروه وحطموه وكاد يهلك مما رجموه فعند ما نظر إليه رق له وعطف عليه وقال أفضل المعروف إغاثة الملهوف وإن لم يكن بيننا سابقة صداقة ولا وشيجة محبة ولا علاقة بل عداوتنا جبلية ومباينتنا أزلية لكن فعل الخير لا يبور ولله عاقبة الأمور وإذا قصد الإنسان فعل الخير فلا عليه أن فعله مع أهله أو الغير وقد قيل للتمثيل أيها الإنسان قد عداك الذمأفعل الخير وألقه ثم منع عنه الكبير والصغير وساعده على الخروج من البير واستنفذه من أيديهم وأطلقه فكان كمن اشتراه وأعتقه فلما رأى العفريت هذا الإحسان من ذلك الإنسان من غير سابقة ولا عرفان قبل يده ورجله وشكر له هذه الفعلة وقال أني عاجز عن مكافأتك يا إنسان في هذا الأوان وأنا اسمي فلان فان وقعت في ضيق أو ضللت في طريق فنادي باسمي أحضر إليك بجسمي وأنفعك في ضيقك وأرشدك إلى طريقك وأكافئك أيها اللوذعي بما فعلته معي ثم ودع كل صاحبه وخالف في السير جانبه فوصل السياح إلى بلد من البلاد له فيها صديق حداد فنزل عنده فأكرمه ورحب به وخدمه وكان لتلك البلدة عادة حسنة أنهم في يوم معين في كل سنة يقربون من يقدم عليهم فيه ولا يسألون أخامل هو أم نبيه فان لم يقدم عليهم غريب في ذلك اليوم اقترع فيما بينهم القوم فمن خرجت قرعته سحبوه وكسروا قرعته وقربوه فوافق ذلك اليوم قدوم السائح ولم يرد سواه من غاد ورائح ولا شعر به أحد من أهل تلك البلد فاخذوا في القرعة بالاجتهاد فطرقت القرعة قرعة الحداد فقبضوا عليه وعزموا على تقريبه

стр. 55

فقال عندي غريب لم يكن أحد يدري به فلم يدر السائح إلا وقد أحاطت به الشوائخ فهجموا عليه وربطوا عنقه ويديه صم سحبوه وحبسوه وفي أضيق مكان أجلسوه وأشهروا النداء أنه حصل للحداد الفداء فعلم السائح القضية وتحقق أنه تورط في بلية فذكر اسم العفريت وقد علقه الهم علوق النار بالكبريت فحضر لساعته ووقته فرأى السائح في هوله ومقته واطلع على جملة الشان فقال لا تخش يا ذا الإحسان أعلم أن أمير هذه البلد له ولد هو واحد أبويه وأني الآن أصرعه بين يديه ثم أنادي في النادي أن رمتم شفاء هذا العليل فهو بدعاء ذلك الرجل الجليل السيد الصالح الزاهد السائح ضيف الحداد الذي بسببه حصلت هذه الأنكاد فأطلقوه والتمسوا دعاءه فان فيه لعليلكم شفاءه ولا تطلبوا من غيره دواءه فإذا طلبوك وأعزوك وأرغبوك وأكرموك واحترموك فادع بما يرفع نكدهم فغاني إذ ذاك أترك ولدهم فإذا رأوا منك هذه الكرامة بالغوا وسلموك الزعامة وخيروك بين الرحيل والإقامة وأقل ما يفعل معك السلامة ثم ذهب إلى ابن الملك وخبط. وحل في أعضائه وربطه فتخبط الصبي وتخيل وتكسل وتخبل وكادت روحه تخرج ويدرج مع من يدرج فاشتغلوا بشأنهم عن أمر قربائهم فطلبوا الأطباء فأعياهم علاج هذا الداء ولم يقدروا على علاجه وتعديل مزاجه وتقويم اعوجاجه واشتعلت الخواطر وتنكد البادي والحاضر فعند ذلك نادى العفريت من ذلك البيت يسمعون كلامه ولا ينظرون مقامه أن زوال هذا العارض ومنع هذا الداء المعارض عند رجل قدوة مستجاب الدعوة رجل صالح زاهد سائح عالم

стр. 56

عامل كامل فاضل هو بركة البلاد والعباد مادة الصلاح وقاطع الفساد وهو ضيف الحداد الذي فرط منكم في حقه سوء الأدب فأدركوه بالطلب وأسرعوا نحوه والتمسوا منه دعوة وإلا فولدكم هالك عنوه وبادروا باللحوق لئلا يخرج السهم من فوق فان السهم هذا المصاب بسبب ذلك أصاب فركب الملك بنفسه وسارع إلى باب حبسه ودخل عليه وأكب على رجليه وطلب دعاءه ورام لولده شفاءه فتوضا وصلى وأعرض منهم وتولى وتوجه ودعا فحصل للولد الشفا ونهض في الحال كأنما نشط من عقال ثم أن العفريت الجائح أتى الرجل السائح وقال لا تحسب أني إذا كافيتك صادقتك أو صافيتك كيف وعداوتنا مغروزة وغروس التباغض في حدائق ذواتنا مركوزة أنا من نار وأنت من تراب شيمتك الترابية وشيمتي الإحراق والخراب ومتى استقام أعوج مع قوام أو وجد بين المتباينين التئام وإنما كان هذا الوفاء لئلا ينسب إلى الجفاء ونحن على الكدر دون الصفاء وعلى ما نحن عليه من العدوان وأن لم يصر بيننا معرفة ولا كان صار شعلة لهب وترك السائح وذهب (ثم قال ابن الملك) ومن أنواع المحبة والصداقة وما يتأكد فيها من العلاقة نوعمحبة تتوفر فيه الرغبة ينشأ من فرط الشهوة ويركب من صاحبه على الصهوة وتميل إليه النفس والطبيعة ولكن تكون استحالته سريعة فيزول بأدنى سبب ويشبه شواظ اللهب يتلهب ساعة وقد ذهب وربما أدى إلى الهلاك والعطب كما فعل بالبطة الثعلب حيث كانت محبتها

стр. 57

غير صادقة ومودتها بالشهوة ممازقه وشتان ما بين المحبة الخالصة والمحبة المنافقة لا جرم أدت إلى عكسها وإزهاق نفسها قال الملك أخبرني أيها الخبير كيف هو هذا النظير (قال ابن الملك) ذكر أن زوجاً من البط كان له مأوى على شط جار بين رياض ومروج وغياض أزاهيرها عطره ورياحينها نضرة وقريب من وكر البطتين مأوى لأبي الحصين فحصل لذلك الثعلب المرض المسمى بداء الثعلب فسقط وبره وتمعط صوفه وشعره وذاب جسمه وتهرى لحمه وقارب التلف واللحاق بمن سلف وصار كما قيل: أصبح في أمراضه يعذب ... كخرقه بال عليها الثعلب فلما أنحله السقم وأضناه قالت له سلحفاة لما زاد به المرض واشتط دواء دائك كبد البط فان أكلت كبد بطه نصلت من هذه البلاء البتة فقال ومن لي بهذا الدواء إذ ليس لي حراك والبط في الهواء فشفاء هذا الداء العضال من باب التعليق بالمحال وكأن الشاعر يعنيني إذ سمع أبني ورأى سكوني تحت أحمال شجوني بقوله: فقال قم قلت رجلي لا تطاوعني ... فقال خذ قلت كفى لا توانيني ثم استنهض همته واستنخى نهمته وصمم عزيمته واستعمل فكره واستورى مكره وقال لنفسه لا ينجيك من هذا الأنكال إلا التشبث بذيل

стр. 58

المحال لعل الله واهب العطية يظفرني بهذه الأمنية ثم توجه وهو يتشحط إلى صوب البط وصار يتلظى في جنبات الشط إلى أن لاح له بعد الأين أنثى هاتين البطتين فتخفي إلى أن قاربها ثم وأثبها فما ساعدته القوة فهوى في هوه فما وأسعه إلا أن غالط وأظهر المودة وخالط وعبرت عيناه وبالط وأرى من نفسه أن تلك الوثبة إنما هي من داعية المحبة ونهضة الاشتياق إلى الأحبة ثم بادر وقال مرحباً بالجارة الصالحة ومن نعوتها بمسك العفة فائحة وأخلاقها غادية ببشر الخير رائحة المخدرة المحببة الحبيبة النجيبة حياك الله من قرينة رضية جميلة الأوصاف بهية فما أكثر إحسانك وفضائلك وأوفر متنانك وفواضلك لقد عممت بإحسانك جميع معارفك وجيرانك وأطعت زوجك وحلالك وتحقق كل أحد لحسن الشيم جلالك وما زال ينفق عليها من حواصل هذه الخزعبلات ويفعم أردان عقلها من معادن هذه التمويهات حتى سكنت بعض السكون وركنت إليه أدنى ركون ثم أخذ في الإيناس وتمهيد قواعد الأساس حتى اطمأنت واستكانت واستنكنت ثم قال إنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ترين ما رأى فيك زوجك من الخلل ولاح له من عيب حتى فعل ما فعل قالت وما فعل ذلك الجعل قال لولا أن الغيبة ريبة والنمنمة مشؤمة ونقل المجالس القبيحة وإن كانت وقائعها صحيحة أمر مذموم وهذا معلوم لكنت أفصحت وأشبعت القول ونصحت ولكن الصبر

стр. 59

على الضرائر فعل الحرائر والورد لا يخلو عن شوك ولا الشباب عن نوع نوك فلما سمعت هذه النجوة حماتها المحبة الممزوجة بالشهوة أن ألحت عليه وسألت إيضاح ما لديه وأقسمت عليه بحق الجوار إلا ما أطلعها على هذه الأسرار فقال لولا أن الجوار ذمه لما فهمت بكلمة خصوصاً وقد ألحت بالقسم وتشفعت بالجوار والذمم وأيضاً لولا وفور الشفقة وعظم المحبة والمقه واعتمادي عليك أنك ثقة وإن صدرك مخزن الأسرار وأنك سيدة الأحرار ما أطلعتك على شيء مما كان وصار اعلمي أن زوجك المشتط قد خطب بنت ملك البط وله في هذه المكيدة مدة مديدة آخرها اليوم كان قد أرسل إلى القوم المشاية والخطابة أن يهيؤا أسبابه فلما سمعت هذا الكلام ساورها من الغيرة الضرامولا نشك في أنه صادق وذهلت عن التبين في خبر الفاسق وجميع الأخبار عن الأزواج يتوقف فيها النساء إلا خبر الزواج تم إنها تماسكت وأرت تجلداَ وتمالكت وقالت أحل الله له من الأزواج ما طاب له لا حيلة إلا الانقياد وترك المراد وموافقة السنة والجماعة والدخول تحت الأمر بالسمع والطاعة وماذا يفيد التدله والحيرة أن الحلال جدع أنف الغيرة قال والأمر كما

стр. 60

ذكرت وما أحسن ما افتكرت وصبرت وما يمكن الطعن في الحلال ولكن هذا دليل الملال وكل من ادعى هواك وتخلل في طريق سواك ولو بخلال من سواك فلا شك أنه قلاك وبنار الهجر والجفاء سلاك وليس هذا ساعة وتمضي ولا حادثة تقع ثم تنقضي إنما هو أمر دائم ونزاع أبد الدهر وأنا ما أخشى إلا عليك بما يصل من النكد إليك فان حقك ثابت علي وضررك عائد إلي فأنك جارة قديمة معروفة بحسن الشيمة لم أر منك الإحسان وعدم التعرض إلى إيذاء الجيران وكل منا قد اعتاد بالآخر وباهى بصحبته وجواره وفاخر وأخاف أن يتجدد لي في الجوار من يتصدى لي بالأضرار ويؤذي ولا يعرف حق الجار لا يعرفني ولا أعرفه ولا ينصفني ولا أنصفه فيتكدر لي الوقت ولا أخلو من نكد ومقت لا سيما وأنا ضعيف مبتلى نحيف فلا يستقيم الحال على الارتجال ولا زال يسدد المشارب ويفتل منها في الذروة والغارب حتى أثر فيها سمه ونفذ في سويدائها من مكره سهمه فاسترشد إلى وجه الحيلة في هذه النازلة الوبيلة فقال الرأي السديد الرشيد أنه إذا بفعله وأتبع في أذاه فرضه بنفله واختار غيرك عليك طلقيه وألف زوج لديك وأرض الله واسعة وهو المعتدي في المقاطعة وأنا أكون السفير في زوج يخجل البدر المنير يعمر دارك ويعرف مقدارك ويخدم كلبك وحمارك ويملأ وكرك خيراً وبطنك طيراً ودارك شعيراً وبراً مع كونه وافر الحشمة مسموع الكلمة قد جمع بين طرفي الأصالة والحرمة

стр. 61

فقالت هذا الذي تقول أكر معقول وإلى الآن ما وقع وعلى تقديران يقع أن حصل الشقاق والنفاق وترجح الأنذال المستجدة على الكرام العتاق فيكون بيننا هذا الاتفاق وأن وقعت بيننا المعادلة ولم يحصل في حقي منه مساهمله ولا للضرة عليّ مفاضلة كيف أشافقه وعلى فعل مباح أضايقه فضلاً عن أني أفارقه وكيف أخرب داري وأضر بحبي وجاري وأشمت بي الأعداء ويحتاط بي من كل جهة البلاء ولكن الرأي المحمود عندي يا ودود الصبر في كل حال على الدهر الكدود وتجرع الغصص لئلا يشمت الحسود كما قيل في التمثيل ما بي دخول جهنم ولكن بي شماتة اليهود فلما رأى الخبيث أنه لم يفده هذا الحديث ولم تتم له الحيلة وأفكاره الوبيلة قال أقول الحق الذي حصحص ولا عنه محيد ولا مخلص أن زوجك قد نقل إليه أنك اخترت غيره عليه وأنك عاشقة وصحبتك له مخادعة ومماذقه وثبت ذلك لديه وعقد اعتقاده عليه وعزمه على الزواج إنما هو تعلل واحتياج لفتح باب الشر وتعاطي أسباب النكد والضر وقد ثبت عندي أن ذاك الأفاك الأثيم السفاك يريد أن يجرعك كأس الهلاك فتيقظي لنفسك وتداركي غدك في أمسك قبل حلولك في رمسك واستقيمي قبل عكسك وأنا منذ سمعت هذه الأخبار لم يقر لي قرار وذلك لوفور المشفقة وحسن الجوار وقد زدت ضعفاً على ضعفي وكدت لهذا الغم أسقى كاس حتفي وأنت يا غرض الحاسد تعلمين أن ليس لي غرض فاسد وهذا بديهي التصور لا يحتاج إلى تدبير ولا تفكر ولقد غرت عليك والأمر في هذا كله منك وإليك

стр. 62

فتكدر خاطرها وتشوشت ضمائرها وضاقت بها الحيل وتاه منها العلم والعمل ومن يسمع بخل وصالت أفكارها وحالت ويدر منها إن قالت والله لو أمكنني لقتلته وأوجدت فرصة لاغتلته واسترحت من نكد الدهر المغبر وهذا العيش الوحش المكدر فالتقط الثعلب هذه الكلمة من فيها وعلم أن سهم ختله نفذ فيها لأن عقود المحبة انحلت وصورة المودة القديمة زالت واضمحلتوتلاشت الصداقة بالكلية وانمحت شهواتها بأدنى جزئية فقال لا تهتمي لذلك يا ضرة هند فعندي عقار من عقاقير الهند أحلى في المذاق منت ساعة التلاق وأمضى من السيف في حكم الفراق اسمه كسير الموت وتدبير الفوت وسم ساعة وتفريق الجماعة لو أكل منه ذرة أو شم منه نشره لقتل في الحال وفرق الأوصال من غير إمهال فان اقتضى رأيك الأسد أن تخلصني من هذا النكد ناولتك منه شذره تكفيك ذرة منه أمره فان شئت أطعمته وأن شئت أشممته ولولا أنك عزيزة علي لم أفه لك من هذه الأمور بشيء ولقد فضلتك على روحي فاكتمي هذا السر ولا تبوحي فتحملت منه جميلته وعرفت قدرته وفضيلته وطلبت منه الدوا لتذهب به عن قلبها الجوا وتقتل زوجها المسكين وتسلم من نكده وتستكين وزالت تلك المحبة القديمة ونسيت الصحبة والصداقة القويمة ووعدها الثعلب أن يأتيها بالعقار وفارقها على هذا القرار ثم أنها انتظرته

стр. 63

ليفي بوعدها واحترق صبرها من نار سمها ووقدها وتقاعد الثعلب عنها ينتظر ما يتأتى فحملها مثير الوجد إليه وساقها الأجل المحتوم إلى أن قدمت عليه فدخلت وكره وقبلت يده وصدره فتمكن منها ذلك الغادر ومزقها كما يريد فصارت كالأمس الغابر وإنما أوردت هذا التمثيل لئلا يكون أصحاب مولانا السلطان من هذا القبيل فيكون المعتمد عليهم والمستند إليهم كالنائم على تيار الأنهار والمؤسس بنيانه على شفا حرف هار قال الملك معاذ الله يا ولدي وقرة عيني وكبدي أن يكون صاحبي ومعتمدي من هذا النمط وسبيهاً بالعفريت والثعلب والبط بل كل من أصحابي وسائراً أوليائي وأحباني ما منهم إلا الصديق المهذب والرفيق المؤدب والشفيق المدرب والعتيق المجرب وقد جربته في المودة والإخاء والشدة والرخاء والمروأة والسخاء كما جرى ذلك للتاجر المجرب صديقه في الشدة والارتخاء قال الولد ينعم مولانا الإمام بتقرير هذا الكلام (قال الملك) بلغني أن بعض التجار الأكرمين الأخيار والكرماء الأبرار كان له جزيل وولد صالح جليل سعيد الطالع سديد المطالع عالي الهمة متوالي الحشمة ميمون الحركات جميل الصفات حسن الصورة مشكور السيرة طاهر السريرة وكان أبوه قد تخيل فيه مخايل السعادة وتفرس فيه آثار النجابة والإجادة فكان لا يصبر عن تأديبه وإرشاده إلى سبيل الخير وتهذيبه وتربيته بمكارم الأخلاق وتربيته فقال له يا بني إن الإنسان يحتاج إلى كل شيء وأعظم ما يحتاج إليه ويعول في التحصيل عليه الصاحب الصافي والصديق المصافي والرفيق المساعد في وقت الشدائد

стр. 64

فان المال ميال والذهب ذاهب والفضة منفضة والملبوس بوس والمأكل متآكل والخيل خيال والفواضل شواغل والدهر قاصي والعصر عاصي والأقارب عقارب والوالد معاند والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال خيال والدنيا وما عليها لا يركن إليها وما ثم إلا رفيق ذو وفاء مجبول على الصدق والصفاء إن غبت ذكرك وإن حضرت شكرك مأمون على نفسك ومالك وأهلك وعيالك في حالك ومالك إن غاب صانك وإن حضر زانك فهو أفضل موجود يقتني وأحسن مودود يصطفي فان ظفرت به فتشبث بسببه ثم قال يا بني قد أقمت في الحضر وانقضى لك فيه ما ذقت مما حلا ومر فلا باس أن تحيط علماً بأحوال السفر فان السفر محك الرجال ومجلبة الأموال ومكسبه التجارب ومرآة العجائب والغرائب فاعزم على بركة الله تعالى وتوكل عليه واصحب معك فيه ما تحتاج إليه ثم أفاض عليه المال وأضاف إليه صالحي الرجال وحين ودعه ووصاه واستودعه قال يا بني لا تجعل دأبك وطلبك واكتسابك الاستجلاب الصاحب النافع دون سائر المنافع فانه أوفر بضاعة وأربح تجارة وليس على الصديق أبداً خسارة واجعله في سفرك نصب عينك واشتره بنفسك ومالك ونقدك ودينك وقد قيل: أخاك أخاك إن من لا أخاً له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح والمراد به الصديق وأعلم أن الأخ الصلبي ربما يضرك وأما الصديق الصالح فأنه يسرك والصاحب الشقيق خير من الأخ الشقيق وقد قيل رب أخ لم تلده أمك

стр. 65

فقبل الشاب وصية أبيه ثم توجه في حشمه وذويه بقصد جميل ومال جزيل فمكث غير بعيد ثم عاد وهو سعيد فقال له أبوه حبيت وحييت ما أسرع ما جبت قل لي أين ذهبت وماذا اكتسبت فقال يا أبت امتثلت مرسوك الكريم واكتسبت بالمال كل ولي حميم وقد جئت بهم زمراً وعدتهم خمسون نفراً كل منهم صديق صادق ورفيق موافق في الفضل بارع وإلى الخير مسارع وفي الرخاء صادق الإخاء وفي الشدة أوفى عده قال أبوه يا بني كيف تصفهم بهذه الصفة وتعرفهم بهذه المعرفة ولم تجربها في قضية ولا واقعة صعبة أو رخيه وقد قيل: لا تمدحن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمه من غير تجريب وقد قيل أيضاً: إذا رمت تصفي لنفسك صاحباً ... فمن قبل أن تصفي له الود أغضبه فان كان في وقت التغاصب راضياً ... وإلا فقد جربته فتجنبه (وقيل أيضاً) : الناس أكيس من أن يمدحوا رجلاً ... ما لم يروا عنده آثاراً حسان واعلم يا ذا اللطائف أني خائف أن يكون أصحابك وأصدقاؤك وأحبابك مثل أصحاب الرئيس المدير الخامل النفيس الذين رعوه في روض وفره وتركوه في قفر قفره قال ابنه يا أبت كيف ورد ذلك وثبت قال التاجر ذكر رواة الأخبار أنه كان في بعض الأمصار رجل رئيس كبير نفيس له أموال وافرة وجهات متكاثرة وأماكن عامرة وضياع ومزدرعات وبساتين واقطاعات وعقار له ارتفاعات فكان ولده يمد يده إلى كل معصية ومفسده ويجترئ ذلك السفيه على كل ما يلوح له

стр. 66

من جهات أبيه والتف عليه جماعه من عبيد البطن والمجاعة كأنهم طير قر لي أن رأى خيراً تدلى وأن رأى شراً تعلى ومديد الإسراف في التبذير والإتلاف وصار أبوه ينصحه ويردعه عن جموعه ويكبحه وقال له يا بني استعمل الارتفاق في النفاق واستخلص من الرفاق ذوي الإشفاق واعلم أن هذا المال هو لك مدخر لتصرفك فيه منتظر وإنما أنا لك خازن والله تعالى مجاز على فعالى من مساو ومحاسن وتيقن أن المال هو عزك في الدنيا وزادك إلى الأخرى وأن له وجوهاً ومصارف وعوارف ومعارف فإذا صرف في غير محله ودفع إلى غير أهله كان أثماً ووبالاً وفي الآخرة عذاباً ونكالاً وأحمق الناس المستحق لنزول الباس من اكتسب من اكتسب المال حلالاً وبذرة في الفساد يميناً وشمالاً وادخر به إثماً وخبالاً فصرفه إلى من لا يحمده وعليه حسابه ونكده وأنت إذا صرفت مالك ووزعته وفي غيره مواضعه زرعته وأنفقته على من لا يعرف فضيلتك ولا يحمل حملتك ولا يشكر صنعك ولا يقصد نفعك ولا يجلب لك خيراً ولا يكشف عنك ضيراً خرجت من عز الدنيا وفوت زاد الأخرى وهؤلاء الذين قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين ثمرة صحبتهم الندامة وعاقبة أمرهم الخيبة والملامة والبعد عنهم غنيمة وسلامة وإذا كان الأمر كذاك فإياك يا ولدي ثم إياك من صحبة هؤلاء الأحداث والمكوث بقربهم فإنهم اخباث واحتفظ بصوت ما لك ولا تنفقه إلا على نفسك وعيالك وفيما يبقى ماء وجهك في حالك ومالك ولا زال أبوه قابض عنانه بقدر طاقته وإمكانه يذكره هذه الوصية بكرة وعشية حتى أدركته المنية وخلف ذلك المال العريض لذلك الولد المريض فمد يده كما كان إلى كل مفسدة ونسي

стр. 67

يومه وغده وشرح في مناه متن اللهو وقرر بحديث من كتاب الزهو باب الأنجاس وسجود السهو واجتمع عليه قرناء السوء وحضروا وخلاله ولهم الجو فباضوا في الفساد وصفروا وغابوا عن الرشاد وما حضروا وصاروا يظمونه ويكرمونه ويحترمونه فإذا كذب صدقوه وإذا ضرط سمتوه وشمتوه وإذا نهق طربوا وإذا أخطأ صوبوا وإذا قعد قاموا وإذا قام ناموا يفدونه بالمهج والأرواح ويلازمون خدمته في المساء والصباح وكان له أم مدبره عاقلة مفكرة فقالت له يا بنيلا تكن صبي وتذكر وصايا أبيك وإياك ومن يليك وتأمل ما لديك واحفظ مالك وما عليك ودبر معاشك وصن ماء وجهك ورياشك وأعلم أن أصحابك وعشراءك وأحبابك وندماءك ورفقاءك وأخصاك وأصدقاءك كلهم عبيد البطن ولورقات بذي شيق أو حصن لا خير عندهم ولا مير جميعهم كسير وعوير فإياك إياك وصحبة من لا يتولاك لاتركن إلى صداقتهم ولا تعتمد على موافقتهم فانهم في الرخاء يأكلونك وفي البلاء يتركونك وإلى مخالب القضاء يسلمونك رأس مال محبتهم ما في يديك وأساس بنيان مودتهم ما يرونه من النعماء عليك فإن قلت والعياذ بالله فلوا وخلوك في عقد النوائب مربوطاً وانحلوا وأقل الأقسام يا ذا الأصل السام أن تجرب أصحابك وتختبر من يلازم بابك ويقبل بشفاه المودة أعتابك في شيء نابك أعجز عن حمله نابك من حوادث القضاء أو في حالة من أحوال الغضب

стр. 68

والرضاء أو السعة والضيق أو التكذيب والتصديق فمن وجدته ناصحاً صادقاً أو مطاوعاً مصادقاً وفي كل الأحوال موافقاً وفي الرخاء والشدة مرافقاً يوثق به في الغيبة والحضور وحالتي السرور والشرور يؤدي الأمانة ويجتنب الخيانة ويغار على دينك وعرضك ويساعدك على أداء مسنتك وفرضك فاركن إليه واعتمد في أمورك عليه ومن وجدته منافقاً وفي إخلاصه ممازقاً ينسج شقة الوداد بوجهين ويتكلم كخائض المداد بلسان فلا تقربه ولا تصحبه فان بعده غنيمة والخلاص منه نعمة جسيمة وانظر بعين الثبات ما في هذه الأبيات من حسن الصفات فمن كان بها متصفاً فتمسك بأذياله فانه من أهل الصفا وهي هذه: وقد قيل قول المرء يكشف عقله ... وببدي سجاياه وما كان يكتم فهذا كلامي مظهر ما أكنه ... وأكثر هذا الخلق عن عيبهم عموا فمن شيمتي أني مطيع لصاحبي ... وأصلح عن خصمي وإن كنت أخصم وأرضى لنفسي ديون ما هو حقها ... وألزمها للخل ما ليس يلزم إذا قال أصغى للمقال وأنني ... لا علم منه بالمقال وأفهم ولم أشك من خل لئلا يملني ... ومن لي بخل لا يمل ويسأم وأقطع في بحثي وأن كنت غالباً ... واسكت حتى قيل ذا ليس يعلم لا بقي وداد الناس لي لا أضيعه ... ومن لا يداري الناس يرمى ويرغم وفي كل ذا تقوى إلا له شعائري ... ولا بد من لا يتقي الله يندم ولا نقص في عقلي وأسباب نعمتي ... وأني وأنى بالكمال مكرم ولي همة يسموا لي الأوج قدرها ... ولكن خمول المرء للدين أسلم ووجه اعتقادي مثل عرضي أبيض ... وديني متين واعتمادي مقوم وحسبي من دنياي قوت وخرقة ... يبلغني آثار من قد تقدموا فهذي عزيزات لدي وإنني ... لادعو إلى هذي الخصال وأعزم

стр. 69

فاثر هذا الكلام فيه وتأمل ما تضمنته فحاويه ثم أراد أن يجرب ملازميه ومن بر وجه جسده يفديه فقال يوماً من الأيام وقد اجتمعوا على منادمه المدام اتفق أمر عجيب وشأن غريب وهو أنه كان عندنا هاون في زاوية مخزون زنته ربع قنطار أتى البارحة عليه الفار فقرضه وأكله وعمه بالأكل وشمله فلم يدرك من ذلك النحاس في مكانه من برادة أضراسه وأسنانه فترشفت ثغور آذانهم منطقة واستحلى كؤسها كل منهم وصدقه وقالوا هذا وقع بغير شك لأن الهاون كان فيه ودك والفار أسنانه باضعه وأضراسه لجن حرافيش بغداد قاطعه فلما رأى أنهم وافقوه وصوبوا كلامه وصدقوه ازدادت فيهم محبته وقويت إليهم رغبته حيث رفعوا رتبه وستروا في جيب عيبه وحققوا محالة وصدقوا مقاله فأسرع إلى أمه مسروراً فرحاً محبور منشرحاً وقال يا أماه انظري كلام أصحابي وأخبري مقام أحبابي ذكرت لهم كلاماً باطلاً ومن حلية الصدق والإمكان عاطلاً فحققوا بلا مريه واثبتوا حقيقته من غير فريه وصاغوا من جواهر التوجيه أبهى حلية وذكر ما جرى لهم وله من الجنون والخباط والوله فقالت أمه يا ولدي ومهجة كبدي هذا أمر يضحك منه الجاهل ويبكي على حالك الحالك منه العاقلكما قيل: أمور تضحك السفهاء منها ... ويخشى من عواقبها اللبيب

стр. 70

أعلم أيها الداهل الغافل أنك لست من أصحابك على طائل وهؤلاء أعداء في صورة أو داء وهم في التمثيل كما قيل: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق وتيقن أن هؤلاء في النعمة خداعون وفي النقمة لذاعون وأنت شاب غرير وبأعقاب الأمور لست ببصير لا مارست الخلق ولا فرقت بين الصادق من ذوي الملق لأخبرتهم ولأسبرتهم ولا دخلت مداخلهم ولا ميرت خارجهم وداخلهم إن الصادق والرفيق الفائق من بصرك عيوبك وغفر لك بعد نصيحتك ذنوبك وأطلعك على حقائق الأشياء ونهيك على ما خفي من أمور الدنيا وأرشدك إلى ما يزينك ويصلح به دنياك وأبكاك إذا نصحك لا من أضحك وفضحك وأما الذي يدلس ويلبس ويوسوس ويهوس وبروج الباطل وبحلى العاطل فذاك بصديق على التحقيق وإنما هو عدو فلا يكن لك معه قرار ولا هدو فلم يلتفت الشاب إلى هذا الخطاب حيث كان مصادماً لغرضه غير شاف لعلته ومرضه وقال صديق من نطق وفاه بالكلام الحق من قال إفشاء السر إلى النساء فعل الأحمق ثم تركها ترغوا واستمر هو مع أقرانه بلهو وداوم على تلك الحال حتى إذا دنت لنفادها الأموال وبيع الرخيص والغال فما استفاق من سكرته واستيقظ من رقدته إلا والأموال قد ذهبت والديون قد ركبت وهو ينشد وإلى مذهبه يرشد: ليذهبوا في ملامي أينما ذهبوا ... في الخمر لا فضة تبقى ولا ذهب

стр. 71

إلى أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة ونفقت البيضاء والصفراء في الحمراء والخضراء وأصبح ملقى على الأرض السوداء وأتعس من فوق الغبراء وأفلس من تحت الزرقاء وتراجع عنه الأصحاب وعاداه الأصدقاء والأحباب ورجعوا عنه بعدما سئموا منه صار ناديه ينادي: كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر وصارت محبتهم له تكلفاً ورؤيتهم إياه تعسفاً فاتفق له في بعض الأيام أن قال في أثناء الكلام لذلك الجمع بعينه الذين كانوا أجمعوا على صدق منيه الفار الغدار أكل لنا في الدار البارحة رغيفاً كاملاً فاتى على أكله شاملاً فما أبقى منه لبابه ولا غادر من غدير وجوده صبابة فتنادوا للحال بالمحال والكذب في الأقوال الفار الضعيف كيف يأكل كل الرغيف وهو عاجز نحيف وتناولوه بالطعن وتناوشوه بالسنة السب واللعن وزيغوا أقواله وسفهوا أفعاله وإنما ذكرت هذا الكلام يا أيمن غلام وأحسن من البدر التمام لتعلم أن أكثر من يدعي صدق الصحابة من ذوي المعارف والقرابة إنما دعواه كذابة كسحاب صيف لا يديم انسكابه وأن الشخص مع الناس الأوغاد والأكياس بمنزلة الفقاع أن رأوا فيه حلاوة الانتفاع استلموه

стр. 72

وبالأيدي رفعوه وقبلوه ورشفوه وإذا مصوا محصوله وفرغوه ورموه تركوه وتحت الأقدام طرحوه ثم قال التاجر لولده راحة روحه وجسده وأن كان من صحبتهم وفي سفرك أكتسبتهم مثل هؤلاء الأصحاب فإياك أن تفتح لهم الباب وترفع بينك وبينهم الحجاب (فقال الولد) معاذ الله الواحد الأحد يا أبت عندي ثبت أنهم يدور كرام وصدور عظام يقومون لقيامي وينصتون لكلامي ويجيبون ندائي ويؤمنون على دعائي وهم أخلاء في السراء والضراء (فقال أبوه) أعلم يا ابني وقرة عيني أني عمرت سبعين وعاينت من الأمور الخشنة والحسنة وبلوت الأصحاب وتلوت الأعداء والأحباب ورأيت الدنيا وأهلها وقلبت وعرها وسهلها ولم أترك من جنس بني آدم في أكنافها الآفاق وأطراف العالم من أمم العرب والعجم نوعاً لم أخبره وصنفاً لم أسيره فلم يصف لي على التحقيق غير صديق ونصف صديق فأنت يا بني العزيز الغالي كيف قدرته بالتوالي في هذه المدة اليسيرة على جمع هذه الطائفة الكثيرة وها أنا يا إمام أريك مصداق هذا الكلام وأطلعك من بين الأصحاب على ما لهم من مقام ثم عمد إلى شاة فذبحها وبدمها في ثياب طرحها ثم دمجهاوفي كفن أدرجها وقال لأبنه قم يا ذا الارتقاء أرني هؤلاء الأصدقاء واحداً بعد واحد لتحقيق غيب عيبهم بالشاهد وتعرف طرائقهم وتتبين حقائقهم ثم وضع الشاة في عدل وأخفى كل هذا الفعل وحمل العدل على ظهر غلام وخرج ليلاً والناس نيام وقصد أحد الأصحاب وطرق عليه الباب فخرج مسرعاً إليه وترامى متواضعاً بين

стр. 73

يديه وأظهر البشر والسرور والابتهاج والحبور وبالغ في الاحتشام والإكرام والاحترام وشكر مساعي الأقدام ثم بادر إلى دعوته للدخول وتعاطي إنجاح ما له من سؤل ومأمول فقال له الشاب يا زين الأصحاب وعين الأحباب دع الكلام لضيق المقام فقد دهتني دهيه وعرتني بليه وأعظم بها من قضيه ويا لها من رزية فقال ما هي وقيت الدواهي فقال كان بيني وبين واحد من أهل الشقاوة خصومة قديمة وأسباب عداوة اسمه معروف وذكره موصوف لشخص مفقود لم يكن له حقيقة في الوجود وهو من أكابر الزمان وأحد الرؤساء والأعيان فتلاقينا وتداعينا ما بيننا من جفوه وتنابشنا الأسباب وتناوشنا باللعن والسباب وتناولنا في الشقاق شق الأعراض وتأذت القلوب من الأغراض بالأمراض وتنقلنا من المكالمة إلى المشاتمة ومن المواصمة للملاكمة وترقينا من الكفاح إلى الجراح فثارت النفس المشؤمة إلى إيقاع حركة ذميمة فضربته فجرحته وقتيلاً طرحته ولم يشعر بنا أحد من أهل البادية والبلد وندمت غاية الندم وأني يفيد وقد زلت القدم وجرى قلم القضاء بما حكم ثم أفكرت بمن أستعين على هذا الأمر اللعين وأدرت في خاطري كل مساعد ومعين فلم يمل القلب إلا إليك ولا استقر الخاطر في ركونه إلا عليك وقد قصدت جنابك ويممت بابك إذا أنت أعز مخدوم والسر عندك مكتوم وهاهو مقتولاً أتيتك به محمولاً فاحفر لهذه الجثة حفيره وأخفي عندك أيا ما يسره إلى أن تطفأ هذه النائرة وتسكن الفتنة الثائرة وهذا وقت المروه وزمان الفتوة والقيام بحق الصداقة والأخوة

стр. 74

فلما سمع الصاحب اللبق هذا الكلام القلق تضجر وتضرر وتنكد وتضور وقال يا أخي بيتي عتيق مع أنه حجر مضيق لا يسع أولادي ولا زادي وعتادي وإذا ضاق عن الأحياء فكيف بالأموات وهذه بلية من أوحش البليات وأظنها لا تخفى على الناس ويدركها أولو الفراسة والأغبياء فضلاً عن الأكياس لأن قضاياكم قبل اليوم مشهورة وبلغني أن عداوتكم قديمة مذكورة وفي التواريخ وصدور الكتب مسطورة ولكم وقعات ونوازل وله أيتام كأنهم الزغب الجوازل وأما أنا فلا يمكنني الدخول فيها ولا تعاطيها بوجه من الوجوه ولا تلافيها فاكفني شر ضيرها واندبني إلى غيرها وأني أكتم سرها فلا تخف من جهتي شرها فالح عليه فما أقاد ورده غير ظافر بما أراد فلما أيس منه تركه وانتقل عنه ودار على سائر أصحابه وذكر لهم مثل الأول وخطابه فكان جواب الجميع مثل جوابه إلى أن أتى على الجميع واستوفى شريفهم والوضيع ورأى ما هم عليه من طبع بديع كأنهم كانوا متواردين على شرب هذا الصنيع فعاد إلى دار أبيه ورجع إلى صحة بيسان التنبيه فقال له بمدير الفلك أحققت صدق ما قلت لك وتبيات ما هية أصدقائك وحقيقة أوليائك وأنهم نقش حيطان ورقش غيطان وغمام بلا مطر وأكمام بلا زهر وأجام بلا ثمر

стр. 75

(ثم قال) ثم يا زين الأحباب أريك ما قلت لك من حقيقة الأصحاب ثم دخلا الطرق وقصد نصف الصديق وطرقا الباب فخرج وتلقاهما بالترحاب فقال له ذلك المقال وقصد بمعونته الخلاص من ذلك العقال فقال حباً وكرامه حللتما بمنزل السلامة أنابكم نشيط وأجلبكم بي بسيط غير أني أعلمكم أن منزلي غير فسيح حتى أدفن فيه هذا الذبيح وليس لي مخبأة ولا مخدع ولا سكن في مطاويه ولا مصنع وأخاف أن أمركم لا يختفي وبهذا المقدار في أمركم لا أكتفي ويدي لا تملك غيره وقد وقعت بهذا السبب في حيرة وبالجملة والتفصيل أنا أكفيكما شر هذا القتيل فقالا لا نقنع بذلك ولكن سد عنا المسالك فقال توجهاً حيثشئتما فلا أنا سمعت ولا أنتما قلتما فتوجها إلى الصديق الكامل وذكرا له الأمر الحامل وقصدا بتلاقيه كرمه الشامل فقال لهما أو شيء غير ذلك وقاكما الله شر المهالك فقالا لا الادفن هذا المقتول وإخفاء هذا الأمر المهول وأن نكون تحت أذيالك الساترة حتى تسكن هذه الفتنة الثائرة فان أهله يطلبونا فان وجدونا يسلبونا ولا يرضون إلا بالدمار وخراب الديار ولا يقنعون بالمال والعقار وهذه قضية عظيمة وداهية جسيمة فان كنت تنهض بإطفائها وحمل أعبائها وتسعى في إخفائها فقد قصدناك ودون الأصحاب أردناك فان عجزت عن سدها فلا عتب عليك في ردها ولا تتكلف فوق طاقتك ولا تتجشم لا جلنا غير استطاعتك فقال سبحان الله وا سوأتاه هذا يوم المروأة والوفاء وتذكر وسائل إخوان الصفاء فلكم الفضل إذ قصدتموني والجميلة التامة حيث أردتموني
следующие страницы →