Полный текст (532 стр.). Показаны 526–532 · переход к 531.
стр. 526
- لا يكن يومُك كلُّه قراءةً أو تفكراً أو تأليفاً أو حِفْظاً بل خذْ من كل عملٍ بطرفٍ ونوِّعْ فيه الأعمالَ فهذا أنشطُ للنفسِ.
- الصلواتُ ترتبُ الأوقاتِ فجعلْ كل صلاة عملاً من الأعمالِ النافعةِ.
- إن الخير للعبدِ فيما اختار له ربُّه، فإنه أعلمُ به وأرحمْ به من أمه التي ولدته، فما للعبد إلا أن يرضى بحكم ربه، ويفوض الأمر إليه ويكتفي بكفاية ربه وخالقِه ومولاه.
- ولعبدُ لضعفه ولعجزِه لا يدري ما وراء حجبِ الغيبِ، فهو لا يرى إلا ظواهر الأمورِ أما الخوافي فعلمُها عند ربي، فكم من محنةٍ. صارت منحةً وكم من بليةٍ أصبحت عطيةً، فالخيرُ كامنٌ في المكروهِ.
- أبونا آدم أكلَ من الشجرةِ وعَصَى ربَّه فأهبطَه إلى الأرضِ، فظاهرِ المسألة أن آدم ترك الأحسنَ والأصوبَ ووقع عليه المكروه، ولكن عاقبة أمره خيرٌ عظيمٌ وفضلٌ جسيم، فإن الله تابَ عليه وهداه واجتباه وجعله نبياً وأخرج من صلبِه رُسُلاً وأنبياءَ وعلماءَ وشهداءَ وأولياء ومجاهدين وعابدين ومنفقين، فسبحان الله كم بين قوله ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ، وبين قوله ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ فإن حالة الأول سكنٌ وأكلٌ وشربٌ وهذا حال عامة الناس الذين لا همّ لهم ولا طموحات، وأما حاله بعد الاجتباءِ والاصطفاء والنبوةِ والهدايةِ فحالٌ عظيمة ومنزلةٌ كريمة وشرفٌ باذخٌ.
- وهذا داودُ ﵇ ارتكب الخطيئةَ فندم وبكى, فكانت في حقِّه نعمةٌ من أجلِّ النعم, فإنه عرف ربه معرفة العبدِ الطائعِ الذليل الخاشعِ
стр. 527
المنكسرِ , وهذا مقصودُ العبودية فإن من أركانِ العبودية تمامُ الذلِّ للهِ . وقد سئِل شيخ الإسلامِ ابنُ تيمية عن قوله ﷺ : ((عجباً للمؤمنِ لا يقضي اللهُ له شيئاً إلا كان خيراً له)) هل يشمل هذا قضاء المعصيةِ على العبدِ؟ , قال نعم؛ بشرطِها من الندمِ والتوبةِ والاستغفارِ والانكسارِ.
فظاهرُ الأمرِ في تقديرِ المعصيةِ مكروهٌ على العبدِ، وباطنُه محبوبٌ إذا اقترن بشرطِه.
- وخيرة اللهِ وللرسولِ محمدٍ ﷺ ظاهرةٌ باهرةٌ , فإن كلَّ مكروهٍ وقعَ له صارَ محبوباً مرغوباً , فإن تكذيب قومِه له؛ ومحاربتِهم إياه كان سبباً في إقامةِ سوق الجهادِ، ومناصرةِ اللهِ والتضحيةِ في سبيلِه , فكانت تلك الغزواتُ التي نصر اللهُ فيها رسوله , فتحاً عليه, واتخذ فيها من المؤمنين شهداء جعلهم من ورثةِ جنة النعيم, ولولا تلك المجابهة من الكفار لم يحصلْ هذا الخيرُ الكبير والفوزُ العظيمُ , ولما طُرِد ﷺ من مكة كان ظاهرُ الأمرِ مكروهاً ولكن في باطنِه الخيرُ والفلاحُ والمنّةُ , فإنه بهذه الهجرةِ أقام ﷺ دولة الإسلامِ، ووجد أنصاراً، وتميز أهلُ الإيمان من أهلِ الكفرِ , وعُرِفَ الصادق في إيمانِه وهجرته وجهادِه من الكاذبِ. ولما غُلب ﵊ وأصحابُه في أحدٍ كان الأمرُ مكروهاً في ظاهرِه، شديداً على النفوسِ، لكن ظهر له من الخيرِ وحسنِ الاختيارِ ما يفوقُ الوصف, فقد ذهب من بعضِ النفوسِ العجبُ بانتصارِ يوم بدرٍ، والثقةُ بالنفسِ، والاعتمادُ عليها , واتخذ اللهُ من المسلمين شهداء أكرمهم بالقتلِ كحمزة سيدِ الشهداء , ومصعبِ سفيرِ الإسلام , وعبدِالله ابن عمروٍ والدِ جابر الذي كلمه اللهُ وغيرهم , وامتاز المنافقون بغزوةِ أحد، وفضح أمرهم، وكشفُ اللهُ أسرارهم وهتك أستارَهُمْ. . وقسْ على ذلك أحواله ﷺ ، ومقاماته التي ظاهرُها المكروهُ، وباطنُها الخيرُ لهُ وللمسلمين.
стр. 528
- ومن عَرَفَ حُسْنَ اختيارِ اللهِ لعبدِه هانتْ عليه المصائبُ، وسهلتْ عليه المصاعبُ , وتوقعَ اللطفَ من اللهِ، واستبشر بما حصل، ثقةً بلطفِ اللهِ وكرمِه، وحسنِ اختيارِه، حينها يذهبُ حزنُه وضجرُه وضيقُ صدرِه , ويسلم الأمر لربه جلَّ في علاه، فلا يتسخطُ ولا يعترضُ، ولا يتذمّرُ، بل يشكرُ ويصبرُ، حتى تلوح له العواقبُ، وتنقشعُ عنه سحبُ المصائبِ.
- نوحٌ ﵇ يُؤذى ألفَ عام إلا خمسين عاماً في سبيلِ دعوتِهِ , فيصبرُ ويحتسبُ ويستمرُّ في نشرِ دعوتِه إلى التوحيدِ ليلاً ونهاراً , سراً وجهراً , حتى ينجيه ربُّه ويهلك عدوه بالطوفانِ.
- إبراهيمُ ﵇ يُلقى في النارِ فيجعلُها الله عليه برْداً وسلاماً , ويحميه من النمرودِ، وينجيهِ من كيدِ قومه وينصرُه عليهم، ويجعلُ دينه خالداً في الأرضِ.
- موسى ﵇ يتربصُ به فرعونُ الدوائر، ويحيكُ له المكائد، ويتفننُ في إيذائه ويطاردُه , فينصرُه اللهُ عليه ويعطيه العصا تلقفُ ما يأفكون , ويشقُ له البحرَ ويخرجُ منه بمعجزةٍ، ويهلكُ اللهُ عدوَّه ويخزيه.
- عيسى ﵇ يحاربُه بنو إسرائيل، ويؤذونه في سمعته وأمِّه ورسالتِه , ويريدون قتله فيرفعُه اللهُ إليه وينصرُه نصراً مؤزراً، ويبوءُ أعداؤه بالخسرانِ.
- رسولُنا محمد ﷺ يؤذيه المشركون واليهودُ والنصارى أشدَّ الإيذاءِ , ويذوقُ صنوفَ البلاءِ، من تكذيبٍ ومجابهةٍ وردٍ واستهزاءٍ وسخريةٍ وسبٍّ وشتمٍ
стр. 529
واتهامِ بالجنونِ والكهانةِ والشعرِ والسحرِ والافتراءِ , ويُطردُ ويُحارَبُ ويُقتل أصحابُه ويُنكَّلُ بأتباعِه, ويُتهمُ في زوجتِه، ويذوقُ أصناف النكباتِ، ويهدد بالغاراتِ، ويمر بأزماتٍ , ويجوع ويفتقرُ، ويجرحُ، وتكسر ثنيتُهُ، ويشج رأسُه ويفقدُ عمه أبا طالب الذي ناصره , وتذهب زوجتُه خديجة التي واسته , ويُحْصَرُ في الشعب حتى يأكل هو وأصحابه أوراق الشجرِ , وتموتُ بناتُه في حياتِه وتسيلُ روحُ ابنِه إبراهيم بين يديهِ , ويُغلبُ في أحد , ويُمزَّقُ عمه حمزةُ , ويتعرض لعدة محاولات اغتيال , ويربطُ الحَجَرَ على بطنِه من الجوعِ ولا يجدُ أحياناً خبزَ الشعيرِ ولا رديءَ التمر , ويذوقُ الغصص ويتجرع كأس المعاناة , ويُزلزلُ مع أصحابِه زلزالاً شديداً وتبلغُ قلوبهُم الحناجر , وتعكس مقاصدُه أحياناً، ويبتلى بتيه الجبابرةِ وصَلَفِ المتكبرين وسوءِ أدبِ الأعرابِ وعجبِ الأغنياء، وحقدِ اليهودِ، ومكرِ المنافقين، وبُطْءِ استجابةِ الناسِ , ثم تكون العاقبةُ له، والنصرُ حليفه، والفوزُ رفيقه، فيظهرُ اللهُ دينه، وينصرُ عبده، ويهزم الأحزاب وحده، ويخذل أعداءه ويكبتهم ويخزيهم , واللهُ غالبٌ على أمرِه ولكن أكثر الناسِ لا يعلمون.
- وهذا أبو بكر يتحملُ الشدائد، ويستسهلُ الصعابَ في سبيل دينِه وينفقُ ماله ويبذلُ جاهه، ويقدم الغالي والرخيصَ في سبيلِ اللهِ، حتى يفوز بلقبِ الصديقِ.
- وعمرُ بنُ الخطابِ يضرجُ بدمائِه في المحرابِ، بعد حياةٍ ملؤها الجهادُ والبذلُ والتضحيةُ والزهدُ والتقشفُ وإقامةُ العدلِ بين الناسِ.
стр. 530
- وعثمانُ بن عفانَ ذُبِحَ وهو يتلو القرآن , وذهبتْ روحُه ثمناً لمبادئِه ورسالتِه.
- وعلي بن أبي طالبٍ يُغتالُ في المسجدِ، بَعْدَ مواقف جليلةٍ ومقاماتٍ عظيمة من التضحيةِ والنصرِ والفداءِ والصدقِ.
- ... والحسينُ بن علي يرزقُه اللهٌ الشهادة ويُقْتَلُ بسيفِ الظلمِ والعدوانِ.
- وسعيدُ بنُ حبيرٍ العالمُ الزاهدُ يقتله الحجاجُ فيبوءُ بإثمِهِ.
- وابنُ الزبيرِ يكرمُه اللهُ بالشهادةِ في الحرِم على يدِ الحجاجِ بنِ يوسف الظالمِ.
- ويُحبس الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلَ في الحق، ويُجلد فيصيرُ إمامَ أهلِ السنةِ والجماعةِ.
- ويقتل الواثقُ الإمامَ أحمدَ بن نصرٍ الخزاعي الداعيةَ إلى السنةِ بقولِه كلمة الحقِّ.
- وشيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ يسجن ويُمنعُ من أهلِه وأصحابِه وكتبِه , فيرفعُ اللهُ ذكرهُ في العالمين.
- وقد جُلِدَ الإمامُ أبو حنيفة من قِبَل أبو جعفر المنصور.
- وجُلد سعيدُ بن المسيب العالم الرباني , جلده أميرُ المدينةِ.
- وضرب الإمام بن عبدُالله بن عونٍ العالمُ المحدثُ , ضربه بلال بن أبي برده.
- ولو ذهبت أعدد من ابتلُىَ بعزل أو سجنٍ أو جلدٍ أو قتلٍ أو أذى لطالَ المقامَ ولكثرَ الكلامَ , وفيما ذكرت كفايةٌ.
стр. 531
وفي الختام، تقبل تحياتي، وهاك سلامي مقروناً بدعائي لك بالسعادة ...
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك .
стр. 532
الخاتمة
أنا وأنت، هيَّا نقصد الغنيَّ الواحد الماجد، الأحد الصمدَ الحيَّ القيومَ، ذا الجلالِ والإكرامِ، لننَّطِرح على عتبةِ ربوبيتِه، ونلتجئ إلى بابِ وحدانيتِه، نسأله ونُلحُّ في السؤالِ، ونطلبُه وننتظرُ النَّوالَ، فهو المعافي الشافي الكافي وهو الخالق الرزاقُ المحيي المميتُ.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ .
((اللهم إنا نسألُك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة)) .
((اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيُّك محمدٌ ﷺ ، ونعوذُ بك من شرِّ ما استعاذك منه نبيُّك محمدٌ ﷺ )) .
((اللهم إنا نعوذُ بك من الهمِّ والحزِ، ونعوذُ بك من العَجْزِ والكَسَلِ، ونعوذُ بك من البخلِ والجُبْنِ، ونعوذُ بك من غلَبَةِ الدينِ وقهْرِ الرجالِ)) .
سبحان ربك ربِّ العزةِ عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.