Полный текст (5 658 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: وَالَّذِي حسن ذَلِك للشاعر أَنه يرى جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين فيستقيم لَهُ أَن يجالسهما جَمِيعًا. وكل الْخبز أَو التَّمْر فَيجوز لَهُ أَن يجمعهما فِي الْأكل. فَلَمَّا جرت مجْرى الْوَاو فِي هَذِه الْمَوَاضِع استجاز أَن يستعملها بعد سي. وَلم نعلم ذَلِك جَاءَ فِي سَوَاء وَقِيَاسه قِيَاس سيان. انْتهى.
وَبَين ابْن جني سره فِي بَاب تدريج اللُّغَة من الخصائص قَالَ: وَذَلِكَ أَي تدريج اللُّغَة أَن يشبه شَيْء شَيْئا من مَوضِع فيمضي حكمه على حكم الأول ثمَّ يرقى مِنْهُ إِلَى غَيره. فَمن ذَلِك قَوْلهم: جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين. فَلَو جالسهما جَمِيعًا لَكَانَ مصيباً مُطيعًا لَا مُخَالفا وَإِن كَانَت أَو إِنَّمَا هِيَ فِي أصل وَضعهَا لأحد الشَّيْئَيْنِ.
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي هَذَا الْموضع لَا لشَيْء رَجَعَ إِلَى نفس أَو بل لقَرِينَة انضمت من جِهَة الْمَعْنى إِلَى أَو. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد عرف أَنه إِنَّمَا رغب فِي مجالسة الْحسن لما لمجالسته فِي ذَلِك من الْحَظ.
وَهَذِه الْحَال مَوْجُودَة فِي مجالسة ابْن سِيرِين أَيْضا فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَالس هَذَا الضَّرْب من النَّاس.
وعَلى ذَلِك جرى النَّهْي فِي هَذَا الطرز من القَوْل فِي قَوْله تَعَالَى: وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَو كَفُوراً فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم قَالَ: لَا تُطِع هَذَا الضَّرْب من النَّاس ثمَّ إِنَّه لما رأى أَو فِي هَذَا الْموضع قد جرت مجْرى الْوَاو تدرج من ذَلِك إِلَى غَيره فأجراها مجْرى الْوَاو فِي مَوضِع عَار من هَذِه الْقَرِينَة الَّتِي سوغته اسْتِعْمَال أَو فِي معنى الْوَاو.
أَلا ترَاهُ كَيفَ قَالَ:
فَكَانَ سيّان أَن لَا يسرحوا نعما ... ... ... ... ... . . الْبَيْت وَسَوَاء سيان لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِالْوَاو. انْتهى.
стр. 2032
وَقد أَخذ هَذَا من كَلَام أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية قَالَ: إِنَّمَا جَازَ أَو مَعَ سيان اتساعاً وَذَلِكَ أَنهم لما رَأَوْا أَن أَو يجمع بهَا مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا كَمَا جمع بِالْوَاو وَإِن كَانَ الْمَعْنى مُخْتَلفا شبهوه بهَا فَعَطَفُوا بهَا فِي هَذَا الْموضع كَمَا يعْطف بِالْوَاو. وَكَذَلِكَ الْعلم بِأَن هَذَا الْموضع يَقْتَضِي اثْنَيْنِ)
فَصَاعِدا وَلَا يقْتَصر فِيهِ على أحد الاسمين. انْتهى.
وسيان: مثنى سي بِالْكَسْرِ بِمَعْنى مثل وَأَصله سوي لِأَنَّهُ من السوَاء والسوية فَقلب وأدغم عملا بالقاعدة.
قَالَ ابْن يسعون: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول سيين لِأَن الْمعرفَة أولى بِأَن تكون اسْم كَانَ وَكَأَنَّهُ كره اجْتِمَاع ثَلَاث ياءات فَعدل إِلَى الْألف أَو قدر فِي كَانَ ضمير الشَّأْن وَرَفعه على الْخَبَر لِأَن الْمُبْتَدَأ وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: إِمَّا أَن يكون أضمر فِي كَانَ الحَدِيث أَو الْأَمر فَيكون سيان خبر الاسمين اللَّذين هما: أَن لَا يسرحوا نعما أَو يسرحوه أَو يكون جعل سيان الْمُبْتَدَأ وَإِن كَانَ نكرَة وَأدْخل كَانَ على قَوْله سيان. وَالْوَجْه الأول أشبه. انْتهى.
قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: وَلقَائِل أَن يَقُول: الْإِخْبَار عَن الْمعرفَة بالنكرة مغتفر فِي الضَّرُورَة. على أَن ابْن مَالك قَالَ بِجَوَازِهِ مُطلقًا.
وسرحت الْإِبِل سرحاً من بَاب نفع وسروحاً أَيْضا: رعت بِنَفسِهَا وسرحتها يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. وَهُوَ هُنَا مُتَعَدٍّ. وَالنعَم: المَال الرَّاعِي وَهُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَأكْثر مَا يَقع على الْإِبِل.
قَالَ أَبُو عبيد: النعم: الْجمال فَقَط وتؤنث وتذكر وَجمعه نعْمَان كحمل وحملان وأنعام
стр. 2033
أَيْضا.
وَقيل: النعم: الْإِبِل خَاصَّة. والأنعام: ذَوَات الْخُف والظلف وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم.
وَقيل: تطلق الْأَنْعَام على هَذِه الثَّلَاثَة فَإِذا انْفَرَدت الْإِبِل فَهِيَ نعم وَإِن انْفَرَدت الْبَقر وَالْغنم لم تسم نعما. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَضمير بهَا قَالَ ابْن يسعون: للسّنة المجدبة الَّتِي دلّت الْحَال عَلَيْهَا.
وَيحْتَمل أَن يُرِيد الْبقْعَة الَّتِي وصفهَا بالجدب. وَالْبَاء بِمَعْنى فِي. واغبرت اسودت فِي عين من يَرَاهَا أَو كثر فِيهَا الْغُبَار لعدم الأمطار. وَرُوِيَ بدله: وابيضت. والسوح: جمع ساحة وَهِي قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وصف سنة ذَات جَدب فرعي النعم وَترك رعيها سَوَاء. قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: زعم أَبُو عَمْرو أَن الْأَصْمَعِي أنشدهم هَذَا الْبَيْت لرجل من هُذَيْل.
وَجَمِيع النَّحْوِيين رووا هَذَا الْبَيْت كَذَا وَقد رَأَيْته مُلَفقًا من بَيْتَيْنِ فِي قصيدة لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ وهما:
(وَقَالَ راعيهم سيّان سيركم ... وَأَن تُقِيمُوا بِهِ واغبرّت السّوح)
(وَكَانَ مثلين أَن لَا يسرحوا نعما ... حَيْثُ استرادت مَوَاشِيهمْ وتسريح))
وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِيهِ.
وَالْقَصِيدَة مرثية رثى بهَا أَبُو ذُؤَيْب صديقا لَهُ قتل فِي وقْعَة. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا من المطلع:
(نَام الخليّ وبتّ اللّيل مشتجراً ... كأنّ عَيْني فِيهَا الصّاب مَذْبُوح)
(لمّا ذكرت أَخا العمقى تأوّبني ... همّي وأفرد ظَهْري الْأَغْلَب الشّيح)
(المانح الْأدم كالمرو الصّلاب إِذا ... مَا حارد الخور واجتثّ المجاليح)
(وزفّت الشّول من برد العشيّ كَمَا ... زفّ النّعام إِلَى حفّانه الرّوح)
стр. 2034
وَقَالَ ماشيهم سيّان سيركم ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْتَيْنِ
(واعصوصبت بكرا من حرجفٍ وَلها ... وسط الدّيار رذيّاتٌ مرازيح)
(لَا يكرمون كريمات الْمَخَاض وَأَن ... ساهم عقائلها جوعٌ وترزيح)
قَوْله: نَام الخلي الخ قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل: الخلي: الَّذِي لَا هم لَهُ. والمشتجر: الَّذِي قد وضع حنكه على يَده أَو فَمه عِنْد الْهم. والصاب: نبت إِذا شقّ يخرج من ورقه كاللبن يحرق الْعين. ومذبوح: مشقوق. وذبحه: شقَّه.
وَقَوله: لما ذكرت أَخا العمقى الخ العمقى بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا وبالقصر: أَرض قتل بهَا هَذَا الرجل المرثي. وتأوبني: أَتَانِي لَيْلًا.
وأفرد ظَهْري أَي: كَانَ يمْنَع ظَهْري من الْعَدو.
والأغلب: الْأسد الغليظ الرَّقَبَة يُقَال: رجل شيح ومشيح إِذا كَانَ جلدا. يَقُول: خلاني للأعداء.
وَقَوله: المانح الْأدم الخ مَا أوردناه من الأبيات أوردهُ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَقَالَ: وَمِمَّا وصف بن الْمحل قَول أبي ذُؤَيْب ومدح رجلا ببذل مَاله فِيهِ.
قَالَ السكرِي: المانح هُوَ أَن يدْفع الْأدم كالعارية يشرب لَبنهَا سنة. كالمرو فِي صلابتها. والمرو: الْحِجَارَة الْبيض. والخور: الغزار الرقَاق وَلَيْسَ بسمان. وحارد: ذهب أَلْبَانهَا وَهِي من المحاردة. والمجاليح: اللواتي يدررن فِي القر والجهد والواحدة مجالح.
стр. 2035
وَقَالَ الدينَوَرِي: المحاردة: انْقِطَاع اللَّبن. والمجاليح: الصَّبْر من النوق على الجدب الْبَاقِيَة الألبان وَقَوله: وزفت الشول الخ الزفيف: مشي سريع فِي تقَارب الخطو. والشول: الَّتِي شالت أَلْبَانهَا وَخفت بطونها من أَوْلَادهَا وأتى على نتاجها سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة. والحفان بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء: صغَار النعام. وَالروح: نعت النعام وَهُوَ جمع أروح وروحاء وصف من الرّوح)
وَقَوله: وَقَالَ راعيهم سيان الخ وروى السكرِي: وَقَالَ ماشيهم أَيْضا. وَقَالَ يُرِيد اغبرت ساحات مَا حَولهمْ من الجدب وماشيهم يُرِيد ماشي الْحَيّ والممشي: صَاحبهَا.
قَالَ الْبَاهِلِيّ: زَعَمُوا أَن ماشيهم فِي معنى ممشيهم أَي: صَاحب الْمَاشِيَة يُقَال: أمشى الرجل.
أَي: سَوَاء سيركم إِن سِرْتُمْ وَإِن أقمتم فَأنْتم فِي جَدب. وروى الدينَوَرِي: وَقَالَ رائدهم سيان سيركم الخ.
وَقَوله: وَكَانَ مثلين الخ هَذَا على الْقيَاس بِنصب مثلين قَالَ السكرِي: أَرَادَ: أَن لَا يسرحوا وتسريحهم سَوَاء. وَمعنى أَن لَا يسرحوا: أَن لَا يرعوا. واسترادت مَوَاشِيهمْ أَي: ترود وتطلب المرعى أَي: فَهُوَ جَدب رعوا أم لم يرعوا.
стр. 2036
وَقَوله: واعصوصبت بكرا الخ. قَالَ الدينَوَرِي: اعصوصبت: اجْتمعت من الْبرد يَتَّقِي بَعْضهَا والحرجف بِتَقْدِيم الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة على الْجِيم: الرّيح الْبَارِدَة الْيَابِسَة. والرذية: الهزيلة الساقطة وَكَذَلِكَ المرازيح وَهِي الَّتِي رزحت فَلَا حراك لَهَا. وَلم يقل السكرِي فِي هَذَا الْبَيْت شَيْئا.
وَقَوله: أما ألات الذرى الخ. قَالَ السكرِي: ألات الذرى: ذَوَات الأسنمة. ف عاصبة أَي: قد عصبت واستدارت لَا تَبْرَح. والأقاديح: جمع قداح أَي: تجول القداح بَين مناقيها وَهُوَ أَن يضْرب عَلَيْهَا بِالْقداحِ. يَقُول: يخْتَار منقياتها أَي: سمانها للعقر.
وَقَوله: لَا يكرمون كريمات الخ. قَالَ السكرِي: يَقُول: ينحرون كريمات الْمَخَاض وَهِي الْحَوَامِل فَهِيَ أنفس عِنْدهم إِذا نحروها. وعقائلها: كرائمها أَي: أنساهم الْجُوع والترزيح وَهِي الرزاح الَّتِي قد قَامَت من الهزال وَسَقَطت.
وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.
وَهُوَ شَاعِر إسلامي.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة الرجز
(بَات يعشّيها بعضب باتر ... يقْصد فِي أسوقها وجائر)
وَأوردهُ الْفراء والزجاج فِي تفسيرهما عِنْد قَوْله تَعَالَى: ويُكلِّمُ الناسَ فِي المَهْدِ على أَن جملَة يكلم معطوفة على وجيهاً. قَالَ الزّجاج وَجَائِز أَن يعْطف بِلَفْظ يفعل على فَاعل لمضارعة يفعل فَاعِلا أَي: قَاصد فِي أسؤقها وجائر.
стр. 2037
وَأوردهُ الْفراء فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: لاهِيَةً قُلُوبُهُم.
وَكَذَلِكَ اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَلم ينْسبهُ أحد مِنْهُم إِلَى قَائِله وَلم أر لَهُ تَتِمَّة.
وَهُوَ بيتان من الرجز المسدس.
وَقَوله: بَات يعشيها الخ بَات من أَخَوَات كَانَ اسْمهَا مستتر فِيهَا وَجُمْلَة يعشيها فِي مَوضِع نصب على أَنَّهَا الْخَبَر أَي: يطْعمهَا الْعشَاء بِالْفَتْح
وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يُؤْكَل وَقت الْعشَاء بِالْكَسْرِ.
وَرَأَيْت فِي أمالي ابْن الشجري فِي نُسْخَة صَحِيحَة قد صححها أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ وَغَيره وَعَلَيْهَا خطوط الْعلمَاء وإجازاتهم: بَات يغشيها بالغين الْمُعْجَمَة من الغشاء كالغطاء بِكَسْر أَولهمَا وزنا وَمعنى أَي: يشملها ويعمها. وَضمير الْمُؤَنَّث لِلْإِبِلِ وَهُوَ فِي وصف كريم بَادر يعقر إبِله لضيوفه.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن الضَّمِير للْمَرْأَة الَّتِي عاقبها زَوجهَا بِالسَّيْفِ. وَلَا يخفى أَن هَذَا غير مُنَاسِب
стр. 2038
وَرَوَاهُ الْفراء فِي تَفْسِيره بت أعشيها بالتكلم.
والعضب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: السَّيْف وَهُوَ فِي الأَصْل صفة بِمَعْنى قَاطع عضبه بِمَعْنى قطعه وَالْيَاء مُتَعَلقَة ب يعشيها وَهَذَا من بَاب: عتابه السَّيْف وتحيته الضَّرْب. وباتر: صفة أولى لعضب وَجُمْلَة يقْصد صفة ثَانِيَة لَهُ وجائر صفة ثَالِثَة وَهُوَ بِمَعْنى قَاطع من بتره بتراً من بَاب قتل إِذا قطعه على غير تَمام.
ويقصد: مضارع قصد فِي الْأَمر من بَاب ضرب أَي: توَسط وَلم يُجَاوز الْحَد. وَفِي مُتَعَلّقه بيقصد. وأسؤق: جمع قلَّة لساق وَهِي مَا بَين الرّكْبَة والقدم. وجائر من جَار فِي حكمه إِذا ظلم.)
فَإِن قلت: عقره الْإِبِل إِمَّا قصد وَإِمَّا جور فَكيف وصف بهما قلت: هُوَ على التَّوْزِيع أَي: يقْصد فِي أسؤق إبل تسْتَحقّ الْعقر كالنيب ويجور فِي أسؤق إبل لَا تسْتَحقّ الْعقر كالحوامل وَذَوَات الفصال.
وجائر فِي الْحَقِيقَة مَعْطُوف على جملَة يقْصد الْوَاقِعَة صفة ثَانِيَة لعضب كَقَوْل راجز آخر: الرجز أمّ صبيٍّ قد حبا ودارج
وفاعله ضمير العضب.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن الضَّمِير عَائِد على مَا عَاد عَلَيْهِ ضمير بَات وَأَن الْجُمْلَة حَال. وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَمَا زعم لنصب جَائِر لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ وَلَا جَائِز
стр. 2039
أَن يكون مَنْصُوبًا أَو مَرْفُوعا لِأَن الشّعْر من الرجز الَّذِي يجب توَافق قوافيه. وَيدل لما قُلْنَا رِوَايَة الْفراء:
(بتّ أعشّيها بعضبٍ باتر ... يقْصد فِي أسوقها وجائر)
والقافيتان مضبوطتان بضبط الْقَلَم بِالْجَرِّ فِي نسخ صَحِيحَة مقروءة وَعَلَيْهَا خطوط الْعلمَاء مِنْهَا تَفْسِير الْفراء والزجاج وَمِنْهَا إِيضَاح الشّعْر بِخَط ابْن جني وَمِنْهَا أمالي ابْن الشجري كَمَا ذكرنَا.
وَلَو رفع باتر على أَنه نعت مَقْطُوع من النكرَة غير المخصصة لرفع جَائِر. وَفِيه مَا لَا يخفى.
وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يكون جملَة يقْصد خَبرا ثَانِيًا لبات أَو بَدَلا من يعشيها لما ذكرنَا.
وَلم يذكر الشَّارِح الْمُحَقق شَرط عطف الِاسْم على الْفِعْل مضارعاً أَو مَاضِيا وَعَكسه. وَقد بَينه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فِي فصل عقده لَهُ فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ: عطف اسْم الْفَاعِل على مَا يفعل وَعطف يفعل على اسْم الْفَاعِل جَائِز لما بَينهمَا من المضارعة الَّتِي اسْتحق بهَا يفعل الْإِعْرَاب وَاسْتحق بهَا اسْم الْفَاعِل الإعمال وَذَلِكَ جَرَيَان اسْم الْفَاعِل على يفعل.
وَنقل يفعل من الشياع إِلَى الْخُصُوص بالحرف الْمُخَصّص كنقل الِاسْم من التنكير إِلَى التَّعْرِيف بالحرف الْمُعَرّف فَلذَلِك جَازَ عطف كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه وَذَلِكَ إِذا جَازَ وُقُوعه فِي مَوْضِعه كَقَوْلِك: زيد يتحدث وضاحك وَزيد ضَاحِك ويتحدث لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع خَبرا للمبتدأ. وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِرَجُل ضَاحِك يتحدث وبرجل يتحدث وضاحك لِأَن يفعل مِمَّا يُوصف بِهِ النكرات. فَمن عطف الِاسْم على الْفِعْل قَول الراجز:
(بَات يغشّيها بعضبٍ باتر ... يقْصد فِي أسؤقها وجائر)
فَإِن قلت: سيتحدث زيد وضاحك لم يجز لِأَن ضَاحِكا لَا يَقع موقع يتحدث
стр. 2040
من حَيْثُ لَا)
يَلِي الِاسْم السِّين. وَكَذَلِكَ: مَرَرْت بجالس ويتحدث لَا يجوز لِأَن حرف الْجَرّ لَا يَلِيهِ الْفِعْل.
فَإِن عطفت اسْم الْفَاعِل على فعل لم يجز لِأَنَّهُ لَا مضارعة بَينهمَا.
فَإِن قربت فعل إِلَى الْحَال بقد جَازَ عطف اسْم الْفَاعِل عَلَيْهِ كَقَوْل الراجز: أمّ صبيٍّ قد حبا ودارج فَإِن كَانَ اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى فعل جَازَ عطف الْمَاضِي عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: إنَّ المصدِّقين والمصَّدِّقات وأقرَضُوا اللَّه لِأَن التَّقْدِير إِن الَّذين تصدقوا واللاتي تصدقن.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل على أَنه تجوز الْمُخَالفَة فِي الْإِعْرَاب إِذا عرف المُرَاد كَمَا هُنَا فَإِن قَوْله مجلف مَعْطُوف على قَوْله مسحتاً وهما متخالفان نصبا ورفعاً.
قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْملك التاريخي فِي تَارِيخ النُّحَاة فِي تَرْجَمَة عبد الله ابْن أبي إِسْحَاق النَّحْوِيّ الْحَضْرَمِيّ: قَالَ ابْن سَلام: وَحدثنَا يُونُس قَالَ: قَالَ ابْن
أبي إِسْحَاق فِي بَيت الفرزدق إِلَّا مسحتاً أَو مجلف قَالَ: للرفع وَجه وَكَانَ أَبُو عَمْرو وَيُونُس لَا يعرفان للرفع وَجها. قلت ليونس: لَعَلَّ الفرزدق
стр. 2041
قَالَهَا على النصب وَلم يأبه للقافية. قَالَ: لَا كَانَ ينشدها على الرّفْع وأنشدنيها رؤبة على الرّفْع. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت صَعب الْإِعْرَاب. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذَا بَيت لَا تزَال الركب تصطك فِي تَسْوِيَة إعرابه.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: رفع الفرزدق آخر الْبَيْت ضَرُورَة وأتعب أهل الْإِعْرَاب فِي طلب الْحِيلَة فَقَالُوا وَأَكْثرُوا وَلم يَأْتُوا فِيهِ بِشَيْء يُرْضِي.
وَمن ذَا يخفى عَلَيْهِ من أهل النّظر أَن كل مَا أَتَوا بِهِ من الْعِلَل احتيال وتمويه وَقد سَأَلَ بَعضهم الفرزدق عَن رَفعه هَذَا الْبَيْت فشتمه وَقَالَ: عَليّ أَن أَقُول وَعَلَيْكُم أَن تحتجوا. انْتهى.
وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: حَدثنِي أَبُو جَعْفَر الرُّؤَاسِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: مر الفرزدق عزفت بأعشاشٍ وَمَا كدت تعزف
حَتَّى انْتهى إِلَى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ عبد الله: علام رفعت مجلف فَقَالَ لَهُ الفرزدق: على مَا)
يسوءك.
وَفِي تذكرة أبي حَيَّان من النِّهَايَة قَالَ عبد الله بن أبي إِسْحَاق للفرزدق: بِمَ رفعت أَو مجلف فَقَالَ: بِمَا يسوءك وينوءك علينا أَن نقُول وَعَلَيْكُم أَن تتأولوا. ثمَّ قَالَ الفرزدق: الطَّوِيل
(فَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا)
فَقَالَ لَهُ عبد الله: أردْت أَن تهجوني فلحنت أَيْضا. والفرزدق مشغوف فِي شعره بالإعراب الْمُشكل المحوج إِلَى التقديرات الْعسرَة بالتقديم وَالتَّأْخِير
стр. 2042
المخل بالمعاني. وَسمعت شَيخنَا يَقُول: إِنِّي لأعجب من إِبْرَاهِيم بن هِشَام المَخْزُومِي حِين فهم قَول الفرزدق: الطَّوِيل
(وَمَا مثله فِي النّاس إلاّ مملّكاً ... أَبُو أمّه حيٌّ أَبوهُ يُقَارِبه)
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن الخشاب فِي كِتَابه الْمَوْضُوع لجوابه الْمسَائِل السِّت الْإسْكَنْدَريَّة: إِن أَبَا حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: لَيْسَ الفرزدق أَهلا لِأَن يستشهد بِشعرِهِ على كتاب الله لما فِيهِ من التعجرف.
وَقَالَ ابْن الخشاب أَيْضا: لم يجر فِي سنَن الفرزدق من تعجرفه فِي شعره بالتقديم وَالتَّأْخِير المخل بمعانيه وَالتَّقْدِير الْمُشكل إِلَّا المتنبي وَلذَلِك مَال إِلَيْهِ أَبُو عَليّ وَابْن جني لِأَنَّهُ مِمَّا يُوَافق صناعتهما.
وَلَا ينفع المتنبي شَهَادَة أبي عَليّ لَهُ بالشعر لِأَن أَبَا عَليّ مُعرب لَا نقاد وَإِنَّمَا تَنْفَعهُ شَهَادَة مثل العسكريين وَأبي الْقَاسِم الْآمِدِيّ فَإِنَّهُم أَئِمَّة يقْتَدى بهم فِي نقد الْإِعْرَاب. انْتهى مَا أوردهُ أَبُو حَيَّان.
وَقد تكلّف لَهُ الْعلمَاء عدَّة توجيهات ذكر الشَّارِح الْمُحَقق مِنْهَا ثَلَاثَة أوجه وَالثَّلَاثَة مَبْنِيَّة على رِوَايَة لم يدع بِفَتْح الدَّال وعَلى رِوَايَة نصب مسحت.
أما الأول فَهُوَ للخليل بن أَحْمد وَقَالَ: هُوَ على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: لم يبْق من المَال إِلَّا مسحت لِأَن معنى لم يبْق وَلم يدع وَاحِد وَاحْتَاجَ إِلَى الرّفْع فَحَمله على شَيْء فِي مَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: نصب مسحت بيدع بِمَعْنى التّرْك وَحمل مجلف بعده على الْمَعْنى لِأَن معنى لم يدع من المَال إِلَّا مسحتاً تَقْدِيره: وَلم يبْق من المَال إِلَّا مسحت فَحمل مجلف بعده على ذَلِك.
وَمثل ذَلِك فِي الْحمل على الْمَعْنى من أَبْيَات الْكتاب قَوْله:
стр. 2043
الْكَامِل)
(بادت وغيّر آيهنّ مَعَ البلى ... إلاّ رواكد جمرهنّ هباء)
لِأَن معنى بادت إِلَّا رواكد مَعْنَاهُ بهَا رواكد فَحمل مشججاً على ذَلِك فَكَذَلِك قَوْله لم يدع من المَال إِلَّا مسحتاً مَعْنَاهُ بَقِي مسحت. قَالَ أَبُو عَمْرو: هَذَا قَول الْخَلِيل وَلَيْسَ الْبَيْت فِي الْكتاب فَلَا أَدْرِي أسمعهُ عَنهُ أم قاسه. انْتهى.
ومحصله أَن مجلفاً مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ: لم يدع. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جني فِي الْمُحْتَسب فِي سُورَة: وَالضُّحَى قَالَ: إِنَّه لما قَالَ لم يدع من المَال إِلَّا مسحتاً دلّ على أَنه قد بَقِي فأضمر مَا يدل عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَبَقِي مجلف.
وَأما الثَّانِي فَهُوَ لثعلب قَالَ فِي أَمَالِيهِ نصب مسحت بِوُقُوع يدع عَلَيْهِ وَقد وليه الْفِعْل وَلم يل مجلفاً فاستؤنف بِهِ فَرفع وَالتَّقْدِير: هُوَ مجلف. انْتهى.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق إِن أَو فِي هَذَا الْوَجْه للإضراب بِمَعْنى بل لَا يُنَاسب الْمَعْنى وَإِنَّمَا يُنَاسب لَو كَانَ مسحتاً بعد أَو فَهِيَ هُنَا لعطف جملَة على مُفْرد وَمَعْنَاهَا أحد الشَّيْئَيْنِ.
وَأما الثَّالِث فَهُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة قَالَ: مجلف مَعْطُوف على عض وَهُوَ مصدر جَاءَ على صِيغَة الْمَفْعُول قَالَ تَعَالَى: ومزَّقْنَاهُمْ كلَّ مُمزَّقٍ كَأَنَّهُ قَالَ: وعض زمَان أَو تجليف.
стр. 2044
وَبَقِي غير مَا ذكره الشَّارِح تَوْجِيه الْفراء قَالَ: إِن مجلفاً مَرْفُوع الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: أَو مجلف كَذَلِك. نسبه إِلَيْهِ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَكَذَلِكَ نسبه إِلَيْهِ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة وَنَصه: قَالَ الْفراء: وَمن روى مسحتاً أَرَادَ لم يدع فِيهِ عض الزَّمَان إِلَّا مسحتاً أَو مجلف بَقِي فرفعه على هَذَا الْإِضْمَار.
قَالَ الْكسَائي: هَذَا كَمَا تَقول: ضربت زيدا وَعَمْرو كَأَنَّهُ يرفعهُ بِفعل مُضْمر أَي: وَعَمْرو مَضْرُوب أَو وَعَمْرو كَذَلِك. انْتهى.
وَقد ذهب إِلَى هَذَا ابْن الْأَنْبَارِي أَيْضا فِي مسَائِل الْخلاف قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْمعَانِي: فَيكون هَذَا من عطف جملَة اسمية على جملَة فعلية كَمَا تَقول: رَأَيْت زيدا وَعَمْرو مر بِي أَيْضا.
وَبَقِي أَيْضا تَوْجِيه الْكسَائي وَهُوَ أَن مجلفاً مَعْطُوف على الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي مسحت. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: حكى هِشَام هَذَا التَّوْجِيه عَن الْكسَائي.
هَذَا مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من تَوْجِيه هَذِه الرِّوَايَة وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة. وَقد أوردهَا صَاحب)
الْكَشَّاف فِي سروة طه.
وَفِيه رِوَايَات أخر: إِحْدَاهَا: إِلَّا مسحت أَو مجلف برفعهما. قَالَ عَليّ بن حَمْزَة فِي كتاب
التَّنْبِيهَات: رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر بن حبيب فِي كتاب النقائض بِرَفْع الاسمين. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَالْفراء: حُرُوف الِاسْتِثْنَاء تَجِيء بِمَعْنى قَلِيل من
стр. 2045
كثير فَجعل إِلَّا معلقَة بِأَن يكون فأضمرها ونواها وَرفع مسحت على هَذَا الْمَعْنى أَرَادَ إِلَّا أَن يكون مسحت أَو مجلف فرفعه بيكون المضمرة وَإِلَّا تدل على تعلقهَا بِأَن يكون كَقَوْلِك: مَا أَتَانِي أحد إِلَّا زيد وَإِلَّا أَن يكون زيد.
وَمثله لشبيب بن البرصاء: الطَّوِيل
(وَلَا خير فِي العيدان إلاّ صلابها ... وَلَا ناهضات الطّير إلاّ صقورها)
أَرَادَ: وَلَا خير فِي العيدان إِلَّا أَن يكون صلابها وَإِلَّا أَن يكون صقورها. انْتهى.
وَهَذَا التَّوْجِيه مَرْدُود فَإِن الْمَوْصُول لَا يحذف مَعَ بعض الصِّلَة وَيبقى بَعْضهَا.
وَالصَّوَاب تَوْجِيه صَاحب الْكَشَّاف فَإِنَّهُ اسْتشْهد بِهِ على قِرَاءَة أبي وَالْأَعْمَش فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيل بِالرَّفْع مَعَ كَونه اسْتثِْنَاء من كَلَام مُوجب حملا لَهُ على الْمَعْنى فَإِن قَوْله: فَشَرِبُوا مِنْهُ فِي معنى فَلم يطيعوه إِلَّا قَلِيل فرفعه كرفع الشَّاعِر مسحتاً ومجلفاً مَعَ كَونه اسْتثِْنَاء مفرغاً فِي موقع الْمَفْعُول بِهِ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى وَاقع موقع الْفَاعِل لِأَن لم يدع فِي معنى لم يبْق.
وَالْأَحْسَن مَا ذهب إِلَيْهِ الطوسي نَقله عَنهُ صَاحب التَّنْبِيهَات قَالَ: أَرَادَ لم يدع من الدعة.
وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي أَيْضا فِي شرح المفضليات عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ: لم يدع من الدعة والسكون يُقَال: رجل وادع إِذا كَانَ سَاكِنا فَيكون على هَذَا مسحت فَاعل ليَدع. ...
стр. 2046
(وعضّ زمَان يَا ابْن مَرْوَان مَا بِهِ ... من المَال إلاّ مسحتٌ أَو مجلّف)
بِرَفْع الاسمين أَيْضا حَكَاهُ عَنهُ عَليّ بن حَمْزَة صَاحب التَّنْبِيهَات.
وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: قيل لي إِن بعض الروَاة يَقُول: مَا بِهِ من المَال إِلَّا
مسحت أَو مجلف فَقلت: لَيْسَ هَذَا بِشَيْء. انْتهى.
وَعِنْدِي أَن هَذِه أحسن الرِّوَايَات وأصحها.
وثالث الرِّوَايَات الْأُخَر: لم يدع من المَال إِلَّا مسحت بِكَسْر دَال يدع وَرفع الاسمين أَيْضا وَقد نَسَبهَا صَاحب التَّنْبِيهَات إِلَى أبي عُبَيْدَة وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات إِلَى عِيسَى بن عمر)
عِنْد قَول سُوَيْد بن أبي كَاهِل الْيَشْكُرِي من قصيدة: الرمل
(أرّق الْعين خيالٌ لم يدع ... من سليمى ففؤادي منتزع)
قَالَ: يدع بِمَعْنى يقر وَيمْكث. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جني فِي بَاب الاطراد والشذوذ من الخصائص قَالَ فِيهِ: وَمن ذَلِك امتناعك من وذر وودع لأَنهم لم يقولوهما. فَأَما قَول أبي الْأسود: الرمل
(لَيْت شعري من خليلي مَا الَّذِي ... غاله فِي الحبّ حتّى ودعه)
فشاذ وَكَذَلِكَ قِرَاءَة بَعضهم: مَا ودعم رَبك وَمَا قلى. فَأَما قَوْلهم ودع الشَّيْء يدع إِذا سكن فاتدع فمسموع مُتبع وَعَلِيهِ بَيت الفرزدق فَمَعْنَى لم يدع بِكَسْر الدَّال أَي: لم يتدع وَلم يثبت.
وَالْجُمْلَة بعد زمَان فِي مَوضِع جر لكَونهَا صفة لَهُ والعائد مِنْهَا إِلَيْهِ مَحْذُوف للْعلم بموضعه وَتَقْدِيره: لم يدع فِيهِ أَو لأَجله من المَال إِلَّا مسحت أَو مجلف فيرتفع بِهِ مسحت ومجلف
стр. 2047
عطف عَلَيْهِ. وَهَذَا أَمر ظَاهر لَيْسَ فِيهِ من الِاعْتِذَار والاعتلال مَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ويحكى عَن مُعَاوِيَة ﵁ أَنه قَالَ: خير الْمجَالِس مَا سَافر إِلَيْهِ الْبَصَر واتدع فِيهِ الْبدن. انْتهى.
وَقَالَ فِي سُورَة الضُّحَى من الْمُحْتَسب: قَرَأَ: مَا وَدعك خَفِيفَة النَّبِي
ﷺ َ وَعُرْوَة بن الزبير. وَهَذِه قَليلَة الِاسْتِعْمَال. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: استغنوا عَن وذر وودع بقَوْلهمْ ترك. على أَنَّهَا قد جَاءَت فِي شعر أبي الْأسود.
وَأما لم يدع فِي بَيت الفرزدق بِكَسْر الدَّال فَهُوَ من الاتداع كَقَوْلِك: قد استراح وودع فَهُوَ وادع من تَعبه. والمسحت على هَذِه الرِّوَايَة مَرْفُوع بِفِعْلِهِ ومجلف مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَهَذَا مَا لَا نظر فِيهِ لوضوحه.
ورابع الرِّوَايَات الْأُخَر لم يدع بِضَم الْيَاء وَفتح الدَّال مَعَ رفع الاسمين أَيْضا ذكرهَا ابْن جني فِي الْمُحْتَسب ونقلها عَنهُ ابْن السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَلم ينسبها أحدهم إِلَى راو.
قَالَ ابْن جني: وَأما رِوَايَة يدع بِضَم الْيَاء وَفتح الدَّال فقياسه يودع كَقَوْلِه تَعَالَى: لم يَلِدْ وَلم يُولَدْ وَمثله يوضع وَالْحَدِيد يُوقع أَي: يطْرق من قَوْلهم وَقعت الحديدة أَي: طرقتها. قَالُوا: إِلَّا أَن هَذَا الْحَرْف كَأَنَّهُ لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله جَاءَ شاذاً فحذفت واوه تَخْفِيفًا فَقيل لم يدع أَي: لم يتْرك.
والمسحت والمجلف جَمِيعًا مرفوعان أَيْضا كَمَا يجب. انْتهى.
وَهَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ من رِوَايَات هَذَا الْبَيْت. وَالله أعلم.
وَقَوله: وعض زمَان هُوَ مَرْفُوع بالْعَطْف على هموم المنى فِي بَيت قبله وَهُوَ:)
стр. 2048
(إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ رمت بِنَا ... هموم المنى والهوجل المتعسّف)
أَرَادَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَابْن مَرْوَان: عبد الْملك بن مَرْوَان. شكا إِلَيْهِ مَا فعل بِهِ الزَّمَان من تَفْرِيق أَمْوَاله وتغيير أَحْوَاله. والهوجل: الفلاة الَّتِي لَا أَعْلَام فِيهَا يهتدى بهَا. والمتعسف: الَّتِي يسَار فِيهَا بِلَا دَلِيل. وعض الزَّمَان: شدته.
قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: العض كُله بالضاد إِلَّا عظ الزَّمَان وَالْحَرب.
وَقَالَ ابْن سراج العظ الْمجَازِي بالظاء والحقيقي بالضاد. وَهَذَا كَقَوْل الْخَلِيل. وَقيل إِن العض كُله بالضاد مجازياً كَانَ أَو حَقِيقِيًّا. انْتهى.
والمجلف بِالْجِيم الَّذِي ذهب معظمه وَبَقِي مِنْهُ شَيْء يسير. والمسحت المستأصل الَّذِي لم يبْق مِنْهُ بَقِيَّة. قَالَ الْفراء فِي سُورَة طه فِي قَوْله تَعَالَى: فيُسحِتَكم: سحت أَكثر وَهُوَ الاستئصال.
وَقَالَ مثله الزّجاج فِي سُورَة الْمَائِدَة وَأنْشد الْبَيْت أَيْضا.
وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: مَال مسحوت ومسحت أَي: مَذْهَب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت أَيْضا وَمِنْه أَخذ الشَّارِح.
وَمثل هَذَا الْبَيْت مَا أوردهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن اليمني تلميذ ابْن ولاد فِي طَبَقَات النَّحْوِيين فِي تَرْجَمَة أبي الْفضل الرياشي بِسَنَدِهِ عَن أبي الْفضل قَالَ: وَقع رجل بِأمة لرجل فَولدت فَحلف سَيِّدهَا أَن لَا يعتقهُ فَقَالَ الَّذِي وَقع فِي الْجَارِيَة:
стр. 2049
الطَّوِيل
(تحلّل جَزَاك الله خيرا أما ترى ... تخاذل إخْوَانِي وقلّة ماليا)
(وعضّ زمَان لم تدع جفواته ... من المَال إلاّ جلّةً وعناصيا)
(تألّ على مَا فِي يَديك كأنّما ... رَأَيْت ابْن ذِي الجدّين عنْدك عانيا)
انْتهى.
التَّحْلِيل فِي الْيَمين: أَن يحلف ثمَّ يَسْتَثْنِي اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا. والجلة بِكَسْر الْجِيم من الْإِبِل: المسان وَهُوَ جمع جليل كصبي وصبية.
والعناصي بِفَتْح الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: مَا بَقِي من مَاله إِلَّا عناص وَذَلِكَ إِذا ذهب معظمه وَبَقِي نبذ مِنْهُ. وتأل فعل أَمر يُقَال: تألى على كَذَا أَي: أقسم عَلَيْهِ. والعاني: الْأَسير.
والبيتان من قصيدة طَوِيلَة للفرزدق تزيد على مائَة بَيت لَيْسَ فِيهَا مديح غير هذَيْن الْبَيْتَيْنِ)
وَمَا قبلهمَا من أول القصيدة نسيب وَمَا بعدهمَا عدَّة أَبْيَات فِي كلال الْإِبِل. وَشَرحهَا الشريف المرتضى قدس سره فِي أَمَالِيهِ غرر الْفَوَائِد ودرر القلائد.
وَمَا بعْدهَا إِلَى آخر القصيدة افتخار بآبائه على جرير.
وفيهَا شَاهد يَأْتِي شَرحه مَعَ أَبْيَات مِنْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْفِعْل. وَمضى بَيت مِنْهَا فِي بَاب النَّعْت.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة الفرزدق فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
стр. 2050
٣ - (بَاب التوكيد)
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة: الرجز
(أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر)
على أَنه رُبمَا دلّ على عطف الْبَيَان بعض متبوعاته مَعَ قلَّة الِاشْتِرَاك كَأبي حَفْص وَهُوَ المتبوه وَقد أوردهُ فِي بَاب عطف الْبَيَان وَشَرحه هُنَاكَ.
وَهُوَ أول رجز قَالَه أَعْرَابِي لعمر بن الْخطاب ﵁.
وَسَببه مَا رَوَاهُ المحدثون عَن أبي رَافع أَن أَعْرَابِيًا أَتَى عمر فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَهلِي بعيد وَإِنِّي على نَاقَة دبراء نقباء فَاحْمِلْنِي. فَقَالَ عمر: كذبت وَالله مَا بهَا نقب وَلَا دبر فَانْطَلق الأعربي فَحل نَاقَته ثمَّ اسْتقْبل الْبَطْحَاء وَجعل يَقُول وَهُوَ يمشي خلف نَاقَته:
(أقسم بالله أَبُو حفصٍ عمر ... مَا إِن بهَا من نقبٍ وَلَا دبر)
اغْفِر لَهُ اللهمّ إِن كَانَ فجر ويروى: مَا مَسهَا من نقب. وَعمر بن الْخطاب ﵁ مقبل من أَعلَى الْوَادي فَجعل إِذا قَالَ: اغْفِر لَهُ اللهمّ إِن كَانَ فجر
قَالَ: اللَّهُمَّ صدق حَتَّى التقيا فَأخذ بِيَدِهِ فَقَالَ: ضع عَن راحلتك.
стр. 2051
فَوضع فَإِذا هِيَ كَمَا قَالَ فَحَمله على بعير وزوده وكساه.
وَرُوِيَ هَذَا الْأَثر بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة.)
وَهَذَا الْمِقْدَار من الرجز هُوَ الْمَشْهُور وَفِي رِوَايَة الْأَصْمَعِي أَزِيد من هَذَا قَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن اليمني فِي طَبَقَات النَّحْوِيين فِي تَرْجَمَة الْأَصْمَعِي أخبرنَا ابْن مطرف قَالَ: أخبرنَا ابْن دُرَيْد قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّحْمَن عَن عَمه الْأَصْمَعِي قَالَ: وقف أَعْرَابِي بَين يَدي عمر بن الْخطاب فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أبدع بِي وأدمت بِي رَاحِلَتي ودبر ظهرهَا ونقب خفها فَقَالَ لَهُ عمر: وَالله مَا أَظُنك أنقبت وَلَا أحفيت فَخرج الرجل ثمَّ خرج عمر. قَالَ: وَالرجل يَقُول:
(أقسم بالله أَبُو حفصٍ عمر ... مَا مسّها من نقبٍ وَلَا دبر)
(حقّاً وَلَا أجهدها طول السّفر ... والله لَو أَبْصرت نضوى يَا عمر)
(وَمَا بهَا عمرك من سوء الْأَثر ... عددتني كَابْن سبيلٍ قد حضر)
فرق لَهُ عمر وَأمر لَهُ بِبَعِير وَنَفَقَة. انْتهى.
والدبراء من دبر ظهر الدَّابَّة من بَاب فَرح إِذا جرح من الرحل والقتب. وأدبرت الْبَعِير فدبر وَأدبر الرجل إِذا دبر بعيره فَهُوَ مُدبر. والنقباء من نقب الْبَعِير من بَاب فَرح أَيْضا إِذا رق خفه. وأنقب الرجل إِذا نقب بعيره.
وَقَوله: فَاحْمِلْنِي أَي: أَعْطِنِي حَملَة وَهِي بِالْفَتْح مَا يحمل عَلَيْهِ النَّاس من الدَّوَابّ كالركوبة.
стр. 2052
وَقَوله: أقسم بِاللَّه أَبُو حَفْص عمر عمر أَبُو حَفْص: فَاعل أقسم بِمَعْنى حلف وَهُوَ كنية عمر.
وَقَوله: مَا إِن بهَا إِن زَائِدَة. وَقَوله: إِن كَانَ فجر قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي الزَّاهِر الْفَاجِر فِي كَلَام الْعَرَب: الْعَادِل المائل عَن الْخَيْر وَإِنَّمَا قيل للكذاب فَاجر لِأَنَّهُ مَال عَن الصدْق. وَأنْشد هَذَا الشّعْر.
وَقَوله: ضع عَن راحلتك أَي: ارْفَعْ عَنْهَا قتبها. وَقَوله فِي رِوَايَة الْأَصْمَعِي: أبدع بِي بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: انْقَطع بِي لكلال رَاحِلَتي فَكَأَن رَاحِلَته جَاءَت ببدعة.
وَقَوله: مَا أظنتك أنقبت وَلَا أحفيت كِلَاهُمَا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل يُقَال: أحفى الرجل إِذا حفيت دَابَّته أَي: رق خفها وحافرها من كَثْرَة الْمَشْي. والنضو بِكَسْر النُّون وَسُكُون الْمُعْجَمَة: المهزول.
وَقَوله: عمرك مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف أَي: قسمي وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة وَهِي بِفَتْح الْعين.
وَهَذَا الرجز نسبه ابْن حجر فِي الْإِصَابَة إِلَى عبد الله بن كيسبة بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَفتح الْمُهْملَة بعْدهَا بَاء مُوَحدَة النَّهْدِيّ. ذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء قَالَ: وكيسبة)
أمه وَيُقَال اسْمه عَمْرو. وَهُوَ الْقَائِل لعمر بن الْخطاب واستحمله فَلم يحملهُ: أقسم بالله أَبُو حفصٍ عمر الأبيات الثَّلَاثَة. وَكَانَ نظر إِلَى رَاحِلَته لما ذكر أَنَّهَا أعجفت فَقَالَ: وَالله مَا بهَا من عِلّة فَرد عَلَيْهِ فعلان بِالدرةِ وهرب وَهُوَ يَقُول ذَلِك فَلَمَّا سمع
стр. 2053
عمر آخر كَلَامه حمله وَأَعْطَاهُ. وَله قصَّة مَعَ أبي مُوسَى فِي فتح تستر. وَقيل بِأَن كنيته أَبُو كيسبة وَإِن عمر سَمعه ينشدها فاستحلفه أَنه مَا عرف بمكانه فَحلف فَحَمله. انْتهى.
وَقد ذكره فِي قسم المخضرمين الَّذين أدركوا النَّبِي ﷺ َ وَلم يروه.
وَزعم ابْن يعِيش فِي شرح الْمفصل أَن الرجز لرؤبة بن العجاج. وَهَذَا لَا أصل
لَهُ فَإِن رؤبة مَاتَ فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَلم يعده أحد من التَّابِعين فضلا عَن المخضرمين. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده: الوافر
(فَلَا والله لَا يلفى لما بِي ... وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء)
على أَنه ضَرُورَة حَيْثُ أكد اللَّام الأولى بِاللَّامِ الثَّانِيَة بِدُونِ ذكر مجرور الأولى وَالْقِيَاس لما لما بِي.
وَهَذَا الْبَيْت قد تقدم شَرحه مَعَ قصيدته وسببها مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده: وصالياتٍ ككما يؤثفين لما تقدم قبله وَمضى الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة.
стр. 2054
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة: الطَّوِيل
(فَأَيْنَ إِلَى أَيْن النّجاء ببغلتي ... أَتَاك أَتَاك اللاّحقوك احْبِسْ احْبِسْ)
على أَن الْمُسْتَقْبل يجوز تكريره بِلَا فصل. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد أَنه من تَكْرِير الْمُفْردَات لَا الْجمل وَهُوَ الظَّاهِر أَيْضا من كَلَام ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة قَالَ: أول الْبَيْت توكيد الِاسْتِفْهَام وَفِي الثَّانِي توكيد الْخَبَر وَفِي آخِره توكيد الْأَمر.
وَقَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: هَذَا الْبَيْت فِيهِ تَكْرِير ثَلَاث جمل أَرَادَ إِلَى أَيْن تذْهب إِلَى أَيْن تذْهب أَتَاك أَتَاك اللاحقوك احْبِسْ احْبِسْ وَهَذَا يُقَوي مَا ذهب إِلَيْهِ الْكسَائي من حذف الْفَاعِل فِي بَاب إِعْمَال الْفِعْلَيْنِ. ألآ ترَاهُ لَو أضمر الْفَاعِل. وَلم يحذفه لقَالَ: أتوك أَتَاك اللاحقوك أَو أَتَاك أتوك. انْتهى.
وَالصَّحِيح أَن الثَّلَاثَة من توكيد الْمُفْردَات.
أما الأول فَأَيْنَ مجرورة بإلى المحذوفة الْمَدْلُول عَلَيْهَا بالمذكورة وَهُوَ خبر مقدم وَإِلَى أَيْن توكيده والنجاء مُبْتَدأ مُؤخر وَهُوَ مصدر نجا ينجو نجاء إِذا أسْرع وَسبق.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن إِلَى أَيْن هُوَ الْخَبَر وَأَن أَيْن ظرف لمَحْذُوف أَي: أَيْن تذْهب. وَهَذَا غَنِي عَن وَأما الثَّانِي فَإِن اللاحقوك وَهُوَ جمع مُذَكّر سَالم مُضَاف للكاف وحذفت
стр. 2055
نونه للإضافة فَاعل لأتاك الأول وأتاك الثَّانِي تَأْكِيد لَهُ. وَلما كَانَ الأول مُتَّصِلا بِهِ ضمير الْمَفْعُول اتَّصل بِالثَّانِي ليُوَافق الأول.
وَقد اخْتلف النحويون فِي نَحْو قَامَ قَامَ زيد فَقيل: زيد فَاعل الأول فَقَط وَأما
الثَّانِي فَإِنَّهُ يحْتَاج لفاعل لِأَنَّهُ لم يُؤْت بِهِ للإسناد وَإِنَّمَا أُتِي بِهِ لمُجَرّد التَّأْكِيد. وَقيل فاعلهما وَلَا يلْزم مِنْهُ اجْتِمَاع العاملين على مَعْمُول وَاحِد لِأَن لَفْظهمَا ومعناهما وَاحِد فكأنهما عَامل وَاحِد.
وَقيل فَاعل أَحدهمَا وفاعل الآخر ضمير مَحْذُوف على أَنَّهُمَا تنازعاه. وَقد رده ابْن النَّاظِم وَابْن هِشَام فِي شرح الألفية لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا من مَوَاضِع حذف الْفَاعِل وَلَو كَانَ من التَّنَازُع لقيل: أتوك أَتَاك أَو أَتَاك أتوك.
وَأما الثَّالِث فَإِن الْأَمر الثَّانِي توكيد لِلْأَمْرِ الأول وتوكيد الضَّمِير للضمير بالتبعية ضَرُورَة إِذْ لَا يُمكن انفكاكه عَن المر. وَيجوز أَن يكون توكيداً مَقْصُودا فَيكون من قبيل توكيد الْجمل.)
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن مفعول احْبِسْ تَقْدِيره نَفسك. وَهَذَا لَا يُنَاسب الْمقَام. وَالظَّاهِر أَنه: بغلتي لوُجُود الْقَرِينَة.
وَهَذَا الْبَيْت مَعَ شهرته لم يعلم لَهُ قَائِل وَلَا تَتِمَّة وَالله أعلم.
الشَّاهِد السِّتُّونَ بعد الثلاثمائة: الْكَامِل
(لَا لَا أبوح بحبّ بثنة إنّها ... أخذت عليّ مواثقاً وعهودا)
لما تقدم قبله. وَهَذَا فِي الْحَرْف وَمَا قبله فِي تَكْرِير الِاسْم وَالْفِعْل. وأبوح: مضارع باح الشَّيْء بوحاً من بَاب قَالَ بِمَعْنى ظهر وَيَتَعَدَّى
стр. 2056
بالحرف فَيُقَال: باح بِهِ صَاحبه وبالهمزة أَيْضا فَيُقَال: أَبَاحَهُ.
بثنة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة بعْدهَا نون: اسْم محبوبة جميل بن معمر العذري وَالْمَشْهُور بثينة بِالتَّصْغِيرِ وَهِي مجرورة بالفتحة لِأَنَّهَا لَا تَنْصَرِف.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَنَّهَا فِي مَحل الْجَرّ. وَقَوله: إِنَّهَا بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَاف بياني. ومواثق: جمع موثق وَهُوَ الْعَهْد. وَأما المواثيق فَهُوَ جمع مِيثَاق وَرُبمَا قيل مياثيق على لفظ الْوَاحِد.
وَالْبَيْت من قصيدة لجميل العذري وَقد تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتِّينَ.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الرجز على أَن الْمُسْتَقْبل يجوز تكريره للتَّأْكِيد مَعَ فاصل كَمَا جَازَ بِدُونِهِ. وتراك: اسْم فعل أَمر بِمَعْنى اترك.
وَله أوردهُ سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى الضَّمِير نَصبه على المفعولية. وَلما لم يتَقَدَّم مرجعه فسره بالتمييز الْمَجْرُور بِمن المبنية.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي أَمَالِيهِ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا غنموا الْغَنِيمَة فلحقها أَرْبَابهَا قَالُوا للسائقين: تراكها من إبل تراكها
стр. 2057
أَي: خلوا عَنْهَا. فَيَقُول السائقون:
أما ترى الْمَوْت على أوراكها أَي: مآخيرها أَي: إِنَّا نحميها.
وَبَعْضهمْ يَقُول: مناعها من إبل مناعها فيجاب بقَوْلهمْ: أما ترى الْمَوْت لَدَى أرباعها يعنون أفتاءها. انْتهى.
وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت: أغير على إبل قوم من الْعَرَب فلحق أَصْحَاب الْإِبِل فَجعلُوا لَا يدنو مِنْهَا أحد إِلَّا قَتَلُوهُ فَقَالَ الَّذين أَغَارُوا على الْإِبِل:
(تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الْمَوْت لَدَى أرباعها)
فَقَالَ أَصْحَاب الْإِبِل:
(مناعها من إبل مناعها ... أما ترى الْمَوْت لَدَى أرباعها)
وَفِي أمالي ابْن الشجري: وَقَالَ آخر:
(تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الْمَوْت لَدَى أوراكها)
أَرَادَ أَن أوراكها من شدَّة السّير كَأَنَّهَا فِي استرخائها قد شارفت الْمَوْت. وَمثله قَول الآخر:
(مناعها من إبل مناعها ... أما ترى الْمَوْت لَدَى أرباعها))
стр. 2058
الأرباع: جمع الرّبع وَهُوَ ولد النَّاقة الَّتِي تلده فِي الرّبيع. والهبع: الَّذِي تلده فِي أول الصَّيف وَجمعه أهباع كرطب وأرطاب. انْتهى.
وَقَوله: أَرَادَ أَن أوراكها من شدَّة السّير الخ لَا وَجه لَهُ وَكَأَنَّهُ لم يقف على مَا قدمنَا.
وَقَالَ ابْن خلف: هَذَا قَول طفيل بن يزِيد الْحَارِثِيّ حِين أغارت كِنْدَة على نعمه فلحقهم وَهُوَ يَقُول: أما ترى الْمَوْت الخ ويروى: دراكها من إبلٍ دراكها ويروى: قد لحق الْمَوْت على أوراكها وَحمل على فَحل الْإِبِل فعقره فاستدارت النعم حوله وَلَحِقت بِهِ بَنو الْحَارِث ابْن كَعْب فاستنقذوا مَاله وهزمت كِنْدَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَهَذَا اسْم لقَوْله: اتركها أَي: هِيَ محمية من أَن يغار عَلَيْهَا فاتركها وانج بِنَفْسِك.
وَقَوله: أرباعها الأرباع: جمع ربع وَهُوَ ولد النَّاقة. وَأَوْلَاد الْإِبِل تتبعها.
والقتال يشْتَد إِذا لحق الْإِبِل أَصْحَابهَا وَإِنَّمَا يَقع الْقِتَال عِنْد مآخيرها لِأَن الَّذين أَغَارُوا عَلَيْهَا يطردونها ويسوقونها وأصحابها يمنعونهم من ذَلِك. وَهُوَ مثل قَول الآخر: أما ترى الْمَوْت لَدَى أوراكها وَيجوز أَن يُرِيد بالأرباع جمع ربع بِالْفَتْح وَهُوَ الْمنزل يَعْنِي أَنهم اقْتَتَلُوا فِي الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا الْإِبِل. انْتهى.
стр. 2059
وَلم يذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف هَذَا مَعَ أَنه أورد خَمْسَة مِمَّن اسمهم طفيل.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة الرجز
(أقبلن من ثهلان أَو وَادي خيم ... على قلاصٍ مثل خيطان السّلم)
على أَن الأندلسي جوز أَن يُقَال فِي جمع الْمُذكر الْعَاقِل المكسر الرِّجَال كُلهنَّ مستدلاً بِهَذَا الْبَيْت. وَلم يظْهر لي وَجهه وَكَأن وَجه الِاسْتِدْلَال أَن نون أقبلن ضمير الْعُقَلَاء الذُّكُور أَي: الرِّجَال أَو الركب أَو نَحْوهمَا وَإِنَّمَا أنث لتأويله بِالْجَمَاعَة.
وَالدَّلِيل على أَن مرجع الضَّمِير مَا ذكر قَوْله بعد: الرجز حتّى أنخناها على بَاب الحكم فَدلَّ مَا بعد الْكَلَام على مَا قبله. وَفِيه أَنه لَا يجب أَن يتحدا وَيجوز أَن تكون النُّون ضمير النسْوَة أَو أَن أَصله أَقبلنَا فحذفت الْألف ضَرُورَة فَيكون من بَاب التقارض.
وَهَذِه الْمَسْأَلَة لم أرها إِلَّا هُنَا عَن الأندلسي. وَقد راجعت شُرُوح التسهيل وارتشاف الضَّرْب فَلم أر فِيهَا أَن النُّون تعود على الْجمع المكسر للعاقل بتأويله بِالْجَمَاعَة.
بحوران يعصرن السّليط أَقَاربه
стр. 2060
سَوَاء أجعلت النُّون حرفا أم ضميراً. وَيَأْتِي شَرحه بعد هَذَا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد الثلاثمائة.
وَهَذَا أول رجز لجرير بن الخطفى أورد الْمبرد بَعْضًا مِنْهُ فِي الْكَامِل وَفِي الاعتنان. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أخبرنَا أَيُّوب بن كسيب بن عَطاء بن الخطفى قَالَ: قدم جرير فِي إمرة الحكم بن أَيُّوب الثَّقَفِيّ الْبَصْرَة وَكَانَ الحكم ابْن عَم الْحجَّاج وعامله. قَالَ: وَأَنا مَعَه وَكَانَ أَيُّوب بن كسيب لَا يُفَارِقهُ ومدح الحكم فَقَالَ:
(أقبلن من ثهلان أَو وَادي خيم ... على قلاصٍ مثل خيطان السّلم)
(حتّى أنخناها إِلَى بَاب الحكم ... خَليفَة الحجّاج غير المتّهم)
فِي ضئضئ الْمجد وبحبوح الْكَرم فأعجب بِهِ الحكم بن أَيُّوب ووجده باقعة. قَالَ: فَكتب إِلَى الْحجَّاج: إِنَّه قدم عَليّ أَعْرَابِي شَيْطَان من أشعر النَّاس وأفصحهم وَوَصفه لَهُ. قَالَ: فَكتب الْحجَّاج أَن يسرحه إِلَيْهِ حِين يقْرَأ كِتَابه. قَالَ: فَلَمَّا قدم الْكتاب أمرنَا الحكم فشخصنا حَتَّى قدمنَا على الْحجَّاج وامتدحه جرير)
بكلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
стр. 2061
الطَّوِيل قَالَ: وَأما مسحل بن كسيب أَخُو أَيُّوب فَحَدثني أَن أول كلمة امتدحه بهَا كَلمته الَّتِي يَقُول فِيهَا: الْكَامِل
(من سدّ مطّلع النّفاق عَلَيْكُم ... أم من يصول كصولة الحجّاج)
(أم من يغار على النّساء عشيّةً ... إِذْ لَا يثقن بغيرة الْأزْوَاج)
قَالَ: فَأمر لَهُ الْحجَّاج بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم وَكسَاء حلَّة صفراء وأنزلنا فِي دَار ضيافته. انْتهى.
وَزَاد فِي الْكَامِل أَن جَرِيرًا لما دخل على الْحجَّاج قَالَ لَهُ: بَلغنِي أَنَّك ذُو بديهة فَقل لي فِي هَذِه لجارية قَائِمَة على رَأسه فَقَالَ جرير: مَا لي أَن أَقُول فِيهَا حَتَّى أتأملها وَمَالِي أَن أتأمل جَارِيَة الْأَمِير فَقَالَ: بلَى فتأملها واسألها. فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمك يَا جَارِيَة فَأَمْسَكت فَقَالَ لَهَا الْحجَّاج: خبريه يَا لخناء. فَقَالَت: أُمَامَة. فَقَالَ جرير: الْكَامِل
(ودّع أُمَامَة حِين حَان رحيل ... إنّ الْوَدَاع لمن تحبّ قَلِيل)
(مثل الْكَثِيب تمايلت أعطافه ... فالرّيح تجبر مَتنه وتميل)
(هذي الْقُلُوب صوادياً تيّمتها ... وَأرى الشّفاء وَمَا إِلَيْهِ سَبِيل)
فَقَالَ الْحجَّاج: قد جعل الله لَك السَّبِيل إِلَيْهَا خُذْهَا هِيَ لَك. فَضرب بِيَدِهِ إِلَى يَدهَا فتمنعت عَلَيْهِ فَقَالَ:
стр. 2062
الْكَامِل فاستضحك الحجّاج وَأمر بتجهيزها مَعَه إِلَى الْيَمَامَة. وخبرت أَنَّهَا كَانَت من أهل الرّيّ وَكَانَ إخوتها أحراراً فَاتَّبعُوهُ فَأَعْطوهُ بهَا حَتَّى بلغُوا عشْرين ألفا فَلم يفعل.
وَفِي ذَلِك يَقُول: الطَّوِيل
(إِذا عرضوا عشْرين ألفا تعرّضت ... لأمّ حكيمٍ حاجةٌ هِيَ مَا هيا)
(لقد زِدْت أهل الرّيّ عِنْدِي مودّةً ... وحبّبت أضعافاً إليّ المواليا)
فأولدها حكيماً وبلالاً وحرزة بني جرير. انْتهى.
وثهلان: بِفَتْح الْمُثَلَّثَة: جبل بِالْيمن وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ: هُوَ جبل بِالْعَالِيَةِ. وأصل الثهل الانبساط على الأَرْض. ولضخم هَذَا الْجَبَل تضرب بِهِ الْعَرَب الْمثل فِي الثّقل فَتَقول: أثقل من ثهلان. وخيم بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة: جبل.
قَالَ صَاحب الأغاني: ثهلان جبل كَانَ لباهلة ثمَّ غلبت عَلَيْهِ نمير. وخيم: جبل يناوحه من)
طرفه الْأَقْصَى فِيمَا بَين رُكْنه الْأَقْصَى وَبَين مطلع الشَّمْس بِهِ مَاء ونخل. انْتهى.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَالَّذِي فِي ديوانه وَرَوَاهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي المعجم: أقبلن من جَنْبي فتاخ وإضم
стр. 2063
وَقَالَ: فتاخ بِكَسْر الْفَاء بعْدهَا مثناة فوقية وَآخره خاء مُعْجمَة: مَوضِع. وَقَالَ الهجري: فتاخ بأطراف الدهناء مِمَّا يَلِي الْيَمَامَة. وإضم بِكَسْر الْهمزَة: وَاد دون الْمَدِينَة وَقيل جبل. والقلاص: جمع قلُوص وَهِي النَّاقة الشَّابَّة. وخيطان جمع خوط بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْغُصْن.
وروى الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: مثل أَغْصَان السّلم. أَرَادَ أَن القلاص هزلت من شدَّة السّفر حَتَّى صَارَت كأغصان السّلم فِي الدقة والضمر.
وَزَاد أَبُو عبيد الْبكْرِيّ بعد هَذَا فِي شرح أمالي القالي:
(قد طويت بطونها على الْأدم ... إِذا قطعن علما بدا علم)
(فهنّ بحثا كمضلاّت الخدم ... حتّى تناهين إِلَى بَاب الحكم)
الْعلم: الْجَبَل. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال. قَوْله: إِذا قطعن علما بدا علم مثل يضْرب لمن يفرغ من أَمر فَيعرض لَهُ آخر.
وَقَوله: فهن بحثا أَي: يبحثن بحثا بمناسمهن الأَرْض كَمَا يبْحَث المضلات خلاخيلهن فِي التُّرَاب.
والخدم: جمع خدمَة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الدَّال الْمُهْملَة هُوَ الخلخال. والضئضئ بِكَسْر الضادين المعجمتين والهمزة الأولى بَينهمَا سَاكِنة: الأَصْل وَالْجِنْس. والبحبوح بِضَم الباءين والحاء الْمُهْملَة الأولى بَينهمَا سَاكِنة: الْوسط.
وَقد أورد صَاحب الأغاني حِكَايَة جرير مَعَ الْحجَّاج على غير هَذَا النمط وَأطَال وَزَاد الأبيات.
стр. 2064
وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع فِي أول الْكتاب.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة الرجز
(يَا لَيْتَني كنت صبيّاً مُرْضعًا ... تحملنِي الذّلفاء حولا أكتعا)
على أَن الْكُوفِيّين اسْتشْهدُوا بِهِ على جَوَاز توكيد النكرَة المؤقتة الْمَعْلُومَة الْمِقْدَار وَهُوَ حول بِمَعْنى الْعَام.
قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: حَال حولا من بَاب قَالَ إِذا مضى. وَمِنْه قيل للعام حول وَإِن لم يمض لِأَنَّهُ سَيكون حولا تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ.
وَفِيه شَاهد آخر وَهُوَ التَّأْكِيد ب أَكْتَع غير مَسْبُوق بأجمع. وَبعده بَيت آخر وَهُوَ:
(إِذا بَكَيْت قبّلتني أَرْبعا ... إِذن ظللت الدّهر أبْكِي أجمعا)
وَفِيه أَيْضا شَاهِدَانِ: أَحدهمَا: التَّأْكِيد بأجمع غير مَسْبُوق بِكُل. وَثَانِيهمَا: الْفَصْل بَين الْمُؤَكّد قَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد: نظر أَعْرَابِي إِلَى امْرَأَة حسناء وَمَعَهَا صبي يبكي فَكلما بَكَى قبلته فَأَنْشَأَ يَقُول هَذَا الرجز.
وَقَوله: يَا لَيْتَني الخ يَا حرف تَنْبِيه ومرضع اسْم مفعول من أَرْضَعَتْه إرضاعاً. وَجُمْلَة: تحملنِي الذلفاء صفة ثَانِيَة. وَيجوز أَن تكون حَالا من ضمير مرضع وَيجوز أَن تكون خَبرا ثَانِيًا لَكُنْت.
والذلفاء بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَبعد اللَّام الساكنة فَاء: وصف مؤنث أذلف من الذلف وَهُوَ صغر الْأنف واستواء الأرنبة. وَيحْتَمل أَنه اسْم امْرَأَة مَنْقُول من هَذَا.
стр. 2065
وأكتع قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال إِنَّه مَأْخُوذ من قَوْلهم: أَتَى عَلَيْهِ حول كتيع أَي: تَامّ.
وَقَوله: أَرْبعا أَي: تقبيلاً أَرْبعا. وظللت بِكَسْر اللَّام وظل بِمَعْنى اسْتمرّ من أَخَوَات كَانَ التَّاء اسْمهَا وَجُمْلَة أبكى فِي مَوضِع نصب خَبَرهَا والدهر ظرف لأبكي. وَجُمْلَة إِذن ظللت الخ جَوَاب لشرط مَحْذُوف أَي: إِن حصل مَا تمنيته استمررت فِي الْبكاء حَتَّى تستمر الذلفاء تحملنِي وتقبلني كلما بَكَيْت.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن التَّقْدِير: إِن لم يكن الْأَمر كَذَا إِذن ظللت الخ. وَلَا يخفى أَن هَذَا عكس مُرَاد الشَّاعِر.
وَأنْشد بعده: الرجز لما تقدم قبله:)
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: هَذَا شَاذ وَإِن لم يكن مصنوعاً فوجهه عِنْدِي أَن أجمع هَذِه لَيست الَّتِي تسْتَعْمل للتَّأْكِيد أَعنِي الَّتِي مؤنثها جَمْعَاء وَلَكِن الَّتِي فِي قَوْلك: أخذت المَاء بأجمعه وأمعه بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا أَي: بكليته فدخلو الْعَامِل عَلَيْهَا ومباشرته إِيَّاهَا يدل على أَنَّهَا لَيست التابعة للتوكيد فَذَلِك قَوْله: يَوْمًا أجمعا أَي: يَوْمًا بأجمعه ثمَّ حذف حرف الْجَرّ ثمَّ أبدل الْهَاء ألفا فَصَارَ أجمعا. انْتهى.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الرِّوَايَة الصَّحِيحَة: قد صرّت البكرة يَوْمًا أجمع على أَن يَوْمًا من غير تَنْوِين وَأَصله يومي فالألف منقلبة عَن يَاء الْمُتَكَلّم فأجمع توكيد للمعرفة.
стр. 2066
أَقُول: إِن كَانَ يومي ظرفا فَلم لم ينصب أجمع وَإِن كَانَ غير ذَلِك فَمَا هُوَ مَعَ أَن مَا قبله عِنْده: إنّا إِذا خطّافنا تقعقعا وَهَذَا من الرجز الَّذِي لَا يجوز اخْتِلَاف قوافيه. وَهَذَا التَّوْجِيه تعسفه ظَاهر ككلام ابْن جني.
وَقد اسْتدلَّ الْكُوفِيُّونَ بِأَبْيَات أخر مِنْهَا قَوْله: الْبَسِيط
وَمِنْهَا قَوْله: الوافر ثلاثٌ كلّهنّ قتلت عمدا وَمِنْهَا قَوْله: الرجز
(إِذا الْقعُود كرّ فِيهَا حفدا ... يَوْمًا جَدِيدا كلّه مطّردا)
وَمِنْهَا قَوْله: المتقارب
(زحرت بِهِ لَيْلَة كلّها ... فَجئْت بِهِ مودناً خنفقيقاً)
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أجَاب البصريون عَن هَذِه الأبيات بِأَن الرِّوَايَة فِي الأول يَا لَيْت عدَّة حَولي بِالْإِضَافَة إِلَى الْيَاء. وَعَن الثَّانِي بِأَن كُلهنَّ بدل من ثَلَاث أَو جملَة كُلهنَّ قتلت خبر عَن الثَّلَاث. وَعَن الثَّالِث بِأَن كُله بِالرَّفْع لتوكيد الضَّمِير فِي جَدِيد. وَأما قد صرت البكرة يَوْمًا أجمعا فمجهول. لَا يعرف قَائِله.
هَذَا كَلَامه وَهُوَ مَبْنِيّ على الطعْن فِي روايتهم وَهَذَا لَا يجوز لأَنهم ثِقَات.
ثمَّ قَالَ: وَأما قَول الْكُوفِيّين بِأَن الْيَوْم مُؤَقّت فَيجوز أَن تقعد بعضه
стр. 2067
وَاللَّيْلَة مُؤَقَّتَة فَيجوز أَن)
تقوم بَعْضهَا فَإِذا أكدت صَحَّ معنى التَّأْكِيد. قُلْنَا: هَذَا لَا يَسْتَقِيم
فَإِن الْيَوْم وَإِن كَانَ مؤقتاً إِلَّا أَنه لم يخرج عَن كَونه نكرَة شائعة وتأكيدها بالمعرفة لَا يجوز لِأَن تَأْكِيد مَا لَا يعرف لَا فَائِدَة أَقُول: ادعاؤه عدم الاسْتقَامَة مَمْنُوع وَالْفرق ظَاهر فَإِن التَّأْكِيد بِاعْتِبَار أَجزَاء الْيَوْم وَاللَّيْلَة ليشْمل جَمِيعهَا والشيوع بِاعْتِبَار جنس الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَأَيْنَ هَذَا من ذَاك.
وَقد أَشَارَ الشَّارِح الْمُحَقق إِلَى مَا ذكرنَا وَالله أعلم.
وَقد تقدم شرح هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل
(أولاك بَنو خيرٍ وشرٍّ كليهمَا ... جَمِيعًا ومعروفٍ ألمّ ومنكر)
على أَن حمل كليهمَا فِيهِ على الْبَدَل عِنْد أهل المصرين أولى لِأَن خيرا وشراً ليسَا بمؤقتين.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: الْوَجْه فِي قَوْله: بَنو خير وَشر كليهمَا أَن لَا يكون كليهمَا تَأْكِيدًا لَكِن يكون بَدَلا من خير وَشر حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: بَنو كل خير وَشر فقد يُضَاف إِلَى الْمُفْرد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ مثله بِالْوَاو فِي ضَرُورَة الشّعْر كَمَا قَالَ: الطَّوِيل
(كلا السّيف والسّاق الَّتِي ضربت بِهِ ... على دهشٍ أَلْقَاهُ بِاثْنَيْنِ صَاحبه)
стр. 2068
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك من حَيْثُ كَانَ مَا عطف بِالْوَاو بِمَنْزِلَة مَا جمع فِي لَفْظَة وَاحِدَة. أَلا تراك تَقول: زيد وَعَمْرو أَخَوَاك فَإِن أخْبرت عَنْهُمَا جَمِيعًا قلت: اللَّذَان هما
أَخَوَاك زيد وَعَمْرو فتأتي بضميرهما جُزْءا وَاحِدًا وَكَانَ أَحدهمَا على صَاحبه مَعْطُوفًا. وَكَذَلِكَ: زيد وَعَمْرو مَرَرْت بهما. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت آخر أبياتٍ أَرْبَعَة لمسافع بن حُذَيْفَة الْعَبْسِي مَذْكُورَة فِي بَاب المراثي من الحماسة وَهِي:
(أبعد بني عمروٍ أسرّ بمقبلٍ ... من الْعَيْش أَو آسى على إِثْر مُدبر)
(وَلَيْسَ وَرَاء الشَّيْء شيءٌ يردّه ... عَلَيْك إِذا ولّى سوى الصّبر فاصبر)
(سلامٌ بني عَمْرو على حَيْثُ هامكم ... جمال النّديّ والقنا والسّنوّر)
أولاك بَنو خير ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . الْبَيْت)
قَوْله: أبعد بني عَمْرو الخ الْهمزَة للاستفهام الإنكاري وَأسر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من السرُور ومقبل بِمَعْنى آتٍ ومدبر بِمَعْنى ذَاهِب وآسى: مضارع أسي من بَاب تَعب بِمَعْنى حزن.
وَقَوله: سوى الصَّبْر اسْتثِْنَاء مُنْقَطع لِأَن الصَّبْر لَيْسَ من الشَّيْء الرَّاد الْفَائِت فِي شَيْء. يَقُول: أأسر بعيش مقبل أَو زمن مساعد بعد أَن فجعت بهؤلاء أَو أَحْزَن فِي إِثْر فَائت أَو أجزع لتولي مُدبر وَلَيْسَ وَرَاء الشَّيْء الْفَائِت شَيْء يردهُ عَلَيْك فَالْأولى أَن تتمسك بِالصبرِ وتعتصم وَقَوله: سَلام بني عَمْرو الخ سَلام مُبْتَدأ وَجَاز الِابْتِدَاء بِهِ لتَضَمّنه الدُّعَاء. وَخَبره قَوْله: على حَيْثُ هامكم.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة هامكم مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر من جملَة مجرورة الْموضع بِإِضَافَة حَيْثُ إِلَيْهَا أَي:
стр. 2069
حَيْثُ هامكم متصورة أَي: مَوْجُودَة. وَمثله قَوْلهم: جئْتُك إِذْ ذَاك أَي: إِذْ ذَاك كَذَاك فَحذف الْخَبَر من الْجُمْلَة المجرورة الْموضع بِإِضَافَة إِذْ إِلَيْهَا. انْتهى.
وَذكر الْهَام على عَادَة الْعَرَب فِي زعمهم أَن عِظَام الْمَوْتَى تصير هاماً تطير. وَبني
عَمْرو: منادىً بِحرف النداء الْمَحْذُوف. وجمال الندي مَنْصُوب على الْمَدْح. وَقَالَ ابْن جني: نصب جمال الندي لِأَنَّهُ بدل من بني عَمْرو. والندي بتَشْديد الْيَاء: الْمجْلس لُغَة فِي النادي.
وَقَالَ ابْن جني: لَام الندي وَاو لِأَنَّهُ فعيل من الندوة وَهِي مَوضِع جُلُوس النادي والندي.
انْتهى.
والقنا: جمع قناة وَهِي الرمْح. والسنور بِفَتْح السِّين وَالنُّون وَالْوَاو الْمُشَدّدَة: لبوس من قد كالدرع. يَعْنِي أَنهم جمال الْمجَالِس يَوْم الْجمع وزين السِّلَاح غَدَاة الروع.
وَقَوله: أولاك الخ هُوَ مُبْتَدأ لُغَة فِي أُولَئِكَ وَبَنُو خبر الْمُبْتَدَأ. أَرَادَ أَنهم ملازمون لفعل الْخَيْر وَالشَّر مَعَ الأصدقاء والأعداء كَمَا يُقَال: فلَان أَخُو الْحَرْب. وجميعا: حَال مُؤَكدَة لصَاحِبهَا.
وَقَوله: مَعْرُوف هُوَ بِالْجَرِّ مَعْطُوف على خير وَكَذَلِكَ مُنكر. وَالْمَعْرُوف: الْجَمِيل الظَّاهِر وضده الْمُنكر فهما أخص من الْخَيْر وَالشَّر فَإِن الْخَيْر قد يكون ظَاهره شرا كالدواء المر. وَالشَّر قد يكون ظَاهره خيرا كهوى النَّفس. وألم بِمَعْنى نزل وَعرض وَالْجُمْلَة صفة مَعْرُوف وَمثله مُقَدّر بعد مُنكر.
ومسافعل بِضَم الْمِيم وَكسر الْفَاء ابْن حُذَيْفَة بِالتَّصْغِيرِ الْعَبْسِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهُوَ شَاعِر فَارس من شعراء الْجَاهِلِيَّة.)
стр. 2070
٣ - (الْبَدَل)
أنْشد فِيهِ الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط
(يَا ميّ إِن تفقدي قوما ولدتهم ... أَو تخلسيهم فإنّ الدّهر خلاّس)
(عمروٌ وَعبد منافٍ وَالَّذِي عهِدت ... بِبَطن عرعر: آبي الظّلم عبّاس)
على أَن قَوْله: عَمْرو وَعبد منَاف وَالَّذِي بدل مَقْطُوع من قوماص.
قَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد فِيهِ رفع عَمْرو وَمَا بعده بِالِابْتِدَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: مِنْهُم أَو من الْقَوْم الَّذين فقدوا أَو يكون خبر مُبْتَدأ كَأَنَّهُ قَالَ: بَعضهم. وَلَو نصبت على الْبَدَل من الْقَوْم لجَاز. وعباس بدل من آبي وآبي بدل من الَّذِي وَلَو أبدلت فسد الْكَلَام لأَنا إِذا نصبنا وَجب أَن ينصب الَّذِي هُوَ بدل مِنْهُ فَكُنَّا نقُول: عباساً.
وَقَوله: تخلسيهم بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: يؤخذون مِنْك بَغْتَة فَإِن الدَّهْر من شَأْنه أَن يُؤْخَذ فِيهِ الشَّيْء بَغْتَة. وعرعر: مَكَان. ويروى: بِبَطن مَكَّة. وَأَرَادَ بِعَمْرو عَمْرو بن عبد منَاف بن قصي وَهُوَ هَاشم بن عبد منَاف وَسمي هاشماً
لهشمه الثَّرِيد لِقَوْمِهِ فِي مجاعةٍ أَصَابَتْهُم.
وَالْعَبَّاس هُوَ ابْن عبد الْمطلب وَإِنَّمَا قَالَ ولدتهم لما بَين هُذَيْل وقريش من
следующие страницы →