Полный текст (5 658 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
أَبُو عُبَيْدَة: أريك فِي بِلَاد ذبيان قَالَ: وهما أريكان: أريك الْأسود وأريك الْأَبْيَض.
والأريك: الْجَبَل الصَّغِير. قَالَ: وبشط أريك قتل الْأسود بني ذبيان وَبني دودان وسبى نِسَاءَهُمْ.
قَالَ الْأَعْشَى فِي مدح الْأسود: وشيوخ صرعى بشط أريك ... ... ... ... الْبَيْت
ويدلك على أَن أريكاً جبل مشرف قَول جَابر بن حني يصف نَاقَة: الطَّوِيل
(تصعد فِي بطحاء عرق كَأَنَّمَا ... ترقى إِلَى أَعلَى أريك بسلم)
وَقَالَ الْأَخْفَش: إِنَّمَا سمي أريكاً لِأَنَّهُ جبل كثير الْأَرَاك. انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا فِي شرح أمالي القالي: هَذَا الْيَوْم الَّذِي ذكره فِي قَوْله: رب رفد هرقته ذَلِك الْيَوْم هُوَ الْيَوْم الَّذِي أغار فِيهِ الْأسود بن الْمُنْذر على الطف فَأصَاب نعما وَأسرى من بني سعد بن ضبيعة رَهْط الْأَعْشَى وَذَلِكَ منصرفة من غَزْو الحليفين أَسد وذبيان. وَكَانَ الْأَعْشَى غَائِبا فَلَمَّا قدم وجد الْحَيّ مُبَاحا فأنشده هَذِه القصيدة وَسَأَلَهُ أَن يهب لَهُ الأسرى فَفعل. انْتهى.
والطف: مَوضِع بِنَاحِيَة الْعرَاق من أَرض الْكُوفَة وَهُنَاكَ الْموضع الْمَعْرُوف بكربلاء الَّذِي قتل فِيهِ الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄.
وَقَول الْبكْرِيّ فِي مُعْجَمه: وَالصَّحِيح أَن الطف على فرسخين من الْبَصْرَة غلط وَخطأ.
وَسبب غَزْو الحليفين هُوَ مَا ذكره الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: أَن الْحَارِث
стр. 4692
بن ظَالِم المري لما قتل خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب العامري وَهُوَ نَازل عِنْد النُّعْمَان بن الْمُنْذر سَأَلَ الْأسود بن الْمُنْذر عَن أَمر يبلغ من الْحَارِث فَقَالَ عُرْوَة بن عتبَة: إِن لَهُ جارات وَلَا أَرَاك تنَال مِنْهُ شَيْئا هُوَ أغْلظ عَلَيْهِ)
من أخذهن وَأخذ أموالهن. فَفعل فَبلغ ذَلِك الْحَارِث بن ظَالِم فَخرج من الْحَيَّيْنِ فَدخل فِي غمار النَّاس حَتَّى عرف مَوضِع جاراته ومرعى إبلهن فجمعهن مَعَ أموالهن وَسَار مَعَهُنَّ حَتَّى استقذهن.
-
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَلحق بِبِلَاد قومه مستخفياً وَكَانَت أُخْته سلمى بنت ظَالِم عِنْد سِنَان بن أبي حَارِثَة المري وَكَانَ الْأسود بن الْمُنْذر دفع إِلَيْهَا ابْنه شُرَحْبِيل تكفله وَكَانَت بنت كثير بن ربيعَة من بني غنم بن دودان امْرَأَة سِنَان ترْضِعه وَهِي أم هرم.
فجَاء الْحَارِث بن ظَالِم وَكَانَ قد اندس بِلَاد غطفان فاستعار سرج سِنَان وَلَا يعلم سِنَان وهم نزُول بالشربة فَأتى أُخْته سلمى فَقَالَ: يَقُول لَك بعلك: ابعثي بِابْن الْملك مَعَ الْحَارِث حَتَّى أستأمن لَهُ مِنْهُ وَهَذَا سَرْجه آيَة إِلَيْك.
فزينته ثمَّ دَفعته إِلَى الْحَارِث فَأتى بالغلام نَاحيَة من الشربة فَقتله وهرب فغزا الْأسود بني ذبيان وَبني أَسد إِذْ نقضوا الْعَهْد بشط أريك.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هما أريكان: الْأسود والأبيض وَلَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا كَانَت الْوَقْعَة.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: إِن سلمى امْرَأَة سِنَان الَّتِي أَخذ الْحَارِث شُرَحْبِيل من عِنْدهَا من بني أَسد فَقتل فيهم قتلا ذريعاً وسبى لدفع الأَسدِية ابْنه إِلَى الْحَارِث. وَفِي ذَلِك يَقُول الْأَعْشَى يمدح الْأسود: ...
стр. 4693
(وشيوخ صرعى بشط أريك ... وَنسَاء كأنهن السعالي)
(من نواصي دودان إِذْ نقضوا العه ... د وذبيان والهجان الغوالي)
(رب رفد هرقته ذَلِك اليو ... م وَأسرى من معشر أقتال)
(هؤلا ثمَّ هؤلا كلا احذي ... ت نعالاً محذوة بمثال)
قَالَ: وَوجدت نعل شُرَحْبِيل عِنْد أضاخ بِضَم الْألف وبالمعجمتين وَهِي من الشربة من ديار بني محَارب بن خصفة بن قيس عيلان.
قَالَ: فأحمى لَهُم الْأسود الصَّفَا بصحراء أضاخ وَقَالَ لَهُم: إِنِّي أحذيكم نعالاً. فأمشاهم على ذَلِك الصَّفَا فتساقط لحم أَقْدَامهم.
-
فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام هجا جوشن الْكِنْدِيّ بني محَارب فعيرهم بتحريق الْأسود أَقْدَامهم فَقَالَ: الطَّوِيل
(على عهد كسى نعلتكم مُلُوكنَا ... صفا من أضاخ حامياً يتهلب))
وَصَارَ ذَلِك مثلا يتوعد بِهِ الشُّعَرَاء.
وَمثل ذَلِك أَن ابْن عباد الْكلابِي ورد على بني البوس من جديلة طَيئ فسرقوا سهاماً لَهُ فَقَالَ يُحَذرهُمْ: الطَّوِيل
(بني البوس ردوا أسهمي إِن أسهمي ... كنعل شُرَحْبِيل الَّتِي فِي محَارب)
وَإِنَّمَا فعل الْأسود ذَلِك ببني محَارب من أجل نعل شُرَحْبِيل الَّتِي وجدت عِنْدهم. انْتهى.
وَقَوله: لن يزَالُوا بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة بضمير الْغَيْبَة الرَّاجِع لمجموع من ذكر مِمَّن قتلوا وأسروا ونهبواً من الْأَعْدَاء وَمِمَّنْ غزا مَعَه وَقتل وغنم من الْأَوْلِيَاء.
وَقَوله: لَا زلت بِالْخِطَابِ وَلَهُم بضمير الْغَيْبَة. فَظهر من هَذَا أَن رِوَايَته فِي كتب النَّحْو لن تزالوا بِالْخِطَابِ وَلَا زلت
стр. 4694
لكم بالتكلم وَالْخطاب على خلاف الرِّوَايَة الصَّحِيحَة.
وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب. وَهُوَ شَاعِر جاهلي.
وَقد اشْتبهَ على الْعَيْنِيّ فَقَالَ: قَائِل:
(رب رفد هرقته ذَلِك اليو ... م ... ... ... ... ... الْبَيْت
)
أعشى هَمدَان واسْمه عبد الرَّحْمَن بن عبد الرَّحْمَن.
وَلَا يخفى أَن هَذَا الشَّاعِر إسلامي فِي الدولة المروانية زمن الْحجَّاج وَلم يكن فِي زمن الْأسود بن الْمُنْذر.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّامِن وَالتِّسْعُونَ بعد السبعمائة)
الْكَامِل
(إِن يَقْتُلُوك فَإِن قَتلك لم يكن ... عاراً عَلَيْك وَرب قتل عَار)
على أَن الْأَخْفَش اسْتدلَّ بِهِ على اسمية رب فَهِيَ مُبْتَدأ وعار خَبَرهَا.
وَأَقُول: مَفْهُوم أَنه يجوز على خلاف الأولى مَا ذكره الْأَخْفَش وَهُوَ خلاف مَا اخْتَار فِيهَا من أَنَّهَا مُبْتَدأ لَا خبر لَهُ فَكَانَ الظَّاهِر على مذْهبه أَن لَا يذكر الأولى.
وَمن جعل رب حرف جر زَائِدا لَا يتَعَلَّق بِشَيْء قَالَ: قتل الْمَجْرُور فِي مَحل مُبْتَدأ مَرْفُوع وعار خَبره وَمَا فِي رب من معنى التكثير هُوَ الْمُخَصّص لابتدائيه قتل.
стр. 4695
-
وَاقْتصر ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر على أَن الضَّمِير الْوَاقِع مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالْجُمْلَة صفة لقتل لَكِن جعل حذفه ضَرُورَة.
وَكَذَا خرجه ابْن هِشَام فِي الْأَشْيَاء الَّتِي تحْتَاج إِلَى الرَّبْط من الْبَاب الرَّابِع من الْمُغنِي إِلَّا أَنه لم يُقَيِّدهُ بضرورة. وَقيل فِيهِ غير ذَلِك.
وروى أَيْضا: وَبَعض قتل عَار فَلَا شَاهد فِيهِ.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد: هَكَذَا أنْشدهُ النحويون وَرب قتل عَار على إِضْمَار هُوَ عَار. وأنشدنيه الْمَازِني: وَبَعض قتل عَار وَهُوَ الْوَجْه.
وَالْبَيْت من قصيدة لِثَابِت قطنة رثى بهَا يزِيد بن الْمُهلب بن أبي صفرَة أورد مِنْهَا أَرْبَعَة أَبْيَات الشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته وَبعده:
(شهدتك من يمن عصائب ضيعت ... ونأى الَّذين بهم يصاب الثار)
(حَتَّى إِذا شَرق القنا وجعلتهم ... تَحت الأسنة أسلموك وطاروا)
وَاقْتصر الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين مِنْهَا على الثَّلَاثَة أَبْيَات وَكَذَلِكَ صَاحب الأغاني وَهِي:
(كل الْقَبَائِل بايعوك على الَّذِي ... تَدْعُو إِلَيْهِ طائعين وَسَارُوا)
(حَتَّى إِذا حمي الوغى وجعلتهم ... نصب الأسنة أسلموك وطاروا)
إِن يَقْتُلُوك فَإِن قَتلك لم يكن ... ... ... ... ... ... الْبَيْت والعصائب: جمع عِصَابَة وَهِي الْجَمَاعَة. وشرق القنا أَي: احْمَرَّتْ
стр. 4696
الرماح بِالدَّمِ. وأسلموك: خذلوك وَلم يعينوك. والأسنة: جمع سِنَان وَهِي حَدِيدَة الرمْح الَّتِي يطعن بهَا. وَنصب الأسنة:)
قبالتها وجهتها. والوغى: الْحَرْب. وحميها عبارَة عَن اشتدادها.
-
وَقَوله: إِن يَقْتُلُوك فَإِن قَتلك أَرَادَ: إِن يفتخروا بِسَبَب قَتلك أَو إِن يتَبَيَّن أَنهم قتلوك.
وَقَوله: كل الْقَبَائِل بايعوك ... إِلَخ يُرِيد أَنه خلع يزِيد بن عبد الْملك ورام الْخلَافَة لنَفسِهِ فِي الْبَصْرَة فَجهز يزِيد بن عبد الْملك لقتاله أَخَاهُ مسلمة بن عبد الْملك وَخرج يزِيد بن الْمُهلب واستخلف على الْبَصْرَة وَلَده مُعَاوِيَة بن يزِيد وَسَار حَتَّى نزل الْعقر ويه عقر بابل عِنْد الْكُوفَة بِالْقربِ من كربلاء ثمَّ أقبل مسلمة بن عبد الْملك حَتَّى نزل على يزِيد بن الْمُهلب فاصطفوا فَشد أهل الْبَصْرَة على أهل الشَّام فكشفوهم.
ثمَّ إِن أهل الشَّام كَثُرُوا عَلَيْهِم فكشفوهم وَمَا زَالَ الْحَرْب بَينهم ثَمَانِيَة أَيَّام حَتَّى كَانَ يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة مَضَت من صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَشرع أَصْحَاب ابْن الْمُهلب يَتَسَلَّلُونَ من حوله وَبقيت مَعَه جمَاعَة فقاتل حَتَّى قتل هُوَ وَأَخُوهُ مُحَمَّد بن الْمُهلب وَجَمَاعَة من أَهله.
وثابت قطنة هُوَ كَمَا فِي الأغاني ثَابت بن كَعْب وَقيل: ابْن عبد الرَّحْمَن بن كَعْب ويكنى أَبَا الْعَلَاء أَخُو بني أَسد بن الْحَارِث بن العتيك. وَقيل: بل هُوَ مولى لَهُم.
ولقب قطنة لِأَن سَهْما أصَاب إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَذهب بهَا فِي بعض حروب التّرْك فَكَانَ يحشوها قطنة. وَهُوَ شَاعِر فَارس شُجَاع من شعراء الدولة الأموية. وَكَانَ من أَصْحَاب
стр. 4697
يزِيد بن الْمُهلب وَكَانَ يوليه أعمالاً من أَعمال الثغور فيحمد فِيهَا مَكَانَهُ لكفايته وشجاعته.
وَكَانَ ولي عملا من أَعمال خُرَاسَان فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة رام الْكَلَام فَتعذر عَلَيْهِ وَحصر فَقَالَ: سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا وَبعد عي بَيَانا وَأَنْتُم إِلَى أَمِير فعال أحْوج مِنْكُم إِلَى أَمِير قَوَّال.
(وَإِلَّا أكن فِيكُم خَطِيبًا فإنني ... بسيفي إِذا جد الوغى لخطيب)
فبلغت كَلِمَاته خَالِد بن صَفْوَان وَقيل الْأَحْنَف بن قيس فَقَالَ: وَالله مَا علا الْمُنِير أَخطب مِنْهُ فِي كَلِمَاته هَذِه وَلَو أَن كلَاما استخفني فَأَخْرجنِي من بلادي إِلَى قَائِله اسْتِحْسَانًا لَهُ لأخرجتني وَرُوِيَ عَن دعبل بن عَليّ قَالَ: كَانَ يزِيد بن الْمُهلب تقدم إِلَى ثَابت قطنة أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر وَلم يطق الْكَلَام قَالَ حَاجِب الملقب بالفيل ابْن ذبيان الْمَازِني:
стр. 4698
الْبَسِيط
(أَبَا الْعَلَاء لقد لقِيت معضلة ... يَوْم الْعرُوبَة من كرب وتحنيق)
(أما الْقرَان فَلم تخلق لمحكمه ... وَلم تسدد من الدُّنْيَا لتوفيق))
(لما رمتك عُيُون النَّاس هبتهم ... فكدت تشرق لما قُمْت بالريق)
(تلوي اللِّسَان وَقد رمت الْكَلَام بِهِ ... كَمَا هوى زلق من شَاهِق النيق)
وَمن هجوه فِيهِ: الْبَسِيط
(لَا يعرف النَّاس مِنْهُ غير قطنته ... وَمَا سواهَا من الْأَنْسَاب مَجْهُول)
قَالَ دعبل: بَلغنِي أَن ثَابت قطنة قَالَ هَذَا الْبَيْت فِي نَفسه وخطر بِبَالِهِ يَوْمًا فَقَالَ: لَا يعرف النَّاس مِنْهُ غير قطنته ... ... ... ... ... الْبَيْت وَقَالَ: هَذَا بَيت سَوف أهجى بِهِ. وأنشده جمَاعَة من أَصْحَابه وَأهل الرِّوَايَة وَقَالَ: اشْهَدُوا إِنِّي قَائِله. فَقَالُوا: وَيحك مَا أردْت أَن تهجو نَفسك بِهِ وَلَو بَالغ عَدوك مَا زَاد على هَذَا.
فَقَالَ: لَا بُد من أَن يَقع على خاطر غَيْرِي فَأَكُون قد سبقته إِلَيْهِ فَلَمَّا هجاه بِهِ حَاجِب الْفِيل استشهدهم على أَنه هُوَ قَائِله. فَشَهِدُوا على ذَلِك فَقَالَ يرد على حَاجِب: الْبَسِيط قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ: وَنسخت من كتاب بِخَط المرهبي الْكُوفِي فِي شعر ثَابت قطنة قَالَ: لما ولي سعيد بن عبد الْعَزِيز بن الْحَارِث
стр. 4699
بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة خُرَاسَان بعد عزل عبد الرَّحْمَن بن نعيم جلس يعرض النَّاس وَعِنْده حميد الرُّؤَاسِي وَعبادَة الْمحَاربي فَلَمَّا دَعَا بِثَابِت قطنة تقدم وَكَانَ تَامّ السِّلَاح جواد الْفرس فَارِسًا من الفرسان فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل: هَذَا ثَابت قطنة وَهُوَ أحد فرسَان الثغور.
فأمضاه وَأَجَازَ على اسْمه فَلَمَّا انْصَرف قَالَ لَهُ حميد وَعبادَة: هَذَا أصلحك الله الَّذِي يَقُول: الْكَامِل
(إِنَّا لضرابون فِي حمس الوغى ... رَأس الْخَلِيفَة إِن أَرَادَ صدودا)
فَقَالَ سعيد: عَليّ بِهِ. فَردُّوهُ وَهُوَ يُرِيد قَتله فَقَالَ لَهُ: أَنْت الْقَائِل: إِنَّا لضرابون الْبَيْت فَقَالَ: نعم أَنا الْقَائِل:
(إِنَّا لضرابون فِي حمس الوغى ... رَأس المتوج إِن أَرَادَ صدودا)
(عَن طَاعَة الرَّحْمَن أَو خلفائه ... إِن رام إفساداً وكر عنودا)
فَقَالَ لَهُ سعيد: أولى لَك لَوْلَا أَنَّك خرجت مِنْهُ لضَرَبْت عُنُقك.
وروى الْأَصْبَهَانِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى أبي عُبَيْدَة قَالَ: كَانَ ثَابت قطنة قد جَالس قوما من الشراة وقوماً)
من المرجئة كَانُوا يَجْتَمعُونَ فيتجادلون بخراسان فَمَال إِلَى قَول المرجئة وأحبه فَلَمَّا اجْتَمعُوا بعد ذَلِك أنشدهم قصيدة قَالَهَا فِي الإرجاء: الْبَسِيط
(يَا هِنْد إِنِّي أَظن الْعَيْش قد نفدا ... وَلَا أرى الْأَمر إِلَّا مُدبرا نكدا)
(إِنِّي رهينة يَوْم لست سابقه ... إِلَّا يكن يَوْمنَا هَذَا فقد أفدا)
(بَايَعت رَبِّي بيعا إِن وفيت بِهِ ... جَاوَرت قلبِي كراماً جاوروا أحدا)
يَا هِنْد فاستمعي لي إِن سيرتنا أَن نعْبد الله لم نشْرك بِهِ أحدا
(نرجي الْأُمُور إِذا كَانَت مشبهة ... ونصدق القَوْل فِيمَن جَار أَو عندا)
(الْمُسلمُونَ على الْإِسْلَام كلهم ... وَالْمُشْرِكُونَ اسْتَووا فِي دينهم قددا)
стр. 4700
(وَلَا أرى أَن ذَنبا بَالغ أحدا ... م النَّاس شركا إِذا مَا وحدوا الصمدا)
(لَا نسفك الدَّم إِلَّا أَن يُرَاد بِنَا ... سفك الدِّمَاء طَرِيقا وَاحِدًا جددا)
(من يتق الله فِي الدُّنْيَا فَإِن لَهُ ... أجر التقي إِذا وفى الْحساب غَدا)
(وَمَا قضى الله من أَمر فَلَيْسَ لَهُ ... رد وَمَا يقْض من شَيْء يكن رشدا)
(كل الْخَوَارِج مخط فِي مقَالَته ... وَلَو تعبد فِيمَا قَالَ واجتهدا)
(وَكَانَ بَينهمَا شغب وَقد شَهدا ... شقّ الْعَصَا وبعين الله مَا شَهدا)
(يجزى عَليّ وَعُثْمَان بسعيهما ... وَلست أَدْرِي بِحَق أَيَّة وردا)
(الله يعلم مَاذَا يحْضرَانِ بِهِ ... وكل عبد سيلقى الله مُنْفَردا)
وَأطَال الْأَصْبَهَانِيّ تَرْجَمته وَفِيمَا أوردنا كِفَايَة.
وَأنْشد بعده: يَا رب هيجا هِيَ خير من دَعه وَتقدم شَرحه قبل بَيْتَيْنِ.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد السبعمائة)
الْخَفِيف
(رُبمَا ضَرْبَة بِسيف صقيل ... بَين بصرى وطعنة نجلاء)
على أَن مَا الْمُتَّصِلَة ب رب فِيهِ زَائِدَة لَا كَافَّة وَلذَا عملت رب الْجَرّ فِي ضربةٍ.
стр. 4701
وَمن الْعَجَائِب قَول الْعَيْنِيّ: كلمة رب دخلت عَلَيْهَا مَا الكافة وَلَكِن مَا كفتها عَن الْعَمَل هَاهُنَا وَقَوله: بِسيف مُتَعَلق بضربة. صقيل بِمَعْنى مصقول أَي: مجلو صفة لسيف.
وطعنة بِالْجَرِّ مَعْطُوف على ضَرْبَة. ونجلاء: بالنُّون وَالْجِيم. والنجلاء: الواسعة الْبَيِّنَة الاتساع من قَوْلهم: عين نجلاء أَي: وَاسِعَة. وَهِي صفة طعنة وجرها بالكسرة للضَّرُورَة.
وَقَوله: بَين بصرى ظرف مُتَعَلق بضربة وَيقدر مثله لطعنة. وَبصرى بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَالْقصر: بلد قرب الشَّام هِيَ كرْسِي حوران كَانَ يقوم فِيهَا سوق للجاهلية.
وَقد قدمهَا رَسُول الله ﷺ َ مرَّتَيْنِ: مرّة مَعَ عَمه أبي طَالب وَأُخْرَى فِي تِجَارَة لسيدتنا خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂.
وَإِنَّمَا صَحَّ إِضَافَة بَين إِلَى بصرى لاشتمالها على مُتَعَدد من الْأَمْكِنَة أَي: بَين أَمَاكِن بصرى ونواحيها.
وروى الشريف الْحُسَيْنِي فِي حماسته: دون بصرى. وَدون هُنَا بِمَعْنى قبل أَو بِمَعْنى خلف.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: بِمَعْنى عِنْد.
وَالْبَيْت أول أَبْيَات سِتّ لعدي بن الرعلاء الغساني أوردهَا الأعلم والشريف
الْحُسَيْنِي فِي حماستيهما. وَبعده:
(وغموس تضل فِيهَا يَد الآ ... سي ويعيا طبيبها بالدواء)
(فصبرنا النُّفُوس لِلطَّعْنِ حَتَّى ... جرت الْخَيل بَيْننَا فِي الدِّمَاء)
(لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء)
(إِنَّمَا الْمَيِّت من يعِيش كئيباً ... كاسفاً باله قَلِيل الرخَاء)
стр. 4702
وَقَوله: وغموس بِالْجَرِّ عطف على نجلاء يُقَال: طعنة غموس: نَافِذَة. وَقَوله: تضل فِيهَا ...
إِلَخ صفة كاشفة لغموس أَشَارَ بِهِ إِلَى سَعَة الطعنة وَبعد غورها.
والآسي: المعالج الْجراح. ويعيا من عيي بِالْأَمر من بَاب تَعب: أَي: عجز عَنهُ وَلم يهتد)
لوجهه. وَفِيه إِشَارَة إِلَى إِصَابَة الطعنة المقتل واليأس من علاجها.
وَقَوله: رفعوا راية الضراب ... إِلَخ الرَّايَة: علم الْجَيْش قيل: أَصْلهَا الْهَمْز لَكِن الْعَرَب آثرت تَركه تَخْفِيفًا. وَقد أنكر هَذَا القَوْل بِأَنَّهُ لم يسمع الْهَمْز أصلا. والضراب: مصدر ضاربه بِالسَّيْفِ وَغَيره مُضَارَبَة وضراباً.
-
وَقَوله: وأعلوا مَعْطُوف على رفعوا وَإِنَّمَا رفعوا الرَّايَة وأعلوها تَأْكِيدًا للضراب وتشديداً.
ويذودون: يطردون وَيمْنَعُونَ. والسامر: اسْم جمع بِمَعْنى السمار وهم الْقَوْم يتحدثون بِاللَّيْلِ.
والملحاء بِفَتْح الْمِيم والحاء الْمُهْملَة: مَوضِع يدْفع فِيهِ وَادي ذِي الحليفة. كَذَا قَالَ الْبكْرِيّ فِي المعجم. وَهَذَا المصراع هُوَ معنى قَوْله: رفعوا راية الضراب.
وَقَوله: إِنَّمَا الْمَيِّت ... إِلَخ الْمَيِّت بِسُكُون الْيَاء: مخفف ميت بتشديدها. وَفرق بَعضهم بِأَن الأول من وَقع عَلَيْهِ الْمَوْت وَالثَّانِي هُوَ الْحَيّ الَّذِي سيموت. وَقد ضمن البحتري هَذَا الْبَيْت فِي أَمْرَد طلعت لحيته فَقَالَ: الْخَفِيف
(يَا قَتِيلا باللحية السَّوْدَاء ... آفَة المرد فِي خُرُوج اللحاء)
...
стр. 4703
(شَاهِدي فِي ادِّعَاء موتك بَيت ... قَالَه شَاعِر من الشُّعَرَاء)
(لَيْسَ من مَاتَ فاستراح بميت ... إِنَّمَا الْمَيِّت ميت الْأَحْيَاء)
والكئيب: الحزين. وكاسفاً وقليلاً منصوبان من كسفت حَال الرجل من بَاب ضرب إِذا ساءت.
والبال: الْحَال فَاعل كاسفاً. والرخاء الْمُعْجَمَة: اسْم من رخي الْعَيْش ورخو من بَابي تَعب وَقرب إِذا اتَّسع فَهُوَ رخي على فعيل.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن الْحَال قد يتَوَقَّف معنى الْكَلَام عَلَيْهَا كَمَا هُنَا فَإِن كئيباً حَال وَلَا معنى لما قبله بِدُونِهِ.
-
وَهَذِه الأبيات من قصيدة أوردا مِنْهَا هَذَا الْمِقْدَار.
وَبعد السَّادِس: وَمِنْهَا:
(كم تركنَا مِنْكُم بِعَين أباغ ... من مُلُوك وسوقة ألقاء)
(فرقت بَينهم وَبَين نعيم ... ضَرْبَة فِي صفيحة نجلاء))
والعشار: جمع عشراء وَهِي النَّاقة. وأباغ بِضَم الْهمزَة وَفتحهَا بعْدهَا
стр. 4704
مُوَحدَة ثمَّ غين: مَوضِع بِطرف الشَّام. وهنالك أوقع الْحَارِث الغساني الحراب وَهُوَ يدين لقيصر بالمنذر بن الْمُنْذر وبعرب الْعرَاق وهم يدينون لكسرى وَقتل الْمُنْذر يَوْمئِذٍ قَتله شمر بن عَمْرو من بني حنيفَة.
كَذَا فِي المعجم للبكري.
وعدي بن الرعلاء شَاعِر جاهلي. والرعلاء اسْم أمه اشْتهر بهَا. وَهِي بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعْدهَا لَام فألف ممدودة. كَذَا ضَبطه العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف.
وَأنْشد بعده:
ماوي يَا ربتما غَارة وَتقدم شَرحه قَرِيبا وَأنْشد بعده الْخَفِيف
(وَرُبمَا الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بَينهُنَّ المهار)
على أَن رب المكفوفة بِمَا لَا تدخل على الْفِعْل عِنْد سِيبَوَيْهٍ. وَهَذَا الْبَيْت شَاذ عِنْده لدُخُول رب المكفوفة فِيهِ على الْجُمْلَة الاسمية فَإِن الجامل مُبْتَدأ والمؤبل صفته وَفِيهِمْ هُوَ الْخَبَر وَتَكون رب كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان من حُرُوف الِابْتِدَاء تدخل على الْجمل فعلية كَانَت أَو اسمية للقصد إِلَى تقليل النِّسْبَة المفهومة من الْجُمْلَة.
فَإِذا قلت: رُبمَا قَامَ زيد كَأَنَّك قللت النِّسْبَة المفهومة من قيام زيد. وَكَذَلِكَ إِذا قلت: رُبمَا زيد
стр. 4705
شَاعِر قللت نِسْبَة شعر زيد.
وَنقل التبريزي عَن المُصَنّف فِي شرح هَذِه الْمُقدمَة أَن رب المكفوفة نقلت من معنى التقليل إِلَى معنى التَّحْقِيق كَمَا نقلت قد الدَّاخِلَة على الْمُضَارع فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من معنى التقليل إِلَى معنى التَّحْقِيق. ودخولها على الْجُمْلَة الاسمية مَذْهَب الْمبرد والزمخشري وَابْن مَالك.
-
قَالَ فِي التسهيل: وَإِن ولي رُبمَا اسْم مَرْفُوع فَهُوَ مُبْتَدأ بعده خبر لَا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. وَمَا نكرَة مَوْصُوفَة خلافًا لأبي عَليّ. انْتهى.
فَمَا عِنْد أبي عَليّ بِمَعْنى شَيْء والجامل خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ الجامل وَالْجُمْلَة الاسمية)
صفة لَهُ فَيكون كَقَوْلِه: يَا رب هيجا هِيَ خير من دَعه وَقد تطلق على ذَوي الْعلم. حكى أَبُو زيد: سُبْحَانَ مَا سخركن لنا.
وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّمَاء وَمَا بناها.
وَقَالَ الشّعْر: الْخَفِيف رُبمَا ظاعن بهَا ومقيم أَي: رب إِنْسَان هُوَ ظاعن بِقَلْبِه مَعَ أحبته الَّذين ظعنوا عَن بلدته. قَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل: وخرجه ابْن عُصْفُور على تَخْرِيج أبي عَليّ. وَنسبه بَعضهم إِلَى الْجُمْهُور قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيح إِذْ لَو كَانَ مَا اخْتَارَهُ المُصَنّف لسمع من كَلَامهم: رُبمَا زيد قَائِم بتصريح الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَلم يسمع ذَلِك فِيمَا أعلم. انْتهى.
стр. 4706
أَقُول: قَائِل هَذَا أَبُو حَيَّان.
فَإِن قلت: أَلَيْسَ الْخَبَر وَهُوَ فيهم مُصَرحًا فِي الْبَيْت فَكيف يَدعِي عدم السماع. قلت: لَهُ أَن يمنعهُ بجعله ظرفا مُسْتَقرًّا على أَنه حَال من الضَّمِير فِي المؤبل. لَكِن مَا
ذهب إِلَيْهِ فَاسد لِأَنَّهُ صحّح مَذْهَب الْفَارِسِي بِمَا أبْطلهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِل بِأَن الْمَرْفُوع بعد رُبمَا خبر مُبْتَدأ أَي: رُبمَا هُوَ الجامل.
فَذهب إِلَى أَنه لَو كَانَ هَذَا التَّقْدِير صَحِيحا لسمع من كَلَامهم: رُبمَا زيد قَائِم لَكِن لم يسمع.
فَيلْزم من هَذَا أَن مَا ذهب إِلَيْهِ الْفَارِسِي بَاطِل من إِضْمَار الْمُبْتَدَأ وَإِظْهَار الْخَبَر إِذْ لَو جَازَ لسمع إِظْهَار الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فِي كَلَامهم.
على أَن نقُول: قد يُمكن أَن يكون فِي الْبَيْت مَا يُوجب تَصْحِيح مَا يُرِيد إِبْطَاله بِجعْل الجامل مُبْتَدأ وَفِيهِمْ الْخَبَر وَالْجُمْلَة صفة لما وَهِي بِمَعْنى نَاس وَلَا حذف لصِحَّة المعني عَلَيْهِ فَيكون الجزءان قد سمعا بعد رُبمَا. وَهُوَ عين مَا ادّعى عدم سَمَاعه. وَالله أعلم.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا ثَمَانِيَة وَسَبْعُونَ لأبي دواد الْإِيَادِي. وَهَذِه أَبْيَات من أَولهَا:
(أوحشت من سروب قومِي تعار ... فأروم فشابة فالستار)
(بعد مَا كَانَ سرب قومِي حينا ... لَهُم الْخَيل كلهَا والبحار)
(فَإلَى الدّور فالمروراة مِنْهُم ... فجفير فناعم فالديار))
(فقد امست دِيَارهمْ بطن فلج ... ومصير لصيفهم تعشار)
(رُبمَا الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج بَينهُنَّ المهار)
(وجواد جم الندى وضروب ... برقاق الظبات فِيهِ صعار)
(ذَاك دهر مضى فَهَل لدهور ... كن فِي سالف الزَّمَان انكرار)
стр. 4707
قَالَ شَارِح ديوانه يَعْقُوب بن السّكيت: أوحشت: أقفرت. وسروب: جمع سرب بِفَتْح فَسُكُون: المَال السارح من إبل وخيل وغنم وَغَيرهَا. وتعار وأروم وشابة والستار: مَوَاضِع وَالْأول بِكَسْر الْمُثَنَّاة
الْفَوْقِيَّة بعْدهَا عين مُهْملَة. وَالثَّانِي بِفَتْح الْهمزَة وَضم الرَّاء الْمُهْملَة وَالثَّالِث بالشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَالرَّابِع بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة فوقية. والبحار: الرِّيف. قَالَ الْأَصْمَعِي: وَكَذَلِكَ البحور: الرِّيف.
وَقَوله: فَإلَى الدّور ... إِلَخ قَالَ شَارِحه: الدّور: جوب تنجاب فِي الرمل. وَمَا بعد الدّور فأسماء مَوَاضِع وَالْأول بِفَتْح الْمِيم وَالرَّاء وَالثَّانِي بِفَتْح الْجِيم وَكسر الْفَاء وَالثَّالِث بالنُّون وَكسر الْعين الْمُهْملَة.
وفلج بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام بعْدهَا جِيم. وَكَذَلِكَ تعشار بِكَسْر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بعْدهَا شين مُعْجمَة. قَالَ شَارِحه: أَي: يحْضرُون فِي الصَّيف تعشاراً.
وَقَوله: رُبمَا الجامل ... إِلَخ قَالَ شَارِحه: الجامل: الْجَمَاعَة من الْإِبِل لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا.
وَيُقَال: إبل مؤبلة إِذا كَانَت للْقنية. والعناجيج: الْخَيل الطوَال الْأَعْنَاق وَاحِدهَا عنجوج. انْتهى.
فالجامل: اسْم جمع الْجمل كالباقر اسْم جمع الْبَقر. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الجامل: القطيع من الْإِبِل مَعَ رعاته وأربابه. والمؤبل: اسْم مفعول من أبل الرجل تأبيلاً أَي: اتخذ الْإِبِل واقتناها.
وَضمير فيهم رَاجع لِقَوْمِهِ إِن كَانَت مَا بِمَعْنى شَيْء أَو كَافَّة وَلما إِن كنت بِمَعْنى نَاس وعناجيج بِالرَّفْع مَعْطُوف على الجامل. وَجُمْلَة: بَينهُنَّ المهار صفة لعناجيج
стр. 4708
فالرابط مَحْذُوف أَي: فيهم.
والمهار: جمع مهر بِكَسْر الْمِيم فِي الْجمع وَضمّهَا فِي الْمُفْرد وَهُوَ ولد الْفرس وَالْأُنْثَى مهرَة.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَرَوَاهُ بَعضهم: رُبمَا الجامل بجر الجامل على أَنه مجرور بِرَبّ وَمَا زَائِدَة.
وَقَوله: وَرِجَال من الْأَقَارِب ... إِلَخ بانوا: بعدوا. وحذاق.
مرخم حذاقة فِي غير النداء)
وَهُوَ بِضَم الْمُهْملَة بعْدهَا ذال مُعْجمَة وقاف. قَالَ شَارِحه: حذاقة: بطن من إياد. وَرِجَال بِالرَّفْع مَعْطُوف على الجامل وَمن الْأَقَارِب فِي مَوضِع الصّفة لرجل وبانوا خبر رجال وَمن حذاق مُتَعَلق ببانوا.
وَقَوله: وجواد ... إِلَخ الْجواد: الْكَرِيم وجم الندى كثير الْمَعْرُوف. والندى: السخاء يُقَال: فلَان أندى من فلَان كفا. والظبات: جمع ظبة وَهِي طرف السَّيْف.
والصعار بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: العظمة وَالْخُيَلَاء. كَذَا فِي شَرحه. وجواد: مَعْطُوف على الجامل وجم: نَعته وضروب مَعْطُوف على جم وَجُمْلَة: فِيهِ صعار خبر جواد.
وَقَوله: انكرار قَالَ شَارِحه: هُوَ انفعال من كريكر.
وَأَبُو دواد بدالين مهملتين أولاهما مَضْمُومَة بعْدهَا وَاو: شَاعِر جاهلي. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء قَالَ بَعضهم: اسْمه جَارِيَة بن الْحجَّاج. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ حَنْظَلَة بن الشَّرْقِي. وَكَانَ فِي عصر كَعْب بن مامة الْإِيَادِي الَّذِي أثر بِنَصِيبِهِ من المَاء رَفِيقه النمري فَمَاتَ عطشاً فَضرب بِهِ الْمثل فِي الْجُود. ورثاه أَبُو دَاوُد بقصيدة مِنْهَا:
(لَا أعد الإقتار عدماً وَلَكِن ... فقد من قد رزئته الإعدام)
...
стр. 4709
(من رجال من الْأَقَارِب بادوا ... من حذاق هم الرؤوس الْعِظَام)
(فيهم للملاينين أَنَاة ... وعرام إِذا يُرَاد عرام)
(فعلى إثرهم تساقط نَفسِي ... حسرات وَذكرهمْ لي سقام)
وَكَانَ أجارة بعض الْمُلُوك فَأحْسن إِلَيْهِ. فَضرب الْمثل بجار أبي دواد.
قَالَ طرفَة: الْبَسِيط
(إِنِّي كفاني من أَمر هَمَمْت بِهِ ... جَار كجار الحذاقي الَّذِي انتصفا)
وَهُوَ أحد نعات الْخَيل المجيدين. قَالَ الْأَصْمَعِي: هم ثَلَاثَة: أَبُو دواد فِي الْجَاهِلِيَّة وطفيل والجعدي. قَالَ: وَالْعرب لَا تروي شعر أبي دواد وعدي لِأَن ألفاظهما لَيست بنجدية.
وَيُقَال: إِنَّمَا أجاره الْحَارِث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان. وَذَلِكَ أَن قباذ سرح جَيْشًا إِلَى إياد فيهم الْحَارِث بن همام فَاسْتَجَارَ بِهِ قوم من إياد فيهم أَبُو دواد فأجارهم.
قَالَ قيس بن زُهَيْر بن جذيمة: الوافر
(أَطُوف مَا أَطُوف ثمَّ آوي ... إِلَى جَار كجار أبي دواد))
стр. 4710
وَقيل للحطيئة: من أشعر النَّاس قَالَ: الَّذِي يَقُول:
(لَا أعد الإقتار عدماً وَلَكِن ... فقد من قد رزئته الإعدام)
الأبيات: ويتمثل من شعره: المتقارب
(أكل امْرِئ تحسبين امْرأ ... ونار تحرق بِاللَّيْلِ نَارا)
وَمِمَّا سبق إِلَيْهِ فَأخذ عَنهُ قَوْله: المتقارب
(نرى جارنا آمنا وَسطنَا ... يروح بِعقد وثيق السَّبَب)
(إِذا مَا عَقدنَا لَهُ ذمَّة ... شددنا العناج وَعقد الكرب)
(قوم إِذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فَوْقه الكربا)
هَذَا مَا أوردهُ ابْن قُتَيْبَة.
تمّ الْجُزْء التَّاسِع من خزانَة الْأَدَب
стр. 4711
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْوَاحِد بعد الثَّمَانمِائَة)
(قتلنَا ونال الْقَتْل منا وَرُبمَا ... يكون على الْقَوْم الْكِرَام لنا الظفر)
على أَن الربعِي زعم أَن الْمُضَارع بعد رُبمَا بِمَعْنى الْمَاضِي وَإِنَّمَا أَوله بكان لِأَن الْمَعْنى عَلَيْهَا إِذْ مُرَاد الشَّاعِر: إِن فَشَا فِينَا الْقَتْل فكثيراً مَا قتلنَا قوما كراماً قبل فَإِن الْحَرْب سِجَال: يَوْم لنا وَيَوْم علينا. وَبِهَذَا يحسن الِاعْتِذَار والتمدح لَا بانه سيحصل لَهُم الظفر.
وَقد تقع كَانَ فِي مَوضِع يكون كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فأدركت من قد كَانَ قبلي وَلم أدع ... لمن كَانَ بعدِي فِي القصائد مصعدا)
أَرَادَ: لمن يكون بعدِي.
وقتلنا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونال مِنْهُ بِمَعْنى أوهنه وفت فِي عضده. وَيُقَال: نَالَ من عدوه ينَال من وَأنْشد بعده
стр. 4712
(الشَّاهِد الثَّانِي بعد الثَّمَانمِائَة)
وَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح على أَن الْمُضَارع مؤول بالماضي أَي: وَلَقَد كَانَ.
وَإِنَّمَا أَوله بالماضي لِأَنَّهُ فِي مرثية ميت وَهُوَ إِخْبَار عَن شَيْء وَقع وَمضى لَا إِخْبَار عَمَّا سيقع لِأَنَّهُ غير مُمكن.
قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: قَالَ أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني: قَالَ لي أَبُو عَليّ: سَأَلت يَوْمًا أَبَا بكر بن السراج عَن الْأَفْعَال يَقع بَعْضهَا موقع بعض فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي للأفعال كلهَا أَن تكون مِثَالا وَاحِدًا لِأَنَّهَا لِمَعْنى وَاحِد وَلَكِن خُولِفَ بَين صيغها لاخْتِلَاف أَحْوَال الزَّمَان فَإِذا اقْترن بِالْفِعْلِ مَا يدل عَلَيْهِ من لفظ أَو حَال جَازَ وُقُوع بَعْضهَا فِي موقع بعض. قَالَ أَبُو الْفَتْح: وَهَذَا الْكَلَام من أبي بكر عَال سديد. انْتهى.
وَهَذَا المصراع من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا خَمْسُونَ بَيْتا لزياد الْأَعْجَم رثى بهَا الْمُغيرَة بن الْمُهلب بن أبي صفرَة أوردهَا القالي فِي ذيل الأمالي وَأورد أَكْثَرهَا ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة وَالِده الْمُهلب
(قل للقوافل والغزاة إِذا غزوا ... والباكرين وللمجد الرَّائِح)
(إِن الشجَاعَة والسماحة ضمنا ... قبراً بمرو على الطَّرِيق الْوَاضِح)
(فَإِذا مَرَرْت بقبره فاعقر بِهِ ... كوم الجلاد وكل طرف سابح)
(وانضح جَوَانِب قَبره بدمائها ... فَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح)
стр. 4713
وَرويت هَذِه القصيدة للصلتان. فَقَالَ: هِيَ لزياد الْأَعْجَم أنْتَهى والقوافل جمع قافلة وَهِي الرّفْقَة الراجعة من سفرها إِلَى وطنها.
والغزاة جمع غاز. وَبكر بكوراً من بَاب قعد: أسْرع فِي الذّهاب من أول النَّهَار. وَأَجد فِي الْأَمر: اجْتهد. والرائح: الرَّاجِع.
وَقَوله: إِن الشجَاعَة والسماحة ... الخ هَذَا مقول القَوْل. وروى أَيْضا: إِن السماحة والمروءة.
والسماحة: الْجُود وَالعطَاء.
والمروءة: آدَاب نفسانية تحمل مراعاتها الْإِنْسَان على الْوُقُوف عِنْد محَاسِن الْأَخْلَاق وَجَمِيل الْعَادَات. يُقَال: مرؤ الْإِنْسَان وَهُوَ مريء كقرب فَهُوَ قريب أَي: ذُو مُرُوءَة.
قَالَ الْجَوْهَرِي: وَقد تشدد فَيُقَال مروة. وضمنا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول مُتَعَدٍّ لمفعولين أَحدهمَا: نَائِب)
الْفَاعِل وَهُوَ ضمير التَّثْنِيَة وَالثَّانِي: قبراً. وَهُوَ مقلوب
لِأَنَّهُ يُقَال: ضمنت الشَّيْء كَذَا أَي: وَفِي الْقلب هُنَا نُكْتَة كَأَنَّهُمَا لكثرتهما لَا يسعهما الْقَبْر فهما اشتملا على الْقَبْر وأحاطا بجوانبه.
ومرو هُنَا هِيَ مرو الشاهجان لَا مرو الروذ وَكِلَاهُمَا فِي إقليم خُرَاسَان.
قَالَ ابْن خلكان: وَمن سراة أَوْلَاد الْمُهلب أَبُو فراس الْمُغيرَة وَكَانَ أَبوهُ يقدمهُ فِي قتال الْخَوَارِج وَله مَعَهم وقائع مَشْهُورَة أبان فِيهَا عَن نجدة وصرامة وَكَانَ مَعَ أَبِيه فِي خُرَاسَان واستنابه بمرو الشاهجان وَتُوفِّي فِي حَيَاة أَبِيه سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ فِي رَجَب. انْتهى.
وَرَأَيْت فِي هَامِش كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة قَالَ الشريف: هَذَا الَّذِي رثاه
стр. 4714
زِيَاد هُوَ الْمُغيرَة بن أبي صفرَة أَخُو الْمُهلب بن أبي صفرَة. انْتهى وَالله أعلم.
وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ النحويون على أَنه أعَاد الضَّمِير إِلَى المؤنثين بضمير المذكرين. وَكَانَ الْقيَاس أَن يَقُول: ضمنتا وعده ابْن عُصْفُور من قبيل الضَّرُورَة.
وَقد وَجهه الْفراء كَمَا نَقله السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ قَالَ: ذهب إِلَى أَن الشجَاعَة والسماحة مصدران وَالْعرب تَقول: قصارة الثَّوْب يُعجبنِي لِأَن تَأْنِيث المصادر يرجع إِلَى الْفِعْل وَهُوَ مُذَكّر. انْتهى.
وَقَوله: فَإِذا مَرَرْت بقبره ... إِلَخ عقر الْبَعِير بِالسَّيْفِ عقراً من بَاب ضرب إِذا ضرب قوائمه والكوم بِالضَّمِّ: جمع كوماء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهِي النَّاقة السمينة. والجلاد بِكَسْر الْجِيم: جمع جلدَة بِفَتْحِهَا وَسُكُون اللَّام وَهِي أدسم الْإِبِل لَبَنًا.
-
والطرف بِالْكَسْرِ: الْأَصِيل من الْخَيل. والسابح بِالْمُوَحَّدَةِ من سبح الْفرس إِذا جرى. يُقَال: فرس سابح إِذا جرى بِقُوَّة.
وَقَوله: انْضَحْ جَوَانِب. . إِلَخ النَّضْح بِالْحَاء الْمُهْملَة: الرش الْقَلِيل وبالخاء الْمُعْجَمَة: البل. يُقَال: نضح ثَوْبه إِذا بله فَهُوَ أبلغ من الأول.
قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: اخْتلف فِي سَبَب عقرهم الْإِبِل على الْقُبُور فَقَالَ قوم: إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك مُكَافَأَة للْمَيت على مَا كَانَ يعقر من الْإِبِل فِي حَيَاته وينحره للأضياف.
وَاحْتَجُّوا بقول الشَّاعِر:)
стр. 4715
(وانضح جَوَانِب قَبره بدمائها ... فَلَقَد يكون أَخا دم وذبائح)
وَقد قَالَ قوم: إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك إعظاماً للْمَيت كَمَا كَانُوا يذبحون للأصنام.
وَقيل: إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ لِأَن الْإِبِل كَانَت تَأْكُل عِظَام الْمَوْتَى إِذا بليت فكأنهم يثأرون لَهُم فِيهَا.
وَقيل: إِن الْإِبِل أنفس أَمْوَالهم فَكَانُوا يُرِيدُونَ بذلك أَنَّهَا قد هَانَتْ عَلَيْهِم لعظم الْمُصِيبَة. انْتهى.
وَزِيَاد الْأَعْجَم هُوَ من شعراء الدولة الأموية أَبُو أُمَامَة زِيَاد بن سلمى مولى عبد الْقَيْس أحد بني عَامر. كَانَ ينزل إصطخر وَكَانَت فِيهِ لكنة فَلذَلِك قيل لَهُ الْأَعْجَم. قَالَه ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء.
وَقيل: كَانَت فِي لِسَانه عجمة ولأجلها قيل لَهُ: الْأَعْجَم.
وَقيل: لِأَن مولده ومنشأه كَانَ بِفَارِس. وَكَانَ جزل الشّعْر وَحسن الْأَلْفَاظ
على لكنته فِي لِسَانه.
رُوِيَ أَنه دَعَا غُلَاما لَهُ ليرسله فِي حَاجَة فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ: مُنْذُ دأوتك إِلَى أَن قلت لبي مَا كنت تصنأ يُرِيد: مُنْذُ دعوتك إِلَى أَن قلت لبيْك مَا كنت تصنع قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هم الفرزدق بِهِجَاء عبد الْقَيْس فَبعث إِلَيْهِ زِيَاد: لَا تعجل حَتَّى أهدي لَك هَدِيَّة. فانتظرها زَمَانا ثمَّ بعث إِلَيْهِ:
(فَمَا ترك الهاجون لي إِن هجوته ... مصحاً أرَاهُ فِي أَدِيم الفرزدق)
(وَمَا تركُوا عظما يرى تَحت لَحْمه ... لكاسره أبقوه للمتعرق)
(سأكسر مَا أبقوه لي من عِظَامه ... وأنكت مخ السَّاق مِنْهُ وأنتقي)
...
стр. 4716
(وَإِنَّا وَمَا تهدي لنا إِن هجوتنا ... لكالبحر مهما يلق فِي الْبَحْر يغرق)
وَفِي الأغاني: كَانَ الْمُهلب بن أبي صفرَة بخراسان فَخرج إِلَيْهِ زِيَاد ومدحه فَأمر لَهُ بجائزة وَأقَام أَيَّامًا فَبَيْنَمَا هُوَ يشرب مَعَ حبيب بن الْمُهلب فِي دَار
لَهُ فِيهَا دالية عَلَيْهَا حمامة إِذْ سجعت الْحَمَامَة فَقَالَ:
(تغني أَنْت فِي ذممي وعهدي ... وَذمَّة وَالِدي من أَن تضاري)
(فَإنَّك كلما غنيت صَوتا ... ذكرت أحبتي وَذكرت دَاري)
(وَإِمَّا يَقْتُلُوك طلبت ثأراً ... يباء بِهِ لِأَنَّك فِي جواري)
فَقَالَ حبيب: يَا غُلَام هَات الْقوس. فَقَالَ لَهُ زِيَاد: وَمَا تصنع بهَا قَالَ: أرمي جارتك هَذِه.)
قَالَ: وَالله لَئِن رميتها لأستعدين الْأَمِير عَلَيْك فَأتي بِالْقَوْسِ فَنزع لَهَا سَهْما فَقَتلهَا فَدخل زِيَاد على الْمُهلب فحدثه الحَدِيث فَقَالَ الْمُهلب: عَليّ بِهِ.
فَأتي بحبيب فَقَالَ: أعْط أَبَا أُمَامَة دِيَة جارته ألف دِينَار. فَقَالَ: أَطَالَ الله بَقَاء الْأَمِير إِنَّمَا كنت أَلعَب فَقَالَ: أعْطه كَمَا أَمرتك. فَأعْطَاهُ وَشرب مَعَه مرّة ثَانِيَة فعربد عَلَيْهِ حبيب وَقد كَانَ مضطغناً عَلَيْهِ فشق قبَاء ديباج كَانَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ...
стр. 4717
(لعمري مَا الديباج خرقت وَحده ... ولكنما خرقت جلد الْمُهلب)
فأحضر الْمُهلب حبيباً وَقَالَ: صدق زِيَاد مَا خرقت إِلَّا جلدي تبْعَث عَليّ هَذَا فيهجوني.
-
وَفِي تَارِيخ الذَّهَبِيّ: أَن زياداً شهد فتح إصطخر مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَطَالَ عمره وَحدث عَن أبي مُوسَى وَعبد الله بن عمر وَحدث عَنهُ طَاوُوس وَغَيره. وَله وفادة على هِشَام بن عبد الْملك. وامتدح عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب.
وَأنْشد بعده: رُبمَا تكره النُّفُوس.
هُوَ قِطْعَة من بَيت من قصيدة لأمية بن أبي الصَّلْت وَهُوَ: رُبمَا تكره النُّفُوس من الْأُم ر لَهُ فُرْجَة كحل العقال وَتقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الثَّالِث بعد الثَّمَانمِائَة)
(فَذَلِك إِن يلق الْمنية يلقها ... حميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا)
على أَنه قد يحذف الْفِعْل بعد رُبمَا وَالتَّقْدِير: رُبمَا يتَوَقَّع ذَلِك.
стр. 4718
وَقدره بَعضهم: رُبمَا أعانك أَو هُوَ معِين لَك.
(لحا الله صعلوكاً مناه وهمه ... من الدَّهْر أَن يلقى لبوساً ومطعما)
(ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا اللَّيْل جنه ... تبيت مسلوب الْفُؤَاد مورما)
(وَلَكِن صعلوكاً يساور همه ... ويمضي على الهيجاء ليثاً مصمما)
(فَذَلِك إِن يلق الكريهة يلقها ... حميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فَرُبمَا)
قَالَ صَاحب الأغاني: هَذَا الشّعْر يُقَال إِنَّه لعروة بن الْورْد وَيُقَال هُوَ لحاتم الطَّائِي وَهُوَ الصَّحِيح.
أَقُول: أَبْيَات عُرْوَة رائية وَلَيْسَت هَذِه لَهُ.
ولحاتم قصيدة على هَذَا الروي وَلَيْسَ فِيهَا هَذِه الأبيات وفيهَا مَا يشبهها وَهُوَ:
(وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إِذا اللَّيْل بالنكس الضَّعِيف تجهما)
(وَلنْ يكْسب الصعلوك مَالا وَلَا غنى ... إِذا هُوَ لم يركب من الْأَمر مُعظما.)
(يرى الخمص تعذيباً وَإِن يلق شبعةً ... يبت قلبه من قلَّة الْهم مُبْهما)
(وَلَكِن صعلوكاً يساور همه ... ويمضي على الْأَيَّام والدهر مقدما)
стр. 4719
.
(يرى رمحه ونبله ومجنه ... وَذَا شطب لين المهزة مخذما)
(وأحناء سرج قاتر ولجامه ... معداً لَدَى الهيجاء طرفا مسوما)
وَرَأَيْت فِي ذيل أمالي القالي أبياتاً على هَذَا النمط غير معزوة لقائلها وَهِي:
(لحا الله صعلوكاً إِذا نَالَ مذقةً ... توسد إِحْدَى ساعديه فهوما)
(مُقيما بدار الذل غير مناكر ... إِذا ضيم أغضى جفْنه ثمَّ برشما)
(يلوذ بأذراء المشاريب طامعاً ... يرى الْمَنْع والتعبيس من حَيْثُ يمما)
(يضن بِنَفس كدر الْبُؤْس عيشها ... وجود بهَا لَو صانها كَانَ أحزما)
(فَذَاك الَّذِي إِن عَاشَ عَاشَ بذلة ... وَإِن مَاتَ لم يشْهد لَهُ النَّاس مأتما)
(بأرضك فاعرك جلد جَنْبك إِنَّنِي ... رَأَيْت غَرِيب الْقَوْم لَحْمًا موضما))
وَالله أعلم بقائل أَبْيَات الشَّاهِد.
стр. 4720
وَقَوله: لحا الله صعلوكاً أَي: قبحه الله وشوهه. والصعلوك بِالضَّمِّ: من لَا يملك شَيْئا.
واللبوس: اللبَاس.
وجنه اللَّيْل: ستره. ومورماً: منتفخاً من الْغم. يَعْنِي: قبح الله الصعلوك الَّذِي يكسل عَن اكْتِسَاب مَا يَكْفِيهِ.
ويساور يواثب. والهم: أول الْعَزْم وَهُوَ إِرَادَة الشَّيْء بِدُونِ فعله. والهم: الْحزن أَيْضا. وَاللَّيْث: الْأسد. والمصمم: الْمَاضِي فِي عزمه لَا يثنيه شَيْء وَقَوله: فَذَلِك أَي: ذَلِك الصعلوك الَّذِي يساور همه وَلَا يثنيه شَيْء عَن الْغَزْو للغنائم إِن أَدْرَكته الْمنية قبل بُلُوغ الأمنية لقيها مَحْمُودًا إِذْ كَانَ قد فعل مَا وَجب عَلَيْهِ وَأقَام عذره فِي مَطْلُوبه باستفراغ الوسع فِي السَّعْي لَهُ.
وَإِن نَالَ الْغنى يَوْم فكثيراً مَا يحمد أمره. فالمحذوف بعد رب هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ بعد كثيرا. وَهُوَ الْمُنَاسب للمعنى لَا مَا تقدم.
وَخبر قَوْله: وَلَكِن صعلوكاً مَحْذُوف يقدر بعد تَمام الْبَيْت أَي: وَهُوَ الْمَدْعُو لَهُ بِالْخَيرِ والممدوح عِنْد النَّاس بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ لحا الله صعلوكاً إِلَخ فَإِنَّهُ ضد لَهُ وَتَكون الجملتان يساور ويمضي صفتين لصعلوك وَيكون قَوْله: فَذَلِك إِن يلق ... . إِلَخ تَفْصِيلًا لجِهَة الدُّعَاء والمدح.
فَذَلِك مُبْتَدأ وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خَبره.
وَقَالَ شرَّاح الحماسة مِنْهُم المرزوقي: قَوْله: إِن يلق الْمنية خبر قَوْله: وَلَكِن صعلوكاً كَمَا لَو انْفَرد عَن قَوْله فَذَلِك لكنه لما ترَاخى الْخَبَر عَن الْمخبر عَنهُ وتباعد الْمُقْتَضى عَن الْمُقْتَضِي لَهُ أَتَى بقوله: فَذَلِك مُشِيرا بِهِ إِلَى الصعلوك فَصَارَ إِن يلق خَبرا عَنهُ. وساغ ذَلِك لِأَن المُرَاد بِالْأولِ وَالثَّانِي شَيْء وَاحِد. هَذَا كَلَامه.
стр. 4721
وَقد وَقع هَذَا الْبَيْت فِي شعر عُرْوَة بن الْورْد بقافية رائية كَذَا:
أَي: إِن نَالَ الْغنى يَوْمًا فَمَا أحقه بذلك وَمَا أليقه بِهِ.
وَقد اسْتشْهد بِهِ شرَّاح الألفية وَغَيرهم على أَن أَجْدَر صِيغَة تعجب حذف مِنْهُ المتعجب مِنْهُ حذفا غير قياسي إِذْ لَا يجوز ذَلِك فِي أفعل بِهِ إِلَّا إِذا كَانَ مَعْطُوفًا على آخر مَذْكُور مَعَه المتعجب مِنْهُ كَقَوْلِه تَعَالَى: أسمع بهم وَأبْصر أَي: وَأبْصر بهم. وَكَذَلِكَ التَّقْدِير فِي الْبَيْت.)
وأجدر بِهِ أَي: بالاستغناء.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: بِهِ أَي: بِكَوْنِهِ حميدا. فَتَأمل.
وَهَذَا الْبَيْت آخر قصيدة لعروة بن الْورْد اخْتَار مِنْهَا أَبُو تَمام ثَمَانِيَة أَبْيَات أوردهَا فِي الحماسة وَهِي:
(لحا الله صعلوكاً إِذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاً كل مجزر)
(يعد الْغنى من نَفسه كل لَيْلَة ... أصَاب قراها من صديق ميسر)
(ينَام عشَاء ثمَّ يصبح ناعساً ... يحت الْحَصَا عَن جنبه المتعفر)
(يعين نسَاء الْحَيّ مَا يستعنه ... ويمسي طليحاً كالبعير المحسر)
(وَلَكِن صعلوكاً صفيحة وَجهه ... كضوء شهَاب القابس المتنور)
(مطلاً على أعدائه يزجرونه ... بِسَاحَتِهِمْ زجر المنيح المشهر)
(فَذَلِك إِن يلق الْمنية يلقها ... حميدا وَإِن يسْتَغْن يَوْمًا فأجدر)
стр. 4722
وَقَوله: لحا الله صعلوكاً ... إِلَخ قَالَ المرزوقي: لحا الله: كلمة تسْتَعْمل فِي السب وَأَصله اللوم والقشر.
يَقُول: زَاد الله فقرا لكل فَقير يرضى من عيشه بِأَن يطوف فِي المجازر إِذا أظلم اللَّيْل ويلتقط المشاش مِنْهَا كَأَنَّهُ يصافيها ويلازمها حبا.
وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا على وَجه الْإِنْكَار أَي: لم يقنع بذلك وَمَاله يسف لمثل هَذِه المطامع الخسيسة وَلَا يطْلب معالي الْأُمُور.
والمشاش: كل عظم هش دسم. ومصافي المشاش صفة لصعلوك وَالْإِضَافَة لفظية وَسكن الْيَاء من مصافي ضَرُورَة. والمجزر بِفَتْح الزاء وَكسرهَا: الْموضع الَّذِي ينْحَر فِيهِ الْإِبِل.
وَقَوله: يعد الْغنى ... إِلَخ يَقُول: لفرحه بِمَا يَنَالهُ من كَسبه الدنيء يعد إِذا أصَاب الْقرى لَدَى صديق ولدت لَهُ شِيَاه فاتسع اللَّبن عِنْده الْغنى حَاصِلا عِنْده.
وَالْميسر: ضد المجنب يُقَال: يسر الرجل ويسرت غنمه وجنب الرجل إِذا قلت الحلوبة فِي إبِله وغنمه وأضاف الْقرى إِلَى ضمير اللَّيْلَة مجَازًا وَالْمرَاد قراه فِيهَا.
وَقَوله: ينَام عشَاء ... إِلَخ يَقُول: ينَام هَذَا الصعلوك لدناءة عمته واستيلاء الكسل عَلَيْهِ ومكسبه قبل اللَّيْل لِأَن همته فِي رَاحَته وحرصه على مَا يسد جوعه بِهِ ثمَّ يَأْتِي الصَّباح عَلَيْهِ)
وَهُوَ ناعس بعد غير قَاض حَاجته من الرقاد وَلَا ضجر فِي مضطجعه بالتساقط يَنْفِي عَن جنبه مَا لصق بِهِ من الْحَصَا وَالتُّرَاب لِأَنَّهُ نَام بِلَا وطاء.
-
وَقَوله: يحت الْحَصَا أَي: يسْقطهُ فَهُوَ قريب من يحط. والعفر: التُّرَاب.
стр. 4723
وَقَوله: وَلَكِن صعلوكاً ... إِلَخ صفحة الرجل وصفيحته: عرض وَجهه أَي: ضوء صفحة وَجهه. يَقُول: وَلَكِن فَقِيرا مشرق الْوَجْه صافي اللَّوْن لَا يتخشع لفقره فَكَأَن ضوء وَجهه ضوء القابس أَي: ذِي القبس أَي: النَّار. والمتنور: المستضيء بضوء النَّار.
وَقَوله: مطلاً على أعدائه ... إِلَخ اطل على كَذَا: أوفى عَلَيْهِ. والمنيح: قدح لَا نصيب لَهُ.
يَقُول: وَلَكِن الْفَقِير المضيء الْوَجْه الَّذِي يسْعَى فِي غناهُ فيشرف على أعدائه غازياً وهم يزجرونه وقتا بعد وَقت كَمَا يزْجر هَذَا الْقدح فِي خُرُوجه وَمَعَ ذَلِك يرد.
قَالَ التبريزي: كَانَ الأيسار يقفون عِنْد المفيض فيتكلم كل وَاحِد مِنْهُم كَأَنَّهُ يُخَاطب قدحه فيأمره بالفوز ويزجره من أَن يخيب فَذَلِك زَجره.
وَقَوله: إِذا بعدوا ... إِلَخ يَقُول: لَا يأمنونه وَإِن بعدوا بل يتشوفونه تشوف الْغَائِب المنتظر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس)
على أَن الْوَاو فِي وبلدة وَاو رب وبلدة مجرورة بِرَبّ المحذوفة.
стр. 4724
وَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يضمر فِيهِ الْفِعْل الْمُسْتَعْمل إِظْهَاره بعد حرف على أَن بَلْدَة جر بإضمار رب. وَجعل هَذَا تَقْوِيَة لإضمار الْفِعْل مَعَ قوته إِذْ جَازَ إِضْمَار حرف الْجَرّ مَعَ ضعفه.
وَالْوَاو عِنْده حرف عطف غير عوض من رب إِلَّا أَنَّهَا دَالَّة عَلَيْهَا وأضمرت لذَلِك وَهِي عِنْده غير عوض من رب.
وَقد أوضحه ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَبَينه دَلَائِل: أَن رب محذوفة وَأَن الْجَرّ بهَا وَأَن الْوَاو للْعَطْف لَا لِأَنَّهَا عوض عَنْهَا. وحقق أَن رب حرف لَا اسْم خلافًا للكوفيين فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وأنشده سِيبَوَيْهٍ ثَانِيًا فِي بَاب مَا يخْتَار فِيهِ النصب لِأَن الآخر لَيْسَ من نوع الأول من أَبْوَاب الِاسْتِثْنَاء قَالَ: النصب لُغَة الْحجاز وَذَلِكَ مَا فِيهَا أحد إِلَّا حمارا جاؤوا بِهِ على معنى)
وَلَكِن حمارا وكرهوا أَن يبدلوا الآخر من الأول فَيصير كَأَنَّهُ من نَوعه.
وَأما بَنو تَمِيم فَيَقُولُونَ: لَا أحد فِيهَا إِلَّا حمَار أَرَادوا: لَيْسَ فِيهَا إِلَّا حمَار وَلكنه ذكر أحد توكيداً ليعلم أَن لَيْسَ بهَا آدَمِيّ ثمَّ أبدل فَكَأَنَّهُ قيل: لَيْسَ فِيهَا إِلَّا حمَار وَإِن شِئْت جعلته إنسانها كَقَوْلِك: مَا لي عتاب إِلَّا السَّيْف. وَمثل ذَلِك:
(وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس ... إِلَّا اليعافير ... ... . الْبَيْت)
فاليعافير بدل من أنيس.
وَكَذَا اورده الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِلَّا قوم يُونُس شَاهدا
للإبدال فِي الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع على لُغَة تَمِيم.
وَكَذَا أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: قل لَا يعلم من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض الْغَيْب إِلَّا الله.
стр. 4725
والبلدة: الْقطعَة من الأَرْض وَمُطلق الأَرْض. والأنيس: من يؤنس بِهِ من النَّاس. واليعافير: جمع يَعْفُور وَهُوَ ولد الظبية وَولد الْبَقَرَة الوحشية أَيْضا.
وَقَالَ بَعضهم: اليعفور: تَيْس الظباء. والعيس: إبل بيض يخالط بياضها شقرة جمع اعيس وَالْأُنْثَى عيساء.
والبيتان من رجز لجران الْعود وأوله:
(قد نَدع الْمنزل يَا لميس ... يعتس فِيهِ السَّبع الجروس)
(إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس ... وبقر ملمع كنوس)
كَأَنَّمَا هن الْجَوَارِي الميس هَذَا مَا رَأَيْته فِي ديوانه.
وَقَالَ شَارِحه مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن عُرْوَة الْأَزْدِيّ: لميس: اسْم امْرَأَة. ويعتس: يطْلب بِاللَّيْلِ مَا يَأْكُلهُ. والجروس: بِالْجِيم: فعول من الجرس وَهُوَ الصَّوْت الْخَفي.
وَالذِّئْب بدل من السَّبع. وَذُو لبد: الْأسد. ولبد بِكَسْر فَفتح: جمع لبدة بِكَسْر فَسُكُون وَهُوَ مَا بَين كَتفيهِ من الْوَبر المتلبد. والهموس: الْخَفِيف الْوَطْء.
ويروى:
بسابساً لَيْسَ بهَا أنيس)
بدل قَوْله: وبلدة لَيْسَ بهَا أنيس.
فَلَا شَاهد فِيهِ وَهُوَ جمع بسبس وَهُوَ القفر والملمع: الَّذِي فِيهِ لمع جمع لمْعَة وَهِي بَيَاض وَسَوَاد. والكنوس: المتخذة كناساً. والكناس: مأوى الظباء وبقر الْوَحْش.
والجواري: جمع جَارِيَة. والميس: جمع ميساء من الميس وَهُوَ التَّبَخْتُر فِي الْمَشْي.
(دَار لليلى خلق لبيس ... لَيْسَ بهَا من أَهلهَا أنيس)
(إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس ... وبقر ملمع كنوس)
стр. 4726
والخلق: الداثر الدارس. واللبيس: المتلبس على من كَانَ يعرفهُ فَلَا يتحققه.
ورأيته أَيْضا فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي بِخَط أبي الْفَتْح بن جني وَعَلِيهِ إجَازَة بِخَط أبي عَليّ الْفَارِسِي كتبهَا لِابْنِ جني لما قَرَأَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ تأليف أبي عُثْمَان الأشنانداني سعيد بن هَارُون من رِوَايَة ابْن دُرَيْد كَذَا:
(يَا لَيْتَني وَأَنت يَا لميس ... فِي بلد لَيْسَ بِهِ أنيس)
إِلَّا اليعافير وَإِلَّا العيس وعَلى هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ لَا شَاهد فِيهِ.
وجران الْعود لقب شَاعِر من بني ضنة بن نمير بن عَامر بن صعصعة. والجران
بِكَسْر الْجِيم.
وَالْعود بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَآخره دَال مُهْملَة هُوَ المسن من الْإِبِل.
كتب ياقوت بن عبد الله الْحَمَوِيّ فِي حَاشِيَة مُخْتَصر جمهرة ابْن الْكَلْبِيّ: وَمن بني ضنة بن نمير: جران الْعود الشَّاعِر واسْمه عَامر بن الْحَارِث بن كلفة وَقيل: كلدة.
وَإِنَّمَا سمي جران الْعود لقَوْله يُخَاطب امرأتيه:
(خُذ حذرا يَا ضرتي فإنني ... رَأَيْت جران الْعود قد كَاد يصلح)
والجران: بَاطِن الْعُنُق الَّذِي يَضَعهُ الْبَعِير على الأَرْض إِذا مد عُنُقه لينام وَكَانَ يعْمل مِنْهُ الأسواط. فَهُوَ يهددهما. انْتهى.
стр. 4727
وَكتب أَيْضا فِي الْهَامِش الدَّاخِل: وَمن بني ضنة بن نمير جران الْعود صَاحب الضرتين اللَّتَيْنِ ضربتاه وخنقتاه فَعمد إِلَى جمل فنحره وسلخ جرانه وَهُوَ جلد مَا بَين اللبة إِلَى اللحيين من بَاطِن ثمَّ مرنه وَجعل مِنْهُ سَوْطًا وَهُوَ يَقُول:)
عَمَدت لعود فالتحيت جرانه ... ... ... ... . الْبَيْتَيْنِ فَسُمي جران الْعود وَذهب اسْمه فَلَا يعرف. انْتهى.
وضنة بِكَسْر الْمُعْجَمَة وَتَشْديد النُّون.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء كَانَ جران الْعود والرحال خدنين
فَتزَوج كل وَاحِد مِنْهُمَا امْرَأتَيْنِ فلقيا مِنْهُمَا مَكْرُوها فَقَالَ جران الْعود قصيدةً يذمهما ويشكو مِنْهُمَا تقدم مِنْهَا بيتان.
وَمِنْهَا:
(أَلا لَا تغرن امْرأ نوفلية ... على الرَّأْس بعدِي أَو ترائب وضح)
(وَلَا فَاحم يسقى الدهان كَأَنَّهُ ... أساود يزهيها لعينك أبطح)
وفيهَا يَقُول:
(جرت يَوْم جِئْنَا بالركاب نزفها ... عِقَاب وتشحاج من الطير متيح)
(فَأَما الْعقَاب فَهِيَ منا عُقُوبَة ... وَأما الْغُرَاب فالغريب المطوح)
(هِيَ الغول والسعلاة حلقي مِنْهُمَا ... مكدح مَا بَين التراقي مجرح)
(خذا نصف مَالِي واتركا لي نصفه ... وَبينا بذم فالتعزب أروح)
стр. 4728
وَقَالَ الرّحال:
(فَلَا بَارك الرَّحْمَن فِي عود أَهلهَا ... عَشِيَّة زفوها وَلَا فِيك من بكر)
(وَلَا الزَّعْفَرَان حِين مسحنها بِهِ ... وَلَا الْحلِيّ مِنْهَا حِين نيط إِلَى النَّحْر)
(وَلَا فرش ظوهرن من كل جَانب ... كَأَنِّي أطوى فوقهن من الْجَمْر)
(فيل لَيْت أَن الذِّئْب خلل درعها ... وَأَن كَانَ ذَا نَاب حَدِيد وَذَا ظفر)
(وجاؤوا بهَا قبل المحاق بليلة ... وَكَانَ محاقاً كُله ذَلِك الشَّهْر)
(لقد أصبح الرّحال عَنْهُن صادفاً ... إِلَى يَوْم يلقى الله فِي آخر الْعُمر)
وَقَوله: وَكَانَ محاقاً كُله ذَلِك الشَّهْر فِيهِ إقواء.
وروى: وَكَانَ محاقاً كُله آخر الشَّهْر
(الشَّاهِد الْخَامِس بعد الثَّمَانمِائَة)
(رسم دَار وقفت فِي طلله ... كدت أَقْْضِي الْحَيَاة من جلله)
على أَن رسماً مجرور بِرَبّ المحذوفة وَهُوَ شَاذ فِي الشّعْر كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.
وَهُوَ مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري. وَبعده:
(موحشاً مَا ترى بِهِ أحدا ... تنسج الرّيح ترب معتدله)
стр. 4729
إِلَى أَن قَالَ:
(يَا خليلي إِن أم جسير ... حِين يدنو الضجيع من غلله)
(رَوْضَة ذَات حنوة وخزامى ... جاد فِيهَا الرّبيع من سبله)
(بَيْنَمَا نَحن بالأراك مَعًا ... إِذْ بدا رَاكب على جمله)
(فتأطرت ثمَّ قلت لَهَا ... أكرميه حييت فِي نزله)
(فظللنا بِنِعْمَة واتكأنا ... وشربنا الْحَلَال من قلله)
(قد أصون الحَدِيث دون أَخ ... لَا أَخَاف الأذاة من قبله)
(وخليل صافيت مرتضياً ... وخليلاً فَارَقت من ملله)
وَقَوله: رسم دَار ... إِلَخ الرَّسْم: مَا كَانَ لاصقاً بِالْأَرْضِ من آثَار الدَّار كالرماد وَنَحْوه.
والطلل: مَا شخص من آثارها كالوتد والأثافي وإضافته إِلَى ضمير الرَّسْم بِتَقْدِير مُضَاف أَي: طلل دَاره.
وَقيل: يَنْبَغِي أَن يُرَاد بالرسم هُنَا الْأَثر أَو بَقِيَّته لإضافة الطلل إِلَى ضَمِيره إِن لم تجْعَل الْإِضَافَة لأدنى مُلَابسَة.
وَجُمْلَة: وقفت فِي مَحل الصّفة لرسم. وكدت: جَوَاب رب. وَكَاد من أَفعَال المقاربة. وأقضي الْحَيَاة: خبر كَاد من قضيت الشَّيْء إِذا أديته.
وَرُوِيَ: كدت أَقْْضِي الْغَدَاة من قضى فلَان إِذا مَاتَ. والغداة: ظرف بِمَعْنى الضحوة.
وَقَالَ الدماميني: الْغَدَاة مَا بَين صَلَاة الْفجْر وطلوع الشَّمْس.
وَقَوله: من جلله بِفَتْح الْجِيم فِيهِ تفسيران قَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: قَرَأت على أبي
стр. 4730
بكر بن دُرَيْد كتاب الْأَبْوَاب للأصمعي فعلت ذَلِك من جلل كَذَا أَي: من عظمه فِي صَدْرِي. وَقَالَ أَبُو نصر: فعلت ذَلِك لجللك وجلالك أَي: لعظمتك فِي صَدْرِي.)
وَأنْشد الْأَصْمَعِي لجميل: رسم دَار وقفت فِي طلله الْبَيْت وَرويت من غير هَذَا الْوَجْه تَفْسِير من جلله: من أَجله وَيُقَال: فعلت ذَلِك من أَجلك وجلك وجلالك.
-
وَأنْشد الْأَصْمَعِي فِي جلالك:
(وغيد نشاوى من كرىً فَوق شزب ... من اللَّيْل قد نبهتهم من جلالك)
أَي: من أَجلك. انْتهى.
وَقَالَ ابْن السّكيت فِي كتاب الأضداد: يُقَال: فعلته من أَجلك أَي: من أجل عظمتك عِنْدِي.
قَالَ جميل: كدت أَقْْضِي الْغَدَاة من جلله أَي: من عَظمته فِي صَدْرِي.
وَبِهَذَا الْمَعْنيين ذكره ابْن هِشَام: فِي جلل من الْمُغنِي.
وَبِمَا نقلنا يضمحل كَلَام الدماميني لَيْسَ بِمَعْنى الْعظم حَتَّى يُفَسر بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنى الْعَظِيم. فَلَو قيل: أَرَادَ من عظم أمره فِي عَيْني لَكَانَ مناسباً. انْتهى.
وَأي فرق بَين من عظمه وَمن عظم أمره وَهل هما إِلَّا سَوَاء.
وأعجب من هَذَا قَول ابْن الملا: وَقع فِي الصِّحَاح تَفْسِير الجلل فِي الْبَيْت بالعظم لَكِن لَا على أَنه اسْم جامد
следующие страницы →