← Акыда

Акыда · id 12757

غاية المقصود فى الرد على النصارى واليهود

السموأل بن يحيى المغربي

Полный текст (74 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود]ـ المؤلف: السموأل بن يحيى بن عباس المغربي (المتوفى: نحو ٥٧٠هـ) تحقيق ودراسة: د. إمام حنفي سيد عبد الله الناشر: دار الآفاق العربية - القاهرة الطبعة: الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أما بعد حمد الله على ما ألهم من الهداية وعصم عنه من الغواية، والصلاة على محمد، خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، فإن سبيل من فضل من العباد بالفطانة والرشاد أن يجد في البحث عن أحوال المعاد، والتأمل لما أخذه من الآباء والأجداد بعين الامتحان والانتقاد، فإن رآه فضيلة سمَا لإدراكها، وإن ألفها رزيلة نجا من أشراكها، ليحصى حقائبه بطانًا من الزاد، فإن هاتف الموت بالمرصاد، ولن تحمد العقبى مضيع في تحصين شرعه، وموزع مواقيته على ما ينقاد إليه بطبعه، ولن يظفر بضالة الحق إلا ناشدوها، ولن يبهرج الأباطيل على أنفسهم إلا مفسدوها. الغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة الرد على أهل اللجاج والعناد، بأن نظهر ما يعتور كلمتهم من الفساد، على أن الأئمة - ضوعف ثوابهم - قد انتدبوا قبلي لذلك، وسلكوا في مناظرة اليهود أنواع المسالك، إلا أن أكثر ما نوظروا به يكادون لا يفقهونه، ولا يلتزمونه.

стр. 3

وقد جعل الله إلى إفحامهم طريقًا، مما يتداولونه في أيديهم من نص توراتهم، وعماهم الله عنه عند تبديلهم، ليكون حجة عليهم موجودة فى أيديهم. إلزام اليهود الفسخ في الشرائع وهذا أول ما أبتدئ من إلزامهم النسخ من نصِّ كتابهم ومما تقتضيه أصولهم. نقول لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرعٌ أم لا؟ فإن جحدوا كذبوا بما نطق به الجزء الثاني من السفر الأول من التوراة، إذ شرع الله على نوح، ﵇، القصاص في القتلى ذلك قوله تعالى: "شوفيخ ذام هاء إذام باء اذام دامو يشافيخ كى يصيلم ألوهيم عاساات ها اذام " .. تفسيره: سافك. دم الإنسان، فليحكم بسفك دمهِ، لأن الله خلق الآدمي بصورةٍ شريفةٍ. وما يشهد به الجزء الثاني من السفر الأول من التوراة، إذ شرع إبراهيم، ﵇ ختانة المولود في اليوم الثامن من ميلاده. وهذه - وأمثالها - شرائع، لأن الشرع لا يخرج عن كونه أمرًا أو نهيًا من الله لعباده، سواء نزل على لسان رسولٍ، أو كُتبَ في أسفار، أو ألواح أو غير ذلك. فإذا أقروا بأن قد كان شرعٌ، قلنا لهم: ما تقولون في التوراة، هل أتت بزيادة على تلك الشرائع، أم لا؟ فإن لم تكن أتت بزيادةٍ، فقد صارت عبثًا،

стр. 4

إذ لا زيادة فيها، على ما تقدم، ولم تغن شيئًا، فلا يجوز أن تكون صادرةً عن الله، تعالى، فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله، وذلك كفر على مذهبكم! وإن كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحًا، أم لا؟ فإن أنكروا ذلك، بطل قولهم من وجهين: - - أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية في يوم السبت، بعد أن كان ذلك مباحًا، وهذا بعينه فهو النسخ. - والثانى: أنه لا معنى للزيادة في الشرع، إلا تحريم ما تقدمت إباحته، وإباحة ما تقدم تحريمه. - فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظرُ شيئًا، ثم يبيحه، لأن ذلك إن جاز مثله، كان كمن أمر بشىء وضده! فالجواب: إن من أمر بشىءٍ وضدهِ في زمانين مختلفين، غير مناقضٍ بين أوامره ، وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد. فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورًا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور. والنسخ المكروه هو إباحة المحظور" لأن من أبيح له شىءً فامتنع عنه وحظره على نفسه، فليس بمخالف، وإنما المخالفُ من منع عن شىءٍ فأتاه، لاستباحته المحظور. فالجواب: من أحلَّ ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرعُ، إذ كل منهما قد خالف المشروع ولم يقرّ الكلمة على معاهدها.

стр. 5

فإذا جاز أن يأتي في شرع التوراة تحريم ما كان إبراهيم، ﵇ ، ومن تقدمه على استباحته، فجائز أن تأتي شريعة أخرى بتحليل ما كان في التوراة محظورًا. وأيضًا: فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضًا في كل الأزمنة، لأن الله يكرهُ ذلك المحظور لعينه أو لا يكون كذلك، بل نهى عنه في بعض الأزمنة. فإن كان الله ينهى عن عمل الصناعات في يوم السبت، لعين السبت، فينبغى أن يكون هذا التحريم على إبراهيم ونوح وآدم أيضًا؛ لأن عين السبت كانت أيضًا موجودة في زمانه، وهى علةُ التحريم. وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن تقدمه، فليس النهى عنه لعينه، أعني في جميع أوقات وجود عينه. وإذًا لزمكم أن تحريم الأعمال الصناعية في يوم السبت ليس بمحرم في جميع وجود أوقات السبت، فليس بممتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمانٍ آخرَ، وإذا ظهر قائمٌ بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمنٍ آخر بعد فترةٍ طويلة. فجائز أن يأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة، سواء حظر مباحاتها، أو أباح محظوراتها، وكيف يجوز أن يحاج من جاء بالبينةِ البشرية أو باينها، ولا سيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض مباينة للعقول، كطهارة أنجاسهم برماد البقرة

стр. 6

التى كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة طاهرهم بذلك الرماد بعينه. على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرًا إلى العقل، فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية. وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدةٍ بنفع لله، ، ولا دافعةٍ عنه ضررًا، لتنزهه، سبحانه، عن الانتفاع والتأذى بشىءٍ فما الذي يحيلُ أو يمنع كونه تعالى، يأمرُ أمةً بشريعةٍ، ثم ينهى أمةً أخرى عنها، أو يُحرِّم محظورًا على قوم، ويحله لأولادهم، ثم يحظره ثانيًا على من يجىء من بعده! كيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حرامًا على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاء بالبينة، وأوجب العقل تصديقه وتحكيمه، أليس هذا تحكمًا وضلالاً وعدولاً عن الحق.؟! إفحام اليهود والنصارى بالحجة العقلية وإلزامهم الإسلام . لا يسع عاقلاً أن يكذب نبيًا ذا دعوة شائعة، وكلمة قائمة، ويصدق غيره، لأنه لم ير أحدهما، ولا شاهد معجزاته، فإذا خصص أحدهما بالتصديق، والآخر بالتكذيب، فقد تعين عليه الملام والإزراء عقلاً. ولنضرب لذلك مثالاً: وهو أنا إذا سألنا يهوديًا عن موسى، ﵇، وهل رآه وعاين معجزاته؟ .. فهو بالضرورة يقرُّ بأنه لم يشاهد شيئًا من ذلك عيانًا. فنقول له: بماذا عرفت نبوة موسى وصدقه

стр. 7

فإن قال: إن التواتر قد حقق ذلك، وشهادات الأمم بصحته دليل ثابت فى العقل، كما قد ثبت عقلاً وجود بلاد وأنهار لم نشاهدها، وإنما تحققنا وجودها بتواتر الأنباء والأخبار. قلنا: إن هذا التواتر موجود لمحمد وعيسى، ﵉، كما هو موجود لموسى ﵇. فيلزمك التصديق بهما. وإن قال اليهودي: إن شهادة أبي عندي بنبوة موسى، هى سبب تصديقي بنبوته. قلنا له: ولمَ كان أبوك عندك صادقًا في ذلك معصومًا عن الكذب، وأنت ترى الكفار أيضا يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك، إما تعصبًا من أحدهم لدينه وكراهيته لمباينة طائفته، ومفارقة قومه وعشيرته، وإما لأن أباه وأشياخه نقلوه إليه، فتلقفته منهم، معتقدًا فيه الهداية والنجاة! فإذا كنت، يا هذا، ترى جميع المذاهب التي تكفرها قد أخذها أربابها عن آبائهم، كأخذك مذهبك عن أبيك، وكنت عالمًا أن ما هم عليه ضلال وجهلٌ. فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك، خوفًا من أن تكون هذه حالته! فإن قال: إن الذي أخذته عن أبى أصحُّ مما أخذه الناس عن آبائهم: لزمه أن يقيم البرهان على نبوة موسى، من غير تقليد لأبيه، لأنه قد ادعى صحة ذلك بغير تقليد.

стр. 8

وإن زعم أن العلة في صحة ما نقله عن أبيه أن أباه يرجح على آباء الناس بالصدق والمعرفة، كما تدعى اليهود في حق آبائها، لزمه أن يأتي بالدليل على أن أباه كان أعقل من سائر آباء الناس وأفضل، فإن هو ادعى ذلك كذب فيه، لأن من هذه صفته، يجب أن يستدل على فضائله بآثاره. وقول اليهود باطل. بأنه ليس لهم من الآثار في العالم ما لغيرهم مثله، بل على الحقيقة لا ذكر لهم بين الأمم الذين استخرجوا العلوم الدقيقة، ودونوها لمن يأتى بعدهم. وجميع ما نسب إليهم من العلوم مما استفادوه، من علوم غيرهم لا يضاهى بعض الفنون الحكمية التي استخرجها حكماء اليونان، والعلوم التى استنبطها النبط. وأما تصانيف المسلمين فيستحيل لكثرتها أن يقف أحدٌ من الناس على جميع ما صنفوه في أحد الفنون العلمية، لسعته وكثرته. وإذا كان هذا موقعهم من الأمم، فقد بطل قولهم: إن آباءهم أعقل الناس وأفضلهم وأحكمهم ولهم أسوة بسائر آباء الناس المماثلين لهم من ولد سام بن نوح، ﵉. فإذا أقروا بتأسى آبائهم بآباء غيرهم، وعلموا بأن آباء غيرهم قد لقنوهم الكفر. لزمهم أن شهادة الآباء لا يجوز أن تكون حجةً في صحة الدين، فلا يبقى لهم حجة بنبوة موسى، ﵇، إلا شهادة التواتر، وهذا التواتر موجود لعيسى ومحمد، كوجوده لموسى، ﵈.

стр. 9

وإذا كانوا قد آمنوا بموسى لشهادة التواتر بنبوته، فقد لزمهم التصديق بنبوة المسيح والمصطفى، صلى الله عليهما وسلم. وجه آخر في إثبات النسخ بأصولها نقول لهم: هل أنتم اليوم على ملة موسى، ﵇؟ فإن قالوا: نعم. قلنا لهم: أليس في التوراة: "أن من قسَّ عظمًا، أو وطئ قبرًا، أو حضر ميتًا عند موته، فإنه يصير من النجاسة في حالٍ لا مخرج له منها، إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها؟! فلا يمكنهم مخالفة ذلك، لأنه نص ما يتداولونه. فيقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر عليه. فيقول لهم: فلمَ جعلتم أن من لمس العظم والقبر والميت فهو طاهر يصلح للصلاة وحمل المصحف، والذى في كتابكم بخلافه؟! فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة وهى رماد البقرة، والإمام المطهر المستغفر. قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عن فعله مما تستغنون في الطهارة عنه، أم لا، فإن قالوا: نعم، قد نستغنى عنه. فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة لحالٍ اقتضاها هذا الزمان.

стр. 10

وإن قالوا: لا نستغنى في الطهارة عن ذلك الطهور. فقد أقروا بأنهم الأنجاس أبدًا، ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة. فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسًا، على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض وارتفاعه سبعة أيامٍ اعتزالاً تفرطون فيه إلى حدِّ أن أحدكم لو لمس ثوبه ثوبَ المرأة لاستنجستموه مع ثوبه. فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام التوراة. قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإذا كانت الطهارة قد فاتتكم والنجاسة التي أنتم فيها هى على معتقدكم لا ترتفع بالغسل كنجاسة الحيض، فهى لذلك أشدُّ من نجاسة الحيض. ثم إنكم ترون أن الحائض طاهرة، إذا كانت من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص هذا الأمر - أعني نجاسة الحيض - بطائفتكم، مما ليس في التوراة. فهذا كله منكم نسخٌ أوتبديل. فإن قالوا: إن هذا - وإن كان النص غير ناطقٍ به - فقد جاء في الفقه. قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم، هل الذي اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والذهب - (على كثرتها - كان ثمرة اجتهاد واستدلال منقولاً) بعيته؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهنا نقله الفقهاء عن الأحبار عن الثقات من السلف عن يوشع بن نون عن موسى الكليم، ﵉، عن الله تعالى.

стр. 11

فيلزمكم في هذا أن المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم، يكون كل واحد منهما ينقل مذهبه فيها نقلاً مسندًا إلى الله، ، وفى ذلك من الشناعة اللازمة لهم أن يجعلوا الله قد أمر في تلك المسألة بشىء وخلافه، وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. فإن قالوا: إن هذا الخلاف غير مستعمل، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم فى المذهب في المسألة يرجعون بها إلى أصلٍ واحد، هو المقطوع به. قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهبٍ واحدٍ، إما لأن أحدهم رجع عما نقل، أو طعن في نقله، فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين، أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر، وما من الفقهاء إلا من ألغى مذهبه في مسائل كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادًا ونظرًا، بل نقلاً محضًا. إلزام النسخ بوجه آخر نقول لهم: ما تقولون في صلواتكم وأصوامكم، هل هى التي فارقكم عليها موسى صلى الله عليه؟ فإن قالوا: نعم.

стр. 12

قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلواتهم كما تقولون: "تقاع شوفار كادول لخير وثينو وسانيس لقبو صينو وقبصينو باخد ميارباع كنفوث هاارض النوى قد شيحنا باروخ إثا ادناى مقبَّيص نذحى عمو يسرائيل ". تفسيره: " اللهم اضرب ببوقٍ عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعًا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت قوم بنى إسرائيل ". أم هل كانوا يقولون على عهد موسى ﵇، كما يقولون في كل يوم: "هاشيب شوفطينوا كبار يشونا ويوعصينو لبتحلا وينى أث يروشا لايم عير قد شنحا يحيينوونا حمينو بنيا نماه ياروخ أثا اذوناى بوفى يرشالايم ". تفسيره: " اردد حكامنا كالأولين، ومشيرينا كالابتداء، وابن يروشليم قرية قدسك في أيامنا وأعزنا ببنائها، سبحانك يا بانى يروشليم ". أم هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال الدولة، وأما صوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصاره، وصوم كذليا الذي جعلتموها فرضًا، هل كان موسى يصومها، أو أمر بها هو أو خليفته يوشع بن نون، أو صوم صلب هامان، هل هذه الأمور مفترضة في التوراة أو زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟

стр. 13

فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذا الأمر؟ قلنا: لأن التوراة نطقت بهذه الآية: "لوتوسيفو على هدَّا بار أشير أنوحى مصوى الجيم ولو تعرعو ممينو". تفسيره: "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئًا، ولا تنقصوا منه شيئًا، وإذا زدتم شيئًا من الفرائض، فقد نسختم تلك الآية". إثبات النسخ على وجهٍ آخر نقول لهم: أليس عندكم أن الله اختار من بنى إسرائيل الأبكار، ليكونوا خواص فى الخدمة للأقداس؟ فيقولون: بلى. فنقول لهم: أليس عندكم أيضًا أن موسى لما نزل من الجبل وبيده الألواح، ووجد القوم عاكفين على العجل، ووقف بطرف المعسكر، ونادى: " من كان لله فليحضرنى". فانضم إليه بنوليوى، ولم ينضم إليه البكور، على أن مناداته، وإن كان لفظها يقتضى العموم، لم تكن إشارتها إلا إلى البكور، إذ هم خاصة الله يومئذ، دون أولاد لاوى، فلما خذله البكور. ونصرهُ أولاد ليوى قال الله لموسى: " وأ اقاح اث هلوتيم تاحت كل نحُو بنى يسراايل " .. تفسيره: "وقد أخذت اللاويين عوضاً عن كل بكر في بنى إسرائيل " .. وفى عقيب نزول هذه

стр. 14

الآية، أليس أن الله عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص، وأخذ أولاد ليوى عوضًا عنهم؟! فهم لا يقدرون على إنكار ذلك. وهذا يلزمهم منه القول بالبداء أو النسخ. إلزام نبوة المسيح، صلى الله عليه . نقول لهم: أليس في التوراة التي في أيديكم: "لوياسور شبيط ميم ومحو فيق مبين زعلاو" .. تفسيره: لا يزول الملك من آل يهود، أو الراسم بين ظهرانيهم، إلى أن يأتي المسيح، فلا يقدرون على جحده. فنقول لهم: أفما علمتم أنكم كنتم أصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح، ثم انقضى ملككم، فإن لم يكن لكم اليوم ملك، فقد لزمكم من التوراة أن المسيح قد أرسل. وأيضا فإنا نقول: أليس منذ بعث المسيح، ﵇، استولت ملوك الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم وتفرق شملهم؟! ولا يقدرون على جحد ذلك إلا بالبهتان. ويلزمهم، على أصلهم الذي في التوراة أن عيسى ابن مريم هو المسيح الذى كانوا ينتظرونه. إلزامهم نبوته ونبوة المصطفى، ﵉. نقول لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟

стр. 15

فيقولون: ولد يوسف النجار سفاحًا. كان قد عرف اسم الله الأعظم فسخر به كثيرًا من الأشياء. فيقول لهم: أليس عندكم في أصح نقلكم أن موسى، ﵇، قد أطلعه الله على الاسم المركب من اثنين وأربعين حرفًا، وبه شق البحر، وعمل المعجزات؟! .. فلا يقدرون على إنكار ذلك. فنقول لهم: فإذا كان موسى أيضًا قد عمل المعجزات بأسماء الله تعالى ، فلمَ صدقتم نبوته، وكذبتم نبوة عيسى؟! فيقولون: لأن الله تعالى علم موسى الأسماء، وعيسى لم يتعلمها من الوحى، ولكنه تعلمها من حيطان بيت المقدس. فنقول لهم: فإذا كان الأمرُ الذي يتوصلُ به إلى عمل المعجزات قد يصل إليه من لا يختصه الله به، ولا يزيد تعليمه إياه، فبأى شىء جاز تصديق موسى؟ فيقولون: لأنه أخذها عن ربه. فنقول: وبأى شىء عرفتم أنه أخذها عن ربه؟ فيقولون: بما تواتر من أخبار أسلافنا. وأيضا فإنا نلجئهم إلى نقل أسلافهم " بأن نقول لهم: بماذا عرفتم نبوة موسى؟ فإن قالوا: بما عمله من المعجزات. قلنا لهم: وهل فيكم من رأى هذه المعجزات؟ ليس هذا، لعمرى، طريقًا إلى تصديق النبوات، لأن هذا كان يلزم منه أن تكون معجزات الأنبياء، ﵈،

стр. 16

باقيةً من بعدهم ليراها كل جيل وجيل، فيؤمنوا به، وليس ذلك بواجب " لأنه إذا اشتهر النبي في عصر، وصحت نبوتُهُ في ذلك العصر بالمعجزات التي ظهرت منه لأهل عصره، ووصل خبره إلى أهل عصرٍ آخر، ووجب عليهم تصديق نبوته واتباعه، لأن المتواترات والمشهورات مما يجب قبولها فى العقل. وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله عليهم وسلامه، في هذا الأمر متساوون، ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمدٍ ﵉، لأن شهادة المسلمين والنصارى بنبوة موسى ليست إلا بسبب أن كتابيهما شهدا له بذلك، فتصديقهم بنبوة موسى فرع على تصديقهم بكتابتهم. وأما معجزة القرآن فإنها، وإن كانت باقيةً، فتلك فضيلة زائدة لا تحتاج إلى كونها سبب الإيمان. فأما من أعطى ذوق الفصاحة، فإن إيمانه بإعجاز القرآن إيمانُ من شاهد المعجزة، لا من اعتمد على الخبر، إلا أن هذه درجة لم يرشح لها كل أحدٍ. فإن قالوا: إن نبينا تشهد له جميع الأمم، فالتواتر به أقوى، فكيف تقولون إنه أضعف؟! قلنا: وكأن إجماع شهادات الأمم صحيح لديكم؟!

стр. 17

فإن قالوا: نعم. قلنا: فإن الأمم الذين قبلتم شهاداتهم مجمعون على تكفيركم وتضليلكم، فيلزمكم ذلك، لأن شهادتهم عندكم مقبولة! فإن قالوا: لا نقبل شهادة أحدٍ .. لم يبق لهم تواتر إلا من طائفتهم، وهى أقل الطوائف عددًا، فيصير تواترهم وشرعهم لذلك أضعف الشرائع. ويلزمهم مما تقدم - أن كل من أظهر معجزاتٍ شهد بها التواتر مصدقٌ فى مقالته، ويلزمهم - مِن ذلك - التصديق بنبوة المسيح والمصطفى، ﵉. فَصْل فيَما يَحْكُونَهُ عَنْ عيسى ﵇ . هم يزعمون أنه كان من العلماء لا من الأنبياء، وأنه كان يطببُ المرضى بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه، وأنه أبرأ جماعةً من المرضى من أسقامهم في يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود ذلك. فقال لهم: أخبرونى عن الشاة من الغنم، وإذا وقعت في البئر يوم السبت أما تنزلون إليها، وتحلون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى. قال: فلمَ أحللتم السبت لتخليص الغنم، ولا تحلونها لتخليص الإنسان الذى هو أكبر حرمةً من الغنم؟!

стр. 18

فأفحمهم، ولم يؤمنوا. وأيضًا، فإنهم يحكون عنه أنه كان مع قومٍ من تلاميذه في جبل ولم يحضرهم الطعام، فأذن لهم في تناول الحشيش في يوم السبت. فأنكرت عليه اليهودُ قطع الحشيش في يوم السبت. فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم، لو كان وحيدًا مع قومٍ على غير ملته، وأمروهُ بقطع النبات في يوم السبت وإلقائه لدوابهم، لا ليقصدوا بذلك كسر السبت تجيزون له قطع النبات؟! قالوا: بلى. قال: فإن هؤلاء القوم أمرتهم بقطع النبات ليأكلوه لينقذوا به أنفسهم، لا للطعن في أمر السبت. كل ذلك ملاطفةً منه لعقولهم التي لا ينطبع فيها النسخ. ولئن كان ما يحكونه من ذلك صحيحًا، فلعله كان في ابتداء ظهور أمر المسيح، ﵇. ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة سيدنا محمد المصطفى ﷺ - إنهم لا يقدرون على أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة.

стр. 19

"نابى أقيم لا هيم مقارب أحيهم كاموخا ايلا وتشماعون " ... تفسيره: "نبيًا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به، فليؤمنوا". وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ . فإن قالوا: إنه قال، من وسط إخوتهم. وليس في عادة كتابنا أن يعنى بقوله: "إخوتكم" إلا بني إسرائيل. قلنا: بلى، قد جاء في التوراة "إخوتكم بنى العيص"، وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس، قوله: "اتيم عوبز بقبول اخيحم بنى عيسووهيوشييم بسيعير". تفسيره: " أنتم عابرون في تخم إخوتكم بنى العيص المقيمين في سيعير، إياكم أن تطيعُوا في شىء من أرضهم ". فإذا كان بنو العيص إخوة لبنى إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل إخوة لجميع ولد إبراهيم. وإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموائيل النبي، ﵇، لأنه قال: "من وسط إخوتهم مثلك ". وشموائيل كان مثل موسى" لأنه من أولاد ليوى يعنون من السبط الذي كان منه موسى، ﵇. قلنا لهم: فإن كنتم صادقين، فأى حاجةٍ بكم إلى أن يوصيكم بالإيمان بشموائيل، وأنتم تقولون: إن شموائيل لم يأتِ بزيادةٍ، لا بنسخ أشفق

стр. 20

من أن لا تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوى أيديكم على أهل فلسطين وليردكم إلى شرع التوراة، وبين صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به، لأنه إنما يخاف تكذيبكم، من ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم. فالوصية بالإيمان به، مما لا يستغنى مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة أن يوصيكم بالإيمان بنبوة أرميا وأشيعيا وغيرهما من الأنبياء. وهذا دليل على أن التوراة أمرتهم، في هذا الفصل، بالإيمان بالمصطفى ﵇، واتباعه. الإشارة إلى اسمه ﷺ في التوراة قال الله، تعالى، في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة، مخاطبًا لإبراهيم الخليل، ﵇: "وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك، ها قد باركت فيه، وأثمرِّه وأكثرِّه جدًا جدًا". ذلك قوله: "وليشماعيل شمعتيخا هنى بير اختى أوتووهر بيثى أوتو بمأ دماد". فهذه الكلمة "بماذماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل، كان اثنين وتسعين، وذلك عدد حساب حروف اسم محمد ﷺ ، فإنه أيضًا اثنان وتسعون. وإنما جُعل ذلك في هذا الموضع ملغزا، لأنه لو صرح به، لبدلته اليهود، أو أسقطته من التوراة، كما عملوا في غير ذلك. فإن قالوا: إنه قد يوجد في التوراة عدة كلمات، مما يكون عدد حساب حروفه مساويًا لعدد حساب حروف اسم زيد وعمرو وخالد وبكر، فلا يلزم من ذلك أن يكون زيد وعمرو وخالد وبكر أنبياء.

стр. 21

فالجواب: إن الأمر كما تقولون، لو كان لهذه الآية أسوة بغيرها من كلمات التوراة، لكنا نحن نقيم البراهين والأدلة على أنه لا أسوة لهذه الكلمة بغيرها من سائر التوراة، وذلك أنه ليس في التوراة من الآيات ما حاز به إسماعيل الشرف كهذه الآية، لأنها وعد من الله لإبراهيم، بما يكون من شرف إسماعيل، وليس فى التوراة آية آخرى، مشتملة على شرفٍ لقبيلة زيد وعمرو وخالد وبكر. ثم إنا نبين أنه ليس في هذه الآية كلمة تساوى "بمادماد" التي معناها "جدًا جدًا"، وذلك أنها كلمة المبالغة من الله، سبحانه، فلا أسوة لها بشىءٍ من كلمات الآية المذكورة. وإذا كانت هذه الآية أعظم الآيات مبالغة في حق إسماعيل وأولاده، وكانت تلك الكلمة أعظم مبالغةً من باقى كلمات تلك الآية، فلا عجب أن تضمن الإشارة إلى أجل أولاد إسماعيل شرفًا، وأعظمهم قدرًا، محمد ﷺ . وإذ بينا أنه ليس لهذه الكلمة أسوة بغيرها من كلمات هذه الآية، ولا لهذه الآية أسوة بغيرها من آيات التوراة، فقد بطل اعترافهم. ذكر الوضع الذي أشير فيه إلى نبوة الكليم. والمسيح والمصطفى، ﵈ . "واما راذوناى مسيناى اثكلى وريهور يقاربه مسيعيرا تجرى لانا استحى بغبورتيه على طورا دفاران وعميّه ربوات قد يشين ". تفسير، قال: "إن الله من سيناء تجلى، وأشرق نوره من سيعير، واطلع من جبال فاران، ومعه ربوات المقدسين ".

стр. 22

وهم يعلمون أن جبل سيعير هو جبلُ الشراة الذي فيه بنو العيص الذين آمنوا بعيسى، ﵇، بل في هذا الجبل كان مقام المسيح ﵇. وهم يعلمون أن سيناء هو جبل الطور، لكنهم لا يعلمون أن جبل فاران هو جبل مكة! وفى الإشارة إلى هذه الأماكن الثلاثة التي كانت مقام نبوة هؤلاء الأنبياء، ما يقتضى للعقلاء أن يبحثوا عن تأويله المؤدى إلى الأمر باتباع مقالتهم. فأما الدليل الواضحُ من التوراة على أن جبل فاران هو جبل مكة، فهو أن إسماعيل لما فارق أباه الخليل، ﵉ سكن إسماعيل في برِّية فاران، ونطقت التوراة بذلك في قوله: " وتقاح لو اموا شيامئا يرض مِصْرايم ". تفسير: " وأقام في برية فاران، وأنكحته أمه امراةً من أرض مصر". فقد ثبت من التوراة أن جبل فاران مسكنٌ لآل إسماعيل، وإذا كانت التوراة قد أشارت في الآية التى تقدم ذكرها إلى نبوة تنزل على جبل فاران. لزم أن تلك النبوة على آل إسماعيل؛ لأنهم سكان فاران، وقد علم الناسُ قاطبة أن الشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل هو محمد ﷺ ، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إسماعيل. فدل ذلك على جبال فاران هى جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة الصطفى، صلوات الله وسلامه عليه، وبشرت به، إلا أن اليهود، لجهلهم وضلالهم، لا يحسنون الجمع بين هاتين الآيتين، بل يسلمون المقدمتين ويجحدون النتيجة، لفرط جهلهم.

стр. 23

وقد شهدت عليهم التوراة بالإفلاس من الفطنة والرأى، ذلك قوله تعالى: "كى غووى أو باد عيصوت هيما واين باهيم تبونا". تفسيره: "إنهم لشعب عادم الرأى، وليس فيهم فطانة". فى إبطال ما يدعونه من معبة الله إياهم . هم يزعمون أن الله، ، يحبهم دون جميع الناس، ويحب طائفتهم وسلالتهم، وأن الأنبياء والصالحين لا يختارهم الله إلا منهم، ونحن نناظرهم على ذلك. فنقول ما قولكم في أيوب النبي، ﵇، أتقرون بنبوته؟ فيقولون: نعم. فنقول لهم: هل هو من بنى إسرائيل؟ فيقولون: لا. فنقول لهم: ما تقولون في جمهور بنى إسرائيل، أعني التسعة أسباط والنصف، الذين أغواهم يربعام بن نباط الذى خرج على ولد سليمان بن داود، وصنع لهم الكبشين من الذهب، وعكف على عبادتهما جماعة من بنى إسرائيل ، وأهل جميع ولاية دار ملكهم الملقبة يومئذ بشومرون، إلى (أن) جرت الحرب بينهم وبين السبطين والنصف، الذين كانوا مؤمنين مع ولد سليمان في بيت المقدس، وقتل في معركة واحدة خمسمائة ألف إنسان، فما تقولون في أولئك

стр. 24

القتلى بأسرهم، وفى التسعة أسباط والنصف، هل كان الله يحبهم، لأنهم إسر ائيلين؟! فيقولون: لا، لأنهم كفار. فنقول لهم: أليس عندكم في التوراة، أنه لا فرق بين الدخيل في دينكم وبين الصريح النسب منكم؟! فيقولون: بلى، لأن التوراة ناطقة بهذا: "كليركا اراح كاخيم بيهى لقتى اذوناى". تفسيره: " إن الأجنبي والصريح النسب منكم سواء عند الله ". "احاث وشفاط ايجاد بيهى لا خيم ولكريم هكار بثو خيم ". تفسيره: "شريعة واحدة" وحكم واحد يكون لكم، وللغريب الساكن فيما بينكم. فإذا اضطررناهم إلى الإقرار بأن الله لا يحب الظالمين منهم، ويحب المؤمنين من غير طائفتهم، ويتخذ أولياء وأنبياء من غير سلالتهم، فقد نفوا ما ادعوه من اختصاص محبة الله، ، بطائفتهم من بين المخلوقين. فصل في ذكر طرف من كفرهم وتبديلهم . إن من سبيل ذوى التحصيل أن يتجنبوا الرذائل، وينفروا مما قبح فى العقول السليمة، ورجح تزييفه، عند ذوي الأفهام المستقيمة. ولهذه الطائفة من فنون الضلال والاختلال ما تنبو عن مثله العقول، يخالفه المشروع والمعقول. وذلك أنهم مع ذهاب دولتهم وتفرق شملهم

стр. 25

وعملهم بالغصب الممدود عليهم، يقولون في كل يوم في صلاتهم: إنهم أبناء الله وأحباؤه، وذلك قولهم في كل يوم في الصلاة. "اهباث عولام اهبتا نوأذوناى الوهينو". تفسيره: " محبة الدهر أحببتنا يا إلهنا". " هشليتيو لتوراتيخا ". تفسيره: " ارددنا يا أبانا إلى شريعتك ". "ابينو ملكينو الوهينو". تفسيره: " يا أبانا يا مالكنا يا إلهنا". "اتا أذوناى ابينو كو الينو". تفسيره: "أنت اللهم أبونا منقذنا". وايت كل رود في بانخا واوينى غداثنحا لولام كسامويام ايجاد ميهم لو نوثار. تفسيره: " وجميع الذين اقتصُّوا أثر بنيك، واعدًا جماعتك كلهم غطاهم البحر واحد منهم لم يبق "؛ ويمثلون أنفسهم بعناقيد العنب، وسائر الأمم بالشوك المحيط بأعالى حيطان الكرم! وهذا من قلة عقولهم، وفساد نظرهم، فإن المعتنى بمصالح الكرم، إنما يجعل على أعالى حيطانه الشوك حفظًا، وحياطة للكرم ".

стр. 26

ولسنا نرى لليهود من بقية الأمم إلا الضرر والذل والصغار وذلك مبطلٌ " لقولهم، وينتظرون قائمًا يأتيهم من آل داود النبي، إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم، ولا يبقى إلا اليهود، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذى وعدوا به. وقد كان الأنبياء، ﵈، ضربوا لهم أمثالاً، أشاروا بها إلى جلالة دين المسيح ﵇، وخضوع الجبارين لأهل ملته، وإتيانه بالنسخ العظيم. فمن ذلك قول إشيعيا في نبوءته: "وعارزانت عم كبيش يحذا ويربضو شنيهم وفارا واذوب ترعينا وارباكبا قارلوخل يتبين ". تفسيره: " إن الذيب والكبش يرعيان جميعًا، ويربضان معًا، وأن البقرة والدب يرعيان جميعًا، وأن الأسد يأكل التبن كالبقرة". فلم يفهموا من تلك الأمثال إلا صورها الحسية، دون معانيها العقلية، فقولوا عن الإيمان بالمسيح عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون الأسد حتى يأكل التبن ويصبح حينئذ لهم علامة المسيح إ! ويعتقدون أن هذا المنتظر حتى جاءهم يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالم من سواهم، ويجم الموت عن جنابهم المدد الطويلة.

стр. 27

وسبيلهم أن لا يعدلوا عن تتبع الأسود في غاباتها، وطرح التبن بين أيديها، ليعلموا وقت أكلها إياه! وأيضاً، فإنهم في العشر الأول من الشهر الأول من كل سنة، يقولون فى صلاتههم: "ألوهينو والوهى أبو ثينو ملوخ على كل يوشى تيبيل أرضيخا ويوماركول أشير نشا مانا قواذوناى الوهى يسرائيل مالاخ وملخو توبكوك ما شيا لا ". تفسيره: " يا إلهنا وإله آبائنا املكْ على جميع الأرض، ليقول كل ذى قسمة، الله إله إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكل متسلطة". ويقولون في هذه الصلاة أيضًا: "وسيكون لله الملك، وفى ذلك اليوم يكون الله واحدًا". ويعنون بذلك أنه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة إلى اليهود الذين هم أمته وصفوته، فأما مادامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته!!. فهذا معنى قولهم: "اللهم املك على جميع الأرض "، ومعنى قولهم: "وسيكون الملك لله ". وما ينخرط في هذا السلك قولهم: "لا ما يومر وهلويثم إلى يا ألوهيهم ". تفسيره: " لم يقول الأمم أين إلههم ". وقولهم: " عورا لا مانيشان ادوناى هاقيصا مشنا شيخا". تفسيره: " انتبه كم تنام يارب، استيقظ من رقدتك ".! وهؤلاء إنما نطقوا بهذه الهذيانات والكفريات من شدة الضجر من الذل والعبودية والصغار، وانتظار فرج

стр. 28

لا يزداد منهم إلا بعدًا، فأوقعهم ذلك في الطيش والضجر، وأخرجهم إلى نوع من التزندق والهذيان، الذي لا يستحسنه إلا عقولهم الركيكة! .. فتجرءوا على الله بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخون الله بذلك لينتخى لهم، ويحمى لنفسه، لأنهم إذا ناجوا ربهم بذلك، فكأنهم يخبرونه بأنه قد اختار الخمول لنفسه، وينخونه للنباهة واشتهار الصيت! فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك في أن كلامه يقع عند الله بموقع عظيم، وأنه يؤثر في ربه، ويحركه بذلك، ويهزه وينخِّيه! .. وهؤلاء على الحقيقة ينبغى أن يرحم جهلهم وضعف عقولهم. وأيضًا فإنه عندهم في توراتهم: أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه كرسى منظره كمنظر البلور، ذلك قوله: "وتراوايث ألوهى هشفير وخعيصم هشاما يم لا طوهر". ويزعمون أن اللوحين مكتوبان بأصبع الله! .. في قولهم: "بإصباع ألوهيتم ". ويطول الكتاب إن عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم، على أن أحبارهم قد تهذبوا كثيرًا عن معتقد آبائهم، بما استفادوه من توحيد المسلمين، وأعربوا عن تفسير ما عندهم بما يدفع عنهم إنكار المسلمين عليهم، مما لا تقتضيه الألفاظ التي فسروها ونقولها، وصاروا متى سُئلوا عما عندهم من هذه الفضائح، استتروا بالجحد والبهتان، خوفًا من فظيع ما يلزمهم من الشناعة. ومن ذلك أنهم ينسبون إلى الله، تعالى، إلى الندم على ما يفعل، فمن ذلك قولهم في التوراة التي بأيديهم: "ويناجم أذوناى كى عاسا اث مما اذام يا أرض ويتعصب إل لبُّو ".

стр. 29

تفسيره: " وندم الله على خلق البشر في الأرض وشق عليه ". وقد أفرط المترجم في تعصبه وتحريفه الألفاظ عن موجب اللغة، وفسر: " ويناخم أذوناى وثاب أذوناى تميمريه ". يعنى: " وعاد الله في رأيه "! .. وهذا التأويل، وإن كان غير موافق اللغة فهو أيضًا كفر، بل مناقض لا يدفعونه من البداء والنسخ. وأما الدليل على أن تفسير: " ويتعصب إل لبوُّ" وشق عليه " فهو ما جاء فى مخاطبة حواء، ﵍: بعصيب يتلدى بانيم " تفسيره: " بمشقة تلدين الأولاد". فقد تبين أن "العصيب " في اللسان العبراني هو "المشقة". وهذه الآية عندهم في قصة قوم نوح، زعموا أن الله، تعالى، لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم وكفرهم قد عظما، ندم على خلق البشر، وشق عليه! .. ولا يعلمُ البله أن من يقول بهذه المقالة لزمه أن الله قبل أن يخلق البشر لم يكن عالمًا بما سيكون من قوم نوح، وغير ذلك من النقص، تعالى الله عما يكفرون! وعندهم أيضا: أن الله، تعالى، قال لشموائيل النبي، ﵇: "نيحا متى لي هملا حتى اث شا أولميلخ على يسرا ائل ". تفسيره ": ندمت إذ وليت شاءول ملكًا على إسرائيل ". وفي موضع آخر من سفر شموائيل: " وادناى نيخام كى هميلخ اث شا أول على يسراائل ".

стр. 30

تفسيره: " والله ندم على تمليكه شاءول على إسرائيل ". وأيضًا فإن عندهم أن نوحًا النبي ﵇، لما خرج من السفينة بدأ ببناء مذبح لله، وقرب عليه قرابين، ويتلوا ذلك: "وتارخ ادوناى اث ريتخ هينحورخ ويومر ادوناى ال لبولا سيف عود لقليل اث ها إذا ما با عبورها إذام لي يبصر لبب ها اذام راع منعورا وولوا وسيف عود لهلكوت اث كل ماى يكا اشيرعا سيتى". تفسيره: " فاستنشق الله رائحة الفنار، فقال الله في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض، بسبب الناس، لأن خاطر البشر مطبوع الرداءة، ولن أعاود إهلاك جميع الحيوان، كما صنعت ". ولسنا نرى أن هذه الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى، صلوات الله عليه ولا نقول أيضًا: إن اليهود قصدوا تغييرها وإفسادها، بل الحق أولى ما اتبع، ونحن نذكر الآن حقيقة سبب تبديل التوراة. ذكر السبب في تبديل التوراة . علماؤهم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم، لا يعتقد أحد من علمائهم وأحبارهم أنها المنزلة على موسى ألبتة، لأن موسى صان التوراة عن بنى إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته من أولاد ليوى. ودليل ذلك قول التوراة: " وتختوب موشا أث هتورا هزوت وتيناه الط هكوهنيم بنى ليوى ".

стр. 31

تفسيره: " وكتب موسى هذه التوراة، ودفعها إلى الأئمة بنى ليوى". وكان بنو هارون قضاة" اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقفة عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبنى إسرائيل إلا نصف سورة، ويقال لها: " ها ازينو" فإن هذه السورة من التوراة هى التي علمها موسى بنى إسرائيل، ذلك قوله: "وتختوب موشا أث هتيرا هروث وتلمذاه لبنى يسرائيل ". "تفسيره " وكتب موسى هذه السورة وعلمها بنى إسرائيل ". وأيضاً فإن الله تعالى قال لموسى عن هذه السورة (وها يتالى هشيرا هزوث لعيد بنى اسرائيل وتفسيره: وتكون لي هذه السورة). "كى لو تشا خاخ مفى زرعو". تفسيره: " لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم ". يعنى أن هذه السورة مشتملة على ذم طباعهم، وأنهم سيخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك، وتخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد. قال: فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم، كالشاهد عليهم، والموافق لهم على صحة ما قيل لهم، فهذه السورة لما قال الله عنها: " إنها لا تنسى من أفواه أولادهم " دل على ذلك على أن (الله علم) أن غيرها من السور ينسى. وأيضاً فإن هذا دليل على أن موسى لم يعط بنى إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة، فأما بقية التوراة فدفعها إلى هارون، وجعلها فيهم، وصانها عن سواهم. وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة، ويحفظون أكثرها قتلهم بخت نصر على دم واحدٍ، يوم فتح بيت المقدس، ولم يكن حفظ التوراة، فرضًا بل سنة، بل كان كل واحدٍ من الهارونين يحفظ فصلاً من التوراة. فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم، ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه

стр. 32

التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة. وزعموا أن التوراتي الآن يظهرُ على قبره الذي عنده بطاح العراق، لأنه عمل لهم كتابًا يحفظ دينهم. فهذه التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزرا، وليست كتاب الله، وهذا يدل على أنه - أعني الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجل فارغ جاهل بالصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله، تعالى، صفات التجسيم، والندامة على ماضى أفعاله والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما تقدم ذكره. وأيضًا فمما يستدل به على بطلان تأويلاتهم، وإفراطهم في التعصب، وتشديد الإصر، ما ذكروه في تفسيره هذه الآية: " ريشيث بلورى إذ ما تأبى بيت أذوناى ألوهيما لوت تسيل كذى باحابيب أمو". تفسيره: " بكور ثمار أرضك تحمل إلى بيت الله ربك، لا تنضج الجدى بلبن أمه ". والمراد من ذلك: أنهم أمروا عقب افتراض الحجج عليهم، أن يستصحبوا معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس أبكار أغنامهم، وأبكار مستغلات أرضهم؛ لأنه قد كان فرضًا عليهم قبل ذلك أن تبقى سخولة البقر والغنم وراء أمهاتها سبعة أيام، ومن اليوم الثامن فصاعدًا يصلح أن يكون قربانًا لله، فأشار في هذه الآية في قوله: " لا تنضج الجدى بلبن أمه ". إلى أنهم لا يبالغون فى

стр. 33

إطالة مكث بكور أولاد الغنم والبقر وراء أمهاتهن، بل يستصحبون أبكارهن اللاتي قد عبرن سبعة أيامٍ من ميلادهن معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس ليتخذوا منها القرابين فتوهم المشايخ البله المترجمون لهذه الآية، والمفسرون لمعانيها، أن المشرع يريد بالإنضاج هذا إنضاج الطبيخ في القدر. وهبهم صادقين في هذا التفسير، فلا يلزم من تحريم الطبيخ، تحريم الأكل، إذ لو أراد الشرع الأكل لما منعه مانع عن التصريح بذلك. وما كفاهم هذا الغلط فى تفسير هذه اللفظة، حتى حرموا أكل سائر اللحمان باللبن، وهذا مضاف إلى ما يستدل به على جهل المفسرين والنقلة، وكذبهم على الله وتشديد الإصر على طائفتهم. فأما الدليل على تفسير "تبسيل " الانضاج الذي هو البلوغ فهو قول رئيس السقاة ليوسف الصديق، وهما في السجن، إذ شرح له رؤياه، فقال فى جملة كلامه، "وبكيفن شكوشا سارنعيم وهى حضور راحت عالقا نصاه هيشيلوا شكلوثنا غباييم ". تفسيره: " وفى الكرمة ثلاثة عناقيد، وهى كأنها قد أثمرت وصعد نوارها، ونضجت عناقيدها عنبًا. فقد تبين أن الإنضاج

стр. 34

الذي يعبر عنه: " يالهيشيلوا" إنما هو البلوغ. ولا ينبغى للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنونٍ من الكفر والضلال، فإن الدولة إذا انفرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها، انطمست حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذَّر الوقوف عليها، لأن الدولة إنما يكون زوالها عن أمةٍ، بتابع الغارات والمضايقات، وإخراب البلاد " وإحراق بعضها، فلا تزال هذه الفنون متتابعة عليها إلى أن يستحيل علومها جهلاً، وكثرتها قلة، وكلما كانت الأمم أقدم، واختلف عليها الدول المتتابعة لها بالإذلال والإيذاء، كان حظها من اندراس الآثار أكثر. وهذه الطائفة ولا شك أعظم الطوائف حظًا مما ذكرناه، لأنها من أقدم الأمم عهدًا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها من الكلدانيين البابليين والفرس واليونان والنصارى والإسلام. وما من هذه الأمم إلا من قصدهم أشد القصد، وطلب استئصالهم، وبالغ فى إحراق بلادهم وإخرابها وإحراق كتبهم، إلا المسلمين، فإن الإسلام صادف اليهود تحت ذمة الفرس ولم يتبق لهم مدينة ولا جيش، إلا العرب المشهورة بخيابر. وأشد على اليهود من جميع هذه الممالك، ما نالهم من ملوكهم العصاة مثل أجأب وأحرنا وأمصيا ويهودام ويربعام بن نباط، وغيرهم من الملوك الإسرائيليين

стр. 35

الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنة الأصنام، لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع العظيمة والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بنى إسرائيل، وتركوا أحكام التوراة والشرع مددًا طويلة، وأعصارًا متصلة. فإذا كان هذا تواتر الآفات على شرعهم من قبل ملوكهم، ومنهم على أنفسهم، فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما بعد عليهم، وقتل أئمتهم، وإحراق كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام بشرائعهم!. فإن الفرس كثيرًا ما منعوهم عن الختانة، وكثيرًا ما منعوهم عن الصلاة، لمعرفتهم بأن معظم صلوات هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى العالم بالخراب، سوى بلادهم التي هى أرض كنعان! فلما رأت اليهود الجد من الفرس في منعهم من الصلاة، اخترعوا أدعية مزجوا بها فصولاً من صلاتهم، وسموها الحزانة وصاغوا لها ألحانًا عديدة، وصاروا يجتمعون أوقت صلواتهم على تلحينها وتلاوتها. والفرق بين هذه الحزانة، وبين الصلاة بغير لحنٍ أن المصلى يتلو الصلاة وحده، ولا يجهر معه غيره. أما الحزانُ فيشاركه جماعة في الجهر بالحزانة، ويعاونونه في الألحان، فكانت الفرسُ إذا أنكرت ذلك منهم، زعمت اليهود أنهم يغنون أحيانًا، وينوحون على أنفسهم أحيانًا فتركوهم وذاك.

стр. 36

ومن العجب أن دولة الإسلام لما جاءت مقرة لأهل الذمة على أديانها، وصارت الصلاة مباحةً لهم، صارت الحزانة عند اليهود من السنن المستحبة فى الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضًا عن الصلاة، ويستغنون بها عنها، من غير ضرر يبعثهم على ذلك. فيما يعتقدونه في دين الإسلام هم يزعمون أن المصطفى، ﷺ وشرف وعظَّم وكرَّم، كان قد رأى أحلامًا تدل على كونِه صاحب دولة وأنه سافر إلى الشام في تجارة لخديجة، رضوان الله عليها، واجتمع بأحبار اليهود، وقصَّ عليهم أحلامه، فعلموا أنه صاحب دولة، فأصحبوه عبد الله بن سلام فقرأ عليه علوم التوراة وفقهها مدةً، زعموا. وأفرطوا في دعواهم إلى أن نسبوا الفصاحة المعجزة التي فى القرآن إلى تأليف عبد الله بن سلام، وأنه قرر في شرع النكاح أن الزوجة لا تستحل بعد الطلاق الثلاث إلا بنكاح آخر، ليجعل بزعمهم أولاد المسلمين "ممزرير "، وهذه كلمة جميع واحدة (ممزير)، وهو اسم لولد الزنا، لأن في شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت غيره، كان أولادهما معدودين من أولاد الزنا. فلما كان النسخ مما لا ينطبع فهمه في عقولهم، ذهبوا إلى أن هذا الحكم فى النكاح من موضوعات عبد الله بن سلام، قصد به أن يجعل أولاد المسلمين ) ممزريم) - بزعمهم.

стр. 37

ثم أكثر العجب منهم أنهم جعلوا داود النبي، ﵇، (ممزيز) من وجهين، وجعلوا منتظرهم (ممزير) من وجهين، وذلك أنهم لا يشكون فى أن داود بن بيشاى بن عابد، أبو هذا عابد يقال: له (بوعز) من سبط يهوذا، وأمه يقال لها: روث الموابية من بنى مؤاب، وهذا مؤاب منسوب عندهم في نصِّ التوراة فى هذه القصة. وهى أنه لما أهلك الله أمة لوط لفسادها، ونجا بابنتيه فقط " قالت ابنتاه: إن الأرض قد خلت ممن يستبقين منه نسلاً. فقالت الكبرى للصغرى: إن أبانا لشيخ، وإنسان لم يبق في الأرض ليأتينا كسبيل البشر، فهلمي بنا نسقي أبانا خمرًا ونضاجعه، لنستبقي من أبينا نسلاً. ففعلتا ذلك - بزعمهم. وجعلوا ذلك النبي قد شرب الخمر، حتى سكر، ولم يعرف ابنتيه ثم وطأهما، فأحبلهما وهو لا يعرفهما، فولدت أحدهما ولدًا سمته (مؤاب)، يعنى أنه من الأب، والثانية سمت ولدها (بن عمىِّ)، يعنى أنه من الأب، وذلك الولدان عند اليهود من (الممزريم) ضرورة، لأنهما من الأب وابنتيه. فإن أنكروا ذلك لأن التوراة لم تكن نزلت، لزمهم ذلك، لأنَّ عندهم أن إبراهيم الخليل، ﵇، لما خاف في ذلك العصر من أن يقتله المصريون بسبب زوجته، أخفى

стр. 38

نكاحها، وقال: "هى أختى". علمًا منه بأنه إذا قال ذلك لم يبق للظنون إليها سبيل، وهذا دليل على أن حظر نكاح الأخت كان في ذلك الزمان مشروعًا! فما ظنك بنكاح البنت الذي لم يجز ولا في زمن آدم، ﵇؟!. وهذه الحكاية منسوبة إلى لوطٍ النبي، في التوراة الموجودة بأيدى اليهود، فلن يقدروا على جحدانها. فيلزمهم من ذلك أن الولدين المنسوبين إلى لوط "ممزريم" إذ توليدهما على خلاف المشروع، وإذا كانت "روث " من ولد مؤاب، وهى جدة داود، ﵇، وجدة مسيحهم المنتظر، فقد جعلوهما جميعًا من نسل الأصل الذى يطعنون فيه. وأيضًا فمن أفحش المحال أن يكون شيخ كبير قد قارب المائة سنة، قد سقى الخمر حتى سكر سكرًا حال بينه وبين معرفة ابنتيه فضاجعته أحديهما، واستنزلت فيه، وقامت عنه، وهو لا يشعر كما نطق كتابهم في قوله، " ولو يا داع بشنخبا ويقوماه ". تفسيره: ولم يشعر باضطجاعها وقيامها. وهذا حديث من لا يعرف كيفية الحبل، لأنه من المحال أن تعلق المرأة من شيخ طاعن في السن قد فات حسه لفرطِ سكره. مما يؤكد استحالة ذلك أنهم زعموا أن ابنته الصغرى فعلت كذلك به في الليلة الثانية، فعلقت أيضًا!

стр. 39

وهذا ممتنع من المشايخ الكبار أن تعلق المرأة من أحدهم في ليلة، وتعلق منه أيضًا الأخرى في الليلة الثانية، إلا أن العداوة التي مازالت بين بنى عمون ومؤاب، وبين بنى إسرائيل بعثت واضع هذا الفصل على تلفيق هذا المحال، ليكون أعظم الأخبار فحشًا في حق بنى عمون ومؤاب. وأيضًا فإن عندهم أن موسى جعل الإمامة في الهارونيين فلما ولى طالوت، وثقلتْ وطأته على الهارونيين، وقتل منهم مقتلةً عظيمة، ثم انتقل الأمر إلى داود بقى في نفوس الهارونيين التشوف إلى الأمر الذي زال عنهم، وكان " عزرا " خادمًا لملك القدس حظيًا لديه، فتوصل إلى بناء بيت المقدس، وعمل لهم هذه التوراة التي بأيديهم. فلما كان هارونيًا كره أن يتولى عليهم في الدولة الثانية داودي، فأضاف في التوراة فصلين طاعنين في نسب داود، أحدهما قصة بناتِ لوطٍ، والآخر قصة تاماد، وسيأتي ذكرها. ولقد بلغ - لعمرى - غرضه، فإن الدولة الثانية التي كانت لهم في بيت المقدس، لم يملك عليهم فيها داوديون، بل كانت ملوكهم هارونيين، وهذا عزرا ليس هو العزير كما يظن، لأن العزير هو تعريب العازر، فأما عزرا فإنه إذا عُرِّبَ لم يتغير عن حاله، لأنه اسم خفيف الحركات والحروف، ولأن عزرا عندهم ليس بنبى، وإنما يسمونه عزيرة "هسوفير " وتفسيره: " الناسخ ".

стр. 40

وأيضًا فإن عندهم في التوراة قصة أعجب من هذه، وهى أن يهوذا بن يعقوب النبي ﵇ زوج ولده الأكبر من امرأةٍ يقال لها تاماد، فكان يأتيها مستدبرًا، فغضب الله من فعله، فأماته، فزوجها يهوذا من ولده الآخر، فكان إذا دخل بها أمنى على الأرض، علمًا منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوًا باسم أخيه، ومنسوبًا إلى أخيه، فكره الله ذلك من فعله، فأماته أيضًا، فأمرها يهوذا باللحاق بأهلها إلى أن يكبر "شبلا" ولده، ويتم عقله، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب أخويه. فأقامت في بيت أبيها، فماتت من بعد زوجة يهوذا، وأصعدَ إلى منزلٍ يقالُ له: " تمناث " ليجزَّ غنمه، فلما أخبرت تاماد بإصعاد حميها إلى تمناث لبست زي الزواني، وجلست في مستشرف على طريقه لعلمها بشيمته فلما مرَّ بها خالها زانيةً، فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجدى، ورهن عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعلقت منه بفارض وزارح، ومن نسل فارض هذا كان بوعز المتزوج بروث التي من نسل مؤاب، ومن ولدهما كان داود النبى، ﵇. وأيضًا: ففى هذه الحكاية دقيقة ملزمة بالنسخ، وهى أن يهوذا لما أخبر بأن كفته قد علقت من الزنا أفتى بإحراقها، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه، وقالت: من، رب هذين أنا حامل. فقال: صدقت منى ذلك. واعتذر بأنه لم يعرفها، ولم يعاودها. وهذا يدل على أن شريعة ذلك الزمان كانت مقتضية إحراق الزواني، وأن التوراة أتت بنسخ ذلك، وأوجبت الرجم عليهن.
следующие страницы →