← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الخطيب وإحسان إلهي ظهير وغيرهما يرى أن الاثني عشرية كلها على هذا، ومن أنكر منهم ذلك فإنكاره من قبيل التقية وليس بحقيقة. وبعد هذا نرجع إلى مصادر الشيعة المعتمدة عندها نستنطقها علّنا نعرف جلية الخبر عندها، هل ما يقال عنهم ليس بثابت عندهم؟ فلقد وجد من الطوائف ومن العلماء من افترى عليه وظلم وقيل عنه ما ليس فيه، وما ورد في كتب الفرق والمقالات نقول عن المخالف، وقد تكون تخريجات وإلزامات بعيدة عما يقتضيه المذهب، أو تكون ليست بثابتة، أو لها تأويل آخر عندهم، ولذا قبل: "إن نقل المخالف لا يعتد به" (١) . والعدل والإنصاف واجب ولازم ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (٢) ، ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣) . ما تقوله مصادر الشيعة في هذه الفرية: وقبل أن نأخذ بيد القارئ في رحلة تبدأ من نقطة الصفر من أول كتاب وضعه الشيعة وألفوه، نعرض لصوتين مختلفتين ومتعارضين، هذان الصوتان المتعارضان كان لهما - في الغالب - وجود وصدى في كل الكتب الشيعية التي تعرضت لهذه القضية، فلنستمع إليهما ليتسنى إدراك وتصور هذه المسألة عند هؤلاء حتى لا يحصل غبش في تصورها في رحلة قد تطول مراحلها بين محطات الكتب الشيعية المختلفة. يقول شيخ الشيعة في زمنه ابن بابويه القمي (ت٣٨١هـ) صاحب من لا يحضره الفقيه.. وهو واحد من أهم كتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين

стр. 212

وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.. ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" (١) . هذا قول شيخهم الملقب عندهم بالصدوق، ويشايعه في قوله هذا آخرون من شيعته. ويقول المفيد (ت٤١٣هـ) : "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الطاعنين فيه من الحذف والنقصان" (٢) . ويقول: "واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال (٣) . خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي ﷺ " (٤) . ويقول بما قاله مفيدهم - الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - طائفة من شيوخهم. هذان قولان مختلفان ومتعارضان صدرا من شيخين من شيوخهم يجمعهما وحدة الزمان والمكان، ويتفقان في الهوية المذهبية، بل إن هذا المفيد هو تلميذ لابن بابويه القمي. فمن نصدق منهما؟ وأي القولين يعبر عن مذهب الشيعة؟ ونجد أن تلميذين من تلامذة المفيد ومن أكبر شيوخ الشيعة - وهما الطوسي، وابن المرتضى - يقولان بما قاله ابن بابويه وأن مذهب أهل التحقيق من الشيعة إنكار هذه الفرية - كما سيأتي -، وكل قول من هذين القولين يؤيده جناح من الشيعة، بل يدعي حيناً أن لا قول للشيعة سواه وغيره افتراء على الشيعة وكذب.. والتعرف على الحقيقة وسط هذا الركام من الأقوال المتعارضة والمتناقضة ليس بسهل المنال.. وإذا لاحظنا أن من أركان الدين عند هؤلاء «التقية» ولادين لمن لا تقية له؛ أدركنا أن الحقيقة محجوبة بغيوم من الكذب والتزوير، وركام من التناقضات والتعارضات،

стр. 213

وعقبات من التقية والكتمان.. ولهذا سنرى في مبحث التقية أن الحقيقة التي تعبر عن مذهب الأئمة قد تخفى على شيوخ الشيعة أنفسهم فلا يعلمون أي القولين تقية، فكان هذا من أسباب ضياع مذهب الأئمة واستمرار الغلو. ولهذا سنبدأ بدراسة هذه القضية من بدايتها، والتحري في صدق الأقوال من تقيتها، بتحليل الأقوال ومقارنتها مما صدر عن صاحبها في كتبه الأخرى، وأسأل الله سبحانه أن يعصمنا من اتهام الآخرين بما ليس فيهم، وأن يجنبنا مواضع الزلل في أقوالنا وأحكامنا. وسنتناول هذه القضية الخطيرة التي يترتب على رمي الشيعة بها انفصالها عن المسلمين لمفارقتها للأصل الذي يتفقون عليه - سنتناولها فيما يلي وفق التصوير التالي: أقوم أولاً بتتبع الكتب التي شاركت في وضع هذا الكفر بين الشيعة، وأعرض لها، وأتوقف في أول الأمر لدراسة أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية، ومن الذي وضعه، ورأى شيوخ الشيعة فيه؛ لما في ذلك من أهمية في بيان جذور هذا البلاء، واكتشاف الأيدي السبئية التي شاركت في هذه الجريمة، ثم نتحدث كيف امتدت منه إلى سائر كتب الشيعة. وبعد ذلك نعرض لمضامين هذه الكتب ونصوصها المتصلة بقضية التحريف، وحجمها ووزنها عندهم، وما يقولونه في مصحف علي، وما يقال بأن عندهم مصحفاً سرياً يتداولونه فيما بينهم، وإنكار جملة من شيوخ الشيعة لهذا الكفر، وهل هذا الإنكار تقية أو حقيقة. كل ذلك نعرض له من كتب الشيعة نفسها، إلا ما جاء عرضاً في مناقشة بعض المسائل، وإن رأيت شيئاً من الإطالة في هذا المبحث فللخطورة الكبرى له، واختلاف الناس حول رمي الشيعة به - كما سلف الإشارة إلى ذلك -.

стр. 214

بداية الافتراء كما يؤخذ من كتب الشيعة: أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية هو: "كتاب سليم بن قيس (١) . الذي رواه عنه أبان بن أبي عياش (٢) ، لم يروه عنه غيره (٣) ، وهو: "أول كتاب ظهر للشيعة" كما يقول ابن النديم (٤) . وغيره. وقد أكثر الشيعة من مدحه وتوثيقه والثناء على كتابه (٥) . رغم أنني لم أجد

стр. 215

لمؤلفه ذكراً فيما رجعت إليه من مصادر (١) ، ولو صدق بعض ما تذكره الشيعة فيه لكان شيئاً مذكوراً، ولكنه لم يذكر إلا في كتب الشيعة وحدها، بل إن من متقدمي الشيعة من قال: "إن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر" (٢) . وإن كان هذا ليس بمرضي عند متأخري الشيعة. ورغم أن الكتاب يحمل أخطر آراء السبئية وهو تأليه علي ووصفه بأوصاف لا يوصف بها إلا رب العالمين (٣) . فإن كل ذلك لم يحد من مبالغات الشيعة في مدحه وتوثيقه في روايات ينسبونها لآل البيت،

стр. 216

وأقوال صدرت من كبار شيوخهم (١) . حتى اعتبروه أصلاً من أصول آل محمد وسراً من أسرارهم، رغم أنه يحمل برهان وضعه سنداً ومتناً فهو من روايات أبان وهو متروك أو ضعيف عند أهل السنة، وضعيف في كتب الرجال عند الشيعة (٢) . أيضاً، وسليم الذي يزعمون أنه مؤلف الكتاب مجهول، وقد لا يكون له وجود في إلا في خيالات الشيعة (٣) ، والكتاب مضطربة طرقه ولكنهم يقولون: "ما يتراءى من الاضطراب في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا" (٤) . وجملة من متون الكتاب تجعله في عداد الكتب الباطنية الإلحادية، ومع ذلك فقد اعتمد النقل عنه أصحاب الكتب الأربعة المعتمدة عندهم وآخرون من شيوخهم (٥) . وسجل في هذا الكتاب جملة من عقائد غلاة الشيعة. والمفاجأة في هذا الموضوع أن بعض شيوخ الشيعة أماط اللثام عن حقيقة هذا الكتاب، وكشف النقاب عن هويته؛ إذ قد رابهم شيء في هذا الكتاب فرأوا من الواجب كشفه قبل أن يقوض أساس التشيع الاثني عشري نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الذي رابهم وأشكل عليهم هو تأليه علي، أو الطعن في القرآن

стр. 217

أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الخطر الذي اكتشفوه في الكتاب: "هو أنه جعل الأئمة ثلاث عشر" وهذه طامة كبرى تهدد بنيان الاثني عشرية بالسقوط، ولاسيما أن هذا وجد في كتاب يعتبر أبجد الشيعة، وأول كتاب ظهر لهم، ولهذا كفونا مؤنة نقض هذا الكتاب. فقرر فريق منهم أن "الكتاب موضوع لا مرية فيه" (١) . وبدأوا يبينون عيوب الكتاب وأمارات وضعه فقالوا: إنه خالف التاريخ بقوله: "إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي" مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات (٢) ، كما أنه جعل الأئمة ثلاث عشر، وقالوا: بأن سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر، وأن أسانيد الكتاب مختلفة مضطربة (٣) ، واتهموا في وضع الكتاب أبان بن أبي عياش (٤) . وحدد بعض المعاصرين تاريخ وضعه فقال: إنه موضوع في آخر الدولة الأموية لغرض صحيح (٥) .- ولم يبين دليله فيما ذهب إليه - وفريق منهم عزّ عليهم - فيما يبدو - أنه يفقدوا هذا الكتاب جملة واحدة مع أنه أصل من أصولهم وعمدة لشيوخهم.. فقال هذا الفريق: "والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من كتابه" (٦) . مع أن هذا الفاسد ينقض بنيان الاثني عشرية من الأساس وذلك في جعله الأئمة ثلاثة عشر. ولهذا لم يرتض هذا القول من الدوائر الشيعية فرأى فريق منهم القيام بعمل جذري ينهي المشكلة التي أقلقتهم من أساسها فقاموا بتعديل الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي. وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: "إن ما وصل إلينا من

стр. 218

نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند الموت" (١) . وقال الحر العاملي: "والذي وصل إلينا من نسخه ليس فيه شيء فاسد، ولا شيء مما استدل به على الوضع" (٢) . وقد بحثت عن عيوب الكتاب في نظر الشيعة والتي أشار إليها الفرق الأول في طبعتين من طبعات الكتاب (٣) . فلم أجد لها ذكراً فيه، وهذا يدل على أنهم يغيرون في كتبهم ويزيدون وينقصون. ومع هذا فقد أصبح هذا الكتاب عمدة عند متأخري الشيعة كما قرره المجلسي في البحار (٤) ، والحر العاملي في الوسائل (٥) . وغيرهما. هذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية التي افترت هذه الفرية، إذ إننا نلاحظ أن الفرية بدأت من كتاب سليم بن قيس الذي اتهموا في وضعه أبان، وحدد بعضهم تاريخ وضعه بأنه في آخر الدولة الأموية. أما من تولى كبر هذا الوضع لهذه الفرية فإن بعض شيوخ الشيعة يتهم فيه أبان، وقد سبق أن ذكرنا أن الملطي يتهم فيه هشان بن الحكم، يعني أن هذه الفرية لم يكن لها وجود قبل القرن الثاني، وقد تتبعت الآراء المنسوبة لابن سبأ وطائفة السبئية فلم أجد أن هذه المقالة قد نقلت عن ابن سبأ لأنها - فيما يبدو - لم تخطر على باله لوضوح بطلانها أمام الجيل الذي عاصر التنزيل، ولأنها وسيلة سريعة لانكشاف كذبه، فلم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية. لم يقل إن الصحابة حرفوا القرآن ولكن عدل عن ذلك إلى القول: "بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" (٦) ، وهي مقالة مجملة لم يفصح فيها عن مراده، وقد يوضحها ما جاء في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (ت٩٥هـ) وهو قوله: "ومن خصومه هذه السبئية

стр. 219

التي أدركنا يقولوا (كذا) هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان نبي الله كاتماً شيئاً مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (١) . فإذن لم تكن هذه القضية من مقالات السبئية بل حدثت فيما بعد، أما من هو الذي تولى كبر وضع هذا الكفر بين الشيعة؟ فإن الإجابة الجازمة المحددة قد لا تكون ميسرة، ولا يجدي في هذا تتبع أسانيد روايات التحريف؛ لأن في أخبارها ما هو عار من السند كالروايات التي جاءت في كتاب الاحتجاج للطبرسي، ولأن مسألة الإسناد عندهم قد وجدت بعض القرائن - كما سيأتي - التي تدل على أنها صنعت متأخرة، كما أن من أساليبهم وضع الأسانيد الصحيحة لمتون مكذوبة فلا يعطي سلوك هذا المنهج نتيجة جازمة. شيوع هذه الفرية في كتب الشيعة: قد لاحظنا أن البداية - إذا أخذنا بأقوالهم - كانت بكتاب سُليم وبدأت القضية بروايتين فقط، وليس فيها الصراحة التي نجدها عند من بعده - كما سترى أثناء عرضنا لروايات التحريف بعد نهاية هذه المسألة - فكأن المسألة في كتابه لا تزال في بدايتها لم يكثر الوضع والكذب حولها، ولكنها بداية في كتاب قوبل بالرفض من بعض الشيعة؛ فهذا يعني الحكم بالموت على هذه المقالة، لولا أنه جاء في القرن الثالث من تلقف هذه الأسطورة وزاد عليها، وأرسى دعائمها الباطلة. جاء شيخهم علي بن إبراهيم القمي هو شيخ الكليني صاحب الكافي وحشا تفسيره بهذه الأسطورة (٢) . وصرح بها في مقدمة تفسيره (٣) . ولهذا قال شيخهم الكاشاني: "فإن تفسيره مملوء منه وله غلو فيه" (٤) . وكذلك قال شيخهم

стр. 220

الآخر النوري الطبرسي: "وقد صرح (يعني القمي) بهذا المعتقد في أول تفسيره وملأ كتابه من أخباره مع التزامه في أوله ألا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته" (١) . ومع أن هذا الكتاب قد ملئ بهذه الزندقة فإن كبير علماء الشيعة اليوم "الخوئي" يوثق روايات القمي كلها - كلما سلف - (٢) . ومن بعد القمي جاء تلميذه الكليني المتوفى سنة (٣٢٨هـ) أو (٣٢٩هـ) الملقب عند الشيعة بـ"ثقة الإسلام" ومؤلف أصح كتاب من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرواية عندهم. وقد روى الكليني في الكافي من أخبار هذه الأسطورة الشيء الكثير (٣) . مع أنه التزم الصحة فيما يرويه (٤) ، ولهذا قرر الكاتبون عنه عن الشيعة: "أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول كتابه أنه يثق بما رواه" (٥) . والكافي للكليني عند شيوخ الرافضة في أعلى درجات الصحة، لأن الكليني كان معاصراً للسفراء الأربعة الذين يدعون الصلة بمهديهم الغائب المنتظر، ولهذا كان التحقيق من صحة مدوناته أمر ميسوراً له لأنه يعيش معهم في بلد

стр. 221

واحد هو بغداد (١) . ولكن يلاحظ أن ابن بابويه القمي حكم بوضع ما روي في تحريف القرآن مع وجودها في الكافي الذي يصفونه بهذا الوصف، ويوثقونه هذا التوثيق. وقد رجعت إلى مرآة العقول للمجلسي فرأيته يحكم على بعض أحاديث الكافي بالضعف، ولكنه حكم على روايات في التحريف بالصحة (٢) ، وكذلك الشافي شرح أصول الكافي (٣) ، وقد صدر حديثاً كتاب اسمه: "صحيح الكافي" (٤) . وقد راجعته فوجدت صاحبه قد جرده من الروايات التي تمس كتاب الله، وليس ذلك فحسب بل حذف أبواباً بكاملها مع أحاديثها (٥) . في ذلك، كما حذف أبواباً

стр. 222

تمثل جملة من العقائد التي تنتقد فيها الشيعة (١) . وما ندري تصرفه هذا تقية أم حقيقة.. لاسيما وأنه قد حذف أحاديث كثيرة لهم قد حكم عليهم بالصحة المجلسي في مرآة العقول، وصاحب الشافي. ومن طبقة الكليني أيضاً العياشي له تفسير يسمى: "تفسير العياشي" وقد وجدت أسطورة التحريف مكانها في هذا التفسير في مواضع كثيرة ومتفرقة فيه (٢) . وهو من كتبهم المعتمدة - كما سلف (٣) .- رغم أن رواياته لا سند لها ولا زمام، وزعم صاحب البحار أن الذي حذف أسانيده أحد النساخ (٤) . ومن القرن الثالث أيضاً فرات بن إبراهيم الكوفي له تفسير يسمى: "تفسير فرات" (٥) . وقد ارتضى لنفسه أن ينقل من أخبار هذه الأسطورة (٦) . وهو من كتبهم المعتبرة (٧) . عندهم. ومن هذا القرن أيضاً محمد بن إبراهيم النعماني (٨) . روى في كتابه: "الغيبة" طائفة من الروايات في هذا الافتراء (٩) . وهو عندهم من أجلّ

стр. 223

الكتب وأثبتها (١) . ومن هذه الزمرة الحاقدة التي وجدت في هذه الفترة أبو القاسم الكوفي، وقد نسبته بعض كتب الانثي عشرية إلى الغلو (٢) ، وشهد على نفسه في كتابه: "الاستغاثة" بأنه على هذا المنهج الضال (٣) . وقد نسب له النجاشي كتاباً سماه: "التبديل والتحريف" (٤) . وقد فقد هذا الكتاب مع نظائر له، كما أشار إلى ذلك صاحب فصل الخطاب (٥) . وهو يروي عن القمي مباشرة (٦) . بعض روايات التحريف، فقد يكون تلقى عنه هذا الكفر. ومن بعد هؤلاء نرى شيخهم المفيد (ت٤١٣هـ) سجل في كتابه "أوائل المقالات" إجماع طائفته على هذا المنكر (٧) ، ونقل بعض أخباره في بعض كتبه كالإرشاد (٨) . وهو من كتبهم المعتبرة (٩) . هذا الزخم من المصنفات وغيرها لتأييد هذا الكفر وإثباته لا يشك مسلم أنه كيد زنديق حاقد على كتاب الله ودينه وأتباعه، وقد دفع هذا الفئة إليه - كما سيأتي في تحليل نصوص هذه الأسطورة ورواياتها - خلو كتاب الله مما يثبت

стр. 224

شذوذهم، وما ذهبوا إليه من عقائد ليس لها أصل في كتاب الله، وليس في مقدورهم أن يفعلوا شيئاً لتغيير بعض آيات الله، كما فعلوا في السنة المطهرة حينما دسوا بعض الروايات والتي كشفها صيارفة هذا العلم وأربابه، فلما لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمراً لأنه فوق منالهم حينئذ ادعوا أن في كتاب الله نقصاً وتغييراً - وما أسهل الدعوى على حاقد موتور -. وهي محاولة فيما يبدو لإقناع أتباعهم الذين ضجوا من خلو كتاب الله من ذكر أئمتهم وعقائدهم والتي لها تلك المكانة التي يسمعونها من رؤسائهم (١) ، فادعوا هذه الدعوى ونشط شيوخهم في القرن الثالث والرابع في الحديث عنها، ولكنهم فيما يبدو لم يحسبوا لهذه الدعوى حسابها فارتدت عليهم بأسوأ العواقب؛ فقد فضحتهم أمام الملأ وكشفت القناع عن وجوههم وأبانت عن عداوتهم ونفاقهم، وقطعت صلتهم بالإسلام والقرآن وأهل البيت. ولهذا في القرن الرابع أعلن كبير شيوخهم ابن بابويه القمي صاحب "من لا يحضره الفقيه" أحد صحاحهم الأربعة في الحديث والموصوف عندهم بـ"رئيس المحدثين" المتوفى سنة (٣٨١هـ) أعلن براءة الشيعة من هذه العقيدة (٢) ، وكذلك الشريف المرتضى المتوفى سنة (٤٣٦هـ) كان ينكر هذه المقالة، ويكفر من قال بها كما ذكر ذلك ابن حزم (٣) ، وقد نقل إنكاره أيضاً شيوخ الشيعة كالطوسي (٤) . والطبرسي (٥) ، وكذلك استنكر هذه المقالة وصلة الشيعة بها الطوسي صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم، وصاحب كتابين من كتب الرجال الأربعة المعتمدة عندهم (٦) ، وكذلك الطبرسي (٧) . صاحب "مجمع البيان".

стр. 225

وسننقل - بمشيئة الله - كلماتهم في ذلك ونقدم دراسة مقارنة لها مع ما قالوه في كتبهم الأخرى، وما قاله الشيعة في إنكارهم، ولكن رغم هذا الإنكار من هؤلاء فإن القضية ما تمت، ففي القرن السادس تولى إثارة هذه القضية مرة أخرى الطبرسي صاحب الاحتجاج فحشا كتبه الاحتجاج من هذا الكفر (١) ، وسطر مجموعة من رواياتهم في ذلك وجاء بها مجردة منكل إسناد، وزعم في مقدمة كتابه أنه لم يذكر إسناداً في أكثر رواياته لأنها محل إجماع قومه، أو مشهورة عندهم فقال: "ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناد، إما لوجود الإجماع عليه، أو موافقته لما دلت العقول إليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف" (٢) ، وقد كان هذا الطبرسي المجاهر بهذا الكفر من معاصري أبي الفضل الطبرسي صاحب مجمع البيان الذي ينكر هذه المقالة ويبرئ الشيعة منها (٣) . ويبدو أن إنكار أولئك الأربعة كان له وقعه، أو أن القضية أصبحت سرية التداول، فلم نشاهد نشاطاً ملحوظاً لبعثها وترويجها بشكل ظاهر وكبير إلا في ظل الحكم الصفوي الذي شهد إثارة لهذه الأسطورة واختراع روايات لها، وترويجها أشد مما كان في القرن الثالث، كان ذلك على يد مجموعة من شيوخ الدولة الصفوية الذين نشطوا في بعث هذا الكفر، حتى يلاحظ أن هذه الأسطورة التي بدأت بروايتين في كتاب سليم بن قيس أصبحت كما يعترف شيخهم نعمة الله

стр. 226

الجزائري أكثر من ألفي رواية (١) ، حيث إن شيوخ الدولة الصفوية كالمجسلي في بحاره (٢) ، والكاشاني في تفسير الصافي (٣) ، والبحراني في البرهان (٤) ، ونعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (٥) ، وما سواها من كتبه، وأبي الحسن الشريف في مرآة الأنوار (٦) ، والمازنداني (٧) . شارح الكافي وغيرهم تولوا نشر هذه الفرية على نطاق واسع في ظل الحكم الصفوي الذي ارتفعت فيه التقية إلى حد ما. وفي آخر القرن الثالث عشر وقعت الفضيحة الكبرى للشيعة في هذا الباب؛ فقد ألف شيخهم حسين النوري الطبرسي الذي يحظى بتعظيمهم (٨) . مؤلفاً في هذا الكفر جمع فيه كل ما لهم من "أساطير" في هذا الباب وسماه "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب" (٩) ، فأصبح هذا الكتاب عاراً على الشيعة

стр. 227

أبد الدهر، فقد جمع فيه صاحبه رواياتهم المتفرقة وأقوال شيوخهم المتناثرة لإثبات أن الشيعة برواياتها وأقوال المحققين من شيوخها تقول بهذا الكفر.. وهو يؤلف كتابه هذا لمواجه جناح من الشيعة أبى أن يهضم هذه الأسطورة، ورفض قبول هذه المقالة كما يظهر واضحاً في رده عليهم في آخر كتابه المذكور (١) . وقد كشف بهذا الكتاب ما كان خفياً وأبان ما كان مستوراً. لقد وضع "المجهر" الذي كشف ما في زوايا كتب القوم وخباياها من كيد حاقد، وعداوة مبيتة للقرآن وأهله، وقد أبان هذا الملحد المسمى بالطبرسي عن غرضه المبيت ضد كتاب الله في مقدمة كتابه فقال: "فيقول العبد المذنب المسيء حسين بن محمد تفي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه (!) : هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان، وسميته فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب.. وأودعت فيه من بدايع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني به في يوم لا ينفع مال ولا بنون" (٢) . انظر كيف تتقنع "المجوسية" بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث الذي تسعى إليه، وقد رام بعضهم أن يتستر على هذا "الهدف" فقال: "وقد يقال: إن نظره في تأليف ذلك الكتاب إلى جمع تلك الأخبار والشواذ والنوادر ولم يكن غرضه اعتقاد التحريف" (٣) ، ولكن هذه الدعوى ما تلبث أن تتلاشى بمجرد قراءة العنوان فضلاً عن المقدمة والكتاب، فلا يجدى شيئاً مثل هذا الدفاع فهي تقية مكشوفة (٤) ، هذا وبعد هذا العار الأكبر الذي كساه صاحب فصل الخطاب على الشيعة وكتبها. وبعد هذه الفضيحة والخزي قام فئة من شيوخ الشيعة المعاصرين يتبرؤون من هذه المقالة وينكرونها كالبلاغي في آلاء الرحمن (٥) ،

стр. 228

ومحسن الأمين في الشيعة بين الحقائق والأوهام (١) ، وعبد الحسين شرف الدين في أجوبة مسائل جار الله (٢) ، والخوئي في تفسيره البيان (٣) ، ومحمد حسين آل كاشف الغطا في أصل الشيعة وأصولها (٤) ، ومحمد جواد مغنية في الشيعة في الميزان (٥) ، وفي عدد من كتبه، وغيرهم، وسنتوقف في مناقشة أقوالهم في فصل: "الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم". فهل ننتهي من هذا كله إلى أن ما قاله الأشعري في المقالات من أن للشيعة في هذه المسألة أكثر من قول وأنهم لم يتفقوا على هذا الضلال هو الواقع، وأن الاثني عشرية فئتان: فئة تغلو في هذا وتشتط، وفئة تقول الحق كما ذكر ذلك بعض المنتمين لأهل السنة - كما سبق - وبعض الكاتبين من الشيعة (٦) . أو أن القول الحق هو تقية من الشيعة كما قال بذلك بعض أهل السنة كما سلف، وكما يزعمه من يقول بالتحريف من الشيعة كنعمة الله الجزائري (٧) ، هذا كله سنتناوله بالدراسة والبيان في مبحث تالٍ. مضامين روايات التحريف في كتب الشيعة: بعد ما عرضنا للكتب التي نقلت هذه الأسطورة نبدأ الآن في بيان بعض مضامينها، وصورة البداية لهذه الفرية، وكيف تطورت وبماذا انتهت. ونبدأ في ما تضمنه أول كتاب للشيعة، وأول كتاب تعرض لهذه الفرية وهو كتاب سليم بن قيس؛ حيث نجد الصورة لهذه الفرية في بدايتها فترد هذه المسألة في أثناء روايتين طويلتين يتعلقان بموضوع إمامة علي، فتذكر الراوية الأولى والتي يرويها أبان بن

стр. 229

عياش المتفق على ضعفه - كما أسلفنا - عن سليم وفيها: "أن علياً لزم بيته حتى جمعه وكان في الصحف والرقاع" (١) . واعتذر عن المسارعة إلى بيعة أبي بكر بانشغاله بجمع القرآن فقال - لما بعث إليه أبو بكر لطلب البيعة -: "إني آليت على نفسي يميناً ألا أرتدي رداءً إلا للصلاة حتى أولف القرآن وأجمعه" (٢) . ومثل هذه الدعوى وردت في بعض كتب أهل السنة ولكنها لم تثبت بسند صحيح، ولهذا قال ابن حجر: وما يروى عن علي أنه قال: "آليت ألا آخذ ردائي إلا للصلاة حتى أجمع القرآن"، فجمعه فإسناده ضعيف لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فمراده بجمعه حفظه في صدره، وما وقع في بعض طرقه: "حتى جمعته بين اللوحين" فوهم من روايه" (٣) . قال ابن حجر: "وأصح منه وهو المعتمد ما أخرجه ابن أبي داود في المصاحف بإسناد حسن عن عبد خير قال: سمعت علياً يقول: أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر - رحمة الله على أبي بكر - وهو أول من جمع كتاب الله" (٤) . هذا وتصف رواية سليم جمع علي للقرآن بأنه لم يكن كله قرآناً بل جمع "تنزيله وتأويله والناسخ والمنسوخ منه" (٥) ، وهذا رغم أنه لم يصح من أصله إلا أنه يدل على أنه ليس وفق الأصول التي أمر بها النبي ﷺ لجمع

стр. 230

القرآن، ومنها قوله: "لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن" (١) . فقد أمر النبي ﷺ بكتابة القرآن ونهى أن يكتب معه غيره خشية أن يختلط بشيء آخر، وعلى أي الأحوال فإن قصارى ما في هذه الدعوى أن يكون لعلي مصحف مثل بعض الصحابة كابن مسعود وغيره (٢) . وهذا لا يتضمن الطعن في كتاب الله سبحانه. ولكن الرواية لم تكتف بهذه الدعوى، بل قالت بأنه جاء به إلى الصحابة ودعاهم إليه فقال عمر - كما يزعمون -: "ما أغنانا بما معنا من القرآن عما تدعونا إليه" (٣) . وما دام قرآن علي المزعوم لم يكن كله قرآناً بل اشتمل على التفسير والآيات المنسوخة فإن الأصل الرجوع إلى المصحف الإمام فهو يغني عن غيره. لذا عادت هذه الزمرة التي وضعت في هذا الأسطورة لتتوسع في سبكها، وعرضها، ولعب فيها الخيال الحاقد دوره أكثر وأكثر فتحولت هذه الزيادة الأخيرة عند الطبرسي (من القرن السادس) في الاحتجاج إلى صورة أخرى كطبيعة الكذب الذي يزيد وينقص، تحولت إلى صراع بين علي وصحابة رسول الله - رضي الله عن الجميع وبرأهم الله مما يفتري المفترون -. فإذا كانت رواية سليم تقول بأنهم ردوا مصحف علي حينما جاء به لأول وهلة، فإن رواية الطبرسي تشير إلى أنهم أخذوه "فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحه فضائح القوم" (٤) . وهي هنا تقدم لنا موضوعاً من موضوعات مصحف علي وهو فضائح القوم يعني الطعن في صحابة رسول الله ﷺ ، في حين أن رواية سليم لا تتعرض لكتاب الله بطعن صريح، وهذا لا يطفئ الحقد الذي أكل قلوب هذه الزمرة الحاقدة تجاه الرعيل الأول

стр. 231

الذين فتحوا ديارهم ونشروا الإسلام بينهم، بل لا تتغذى قلوبهم الحاقدة إلا على موائد سب الصحابة، ولا ترتوي نفوسهم السوداء إلا بالطعن فيهم. وآيات القرآن التي تثني عليهم وتعلي من شأنهم هي قوارع من حديد على رؤوسهم، وشهب من نار تهوي على أفئدتهم، فكان من الطبيعي أن يدعوا مثل هذه الدعوى.. وإذا كانت رواية سليم تكتفي بما أسلفنا فإن رواية الاحتجاج تضيف إليها فصلاً جديداً يقول: "ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قارئاً للقرآن - فقال له عمر: إن علياً جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد رأينا أن نؤلف القرآن (في حين أن رواية سليم تشير إلى أن القرآن كان مجموعاً عند أبي بكر وعمر) ونسقط منه ما كان فضيحة وهتكاً للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال: فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتهم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتهم؟ فقال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله" (١) . ثم يشرح في موضع آخر محاولة القتل المزعومة وتكليف خالد بذلك وأن أبا بكر تأسف وتراجع عن هذه المؤامرة خشية عواقبها فقال وهو في الصلاة: "لا تقتله يا خالد" إلى آخر هذه المسرحية المصنوعة (٢) . ثم تواصل هذه الأسطورة فصولها فتذكر محاولة عمر لاستدراج علي وخداعه بدعوته إحضار القرآن حتى يعملوا به، وذلك محاولة عن عمر لتحريف مصحف علي، وأن علياً رفض ذلك، وأن عمر سأله متى أوان ظهوره؟ فقال: إنه سيظهر مع القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به - صلوات الله عليه - (٣) . والسؤال الذي لا تجيب عنه رواية الطبرسي، ولا كتب الشيعة الأخرى هو مادامت محاولتهم لقتل علي أخفقت، وتدبيرهم لتحريف مصحفه قد فشلت،

стр. 232

فلماذا لم يخرج علي القرآن الذي معه؟!، وإذا كان يخشى منهم لأن السلطة بأيديهم فلماذا لم يخرجه أثناء خلافته، لماذا يتسبب في بقاء الأمة تائهة حائرة، ولماذا يتستر على خيانة الخائن وتحريف المحرف، ومن أقر خائناً على خيانته كان كفاعلها؟ لم تجد هذه الزمرة ما تجيب به إلا ما قالته على لسان عالمها نعمة الله الجزائري من أنه فضّل مجاملة من سبقه على هداية الأمة (١) ، وهذا فوق أنه طعن في كتاب الله وهو من أبلغ القدح في علي - كما سبق - وأقول أيضاً: إذا كانت مجاملة علي تبلغ هذا المبلغ فلماذا لم يقتد الشيعة بإمامهم ويدعوا السب والطعن الذي سوّد صفحات المجلدات من كتبهم، فإما أن يكونوا كاذبين في اعتذارهم أو مجانبين لخطى إمامهم، وما ندري أي الأمرين يطوّح بهما أكثر من الآخر. وأعود لذكر الرواية الأخرى في كتاب سليم بن قيس وهي تشبه الرواية الأولى وتزيد عليها بسؤال وجه من طلحة ﵁ لعلي لماذا لم يخرج القرآن الذي معه؟، وسكوت علي عن الإجابة ومضيه في حديث عن أحقيته بالإمامة، ولكن طلحة يسأله مرة أخرى عن هذا فيقول: "ما أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه عن القرآن ألا تظهر للناس، قال: يا طلحة، عمداً كففت عن جوابك، قال: فأخبرني عما في كتب عمر وعثمان - كذا - أقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن، قال طلحة: بل قرآن كله. قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا، فقال طلحة: حسبي، أما إذ هو قرآن فحسبي" (٢) . فهذه الراوية عند سليم تعرض عن الطعن في كتاب الله بطريقة صريحة، بل تؤكد بأن كل ما فيه قرآن، وأن فيه بيان حق أهل البيت وفرض طاعتهم، على حين أننا نجد روايات عندهم تناقض هذا، وتقول: "لولا أنه زيد في كتاب الله

стр. 233

ونقص منه لما خفي حقنا على ذي حجى" (١) ، وتقول: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا فيه مسمين" (٢) . فهذا تطور آخر في هذه الأسطورة ينكشف من خلاله بعض الدوافع لوضعها وهي أن الأئمة الاثني عشر الذين جعلوا الإيمان بهم هو الإسلام.. وإنكار واحد منهم هو الكفر لا ذكر لهم في كتاب الله، وهذا يهدد جمعهم بالفشل وبنيانهم بالانهيار، ففزعوا يبحثون عن حيلة لمواجهة هذه المعضلة عندهم فلجؤوا إلى وسائل شتى، أخطرها هذه المقالة. هذا وفي تطور آخر بدأت هذه الأسطورة تتخذ شكلاً عملياً ويزاد في أخبارها ورواياتها على يد علي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير وتلميذه الكليني صاحب الكافي، وهذان الرجلان هما ممن أرسى دعائم هذه العقيدة الباطلة وعملا على ترويجها ونشرها والإكثار من الحديث عنها، وقد اكتملت صورة هذه الأسطورة على أيديهما فبدأت الروايات عند القمي والكليني تأخذ بهذه الأسطورة إلى مرحلة عملية فبدؤوا بإقحام كلمة "في علي" بعد أي آية فيها لفظ: "أنزل الله إليك"، "وأنزلنا إليك"، وزيادة لفظ: "آل محمد حقهم" بعد لفظ: "ظلموا" حيثما وقع في القرآن، وزيادة لفظ: "في ولاية علي" بعد لفظ: "أشركوا" حيثما جاء في القرآن، وتغيير كلمة "أمة" بكلمة أئمة حيثما وقعت. وعلى هذا المنوال نسج القوم في القرآن كله، ومن شواهد هذا ما يروي الكليني عن القمي بسنده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد "بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله (في علي) بغياً" (٣) . وكذلك يقولون: "نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد هكذا: "وإن كنتم في

стр. 234

ريب مما نزلنا (في علي) فأتوا بسورة من مثله" (١) . ويروون عن أبي عبد الله أنه قال: "نزل جبرائيل ﵇ على محمد بهذه الآية هكذا: "يا أيها الذين أتوا الكاب آمنوا بما نزلنا (في علي) نوراً مبيناً" (٢) . ويلاحظ هنا أنه خلط بين أكثر من آية (٣) . وقال القمي: "وأما ما هو محرف فمنه قوله: "لكن الله يشهد بما أنزل إليك (في علي) أنزله بعلمه والملائكة يشهدون" (٤) ، وقوله: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك (في علي) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" (٥) ، وقوله: "إن الذين كفروا وظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم" (٦) . وقوله: "وسيعلم الذين ظلموا (آل محمد حقهم) في غمرات الموت" (٧) . قال هذا القمي ومثله كثير

стр. 235

نذكره في مواضعه (١) ، وقد حشى كتابه بهذا الكفر كما وعد (٢) . وعلى نفس النسق الذي أشرنا إليه. كما تزيد رواية أخرى له على قوله سبحانه: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ (٣) . تزيد كالعادة عبارة "آل محمد" (٤) . ويروي هذا القمي أيضاً عن أبي عبد الله أنه قرأ عنده قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٥) . قال أبو عبد الله: "خير أمة" يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ﵈؟ فقال القارئ: جعلت فداك كيف نزلت؟ قال: نزلت (كنتم خير أئمة أخرجت للناس) ، ألا ترى مدح الله لهم ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ " (٦) . وهذا يعني أن الأمة بما فيها الشيعة لا خير فيها ماعدا الأئمة الاثني عشر. كما يلاحظ أن رواياتهم في تأويل القرآن، أثبتت الأمة، وأولتها بالأئمة - كما سلف - وروايات التحريف زعمت أن الأصل الأئمة لا الأمة أليس هذا تناقضاً؟! ويروي الكليني عن الرضا في قول الله : ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ (يزيدون) بولاية علي ﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (٧) . (يزيدون) يا محمد من ولاية علي، هكذا في الكتاب مخطوطة (٨) ، وفي قول الله : ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ (٩) . (يزيدون) : يا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية

стр. 236

علي ﵇ والأئمة من بعده، من هو في ضلال مبين. ثم يؤكدون هذا التحريف والكفر بقولهم: "هكذا نزلت" (١) ، وفي قوله سبحانه: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (يزيدون) : (بتركهم ولاية أمير المؤمنين ﵇ عذاباً شديداً في الدنيا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (٢) . والأمثلة في هذه كثيرة. وإذا قارنت بين ما جاء في تفسير القمي والكافي من هذه الروايات، وبين ما ذكره شيوخهم المتأخرون كالمجلسي والجزائري، والنوري الطبرسي منها، لاحظت أن روايات التحريف زادت عند المتأخرين بشكل ملحوظ مما يدل على أن العمل يجري في كل فترة على الزيادة في هذه المفتريات. وهذه "الإضافات" التي تزعم الشيعة نقصها من كتاب الله ألا يلاحظ القارئ العربي أن السياق لا يتقبلها، وأنها مقحمة إقحاماً بلا أدنى مناسبة، ولذلك يكاد النص يلفظها، وأنها من وضع أعجمي لا صلة له بلغة العرب، ولا معرفة له بأساليب العربية، ولا ذوق له في اختيار الألفاظ، وإدراك المعاني. إن الكلمات المفتراة التي قدمها أولئك المفترون أمثلة للآيات الساقطة بزعمهم، قد كشفت القناع عن كفرهم، كما أنها فضحت كذبهم، وكشف افتراءهم، فهي محاولات أشبه بمحاولات مسيلمة الكذاب في تقليد القرآن العظيم، كما ترى ذلك في الأمثلة التي قدمناها، وكما تراه في الألف مثال أو أكثر، والذي قدمها صاحب فصل الخطاب (٣) . وتكفي فصاحة القرآن وإعجازه البلاغي الذي سحر أساتذة البيان وفرسان العربية وأعياهم وأعجزهم أن يأتوا بسورة من مثله أو آية من مثله يكفي في كشف هذه المفتريات والأكاذيب، بل إن أغلب هذه المفتريات تنزل على مستوى أداء الإنسان العادي، وبها يتبين عظمة القرآن وسحره،

стр. 237

فلولا المر ما عرف طعم الحلو، ولولا الملوحة ما تبين طعم العذوبة، وبضدها تتميز الأشياء، ولذلك فهي ناطقة بذاتها على كذب واضعيها بغض النظر عن البراهين والأدلة الأخرى على حفظ القرآن وسلامته. إن هذه المحاولات الغبية لإقحام كلام البشر في كلام الله عملت شرذمة من هذه الطائفة قروناً متواصلةً.. عملت جاهد لإيجاد أكبر قدر ممكن منها، وهناك أمثلة عديدة لهذه المحاولات - بالإضافة لما مضى- ذكر المجلسي جزءاً منها في باب عقده بعنوان (باب التحريف في الآيات التي هي خلاف ما أنزل الله مما رواه مشايخنا..) (١) ، كما أن كتب التفسير عندهم حوت من هذا الغثاء الشيء الكثير - كما أشرنا من قبل (٢) .- وجمعها كلها صاحب فصل الخطاب (٣) . وعدّ الرافضة هذه المفتريات جزءاً مما سقط من كتاب الله، فقد روى الكليني في الكافي "أن القرآن الذي جاء به جبرائيل إلى محمد (ص) وآله وسلم سبعة عشر ألف آية" (٤) ، وآيات القرآن - كما هو معروف - لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلاً، فهذا يقتضي سقوط ما يقارب ثلثي القرآن، فما أعظم هذا الافتراء! وهذه الرواية وردت في الكافي أصح كتاب عندهم، ولكن من الشيعة من يقول: ليس كل ما في الكافي صحيحاً (٥) . وإذا حملنا مثل هذا القول على الحقيقة لا على التقية، وإذا تجاوزنا ما يلاحظ على الإسناد عندهم، وما يلاحظ على ضوابط وأصول التصحيح والتضعيف لديهم، وما يرى من اختلافهم في هذا الشأن

стр. 238

واضطرابهم فيه (١) ، وأن الحكم بالضعف قد يكون على الإسناد فقط حيث قالوا: "إن أكثر أحاديث الأصول في الكافي غير صحيحة الإسناد ولكنها معتمدة لاعتبار متونها، وموافقتها للعقائد الحقة ولا ينظر في مثلها إلى الإسناد" (٢) ، إذا تجاوزنا ذلك كله وذهبنا نبتغي الإجابة من شيوخهم عن صحة إسناد هذه الرواية وذلك لنكون أكثر حيدة من قيامنا بمثل هذا عن طريق النظر في الإسناد على ضوء كتب "الرجال" عندهم - نجد أن شيخهم المجلسي يقول عن الرواية السابقة: "فالخبر صحيح" (٣) . وشهادة المجلسي هذا في غاية الاعتبار عندهم، لأنه "الشارح المتتبع للكافي الذي بين صحيحه من ضعيفه" (٤) . وإذا أردنا شهادة من شيوخهم المعاصرين على صحة هذه الرواية عندهم فإننا نجد شيخهم عبد الحسين المظفر يقول: "إنه موثق كالصحيح" (٥) . ومن الإنصاف أن نذكر بأن صاحب "صحيح الكافي" وهو من شيوخهم المعاصرين - أيضاً - قد أغفل ذكر هذه الرواية (٦) . فهل يعني إغفاله لها أنها ليست بصحيحة في نظره؟ هذا ما يظهر من صنيعه حسب منهجه الذي ألمح إليه في مقدمة كتابه، وقد يسلك مثل هذا العمل وأكثر وهو غير صادق بحكم عقيدة التقية عندهم، حتى قال أحد شيوخهم المعاصرين: "لكل مجتهد إمامي أن يرفض أي حديث لا يرتضيه في الكافي وغيره ويأخذ بحديث موجود في البخاري ومسلم، ولا يحق لأحد أن يحتج عليه من وجهة دينية أو مذهبية" (٧) ، لأن التقية تسمح له بذلك

стр. 239

وإلا فالحقيقة غير هذا، ولهذا فإن شيخهم المجلسي يعقد باباً بعنوان: "الباب الثامن والعشرون ما ترويه العامة (أهل السنة) من أخبار الرسول صلى الله عليه وآله، وأن الصحيح من ذلك عندهم (يعني شيعته) والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين إلا في حالة الاحتجاج عليهم من كتبهم" (١) . هذا عن صحة الرواية عندهم، أما عن معنى الرواية المذكورة عندهم فقد قال "المازندراني" (٢) . شارح الكافي: "إن القرآن ستة آلاف وخمسمائة" (٣) . والزائد على ذلك مما سقط بالتحريف" (٤) . وقال المجلسي: "إن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره" (٥) . هذا قول شيوخ الدولة الصفوية في تفسير هذه الرواية، والذين ساروا في التشيع أشواطاً حثيثة في الغلو، وبلغوا بها "الأوج" في ذلك، ولعلك تعجب إذا قارنت هذه التفسيرات لهذه الأسطورة والتي تجسم هذا الكفر وتنشر هذا الغلو عن شيوخ وجدوا في القرن الثاني إبان الحكم الصفوي، إذا قارنت هذه التفسيرات بما قاله ابن بابويه القمي من القرن الرابع الهجري عن هذه الرواية في كتابه "الاعتقادات" وهو بشهادة شيوخهم المعاصرين "من الكتب المعتبرة الموثقة" (٦) . عندهم، حيث قال: ".. إنه قد نزل من الوحي الذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبعة عشرة ألف آية، وذلك مثل قول جبرائيل.. عش ما شئت فإنك ميت، وأحب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت

стр. 240

فإنك ملاقيه.." (١) . ثم ذكر طائفة من أمثال هذه الأقوال. فانظر إلى هذا الاختلاف والتباين بين نص الكليني، ونص ابن بابويه، هذا يقول: "نزل من الوحي الذي ليس بقرآن" وذاك يقول: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل.." أي إن ابن بابويه يقول: إن النقص في غير القرآن، والكليني يصرح بأن النقص في القرآن، ولذلك جاء تفسير المجلسي والمازندراني للرواية بما يتمشى مع ظاهر النص الإلحادي، بينما نلاحظ أن ابن بابويه حمل زيادة العدد المذكور في الرواية عن عدد آيات القرآن حمل ذلك على الأحاديث القدسية؛ لأن ذلك يمكن أن يتمشى مع ظاهر القول الذي ذكره، ولكن الجميع جبن عن رد الرواية وتكذيبها. وأقول: هل لرواية الكليني وجهٌ يمكن قبوله خلافاً لما يراه ويفتريه المجلسي والمازندراني وأضرابهما؟ لعله من الممكن لو كان لهؤلاء إرادة خير لمذهبهم وأتباعهم أن يحملوا ما زاد عن عدد آيات القرآن مما ذكرته الرواية أن يحملوا ذلك على منسوخ التلاوة إذا لم يكن لديهم الشجاعة على رد هذه الرواية وأمثالها، إذ لابد من تأويلها وأمثالها بنحو من الاعتبار وإلا فليضرب بها الجدار. ثم إني رأيت صاحب الوافي ذكر هذا التأويل للرواية، حيث قال بعد ذكره لبعض الاحتمالات التي تؤيد ذلك الكفر قال بعد ذلك: "أو يكون - أي العد والزائد عما في القرآن - مما نسخ تلاوته" (٢) . ولكن شيخ الشيعة اليوم "الخوئي" (٣) . ومرجعها الأكبر - وهو يتظاهر بالدفاع عن القرآن - يرى أن القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف (٤) ، وكأنه أراد أن يوصد هذا الباب، ويرد هذه

стр. 241

القاعدة الثابتة ليثبت بطريق ملتو عقيدة في نفسه يكاد يخفيها.. والفرق واضح بين النسخ والتحريف، فالتحريف من صنع البشر وقد ذم الله فاعله، والنسخ من الله. قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (١) . وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال. وإذا كانت رواية الكليني تذهب إلى سقوط قرابة الثلثين فيعني هذا أنه لم يبق لدينا من كتاب الله إلا ما يتجاوزك الثلث بقليل، وإذا عرضنا روايته الأخرى التي تقول: "نزل القرآن أثلاثاً، ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام" (٢) . فأي الأثلاث الذي بقي لنا في نظرهم؟ أثلث السنن والأمثال أم ثلث الفرائض والأحكام؛ إذ لا ريب عند هذه الزمرة الملحدة إن ثلث الأولياء والأعداء قد أسقط لأنهم قالوا: "لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مسمين"، وهو بيت القصيد والهدف الظاهر من كل هذه المحاولات. ومعنى هذا أن الأمة ضائعة كل هذه القرون الطويلة.. منذ وفاة النبي ﷺ ليس معها سوى ثلث كتابها.. والأئمة تقف موقف المتفرج.. لديها القرآن الكامل - كما يزعمون - ولا تبلغه للأمة، لتتركها أسيرة ضلالها، لا تعرف وليها من عدوها، وتعدهم بظهوره مع منتظرهم، وتمر آلاف السنين ولا غائب يعود، ولا مصحف يظهر، فإن كانت الأمة تهتدي بدونه فما فائدة ظهوره مع المنتظر، وإن كان أساساً في هدايتها فلماذا يحول الأئمة بينه وبين الأمة، لتبقى الأمة في نظر هؤلاء حائرة ضالة تائهة، وهل أنزل الله سبحانه كتابه ليبقى أسيراً مع المنتظر لا سبيل للأمة للوصول إليه؟ مع أن الله سبحانه لم يترك حفظ كتابه لا لنبي معصوم ولا لمنتظر موهوم، بل تكفل بحفظه سبحانه. تقول رواياتهم - كما تقدم - بأن علياً لم يستطع إخراجه خشية تحريفه، وهذا

стр. 242

يعني أن الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس كتب عليها الشقاء والضلال لا يستثنى من ذلك إلا أصحاب المنتظر، لأنها ستبقى في معزل عن مصدر هدايتها، وأصل سعادتها وخيرها. مع أن الأئمة يملكون من وسائل التبليغ ما لا يملكه حتى الأنبياء، فعلي بزعمهم يملك قدرات خارقة وكان بإمكانه بهذه القدرات نشر القرآن الكامل. فقد قال المجلسي في الباب الذي عقده بعنوان باب "جوامع معجزاته ﵁": "إن علياً مر برجل يخبط: هو هو، فقال: يا شاب، لو قرأت القرآن لكان خيراً لك. فقال: إني لا أحسنه ولوددت أن أحسن منه شيئاً. فقال: ادن مني، فدنا منه فتكلم بشيء خفي، فصور الله القرآن كله في قلبه فحفظه كله" (١) . فإذن علي يستطيع إبلاغ القرآن بهذه الطريقة "السحرية" إلى كل من يريد، ويستطيع أن يتخذ كل التدابير الكفيلة بمنع أي محاولة ضده، لأنه كما تقول أبواب الكافي: "يعلم ما كان وما يكون ولا يخفي عليه الشيء" (٢) ، كما أن الوصول إلى قتله بغير رضاه واختياره أمر ممتنع، لأن الأئمة كما تقول أبواب الكافي أيضاً: "يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيارهم" (٣) . فلماذا لم يفعل؟ ! جاء في بعض رواياتهم أن أمير المؤمنين قال: "لو ثني لي الوسادة وعرف لي حقي لأخرجت لهم مصحفاً كتبته وأملاه علي رسول الله ﷺ " (٤) . ونقف أولاً عند قوله: "لو ثني لي الوسادة" وهذا كناية عن توليه الحكم - كما قرره المجلسي (٥) .- فكيف لم يخرج ما عنده بعد توليه الخلافة وهو يعد بهذا أم

стр. 243

قد أخلف وعده كما يفتري واضح هذه "الأساطير"؟!. ثم قوله: "وعرف لي حقي" كيف يعرف حقه ومصدر هذه المعرفة لم يظهر للناس؟ أما قوله: "أملاه علي رسول الله" فهذا يناقض أساطيرهم الأخرى التي تقول: إن الجمع تم بعد وفاة الرسول ﷺ . والحقيقة أن كل هذه النصوص حول هذه الفرية هي من أبلغ الطعون في أهل البيت، ولا يبلغ مفتر ضد أهل البيت مبلغ هذه المفتريات، حتى لقد صدق فيهم قول إمامهم - كما تعترف بذلك كتبهم -: "لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا" (١) . ومن أعجب الروايات لهذه الأسطورة أن عمالمهم في القرن السادس "الطبرسي" في كتابه "الاحتجاج" جعل القول بهذه الفرية هي الإجابة المقنعة من أمير المؤمنين علي على اعتراض أحد الزنادقة، فقد روى في كتابه الاحتجاج وهو من كتبهم المعتبرة - كما قدمنا - أن عليا قال لأحد الزنادقة في محاورة طويلة منها " ... إن الكناية عن أسماء الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وأنها من فعل المغيرين والمبدلين. وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الائتمار لهم، والرضا بهم.. فلأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) . فحسبك من الجواب عن هذا الموضوع ما سمعت، فإن شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه. وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ

стр. 244

وَجْهَهُ﴾ (١) . فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبق الوجه، هو أجل وأعظم من ذلك، إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٢) . ففصل بين خلقه ووجه. وأما ظهورك على تناكر قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٣) ، وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين (٤) . القول في اليتامى، وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن، وهذا وما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر والتأمل، ووجد المعطلون وأهل الملل المخالفة للإسلام مساغاً إلى القدح في القرآن، ولو شرحت لك كل مما أسقط وحرّف وبدّل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء" (٥) . هذا النص رغم طوله هو جزء من محاورة طويلة يزعم صاحب الاحتجاج أنها جرت بين أمير المؤمنين علي، وزنديق من الزنادقة، وأن علياً يناظره ويحاول أن يهديه إلى الحق، فهل يمكن أن يكون أحد أشد زندقة، ممن يقول في كتاب الله سبحانه وصحابة رسول الله مثل هذا القول، وهل يبلغ كيد حاقد أكثر من هذا..؟ يقول موسى جار الله: "هل يجد أشد الناس عداوة مساغاً أَهْدَم للقرآن وأهْدَم للدين من مثل هذا القول الذي يسنده شيوخ الشيعة إلى أمير المؤمنين علي" (٦) .

стр. 245

ولاحظ في هذه الرواية ذلك الحقد الأسود ضد خير جيل عرفته البشرية ضد صحابة رسول الهدى ﷺ حيث كنّت عنهم هذه الرواية بأنهم: "أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين" لأن تلك الزمرة الحاقدة التي قد أكل الغيظ قلوبها، وملأ الحقد نفوسها ضد ذلك الجيل القرآني الفريد، لم تجد في كتاب الله ما يطفئ هذا الحقد فقالت: بأن القرآن مليء بأسماء المنافقين - وتعني بهم صحابة رسول الله - وإسقاطهم من فعل المبدلين. ورواياتهم في هذا الاتجاه كثيرة. ثم تقول تلك الرواية إنه لا يسوغ التصريح بأسماء المبدلين بسبب التقية مع أنه في نفس الكتاب رواية تقول بأن الذين غيّروا - بزعمهم - هم: أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت (١) ، وشيخهم النوري الطبرسي يزيد آخرين فيقول: "والذين باشروا هذا الأمر الجسيم هم أصحاب الصحيفة أبو بكر وعمر وعثمان أبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، واستعانوا بزيد بن ثابت" (٢) . هؤلاء هم رواد الفتح الإسلامي، والطليعة من الرعيل الأول الذين بنوا حضارة لم تعرف لها الدنيا مثيلاً، فهم قذى في عيون هؤلاء، وشجى في حلوقهم، فلهذا خصتهم هذه الزمرة بهذا الافتراء. ثم تقول هذه الأسطورة: ولا يسوغ بحكم التقية الزيادة في آيات القرآن. هل يعني هذا أن الخوف هو الذي قعد بهم عن إخراج مصحف مفترى وأنه لولا الخوف لفعلوا مثل هذا، وأنه يحتمل عند ارتفاع الخوف أن يفعلوا ذلك ويجاهروا به، ومع وجود الخوف قد يكون موضع التداول السري بينهم..؟! لكن صاحب فصل الخطاب قدّم من كتب قومه أكثر من ألف "شاهد" زعم أنها آيات من كتاب الله أسقطت، واثبت تواطؤ معظم كتب الشيعة المعتمدة

стр. 246

على هذا، وسجل بهذا أكبر فضيحة لقومه، وكشف أكبر جريمة ارتكبتها طائفته، فهل ارتفعت التقية، مع أن في نصوصهم أن التقية ملازمة لهم حتى رجعة مهديهم (١) ، أو هو قد خالف بهذا وصية إمامه، وخطة قومه؟ إنها أوهام يضرب بعضها بعضاً، وسيأتي بعد قليل تحقيق القول في هل للشيعة مصحف سري متداول؟ ثم تذكر رواية الاحتجاج بأن علياً واصل حديثه مع الزنديق وقال بأنه بسبب ظروف التقية لا يستطيع أن يصرح بأكثر من هذا لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل. فمعنى هذا أن الخطاب مع الزنادقة ترتفع فيه التقية، وتتم فيه المصارحة بالكفر، وأما مع المؤمنين فالتقية واجبة، فهل تريد هذه الفئة أن تجعل أمير المؤمنين من حزب هذا الزنديق يتقى صحابة رسول الله ويصارح بأمر كتاب الله الزنادقة الملحدين؟! وبعد هذا التصريح بالكفر يقول: إن الزيادة على هذا فيه تقوية لحجج أهل التعطيل، إذا كان المراد بأهل التعطيل هم أهل الإيمان من الصحب الكرام، ومن تبعهم، فلا شك أن هذا يكفي لكشف ما عليه هذه الزمرة الحاقدة، وإن كانت الأخرى فكيف يكون الكفر بكتاب الله إذن؟! ثم تزعم هذه "الزمرة" أن علياً قال للزنديق بأنه لا يستطيع أن يعلن ذلك ويفصله "لأن الصبر على ولاة الأمر مفروض.." إن مذهب الشيعة قائم على إنكار إمامة ما سوى الاثني عشر. وهذا النص يثبت بأن هناك ولاة أمر غيرهم مفروضة طاعتهم، وهذا ينقض المذهب من أصله، ويكشف أن الوضع والافتراء لا محالة له من التناقض والاختلاف. ومن أعظم الافتراء على أمير المؤمنين علي القول بأنه يطيع غيره في معصية الله، ويرى أن هذا الأمر مفروض!! ومن المعلوم في الإسلام أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا

стр. 247

تُطِعْهُمَا﴾ (١) . وهؤلاء يزعمون أن علياً وافقهم وأطاعهم في تغيير القرآن بحكم شريعة التقية، وهذا سب لعلي وتكفير له قبل أن يكون ذلك لأصحاب رسول الله ﷺ ، ومن هنا ندرك أن هؤلاء أعداء لأهل البيت قبل أن يكونوا أعداء لسائر المسلمين. ولاحظ كيف يستدل على طاعة الحاكم في الكفر بقوله سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ﴾ فهذا يدل على أن واضع هذا النص من الجهلة؛ لأن هذه الآية تأمر بخلاف ما يدعو إليه تماماً، ونسبة هذا الاستدلال لعلي تجهيل له وافتراء عليه. ويظهر من قوله: "وأما قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ فإنما نزلت كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء ويبقى الوجه.. إلخ" (٢) . يظهر من النص أن واضعه أعجمي لا صله له بلغة العرب، ولا معرفة له بدلالات ألفاظها.. أو زنديق يتجاهل. ثم زعم صاحب الاحتجاج أن علياً قال للزنديق بأنه "سقط أكثر من ثلث القرآن في موضع من سورة النساء، وأنه لو شرح كل ما أسقط وحرّف وبدّل مما يجري هذا المجرى لطال، وظهر ما تمنع التقية إظهاره"، وهذا من أعظم الكذب على أمير المؤمنين، بدليل أنه لم يعلن في مدة خلافته على المسلمين هذا الثلث الساقط من القرآن، ولم يأمر المسلمين بإثباته والاهتداء بهديه والعمل بأحكامه. فهؤلاء الذين يدعون التشيع لأمير المؤمنين، وينسبون له هذه الأباطيل هم بهذا أشد عداوة لأمير المؤمنين من النصاب، لأنهم ينسبون له الرضا بالكفر والإقرار به. وهم كلما أعيتهم الحيلة لإثبات الحجة لجأوا إلى التقية، فهو هنا يستر عجزه

стр. 248

عن شرح ما أسقِط وبُدّل، بالتعلق بالتقية، وهي حيلة مكشوفة، وفرار من المواجهة، ثم إن غيره ممن حاول أن يقدم شيئاً من النموذج الساقط بزعمه افتضح أمره، وانكشف كيده، لأن هذا "النموذج" بالنسبة لآيات القرآن أشبه ما يكون بعبث الصبيان ولعب الأطفال، وأنى لهم أن يصلوا إلى شيء من محاكاة القرآن العظيم. هذا وما دامت شريعة هذه الزمرة تخص الزنادقة بهذه المقالات الملحدة حلول كتاب الله كما في الرواية السابقة، فهل نصدق ما قيل بأن عند المستشرق "براين" مصحفاً إيرانياً فيه زيادات على كتاب الله، ومن هذه الزيادات "سورة" يسمونها "الولاية" (١) . وهذا يعني أن عند هؤلاء القوم مصاحف سرية يتداولونها. هل لدى الشيعة مصحف سري يتداولونه ؟ هل عند الشيعة مصحف يحوي كل هذه المتفريات وتكون فيه قراءة الشيعة عوضاً عن كتاب الله سبحانه؟ ماذا تقول أساطيرهم، وماذا يقول واقعهم بهذا الخصوص؟ هل قول الشيخ محب الدين الخطيب بأن "للشيعة مصاحف خاصة تختلف عن المصحف المتداول.." (٢) . هل هذا واقع؟ وقد نشر محب الدين صورة "لسورة مفتراة" يسمونها سورة "الولاية" (٣) . وقال بأنها مصورة من مصحف إيراني مخطوط عند المستشرق مستر براين (٤) ، وقبل ذلك أثبتها شيخ الرافضة في كتابه "فصل الخطاب" (٥) . ومن قبل قال صاحب تكفير الشيعة: إنهم أحدثوا

стр. 249

مصحفاً - كما سلف -، فعل للشيعة مصحف سري يتداولونه كما يقول هؤلاء؟ سأجيب من خلال استقراء نصوصهم وأقوال شيوخهم.. فأقول: لقد جاءت نصوص عندهم تأمرهم بالعمل بالقرآن ريثما يخرج مصحفهم مع إمامهم المنتظر. قال الكليني في الكافي ما نصه: ".. عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن ﵁ قال: قلت: جعلت فداك إنا نسمع الآيات في القرآن، ليس هي عندنا كما نسمعها، ولا نحسن أن نقرأها كما بغلنا عنكم، فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم" (١) . ومن هذا النص نأخذ أنهم فيما بينهم يتلون مفترياتهم كما يدل عليه قوله: "كما نسمعها"، "كما بلغنا عنكم" (٢) ، ثم إنهم اشتكوا أنهم لا يحسنون قراءة ما يسمعون أو ما يبلغهم فوعدهم إمامهم بأنه سيأتيهم من يعلمهم، وهذا الوعد كان في عهد إمامهم أبي الحسن - كما يفترون -. وعبارة "سيأتيكم" توحي بأن هذا المعلّم سيأتي هؤلاء الذين لا يحسنون القراءة، ولكن هذا المعلّم لم يأت ومرّ ذلك الجيل ومرت بعده قرون متطاولة.. وقد فسر شيوخ الشيعة فيما بعد المقصودَ بالمعلم بأنهم مهديهم المنتظر (٣) . والشيعة مأمورة بقراءة القرآن، وانتظر ما يأتي به منتظرهم وعدم قراءة تلك المفتريات لأنهم لا يحسنون قراءتها كما يدل النص المذكور، وبالتالي لا تجعل

стр. 250

في مصحف متداول بينهم، هذا ما تدل عليه رواية الكافي. ويقول مفيدهم: "إن الخبر قد صح من أئمتنا - عيلهم السلام - أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين، وأن لا نتعداه، بلا زيادة فيه ولا نقصان منه، حتى يقوم القائم ﵇ فيقرأ الناس القرآن على ما أنزله الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين ﵇" (١) . وقال شيخهم نعمة الله الجزائري: "قد روي في الأخبار أنهم ﵈ أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء، ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه" (٢) . فمادام الأمر كذلك، لماذا تروى عن كل إمام طائفة من الزيادات على كتاب الله؟ ثم ما دام قد غير كيف يصبح العمل به؟! وهذه النصوص التي تدعو إلى العمل بالقرآن يكاد يقابلها نصوص أخرى تدعو بأسلوب "مقنع" وغير صريح إلى إهمال حفظ القرآن لأنه مغير - بزعمهم - ومن حفظه على تحريفه يصعب عليه حفظه إذا جاء به منتظرهم. فقد روى مفيدهم بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر أنه قال: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط، ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله ، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف (٣) . هذه الرواية لمفيدهم الذي يقدسونه ويعظمونه حتى زعموا أنه فوق مستوى البشر، لأن إمامهم المنتظر خاطبه بالأخ السديد والمولى الرشيد (٤) .
следующие страницы →