وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، وفيه ما يتحاج الناس؛ حتى إن فيه الجلدة، ونصف الجلدة، وثلث الجلدة، وربع الجلدة، وأرش الخدش" (١) .
النقد:
هذا، ونكتفي بهذا لقدر من المصادر الوهمية التي تزعمها الرافضة، والتي يغني في بيان فسادها مجرد عرضها وتصورها.. والتي لو كان شيء منها موجوداً لتغير وجه التاريخ، ولما عجز الأئمة - حسب منطق الروافض - عن الوصول إلى سدة الحكم، ولما عصفت بهن المحن، ومات كل واحد منهم مقتولاً أو مسموماً - كما يزعمون -، ولما غاب غائبهم في سردابه، وظل مختفياً قابعًا في مكمنه خوف القتل!! وهذه المزاعم الخطيرة التي دونها الروافض في المعتمد من كتبهم تحمل أمورًا خطيرة:
تحمل دعوى استمرار الوحي الإلهي، وهو باطل.. قامت الأدلة النقلية والعقلية على بطلانه، وأجمع المسلمون على أن "الوحي قد انقطع منذ مات النبي ﷺ ، والوحي لا يكون إلا لنبي، وقد قال الله سبحانه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) . وقد جاء في نهج البلاغة عن علي قال في حق رسول الله ﷺ : "أرسله على حين فترة من الرسل.. فقفّى به الرسل، وختم به الوحي" (٣) .
فهذا قد يدل على أن هذه الدعاوي التي مضى عرضها من صنيع شيوخ الشيعة المتأخرين، وقد لوحظ - كما سلف - أن مفيدهم (ت٤١٣هـ) يكفر من يذهب إلى القول بنسبة الوحي لغير الأنبياء.
ثم هي تدعي أن الدين لم يكمل وهي مخالفة صريحة لقول الله سبحانه:
стр. 317
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..﴾ (١) ، كما تزعم بأن رسول الهدى ﷺ لم يبلغ جميع ماأنزل إليه، وأنه لم يتمثل أمر ربه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) . وهذا إزراء بحق رسول الله، ولهذا وجد من فرق الشيعة من يقع في رسول الله (٣) .
وقد بلَّغ النبي ﷺ البلاغ المبين، وبيَّن الدين، وأقام الحجة على العالمين، وأعلن ذلك بين المسلمين، ولم يسر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٤) . فهو بيان للناس وليس لفئة معينة من أهل البيت، وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ (٥) ، وقال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ (٦) .
"فالدين قد تم وكمل لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل" (٧) . لا من إمام مزعوم، ولا من غائب موهوم.
وقد ودع المصطفى الدنيا بعد أن بلغ الدين كله وبين جميعه كما أمره ربه، وأعلم بذلك المسلمين أجمع "فلا سر في الدين عند أحد" (٨) .
قال ﷺ : "تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي
стр. 318
إلا هالك" (١) .
قال أبو الدرداء ﵁: "صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء (٢) .
وقال أبو ذر ﵁: "لقد تركنا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً" (٣) . وقال عمر ﵁: "قام فينا رسول الله مقاماً فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" (٤) .
وقال الإمام الشافعي: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (٥) ، بل قال جعفر الصادق - كما تنقل كتب الشيعة نفسها -: "إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن؟ إلا وقد أنزل الله فيه" (٦) ، فكل ما تنسبه الشيعة بعد هذا كذب.
والرافضة ليست على شيء في مخالفتها في هذا الأصل العظيم الذي "هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصاماً بهذا الأصل كان أولى بالحق علماً وعملاً" (٧) .
стр. 319
وأين هذه "المصادر" اليوم؟ وماذا ينتظر "منتظرهم" حتى يخرج بها إلى الناس؟ وهل الناس بحاجة إليها في دينهم؟ فإن كان الناس بحاجة فلم تبقى الأمة منذ اختفاء الإمام "المزعوم" منذ أكثر من أحد عشر قرناً بعيدة عن مصدر هدايتها؟ وما ذنب كل هذه الأجيال المتعاقبة لتحرم من هذه "الفيوضات" والكنوز؟!
وإن لم تكن الأمة في حاجة إليها فلم كل هذه الدعاوى، ولم يصرف هؤلاء الشيعة عن مصدر هدايتهم وهو كتاب الله وسنة نبيه؟!
إن الحق الذي لا ريب فيه أن الله أكمل لنا ديننا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ..﴾ وكل دعوى بعد ذلك فهي باطل من القول وزور.
وكل هذه الدعاوى أرادت منها هذه الزمرة إثبات ما تزعمه في الأئمة.. فزادت وغلت في ذلك.. فانكشف بذلك أمرها.. والشيء إذا تجاوز حده انقلب إلى ضده.
ولو كان عند علي مثل هذه العلوم.. لأخرجها للناس أيام خلافته، ولرواها عنه أئمة أهل السنة ولم يختص بها شرذمة من الرافضة.
بل إن هذه الدعاوى وجد لها أصل في عهد أمير المؤمنين وتولى كبرها بعض العناصر السبئية، كما جاء في رسالة الإرجاء للحسن بن محمد بن الحنفية - كما سلف -، وقد نفى أمير المؤمنين علي هذه المزاعم نفياً قاطعاً، وأعلن ذلك للمسلمين، ونفى أن يكون عندهم شيء أسره الرسول لهم واختصوا به دون المسلمين.. وأقسم على ذلك قسماً مؤكداً، وكأنه ﵁ خشي أن يأتي من يقول بأن هذا الإنكار تقية، فأقسم على نفي ذلك ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة، وهذا من فراسة الرعيل الأول ببركة صحبة النبي والتلقي عنه والجهاد معه.. وقد جاء الحديث عن علي في نفي تلك المزاعم في الصحاح والسنن والمسانيد (١) .
стр. 320
وقد وقفت على هذا النص في بعض كتب الشيعة، فقد جاء في تفسير الصافي: "أنه ﵇ سئل هل عندكم من رسول الله ﵌ شيء من الوحي سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطى العبد فهماً في كتابه" (١) .
ثم تطورت هذه المزاعم وكثرت في عصر جعفر الصادق وأبيه - رحمهما الله - وكان لكل اتجاه شيعي نصيبه من هذه المزاعم، ولكن الاثني عشرية استوعبت كل ما عند هذه الفرق وزادت عليها على مر السنين، وقد أشار شيخ السلام ابن تيمية إلى هذا الاتجاه عند الشيعة في نسبة هذه الأوهام كالجفر ونحوه لبعض أهل البيت ولم يحدد فرقة الاثني عشرية بذاتها إلا أنه نسب القول بأن علياً أعطي علماً باطناً مخالفاً للظاهر نسب ذلك إلى القرامطة الباطنية (٢) ، كما نسب القول بأن علياً يعلم المستقبلات إلى الغلاة من الشيعة (٣) ، ويرى الشيخ أبو زهرة "بأن الخطابية هم أول من تكلم بالجفر واستنبط ذلك من كلام للمقريزي" (٤) .
وأضيف بأنه جاء في كتب الشيعة أيضاً ما يوافق ذلك وهو أن أبا الخطاب هو الذي نسب علم الغيب إلى جعفر الصادق، وأن جعفراً كذبه في ذلك وتبرأ منه، وقدّم من حياته أمثلة لجهله بما غاب عنه، وإن كان من أقرب الأشياء إليه شأنه في ذلك شأن سائر البشر، وسيأتي نص كلامه.
وهذه الدعاوى ينفيها واقع الأئمة، فقد تلقوا العلم كغيرهم من بني البشر.. ومن يراجع تراجمهم يجد هذا واضحاً جلياً (٥) .
وقد أقرت الشيعة في أوثق كتاب
стр. 321
عندها في علم الرجال وهو "رجال الكشي" أقرت بأن محمد بن علي بن الحسين يروي عن جابر بن عبد الله، واعتذرت عن ذلك باعتذار غريب، حيث قالت: إنه يروي عنه ليصدقه الناس (١) . وهذا الاعتذار لا يقبل بالنظر إلى دعاوى الشيعة في أئمتها، وأن عندهم من المعجزات والعلوم والكتب ما يجعلهم يستولون على العقول والقلوب، كما أنهم من سلالة الرسول فكيف لا يصدقهم الناس حينئذ؟!
ولو كان لأمير المؤمنين بعض ما يدعون لدبر الأمر في خلافته على غير ما دبر، ولقد ندم على أشياء مما فعلها (٢) ، والشيعة يذكرون أن مسيرة الحسين إلى أهل الكوفة، وخذلانهم له، وقتله كانت سبب ردة الناس إلا ثلاثة" (٣) ، ولو كان يعلم المستقبل وأنهم سيرتدون ما سار إليهم أو سار إلى غيرهم.
وقد تبرأ جعفر من ذلك الغلو ومن الغلاة وروت ذلك كتب الشيعة نفسها، فقد نفى ما نسبه إليه أبو الخطاب من العلم بالغيب وأقسم على ذلك يميناً مؤكداً، وقدم من واقع حياته مثالاً عملياً على ذلك فقال: ".. لقد قاسمت مع عبد الله بن الحسن حائطاً بيني وبينه فأصابه السهل والشرب، وأصابني الجبل" (٤) . وقال: "يا عجباً لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلا الله، لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت مني فما عملت في أي بيوت الدار هي" (٥) . ولقد كان واقع حياتهم العملية - كما قلت - يكشف كل هذه الدعاوى حيث كانوا كسائر البشر يسهون، ويخطئون.
стр. 322
وقد اخترع مهندسو التشيع عقيدتين للخروج من هذا هما عقيدة التقية، والبداء، فإذا أجاب الإمام بخلاف الصواب قالوا: التقية، وإذا أخبر بأمر ووقع خلافة قالوا: قد بدا الله سبحانه (١) .
وقد يقال بأن هذه الدعاوى مجرد حكايات لا رصيد لها من الواقع وقد حفظتها كتب الشيعة ليبقى عارها عليها إلى الأبد، وليس لها أثر في واقع الحياة؛ لأنه لا وجود للأئمة.. وأقول: إن هذه الأساطير المكشوفة لها آثارها الخطيرة على نفسية وعقلية أولئك الأتباع الأغرار، وقد تؤدي بمن يؤمن بها ويعطي لعقله فرصة التأمل والتفكر فيها إلى متاهات الإلحاد، كما أن هذا الغلو قد تحول إلى واقع عملي واضح وهو الغول في قبور الأئمة - كما سلف -.
وجانب ثالث وهو أن في عقيدة هؤلاء - كما سيأتي في الإمامة - أن آياتهم ومراجعهم لهم حق النيابة عن الغائب وتمثيله بين الناس، وأنهم على صلة بهذا الغائب، وقد يظهر لبضعهم كما يزعمون.
إذن هذه الدعاوى عادت بشكل واقعي، وارتدت بصورة خطيرة متمثلة في المرجع الشيعي وهذا ما سنفصله في مبحث حكايات الرقع:
حكايات الرقاع:
مات الحسن العسكري (سنة٢٦٠هـ) والذي تزعم الشيعة أنه إمامها الحادي عشر "ولم يعرف له خلف ولم ير له ولد ظاهر" (٢) ، كما تعترف كتب الشيعة، وقال ثقات المؤرخين بأنه مات عقيماً (٣) . فكانت هذه الواقعة قاصمة الظهر للتشيع، لأن هذا مؤذن بنهايتهم، إذ إن أساس دينهم هو الإمام الذي يزعمون أن قوله قول الله ورسوله والإمام توفي ولم يخلف ولداً يتعلقون به، وحينئذ توقف النص المقدس سنة (٢٦٠هـ) وانقطع سيل الأموال الجارية التي تؤخذ
стр. 323
من الأتباع باسم الإمام، فافترق الشيعة، وتشتت أمرهم، وعظم الخطب عليهم، وضاقت بهم السبل- كما سيأتي (١) .-.
إلا أن تلك الزمرة التي أخذت على عاتقها تفرقة الأمة أخذت تنسج خيوطها وأوهامها، وتضع شباك مؤامراتها للبحث عن وسيلة لاستمرار دعوى التشيع ليستمر من خلال ذلك كيدهم للأمة ودينها، والاستيلاء على أموال الجهلة والمغفلين بأيسر طريق، والحصول على وجاهة ومنزلة عندهم؛ فادعت دعوى في غاية الغرابة، ادعت أن للحسن ولداً قد اختفى فلم يعرفه أحد، وكان سبب اختفائه خوف القتل، مع أنه لم يقتل أبوه وأجداده - من قِبَلِ دولة الخلافة - وهم كبار فكيف يقتل وهو طفل رضيع؟!، إلا أن هذه الفكرة رغم سذاجتها، وظهور زيفها راقت لشيوخ الشيعة، وأخذوا يشيعونها بين أتباعهم، وبدأت تتسلل للأوساط الشيعية الشعبية بشرية تامة.. واختلف الشيوخ على النيابة، وكل يخرج "توقيعاً" أي: ورقة من الطفل يلعن بها الآخر ويزعم فيها أنه هو نائب الطفل.
وكثر الذين يدعون النيابة وذلك بغية الاستيلاء على الأموال التي تجبى باسم هذا "المنتظر"، وقد ارتضت طائفة الاثني عشرية أربعة من هؤلاء واعتبرتهم هم النواب عن الإمام. وكان هؤلاء الوكلاء عن هذا الطفل الصغر يأخذون الأموال، ويتلقون الأسئلة والطلبات ويخرجون لأصحابها بطريقة سرية أجوبة وإيصالات يزعمون أنها بخط هذا "الطفل" الذي قالوا عنه بأنه سيظهر ووقتوا لظهوره وقتاً حتى لا يسارع في تكذيبهم، ثم لما مضى ذلك الجيل قالوا: إنا الله بدا له وأنه لا توقيت لخروجه - كما سيأتي - (٢) .
وكانت تلك الخطوط المجهولة، والتي خرجت على يد تلك الزمرة المتآمرة، والمنسوبة لذلك الطفل المدعى.. هي عندهم من أوثق السنن وأقوى النصوص. ويسمونها "التوقيعات"، "والتوقيعات هي خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة".
стр. 324
ويبدو أنه في ظل التحزب والتعصب يفقد العقل وظيفته، ويصاب الفكر بالشلل والتعطل.. فقد جعل هؤلاء المفترون لهذا الطفل المزعوم وظيفة "المشرع" أي منصب الأنبياء والرسل، مع أن مكانه - لو وجد - في حضانة وليه، وكانت بداية النقل الشرعي عن هذا الرضيع منذ ولادته، وهو ما لا يكون إلا في خيالاته المعتوهين.
استمع لابن بابويه الملقب عندهم بالصدوق يروي عمن سموها "نسيماً" وزعموا أنها خادمة هذا الرضيع، أنها قالت:
"قال لي صاحب الزمان وقد دخلت عليه بعد مولده بليلة فعطست عنده فقال لي: رحمك الله، قالت نسيم: ففرحت بذلك، فقال لي ﵇: ألا أبشرك في العطاس؟ قلت: بلى يا مولاي، قال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام" (١) . فهذا النص ينقله واحد من أكبر شيوخهم ويعتبره من سنة المعصومين والتي هي كقول الله ورسوله..
وقد تولى بث هذه الأخبار مجموعة من هؤلاء الأفاكين الذين يدعون الصلة بهذا المنتظر وارتضت هذه الطائفة أربعة منهم - كما سبق -، وسميت فترة النيابة التي تعاقبوا عليها بالغيبة الصغرى والتي استمرت زهاء سبعين سنة، كما كان في بلدان العالم الإسلامي مجموعة تمثل هؤلاء النواب، وكانوا يستلمون الأوال ويخرجون للناس التوقيعات المزعومة.
وقد اهتم شيوخ الشيعة بهذه التوقيعات ودونوها في كتبهم الأساسية، على أنها من الوحي الذي لا يأتيه الباطل (!) كما فعل الكليني في أصول الكافي (٢) . وابن بابويه في إكمال الدين (٣) ، والطوسي في الغيبة (٤) ، والطبرسي في الاحتجاج (٥) ، والمجلسي في البحار (٦) ، وقد جمع شيخهم عبد الله بن جعفر الحميري الأخبار
стр. 325
المروية عن منتظرهم في كتاب سماه: "قرب الإسناد" (١) .
وذكر صاحب الذريعة كتابين لهم في هذا باسم: "التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة" (٢) .
وتحكي هذه "التوقيعات" رأي الإمام المزعوم في كثير من أمور الدين والحياة، وتصور قدرته على علم الغيب المجهول.. وتحقيقه لأماني شيعته وشفائه لأمراضهم، وحل لمشاكلهم، وإجابته لأسئلتهم واستلامه لما يقدمونه من أموال، وقد تصاغ أحداث ذلك أحياناً بثوب قصصي.
والمتأمل للفتاوى المنسوبة إليه في أمور الدين يرى في الكثير منها الجهل في أبسط مسائل الشيعة، مما يدل على أن واضع هذه "التوقيعات" هو من المتآمرين الجهلة الذين لا يحسنون الوضع، أو أن الله سبحانه شاء كشفهم وفضحهم على رؤوس الخلائق.. فجاءت محاولتهم في الكذب كمحاولة مسيلمة في محاكاة القرآن.
استمع إلى شيء من هذه التوقيعات:
"وكتب إليه صلوات الله عليه أيضاً في سنة ثمان وثلاثمائة كتاباً سأله فيه عن مسائل.. سأل عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج هل يجوز شهادتهم؟ فأجاب ﵇: إن كان ما بهم حادث جازت شهادتهم، وإن كانت ولادة لم تجز" (٣) .
فهل للبرص ونحوه أثر في قبول الشهادة وردها، وهل للتفريق بين ما هو أصلي وحادث وجه معقول.. وهل تستحق مثل هذه الفتاوى مناقشة.. وكيف ينسب مثل ذلك لأهل البيت، بل وللإسلام؟!
стр. 326
وسأل هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر وهل فيه فضل؟ فأجاب ﵇: يسبح به فما من شيء من التسبيح أفضل منه، ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح" (١) .
فهذا المبدأ من دين الوثنين، لا من دين التوحيد.. وله يكتب التسبيح بالعبث بالمسبحة.. فأي شرعة هذه وأي فقيه يفتي بذلك؟!
والأمثلة على هذا اللون من الفتاوى الجاهلة الغبية كثيرة (٢) .
وهذه "السنة" التي تخرج من المنتظر تحمل الأخبار بالمغيبات، والقدرات الخارقة على تحقيق الأمنيات.. فهذا الشيعي الذي أصيب بمرض عضال أعيا الأطباء شفاؤه.. يتوجه لهذا المنتظر عن طريق نوابه فيكتب رقعة يطلب فيها الشفاء فيأتي التوقيع بالدعوة له بالشفاء فما تأتي جمعة حتى يشفى (٣) .
стр. 327
وهذا الرجل الذي لا تحمل زوجته، وقد بلغ به الحنين والشوق إلى الولد ما بلغ، فما أن يكتب إلى الناحية المقدسة (١) . حتى يخرج التوقيع بأنه سيحمل له قبل الأربعة أشهر وسيولد له ابن (٢) .
وعن طريق هذا الطفل الغائب يعرفون متى يموتون، فهذا شيعي يكتب إليه يسأله كفناً فيأتي التوقيع "إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين، فمات في سنة ثمانين وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام" (٣) .
وقد جاءت توقيعات من المنتظر يؤخذ منها أن العمل بسنن الإسلام وشرائعه يتوقف على إذن "القائم المنتظر"، فكأن "سنة" هذه "الرقاع" المزورة أبلغ من نصوص الإسلام عندهم، كما قد يؤخذ من النصوص التالية: "ولد لي مولود فكتبت أستأذن في تطهيره يوم السابع. فلم يكتب شيئاً فمات المولود يوم الثامن.." (٤) .
فهو يتوقف في ختان ابنه حتى يأتي له الإذن من القائم.
والزواج مرتبط بأمر القائم في الغالب، قال أحدهم: "زوجت بأمره سراً فلما وطئتها علقت وجاءت بابنة فاغتممت وضاق صدري فكتبت أشكو ذلك (يعني في رسالة إلى هذا الطفل المنتظر) فورد: ستكفاها، فعاشت أربع سنين ثم ماتت فورد: الله ذو أناة وأنتم تستعجلون (٥) .
стр. 328
والحج متوقف على إذن هذا الطفل المزعوم، فهذا شيعي يقول: "تهيأت للحج، وودعت الناس، وكنت - كذا - على الخروج فورد: نحن لذلك كارهون، والأمر إليك، قال: فضاق صدري واغتممت وكتبت: أنا مقيم على السمع والطاعة غير أني مغتم بتخلفي عن الحج، فوقع: لا يضيقن صدرك فإنك ستحج من قابل إن شاء الله، قال: ولما كان من قابل كتبت أستأذن، فورد الإذن" (١) . فهل أمر قائمهم فوق أمر الله وشرعه حتى يستأذن في ركن من أركان الإسلام؟!!
وهذا التوقيعات التي تحمل كل هذه الأباطيل، لها عند شيوخ الشيعة مكانة خاصة، ومزية ظاهرة حتى إنهم رجحوا هذه التوقيعات على ما روي بإسناد صحيح عندهم في حال التعارض.
قال ابن بابويه في كتابه "من لا يحضره الفقيه" بعدما ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدسة في باب "الرجلين يوصى إليهما.." قال: هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد الحسن بن علي، ثم ذكر أن في الكافي للكليني رواية بخلاف ذلك التوقيع عن الصادق، ثم قال: "لست أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي.."، وعقب على ذلك الحر العاملي فقال: ".. فإن خط المعصوم أقوى من النقل بوسائط".
وكيف يجزمون بأن هذا هو خط الحسن أو "المنتظر" (الذي لم يولد) مع أن الخطوط تتشابه، والكذب والتزوير على أهل البيت كثير؟ وكيف يعتمدون في هذا على قول واحد غير معصوم هو "نائب المنتظر" مع أن العصمة من أصولهم؟ كما أن هذا النائب محل شك كبير، لأن مسألة "النيابة" يتصارع كثير من رؤسائهم على الفوز بها لأنها وسيلة سهلة لجمع الأموال.
فصار من المحتمل أن الذي فتح على الشيعة هذا الباب لص ماهر محتال لبس ثوب الكذب وارتدى زي النفاق للكسب الحرام والتآمر والإضلال.. لكن صار نقل هذا الواحد وغير المعصوم؛ بل والمشبوه هو عمدة عند شيوخهم، فهو يرجحون ما في هذه التوقيعات على
стр. 329
ما جاء في أصح كتبهم. ومن يزعم الصلة بهذا المنتظر، أو يزعم أنه قد أرسل له برسالة يحظى بثقة القوم، كما نجد ذلك في تراجم رجالهم (١) ، مع أن هذا بدلالة العقل والتاريخ من أكبر البراهين على كذبهم.
كما يجري في هذه التوقيعات توثيق الرجال أو ذمهم، ويجعل ذلك أصلاً عندهم في جرحه وتعديله (٢) ، فهي مصدر من مصادر دينهم.
قال الألوسي ﵀: "إنهم أخذوا مذهبهم من الرقاع المزورة التي لا يشك عاقل أنها افتراء على الله تعالى ولا يصدق بها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته" (٣) .
ثم تحدث الألوسي عن أحد رجال الرافضة الذي يدعي أنه اتصل بهذا المنتظر في غيبته المزعومة ويدعى علي بن الحسين من موسى بن بابويه القمي، والذي زعم أنه وصلته رقاع من هذا المنتظر وتعجب كيف تلقبه الرافضة بالصدوق (٤) ، وقال: "لا يخفى عليك أن هذا من قبيل تسمية الشيء باسم ضده، وهو وإن كان يظهر الإسلام فهو كافر في نفس الأمر"، ثم بين أن دعواه لا يخفى كذبها على عاقل فهل يزعم أنه يكتب مسألة في رقعة فيضعها في ثقب شجرة ليلاً فيكتب الجواب عنها صاحب الزمان (٥) .
ثم ذكر أن الرافضة لم تكتف بمجرد تصديق هذه "الخرافة" بل جعلوا هذه الرقاع من أقوى دلائلهم، وأوثق حججهم وتعجب كيف يزعمون بعد هذا أنهم أتباع البيت وقد أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحرام
стр. 330
والحلال من نظائر هذه الخزعبلات، وقال: إنهم في الحقيقة أتباع الشياطين وأهل البيت بريئون منهم (١) .
ذلك أن مثل هذه الرقاع لا يقام لها وزن في قضاء ولا في منطق ولا في عقل من عقول البشر، فهي "رقاع " منسوبة لطفل مشكوك في وجوده أصلاً - حتى عند طوائف من الشيعة، بل وينكر بعضهم وجوده، وهو متيقن عدمه عند أهل التحقيق كما سيأتي - عليها خط مجهول ووصلت بوسائط مجهولة، فهل يبنى على مثل ذلك حكم فضلاً عن أن تكون مصدراً من مصادر التشريع؟! إن ذلك لعار على الرافضة إلى الأبد، وبرهان دائم على كذبهم.. وفضيحة من الله سبحانه لمن أراد أن ينسب إلى الدين ما ليس منه..
وهذه التوقيعات جرت في فترة الغيبة الصغرى - كما يسمونها - والتي استمرت قرابة سبعين سنة، تعاقب على دعوى النيابة عن الإمام الغائب فيها أربعة ممن يسمونهم بالسفراء والنواب - كما سبق -.. وقد أعلن رابعهم وهو "السمريّ" انتهاء الصلة بالإمام وانقطاع فترة النيابة. قالوا: "خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمريّ: (يعني خرجت ورقة من المنتظر المزعوم) يا علي بن محمد السمريّ، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فأجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره.. وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر" (٢) . وهذا يعني أن النص المعصوم -عندهم - قد انقطع بالغيبة الكبرى سنة (٣٢٩هـ) ولكن شيوخ الشيعة - فيما بعد - لم تقتنع بالإعلان عن الانقطاع التام عن المنتظر، وكثرت الدعاوى عندهم في الاتصال بالمنتظر، ولقائه والأخذ عنه (مع أن منتظرهم
стр. 331
يقول: بأن من ادعى ذلك فهو كذاب) ، وهذا يعني استمرار النص المقدس وأنه لم يتوقف، كما أعلن ذلك الشيعة بعد وفاة السمريّ.. فها هو شيخهم ابن المطهر الملقب بالعلامة يدّعي اللقاء بالمهدي وأنه نسخ له كتاباً في ليلة واحدة (١) .
ويفسر شيخهم النوري الطبرسي نص الكافي الذي يقول: "لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة، وما بثلاثين من وحشة" (٢) . بأنه في "كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً ولياً يتشرفون بلقائه" (٣) ، بل قالوا: إن بعض المجتهدين يتمكن من لقاء الغائب ويأخذ منه بعض الأحكام الشرعية، وقد لا يستطيع أن يعلن عن هذا اللقاء لأمر الإمام له بالكتمان فهو حينئذ يدعي حصول الإجماع على هذا الحكم، وإن لم يوجد إجماع في الحقيقة (٤) .
وبهذا يفسرون دعاوى بعض شيوخهم الإجماع على مسائل لم يقل بها سوى هؤلاء الشيوخ، وسيأتي في مبحث الإجماع عندهم قولهم بتحقق الإجماع بقول فئة يوجد فيها "عالم مجهول النسب غير معروف" وأنه بقولها يحصل الإجماع مهما خالف من خالف على اعتبار أن هذا المجهول قد يكون الإمام.
وقرر شيوخهم بأن هذا المنتظر الذي لم يوجد "كان يجتمع بجملة من أهل العلم والتقوى الذين كانوا يستحقون المقابلة كالعلامة السيد مهدي بحر العلوم النجفي فيما اشتهر عنه، والشيخ ميثم البحراني فيما ينقل عنه.." (٥) ، وقد ألف بعض شيوخهم مصنفات في حكايات وأحداث من اجتمع بهذا المنتظر، كما فعل المجلسي (ت١١١١هـ) في البحار، ثم جاء بعده النوري الطبرسي (ت١٣٢٠هـ) فكتب في ذلك كتاباً سماه "جنة المأوى فيمن فاز بلقاء الحجة ومعجزاته في الغيبة
стр. 332
الكبرى"، وقد أورد فيه تسعاً وخمسين حكاية، وذكر من كان بعد المجلسي ممن ادعى اللقاء بالمنتظر (١) .
وهكذا صار بإمكان كل شيطان رجيم من الإنس والجن أن يحتال على هؤلاء، ويتظاهر بأنه المنتظر ويدس في دينهم ما يبعدهم عن الحق ما داموا فتحوا هذا الباب على أنفسهم ويعتبرون ذلك من السنة، وبإمكان كل شيخ زنديق متلفع برداء الدروشة ومتوشح بالسواد متظاهر بالعلم مدعٍ للسيادة - وما أكثر هؤلاء عندهم - أن يزعم اللقاء بالمنتظر ليحظى بالتعظيم، وليغير من دينهم ما شاء له إلحاده، ولاسيما أن هؤلاء يزعمون أن هذا المنتظر يتصور بصور مختلفة، ويظهر بأشكال وأردية متنوعة (٢) . فهذه اللقاءات المزعومة لا تخلو من حالتين: إما أن مدعيها كاذب أراد السمعة، أو قصد الإضلال، أو أراد كلا الأمرين، أو أنه صادق والذي مثل الدور أمامه شيطان من الشياطن (٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ".. وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدهم ويكون المرئي جنباً" (٤) .
وقد ضلت النصارى - كما يقول شيخ الإسلام - بمثل هذا حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب - كما يظنون - أتى إلى الحواريين وكلمهم ووصاهم وهذا مذكور في أناجيهم وذاك الذي جاء كان شيطاناً قال: أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه (٥) .
стр. 333
كما قال شيخ الإسلام: إن أصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول: أنا الحلاج، فيرونه في صورته عياناً، وكذلك شيخ بمصر يقال له الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب مكتوبة، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه اطلع على هذا الكتاب المنسوب للدسوقي حيث أطلعه عليه بعض الصادقين من أتباع الدسوقي.
يقول شيخ الإسلام: فرأيته بخط الجن، وقد رأيت خط الجن غير مرة. ثمر ذكر شيخ الإسلام نماذج أخرى من هذا القبيل ثم قال: وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء علي أو بقاء محمد بن الحنفية قد كان يأتي إلى بعض أصحابهم جنى في صورته.. ثم قال: وهذا باب واسع واقع كثيراً وكلما كان القوم أجهل كان عندهم أكثر (١) .
مرويات الصحابة:
وبعدما لاحظنا أن الاثني عشرية حصرت نفسها في نطاق ضيق، وهو ما ينقل عن بعض أهل البيت من روايات، ولم تكتف بأهل العلم منهم؛ بل أدخلت فيهم من لم يشتهر بعلم - كما سيأتي - حتى عملت برقاع منسوبة لطفل مختلف في وجوده، وجعلت ما ينقل عن هؤلاء ما يقوله رسول الله ﷺ فإنها أيضاً حرمت نفسها من مصدر عظيم للعلم والإيمان هو: "روايات الصحابة" رضوان الله عليهم، الذين فازوا بصحبة رسول الله، وشهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل وأنثى الله عليهم ورسوله.
يقول محمد حسين آل كاشف الغطا - أحد مراجع شيعة هذا العصر - في تقرير مذهب طائفته في ذلك: "إن الشيعة لا يعتبرون من السنة (أعني الأحاديث النبوية) إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت.. أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية مقدار بعوضة" (٢) ، فهو هنا يقرر أن مذهب الشيعة هو قبول "ما صح لهم من طرق
стр. 334
أهل البيت" (١) . دون ما سواه من روايات صحابة رسول الله ﷺ .
وإذا عرفنا أن الاثني عشرية تعني بأهل البيت "الأئمة الاثني عشر"، والذي أدرك الرسول ﷺ منهم وهو مميز هو أمير المؤمنين علي، وعليه فهل يتمكن أمير المؤمنين من نقل سنة الرسول ﷺ كلها للأجيال.. كيف وهو لا يكون مع الرسول ﷺ في كل الأحيان.. فقد كان الرسول ﷺ يسافر ويستخلفه في بعض الأحيان كما في غزوة تبوك، كما كان علي يسافر ورسول الله في المدينة فقد بعثه رسول الله إلى اليمن.
وكذلك ألحقه بأبي بكر حين أرسله لأهل مكة، بالإضافة إلى حال الرسول ﷺ في بيته والتي يختص بنقلها زوجاته أمهات المؤمنين.. وهذا من أسرار وحكم تعددهن.. فإذن علي لا يمكن أن يستقل بنقل سنة رسول الله ﷺ ، فكيف يقولون بأنهم لا يقبلون إلا ما جاء عن طريقه؟! كما أن هذه المقالة، وهي حصر نقل سنة رسول الله ﷺ بواحد يفضي إلى فقدان صفة التواتر في نقل شريعة القرآن، وسند سيد الأنام ﷺ "ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحداً؛ بل يجب أن يكون المبلغون
стр. 335
أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب.." (١) .
كما أن جل بلاد الإسلام بلغهم العلم عن رسول الله من غير طريق علي ﵁ (٢) .- وعامة من بلغ عنه ﷺ من غير أهل بيته - فضلاً أن يكون هو علي وحده - فقد بعث رسول الله ﷺ أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناس إلى الإسلام، ويعلم الأنصار القرآن، ويفقههم في الدين، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فأين قول من زعم أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته" (٣) .
وقد قال بعض أهل العلم إنه: "لم يرو عن علي إلا خمسمائة وستة وثمانون حديثاً مسندة يصح منها نحو خمسين حديثاً" (٤) .
стр. 336
فهل سنة الرسول هي هذه فقط؟!
وقد أقر الروافض بأنه لم يبلغهم علم الحلال والحرام ومناسك الحج إلا عن طريق أبي جعفر.. وهذا يعني أنه لم يبلغهم عن علي شيء في هذا، وأن أسلافهم كانوا يتعبدون فيما جاء عن صحابة رسول الله ﷺ .
تقول كتب الشيعة: ".. كانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبيّن لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس.." (١) .
ومن العجب أن الشيعة حكمت على من سمع من غير الإمام بالشرك، حيث جاء في أصول الكافي: ".. من ادعى سماعاً من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك" (٢) . فهم يحكمون على أسلافهم بالشرك لأنهم تلقوا علم الحلال والحرام والمناسك من الناس ويقولون: ".. كل ما لم يخرج من الأئمة فهو باطل" (٣) . وهذه جرأة عظيمة على شريعة سيد المرسلين، التي نقلها الرعيل الأول إلى الأجيال، والمتمثلة بالسنة المطهرة التي يتعبد بمقتضى بيانها المسلمون.
ولعل الرافضة حينما وضعت لنفسها ألا تأخذ ما جاء عن طريق علي، ولم يكن عندها مما يؤثر عن علي إلا القليل، حتى إن علم الحلال والحرام ليس عندهم فيه شيء عن علي كما يعترفون فعملت القواعد الشيعية على سد هذه الفجوة بالكذب، ولذلك قال الشعبي: "ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي" (٤) .
стр. 337
ولشيوع الكذب على علي من قبل الرافضة (١) . حتى لا يكاد يوثق برواية أحد منهم، أعرض عنهم أهل الصحيح فلا يروي البخاري ومسلم أحاديث علي إلا عن أهل بيته كأولاده مثل الحسن والحسين، ومثل محمد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم، مثل عبيدة السلماني، والحارث التيمي، وقيس بن عباد وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن علي، فلهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم (٢) .
وقد اعترفت كتب الشيعة بكثرة الكذب على أهل البيت، حتى قال جعفر الصادق- كما تروي كتب الشيعة -: ".. إن الناس أولعوا بالكذب علينا.." (٣) . وكانت مصيبة جعفر أن "اكتنفه - كما تقول كتب الشيعة - قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر ليستأكلوا الناس بذلك ويأخذوا منهم الدراهم.." (٤) . ولذلك قال بعض أهل العلم: "لم يكذب على أحد ما كذب على جعفر الصادق مع براءته" (٥) .
ومن هنا ندرك كبير الخطر على الشيعة حينما قبلوا روايات الكذابين على الأئمة وأعرضوا عن روايات صحابة رسول الله ﷺ ، بل وثقوا هؤلاء الذين اكتنفوا جعفراً قالوا: "روى عن الإمام الصادق أربعة آلاف راو. وذهب بعض
стр. 338
علماء الإمامية إلى القول بتوثيق الأربعة آلاف بدون استثناء" (١) . مع أن أبا عبد الله يشكو - كما مر - من كثرة الكذابين عليه؛ بل ويذكر أنه لا يوجد له من هؤلاء الذين يدعون التشيع ولا سبعة عشر رجلاً من شيعته كما صرحت بذلك رواية الكافي (٢) .
ولكن لماذا أعرضت طائفة الاثني عشرية عن رواية صحابة رسول الله؟!
إن السبب يعود إلى البدعة الأولى التي ابتدعها ابن سبأ من القول بأن علياً هو وصي رسول الله، وأن الصحابة لم ينفذوا الوصية، ويولوه الخلافة.. وترتب على ذلك عند طائفة الاثني عشرية أن الصحابة خرجوا من دين الإسلام، ولا يستثنون من ذلك إلا عدداً لا يساوي أصابع اليد - كما سيأتي - ولم يشفع للصحابة عند هؤلاء ثناء الله ورسوله عليهم، ولا صحبتهم لرسول الله، وجهادهم في سبيل الله، وتضحياتهم، وسابقتهم، وبذلهم الأرواح والمهج، ومفارقتهم للأهل والوطن، ونشرهم للإسلام في أصقاع الأرض..
ومن المفارقات العجيبة أن الشيعة تحكم على من زعم أنه رأى المنتظر الذي لم يوجد أصلاً - كما سيأتي - بالعدالة والصدق.
يقول الممقاني - وهو من آياتهم في هذا العصر -: "تشرف الرجل برؤية الحجة - عجل الله فرجه وجعلنا من كل مكروه فداه - بعد غيبته فنستشهد بذلك على كونه في مرتبة أعلى من مرتبة العدالة ضرورة" (٣) .
ولكن لماذا لا يجرون مثل هذا الحكم في صحابة رسول الله، ويعتبرون تشرف الصحابة برؤية رسول الهدى ﷺ برهان عدالتهم، أليس رسول الله أعظم من منتظر موهوم مشكوك في وجوده عند شيعة عصره، فكيف به اليوم بعد تعاقب القرون.. أليس هذا هو التناقض بعينه؟! فانظر وتعجب كيف
стр. 339
يزكى رجل يدعي رؤية معدوم، والأصل أن يعتبر هذا دليل كذبه، ويطعن في صحابة رسول الله!! وكل خطيئة الصحابة التي من أجلها ردوا رواياتهم، وحكموا بردتهم أنهم أنكروا النص على إمامة علي، وهذا أمر عظيم وخطب كبير عندهم، فإن من أنكر إمامة واحد من الأئمة ولو كان الغائب المزعوم فهو كإبليس كما نص على ذلك صدوقهم ابن بابويه القمي (١) .
فالإيمان بأئمتهم هو مقياس القبول والرد عندهم، لأنه هو أساس الإيمان والكفر - كما سيأتي - ومع هذا الأصل الذي يَزِنُون به الناس واضح البطلان لأنه لو كان بهذه المثابة التي يزعمون لذكره الله في كتابه المبين، ولبينه رسوله ﷺ لمن سأله عن حقيقة الإيمان والإسلام، ولأصبح ذلك من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، فهل يخطر ببال عاقل أن الأمة على توالي القرون من الصحابة ومن تبعهم بإحسان تجهل ركناً أساسياً من أركان الإيمان أو تجمع على إنكاره؟! وما كان الله ورسوله بتكاركي خير أمة أخرجت للناس دون إكمال دينهم وتعريفهم بحقيقة إسلامهم، وما يدور بخلد مؤمن شيء من هذا قط..
أقول: مع وضوح بطلان هذا الأصل الذي يزنون به الناس فيردون به رواية من أنكر إمامة إمام من الأئمة، فإن هذا الأصل لم يعلموا به إلا في حق الصحابة حيث ردوا روايات الصحابة ولكنهم لم يردوا روايات من أنكر بعض الأئمة من أسلافهم من الشيعة، وقد أكد شيخهم الحر العاملي على أن الطائفة الإمامية عملت بأخبار الفطحية (٢) . مثل: عبد الله بن بكير، وأخبار الواقفة (٣) . مثل: سماعة بن
стр. 340
مهران. وكثيراً ما تقرأ في تراجم رجالهم بأن فلاناً فطحي، وذاك واقفي وهذا من الناووسية (١) .
وكل هذه الطوائف الثلاث تنكر بعض أئمة الاثني عشرية، ومع ذلك يعدون جملة من رجالها ثقات.. جاء في رجال الكشي - مثلاً - "في محمد بن الوليد الخزار، ومعاوية بن حكيم، ومصدق بن صدقة، ومحمد بن سالم بن عبد الحميد قال أبو عمرو (الكشي) : وهؤلاء كلهم فطحية وهم من أجلة العلماء والفقهاء والعدول، وبعضهم أدرك الرضا ﵁ وكلهم كوفيون" (٢) . كما كان الحسن بن علي بن فضال (٣) ، وعلي بن حديد بن حكيم (٤) ، وعمرو بن سعيد المدايني (٥) . كلهم من الفطحية.
وكان أبو خالد السجستاني (٦) ، وعلي بن جعفر المروزي (٧) ، وعثمان بن عيسى (٨) . وحمزة بن بزيغ (٩) . كلهم من الواقفة، ومع ذلك وثقوهم وعملوا
стр. 341
بمروياتهم معرضين عن قول إمامهم: "الزيدية والواقفة والنصاب بمنزلة واحدة" (١) ، "والواقف عائد عن الحق ومقيم على سيئة إن مات بها كانت جهنم مأواه وبئس المصير" (٢) .
وقال: الواقفة "يعيشون حيارى ويموتون زنادقة" (٣) . وقال: "فإنهم كفار مشركون زنادقة" (٤) ، ومع هذا فهي تقبل روايات هؤلاء أو يقبل شيوخهم روايات هؤلاء لقيام نصوص المذهب الشاذة عليهم ويردون روايات الصحابة - رضوان الله عليهم - أليس هذا هو التناقض بعينه؟! ذلك أننا إذا أدركنا أنهم ردوا روايات الصحابة لردهم النص المزعوم على علي، وهؤلاء من الواقفة والفطحية ينكرون مجموعة من الأئمة ويجحدون النصوص الواردة فيهم عن الأئمة قبلهم، فالجميع يشتركون في نفس العلة المزعومة التي من أجلها رفضوا مرويات الصحابة وهو إنكار أحد الأئمة.. إذا أدركنا ذلك - أدركنا عظيم تناقضهم وأنهم ليس لهم ميزان ثابت، وأن الهوى المذهبي، والتعصب والتحزب قد أعمى أبصار شيوخهم فأضلوا أتباعهم سواء السبيل وحرموهم من منبع العلم والإيمان.
وهل ثمة مجال لمقارنة من أثنى الله عليهم ورسوله بمجموعة من حثالة الأفاكين والمفترين، إلا لبيان أنهم في مذهبهم في رد روايات الصحابة ليسوا على شيء.
ولقد جاء في كتب الشيعة: "عن ابن حازم قال: قلت لأبي عبد الله.. فأخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ صدقوا على محمد ﷺ أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا" (٥) .
والصحابة ليسوا بحاجة لمثل هذا بعد ثناء الله ورسوله، ولكن نستشهد بذلك لبيان أنهم أعرضوا حتى عما جاء عن أئمتهم في كتبهم، الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، واتبعوا روايات الكذابين عن الأئمة، والتي
стр. 342
اعترفت بكذبهم كتب الشيعة نفسها كما سيأتي (١) .
بداية تدوين الحديث عندهم:
قال ابن النديم: "إن أول كتاب ظهر للشيعة كتاب سليم بن قيس الهلالي" (٢) . رواه عن أبان بن أبي عياش لم يروه غيره (٣) ، وقد كان لنا وقفة عند هذا الكتاب في أثناء الحديث عن أسطورة "التحريف عند الشيعة" وقد قدّم لنا أحد أساطين الشيعة المتأخرين اعترافاً يقول: "بأن هذا الكتاب موضوع في آخر الدولة الأموية.." يعني لا صحة لنسبته لسليم. وقد تبين لنا أن "سليماً" هذا لا ذكر له في مصادر أهل السنة مع تعظيم الشيعة لأمره، وقد يقال بأنه اسم لا مسمى له؛ إذ لو كان كما يقولون.. لكان شيئاً مذكوراً.
ويبدو أن أوسع جمع لآثارهم - في العصور المتقدمة - هو ما قام به أبو جعفر القمي محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي (المتوفى سنة ٢٩٠هـ) في كتابه "بصائر الدرجات في علوم آل محمد وما خصهم الله به" وهو مجموعة لأحاديثهم، وقد طبع سنة ١٢٨٥هـ (٤) .
وهذا الصفار اعتبره بروكلمان "المؤسس الحقيقي لفقه الإمامية في بلاد العجم" (٥) .
ويرى الدكتور محمد البلتاجي أنه "أول من دوّن فقه وآثار الإمامية الاثني عشرية" (٦) ، وفي كلام ابن النديم السالف ما ينفي دعوى الأولية. ويكاد شيخهم المجلسي ينقل الكتاب بحذافيره في موسوعته البحار، عبر أبوابه المختلفة.
стр. 343
وقد امتلأ هذا الكتاب بالغلو حيث فيه الطعن في كتاب الله سبحانه، والغلو في الأئمة، وتكفير الصحابة.. إلخ، مما يؤكد أن معظم أخباره مفتراة على الأئمة.
وفي أوائل الرابع الهجري جدد التأليف الكليني (المتوفى سنة ٣٢٨ أو٣٢٩هـ) في كتابه "الكافي" ثم تعاقب التأليف عندهم بعد ذلك.
الكتب الرئيسة عند الاثني عشرية:
إن الكتب الرئيسة التي تعتبر مصادر الأخبار عند الاثني عشرية في ثمانية يسمونها: "الجوامع الثمانية" (١) ، ويقولون بأنه هي المصادر المهمة للأحاديث المروية من الأئمة (٢) . قال عالمهم المعاصر محمد صالح الحائري: "وأما صحاح الإمامية فهي ثمانية، أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل، وثلاثة بعدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، وثامنها لحسين - المعاصر - النوري" (٣) .
أول هذه المصادر وأصحها عندهم الكافي (٤) . لمحمد بن يعقوب الكليني، ثم
стр. 344
كتاب: "من لا يحضره الفقيه" (١) . لشيخهم المشهور عندهم بالصدوق محمد بن بابويه القمي (المتوفى سنة ٣٨١هـ) ، ثم تهذيب الأحكام (٢) ، والاستبصار (٣) ، كلاهما لشيخهم المعروف بـ"شيخ الطائفة" أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المتوفى سنة ٣٦٠هـ) .
قال شيخهم الفيض الكاشاني (المتوفى سنة ١٠٩١هـ) : "إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها" (٤) . وقال أغا بزرك الطهراني - من مجتهديهم المعاصرين - وهي: "الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها استنباط الأحكام الشرعية حتى اليوم" (٥) . هذه هي المصادر الأربعة المتقدمة عندهم.
ثم ألف شيوخهم في القرن الحادي عشر وما بعده مجموعة من المدونات ارتضى المعاصرون منها أربعة سموها بالمجاميع الأربعة المتأخرة وهي: الوافي (٦) . لشيخهم محمد بن مرتضى المعروف بملا
стр. 345
محسن الفيض الكاشاني (المتوفى سنة ١٠٩١هـ) ، وبحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (١) . لشيخهم محمد باقر المجلسي (المتوفى سنة ١١١٠ أو ١١١١هـ) ، ووسائل الشيعة (٢) . إلى تحصيل مسائل الشريعة تأليف شيخهم محمد بن الحسن الحر العاملي (المتوفى سنة ١١٠٤هـ) ، ومستدرك الوسائل (٣) . لحسين النوري الطبرسي (المتوفى سنة ١٣٢٠هـ) .
ملحوظات على الكتب الثمانية:
هناك كتب كثيرة عندهم قالوا: إنها في الاعتبار والاحتجاج كالكتب
стр. 346
الأربعة، كما ذكر ذلك المجلسي في مقدمة بحاره (١) . والحر العاملي في الوسائل (٢) ، وكما نجد ذلك في مقدمات تلك الكتب. ويبدو أن تخصيص ما سلف بالذكر، إما لأنها مجاميع كبيرة، أو قد يكون لمجرد محاكاة أهل السنة وللدعاية المذهبية، ومما يوضح ذلك أنهم اعتبروا مثلاً من المجاميع الثمانية المتقدمة كتاب الوافي، وعدوه أصلاً مستقلاً، مع أنه عبارة عن جمع لأحاديث الكتب الأربعة المتقدمة (الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه) فكيف يعد أصلاً خامساً، ومستقلاً، وهو تكرار لأحاديث الكتب الأربعة؟!
وكذلك اعتبروا "الاستبصار" للطوسي مصدراً مستقلاً من المصادر الأربعة المتقدمة، وهو لا يعدو أن يكون اختصاراً لكتاب تهذيب الأحكام لطوسي، كما صرح بذلك الطوسي في مقدمة الاستبصار (٣) ، وكما يبدو واضحاً لمن شاء المقارنة بين الكتابين، فالدعاية المذهبية واضحة في صنيعهم هذا..
وتجد أن بحار الأنوار وضعه مؤلفه في خمس وعشرين مجلداً، ولما كبر المجلد الخامس والعشرين جعل شطراً منه في مجلد آخر فصار المجموع (٢٦) مجلداً (٤) ، فقام المعاصرون وزادوا فيه كتباً ليست من وضع المؤلف كجنة المأوى للنوري الطبرسي، وهداية الأخبار للمسترحمي، ومجلدات في الإجازات ليبلغوا به في طبعة جديدة مائة وعشرة مجلدات تبدأ من الصفر (٥) . كلون من المظاهر الثقافية الشكلية،
стр. 347
والدعاية المذهبية. وهم مغرمون بهذا الاتجاه الدعائي (١) .
أما موضوع هذه المدونات فإن التهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، ووسائل الشيعة، ومستدرك الوسائل كلها في الفقه، وكذلك الكافي، فإن المجلدين الأول والثاني في الأصول وسائر المجلدات الباقية في الفقه وهو مما يسمى "فروع الكافي".
ويلاحظ التشابه في كثير من مسائلهم الفقهية مع أهل السنة؛ مما يؤكد ما يقول بعض أهل العلم من أخذهم لذلك من أهل السنة (٢) ، ولهم مفردات غريبة، ومسائل منكرة لا تخطر على البال تستحق أن يكتب فيها تأليف خاص، وقد جمع جزءاً منها شيخهم المرتضى في كتاب سماه "الانتصار" (٣) . وقد نقل ابن عقيل الحنبلي بعض هذه المسائل، وهو يتعجب منها، وقد سجلها ابن الجوزي في المنتظم (٤) . من خط ابن عقيل، كما أشار إليها في الموضوعات بقوله: "ولقد وضعت الرافضة كتاباً في الفقه وسموه مذهب الإمامية، وذكروا فيه ما يخرق إجماع المسلمين
стр. 348
بلا دليل أصلاً (١) .
أما بالنسبة للقسم الباقي من هذه المدونات وهي أصول الكافي، وبحار الأنوار فهي تتعلق بمسائل: التوحيد، والعدل، والإمامة.. وأكثر ما فيها يدور حول عقائدهم وآرائهم في الإمامة والأئمة الاثني عشر والنص عليهم، وصفاتهم، وأحوالهم، وزيارة قبوهم، والحديث عن أعدائهم، وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ ، ونلحظ أن كل شيء - في الغالب - يدور في فلك الإمامة والأئمة.
والقارئ لهذه الأحاديث في هذه المدونات وغيرها من كتب الرواية عندهم يجد أن هناك فرقاً واضحاً وكبيراً بين الروايات التي ترد عن طريق أهل السنة ويطلق عليها الحديث، وبين الروايات التي ترد عن طريق الشيعة ويطلق عليها اللفظ نفسه، فكتب السنة الستة وغيرها إذا روت حديثاً فهو منسوب إلى النبي ﷺ وهي أحاديثه هو. أما كتب الحديث عند الشيعة فهي تأتي بالرواية عن أحد أئمتهم الاثني عشر ويعتقدون - كما مر - أن لا فرق بين ما يروونه عن النبي ﷺ أو عن أحد أئمتهم.
كما أن القارئ لكتب الحديث عندهم لا يجد إلا القليل النادر منها هو المسند إلى النبي ﷺ ، وأكثر ما يروونه في الكافي، واقف عند جعفر الصادق، وقليل منها يعلو إلى أبيه محمد الباقر، وأقل من ذلك ما يعلوا إلى أمير المؤمنين علي ﵁ ونادراً ما يصل إلى النبي ﷺ .
كما يلحظ أن مدوناتهم الأربع المتأخرة ألفت في القرن الحادي عشر وما بعده، وآخرها ألفه النوري الطبرسي (المتوفى سنة ١٣٢٠هـ) وهو من معاصري الشيخ محمد عبده. وقد جمع فيه ثلاثة وعشرين ألف حديث عن الأئمة (٢) . لم
стр. 349
تعرف من قبل، فهي متأخرة عن عصور الأئمة بمئات السنين، فإذا كان هؤلاء قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يثق عاقل برواية لم تسجل طيلة أحد عشر قرناً أو ثلاثة عشر قرناً!! وإذا كانت مدونة في كتب فلم يعثر على هذه الكتب إلا في القرون المتأخرة (١) ، ولم يجمع تلك الروايات متقدموهم، ولم لم تذكر تلك الكتب وتسجل في كتبهم القديمة؟! كيف لم يسجلها الكليني وهو بحضرة السفراء الأربعة سفراء المهدي؟! وقد سماه الكافي لأنه كاف للشيعة، وقد عرضه على مهديهم - بواسطة السفراء - فقال: كاف لشيعتنا - كما سلف (٢) .- بل إن الطوسي قال بأنه جمع في كتابه تهذيب الأحكام جميع ما يتعلق بالفقه من أحاديث أصحابهم وكتبهم وأصولهم، لم يتخلف عن ذلك إلا نادر قليل وشاذ يسير (٣) .
فهل هذه الكتب وضعت فيما بعد في أيام الدولة الصفوية، ونسبت لشيوخهم الأوائل؟ هذا ليس ببعيد.
بل إن كتبهم الأربعة الأولى لم تخل من دس وزيادة، وآية ذلك أن كتاب
стр. 350
تهذيب الأحكام للطوسي بلغت أحاديثه (١٣٩٥٠) حديثاً كما ذكر ذكر أغا بزرك الطهراني في الذريعة (١) ، ومحسن العاملي في أعيان الشيعة (٢) . وغيرهما من شيوخهم المعاصرين، في حين أن الشيخ الطوسي نفسه صرح في كتابه عدة الأصول بأن أحاديث التهذيب وأخباره تزيد على (٥٠٠٠) ، ومعنى ذلك أنها لا تصل إلا إلى (٦٠٠٠) في أقصى الأحوال (٣) . فهل زيد عليها أكثر من الضعف في العصور المختلفة؟! الدليل المادي الملموس أمامنا يؤكد ذلك.
وأيضا تراهم اختلفوا هل كتاب الروضة - وهو أحد كتب الكافي التي تضم مجموعة من الأبواب، وكل باب يتضمن عدداً كبيراً من الأحاديث - هل هو من تأليف الكليني أم مزيد فيما بعد على كتابه الكافي (٤) ، فكأن أمر الزيادة شيء طبيعي ووارد في كل حال.
بل الأمر أخطر من ذلك فإن شيخهم الثقة عندهم حسين بن حيدر الكركي العاملي (المتوفى سنة ١٠٧٦هـ) قال: إن كتاب الكافي خمسون كتاباً بالأسانيد التي فيه لكل حديث متصل بالأئمة (٥) ، بينما نرى شيخهم الطوسي (المتوفى سنة ٣٦٠هـ) يقول: "كتاب الكافي مشتمل على ثلاثين كتاباً، أخبرنا بجميع رواياته الشيخ.." (٦) .
فهل زيد على الكافي للكليني فيما بين القرن الخامس، والحادي عشر عشرون كتاباً، مع أن كل كتاب يضم عشرات الأبواب، وكل باب يشمل مجموعة من الأحاديث؟! لعل هذا أمر طبيعي، فمن كذب على رسول الله والصحابة والقرابة فمن باب أولى أن يكذب على شيوخه..
стр. 351
وشواهد هذا الباب كثيرة.
أما متون هذه الكتب ونصوصها فإنك تلحظ فيها ظاهرة الاختلاف والتضاد، ولقد تألم شيخهم محمد بن الحسن الطوسي "لما آلت إليه أحاديثهم من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه.." واعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى، وأن هذا كان من أعظم الطعون على مذهبهم، وأنه جعل بعض الشيعة يترك هذا المذهب لما انكشف له أمر هذا الاختلاف والتناقض (١) .
وقام شيخهم الطوسي بمحاولة يائسة لتدارك هذا الاختلاف وتوجيه هذا التناقض فلم يفلح؛ بل زاد الطين بلة، حيث علق كثيراً من اختلاف الروايات على التقية بلا دليل سوى أن هذا الحديث أو ذاك يوافق أهل السنة.
والواقع أنه بصنيعه هذا قد "كرس" الفرقة، وأضاع على طائفته كثيراً من سبل الهداية.. ومحاولته كانت في أحاديث الأحكام، أما باقي مسال المذهب فلم يتعرض لها.
والدليل المادي على أن محاولته لم تنجح هو كثرة اختلافهم، وقد اشتكى بعض شيوخهم من هذه الظاهرة وهو الفيض الكاشاني صاحب الوافي أحد الكتب الثمانية المعتمدة فقال عن اختلاف طائفته: ".. تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولاً أو ثلاثين قولاً أو أزيد؛ بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها" (٢) .
ومن الملاحظ أن اختلافهم هو اختلاف في الأحاديث أو النصوص وليس اختلافاً في الاستنباط، ولا شك أن التناقض أمارة على بطلان المذهب، وكذب الروايات.. وأن ذلك ليس من عند الله لقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
стр. 352
لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (١) .
وقد عزت بعض راياتهم ظاهرة الاختلاف إلى كثرة الكذب على الأئمة.. فهذا الفيض بن المختار يشكو لأبي عبد الله - كما تقول رواياتهم - كثرة اختلافهم ويقول: "ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم.. إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أن أشك في اختلافهم في حديثهم. فقال أبو عبد الله: هو ما ذكرت يا فيض إن الناس أولعوا بالكذب علينا.. وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غيره تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأساً" (٢) .
وقد كثرت شكاوى الأئمة من كثرة الكذابين عليهم (٣) ، وقد حف بهم
стр. 353
ولاسيما جعفر الصادق مجموعة من المتآمرين والمتكسبين والمحتالين.. وكانوا يستقبلون بعض الوفود القادمة من أصقاع العالم الإسلامي ويأكلون أموالهم باسم الأئمة، ويقدمون لهم تواقيع مزورة باستلامهم ويحدثون عنهم بما لم يقولوا (١) .
وإذا كذب الأئمة أقوالهم قالوا: إن هذا التكذيب منهم تقية (٢) .
واستمع إلى شريك بن عبد الله القاضي (ت١٧٧-١٧٨هـ) يصف الأقوام الذين التصقوا بجعفر وادعوا الرواية عنه - كما تنقل ذلك كتب الشيعة نفسها - "قال أبو عمرو الكشي: قال يحيى بن عبد الحميد الحمّاني في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين ﵁: قلت لشريك: إن أقواماً يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف الحديث، فقال: أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر، ليستأكلوا الناس بذلك، ويأخذوا منهم الدراهم، كانوا يأتون من ذلك بكل منكر، فسمعت العوم بذلك فمنهم من هلك ومنهم من أنكر" (٣) . ويبدو أن الإنكار كان من طائفة من المتقدمين.. إذ إن المتأخرين - ولاسيما في العهد الصفوي وما بعده - قد أصبحت الأساطير الكثيرة التي تروى عن جعفر جزءاً من عقائدهم بلا نكير.
أما معاني هذه الروايات، ومادتها فإن فيها ما يحكم المرء بوضعه بمجرد النظر في متنه لمخالفته لأصول الإسلام وضروراته، وما علم بالتواتر، وما أجمع المسلمون عليه.. مع مخالفته لصريح العقل، وقد رأيت في رواياتهم ما يلغى هذا المبدأ أعني
стр. 354
مبدأ نقد المتن لظهور القرائن التي تدل على ذلك، فقد جاء في بصائر الدرجات عن سفيان السمط قال: "قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك؛ إن رجلاً يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله ﵇: يقول لك: إني قلت لليل إنه نهار، وللنهار إنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني" (١) .
وجاء أيضاً "إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم" (٢) .
وقد ذكر شيخهم المجلسي في الاتجاه (١١٦) حديثاً في باب بعنوان "باب إن حديثهم ﵈ صعب مستصعب، وإن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم ﵃ والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم" (٣) ، وإذا قارنت هذا بما يذهب إليه أهل السنة استبان بصورة أعظم ضلالهم، وبضدها تتميز الأشياء (٤) .
стр. 355
والغالب في النقد المتن عندهم أنه يعمل به إذا كان الحديث يوافق أهل السنة والذين يسمونهم بالعامة فيردّ الحديث حينئذ، لأن مخالفة العامة كما تقول رواياتهم فيها الرشاد (١) . فيزدادون بهذا ضلالاً على ضلالهم.. مع أنه قد جاء عن بعض الأئمة وفي كتب الشيعة نفسها: "لا تقبلوا علينا خلاف كتاب ربنا" (٢) ، إلا أن هذا المبدأ لم يعمل به شيوخهم.. بل إن الأصل الذي أمر الأئمة بالرجوع إليه (وهو القرآن) قد كثرت أساطيرهم التي تتعرض له.
أما مدى صحة هذه الروايات عندهم، والتي تضمنتها تلك المدونات والتعرف على أسانيدهم ورجالهم الذين ارتضوا رواياتهم عن الأئمة، وأقسام الحديث عندهم، ومقاييس نقد السند لديهم، فهذا موضوع هام وكبير يستحق أن يكتب فيه كتابة مستقلة.. وذلك لأهميته في كشف حقيقة هذه المدونات أمام المخدوعين والمغفلين.. وتعرية الباطل واكتشاف الأيدي السبئية التي أسهمت في صنع هذا "الضلال" ونسبته لبعض علماء أهل البيت.. وهو مبحث واسع الأطراف متعدد الجوانب لا يكفي هذا الحيز لتفصيل القول فيه.. فسنكتفي بالعرض المجمل، والإشارة واللمحة.