← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كلامه وحياً يوحى. وقد أثار ابن حزام على الشيعة ما ثبت تاريخياً من أن بعض أئمتهم المذكورين مات أبوه وهو ابن ثلاث سنوات، ثم قال: "فنسألهم من أين علم هذا الصغير جميع علومه الشريعة وقد تعذر تعليم أبيه له لصغره؟ فلم يبق إلا أن يدّعوا له الوحي فهذه نبوة وكفر صريح، وهم لا يبلغون إلى أن يدعوا له النبوة، وأن يدعوا له معجزة تصحيح قوله. فهذه دعوة باطلة، ماظهر منها قط شيء، أو يدّعوا له الإلهام فما يعجز أحد عن هذه الدعوى" (١) . وكأن ابن حزم يتنبأ بما ستضيفه الشيعة، أو هو يكشف شيئاً يتسترون عليه، فقد قالوا بالإلهام والوحي للإمام - كما سلف - وجاء في روايتهم ما يؤكد القول بإمامة الأطفال، ففي أصول الكافي "عن ابن بزيع قال: سألته يعني أبا جعفر ﵁ عن شيء من أمر الإمام، فقلت: يكون ابن أقل من سبع سنين؟ فقال: نعم، وأقل من خمس سنين" (٢) . وقالوا بأن الجواد كان إماماً وهو ابن خمس سنوات (٣) ، وقد مضى احتجاجهم بروايات منسوبة لمنتظرهم وهو ابن ليلة واحدة. ويكفي مجرد تصور هذا لمعرفة مدى بطلان رواياتهم التي ينسبونها للأئمة، إذ قد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع الأمة، أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله، فتكون نفسه محضونة ومكفولة لمن يستحق كفالته الشرعية، وهو قبل السبع لا يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ السبع أمر بها.. فكيف يكون مثل هذا إماماً معصوماً، قوله قول الله ورسوله؟، وهل يؤمن بهذا إلا من أعمى الله قلبه..

стр. 387

ولذلك اعترفت كتب الفرق عند الشيعة، بأن طوائف من الشيعة أنكروا إمامة الجواد لاستصغارهم لسنه، وقالوا: لا يجوز الإمام إلا بالغاً، ولو جاز أن يأمر الله بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس دقيقه وجليله وغامض الأحكام وشرائع الدين، وجميع ما أتى به النبي - صلى الله عليه وآله -، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها طفل غير بالغ (١) . وقد أدى بهم القول بإمامة طفل في حكم الحضانة.. إلى قبول رواية الكذابين الذين نسبوا لبعض الأئمة أقوالاً لم تصدر منهم، لأنهم لم يدركوهم إلا في مرحلة الطفولة. قال الممقاني في ترجمة المعلى بن خنيس: "إن المعلى قتل لأربع وثلاثين ومائة، والكاظم طفل لأنه ولد سنة ٢٨ أو ٢٩ ومائة، فعمره عند قتل المعلى ست أو سبع سنين" (٢) . ولكنه يروي عن الكاظم والشيعة تقبل روايته. يقول الممقاني في توجيه ذلك: "وفيه أن صغرهم لا يمنع من علمهم بالأحكام، ألا ترى إلى إمامة الجواد وهو صغير فيمكن أن يكون المعلى سأل الكاظم وهو صغير فروى عنه" (٣) . ثم إنهم فيما ينقلونه عن بعض علماء أهل البيت لا ينظرون في الإسناد إليهم هل ثبت النقل إليهم أم لا، فإنهم لا معرفة لهم بصناعة الحديث والإسناد (٤) . فهم في حقيقة الأمر "ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل ويصدونهم عن سبيل الله" (٥) ، ولهذا وجدوا كتباً منسوبة لأوائلهم،

стр. 388

مقطوعة الإسناد، بسبب الخوف من دولة الخلافة الإسلامية - كما يقولون - وقيل لهم اعملوا بها فإنها صادقة - كما مر -. وكان شيوخهم يقبلون بما جاء في هذه الكتب بلا تمحيص.. حتى إذا جاء القرن السابع بدأ ابن المطهر بتقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره. وفي القرن ألف أول كتاب عندهم في مصطلح الحديث.. وخالفهم في ذلك طائفة منهم وهم الإخبارون، الذين رفضوا ذلك وقالوا: إنه مجرد محاكاة وتقليد لأهل السنة.. وفضحوا أمر الشيعة في هذا الباب. وقد شهد طائفة من أعلام المسلمين بأن صناعة الكذب رائجة في الأوساط الشيعية، وأنهم يرون ذلك من الدين بحكم عقيدة التقية - كما سلف الإشارة إلى ذلك (١) .-، وقد بلغ التعصب المذهبي مداه حينما قبلوا روايات الكذابين، ومن أنكر إمامة بعض الأئمة.. لمجرد الانتساب للتشيع، وردوا روايات الصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله.. وكانت مقاييسهم في توثيق الرجال في غاية العجب؛ فمن زعم أنه رأى المنتظر، أو أكثر من الافتراء على أهل البيت (٢) . أو زعم أنهم ضمنوا له الجنة (٣) .

стр. 389

أو أنه كان يغلو فيهم (١) . فهو الثقة المأمون. فكيف يجعل الكذب أصلاً للتوثيق والتعديل.. وإذا تدبرت رجال السند على ضوء كتب الرجال عندهم رأيت أن كبارهم، والمكثرين من الرواية عندهم قد نالوا من ذم الأئمة، وحاق بهم لعنهم، وكان الأئمة يتبرؤون منهم ويكذبونهم.. وقد نقلت ذلك كتب الشيعة نفسها (٢) . ولكن شيوخ الشيعة أعرضوا عن وصايا الأئمة وأقوالهم بلا مبرر إلا دعوى التقية التي هي في مثل هذا المقام كنسيج العنكبوت أو أوْهَى.. ومن بعد السند.. المتن.. فكثير من متون هذه الروايات كما رأينا في أبواب هذه الرسالة وفصولها.. وكما يظهر ذلك لمن راجع أصول الكافي، أو البحار، أو تفسير القمي، والعياشي، أو رجال الكشي - كثير من متونها هي معروف كذبها من الإسلام بالضرورة، لأنها تنال من كتاب ربنا، وتحارب سنة نبينا، وتكفر خير القرون ومن تبعهم بإحسان، وتقول بعقائدنا ليس لها في كتاب الله برهان.. فيكفي في الحكم على أحاديثهم؛ النظر في متونها "وكل متن يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع (٣) . على الرسول".

стр. 390

الفصل الثالث: عقيدتهم في الإجماع الإجماع من أصول أهل السنة، وهو الأصل الثالث بعد الكتابة والسنة الذي يعتمد عليه في العلم والدين (١) ، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة" (٢) . وأهل السنة يَزِنُون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما تعلق بالدين (٣) ، وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة (٤) . والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة (٥) . والشيعة لا ترى إجماع الصحابة والسلف أو إجماع الأمة إجماعاً، ولها في هذا الباب عقائد مخالفة نذكرها فيما يلي: أولاً: الحجة في قول الإمام لا في الإجماع نقلت كتب الأصول عند أهل السنة أن الشيعة تقول: "إن الإجماع حجة لا لكونه إجماعاً، بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة" (٦) .

стр. 391

ونستطلع فيما يلي رأي الشيعة من مصادرها، يقول ابن المطهر الحلي: "الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلت كان قول الإمام في جملة أقوالها، فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع" (١) . وبمثل هذا قال عدد من شيوخهم (٢) . إذن الإجماع ليس حجة عندهم بدون وجود الإمام الذي يعتقدون عصمته، فمدار حجية الإجماع هو على قوله لا على نفس الإجماع، فهم في الحقيقة لم يقولوا بحجة الإجماع، وإنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها، فقول ابن المطهر: "الإجماع حجة عندنا" من لغو القول؛ إذ الأصل أن يقول: الإجماع ليس بحجة عندنا، لأن الحجة في قول الإمام المعصوم.. لأن هذا هو مقتضى مذهبهم، فهم جعلوا الإمام بمثابة النبي أو أعظم؛ فهو عندهم ينكت في أذنه، ويأتيه الملك، بل يرى خلقاً أعظم من جبرائيل وميكائيل، إلى آخر ما فصلنا القول فيه عنهم في معتقدهم في السنة، فهم ليسوا بحاجة للإجماع والإمام حاضر بينهم، كما أن الصحابة ليسوا بحاجة للإجماع والرسول حاضر بينهم. فعندهم في كل عصر نبي يسمى الإمام، والحجة في قوله لا في الإجماع، ولهذا قالوا: "ونحن لما ثبت عندنا بالأدلة العقلية والنقلية كما هو مستقصى في كتب أصحابنا الإمامية أن زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم حافظ للشرع يجب الرجوع إلى قوله فيه، فمتى اجتمعت الأمة على قول كان داخلاً في جملتها لأنه سيدها، والخطأ مأمون على قوله، فيكون ذلك الإجماع حجة. فحجية الإجماع عندنا إنما هو باعتبار كشفه عن الحجة التي هي قول المعصوم" (٣) . والأرض لا تخلو من إمام، لأنه - كما يزعمون - "لو خلت الأرض من إمام

стр. 392

لساخت" (١) ، ومعنى هذا استمرار تعطيل مبدأ الإجماع. وأنت إذا تأملت أقوالهم في الإجماع لا تكاد تلمس فرقاً بين مفهوم السنة عندهم، والإجماع إلا باللفظ فقط؛ لأن السنة قول المعصوم، والإجماع المعتبر عندهم هو الكاشف عن قول المعصوم. ولك أن تعجب لماذا يعدون الإجماع أصلاً يقررونه في كتبهم الأصولية. وهو اسم بلا مسمى حتى قرروا بأنه لا عبرة بأقوال ففقهائهم ولو بلغوا المائة، قالوا: "أما الإجماع فعندنا هو حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله لما كان حجة، ولو كان في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله" (٢) . فمعنى هذا أن الإجماع لغو لا فائدة في القول فيه أصلاً، وإنما نهاية أمرهم أنهم سموا السنة باسم الإجماع. ويبدو أن هذا الاعتراض أثير على الشيعة في عصور متقدمة، فقد نقل بعض شيوخ الشيعة عن الشريف المرتضى أنه قال: "إننا لسنا بادئين بالحكم بحجية الإجماع حتى يرد كونه لغواً، وإنما بدأ بذلك المخالفون، وعرضوه علينا، فلم نجد بداً من موافقتهم عليه.. فوافقناهم في أصل الحكم لكونه حقاً في نفسه، وإن خالفناهم في علته ودليله" (٣) . أي: إنهم قلدوا لمجرد التقليد والمحاكاة. وقال صاحب قوامع الفضول أيضاً: "تنعدم فائدة الإجماع لو علم حال شخص الإمام خروجاً أو دخولاً (٤) . أو حال قوله تقية أو نحوها، لكن الذي يسهل الخطب هو أن عقد باب الإجماع منهم دوننا كي يتجه علينا ذلك" (٥) .

стр. 393

ومادام أهل السنة اعتبروا هذا أصلاً، فلماذا تجارونهم وعقيدتكم في الإمام تناقض القول به أصلاً؟! ويقول محمد رضا المظفر: "إن الإجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم.. فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف، فيدخل حينئذ في السنة، ولا يكون دليلاً مستقلاً في مقابلها" (١) . ويقول رضا الصدر: "وأما الإجماع عندنا - معاشر الإمامية - فليس بحجة مستقلة تجاه السنة، بل يعد حاكياً لها، إذ منه يستكشف رأي المعصومين ﵈" (٢) . ويذكر شيخهم محمد جواد مغنية (وهو من شيخهم المعاصرين) : "أن ثمة تبايناً بين موقف متقدمي الشيعة وبين موقف متأخريهم في مسألة الإجماع، حيث اتفق المتقدمون (من الشيعة) على أن مصادر التشريع أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، وغالوا في الاعتماد على الإجماع حتى كادوا يجعلونه دليلاً على كل أصل وكل فرع، وعد المتأخرون لفظ الإجماع مع هذه المصادر ولكنهم أهملوه، بل لم يعتمدوا عليه إلا منضماً مع دليل آخر في أصل معتبر" (٣) . ولكن هذا الكلام ليس على إطلاقه، إذ من المتأخرين من يعد الإجماع دليلاً مستقلاً" (٤) .

стр. 394

هذا وإمامهم انقطع ظهوره منذ القرن الثالث، فكيف الطريق للوصول لرأيه الكاشف عن حجية الإجماع؟ يرى شيخهم الحر العاملي ومن سلك سبيله من الإخباريين أن يتعذر الوصول لرأيه بعد غيبته، وبالتالي لا يثبت الإجماع، لأنه لا يمكن تحصيل العلم بدخوله فيهم ولا يظن به بعد غيبته، فلا يدرى في البر أم في البحر، في المغرب أم في المشرق (١) . بينما يذهب الأصوليون إلى ثبوت الإجماع، وإمكانية معرفة رأي الإمام. يقول شيخهم الهمداني في مصباح الفقيه: "إن المدار على حجية الإجماع على ما استقر عليه رأي المتأخرين ليس على اتفاق الكل، بل ولا على اتفاقهم في عصر واحد، بل على استكشاف رأي المعصوم بطريق الحدس (٢) . من فتوى علماء الشيعة الحافظين للشريعة، وهذا مما يختلف باختلاف الموارد، فرب مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام، وإن اتفقت فيها آراء جميع الأعلام.. ورب مسألة يحصل فيها الجزم بالموافقة ولو من الشهرة" (٣) .

стр. 395

فمن هنا يتبين أن الطريق - عندهم - لاكتشاف قول الإمام هو الحدس، فانظر كيف يجعلون اكتشاف قول المعصوم بطريق الحدس والظن هو العمدة، وإجماع السلف ليس بعمدة، إنها مفارقات في غاية الغرابة، واتفاق جميع أعلامهم لا يحصل به الجزم بموافقة الإمام، ومجرد الشهرة يحصل بها الجزم ولو لم يحصل اتفاق. إنها مقاييس مقلوبة، كما أنه اعتراف منهم بأن شيوخهم قد يتفقون على ضلالة. ومع إنكارهم حجية الإجماع في الحقيقة، فقد أثبتوا العمل بقول طائفة مجهولة وترك ما تقوله الطائفة المعروفة، وهذه من ثمار الشذوذ، وقد عللوا لهذا المسلك الشاذ بأن الإمام مع الطائفة المجهولة. يقول صاحب معالم الدين: "إذا اختلفت الإمامية على قولين، فإن كانت إحدى الطائفتين معلومة النسب ولم يكن الإمام أحدهم كان الحق مع الطائفة الأخرى، وإن لم تكن معلومة النسب.." (١) . حتى اعتبروا وجود هذه الطائفة المجهولة شرطاً لتحقق الإجماع في عصور الغيبة. قالوا: "الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الإجماع في زماننا هذا وما ضاهاه من غير جهة النقل، إذ لا سبيل إلى العلم بقول الإمام، كيف وهو موقوف على وجود المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم ويكون قوله ﵁ مستوراً بين أقوالهم، وهذا مقطوع بانتفائه، فكل إجماع يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا، وليس مستنداً إلى نقل متواتر وآحاد حيث يعتبر أو مع القرائن المفيدة للعلم، فلابد أن يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة" (٢) . العمدة عندهم قول الطائفة المجهولة، وهذا عزيز الوجود، فمنذ ما يقارب عصر شيخ طائفة الطوسي لم يطلع على مثل هذا، والإجماع الموجود هو الإجماع المنقول (٣) . وكأنه

стр. 396

قبل عصر الشيخ قد وجد مثل هذا الإجماع. وهؤلاء الذين يرفضون إجماع الصحابة، يبحثون عن قول طائفة مجهولة ليأخذوا به. ثم هم قد أصابوا في عدم الاعتداد بأقوال شيخهم وإن اتفقت كلمتهم، ولكنهم ضلوا في إعراضهم عما أجمع عليه الصحابة والسلف. وهم في وصولهم إلى ما يسمى "بالإجماع" عندهم، يتخبطون أيما تخطب حتى صارت إجماعاتهم المتعارضة كرواياتهم المتضاربة التي تلاحظها أثناء مراجعتك لكتاب الاستبصار أو البحار أو غيرهما، بل إن العالم الواحد تتضارب أقواله في دعوى الإجماع، انظر - مثلاً - ابن بابويه القمي صاحب "من لا يحضره الفقيه" أحد الكتب الأربعة التي عليها مدار العمل عندهم، قالوا إنه: ".. ليدعي الإجماع في مسألة ويدعي إجماعاً آخر على خلافها وهو كثير" (١) . حتى قال صاحب جامع المقال: "ومن هذه طريقته في دعوى الإجماع كيف يتم الاعتماد عليه والوثوق بنقله" (٢) . بل إنهم يدعون الإجماع في أمر لا قائل به، يقول شيخهم النوري الطبرسي: "ربما يدعي الشيخ والسيد إجماع الإمامية على أمر وإن لم يظهر له قائل" (٣) . كما

стр. 397

ذكر شيخهم الطبرسي وأكد على وجود "الإجماعات المتعارضة من شخص واحد ومن معاصرين أو متقاربي العصر، ورجوع المدعي عن الفتوى التي ادعى الإجماع فيها ودعوى الإجماع في مسائل غير معنونة (كذا) في كلام من تقدم على المدعي، وفي مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدعي، بل في زمانه، بل ما قبله" (١) . هذا قول الطبرسي وهو الخبير المتتبع لكتبهم، واضطر ليكشف هذا لنصرة مذهبه الذي ألف فصل الخطاب من أجله، ويرد دعوى الإجماع على خلافه فاستفدنا من هذا الاعتراف غير المقصود لذاته لنبين اضطرابهم في هذا الأصل، واضطرابهم في تحديده وفي تطبيقه. ثم إنهم - وهم يقولون بأن الإجماع وهو ما يكشف عن قول المعصوم - لا يطبقون هذا، بل يتتبعون اتفاق أصحابهم لا قول معصومهم. ولهذا قال صاحب معالم الدين حينما ذكر ما قاله أحد كبار شيوخهم من أن العمدة هو كلام المعصوم لا اتفاق الفقهاء بدونه، فقال: "والعجب من غفلة الأصحاب عن هذا الأصل وتساهلهم في دعوى الإجماع عند احتجاجهم به للمسائل الفقهية، حتى جعلوه عبارة عن مجرد اتفاق الجماعة من الأصحاب فعدلوا به عن معناه الذي جرى عليه الاصطلاح من غير قرينة جلية، ولا دليل على الحجية معتداً - كذا - به" (٢) . فهم لا يقولون بالإجماع على الحقيقية، ومع ذلك يجعلونه من أصول أدلتهم، ويتناقضون في دعواه وتطبيقه أيما تناقض. والتناقض في القول دليل بطلانه. وحتى يتجلى لك الفرق جلياً بين مذهب أهل السنة في القول بحجية الإجماع، وبين مذهب الشيعة في ذلك، فلك أن تتصور أنه لو صدر من إمامهم محمد الجواد، والذي قالوا بإمامته وهو ابن خمس سنين (٣) ، لو صدر منه وهو

стр. 398

في هذا العمر قول أو رأي، أو نسب إليه عن طريق جماعة من الروافض أنه يقول في أمر شرعي بحكم، أو قول، وخالفته في ذلك الأمة الإسلامية جمعياً، فإن الحاجة في رأيه لا في إجماع الأمة" (١) . ولو أثر عن منتظرهم الذي قال التاريخ بأنه لا وجود له - كما سيأتي - قول، ولو عن طريق حكايات الرقاع، وخالفه في هذا القول أو ذلك الحكم المسلمون جميعاً، فإن القول هذا المعدوم الذي لم يوجد، ولا عبرة بقول المسلمين جميعاً. قال مفيدهم في تقرير هذا: "فلو قال (يعني الإمام) قولاً لم يوافقه عليه أحد من الأنام لكان كافيًا في الحجة والبرهان" (٢) . وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج إلى مناقشة. ولهذا قرر المفيد أن هذا مما شذت به طائفته، فقال: "وهذا مذهب أهل الإمامة خاصة، ويخالفهم فيه المعتزلة والمرجئة والخوارج وأصحاب الحديث.." (٣) . ثناياً: ما خالف العامة ففيه الرشاد الإجماع عند جمهور المسلمين ينظر فيه إلى إجماع الأمة، لأن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤) .

стр. 399

وقال ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهو ظاهرون على الناس" (١) . وروي عنه ﷺ عدة روايات في أن هذه الأمة "لا تجتمع على ضلالة" (٢) .

стр. 400

هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما طائفة الشيعة فالنظر عندهم في الإجماع إلى الإمام لا إلى الأمة، والاعتبار بمن دان بإمامة الاثني عشر بشرط أن يكون من ضمنهم الإمام، أو يكون إجماعهم كاشفا عن قول الإمام - كما قدمنا - ولا يلتفت إلى اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد ﷺ . بل الأمر أعظم من عدم اعتبار إجماعهم، حيث تعدى ذلك إلى القول بأن مخالفة إجماع المسلمين فيه الرشاد، وصار مبدأ المخالفة أصلاً من أصول الترجيح عندهم، وأساساً من أسس مذهبهم، وجاءت عندهم نصوص كثيرة تؤكد هذا المبدأ وتدعو إليه. ففي أصول الكافي سؤال أحد أئمتهم يقول: إذا ".. وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة (يعني أهل السنة) والآخر مخالفاً لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، فقلت (القائل هو الراوي) : جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعاً؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتها فيترك ويؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات" (١) .

стр. 401

وذكر ثقتهم الكليني أن من وجوه التمييز عند اختلاف رواياتهم قول إمامهم: "دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم" (١) . وقال أبو عبد الله - كما يفترون -: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما يخالف القوم" (٢) . وعن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (٣) .﵁: "هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا، فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شيء، ويروى عنه خلافه فأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم (إشارة لأهل السنة) وما وافق القوم فاجتنبه" (٤) . ويعللون الأخذ بهذا المبدأ بما يرويه أبو بصير عن أبي عبد الله قال: "ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء" (٥) . ويغرر هؤلاء الزنادقة الذين يبغون في الأمة الفرقة والخلاف، بأولئك الأتباع الجهال الذين تعطلت ملكة التفكير عندهم بعدما شحنت نفوسهم بما يسمى "محن آل البيت" و"خدرت" عقولهم بما يقال لهم من ثواب كبير ينتظرهم بمجرد حب آل البيت، غرر هؤلاء الزنادقة بأولئك الأتباع فقالوا: إن الأصل في هذا المبدأ "أن علياً ﵁ لم يكن يدين الله بدين إلا خالف - كذا - عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء الذي لا

стр. 402

يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له - كذا - من عندهم ليلتبسوا - كذا - على الناس" (١) . مع أنهم يقولون بأن عمر كان يستشيره في كل صغيرة وكبيرة، ويأخذ بقوله ويعمل بفتواه، وأن الصحابة كانت ترجع إليه في مشكلاتهم (٢) ، وأن عمر قال: لا عشت في أمة لست لها يا أبا الحسن (٣) . لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبا الحسن (٤) . فأي القولين نأخذ به ونصدقه؟ ولكن هذا هو دأب هؤلاء الوضّاع التناقض، وهذه ثمار الكذب. كما يوصون أتباعهم بالوصية التالية والتي تعمق الخلاف وتضمن استمراره، وتكفل لهذه الفئة العزلة عن جماعة المسلمين وإجماعهم: عن علي ابن أسباط قال: قلت للرضا ﵁: يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: ائت فقيه البلد، فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه" (٥) . وعلق على هذا النص أحد شيوخهم، فقال: "من جملة نعماء الله على هذه الطائفة المحقة أنه خلى بين الشيطان وبين علماء العامة، فأضلهم في جميع المسائل النظرية حتى يكون الأخذ بخلافهم ضابطة لنا، ونظيره ما ورد في حق النساء شاوروهن وخالفوهن" (٦) . هذه النصوص في منتهى الخطورة، وهي من وضع زنديق ملحد أراد الكيد

стр. 403

للأمة ودينها، وأراد أن يفتح للقوم باباً واسعاً للخروج من الإسلام، حيث يتجهون إلى مخالفة كل أمر من الدين عليه أمة الإسلام. وكيف يدعو قوم هذه عقائدهم إلى التقريب؟! وكيف يزعمون إمكانية اللقاء مع أهل السنة الذين يكون الرشد في خلافهم؟! الجانب النقدي لهذه المقالة: بالإضافة إلى ما ألمحنا إليه في أثناء العرض نوضح هذه المسألة أكثر، فأقول: أما ثبوت حجية الإجماع، فقد تكفلت كتب الأصول ببيانه، والاستدلال عليه بما يغني ويكفي. والشيعة تقر بالإجماع اسماً، وتخالفه في الحقيقة - كما سلف -. وقد نقل شخيهم المعاصر مغنية اتفاق شيعته القدماء على القول بالإجماع، وأن المتأخرين عدوه من أصول أدلتهم، ولكن لم يعتمدوا عليه (١) ، وهذا يعني أنهم خالفوا الإجماع الذي عدوه من أصول أدلتهم، أو أن قدماء الشيعة قد أجمعوا على ضلالة، أو أن متأخريهم خالفوا الحق الذي أجمع عليه متقدموهم.. والحقيقة أن مآل الجميع إلى الإنكار، وإن كثر ادعاء بعضهم في هذا الباب لاسيما في كتب الأصول عندهم، ذلك أن دعوى الإجماع عند التمحيص مجرد لغو لا حقيقة له. ولكن بالإضافة إلى ذلك، فإن حيرتهم في الوصول إلى هذا الإجماع الذي يدعونه برهان جلي يدل على أنهم ليسوا على شيء، ومن أوضح الأمثلة على ذلك اشتراطهم وجود عالم مجهول النسب لتحقق الإجماع على اعتبار أن يكون هو الإمام الغائب، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك من أعظم الجهل، حيث قال: "رأيت في كتب شيوخهم أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين، وكان أحد القولين يعرف قائله، والآخر لا يعرف قائله، فالصواب عندهم القول الذي لا

стр. 404

يعرف قائله. قالوا: لأن قائله إذا لم يعرف كان من أقوال المعصوم، فهل هذا إلا من أعظم الجهل". وتعجب كيف يجعلون عدم العلم بالقول وصحته، دليلاً على صحته، وقال: "من أين يعرف أن القول الآخر الذي لم يعرف قائله إنما قاله المعصوم؟ ولم لا يجوز أن يكون المعصوم قد وافق القول الذي يعرف قائله، وأن القول الآخر قد قاله من لا يدري ما يقول، بل قاله شيطان من شياطين الجن والإنس؟ فهم أثبتوا الجهل بالجهل، حيث جعلوا عدم العلم بالقائل دليلاً على أنه قول المعصوم. وهذه حال من أعرض عن نور السنة التي بعث الله بها رسوله، فإنه يقع في ظلمات البدع، ظلمات بعضها فوق بعض" (١) . وقد انتقدهم شيخهم الحر العالي "صاحب الوسائل" على هذا المسلك (٢) ، فقال: "وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب، وأي دليل دل عليه؟ وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو الظن به" (٣) . وأمر آخر لا يقل عن هذا، وهو كيف يجعل قول طفل عمره خمس سنين لم يخرج عن طور الحضانة بمنزلة إجماع الأمة بأسرها، بل يرفض إجماع الأمة ويؤخذ بقول صبي أو معدوم؟! هذا في غاية الفساد. وإذا بحثت عن إجماعهم (الاسمي) الذي يكشف عن رأي المعصوم - كما يزعمون - لم تجد إلا روايات يعارض بعضها بعضاً، كما ترى ذلك في روايات التهذيب والاستبصار. وقد صرح به شيخ الطائفة في مقدمة التهذيب، وذكر أن هذا من أسباب خروج الكثير من التشيع - كما مر - (٤) .

стр. 405

ثم يلحظ أن أهم مسألة عند الشيعة وهي مسألة الإمام قد تضاربت في تعيينه فرق الشيعة، واختلفت مذاهبهم، واضطربت اتجاهاتهم حوله بشكل كبير، كما حفلت ببيانه وتفصيله كتب المقالات عند الفريقين، فأين تحقق الإجماع وأصل المذهب تنخر فيه الاختلافات، وتدور في شانه المنازعات؟ وترى كذلك أن دعوى الإجماع عندهم متعارضة متضاربة. وما انفردت به الشيعة عن الجماعة وادعت الإجماع عليه هي أقوال في غاية الفساد سواء في الأصول أو الفروع، كإيمانهم بذلك المنتظر الذي لم يولد، ومبالغاتهم في أوصاف الإمام ومعجزاته، وإلى آخر ما شذوا به مما سيأتي بسطه وبيانه. بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الشيعة ليس لهم قول واحد يتفقون عليه" (١) . وهذا حق اعترفت به الشيعة نفسها، حيث جاء في أصول الكافي: "عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر ﵁ قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها، فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا، ولكان أقلّ لبقائنا وبقائكم" (٢) . فهذا يؤكد أن من أصول مذهبهم بحكم عقيدة التقية اختلاف أقوالهم وتباين آرائهم، حتى لا يقف - بزعمهم - الأعداء على حقيقة مذهبهم، فكان من أثر ذلك أن ضاع المذهب، ولم يعرف حقيقة رأي الأئمة، فكيف يمكن تحقق الإجماع على قول أو حكم في ظل هذا الاختلاف والاضطراب؟! والإمام أبو جعفر بريء من هذا، لكن هذا من اختراع الزنادقة حتى

стр. 406

لا يعرف الشيعة رأي أبي جعفر وغيره من علماء آل البيت ليتسنى لهم نشر كفرهم وغلوهم، وكلما كذب هذا الغلو أئمة أهل البيت قالوا: هذا تقية. قال علامة الهند صاحب التحفة الاثني عشرية: وأما الإجماع فدعواهم أنه من أدلتهم باطل، لأنه كونه حجة ليس بالأصالة، بل لكون قول المعصوم في ضمنه، فمدار حجيته على قول المعصوم لا على نفس الإجماع. وهم ينازعون في ثبوت عصمة الإمام، كما ينازعون في تعيينه. وأيضاً إجماع الصدر الأول - يعني قبل حدوث الاختلاف في الأمة - غير معتبر عندهم، لأنهم أجمعوا على خلافة أبي بكر وعمر.. ومنع ميراث النبي ﷺ وحرمة المتعة، وهذا باطل في نظرهم، فإذا كان هذا الإجماع غير معتبر عندهم فبعد حدوث الاختلاف في الأمة وتفرقهم بفرق مختلفة كيف يتصور الإجماع، ولاسيما في المسائل الخلافية المحتاجة إلى الاستدلال وإقامة الحجة القاطعة. ثم أشار صاحب التحفة إلى صور من التناقض عندهم، حيث إن بعضهم نقل إجماع فرقتهم على أمر وكذبهم وأنكر عليهم بذلك الآخرون منهم. وأن شيخهم (الشهيد الثاني) وهو من أجلة علمائهم قد أفرد فصلاً مستقلا ًفي أن شيخ الطائفة قد ادعى في مواضع إجماع الفرقة مع أنه قال هو بخلافه في مواضع أخر (١) . ثم نقل صاحب التحفة نص كلامه (٢) . وأقول: إن مذهبهم بأن الإجماع حجة من جهة كشفه عن رأي المعصوم

стр. 407

فقط لا من جهة أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، كما عليه أهل السنة، فوق أن هذا إنكار للإجماع على الحقيقة، فإن في ذلك مخالفة للحديث الثابت عندهم وهو: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (١) . كما أن هذا الحديث أيضاً ورد من طرق أهل السنة كما سبق تخريجه" (٢) . فلماذا لا يؤخذ بهذا النص الذي يستدل به كل الفريقين، وليس ذلك فحسب بل قد ورد أيضاً في الاحتجاج - وهو من كتبهم المعتمدة كما قرر ذلك المجلسي وغيره - رواية عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري ﵁ في حديث طويل قال: "واجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك على أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على الضلالة" فأخبر أن ما أجمعت عليه الأمة، ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحق، فهذا معنى الحديث، لا ما تأوله الجاهلون، ولا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، واتباع حكم الأحاديث المزورة، والروايات المزخرفة، واتباع الأهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات الواضحات النيرات.." (٣) . فأنت ترى في هذا النص إمامهم لم يقل: انظروا إلى ما اتفق عليه الجماعة التي فيها المعصوم، ودعوا رأي الجماعة الأخرى، ولم يقل: ابحثوا عن الجماعة أو الشخص المجهول النسب، فقد يكون المنتظر من ضمن تلك الجماعة، أو يكون هو نفسا المجهول النسب، بل قال: بأن ما أجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحق، وبين أن أساس إصابة الحق هو الاعتماد على الكتاب والسنة، وأن إصابة الحق في حالة الإجماع محققة لقول النبي ﷺ : "لا تجتمع أمتي على

стр. 408

ضلالة" وهذا الحديث هو أحد حجج جمهور المسلمين في إثبات حجية الإجماع. وحذر من اتباع غير ذلك من الروايات المكذوبة. فلماذا تشذ هذه الطائفة، وتأخذ بتلك الروايات المكذوبة، وتدع قول إمامهم، وتفارق الأمة، وتنبذ إجماعها، وتأخذ برأي طفل صغير أو معدوم، وتدع ما أجمع عليه أمة الإسلام، كل ذلك لأن زنديقاً وضع لها أصلاً يقول بأن ما خالف العامة فيه الرشاد "فجمعوا مخالفة أهل السنة والجماعة الذين هم على ما كان عليه الرسول وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين أصلاً للنجاة، فصار كلما فعل أهل السنة شيئاً تركوه، وإن تركوا شيئاً فعلوه، فخرجوا بذلك عن الدين رأساً، وذلك هو الضلال المبين باليقين" (١) . والله يقول: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) . ولو كان هذا الأصل؛ أعني قولهم: ما خالف العامة - أي أهل السنة - فيه الرشاد، لو كان هذا من عند الأئمة كما تزعم هذه الزمة لكان الأئمة أسبق الناس إلى تطبيقه على أنفسهم، والواقع الذي يوافقنا شيوخ الشيعة عليه أن علياً ﵁ لم يشذ عن الصحابة، بل إنه كما يقول شيخهم الشريف المرتضى: "دخل في آرائهم، وصلى مقتدياً بهم، وأخذ عطيتهم، ونكح سبيهم، وأنكحهم، ودخل في الشورى" (٣) . وغير ذلك. ولم يذهب إلى مخالفتهم في شيء مما أجمعوا عليه، وكان ﵁ يكره الاختلاف، كما روى البخاري عن علي ﵁ قال: "اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة" (٤) . قال ابن حجر: قوله: "فإني أكره الاختلاف" أي: الذي يؤدي إلى النزاع.

стр. 409

قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك "حتى يكون الناس جماعة" (١) . وكل ما ينفرد به الشيعة وتشذ به ليس من "هدي" علي ﵁ وكان علي ﵁ مع الأمة في إجماعها، لأن فيه الرشاد، لا في مخالفتهم كما تدعيه هذه الزمرة الحاقدة على الأمة، والتي تبغي فيها الفرقة والشتات، ولهذا لم نجد إجابة عن موافقة علي ﵁ للأمة إلا بدعوى التقية، أي نفاق عليّ للصحابة - برأه الله مما يفترون - وهي دعوى تتناقض مع العقل والتاريخ، فضلاً عن الشرع والدين. فلم يستطع شيوخ الشيعة - كما ترى - أن يثبتوا على علي تطبيقه لهذا الأصل المفترى، بل أقروا بموافقته للأمة على لسان شيخهم الشريف المترضى، وحتى إبّان خلافته، وامتلاكه لزمام الأمور والتي تنتفي معها "التقية" لم يقدروا على إنكار موافقته للأمة. يقول شيخهم نعمة الله الجزائري: "ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا؛ لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء المتعتين متعة الحج ومتعة النساء.. وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء، ومعاوية عن الإمارة" (٢) . فثبت بنقل الفريقين أن أمير المؤمنين لم يفارق إجماع الأمة، وأن الإمامية قد خالفت سريته حينما وضعت لنفسها مبدأ مخالفة الأمة، فليست له بشيعة، وليس لها بإمام.

стр. 410

الباب الثاني: عقيدتهم في أصول الدين وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: عقيدتهم في توحيد الألوهية. الفصل الثاني: عقيدتهم في توحيد الربوبية. الفصل الثالث: عقيدتهم في أسماء الله وصفاته. الفصل الرابع: عقيدتهم في الإيمان وأركانه.

стр. 411

الفصل الأول: عقيدتهم في توحيد الألوهية والمقصود بتوحيد الألوهيّة: إفراد الله تعالى بالعبادة؛ لأنّه سبحانه المستحقّ أن يُعبد وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، وعدم صرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره (١) . وهذا التوحيد هو الذي دعت الرسل إليه؛ لأن إقرار أقوامهم بتوحيد الربوبية معلوم، كما أخبر الله عن أنبيائه نوح، وهود، وصالح، وشعيب أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) ، وأخبر سبحانه أن هذه دعوة الرسل عامة، فقال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٣) . وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٤) . وهو أصل النّجاة، وأساس قبول العبادات: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (٥) . فهل حافظت الشيعة على هذا الأصل الأصيل، والركن المتين، أو أن اعتقادها في الأئمة قد أثر على عقيدتها في توحيد الله سبحانه؟ هذا ما سنتناوله بالحديث فيما يلي، حيث سأعرض لسبعة مباحث - إن شاء الله -.

стр. 412

أولها: اعتقادهم أن نصوص القرآن الواردة في أعظم أصل من أصول الدين، والذي وقع فيه الضلال في العالمين، وهو توحيد العبادة، اعتقادهم أن الغاية منه تقرير ولاية عليّ والأئمة وعدم إشراك أحد معهم في الإمامة. والمبحث الثاني: اعتقادهم أن أصل قبول الأعمال هو الإيمان بإمامة الاثني عشر وولايتهم وليس توحيد الله . والمبحث الثالث: اعتقادهم أن الأئمة هم الواسطة بين الله والخلق، حتى صاروا يعبدونهم ويدعونهم رغبًا ورهبًا. والمبحث الرابع: اعتقادهم أن للأئمة حق التشريع والتحليل والتحريم. والمبحث الخامس: اعتقادهم أن تراب قبر الحسين شفاء من كل داء، وأمان من كل خوف. والمبحث السادس: دعاؤهم بالطلاسم والرموز لكشف البلايا ورفع الملمات، واستعانتهم بالمجهول لطلب الهداية. والمبحث السابع: استخارتهم بما يشبه رقاع الجاهلية (١) .

стр. 413

المبحث الأول: نصوص التوحيد جعلوها في ولاية الأئمة فأول ما نفاجأ به أن نصوص القرآن التي تأمر بعبادة الله وحده، غيروا معناها إلى الإيمان بإمامة علي والأئمة، والنصوص التي تنهى عن الشرك جعلوا المقصود بها الشرك في ولاية الأئمة. أـ ففي قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١) . جاء في الكافي (٢) . - أصح كتاب عندهم في الرواية - وفي تفسير القمي (٣) . - عمدة تفاسيرهم - وفي غيرهما من مصادرهم المعتمدة (٤) . تفسيرها بما يلي: "يعني إن أشركت في الولاية غيره" (٥) ، وفي لفظ آخر: "لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي من بعدك ليحبطن عملك" (٦) . وقد ساق صاحب البرهان في تفسير القرآن أربع روايات لهم في تفسير الآية السابقة بالمعنى المذكور (٧) . وقد جاء في سبب نزولها عندهم: " ... إن الله حيث أوحى إلى نبيه ﷺ أن يقيم عليًا للناس علمًا اندس إليه معاذ بن جبل فقال: أشرك في ولايته الأول والثاني (يعنون أبا بكر وعمر) حتى يسكن الناس إلى قولك

стр. 414

ويصدقوك، فلما أنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (١) . شكا رسول الله ﷺ إلى جبرائيل فقال: إن الناس يكذبوني ولا يقبلون مني، فأنزل الله : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) . وحتى يدرك القارئ مدى تحريفهم لآيات الله، وتآمرهم لتغيير دين الإسلام بتغيير أصله العظيم وهو التوحيد، نسوق الآية وما قبلها وما بعدها، ونتبع ذلك ببيان معناها. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ . فالآية كما هو واضح من سياقها تتعلق بتوحيد الله في عبادته، فهم غيروا الأمر فاعتبروا الآية متعلقة بعلي، مع أنه ليس له ذكر في الآية أصلاً، فكأنهم جعلوه هو المعبر عنه بلفظ الجلالة (الله) وجعلوا "العبادة" هي الولاية. والآية واضحة المعنى بينة الدلالة، ليس بين معناها وتأويلهم المذكور أدنى صلة. قال أهل العلم في تفسيرها: إن الله سبحانه أمر نبيه أن يقول هذا للمشركين لما دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام، وقالوا: هو دين آبائك (٣) . والمعنى: قل يا محمد لمشركي قومك، أتأمرونني بعبادة غير الله أيها الجاهلون بالله ولا تصلح العبادة لشي سواه سبحانه. ولما كان الأمر بعبادة غير الله لا يصدر إلا من غبي جاهل ناداهم بالوصف المقتضي ذلك فقال: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ . ثم بين سبحانه أنه قد أوحى إلى نبيه وإلى الرسل من

стр. 415

قبله: لئن أشركت بالله ليبطلن عملك. وهذا في بيان خطر الشرك وشناعته، وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه؟ ثم قال سبحانه: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ لا تعبد ما أمرك به المشركون بل اعبد الله وحده دون كل ما سواه من الآلهة والأوثان (١) . فالمعنى كما ترى واضح جلي، لا يلتبس إلا على صاح هوى مغرض، قد أعماه هواه عن رؤية الحق، فهذه الزمرة التي وضعت هذه الروايات كان جل همها، وغاية قصدها البحث عن سند لدعواهم في الإمامة، فكانت تخبط في هذا الأمر خبط عشواء، لا تستند في الاستدلال إلى أصل من لغة أو عقل فضلاً عن الشرع والدين. وفي ظني أنه لا يبعد أن يكون من بينها من يتعمد سلوك هذه المسالك.. حتى يبعد ناشئة الشيعة، وعقلاءها عن دين الإسلام، لأنهم إذا رأوا أن هذه الأدلة، والمسائل وأمثالها فاسدة في العقل، وظنوا أن هذا هو الإسلام شكوا في الإسلام نفسه، وهذه إحدى الأهداف البعيدة لتلك الزمرة الحاقدة التي رامت الكيد للأمة ودينها، وإبعاد الشيعة عن دين الإسلام، ولا سيما أنك تجد في النص الشيعي السالف الذكر النيل من رسول الله ﷺ ، حيث نسبوا إليه ﵊ المخالفة بعدم امتثال أمر ربه ابتداء، وهو تنقص لمقام المعصوم (من قوم بالغوا في دعوى عصمة من دون النبي وهم الأئمة) وتنقص الأنبياء كفر (٢) . كذلك يظهر في النص الإساءة للمعصوم ﵊ بتصويره في موقف الخائف الوجل من قومه، المتردد في تنفيذ أمر ربه، حتى إنه لم يفارق هذا الموقف إلا حينما نزل عليه التهديد بإحباط عمله. ب ـ وفي قوله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ

стр. 416

يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا..﴾ (١) . وهذه الآية- كما هو واضح - تبين ما عليه أهل الشرك من إعراض عن عبودية الله وحده، وهي جواب المشركين حينما طلبوا الخروج من النار، والرجعة إلى الدنيا فقالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ فكان جوابهم ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره من الأصنام أو غيرها ﴿تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك به وتجيبوا الداعي إليه، فبين سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، فهي مع ما قبله خبر عن جزاء المشركين في الآخرة، وأن مصيرهم إلى النار لا يخرجون منها، وأنهم يطلبون الرجعة إلى الدنيا ولا يجابون بسبب إشراكهم بالله في عبادته (٢) . ولكن الشيعة تروي عن أئمتها في تأويل الآية غير ما فهمه المسلمون منها. تقول: "عن أبي جعفر في قوله : ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ بأن لعلي ولاية ﴿وَإِن يُشْرَكْ بِهِ﴾ من ليست له ولاية ﴿تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ " (٣) . ومعلوم أن هذا التأويل من جنس تأويلات الباطنية، إذ لا دلالة عليه من لفظ الآية ولا سياقها مطلقًا، ولذلك فإن صاحب مجمع البيان أعرض عن تأويلات طائفته حب رواياتها عن أئمتها وفسر الآية بمقتضى ظاهرها، وما قاله السلف

стр. 417

في تفسيرها (١) . لكن مثل هذه الأصوات المعتدلة سرعان ما تموت في جو التقية الخانق. جـ وتمضي رواياتهم على ذلك المنهج الضال، والتأويل الفاسد، ففي قوله سبحانه: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) . قال أبو عبد الله - كما يفترون -: "أي إمام هدى مع إمام ضلال في قرن واحد" (٣) . إن هذه الروايات وأمثالها هي التربة الصالحة لنشوء الاتجاهات الغالية التي تؤله عليًا، والتي لا تزال تظهر في هذه الطائفة بين آونة وأخرى، وإلا فالآية لا صلة لها بإمامهم، بل هي لتقرير وحدانية الله، فالله جل شأنه قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ الآيات (٤) . يقول الله في آخر كل آية: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله؟ فاحتج عليهم بذلك، وأن ذلك يستلزم ألا يعبد إلا الله وحده (٥) . د ـ وإذا كان الله جل شأنه يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٦) ، فإن تلك الزمرة التي وضعت روايات الشيعة قالت وكأنها تضاهي معنى هذه الآية أو تعارضه، قالت: "ما بعث الله نبيًا قط إلا بولايتنا والبراء من أعدائنا" (٧) .

стр. 418

وفي رواية أخرى: "ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيًا قط إلا بها" (١) ، فجعلوا أمر إمامة أئمة لم يخلقوا هو أصل دعوة الأنبياء (٢) .!! هذا ورواياتهم في تأويل نصوص التوحيد والنهي عن الشرك بالمعنى المبتدع عندهم لا تكاد تخلو منها آية من آيات القرآن المتعلقة بالتوحيد، والنهي عن الشرك (٣) ، ولهذا جعل أحد شيوخهم هذا التأويل قاعدة مطردة في القرآن فقال: "كل ما ورد ظاهره في الذين أشركوا مع الله سبحانه ربًا غيره من الأصنام التي صنعوها بأيديهم ثم عظموها وأحبوها والتزموا عبادتها وجعلوهم شركاء ربهم، وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله بغير أمر من الله بل بآرائهم وأهوائهم، فبطنه وارد

стр. 419

في الذين نصبوا أئمة بأيديهم وعظموهم وأحبوهم والتزموا طاعتهم وجعلوهم شركاء إمامهم الذي عينه الله لهم.." (١) . ووضعهم هذا قاعدة يعني أن أخبارهم تواطأت وتضافرت لإثبات هذا المنكر، وهذا ما صرحوا به فقالوا: "إن الأخبار متضافرة إنّ الأخبار متضافرة في تأويل الشّرك بالله والشّرك بعبادته بالشّرك في الولاية والإمامة؛ أي يشرك مع الإمام من ليس من أهل الإمامة، وأن يتّخذ مع ولاية آل محمد ﵃ (أي الأئمّة الاثنا عشر) ولاية غيرهم" (٢) . وهكذا لا تكاد تخلو آية من آيات القرآن من موضوع التوحيد والنهي عن الشرك إلا وراموا تحريفها وتعطيل معناها وتحويلها إلى ولاية علي والأئمة ولو كانت صريحة واضحة بينة. وهذه التأويلات هي مفتاح كل شر، وباب كل فتنة (٣) ، كيف وهي تتعلق بأصل الدين، وما اتفقت عليه دعوة المرسلين، وبه نزلت الكتب، ومن أجله أرسلت الرسل، وبه انقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في الجحيم. وقبل أن نرفع القلم في هذه المسألة أشير إلى رواية من كتبهم تنقض تأويلاتهم، وتبين أصلها ومنبتها، فقد جاء في تفسيرهم "البرهان": عن حبيب بن معلى الخثعمي قال: ذكرت لأبي عبد الله رضي لله عنه ما يقول أبو الخطاب، فقال: أجل إليّ ما يقل. قال: في قوله : ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أنه أمير المؤمنين ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ فلان وفلان (٤) . قال أبو عبد الله:

стр. 420

من قال هذا فهو مشرك بالله ثلاثًا أنا إلى الله منهم بريء ثلاثًا، بل عني الله بذلك نفسه، قال: فالآية الأخرى التي في حم قول الله : ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ ثم قلت: زعم أنه يعني بذلك أمير المؤمنين ﷺ . قال أبو عبد الله: من قال هذا فهو مشرك بالله ثلاثًا أنا إلى الله منهم بريء ثلاثًا، بل عني الله بذلك نفسه، قال: فالآية الأخرى التي في حم قول الله : ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ ثم قلت: زعم أنه يعني بذلك أمير المؤمنين ﷺ . قال أبو عبد الله: من قال هذا فهو مشرك بالله ثلاثًا أنا إلى الله منهم بريء ثلاثًا، بل عني الله بذلك نفسه" (١) . وقد مرّ أن الآية الأخيرة التي أشارت إليها الرواية جاء تأويلها بمثل ما قال أبو الخطاب في عدد من مصادرهم المعتمدة كالكافي، والبرهان، والبحار، وتفسير الصافي وغيرها كما سلف (٢) . أما الآية الأولى فقد جاء تأويلها بمثل هذا المنكر الذي أنكره أبو عبد الله - باعترافهم - في رواية ينسبونها لأبي عبد الله خرجها صاحب الكافي (٣) . وذكرها صاحب البحار (٤) . وغيرهما (٥) . فأبو عبد الله يحكم على شيوخ الشيعة الذين ارتضوا هذا التأويل بالشرك. وقد جاءت عندهم روايات كثيرة ليست من قبيل التأويل للآيات، بل هي أحاديث مستقلة عن أئمتهم تؤصل هذا المنكر، وتثبت قاعدته، كقولهم: "من أشرك مع إمام إمامته من عند الله من ليست إمامته من الله كان مشركًا" (٦) . وفي هذا المعنى عدة روايات (٧) . وأكد ذلك شيوخهم، قال صدوقهم ابن بابويه: ".. إن الله هو الذي لا يخليهم في كل زمان من إمام معصوم، فمن عبد ربًا لم يقم لهم الحجة، فإنما عبد

стр. 421

غير الله " (١) . وهو يعني أن من آمن بالله سبحانه ربًا، وأخلص له العبادة، ولكن اعتقد أنه لم يول عليًا، ولم ينص على إمامته، فقد عبد غير الله!!. وأخذوا من هذه النصوص وغيرها الحكم بتكفير من عداهم من المسلمين. قال المجلسي: "اعلم أنّ إطلاق لفظ الشّرك والكفر - يعني في نصوصهم - على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من ولده ﵈، وفضّل عليهم غيرهم يدلّ أنّهم كفّار مخلّدون في النار" (٢) . وكل ذلك دعاوى لا سند لها من كتاب الله سبحانه وهي غير دين الإسلام تمامًا ولو كان شيء مما يقولون حقًا لكان له ذكر في كتاب الله في آيات كثيرة صريحة مبينة لا لبس فيها ولا غموض تبين للأمة هذا الأمر، ولو كان شيء من ذلك واقعًا لبينه الرسول ﷺ بيانًا واضحًا وشافيًا كافيًا، ولنقلته الأمة بأجمعها.. وأصبح من الأمور المشهورة المعروفة.. ولم يستقل بنقله حثالة من الكذابين. ولو كان شيء من ذلك حقًا لما أعرض عنه صحابة رسول الله، ولما تخلفوا عن القيام به، وهم الذين بذلوا المال والنفس وهجروا الأهل والولد وفارقوا الأوطان واعتزلوا القرابة والعشيرة، وبذلوا حياتهم لهذا الدين. وآيات القرآن صريحة واضحة في أن أصل هذا الدين وأساسه هو توحيد الله سبحانه وإفراده جل شأنه بالعبودية، وشواهد هذا في القرآن كثير ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٣) . ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ (٤) . ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ (٥) . وغير ذلك كثير.

стр. 422

أما ولاية الاثني عشر فليس لها ذكر على وجه الإطلاق في كتاب الله. وقد اعترفت بذلك نصوصهم - كما سلف -. فهذه التحريفات والتأويلات الخطرة ابتداع في الدين كبير، وإغفال لأصل الدين العظيم.. وفتح لأبواب الشرك، وتيسير لأسبابه.

стр. 423

المبحث الثاني: الولاية أصل قبول الأعمال عندهم إن التوحيد هو أصل قبول الأعمال، والشرك بالله سبحانه هو سبب بطلانها. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) ، ولكن الشيعة جعلوا ذلك كله لولاية الاثني عشر، وجاءت رواياتهم لتجعل المغفرة والرضوان والجنات لمن اعتقد الإمامة وإن جاء بقراب الأرض خطايا، والطرد والإبعاد والنار لمن لقي الله لا يدين بإمامة الاثني عشر، فقالوا: "إنّ الله نصب عليًّا علمًا بينه وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمنًا، ومن أنكره كان كافرًا، ومن جهله كان ضالاً، ومن نصب معه شيئًا كان مشركًا، ومن جاء بولايته دخل الجنّة" (٢) . وقالوا في رواياتهم: " ... فإن من أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته، وصومه، وزكاته، وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله ﷻ لم يقبل الله شيئًا من أعماله" (٣) . وقال أبو عبد الله - كما يزعمون -: "من خالفكم وإن تعبد منسوب إلى هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ " (٤) . وزعموا أن جبرائيل نزل على النبي ﷺ فقال: يا محمد، السلام يقرئك السلام ويقول: "خلقت السماوات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما

стр. 424

عليهن، وما خلقت موضعًا أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبدًا دعاني هناك منذ خلقت السّماوات والأرضين ثم لقيني جاحدًا لولاية علي لأكببته في سقر" (١) . ولا تترك رواياتهم وجهًا من أوجه المبالغة في عبادة جاحد الولاية وعدم نفعها له إلا وتذكره حتى قالت: " ... لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلا بولايتنا أهل البيت" (٢) . وزعمت أن الله قال - كما يفترون -: "يا محمد، لو أنّ عبدًا يعبدني حتى ينقطع ويصير كالشّنّ ثم أتاني جاحدًا لولايتهم ما أسكنته جنّتي ولا أظللته تحت عرشي" (٣) . وادعت أن رسول الله ﷺ قال: "لو جاء أحدكم يوم القيامة بأعمال كأمثال الجبال ولم يجئ بولاية علي بن أبي طالب لأكبّه الله بالنّار" (٤) . "ولو أن عبدًا جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبيًا ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي" (٥) . بل إنهم جعلوا التوحيد لا يقبل إلا بالولاية، ففي أخبارهم "قال رسول الله ﷺ : من قال: لا إله إلا الله دخل الجنّة، فقال رجلان من أصحابه: فنحن نقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : إنّما تقبل شهادة أن لا إله إلا الله من هذا وشيعته، ووضع رسول الله ﷺ يده على رأس عليّ وقال لهما: من علامة ذلك ألا تجلسا مجلسه ولا تكذبا قوله ... " (٦) . فهذا يقتضي عندهم أن الولاية مقدمة على الشهادة وهي أساس قبولهم.. ولا تقبل الشهادة إلا من شيعة علي.

стр. 425

واعتقاد الإمامة هو مناط عفو الله ومغفرته، وإنكارها هو سبب سخط الله وعقابه، وجاءت عندهم بهذا المعنى روايات كثيرة؛ فقد رووا "عن علي ﵁ عن رسول الله ﷺ عن جبرائيل عن الله قال: وعزتي وجلالي لأعذبن كل رعية في الإسلام دانت بولاية إمام جائر ليس من الله ، وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفون عن كل رعية دانت بولاية إمام عادل من الله تعالى، وإن كانت الرعية في أعمالها طالحة سيئة" (١) . ورواياتهم في هذه المسألة كثيرة جاء على أكثرها صاحب البحار، فقد ذكر مثلاً عشرين رواية في "باب أنهم ﵈ أهل الأعراف.. لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه" (٢) . وإحدى وسبعين رواية في "باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية" (٣) . وغيرها. وكل هذه الروايات ليست من الإسلام في شيء، فأمامنا كتاب الله سبحانه ليس فيه مما يدعون شيء، وهو الفيصل الأول، والمرجع الأول في كل خلاف. القرآن العظيم ذكر أن اصل قبول الأعمال هو التوحيد وسبب الحرمان هو الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٤) ، ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (٥) . وكل ما ذكر من مبالغات الشيعة تكذبها آيات القرآن؛ فالله سبحانه يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (٦) . ولم يذكر سبحانه من ضمن ذلك الولاية، وكذلك قال سبحانه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ (٧) .
следующие страницы →