← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ابن سبأ (١) . وذلك في كتابه المعروف "برجال الكشي" والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله - تعالى الله وتقدس - وأن علياً استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار، كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبد الله ابن سبأ، وأنه كان يكذب على علي، كقول علي بن الحسين: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً، ما له لعنه الله، كان علي ﵁ والله عبداً لله صالحاً أخو رسول الله ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته" (٢) . ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: "ذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ في علي ﵁ مثل ذلك، وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية" (٣) . هذه مقالة الكشي وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم. ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي شيخ الطائفة عندهم بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقاً حيث اجتمع في تأليفه الكشي الذي هو عندهم ثقة، بصير بالأخبار وبالرجال مع الطوسي وهو صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول

стр. 72

عليها في علم الرجال عندهم (١) . ثم إن كثيراً من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ (٢) ، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة وهو تنقيح المقال (٣) . لشيخهم عبد الله الممقاني (٤) . (المتوفى سنة ١٣٥١هـ) . ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهاً أخيراً لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول - مثلاً - محمد حسين الزين: "وعلى كل حال فإن الرجل - أي: ابن سبأ - كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً.. أما نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشك بوجوده وغلوه" (٥) . ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ هو تكذيب منهم - وإن لم يصرحوا -

стр. 73

لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ، ولكتبهم في الرجال التي تكاثر فيها ذكره، وهو اعتراف منهم - وإن لم يشعروا - أن كتب الرجال لديهم ليست مرجعاً يوثق به وإجماعها لا يعتد به. وهكذا تعترف كتب الشيعة بأن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة.. وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث ونسبت لآل البيت زوراً وبهتاناً، فوجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم ولا سيما العجم. القول الثالث: ويقول بأن منشأ التشيع كان سنة ٣٧هـ، ومن أشهر القائلين بهذا الرأي صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية حيث يقول: "إن ظهور اسم الشيعة كان عام ٣٧هـ" (١) . كما يقول بهذا الرأي الأستاذ وات منتوجمري (Montgomery Watt) حيث يذكر "أن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة ٦٥٨م (٣٧هـ) " (٢) . ويبدو أن هذا القول يربط نشأة التشيع بموقعة صفين، حيث وقعت سنة ٣٧هـبين الإمام علي ومعاوية ﵄ وما صاحبها من أحداث، وما أعقبها من آثار، ولكن هذا الرأي لا يعني بداية الأصول الشيعية؛ حيث إننا لا نجد في أحداث هذه السنة فيما نقله المؤرخون من نادى بالوصية، أو قال بالرجعة، أو دعا إلى أصل من أصول الشيعة المعروفة، كما أن أنصار الإمام علي لا يمكن أن يقال بأنهم على مذهب الشيعة، أو أصل من أصول الشيعة، وإن كان في أصحاب الإمام علي كما في أصحاب معاوية من أعداء الإسلام الذين تظاهروا بالإسلام ليكيدوا له بالباطن ما لا ينكر، وقد كان للسبئيين أثر في إشعال الفتنة

стр. 74

لا يجحد، وهم وجدوا قبل ذلك، كما أننا نلحظ أنه بعد حادثة التحكيم وفي بنود التحكيم أطلق لفظ الشيعة على الجانبين بلا تخصيص - كما سبق - (١) . القول الرابع: بأن التشيع ولد إثر مثل الحسين. يقول شتروتمان (٢) . (Strotnmann, R) "إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة" (٣) . الرأي المختار: عرضنا فيما سبق معظم الآراء في نشأة التشيع، وناقشنا ما يحتاج إلى مناقشة.. والذي أرى أن الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طوراً زمنياً، ومرت بمراحل.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن علياً وصي محمد - كما مر - وهذه عقيدة النص على علي بالإمامة، وهي أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة كما أسلفنا ذكره في تعريف الشيعة. وشهدت كتب الشيعة بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله ﷺ وأرحامه وخلفائه وأقرب الناس إليه ﵃ والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة. كما أن ابن سبأ قال برجعة

стр. 75

علي (١) . والرجعة من أصول الشيعة كما سيأتي. كما أن ابن سبأ قال بتخصيص علي وأهل البيت بعلوم سرية خاصة. كما أشار إلى ذلك الحسن بن محمد بن الحنفية (٢) . (ت ٩٥ أو ١٠٠هـ) في رسالة الإرجاء (٣) . وهذه المسألة أصبحت من أصول الاعتقاد عند الشيعة، وقد ثبت في صحيح البخاري ما يدل على أن هذه العقيدة ظهرت في وقت مبكر، وأن علياً ﵁ سئل عنها، وقيل له: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ومما ليس عند الناس؟، فنفى ذلك نفياً قاطعاً (٤) . هذه أهم الأصول التي تدين بها الشيعة (٥) ، وقد وجدت إثر مقتل عثمان -

стр. 76

رضي الله عنه - في عهد علي ﵁ ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معنية معروفة، بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي ﵁ (١) ، ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جواً صالحاً لظهور هذه العقائد، وتمثلها في جماعة وذلك كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي، ومقتل الحسين.. كل هذه الأحداث دفعت القلوب والعواطف إلى التشيع لآل البيت، فتسلل الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته، وصار التشيع وسيلة لكل من أراد هدم الإسلام من ملحد ومنافق وطاغوت، ودخلت إلى المسلمين أفكار ومعتقدات أجنبية اكتست بثوب التشيع وتيسر دخولها تحت غطائه، وبمرور الأيام كانت تتسع البدعة ويتعاظم خطرها، حيث قد وجد لابن سبأ خلفاء كثيرون. ولم يكن استعمال لقب "الشيعة" في عهد علي ﵁ إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم.. ولم يكن يختص إطلاق هذا اللقب بعلي ﵁ يدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية كما سلف (٢) . فإذن كانت الأحداث التي جرت على آل البيت (مقتل علي، مقتل الحسين،

стр. 77

إلخ) هي من العوامل المؤثرة للاندفاع إلى التشيع لآل البيت، وكان التعاطف والتأثر لما حل بالآل هو شعور كل مسلم، ولكن قد استغل هذا الأمر من قبل الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر فدخلوا من هذا المنفذ، وأشاعوا الفرقة في صفوف الأمة، وحققوا بالكيد والحيلة ماعجزوا عنه بالسلاح والسنان، ودخل أتباع الديانات الأخرى، والمتآمرون، والمتربصون في التشيع، وبدأوا يضعون أصولاً مستوحاة من دينهم، ألبسوها ثوب الإسلام.. كما سندرس هذا في أصل التشيع.

стр. 78

أصل التشيع (أو أثر الفلسفات القديمة في المذهب الشيعي) اختلف أنظار العلماء والباحثين في مرجع الأصول العقدية للتشيع؛ فمن قائل بأنها ترجع لأصل يهودي، ومن قائل بأنها ترجع لأصل فارسي، ومن قائل بأن المذهب الشيعي كان مباءة للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية (١) . وغيرها: القول بالأصل اليهودي: من الباحثين من يرى أن أصل التشيع ذو صبغة يهودية وذلك باعتبارين: الأول: أن ابن سبأ كان أول من قال بالنص والوصية، والرجعة، وابن سبأ يهودي، وهذه الآراء صارت من أصول المذهب الشيعي، ولهذا أشار القمي، والنوبختي والكشي، وهم من شيوخ الشيعة القدامى إلى هذا، وذلك حينما استعرضوا آراء ابن سبأ والتي أصبحت فيما بعد من أصول الشيعة، قالوا: "فمن هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل الرفض كان مأخوذاً من اليهودية" (٢) .

стр. 79

الاعتبار الثاني: هو وجود تشابه في الأصول الفكرية بين اليهود والشيعة، ولعل أول بيان لذلك وأشمله هو ما روي عن الشعبي (١) . في هذا الباب (٢) . كما أشار ابن حزم إلى شيء من ذلك حينما قال: "سار هؤلاء الشيعة في سبيل اليهود القائلين.. إن إلياس ﵇، وفنحاس بن العازار بن هارون ﵇ أحياء إلى اليوم" (٣) . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن في الشيعة من الجهل والغلو واتباع الهوى ما أشبهوا فيه النصارى من وجه واليهود من وجه، وأن الناس مازالوا يصفونهم بذلك، ثم نقل ما روي عن الشعبي من مشابهة الشيعة لليهود والنصارى (٤) . وقد قال بهذا الرأي جمع من الباحثين (٥) ".

стр. 80

القول بالأصل الفارسي (فارسية التشيع) : يقرر بعض الباحثين أن التشيع نزعة فارسية، وذلك لعدة اعتبارات: الأول: ما قاله ابن حزم والمقريزي من أن الفرس كانت من سعة الملك، وعلو اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسها بحيث إنهم كانوا يسمون أنفسهم الأحرار والأسياد، وكانوا يعدون سائر الناس عبيداً لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم على أيدي العرب، كان العرب عند الفرس أقل الأمم خطراً، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق.. فرأوا أن كيده على الحيلة أنجع، فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع، بإظهار محبة أهل البيت، واستبشاع ظلم علي - بزعمهم - ثم سلكوا بهم مسالك حتى أخرجوهم عن طريق الهدى (١) . الثاني: أن العرب تدين بالحرية، والفرس يدينون بالملك والوراثة في البيت المالك، ولا يعرفون معنى الانتخاب للخليفة، وقد انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يترك ولداً، فأولى الناس بعده ابن عمه علي بن أبي طالب، فمن أخذ الخلافة كأبي بكر وعمر وعثمان، فقد اغتصب الخلافة من مستحقها، وقد اعتاد الفرس أن ينظروا إلى الملك نظرة فيها معنى التقديس، فنظروا هذا النظر نفسه إلى علي وذريته، وقالوا: إن طاعة الإمام واجبة، وطاعته طاعة الله (٢) . وكثير من الفرس دخلوا في الإسلام ولم يتجردوا من كل عقائدهم السابقة التي توارثوها أجيالاً، وبمرور الزمان صبغوا آراءهم القديمة بصبغة إسلامية، فنظرة الشيعة إلى علي وأبنائه هي نظرة آبائهم الأولين إلى الملوك الساسانيين.

стр. 81

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: "إنا نعتقد أن الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك والوراثة، والتشابه بين مذهبهم ونظام الملك الفارسي واضح، ويزكي هذا أن أكثر أهل فارس من الشيعة، وأن الشيعة الأولين كانوا من فارس" (١) . الثالث: حينما فتح المسلمون بلاد الفرس تزوج الحسين بن علي ﵁ ابنه يزدجرد أحد ملوك إيران، بعدما جاءت مع الأسرى فولدت له علي بن الحسين، وقد رأى الفرس في أولادها من الحسين وارثين لملوكهم الأقدمين، ورأوا أن الدم الذي يجري في عرق علي بن الحسين وفي أولاده دم إيراني من قبل أمه ابنة يزدجرد والذي من هو من سلالة الملوك الساسانيين المقدسين عندهم (٢) ، أضف إلى ذلك أن اسم فاطمة - فيما يقال - اسم مقدس عند الفرس، لأن لها مقاماً محموداً في تاريخ الفرس القديم (٣) . الرابع: وتلمح الأصل الفارسي أيضاً في روايات عديدة عند الاثني عشرية، تفرد سلمان الفارسي ﵁ وبرأه الله مما يفترون - بخصائص وصفات فوق مرتبة البشر، حيث جاء في أخبارهم: "أن سلمان باب الله في الأرض، من

стр. 82

عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً" (١) . وهذا الوصف لسلمان اعتاد الشيعة في رواياتهم على إطلاقه على أئمتهم الاثني عشر، كما أثبتت رواياتهم بأن سلمان "يبعث الله إليه ملكاً ينقر في أذنه يقول كيت وكيت" (٢) . و"عن الحسن عن منصور قال: قلت للصادق ﵇: أكان سلمان محدثاً؟ قال: نعم. قلت: من يحدثه؟ قال: ملك كريم. قلت: إذا كان سلمان كذا فصحابه أي شيء هو؟ قال: أقبل على شأنك" (٣) . فهي تثبت الوحي لسلمان وتوحي بأن صاحبه وهو علي فوق ذلك؟! بل أثبتت أخبارهم لسلمان علم الأئمة والأنبياء، كما جعلت له أمر الإمام والنبي، فقالت: " ... سلمان أدرك علم الأول وعلم الآخر" ثم فسرت ذلك، فقالت: "يعني علم النبي ﷺ ، وعلم علي، وأمرالنبي ﷺ وأمر علي" (٤) . وجاء في رواياتهم أن سلمان أحد الشيعة الذين بهم - كما يفترون "ترزقون، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون" (٥) . بل بلغ الغلو ببعض الفرق الشيعية أن قالت بتأليه سلمان، وقد وجدت هذه الفرقة في عصر أبي الحسن الأشعري (المتوفى سنة ٣٣٠هـ) ، وأشار إليها في مقالاته حيث قال: "وقد قال في عصرنا هذا قائلون بألوهية سلمان الفارسي" (٦) . وقد تكون هذه الروايات في كتب الاثني عشرية هي من آثار هذه الفرقة، لأن كتب الاثني عشرية قد استوعبت معظم آراء الفرق الشيعية بكل ما فيها من شذوذ.. وبقاؤها في كتبهم قد يؤذن بخروج طوائف منها مرة أخرى. بل نلحظ أن هناك اتجاهاً داخل الدوائر الشيعية لتعظيم بعض العناصر

стр. 83

الفارسية التي شاركت في التآمر والكيد ضد دولة الخلافة الراشدة وهو أبو لؤلؤة الفارسي المجوسي قاتل الخليفة العظيم عمر بن الخطاب، فقد أطلق عليه عندهم "بابا شجاع الدين" (١) .، واعتبروا يقوم مقتل عمر ﵁ بيد هذا المجوسي عيداً من أعيادهم، وقد ساق شيخهم الجزائري روايات لهم في ذلك (٢) .، كما يعظمون يوم النيروز، كفعل المجوس (٣) ، وقد اعترفت أخبارهم بأن يوم النيروز من أعياد الفرس (٤) . القول بأن المذهب الشيعي مباءة للعقائد الآسيوية القديمة: ويضيف البعض أن المذهب الشيعي كان مباءة ومستقراً للعقائد الآسيوية القديمة كالبوذية وغيرها (٥) . يقول الأستاذ أحمد أمين: "وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح (٦) .، وتجسيم الله (٧) ، والحلول (٨) . ونحو ذلك من الأقوال التي كانت

стр. 84

معروفة عند البراهمة (١) . والفلاسفة والمجوس (٢) . قبل الإسلام" (٣) . ويشير بعض المستشرقين إلى تسرب الكثير من العقائد غير الإسلامية إلى الشيعة ويقول: "إن تلك العقائد انتقلت إليها من المجوسية، والمانوية (٤) .، والبوذية وغيرها من الديانات التي كانت سائدة في آسيا قبل ظهور الإسلام" (٥) . ويذكر صاحب مختصر التحفة: "أن مذهب الشيعة له مشابهة تامة مع فرق اليهود والنصارى والمشركين والمجوس"، ثم يذكر وجه شبه المذهب الشيعي بكل طائفة من هذه الطوائف (٦) . كما يذكر البعض أنه تتبع مذاهب الشيعة فوجد عندها كل المذاهب والأديان التي جاء الإسلام لمحاربتها (٧) .

стр. 85

الرأي المختار في أصل التشيع: والذي أرى أن التشيع المجرد من دعوى النص والوصية ليس هو وليد مؤثرات أجنبية، بل إن التشيع لآل البيت وحبهم أمر طبيعي، وهو حب لا يفرق بين الآل، ولا يغلو فيهم، ولا ينتقص أحداً من الصحابة، كما تفعل الفرق المنتسبة للتشيع، وقد نما الحب وزاد للآل بعدما جرى عليهم من المحن والآلام بدءاً من مقتل علي، ثم الحسين.. إلخ. هذه الأحداث فجرت عواطف المسلمين، فدخل الحاقدون من هذا الباب، ذلك أن آراء ابن سبأ لم تجد الجو الملائم؛ لتنمو وتنتشر إلا بعد تلك الأحداث.. لكن التشيع بمعنى عقيدة النص على علي، والرجعة، والبداء، والغيبة، وعصمة الأئمة.. إلخ فلا شك أنها عقائد طارئة على الأمة، دخيلة على المسلمين، ترجع أصولها لعناصر مختلفة، ذلك أنه قد ركب مطية التشيع كل من أراد الكيد للإسلام، وأهله، وكل من احتال ليعيش في ظل عقيدته السابقة باسم الإسلام، من يهودي، ونصراني، ومجوسي، وغيرهم. فدخل في التشيع كثير من الأفكار الأجنبية والدخيلة - كما سيتبين في الدراسة الموسعة لأصولهم -، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن المنتسبين للتشيع قد أخذوا من مذاهب الفرس والروم، واليونان، والنصارى، واليهود، وغيرهم أموراً مزجوها بالتشيع، ويقول: وهذا تصديق لما أخبر به النبي ﷺ ، وساق بعض الأحاديث الواردة في أن هذه الأمة ستركب سنن من كان قبلها، وقال بأن هذا بعينه صار في المنتسبين للتشيع (١) .

стр. 86

فرق الشيعة حفلت كتب المقالات والفرق بذكر فرق الشيعة وطوائفهم (١) ، فبعد وفاة كل إمام من الأئمة عند الشيعة تظهر فرق جديدة، وكل طائفة تذهب في تعيين الإمام مذهباً خاصاً بها.. وتنفرد ببعض العقائد والآراء عن الطوائف الأخرى، وتدعي أنها هي الطائفة المحقة. وهذا الاختلاف والتفرق كان محل شكوى وتذمر من الشيعة نفسها، قال أحد الشيعة لإمامه - كما في رجال الكشي -: "جعلني الله فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ فقال: وأي الاختلاف؟. فقال: إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم.. فقال: أبو عبد الله أجل هو كما ذكرت أن الناس أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث، فلا يخرج من عندي، حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا، وكل يحب أن يدعى رأساً" (٢) . فيدل هذا النص على أن حب الرياسة، ومتاع الدنيا الزائل كان وراء تشيع الكثيرين، وأن هؤلاء أولعوا بالكذب على آل البيت.. ولهذا كثر الخلاف والتفرق. وقد ذكر المسعودي وهو شيعي (٣) . أن فرق الشيعة بلغت ثلاثاً وسبعين

стр. 87

فرقة (١) . وكل فرقة تكفر الأخرى، ولهذا زعم الرافضي مير باقر الداماد (٢) . أن الفرق المذكورة في حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة (٣) . هي فرق الشيعة وأن الناجية منها هي طائفته الإمامية (٤) ، وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم من سائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة، أي ليسوا من أمة الإجابة، فهم في اعتقاده

стр. 88

لم يدخلوا في الإسلام. وهذه المقالة قد قالها الشيعة من قبل وأشار إلى ذلك الشهرستاني (١) ، والرازي (٢) . وقد ورد في دائرة المعارف: أنه ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيراً عن الفرق الاثنين والسبعين فرقة المشهورة (٣) ، بينما يذكر المقريزي أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة (٤) . ومرد هذا الاختلاف في الغالب هو اختلافهم حول الأئمة من آل البيت فيذهبون مذاهب شتى في أعيان الأئمة، وفي عددهم، وفي الوقف على أحدهم وانتظاره، أو المضي إلى آخر والقول بإمامته.. فضلاً عما تباينوا فيه من التفريع أو تنازعوا فيه من التأويل، ولهذا قال العلامة ابن خلدون بعدما ساق اختلافهم في تعيين الأئمة: "وهذا الاختلاف العظيم يدل على عدم النص" (٥) . أي يدل على أنهم ليسوا على شيء فيما ذهبوا إليه من دعوى أن الرسول ﷺ نص على عليّ والأئمة الآخرين.. إذ لو كان من عند الله لما كان هذا الاختلاف والتباين، ولكن لما وجدوا اختلافاً كثيراً كان من أعظم الأدلة على عدم وجود نص صحيح، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٦) . وأمر الإمامة عندهم هو أصل الدين، فلا يقبل فيها الخلاف، كما يقبل في الفروع. وقد عدّ شيخ الشيعة الزيدية في زمنه أحمد بن يحيى المترضى (٧) . (المتوفى سنة ٨٤٠هـ) اختلاف الشيعة عند موت كل إمام في القائم بعده أوضح

стр. 89

دليل على إبطال ما يدعون من النص (١) . وإذا رجعنا إلى كتب الفرق - أو غيرها - التي ذكرت طوائف الشيعة، فإننا نجد بينها اختلافاً في الأصول التي انبثقت منها صنوف الفرق الشيعية الكثيرة والمختلفة، فالجاحظ يرى أن الشيعة فرقتان: الزيدية والرافضة: يقول: "اعلم رحمك الله أن الشيعة رجلان: زيدي، ورافضي، وبقيتهم بدد لا نظام لهم" (٢) . ويأخذ بهذا التقسيم شيخ الشيعة المفيد، ويقول: بأن الشيعة رجلان: إمامي، وزيدي (٣) . أما الإمام الأشعري ﵀ فيجعل أصول فرق الشيعة ثلاث فرق: الغالية، والرافضة (الإمامية) ، والزيدية. ويبلغ مجموع الفرق الشيعية عنده خمساً وأربعين فرقة، حيث جعل الغالية خمس عشرة فرقة، والرافضة أربعاً وعشرين فرقة، والزيدية ست فرق (٤) . وهو يعتبر الاثني عشرية من فرق الرافضة (الإمامية) ويسميها بالقطعية، ويصفهم بأنهم جمهور الشيعة (٥) . وقد سار على منهج الأشعري في تقسيم فرق الشيعة الرئيسة إلى ثلاث.. طائفة من كتاب الفرق وغيرهم مثل: الرازي حيث سماها زيدية، وإمامية، وكيسانية (٦) . ومثل الإسفرايني، وكذلك ابن المرتضى حيث قال: والشيعة ثلاث: زيدية، وإمامية، وباطنية (٧) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية الذي صنف الشيعة إلى ثلاث درجات، شرها الغالية، وهم الذين يجعلون لعلي شيئاً من الألوهية،

стр. 90

أو يصفونه بالنبوة.. والدرجة الثانية وهم الرافضة.. والدرجة الثالثة المفضلة من الزيدية وغيرهم الذين يفضلون علياً على أبي بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما (١) . وغير هؤلاء من أهل العلم بالفرق والمقالات (٢) . أما عبد القاهر البغدادي فيرجع فرق الشيعة إلى أربع فرق: زيدية، وإمامية، وكيسانية، وغلاة، ويلقب الجميع بالرافضة (٣) ، ويصل عدد فرق الشيعة عنده - باستثناء الفرق الغالية (٤) . - إلى عشرين فرقة (٥) . ويعتبر الاثني عشرية من فرق الإمامية، ويسميهم بالقطعية، كما يسميهم بالاثني عشرية (٦) . وإن كان قبل ذلك ذكر القطعية والاثني عشرية كاسمين لفرقتين مختلفتين من فرق الإمامية (٧) . لا فرقة واحدة (٨) . أما الشهرستاني فيرى أن الشيعة فرق كثيرة، لأنه يقول: "لهم في تعدية الإمام كلام وخلاف كثير، وعند كل تعدية وتوقف: مقالة، ومذهب، وخبط" (٩) . ولكنه يرجعهم إلى خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية" (١٠) .

стр. 91

أما صاحب الحور العين فيرجع الفرق الشيعية الكثيرة إلى ست فرق (١) ، ويصل عدد فرق الشيعة عند ابن قتيبة إلى ثمان (٢) . وأبو الحسين الملطي يرى أن الشيعة ثماني عشرة فرقة، ويلقبهم جميعاً بالرافضة (٣) ، ويشايعه في هذا الرأي السكسكي في كتابه البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (٤) . ولكن الغريب أن الملطي يسمي الاثني عشرية بالإسماعيلية (٥) . وابن الجوزي يعتبر الشيعة اثنتي عشرة فرقة، ويسميها بالرافضة (٦) ، ويوافقه على هذا التقسيم الإمام القرطبي (٧) . والذي يلاحظ على إطلاق اسم الرافضة على كل فرق الشيعة هو أنه ينبغي استثناء الزيدية، أو بعبارة أدق استثناء الزيدية ما عدا فرقة الجارودية منها؛ لأن الجارودية سلكت مسلك الروافض، ولذلك فإن شيخ الشيعة المفيد اعتبر الجارودية هي الشيعة، وما عداها من فرق الزيدية، فليسوا بشيعة، وذلك لأن طائفة الجارودية هي التي تشاركه في أساس مذهبه في الرفض (٨) . أما كتب الفرق عند الشيعة الاثني عشرية فإنها تأخذ بمنهج آخر في ذكر الفرق، فهي تذكر فرق الشيعة حسب الأئمة حيث تجد أن الشيعة تفترق إلى فرق كثيرة بعد وفاة كل إمام، وقد وصل عدد فرق الشيعة في المقالات والفرق

стр. 92

للقمي، وفرق الشيعة للنوبختي إلى ما يربو على ستين فرقة، ويلاحظ أن الاثني عشرية كانت عند النوبختي والقمي فرقة من أربع عشرة، أو خمس عشرة فرقة افترقت إليها الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري سنة (٢٦٠هـ) (١) . أما كتب الرواية عندهم فإن الكليني في الكافي يذكر رواية تجعل فرق الشيعة ثلاث عشرة فرقة كلها في النار إلا واحدة (٢) . هذا ودراسة نشأة الفرق الشيعية وتطورها يحتاج إلى بحث آخر، وهو أقرب إلى البحث التاريخي، فلا نستطرد في حكاية تفاصيله، ولكن من الملاحظ - كما سيأتي في عرض آراء وعقائد الاثني عشرية - أن طائفة الاثني عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، وأنها كانت بمثابة النهر الذي انسكبت فيها كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة، ودراسة هذه المسألة، دراسة مقارنة بين روايات الاثني عشرية وآراء الفرق الأخرى هو أيضاً يحتاج إلى دراسة مستقلة، وقد أشرت إلى بعض الوجوه في هذا الباب في رسالة الماجستير (٣) . فهذه الفرق لم تفن - كما يقال - بل إن أكثرها باق، وهو يطل علينا خلال الفكر الاثني عشري. وقد انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، هي (٤) : ١- الاثنا عشرية.

стр. 93

٢- الإسماعيلية (١) . ٣-الزيدية (٢) .

стр. 94

وطائفة الاثني عشرية هي أكبر الطوائف اليوم، كما كانت تمثل أكثرية الشيعة وجمهورها في بعض فترات التاريخ. فقد وصفهم طائفة من علماء الفرق ب"جمهور الشيعة"، وممن نعتهم بهذا: الأشعري (١) ، والمسعودي (٢) ، وعبد الجبار الهمداني (٣) ، وابن حزم (٤) ، ونشوان الحميري (٥) . وهذه الأغلبية للاثني عشرية ليست في كل العصور إذ نلاحظ - مثلاً - أن ابن خلدون يقرر أن شيعة محمد بن الحنفية كانت أكثر شيعة أهل البيت (٦) . - أي: في عصرها - ثم لم تلبث أن تقلص أتباعها حتى اختفت، كذلك يقول البلخي - كما يحكي عنه صاحب الحور العين - أن الفطحية (٧) . أعظم فرق الجعفرية وأكثرهم جمعاً (٨) . - يعني في زمنه -.

стр. 95

ألقاب الشيعة الإمامية الاثني عشرية من الألقاب التي يطلقها بعض كتاب الفرق والمقالات وغيرهم على الاثني عشرية ما يلي: ١- الشيعة: لقب الشيعة في الأصل يطلق على فرق الشيعة كلها، ولكن هذا المصطلح اليوم إذا أطلق - في نظر جمع من الشيعة وغيرهم - لا ينصرف إلا إلى طائفة الاثني عشرية. وممن قال بهذا الرأي: شتروتمان (١) ، والطبرسي (٢) ، وأمير علي (٣) ، وكاشف الغطا (٤) ، ومحمد حسين العاملي (٥) ، وعرفان عبد الحميد (٦) ، وغيرهم (٧) . وأقول بهذا الرأي، لا لأن الاثني عشرية يمثلون القاعدة الكبيرة من بين الفرق الشيعية فحسب، بل لسبب أهم - لم أر من تعرض بالدراسة والبيان، وبحثه يحتاج إلى دارسة مستقلة تعتمد على التحليل والمقارنة - وهو أن

стр. 96

مصادر الاثني عشرية في الحديث والرواية قد استوعبت معظم آراء الفرق الشيعية التي خرجت في فترات التاريخ المختلفة إن لم يكن كلها - كما سلف -، فأصبحت هذه الطائفة هي الوجه المعبر عن الفرق الشيعية الأخرى. ٢- الإمامية: هذا اللقب عند كثير من أصحاب الفرق والمقالات يطلق على مجموعة من الفرق الشيعية، ولكن تخصص فيما بعد عند جمع من المؤلفين وغيرهم بالاثني عشرية، ولعل من أول من ذهب إلى ذلك شيخ الاثني عشرية في زمنه "المفيد" في كتابه أوائل المقالات (١) ، وأشار السمعاني إلى أن ذلك هو المعروف في عصره فقال: "وعلى هذه الطائفة - يشير إلى الاثني عشرية - يطلق الآن الإمامية" (٢) . وقال ابن خلدون: "وأما الاثنا عشرين فربما خصوا باسم الإمامية عند المتأخرين منهم" (٣) . وأشار صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية إلى أن الاثني عشرية هي المتبادرة عند إطلاق لفظ الإمامية (٤) . ويقول الشيخ زاهد الكوثري: "والمعروف أن الإمامية هم: الاثنا عشرية" (٥) . ويلاحظ أن كاشف الغطا - من شيوخ الشيعة المعاصرين - يستعمل لقب الإمامية بإطلاق على الاثني عشرية (٦) ، ومن شيوخ الشيعة الآخرين من يرى أن الإمامية فرق، منهم الاثنا عشرية، والكيسانية، والزيدية، والإسماعيلية (٧) . وبعدما عرفنا أن الإمامية صار لقباً من ألقاب الاثني عشرية نعرج على ما قيل في تعريفه:

стр. 97

٢- الإمامية: ويقول شيخ الشيعة في زمنه المفيد: "الإمامية هم القائلون بوجوب الإمامة، والعصمة، ووجوب النص، وإنما حصل لهم هذا الاسم في الأصل لجمعها في المقالة هذه الأصول، فكل من جمعها فهو إمامي وإن ضم إليها حقاً في المذهب كان أم باطلاً، ثم إن من شمله هذا الاسم واستحقه لمعناه، قد افترقت كلمتهم في أعيان الأئمة وفي فروع ترجع إلى هذه الأصول وغير ذلك، فأول من شذ من فرق الإمامية الكيسانية" (١) . فالمفيد هنا يجعل لقب الإمامية لقباً عاماً يشمل كل من قال بهذه الأركان الثلاثة التي ذكرها: الإمامة، العصمة، النص، ولكنه في كتاب آخر له يضيق نطاق هذا المصطلح حتى يكاد يقصره على طائفة الاثني عشرية حيث يقول: "الإمامية علم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأجب النص الجلي، والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي، وساقها إلى الرضا علي بن موسى ﵇" (٢) . فأنت تلاحظ أنه شرط هنا النص الجلي، بينما في الموضع السابق أطلق القول بالنص ليشمل الجلي والخفي، كما أنه أضاف هنا حصر الأئمة بولد الحسين، وسياق الإمامة فيهم إلى الرضا علي بن موسى، في حين أنه لم يشترط ذلك فيما سبق حتى أدخل فيهم الكيسانية (٣) . وكأنه لاحظ هذا التغير في الرأي فقال: "لأنه وإن كان (أي لقب الإمامية) في الأصل علماً على من دان من الأصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الأعيان بما وصفناه، فإنه قد انتقل عن أصله، لاستحقاق فرق من معتقديه ألقاباً، بأحاديث لهم بأقاويل أحدثوها، فغلبت عليهم

стр. 98

في الاستعمال، دون الوصف بالإمامية، وصار هذا الاسم في عرف المتكلمين وغيرهم من الفقهاء والعامة علماً على من ذكرناه" (١) . وإذا تجاوزت تعريف المفيد هذا إلى كتب الفرق والمقالات الأخرى لاستطلاع آراء غير الشيعة في تعريف الإمامية نلاحظ أن أكثر مؤلفي الفرق لم يخصوا الإمامية بالاثني عشرية، بل كان لقب الإمامية عندهم أعم من ذلك وأشمل، فالشهرستاني يقول: "الإمامية هم القائلون بإمامة علي ﵁ نصاً ظاهراً، وتعييناً صادقاً من غير تعريض بالوصف، بل إشارة إليه بالعين" (٢) ، ومثله الأشعري حيث يقول: ".. وهم يدعون الإمامية لقولهم بالنص على إمامة علي بن أبي طالب" (٣) . ومن أصحاب الفرق من قال بأن "تسميتهم الإمامية" لأنهم يزعمون أن الدنيا لا تخلو عن إمام، إما ظاهراً مكشوفاً، وإما باطناً موصوفاً (٤) . ولكن ابن المرتضى يقول: والإمامية "سميت بذلك لجعلها أمور الدين كلها للإمام، وأنه كالنبي، ولا يخلو وقت من إمام يُحتاج إليه في أمر الدين والدينا" (٥) . فمن هؤلاء من راعى في سبب التسمية مسألة النص، ومنهم من اعتبر في سبب التسمية قولهم بأن الدنيا لا تخلو من إمام، ومنهم من جمع إلى ذلك قولهم بأن أمور الدين كلها للإمام، وهي أقوال متقاربة يرجع بعضها إلى بعض.. ومصطلح الإمامية تظهر بعد شيوع مصطلح الشيعة، ويبدو أن ظهوره مرتبط ببدء الاهتمام الشيعي بمسألة الإمام والإمامة، وظهور الفرق الشيعية التي تقول بإمامة أفراد أهل البيت، وسيأتي بحث ذلك في موضوع الإمامة.

стр. 99

وقد ذكر ابن أبي الحديد أن مقالة الإمامية - فضلاً عن لقبها - لم تشتهر إلا متأخرة. يقول ابن أبي الحديد: "لم تكن مقالة الإمامية ومن نحا نحوهم من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذ (يعني في العصر الأموي) على هذا النحو من الاشتهار" (١) . ٣- الاثنا عشرية: هذا المصطلح لا نجده في كتب الفرق والمقالات المتقدمة، فلم يذكره القمي (ت ٢٩٩هـأو ٣٠١هـ) في "المقالات والفرق"، ولا النوبختي (ت ٣١٠هـ) في "فرق الشيعة"، ولا الأشعري (ت٣٣٠هـ) في "مقالات الإسلاميين". ولعل أول من ذكره المسعودي (٢) . . (ت٣٤٩هـ) - (من الشيعة) . أما من غير الشيعة فلعله عبد القاهر البغدادي (ت٤٢٩هـ) حيث ذكر أنهم سموا بالاثني عشرية لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلى علي بن أبي طالب ﵁" (٣) . قال الرافضي المعاصر محمد جواد مغنية: الاثنا عشرية نعت يطلق على الشيعة الإمامية القائلة باثني عشر إماماً تعينهم بأسمائهم (٤) . وظهور هذا الاسم كان بلا شك بعد ميلاد فكرة الأئمة الاثني عشر، والتي حدثت بعد وفاة الحسن العسكري (توفي سنة٢٦٠هـ) حيث أنه: "قبل وفاة الحسن لم يكن أحد يقول بإمامة المنتظر إمامهم الثاني عشر، ولا عرف من زمن علي ودولة بني أمية أحد ادعى إمامة الاثني عشر" (٥) .

стр. 100

ولكن يرى صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية أن زمن ظهور الإمامية الاثني عشرية، سنة مائتين وخمس وخمسين (١) . ويبدو أنه عين هذا التاريخ بالذات، لأن تلك السنة (٢٥٥هـ) هي التي زعمت الاثنا عشرية أنه ولد فيها إمامهم الثاني عشر (٢) ، والذي يزعمون حياته إلى اليوم، وينتظرون خروجه، فإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن يحدد التاريخ بسنة ٢٦٠هـ؛ لأن دعوة وجود الإمام الثاني عشر المنتظر إنما ظهرت بعد وفاة الحسن العسكري (والذي توفي سنة ٢٦٠هـ) . أما الاثنا عشر الذي تقول الجعفرية بأنهم أئمتها، فهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والحسن والحسين، وذرية الحسين. وفيما يلي بيان بأسمائهم وألقابهم، وكناهم، وسنة ميلاد كل إمام ووفاته:

стр. 101

م ... اسم الإمام ... كنيته ... لقبه ... سنة ميلاده ووفاته ١ ... علي بن أبي طالب ... أبو الحسن ... المرتضى ... ٢٣ قبل الهجرة، ٤٠ بعد الهجرة ٢-٥٠هـ ٢ ... الحسن بن علي ... أبو محمد ... الزكي ... ٣-٦١هـ ٣ ... الحسين بن علي ... أبو عبد الله ... الشهيد ... ٣٨-٩٥هـ ٤ ... علي بن الحسين ... أبو محمد ... زين العابدين ... ٥٧-١١٤هـ ٥ ... محمد بن علي ... أبو جعفر ... الباقر ... ٨٣-١٤٨هـ ٦ ... جعفر بن محمد ... ابو عبد الله ... الصادق ... ١٢٨-١٨٣هـ ٧ ... موسى بن جعفر ... أبو إبراهيم ... الكاظم ... ١٤٨-٢٠٣هـ ٨ ... علي بن موسى ... أبو الحسن ... الرضا ... ١٩٥-٢٢٠هـ ٩ ... محمد بن علي ... أبو جعفر ... الجواد ... ٢١٢-٢٥٤هـ ١٠ ... علي بن محمد ... أبو الحسن ... الهادي ... ٢٣٢-٢٦٠هـ ١١ ... الحسن بن علي ... أبو محمد ... العسكري ... يزعمون أنه ولد سنة ٢٥٥ أو ٢٥٦ هـ ويقولون بحياته إلى اليوم (١) ١٢ ... محمد بن الحسن ... أبو القاسم ... المهدي

стр. 102

٤- القطعية: وهو من ألقاب الاثني عشرية عند طائفة من أصحاب الفرق، كالأشعري (١) . والشهرستاني (٢) . والإسفراييني (٣) . وغيرهم (٤) . وهم يسمون بالقطعية؛ لأنهم قطعوا على موت موسى بن جعفر الصادق (٥) ، وهذا ما تذهب إليه الاثنا عشرية. يقول المسعودي: "وفي سنة ستين ومائتين قبض أبو محمد الحسن بن علي.. وهو أبو المهدي المنتظر الإمام الثاني عشر عند القطعية من الإمامية" (٦) ، ومنهم من يعتبر القطعية فرقة من فرق الإمامية وليس من ألقاب الاثني عشرية (٧) . ٥- أصحاب الانتظار: يلقب الرازي الاثني عشرية بأصحاب الانتظار، وذلك لأنهم يقولون بأن الإمام بعد الحسن العسكري ولده محمد بن الحسن العسكري وهو غائب وسيحضر.. ويقول: وهذا المذهب هو الذي عليه إمامية زماننا (٨) . والانتظار للإمام مما يشترك في القول به جمع من فرق الشيعة على اختلاف بينهم في تعيينه، ولا يختص به طائفة الاثني عشرية.

стр. 103

٦- الرافضة: ذهب جمع من العلماء إلى إطلاق اسم الرافضة على الاثني عشرية كالأشعري في المقالات (١) ، وابن حزم في الفصل (٢) . كما يلاحظ أن كتب الاثني عشرية تنص على أن هذا اللقب من ألقابها، وقد أورد شيخهم المجلسي في كتابه البحار - وهو أحد مراجعهم في الحديث - أربعة أحاديث من أحاديثهم في مدح التسمية بالرافضة (٣) ، وكأنهم أرادوا تطييب نفوس أتباعهم بتحسين هذا الاسم لهم، ولكن في هذه الأحاديث ما يفيد أن الناس بدأوا يسمونهم بالرافضة من باب الذم لا المدح، ولا تجيب هذه المصادر الشيعية عن سبب تسمية الناس لهم بهذا الاسم على سبيل الذم والسب لهم (٤) . ولكن

стр. 104

المصادر الأخرى تذكر أن ذلك لأسباب تتعلق بموقفهم من خلافة الشيخين، يقول أبو الحسن الأشعري: "وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر" (١) . ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية قول الأشعري هذا وعقب عليه بقوله: "قلت: الصحيح أنهم سموا رافضة لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك" (٢) . وهذا الرأي لابن تيمية يعود لرأي الأشعري، لأنهم ما رفضوا زيداً إلا لما أظهر مقالته في الشيخين ومذهبه في خلافتهما (٣) ، فالقول بأنهم سموا رافضة لرفضهم زيداً أو لرفضهم مذهبه ومقالته مؤداهما- في نظري - واحد. إلا أن شيخ الإسلام راعى الناحية التاريخية، في ملاحظته على الأشعري، ذلك أن رفض إمامة أبي بكر وعمر قد وجدت عند بعض فرق الشيعة كالسبئية ونحوها قبل خلافهم مع زيد، ولكن لم يلحقهم هذا الاسم (الرافضة) ولم يوجد إلا بعدما أعلنوا مفارقتهم لزيد لترضيه عن الشيخين وتسمية زيد لهم بالرافضة. هذا وهناك أقوال أخرى في سبب تسميتهم بالرافضة (٤) . على أن هناك من

стр. 105

أصحاب الفرق من أطلق اسم الرافضة على عموم فرق الشيعة (١) . ٧- الجعفرية: وتسمى الاثنا عشرية بالجعفرية نسبة إلى جعفر الصادق إمامهم السادس - كما يزعمون - وهو من باب التسمية للعام باسم الخاص. روى الكشي أن: شعية جعفر في الكوفة (أو من يدعون التشيع لجعفر) سموا بالجعفرية، وأن هذه التسمية نقلت إلى جعفر فغضب ثم قال: "إن أصحاب جعفر منكم لقليل، إنما أصحاب جعفر من اشتد ورعه وعمل لخالقه" (٢) . وقد جاء في الكافي ما يدل على أن الناس كانوا يطلقون على من يدعي التشيع لجعفر الصادق "جعفري خبيث"، وأن بعض الشيعة اشتكى من ذلك لجعفر فأجابه: "ما أقل والله من يتبع جعفراً منكم، إنما أصحابي من اشتد ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، فهؤلاء أصحابي" (٣) . فهذا يدل - إن صحت الرواية - على أن اسم الجعفرية كان شائعاٌ ي زمن جعفر، وأن جعفر لا يرضى عنه الكثيرين منهم، كما يدل على أن لقب الجعفري كان يطلق على الإسماعيلية والاثني عشرية، لأن الافتراق بين الطائفتين تم بعد وفاة جعفر. وقد أطلق اسم "الجعفرية" على طائفة من الشيعة انقرضت كانت تقول بأن الإمام بعد الحسن العسكري أخوه جعفر (٤) . وهناك ألقاب أخرى للاثني عشرية تطلق عليهم في بعض البلدان (٥) .

стр. 106

الخاصة: وهو لقب يطلقه شيوخ الشيعة على طائفتهم، ويلقبون أهل السنة والجماعة بالعامة. جاء في دائرة المعارف الشيعية ما نصه: "الخاصة في اصطلاح بعض أهل الدارية: الإمامية الاثنا عشرية، والعامة: أهل السنة والجماعة" (١) . ويجري كثيراً استعمال هذا اللقب في رواياتهم للأحاديث، فيقولون: هذا عن طريق العامة، وهذا عن طريق الخاصة (٢) .

стр. 107

فرق الاثني عشرية: الاثنا عشرية امتدا للشيعة الإمامية (بمعناها العام) وفصيلة من فضائلها.. بل فرقة واحدة من خمس عشرة فرقة انقسمت إليها الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري (١) . سنة (٢٦٠هـ) ومع ذلك فقد انبثق من الاثني عشرية فرق كثيرة. يقول الأستاذ محمود الملاح وهو من المعنيين بتتبع هذه الفرقة: "وفي عصرنا هذا نجد الاثني عشرية منقسمة إلى: - أصولية (٢) . - وأخبارية (٣) . - وشيخية (٤) .

стр. 108

- وكشفية (١) . - وركنية (٢) .

стр. 109

- وكريمخانية (١) . - وقزلباشية (٢) . وكلها داخلة في المجموعة الاثني عشرية وأصولها مبثوثة في كتب الاثني عشرية، وهي بعد هذا يكفر بعضها بعضاً" (٣) . وزاد بعض الباحثين من الشيعة (٤) . أسماء أخرى هي: القرتية (٥) ،

стр. 110

البابية (١) ، والكوهرية (٢) . وزاد بعضهم أيضاً النوربخشية (٣) ، ثم إنه كما يقول الألوسي: "ولا يبعد أن تظهر فرق أخرى من الإمامية بعد" (٤) . نسأل الله تعالى العافية. ومن خلال تتبعي لنصوص الاثني عشرية التي تنسبها للأئمة وترويها في
следующие страницы →