← Акыда

Акыда · id 12760

أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية - عرض ونقد -

ناصر القفاري

Полный текст (1 221 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

المجلسي سبعة وستّين حديثًا في باب عقده بعنوان "باب الطّينة والميثاق" (١) . وكأن القارئ يتطلع إلى معرفة تفاصيل هذه المقالة التي تجعل الشيعي يعتقد بأن كل بائقة يرتكبها فذنبها على أهل السنة، وكل عمر صالح يعمله أهل السنة فثوابه للشيعة، ولذلك فإن شيوخ الشيعة يكتمون ذلك عن عوامهم حتى لا يفسدوا عليهم البلاد والعباد. هذه العقيدة أوسع تفصيل لها هو رواية ابن بابويه في علل الشّرائع حيث استغرقت عنده خمس صفحات وختم بها كتابه (٢) ، ورأى بعض شيوخهم المعاصرين أنّ هذا كمسك الختام فقال: "إنّه ختم بهذا الحديث الشّريف كتاب علل الشّرائع" (٣) . وملخص ذلك يقول بأنّ الشّيعي خلق من طينة خاصّة والسّنّي خلق من طينة أخرى، وجرى المزج بين الطينتين بوجه معين، فما في الشّيعي من معاصٍ وجرائم هو من تأثّره بطينة السّنّيّ، وما في السّنّيّ من صلاح وأمانة هو بسبب تأثّره بطينة الشّيعي، فإذا كان يوم القيامة فإنّ سيّئات وموبقات الشّيعة تُوضع على أهل السّنّة، وحسنات أهل السّنّة تُعطى للشّيعة. وعلى هذا المعنى تدور أكثر من ستّين رواية من رواياتهم. ويمكن أن يستنبط سبب القول بهذه العقيدة من الأسئلة التي وجهت للأئمة، والشكاوى التي رفعت إليهم، فالشيعة يشكون من انغماس قومهم بالموبقات والكبائر، ومن سوء معاملة بعضهم لبعض، ومن الهم والقلق الذي يجدونه ولا يعرفون سببه.

стр. 912

ولكن يعزو إمامهم ذلك كله لتأثر طينة الشيعي بطينة السني في الخلقة الأولى. ولنستمع إلى بعض هذه الأسئلة المثيرة التي تكشف واقع المجتمع الشيعي المغلق: روى ابن بابويه بسنده: "عن أبي إسحاق اللّيثي قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر ﵇: يا بن رسول الله، أخبرني عن المؤمن المستبصر (١) . إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني؟ قال: اللهمّ لا، قلت: فيشرب الخمر؟ قال: لا، قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: لا، قلت: يا ابن رسول الله، إنّي أجد من شيعتكم من يشرب الخمر، ويقطع الطّريق، ويخيف السّبيل، ويزني، ويلوط، ويأكل الرّبا، ويرتكب الفواحش ويتهاون بالصّلاة والصّيام، والزّكاة، ويقطع الرّحم، ويأتي الكبائر، فكيف هذا ولِمَ ذاك؟ فقال: يا إبراهيم، هل يختلج في صدرك شيء غير هذا؟ قلت: نعم يا ابن رسول الله أخرى أعظم من ذلك، فقال: وما هو يا أبا إسحاق؟ قال: فقلت: يا ابن رسول الله، وأجد من أعدائكم ومناصبيكم (٢) . من يكثر من الصلاة والصيام ويخرج الزكاة ويتابع بين الحج والعمرة، ويحرص على الجهاد، ويأثر - كذا - على البر، وعلى صلة الأرحام، ويقضي حقوق إخوانه، ويواسيهم من ماله، ويتجنب شرب الخمر والزنا، واللواط وسائر الفواحش، فما ذاك؟ ولِمَ ذاك؟ فسّره لي يا ابن رسول الله وبرهنه وبينه، فقد والله كثر فكري وأسهر ليلي، وضاق ذرعي" (٣) . هذا واحد من الأسئلة والشكاوى التي تكشف انزعاج الشيعة من واقعهم المليء بالمعاصي والموبقات بالمقارنة بواقع سلف هذه الأمة، وأئمة أهل السنة ومعظم عامتهم من تقى وأمانة وصلاح، وقد أجيب السائل بمقتضى عقدية الطينة وهي

стр. 913

أن المعاصي الموجودة عند الشيعة هي بسبب طينة أهل السنة، والأعمال الصالحة التي تسود المجتمع السني بسبب طينة الشيعي. ويأتي سائل آخر يدعى إسحاق القمي فيقول لأبي جعفر الباقر: "جعلت فداك أرى المؤمن الموحد الذي يقول بقولي، ويدين الله بولايتكم، وليس بيني وبينه خلاف، يشرب السكر، ويزني، ويلوط، وآتيه في حاجة واحدة فأصيبه معبس الوجه، كالح اللون، ثقيلاً في حاجتي، بطيئًا فيها، وقد أرى الناصب المخالف لما أنا عليه، ويعرفني بذلك (١) ، فآتيه في حاجة، فأصيبه طلق الوجه، حسن البشر، متسرعًا في حاجتي، فرحًا بها، يحب قضاءها، كثير الصلاة، كثير الصوم، كثير الصدقة، يؤدي الزكاة، ويُستودَع فيؤدي الأمانة" (٢) . فهذا السائل يزيد عن سابقه بشكواه من سوء معاملة أصحابه، وجَفاء طبعهم، وقلة وفائهم، على حين يجد أهل السنة وهم خصومه أحسن له من أصحابه وأقضى للحاجة، وأفضل في الخلق والمعاملة والعبادة. وقريب من ذلك ما شكاه بعض الشيعة إلى أبي عبد الله فقال: "أرى الرجل من أصحابنا ممن يقول بقولنا خبيث اللسان، خبيث الخلطة، قليل الوفاء بالميعاد فيغمني غمًا شديدًا، وأرى الرجل من المخالفين علينا حسن السمت، حسن الهدي (٣) ، وفيًا بالميعاد فأغتم غمًا" (٤) . ويأتي سائل رابع يشكو ما يجده من قلق وهم لا يعرف له تفسيرًا. تقول روايتهم: "عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله، ومعي رجل من أصحابنا فقلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، إني لأغتم وأحزن من غير أن أعرف

стр. 914

لذلك سببًا.." (١) . ويبدو أن مصدر القلق تلك العقيدة غير الواضحة والمستقرة التي تأخذ بها الروافض، ولكن "إمامه" يفسر هذا القلق بمقتضى عقيدة الطينة. هذه الأسئلة والشكاوى وغيرها كثير (٢) . توضح طبيعة التركيبة الشيعية في نفسيتها، وعلاقاتها، وخلقها، ومعاملاتها ودينها.. وقد احتال شيوخ الشيعة لمواجهة هذا الإحساس الذي ينتاب بعض الصادقين من الشيعة، إزاء هذه الظواهر المقلقة والمخيفة فكانت محاولة الخروج من إلحاح هذه التساؤلات والشكاوى بقولهم بهذه العقيدة. ولنستمع إلى بعض الأجوبة على تلك الشكاوى (٣) . يقول (إمامهم) : "يا إسحاق (راوي الخبر) ليس تدرون من أين أوتيتم؟ قلت: لا والله، جعلت فداك إلا أن تخبرني، فقال: يا إسحاق، إن الله لما كان متفردًا بالوحدانية ابتدأ الأشياء لا من شيء، فأجرى الماء العذب على أرض طيبة طاهرة سبعة أيام مع لياليها، ثم نضب (٤) . الماء عنها فقبض قبضة من صفاوة ذلك الطين وهي طينتنا أهل البيت، فلو أن طينة شيعتنا تركت كما تركت طينتنا لما زنى أحد منهم، وسرق، ولا لاط، ولا شرب المسكر ولا اكتسب شيئًا مما ذكرت، ولكن الله أجرى الماء المالح على أرض ملعونة سبعة أيام ولياليها ثم نضب الماء عنها، ثم قبض

стр. 915

قبضته وهي طينة ملعونة من حمأ مسنون (١) ، وهي طينة خبال (٢) ، وهي طينة أعدائنا، فلو أن الله ترك طينتهم كما أخذها لم تروها في خلق الآدميين، ولم يقرّوا بالشهادتين، ولم يصوموا ولم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يحجوا البيت، ولم تروا أحدًا منهم بحسن خلق، ولكن الله ﵎ جمع الطينتين - طينتكم وطينتهم - فخلطهما وعركهما عرك الأديم، ومزجهما بالماءين فما رأيت من أخيك من شر لفظ، أو زنا، أو شيء مما ذكرت من شرب مسكر أو غيره، ليس من جوهريته وليس من إيمانه، إنما هو بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت، وما رأيت من الناصب من حسن وجه وحسن خلق، أو صوم، أو صلاة، أو حج بيت، أو صدقة، أو معروف فليس من جوهريته، إنما تلك الأفاعيل من مسحة الإيمان اكتسبها وهو اكتساب مسحة الإيمان. قلت: جعلت فداك فإذا كان يوم القيامة فَمَهْ؟ قال لي: يا إسحاق أيجمع الله الخير والشر في موضع واحد؟ إذا كان يوم القيامة نزع الله مسحة الإيمان منهم فردّها إلى شيعتنا، ونزع مسحة النّاصب بجميع ما اكتسبوا من السّيّئات فردّها على أعدائنا، وعاد كلّ شيء إلى عنصره الأوّل. قلت: جعلت فداك تُؤخذ حسناتهم فتردّ إلينا، وتُؤخذ سيّئاتنا فتردّ إليهم؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو (٣) . هذه عقيدة الطينة عندهم، وقد جاء في سياق رواية القمّي في أوّلها قوله: "خذ إليك بيانًا شافيًا فيما سألت، وعلمًا مكنونًا من خزائن الله وسرّه" (٤) .

стр. 916

وجاء في خاتمتها: "خذها إليك يا أبا إسحاق، فوالله إنّه لَمِن غرر أحاديثنا، وباطن سرايرنا، ومكنون خزائننا، وانصرف ولا تطلع على سرّنا أحدًا إلا مؤمنًا مستبصرًا، فإنّك إن أذعت سرّنا بليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك" (١) . فهي - كما ترى - عقيدة سرية في إبّان قوة الدولة الإسلامية، يؤكَّد على سريتها في بدايتها ونهايتها، فهل خطر ببال مخترع هذه العقيدة أنها ستقع في أيدي أهل السنة، ويعلنونها أمام الملأ كإحدى الفضائح..؟ نقد هذه العقيدة: أولاً: إن هذه الرّوايات ناقضت نفسها بنفسها، فالشّيعي كما ترى في عرض الشّكاوى والأسئلة هو أغرق في الجريمة، وأكثر إيغالاً في المعاصي والموبقات، وأسوأ معاملة، وأردأ خلقًا ودينًا، فكيف يكون مَنْ هذه حاله أفضل طينة، وأطهر خلقة؟ ثانيًا: قد خلق الله سبحانه النّاس جميعًا على فطرة الإسلام، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٢) . والتّفريق بينهما ممّا شذّت به أساطير الشّيعة. ثالثًا: ناقضت الشّيعة في أخبار الطّينة مذهبها في أفعال العباد؛ لأنّ مقتضى هذه الأخبار أن يكون العبد مجبورًا على فعله وليس له اختيار له؛ إذ أفعاله بمقتضى الطّينة. مع أنّ مذهبهم أنّ العبد يخلق فعله كمذهب المعتزلة (٣) . رابعًا: تقرر أخبار طينتهم «أن موبقات الشيعة وأوزارها يتحملها أهل

стр. 917

السنة، وحسنات المسلمين جميعًا تعطى للشيعة، وهذا مخالف للعدل الرّباني ولا يتفق مع العقل الصريح ولا الفطرة السليمة، فضلاً عن نصوص الشرع وأصول الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) ، وقال : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢) . وقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣) ، وقال - تعالى -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٤) ، وقوله - سبحانه -: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ (٥) . وغيرها كثير. وهذه المقالة ظاهرة البطلان، يكفي مجرد تصورها لمعرفة فسادها، وهي من فضائح المذهب الاثني عشري وعوراته. ولا يستحي الشيعة إلى اليوم من التجاهر بهذه العقيدة وإعلانها، فتجد أخبار هذه «الفرية» في بحار الأنوار (٦) ، والأنوار النّعمانيّة (٧) ، يعلق عليها المحقق الشيعي بما يؤكد رضاه عن هذه الأساطير واعتقادها. وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

стр. 918

الباب الرابع: الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم ويشتمل علي أربعة فصول: الفصل الأول: الصلة في مصادر التلقي. الفص الثاني: صلتهم بالفرق القديمة. الفصل الثالث: الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين. الفصل الرابع: دولة الآيات.

стр. 919

الباب الرابع: الشعية المعاصرون وصلتهم بأسلافهم تمهيد: سأتناول بمشيئة الله في هذا الباب بيان مذهب المعاصرين من الاثني عشرية، ولذلك لا تجد فيه إلا كلام هؤلاء المعاصرين، اللهم إلا ما جاء عرضاً في مناقشة بعض الأقوال، وأعني بالمعاصرين، من عاش في المائة سنة الأخيرة من زمننا. وسأوضح مدى موافقتهم ورضاهم عن مصادرهم القديمة التي ورد فيها تلك الطامات التي مرَّ ذكر جملة منها. ونوع علاقتهم بالفرق الشيعية القديمة، وهل هي علاقة رضى وقبول أو رفض وإنكار؟ ثم أوضح جملة من آرائهم العقدية؛ ليتبين من خلالها هل حدث تغير في المذهب الاثني عشري في هذا العصر. ثم يكون الحديث بعد هذا عن "دولة الآيات" وحقيقة التشيع من خلالها.

стр. 920

الفصل الأول: الصلة في مصادر التلقي إن وحدة مصادر التلقي هي العامل الأول والأخير في اتفاق الاعتقاد والوجهة عند أية طائفة من الطوائف.. وهي التي تصل اللاحقين بالسابقين. والشعية المعاصرون قد اعتمدوا في التلقي على أصولهم القديمة المجموعة في الكتب الأربعة الأولى، وهي: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه. كما قرر ذلك طائفة من شيوخهم كآغا بزرك الطهراني في الذريعة (١) ، ومحسن الأمين في أعيان الشيعة (٢) ، وغيرهما (٣) . قال شيخهم وآيتهم في هذا العصر عبد الحسين الموسوي عن كتبهم الأربعة: "وهي: الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، وهي متواترة، ومضامينها مقطوع بصحتها، والكافي أقدمها وأحسنها وأتقنها" (٤) . فبعد هذا هل يختلف المعاصرون عن طبقة الكليني وأمثالها من الغابرين وهم يرجعون إلى مَعِين واحد ومصدر واحد؟ بالطبيعي لن يختلفوا، ولا سيما في الأصول الأساسية، لكن الأمر لم يقتصر على هذا الحد. بل عدّ شيوخهم المعاصرون ما جمعه متأخروهم في القرن الثاني عشر

стр. 921

والثالث عشر والتي كان آخرها ما جمعه شيخهم النوري المتوفى سنة (١٣٢٠هـ) في مستدرك الوسائل - عدوها مصادر للتلقي سموها "الكتب الأربعة المتأخرة"، وبغض النظر عن اعتمادهم لروايات سجلت في القرن الرابع عشر عن الأئمة في العصر الأول. وما يقال في ذلك، فإن تلك الكتب - ما عدا مستدرك الوسائل - قد ألفت وجمعت إبان الحكم الصفوي، لذلك حوت من الغلو والبلاء ما لم يخطر ببال الشيعة السابقين كما ترى في البحار للمجلسي، وأصبحت - مع ذلك - عمدة عند شيعة هذا العصر، وهذا يعني بطبيعة الحال تطوراً خطيراً عند المعاصرين ينقلهم إلي دركات من الضلال والتطرف. وليس ذلك فحسب، بل إن المعاصرين اعتمدوا عشرات المصادر التي وصلتهم منسوبة لسابقيهم واعتبروها في المنزلة والاحتجاج كالكتب الأربعة الأولى. كما تجد ذلك في مقدمات تلك المصادر، وهذا منهم متابعة لشيخ الدولة الصفوية المجلسي الذي عدها في "بحاره" بهذه المنزلة. وليس هذا فقط، بل إن بعض المصادر الإسماعيلية قد أصبحت عمدة عند المعاصرين من الاثني عشرية مثل كتاب "دعائم الإسلام" للقاضي النعمان بن محمد بن منصور، المتوفى سنة (٣٦٣هـ) وهو إسماعيلي كما تؤكد ذلك بعض مصادر الاثني عشرية نفسها (١) . ومع ذلك فإن كبار شيوخهم المعاصرين يرجعون إليه (٢) .

стр. 922

ويشير بعض علماء الاثني عشرية المعاصرون إلى وحدة الأصل في التلقي بين الإسماعيلية والاثني عشرية فيقول: "وإذا لم يكن الفاطميون على المذهب الاثني عشري فإن هذا المذهب قد اشتد أزره ووجد منطلقاً في عهدهم فقد عظم نفوذه ونشط دعاته ... ذلك أن الاثني عشرية والإسماعيلية وإن اختلفوا من جهات، فإنهم يلتقون في هذه الشعائر بخاصة في تدريس علوم آل البيت والتفقة بها وحمل الناس عليها (١) . وقد جاء في دائرة المعارف عن انفتاح الاثني عشرية على الغلاة هذا القول: "على أن الحدود لم تقفل تماماً أمام الغلاة، يدل على ذلك التقدير الذي دام طويلاً للكتاب الأكبر للإسماعيلية وهو كتاب "دعائم الإسلام" " (٢) . ومن يطالع بعض الكتب الإسماعيلية يرى وفاقاً في جملة من الروايات بين الطائفين (٣) . وهذا كله يعني أن هذه الطائفة في العصر الحاضر قد وضعت نفسها في بحر مظلم عميق تتقلب بها أمواجه، حينما ارتضت أن تضع معظم ما وصلها من كتب السابقين مصادر معتمدة لها. وقد قامت في هذا العصر حركة نشطة لبعث التراث العشبي القديم وتعريف الناس به وترويجه بينهم. وهذا التراث مليء بالطعن في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومليء باللعن والتفكير والتخليد بالنار لرجال الصدر الأول للإسلام، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة، وبعض أمهات المؤمنين ومن معهم المهاجرين والأنصار ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص القرآن.

стр. 923

وحركة النشر هذه قام بها علماء من أشهر مجتهدي الشيعة في هذا العصر وعلى كثير من هذه الكتب تصحيحاتهم، وتعليقاتهم وتقريضاتهم، ومع هذا لم نر اعتراضاً ولا انتقاداً من أحد منهم لما في هذه الكتب من كفر وإلحاد، أليس في ذلك إقراراً من هؤلاء لما فيها؟ وقد توجه د. علي السالوس إلي أحد علماء الشيعة المعاصرين وسأله عن رأيهم فيما اشتمل عليه أصول الكافي من روايات طافحة بالغلو فأجابه - كتابة بخطه -: "أما الروايات التي ذكرها شيخنا الكليني في كتابة الكافي فهي موثوقة الصدور عندنا.. وما ورد في الكافي أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأنهم إذا شاء أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم، ويعلمون علم ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء، لاشك أنهم أولياء الله وعباده الذين أخلصوا في الطاعة، ثم ذكر قولاً عن أئمتهم وهو: "قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية" (١) . وهذا لا يحتاج إلى تعليق إذ أقر وصف أئمته بما لا ينبغي إلا للخالق جل شأنه، وليس هذا هو رأي الكفائي وحده في مضامين أصول الكافي المتضمنة للغلو في الأئمة، بل للخنيزي الذي ألف كتاباً يدعو فيه إلى وحدة أهل السنة والإمامية جواب عن هذه المسائل لا يخالف جواب الكفائي في حقيقته (٢) ، مع أنه يقرر ذلك في كتاب قد وضع بأسلوب التقية؛ لأنه منشور للدعوة للوحدة المزعومة بينهم وبين أهل السنة، والتي هي في حقيقتها تبشير بالرفض في صفوف أهل السنة. وكذلك أجاب شيخهم الآخر لطف الله الصافي على محب الدين الخطيب الذي عرض في خطوطه العريضة بعض عناوين أبواب أبواب الكافي الطافحة بالغلو (٣) ،

стр. 924

فقال الصافي: بأن الأبواب المعنونة في الكافي ليست إلا عناوين لبعض ما ورثوا عن جدهم رسول الله ﷺ (١) . بل إن تلك المصنفات التي حوت ذلك الغلو هي موضع الفخر والتباهي عند المعاصرين. استمع لأحد آياتهم يتحدث عما تركه أئمته من آثار تدل بزعمه على إمامتهم يقول: "إن لهم آثاراً تدل على تلك الإمامة المقصودة، ولا أريد أن أدلك على مجاميع عديدة رويت عنهم وألفت في عصورهم أو ما قاربها.. أمثال تحف العقول، وبصائر الدرجات، والخرائج والجرائح، واحتجاج الطبرسي، والخصال والتوحيد للصدوق.. إلى ما يكثر تعداده. بل إنما أريد أن أدلك على أثر واحد جامع، وفيه القدح المعلى لكل إمام، ألا وهو أصول الكافي لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، وقد ألّف هذا الكتاب النفيس في عشرين عاماً وأثبت فيه لكل إمام في كتبه وأبوابه من الأحاديث ما ينبيك على أن ذلك الفرات السائغ يمتد من ينبوع الفيض الإلهي، وإن الناس فارغة الحقائب عن مثل تلك النفائس" (٢) . ثم مضى يعظم من أمر أصول الكافي حتى طلب من القارىء أن يراجع أبوابه ليعرف الحقيقة (٣) . وقد ثبتت الحقيقة - فيما مر من فصول - أن هذا الكافي قد جمع من الغلو والكفر ما لا يخطر بالبال، ويكفي النظر في أبوابه فضلاً عن مراجعة أخباره.

стр. 925

الفصل الثاني: صلتهم بالفرق القديمة ما صلة هؤلاء بالفرق الشيعية القديمة التي يرد ذكرها في كتب الفرق والمقالات؟ لقد لاحظت أن شيوخ الشيعة المعاصرين و"آياتها" إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع، وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية، أو من الزنادقة الدهرية، أو من المجسمة الغلاة. فهم إذا تحدثوا - مثلاً - عن دول الشيعة ذكروا الدولة الفاطمية في صدر دولهم مع أنها غير اثني عشرية (١) . وإذا جاء ذكر رجالهم رأيت منهم كثيراً من رؤوس الضلال والزندقة ممن تنسب إليهم فرق خاصة ليست من الاثني عشرية، بل تحمل النسبة لأسمائهم بأعيانها. لهذا ترى - على سبيل المثال - شيخ الشيعة محسن الأمين يقول عن الهشامية أتباع هشام بن الحكم، واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي، والشيطانية أتباع محمد بن النعمان شيطان الطاق وغيرهم: "أنهم عند الشيعة الإمامية كلهم ثقات صحيحو العقيدة فكلهم إمامية واثنا عشرية" (٢) . بل الأخطر من ذلك أننا نجد الاثني عشرية تحاول أن تحتضن كل فرقة

стр. 926

تنتسب إلى التشيع، وإن كانت من فرق الكفر باعتراف كتب الشيعة القديمة نفسها. فتلحظ - مثلاً - أنهم يضفون صفة الشرعية على بعض الغلاة الكفرة باتفاق المسلمين كالنصيرية. وقد كتب أحد علماء الاثني عشرية المعاصرين وهو المدعو حسن الشيرازي رسالة سماها (العلويون شيعة أهل البيت) - والعلويون لقب للنصيرة - وذكر في رسالته هذه أنه التقى بالنصيريين في سوريا ولبنان، وذلك بأمر من مرجعهم الديني محمد الشيرازي وقال: بأنه وجدهم كما يظن من شيعة أهل البيت الذين يتمتعون بصفاء الإخلاص وبراءة الالتزام بالحق، وينتمون إلى علي بن أبي طالب بالولاية، وبعضهم ينتمي إليه بالولاية والنسب ... وقال بأن العلويين والشيعة كلمتان مترادفتان مثل كلمتي الإمامية والجعفرية (١) . هذا ولم ينكر على هذا الشيرازي أحد من شيوخ الاثني عشرية، مع أنه قد عرف واشتهر عن النصيرية الكفر والزندقه (٢) ، بل إن كتب الشيعة القديمة تكفر النصيرية وتعتبرها فرقة خارجة عن الإسلام (٣) . والمعاصرون يرونها من الجعفرية وإن تسمت بغير هذا الاسم. وذهب بعض كبار مراجع الشيعة في هذا العصر إلى أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض فرقة من الفرق الغالية مع وجود النصيرية والدروز والأغاخانية وغيرها، فكأنه يحكم علية بعدم الغلو. يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "إن جميع الفرق الغالية قد بادت ولا يوجد منها اليوم نافخ ضرمة" (٤) .

стр. 927

وقد علق د. سليمان دنيا -رحمة الله -على ذلك بقوله: "فيما يكون الأغاخانية، أليسوا قائلين بالحلول؟! أم ليسوا مع قولهم بالحلول ملاحدة؟! أم ليسوا منتسبين إلى الشيعة، ثم أليسوا على رقعة الأرض اليوم (١) . والواقع أن أسماء الكثير من الفرق الشيعية قد اختفى وبقيت آراؤها وعقائدها في كتب الاثني عشرية. والمعاصرون اليوم حينما يقررون أن الكتب الثمانية وما في منزلتها هي مصادرهم في التلقي، إنما هم بهذا يرتضون كل آراء وعقائد الفرق الشيعية التي وجدت علي مدار التاريخ.. ذلك أن هذه المدونات هي النهر الذي انسكبت فيه كل الجداول والروافد الشيعية الأخرى، وهذه حقيقة واقعة شواهدها كثيرة؛ حيث نلاحظ أنه ما من عقيدة من عقائد تلك الفرق إلا ولها شاهد ودليل في كتب الاثني عشرية. فأنت تلاحظ أن عقيدة البداء اعتبرها أصحاب الفرق من عقائد الغلاة (٢) . ونسبوها للمختارية (٣) ، ومع ذلك - كما مر - قد ورد في صحيحهم الكافي ستة عشر حديثاً في البدء، وفي البحار في باب البدء والنسخ أكثر من سبعين حديثاً، وصار البداء من عقائد الاثني عشرية، وإن حاول شيوخهم أن يلتمسوا مخلصاً لينجو من تكفير المسلمين لهم لقولهم بهذه العقيدة الضالة. ومثل ذلك عقيدة الرجعة اعتبروها من عقائد الغلاة. وقد ذكرت كتب السنة، واعترفت الكتب الاثني عشرية أن الرجعة من أصول عقيدة ابن سبأ، ومع ذلك هي من أصول عقائد الاثني عشرية (٤) .

стр. 928

وعقيدة "تأليه الأئمة" هي من عقائد الفرق الغالية كالسبئية وغيرها، وتجد عند الاثني عشرية في الكافي والبحار، وفي كتب التفسير بالمأثور كتفسير القمي والعياشي، وكتب الرجل كرجال الكشي نصوصاً كثيرة تؤله الأئمة - كما مر نقل بعضه -. ومسألة تفضيل الأئمة على الأنباء كان مذهباً لغلاة الروافض، كما قرر ذلك الإمام عبد القاهر البغدادي (ت٤٢٩هـ) ، والقاضي عياض (٥٤٤هـ) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) ، فورثت هذه العقيدة طائفة الاثني عشرية (١) . وبسط هذا الموضوع يحتاج لبحث مستقل، وإن دراسة آراء الفرق الشيعية القديمة ومقارنتها بما جاء في كتب الأثني عشرية ومدوناتهم لهي دراسة جديدة تكشف الصلات بين هذه الطائفة والفرق القديمة. لقد تسللت آراء الفرق الشيعية الغالية إلى كتب الاثني عشرية على شكل روايات منسوبة للأئمة وارتضى ذلك المعاصرون. وكان السبب وراء حدوث هذا "التسرب" هو شيوخ الشيعة أنفسهم الذين حملهم التعصب على قبول رواية الشيعي أيًا كان مذهبه والإعراض عن رواية ما يسمونهم بالعامة وهم "أهل السنة". وقد اعترف شيخهم الطوسي بأن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذهب الفاسدة، ومع ذلك قال بأن كتبهم معتمدة. ومن يراجع تراجم رجالهم يلحظ ذلك.. حيث فيهم الواقفي، والفطحي (٢) . وغيرهما. وقد أقر بعض مفكري الشيعة في العصر الحاضر بأن الفكر الاثني عشري قد استوعب آراء وعقائد الفرق الشيعة القديمة، حيث قال: "ولكن يجب أن نشير قبل أن نضع القلم بأن ما مر بنا من أفكار الشيعة مما كان خاصاً بفرقة بعينها

стр. 929

لم يلبث أن دخل كله في التشيع الاثني عشري ودعم بالحجج العقلية وبالنصوص. والتشيع الحالي إنما هو زبدة الحركات الشيعية كلها من عمار إلى حجر بن عدي إلى المختار وكيسان إلى محمد بن الحنفية وأبي هاشم إلى بيان ابن سمعان، والغلاة الكوفيين إلى الغلاة من أنصار عبد الله بن الحارث إلى الزيديين والإسماعيليين، ثم الإمامية التي صادرت اثنا عشرية، وقام بعملية المزج متكلمو الشيعة ومصنوفها" (١) . إذن التشيع الحالي قد استوعب خلاصة الاتجاهات الشيعية بكل ما فيها من غلو وتطرف. حتي رأينا النزعة السبئية بكل غلوها في علي تطل علينا من خلال رويات الاثني عشرية، يدرك هذا من راجع مجرد عناوين أبواب الكافي والبحار. كما أن الاتجاه الباطني واضح في كتب الاثني عشرية من خلال تأويلهم لآيات القرآن وأركان الإسلام وما قالوه في التقية والكتمان.. فأصبحت الاثنا عشرية هي المصب الأخير لكل الروافد الشيعية بكل ما فيها من شطحات، ويجد كل صاحب غلو وتطرف بغيته وما يؤيد مذهبه في كتب هذه الطائفة. ولقد صدر إقرار خطير، وبيان مثير من أكبر شيخ من شيوخهم المعاصرين في علم الرجال يتضمن الاعتراف بتغير المذهب وتطوره، وأن ما عليه المذهب الاثنا عشري في العصر الحاضر يعتبر غلوًا وتطرفًا عند قدماء الشيعة، وأن شيعة العصر الحاضر يعتقدون عقائد يرونها من ضرورات المذهب وأركانه، وهي عند قدماء السيعة من الغلو والكفر. يقول هذا الشيخ وهو عبد الله الممقاني (٢) . في معرض دفاعه عن

стр. 930

المفضل بن عمرو الجعفي فيما رمي به من قبل بعض علماء الشيعة القدماء، يقول: "إنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه لوضوح كون القول بأدنكى مراتب فضائلهم (يعني الأئمة) غلواً عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلواً عند هؤلاء، وكفاك في ذلك عدّ الصدوق نفي السهو عنهم غلوًا، مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي (أي علم الغيب) بتوسط جبرائيل والنبي غلواً عندهم ومن ضروريات المذهب اليوم" (١) . من هذا النص يتبين أن شيعة العصر الحاضر لم يكتفوا بمتابعة سابقيهم حتى زادوا عليهم في الغلو والتطرف حتى أن شيوخ الشيعة في القرن الرابع كالصدوق وغيره يرون أن من يعتقد أن الأئمة لا يسهون، أو أن الأئمة يعلمون ما يأتي أو حسب عبارة الكليني: يعلمون ما كان وما يكون، ولا يخفى عليهم الشيء. من يعتقد هذه العقائد وأمثالها هو في نظر كبار شيوخ الشيعة في ذلك العصر من الغلاة الذين لا تقابل رواياتهم عن الأئمة، ولكن المذهب تغير وأصبح ذلك اليوم من ضرورات مذهب التشيع، كما يعترف الممقاني، ومعنى هذا أن الشيعة المتقدمين يعتبرون - بناء على ذلك - المعاصرين من الغلاة ولا يثقون بأقوالهم. ولاحظ أن الحكم بغلو أصحاب هذه العقائد صدر من قبل شيوخ الشيعة لا من قبل علماء السنة، ثم إن هذا رأيهم في القرن الرابع بعدما تغير التشيع وتطور، فكيف يكون موقف الشيعة الأول الذين كان تشيعهم هو في تقديم علي على عثمان فقط؟! ولعل هذه الظواهر هي التي دعت الشيخ محب الدين الخطيب يحكم بأن مدلول الدين عند الشيعة يتطور، وأشار في هذا إلى كلام الممقاني السالف الذكر، ثم قال: "هذا تقرير علمي في أكبر وأحدث كتاب لهم في الجرح والتعديل يعترفون

стр. 931

فيه بأن مذهبهم الآن غير مذهبهم قديماً، فما كانوا يعدونه قديماً من الغلو وينبذونه وينبذون أهله بسبب ذلك صار الآن - أي الغلو - من ضروريات المذهب، فمذهبهم اليوم غير مذهبهم قبل الصفويين، ومذهبهم قبل الصفويين غير مذهبهم قبل ابن المطهر. ومذهبهم قبل ابن المطهر غير مذهبهم قبل آل بويه، ومذهبهم قبل آل بويه غير مذهبهم قبل الشيطان الطاق، ومذهبهم قبل شيطان الطاق غير مذهبهم في حياة الحسن والحسي وعلي بن الحسين" (١) .

стр. 932

الفصل الثالث: الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين وما دامت وحدة المصدر في التلقي موجودة، فهل نحتاج للحديث عن الصلة العقدية بين القدامى والمعاصرين، ولا سيما أن تلك المصدر قد استوعبت - كما بينا - معظم ما تناقلته كتب الفرق والمقالات من آراء غلاة الشيعة، وما لم تنقله؟ ! فهل هناك من داع لدراسة هذه الصلة العقدية؟ الواقع أن هناك حاجة.. ذلك أن المعاصرين قد أكثروا من طبع الكتيبات والرسائل، وبعث الدعاة للعالم الإسلامي.. لبيان أن مذهب الشيعة لا يختلف عن مذهب أهل السنة.. وأن هذه الطائفة مظلومة مفترى عليها من قبل الخصوم والأعداء، فنسب إليها عقائد وأقول هي بريئة منها.. ونشط دعاة منهم للدعوة للتقريب بين أهل السنة والشيعة، ورفعت شعارات الواحدة الإسلامية.. وأقيمت مراكز وألفت كتب، وتخصص دعاة لهذا الغرض.. وقيل بأن المعاصرين قد تخلوا عن ذلك التطرف والغلو المعهود عند سابقيهم. وأنه قد آن الأوان لأن تلتقي السنة والشيعة على كلمة سواء فكيد الأعداء كبير ووضع العالم الإسلامي خطير. ثم ما أكثر ما يقول بعض شيعة العصر الحاضر حينما تقول لهم بأن عندكم حديث يقول بكذا، أو أن شيخكم فلان يقول بكذا.. فيقولون: ليس كل ما ورد في كتبنا نرتضيه. أو ما يقول به الشيخ فلان هو المسؤول عن قوله ولا حجة إلا في كلام المعصوم.

стр. 933

أو يقولون بأن أهل السنة يقولون مثل ذلك، وكثيراً ما يفترون ويتجاوزون ويتحايلون في هذا بشكل عجيب، ولهذا دعت الحاجة لبيان رأي المعاصرين في القضايا الأساسية والخطيرة التي تفصل بينهم وبين الجماعة، أو تحول بينهم وبين الإسلام. وهناك أقلام شيعية كثيرة قد وظفت للكتابة للعالم الإسلامي، والرد على ما يثار حول الشيعة، وأعطتهم عقيدة التقية حرية القول وإطلاق الأحكام بلا تأثم بينما هناك كتب خاصة لا تنشر في العالم الإسلامي (١) . أو بعبارة أخرى أن هناك وجهاً ظاهراً للاثني عشرية تقدمه وسائل الإعلام الشيعية المختلفة للترويج للمذهب ونشره في العالم الإسلامي، ووجه باطن لا يظهر إلا في الحوزات العلمية وفي المجتمعات الشيعية، وفي أمهات مصادرهم كالكافي وتفسير القمي. وقد صدّق من صدّق ذلك الأسلوب "الدعائي" أو الوجه المعلن.. وتأثر بذلك من تأثر.. ووجد التشيع طريقه إلى قلوب أعداد غير قليلة من شباب العالم الإسلامي، والمنتسبين للحركات الإسلامية، الذين أرق عيونهم الواقع المفجع للعالم الإسلامي، فطفقوا يبحثون عن طريق ومخلص.. وكانت صورة العدو الظاهر أمامهم بكل غطرسته وكيده قد حجبت عنهم العدو الكامن بينهم، والمتستر بإسلامهم فصدقوا ما يقال.. وتعجلوا الخطى.. وظنوا أن كل ما يقال من خلاف بين السنة والشيعة هي ضجة مفتعلة، لا رصيد لها من الواقع (٢) . ولذلك لابد من استماع لما يقوله شيوخ الشيعة المعاصرون في عقائدهم الخطرة التي تفصل بينهم وبين المسلمين، وسأختار من هذه الآراء ما فيه دعوى

стр. 934

جديدة أو تغيير، أو زيادة تطور وغلو عما مضى ذكره عن سابقيهم لتتضح مدى صلة السابقين باللاحقين وذلك من خلال المباحث التالية:

стр. 935

المبحث الأول: عقيدة المعاصرين في كتاب الله ونتحدث عن ذلك في مجالين: المجال الأول: ما امتلأت به كتب الشيعة من أساطير تقول بأن في كتاب الله نقصاً وتحريفاً. وما تفوه به بعض زنادقتهم من القول بهذا مما عرضنا له فيما سبق.. فماذا يقول شيعة العصر الحاضر عن هذه القضية التي تحول بينهم وبين الإسلام.. وهم يسطون في الدعوة للتقارب مع أهل السنة.. ويرفعون شعار الوحدة الإسلامية؟! المجال الثاني: ماذا يقول شيعة العصر الحاضر عن ذلك التأويل الباطني لكتب الله والذي هو تحريف لمعناه وإلحاد في آياته.. والذي يجعل من كتاب الله كتاباً آخر غير ما في أيدي المسلمين مما عرضنا صورة له فيما سلف. المجال الأول: نستطلع فيما يلي آراء المعاصرين في "فرية التحريف" التي شاع الحديث عنها في كتب لشيعة. فمإذا نجد؟ نجد وجوهاً أربعة مختلفة: الوجه الأول: إنكار وجودها في كتبهم أصلاً. الوجه الثاني: الاعتراف بوجودها ومحاولة تبريره.

стр. 936

الوجه الثالث: المجاهرة، والاحتجاج علي هذا الافتراء. الوجه الرابع: التظاهر بإنكار هذه الفرية، ومحاولة إثباتها بطرق ماكرة خفية.

стр. 937

الوجه الأول: إنكار وجودها في كتبهم أصلاً لقد اتجه صنف من شيوخهم إلى إنكار وجودها أصلاً، ومن هؤلاء عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه الغدير، وذلك حينما رد على ابن حزم ما نسبه إلى الشيعة من القول بهذه المقالة، فقال هذا النجفي: "ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثقة به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزناً، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم، أو قروي من بسطائهم أو ثرثار، كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب لا ريب فيه" (١) . ويقول عبد الحسين شرف الدين الموسوي: "نسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات فأقول: نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله من هذا الجهل. وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته (٢) . كما نفى لطف الله الصافي أن يكون كتاب فصل الخطاب قد ألف لإثبات هذه الفرية، وقال بأن القصد من تأليفه محاربتها (٣) ، كما نهض بعضهم للدفاع عن الكليني الذي هو أحد أعمدة هذا الكفر (٤) .

стр. 938

النقد: إن إنكار ما هو واقع لا يجدي شيئاً في الدفاع، وسيؤول من جانب الشيعة ومن جانب المطلعين على كتبهم من أهل السنة بأنه تقية.. فالمسألة اليوم لم تعد تقبل مثل هذا الأسلوب في الرد، فقد فضحتهم مطلبع النجف وطهران، وقد كشف المستور، وأبان المخفي شيخهم الطبرسي فيما جمعه في كتابه "فصل الخطاب" فلا ينفع مثل هذا الموقف. وهذا المسلك في الإنكار يسلكونه في كل مسألة ينفردون بها عن المسلمين، كما نبه على ذلك شيخهم الطوسي في الاستبصار في أكثر من موضع بأن ما كان موضع إجماع من أهل السنة تجري فيه التقية (١) ، وبهذا المبدأ هدموا كل الروايات التي تتفق مع المسلمين وتعبر عن مذهب البيت وعاشوا مع المسلمين بالخداع

стр. 939

والتزوير، يوافقونهم في الظاهر ويخالفونهم في الباطن. ولكن هذه التقية سرعان ما تنكشف في الوقت الحاضر، إذ إن كتبهم أصبحت بمتناول الكثيرين. فالنجفي الذي طلب - في رده على ابن حزم - أن يثبت دعواه بكلام أي فرد من أفراد الشيعة هل يجهل ما جاء في الكافي والبحار، وما صرح به شيوخهم في هذا الضلال مما مضى ذكره.. وهل يتصور أن هذا القول ينخدع به أحد في حوزته كتاب من كتبهم التي سارت على هذا الكفر؟. ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم في الجزء الثالث من كتابه نراه في الجزء التاسع من الكتاب نفسه يصرح هو بهذا الكفر، حيث قال وهو - يتحدث عن بيعة المهاجرين والأنصار لصديق هذه الأمة تلك البيعة العظيمة التي جمعت الأمة - وأحبطت مؤامرات أعدائها - قال: ".. بيعة عمت شؤمها الإسلام وزرعت في قلوب أهلها الآثام.. وحرفت القرآن وبدلت الأحكام" (١) . بل أورد آية مفتراة في نفس الكتاب (٢) . وهكذا يثبت الرجل ما نفاه. وهذا الأسلوب: الإثبات مرة والإنكار مرة أخرى، والظهور أمام الناس بأقوال مختلفة ونصوص متناقضة مسلك لهم مطرد في أحديثهم وفي كلام شيوخهم، وقد ورد في أخبارهم بيان للسبب في هذا "النهج" وهو عدم وقوف العامة (أهل السنة)

стр. 940

على حقيقة مذهبم فلا يتعرضون له بشيء (١) . أما أسلوب عبد الحسين في نفيه لهذا الأسطورة ففيه شيء من المكر والمراوغة قد لا ينتبه له إلا من اعتاد على أساليبهم وحيلهم.. تأمل قوله: "فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته" ماذا يعني بالقرآن المتواتر من طرقهم؟ هل هو القرآن الذي بين أيدنا أو القرآن الغائب مع المنتظر كما يدعون؟! إن تخصيصه بأنه متواتر من طريقهم يلمس منه الإشارة للمعنى الأخير؛ ذلك أن القرآن العظيم كان من أسباب حفظه تلك العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر، وأتمها أخوهما ذو النورين عثمان بن عفان في جمعه وتوحيد رسمه.. تحقيقًا لوعده : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) . ومعتقد الشيعة في الخلفاء الثلاثة معروفة، فهذا القرآن إذًا غير متواتر من طرقهم. أما المحاولة الغبية من لطف الله الصافي وأغا بزرك الطهراني في التستر على فضيحة الشيعة الاثني عشرية الكبرى، والعار الذي لا يستر: وهو "كتاب فصل الخطاب" فهي محاولة يائسة، لا سيما وأن هذا الكتاب قد خرج من الدوائر الشيعية ووصل إلى أيدي السنة، بل قد وصل إلى أعداء المسلمين ليستفيدوا منه في الكيد لهذا الأمة ودينها (٣) . وقد نص في مقدمته على غرضه، وأقام الحجج المزعومة على مراده - كما سيأتي -. فهل يمكن التستر عليه وقد جمع كل أساطيرهم، وأقوال شيوخهم بعد أن كانت متفرقة؟.

стр. 941

الوجه الثاني: الاعتراف بوجودها ومحاولة تبريره وقد أتخذ هذا الاعتراف صوراً متعددة، فصنف منهم يعترف بأن عندهم بعض الروايات في تحريف القرآن ولكنه يقول: إنها "ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار" (١) . وصنف يقول بأنها ثابتة، ولكن "المراد في كثير من رويات التحريف من قولهم ﵇: كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل" (٢) . وصنف ثالث يقول بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس فيه تحريف، ولكنه ناقص قد سقط منه ما يختص بولاية علي "وكان الأولى أن يعنون المبحث تنقيص - كذا - الوحي أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه حتي لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفاً باعتراف طائفة من المسلمين" (٣) .!!!. وصنف رابع يقول: نحن معاشر الشيعة نعتقد بأن هذا القرآن الذي بين أيدينا الجامع بين الدفتين (كذا يعني المجموع) هو الذي أنزله الله تعالى على قلب خاتم الأنبياء ﷺ من غير أن يدخله شيء بالنقص أو بالزيادة، كيف وقد كفل - كذا - الشارع بنفسه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) . على أننا معاشر الشيعة (الاثني عشرية) نعترف بأن هناك قرآن كتبه الإمام علي

стр. 942

رضي الله عنه بيده الشريفة، بعد أن فرغ من كفن رسول الله ﷺ وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلي المسجد فنبذه الفارق عمر بن الخطاب قائلاً للمسلمين: حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن، فرده الإمام إلى بيته ولم يزل كل إمام يحتفظ عليه كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظًا عند الإمام المهدي القائم عجل الله تعالى فرجنا بظهوره (١) . واتجاه خامس يقول: "وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف ولهم عذرهم، كما لهم اجتهادهم، وإن أخطأوا بالرأي، غير أنا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف فقلنا به وأجمعنا علية" (٢) . وفريق سادس يقول بأن هذه الفرية، إنما ذهب إليها من لا تمييز عنده بين صحيح الأخبار وسقيمها من الشيعة وهم الإخباريون، أما الأصوليون فهم ينكرون هذا الباطل (٣) . النقد: نبدأ في مناقشة الآراء السابقة علي حسب ترتيب عرضها: أولاً: إن القول بأن تلك "الأساطير" هي في مقياس الشيعة روايات ضعيفة شاذة يرد عليه ما ردده طائفة من شيوخهم من القول باستفاضتها وتواترها كالمفيد والكاشاني، ونعمة الله الجزائري وغيرهم، بل إن المجلسي جعل أخبارها كأخبار الإمامة في الكثرة والاستفاضة - كما سلف -، كما أن هذه المقالة قد أصبحت مذهباً لطائفة من كبار شيوخهم. ومع ذلك فإن هذا الحكم من كبير علماء الشيعة على تلك الروايات بالشذوذ مع كثرتها التي اعترف بها شيوخهم تدل على شيوع الكذب في هذا المذهب بشكل كبير، وهذا الحكم المعلن - إن كان بصدق - ينبغي أن يكون دافعاً

стр. 943

للحكم على عقائد الشيعة الأخرى التي شذّت بها عن المسلمين، كما ينبغي أن يكون منطلقاً لنقد رواياتهم وجرح رجالهم، فمن روى تلك الروايات وجعلها مذهبه لا ينبغي أن يوثق به كالكليني وإبراهيم القمي الذين كان لهما النصيب الأكبر في تأسيس هذا الكفر في مذهب الشيعة وإشاعته بينهم (١) . ثانياً: أما القول بأن المقصود بروأيات الشيعة في هذا هو تحريف بعض النصوص التي نزلت لتفسير آيات القرآن فهذا تأكيد للأسطورة وليس دفاعاً عنها؛ ذلك أن من حرّف وردّ وأسقط النصوص النازلة من عند الله والتي تفسر القرآن وتبينة، هو لرد وتحريف الآيات أقرب، ومن لم يكن بأمين على المعنى كيف يؤتمن على اللفظ؟ ثم إذا فقدت المعاني ما قيمة الألفاظ؟ ثم كيف يكون تفسير الصحابة هو تحريف نظر هذه الفئة، و"تحريفات" القمي والكليني والمجلسي لمعاني القرآن هي التفسير، والتي لا يشك من له أدنى صلة بلغة العرب أنها إلحاد في آيات الله وتحريف لها، وإذا فقدت معاني القرآن وغابت مع المنتظر فكيف تهتدي الأمة بآياته أم تبقى الأمة ضائعة تائهة؟! ثم إنك ترى أن "النموذج" الذي أخرجوه لنا على أنه من معاني القرآن الوارد عن الأمة يكفي مجرد تأمله لمعرفة كذبة فكيف يجعل هو "التفسير الإلهي" الذي رده الصحابة كما يفترون؟!

стр. 944

على أن هذا "التأول لنصوص الأسطورة" لا يتلاءم مع كثير من تلك الروايات؛ إذ إن في رواياتهم "المفتراة" التصريح بأن النص القرآني قد شابه - بزعمهم - تغيير في ألفاظه وكلماته (١) فهذا التأويل ليس بمخرج سليم من هذا العار والكفر.. والموقف الحق هو ردها ورد مرويات من اعتقدها لأنه ليس من أهل القبلة. ثالثاً: أما القول بأن القرآن ناقص وليس بمحرف فهذا كسابقه ليس بدفاع ولكنه تأكيد لأساطيرهم وطعن في كتاب الله بما يشبه الدفاع فكيف تهتدي الأمة بقرآن ناقص، ومن قدر واستطاع على إسقاط قسم منه هو قادر على تحريف ما بقي.. ولكن الشيء من معدنه لا يستغرب فصاحب هذا القول هو أغا بزرك الطهراني وهو تلميذ النوري صاحب "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب". ولذلك ترى هذا الطهراني يحاول خداع المسلمين بزعمه أن مؤلف فصل الخطاب شافهه أنه أراد الدفاع عن القرآن وإنما أخطأ في العنوان (٢) . فهو يحاول أن يتستر على معتقده الباطل بأساليب من المكر والمراوغة، وهاهو ينكشف بهذا الدفاع فهو يصرح بأن للقرآن بقية، وأن للوحي الإلهي تكملة، وأن الأولى أن

стр. 945

يُعَنون بدل التحريف بعنوان "نقص القرآن أو نزول وحي إلهي آخر"، ويزعم أن في هذا دفاعاً عن القرآن أمام الأعداء؟ وهذا هو مبلغ دفاعه عن القرآن والإسلام - سبحانك هذا بهتان عظيم ـ. رابعاً: أما ما قاله المصنف الرابع بوجود قرآن عند منتظرهم.. فهذا يعني أن الدين لم يكمل، والله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) ثم ما فائدة العبادة من كتاب غائب مع منتظر مضى عل احتجابه - المزعوم - قرون، فإن كان لابد منه فما حكم الشيعة على ما مضى من القرون بما فيهم أسلافهم من الشيعة هل هم على ضلال.. وإن كانت الأمة تهتدي بدونه فما قيمة كل هذه الدعاوى؟! الحقيقة أن كل هذه "الترهات" لإقناع أتباعهم بما عليه الرافضة من شذوذ لا شاهد لها من كتاب الله، فحالوا التلبيس على الأتباع والتغرير بهم بأن دليلها يوجد في القرآن الآخر، أو الكامل، أو المفسر الغائب مع المنتظر. ثم إن مسألة وجود قرآن آخر، ومسألة الطعن في كتاب الله سبحانه هما في كتب الشيعة الأساسية مسألة واحدة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، فهم يزعمون أن علياً جمع القرآن بتمامه وجاء به إلى الصحابة فردوه وألفوا قرآناً حذفوا منه ما يتصل بولاية علي.. وبقي القرآن المزعوم يتوارثه الأمة حتى وصل إلى المنتظر؟ فهذا الرافضي ومن على منهجه أراد الخداع والتلبيس، فتراه يتدرج بالقارئ المسلم لإقناعه بهذه الفرية بإطلاعه علي أحد وجوهها. خامساً: أما الفئة الخامسة الذين يقولون بأن القول بالتحريف رأي خاطئ، وضلال سابق كنا نذهب إليه ثم تبين لنا الحق فعدلنا عنه. فإنه ليسر المسلم أن يرجعوا عن هذا الملف الفاسد.. ولكن هذا القول قد يكون للتقية

стр. 946

أثر فيه.. ذلك أن أصحاب هذه المقالة والكتب التي حوت هذا الكفر، هي محل تقدير عند هؤلاء، وصدق الموقف في هذه المسألة يقتضي البراءة من معتقديها وكتبهم كالكليني وكتابة الكافي، والقمي وتفسيره وغيرهما ممن ذهب إلى هذا الكفر، فكيف يكونون إلى اليوم موضع القدوة، ومحل الثقة، تعتمد كتابهم كمصادر في تلقي العقيدة والشريعة، ويوثق بأقوالهم ويقتدى بأفعالهم؟! ثم إن القول بأن الاثني عشرية أجمعهم رجعوا عن هذا منقوض بصنيع عالمهم المعاصر حسين النوري الطبرسي في كتابه "فصل الخطاب"، والذي ألفه لإثبات هذه الفرية - كما سلف -. وهو منقوض أيضاً بكتاب تحريف القرآن لسيدهم علي تقي بن السيد أبي الحسن النقوي اللكنهوي - المعاصر -المولود سنة (١٣٢٣هـ) وهو بالأردية (١) . وغيرهما من مؤلفاتهم في هذا الضلال، وهو معارض أيضاً بما قدمناه عن أغا بزرك الطهراني والأميني النجفي وغيرهما. فلا تزال فئة منهم يتيهون في هذا الضلال ويضربون فيه بسهم.. ثم لِمَ يقال في أمر أجمع عليه المسلمون وهو سلامة كتاب الله سبحانه وحفظ الله له لِمَ يقال إن من خالف فيه له عذره واجتهاده، وهل هي مسألة اجتهادية، وهل فيها عذر وتأويل سائغ..؟ سادساً: أما ما ذهبت إليه الطائفة الأخيرة من أن هذه المقالة لم يقال بة كل الاثني عشرية وإنما هي مقالة لفرقة منهم وهم الأخباريون الذين لا يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه.. فهذا قول قاله أيضاً بعض شيوخ الشيعة القدامى وهو الشريف المرتضى، حيث قال: "من خالف في ذلك من الإمامية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث (من الشيعة) نقلوا أخباراً ضعيفة وظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته" (٢) .

стр. 947

كما أن القول بأن هذه الفرية خاصة بالأخباريين قالها وأكدها مرجع الشيعة الأكبر في عصره جعفر النجفي المتوفى سنة (١٢٢٧هـ) . ولكنه وهو من الأصوليين يذهب في روايات التحريف الواردة في كتب الشيعة مذهباً لا يقل خطورة عن رأي إخوانه الأخباريين، حيث قال بعد أن ذكر أن تلك الفرية هي رأي للأخباريين وهو باطل بدلاله العقل والنقل وما علم من الدين بالضرورة، قال: "فلا بد من تنزيل تلك الأخبار، إما على النقص من الكلمات المخلوقة (١) . قبل النزول إلى سماء الدنيا، أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على أن نقص المعنى في تفسيره، والذي يقوى في نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض، فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي ﷺ على الناس وكتبوه وظهر بينهم وقام به الإعجاز، وقسم أخفاه ولم يظهر عليه أحد سوى أمير المؤمنين ﵁، ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه" (٢) . لم يجرؤ صاحب كشف الغطاء - كما ترى - أن يكذب تلك الأساطير كما فعل المرتضى، بل تاه في بيداء من التكلفات والتمحلات حتى وقع في شر مما فر منه، أو كاد. لقد زعم أن النبي ﷺ كتم قسماً من القرآن أنزله الله عليه، ولم يبلغ به أحداً من أمته سوى علي، وأن علياً أخفاه عند أبنائه وهو اليوم عند المنتظر فماذا بعد هذا الافتراء؟!

стр. 948

الوجه الثالث: المجاهرة بهذا الكفر والاستدلال به والذي تولى كبر هذا البلاء المدعو حسين النوري الطبرسي المتوفى سنة (١٣٢٠هـ) ، الذي ألف كتابه "فصل الخطاب" لإثبات هذه الأسطورة. ولربما الأول مرة في التاريخ يحدث هذا الجمع "لأساطير" الشيعة المتفرقة وأقوال شيوخها، والآيات المفتراة التي يزعمونها في كتاب واحد يطبع وينشر.. ليصبح فضيحة لهم أبد الدهر.. ولو كان للمسلمين قوة وسلطان لعقدت المحاكم لهذا الكتاب وصاحبه وحكم في ضوئه على دخول الاثني عشرية في الإسلام أو خروجها منه، وارتاح المسلمين من شر أولئك المرتزقة الذين ينتشرون في العالم الإسلامي لنشر التشيع.. وأفاق من غرّر به شيوخ الشيعة من أولئك الأتباع الجهلة.. الذين لا يدركون من التشيع إلا أنه حب آل البيت الذي سيدخلهم الجنة بغير حساب! ولقد قام الأستاذ إحسان إلهي ظهير بنشر قسم كبير من الكتاب في كتابه الشيعة والقرآن.. مع ذكر أدلة هذا المفتري وشبهه، ومع أن ذلك يعد كشافاً لحقيقة الاثني عشرية في هذا العصر، إلا أن الأستاذ إحسان قد اكتفى بنقل النصوص دون تعليق أو نقد.. وهذا من الخطورة بمكان، ولا سيما أن المؤلف قد ذكر اثنتي عشرة شبهة لإثبات فريته، وهي وإن كانت أشبه بخيوط العنكبوت إلا أن فيها ما قد يخفى على بعض من لا علاقة له بالعلم الشرعي، فكان من الواجب أن تكشف ترهاته وأن تدك شبهاته. ويؤتى عليها من القواعد. وفيما يلي عرض موجز لمحتويات هذا الكتاب باعتبار أن مؤلفه من المعاصرين (١) . مع نقده وكشف شبهاته وأغاليطه -

стр. 949

بحول الله -. بناء على أن كتاب إحسان قد سار بها في كل مكان في العالم الإسلامي ولم تحظ منه بنقد ولا رد على أساس أن الأمر أوضح من أن يبين، ومجرد عرض هذه الفرية كاف في بيان بطلانها.. وأقول: إن هذا حق باعتبار أصل الفرية ومنطلقها، ولكن الشبه التي أثارها لابد من أبطالها وكشف ضلالها. لقد قام المؤلف بكشف الغطاء عن عقيدة الشيعة الاثني عشرية في تحريف القرآن وجمع ما تفرق من أخبارهم فيها، ونقل تصريحات شيخهم بتواترها، وأنها تزيد على ألفي حديث، واتهم صحابة رسول الله بتحريفه والتواطؤ على ذلك ولم يستثن من ذلك سوى أمير المؤمنين علي، وهذا الاستثناء صوري، إذ إن لازم قوله تواطؤ الجميع، لأن القرآن الذي عند علي والسالم من التحريف بزعمهم لم يظهره علي ولا إبان خلافته.. ثم قدّم - من كتبهم - (١٠٦٢) رواية معظمها تقول في آيات من كتاب الله أنها خطأ ويذكر تصويبها من كتبهم الأسطورية، فيرد ما أجمعت عليه الأمة ويرتضي ما قاله حثالة من الأفاكين. كما لم يجبن عن ذكر بعض "سور" بكاملها تتناقلها الدوائر الشيعية وليس لها ذكر في المصحف، وعلامة الكذب والافتراء واضحة بيّنة في نصها ومعناها لا يخفى إلا على أعجمي جاهل ولا يروّجها إلا زنديق مغرّض. كما رد على من أنكر التحريف من طائفته وبيّن أن إنكار القدامى كان تقية وأن من أنكر أخبار التحريف يلزمه رد أخبار الإمامة لما بينهما من تلازم. وهذا الكتاب الذي حوى هذا الكفر قد طبع في إيران سنة (١٢٩٨هـ) وما إن خرج حتى انزعج كثير من الشيعة لظهوره، وقد وصف أحد شيوخهم ذلك فقال: "فلا تدخل مجلساً في الحوزة العلمية إلا وتسمع الضجة والعجة ضد

стр. 950

ذلك الكتاب ومؤلفه وناشره يسلقونه بألسنة حداد" (١) . ويرى الأستاذ محب الدين الخطيب أن سبب الضجة أنهم يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصوراً بين خاصتهم ومتفرقاً في مئات الكتب المعتبرة عندهم، وأن لا يجمع ذلك كله في كتاب واحد تطبع منه ألوف من النسخ ويطلع عليه خصومهم فيكون حجة عليهم ماثلة أمام أنظار الجميع، ويقول: ولما أبدى عقلاؤهم هذه الملاحظات خالفهم فيها مؤلفه، وألّف كتاباً آخر سماه (رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) (٢) . وإذا كان غلاة الشيعة يحاولون التستر علي هذه الفضيحة في معظم الأحيان بحكم عقيدة التقية التي أصبحت لهم حصناً وملاذاً، وأن تلك الضجة التي حدثت قد شارك فيها من يذهب إلى هذا الكفر ويرى وجوب التستر عليه صيانة لسمعة قومه، ووقاية لدينهم من فضيحة تزلزل كيانهم، وتمنع انتشار عقيدتهم، فإنني لا أجزم كالأستاذ محب الدين في تعميم هذا الحكم على كل الشيعة، بل إن هناك فئة من الشيعة لا تزال تنكر هذا الكفر وتتبرأ منه، وقد كتبوا ردوداً على كتاب فصل الخطاب من هذا المنطلق - فيما يظهر - مثل ما كتبه شيخهم وآيتهم محمد حسين المرعشي في كتابه الموسوم ب"رسالة حفظ الكتاب الشريف من شبهة القول بالتحريف" وهو رد على كتاب فصل الخطاب (٣) . كما أنني ألاحظ من خلال كتاب فصل الخطاب أنه يرد على المنكرين لهذا الفرية من قومه، ويجادلهم في هذا الأمر، ومن يقرأ الكتاب يرى أنه ألف لإقناع من خالف هذا الكفر من الشيعة (٤) . ثم أن ما كتبه صاحب فصل الخطاب بعنوان "رد بعض الشبهات عن فصل
следующие страницы →