عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع ... فابتدأت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق» . ثم ذكر أنه ابتدأ بتحصيل الكلام فحصله وعقله وصنف فيه، قال: «فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي أشكوه شافيا ... فلم يحصل فيه ما يمحوا بالكلية ظلمات الحيرة» ثم ذكر تحصيله الفلسفة والتبحر فيها ثم قال: «علمت أن ذلك أيضاً غير وافي بكمال الغرض فإن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات» ثم ذكر الباطنية إلى أن قال: «فهؤلاء أيضاً جربناهم وسبرنا باطنهم وظاهرهم» . وذكر أنه لم يجد مطلوبه عندهم، قال: «ثم أني لما فرغت من هذه أقبلت على طريق الصوفية ... » فذكر وأطال في إطرائها على عادته في إطراء ما يحصل كما أطرى الفلاسفة أولاً فقال: إن من لا يعرف المنطق لا ثقة له بعلمه، ولأنه كان يرى أن التصوف آخر ما يمكنه، فلم يكن له بد من محاولة إقناع نفسه به.
ثم صار كلامه في كتبه تردداً بين هذه الطرق، وكثيراً ما يختلف كلامه في القضية الواحدة، يوافق هذه الفرقة في موضع، ويخالفها في آخر، حتى ضرب له ابن رشد مثلاً قول عمران بن حطان:
يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني
وذلك يدل على أن إحاطته بتلك الطرق لم تحصل مقصودة من الخروج عن الحيرة، بل أو قعته في التذبذب، وكان ذلك مما بعثه على الرجوع في آخر عمره إلى ما كان أولاً يرغب عنه، ويرى أنه لا شيء فيه، فأقبل على حفظ القرآن، وسماع (الصحيحين) فيقال أنه مات و (صحيح البخاري) على صدره، لكن لم يمتع بعمره حتى يظهر أثر ذلك في تصنيفه. والله أعلم.
وأما الفخر الرازي ففي ترجمته من (لسان الميزان) ٤ / ٤٢٩: «أوصى بوصية تدل على أنه حسن اعتقاده» وهذه الوصية في ترجمته من كتاب (عيون الأنباء) ٢ / ٢٦ - ٢٨ قال مؤلف الكتاب: «أملى في شدة مرضه وصية على تلميذه إبراهيم
стр. 72
ابن أبي بكر بن علي الأصفهاني ... وهذه نسخة الوصية: بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الراجي رحمة ربه، الواثق بكرم مولاه محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجه إلى مولاه كل آبق ... إن الناس يقولون: الإنسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخلق، وهذا العام مخصوص من وجهين:
الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سباً للدعاء، والدعاء له أثر عند الله.
والثاني: ما يتعلق بمصالح الأطفال ... ، أما الأول، فعلموا أني كنت رجلاً محباً للعلم.
(أ) فكنت أكتب في كل شيء شياً لا أقف على كمية وكيف سواء كان حقاً أو باطلاً، غثاً أو سميناً!
(ب) إلا أن الذي نظرته (؟ نصرته) في الكتب المعتبرة لي أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبر منزه عن مماثلة المتحيزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
(ج) وقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن العظيم، لأنه يسعى في تسليم العظمة سوالجلال بالكلية لله تعالى ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات، ولا ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.
(د) فلهذا أقول: كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب، ووحدته، وبراءته والشركاء في القدم والأزلية، والتدبير والفعالية، فذاك هو الذي أقول به وألقى الله تعالى به، وأما ما انتهى الأمر فيه إلى الدقة والغموض فكل ما ورد في القرآن سو الأخبار الصحيحة المتفق عليها بين الأئمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما
стр. 73
هو، والذي لم يكن كذلك أقول يا إله العالمين ... أقول ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليها ... » .
فبين في وصيته هذه أنه تدرج إلى أربع درجات:
الأولى: الجري مع خاطره حقاً كان أو باطلاً.
الثانية: ما نصره في كتبه المعتبرة.
الثالثة: ارتيابه في المأخذ الخلفي وهو النظر الكلامي والفلسفي.
الرابعة: ما استقر وثوقه به ورجع إليه، وهو ما أثبته المأخذ السلفي الأول وأكده الشرع، ثم قسم الباقي إلى قسمي:
الأول: ما بينه الكتاب والسنة، فهو كما بيناه.
الثاني ما عدا ذلك، فبين عدم وثوقه فيه بما سبق أن قاله في كتبه واعتذر عن ذلك بحسن النية.
فرجوع هؤلاء الأكابر وقضاؤهم على النظر المتعمق فيه بما سمعت، بعد أن أفنوا فيه أعمارهم من أوضح الحجج على من دونهم.
هذا والمشهور بعد الاعتراف بكفاية المأخذين السلفيين والنهي عن الخوض في علم الكلام والفلسفة الاعتذار عن الخائضين من المنتسبين إلى السنة بأنهم اضطروا إلى ذلك لدفع شبهات الكفار والزنادقة، والملحدين والمبتدعة الذين يخوضون في دقائق المعقول ثم يطعنون في الإسلام والسنة، قال المعتذرون ولم يكن ذلك في عهد الصحابة والتابعين وإنما حدث أخيراً بعد ضعف الإيمان وتشوف الناس إلى دقائق المعقول وإعجابهم بأهله، فالخوض محدث لكن لحدوث داع إليه وباعث عليه ومقتض له.
وأقول: أما من خاض وحافظ على العقائد الإسلامية كما تعرف من المأخذين السلفيين وكما كان عليه السلف، فعسى أن ينفعه ذاك العذر، وإن كنا نعلم أن في حجج الحق من المأخذين السلفيين ما يغني من يؤمن «وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ
стр. 74
قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» ، وأما من خاض فغير وبدل فهؤلاء هم المبتدعة وأتباعهم، فهب أن منهم من يعذر في خوضه، فما عذره في تغييره وتبديله؟ ! ولا سيما من بلغ به التغيير والتبديل إلى القول بأن النصوص الشرعية لا تصلح حجة في العقائد! حتى صرح بعضهم بزعم أن الله ﵎ أقر الأمم التي بعث
فيها أنبياءه على العقائد الباطلة وقررها في كتبه وعلى السنة رسله وثبتها وأكدها وزادهم عليها أضعافها مما هو - في زعم هؤلاء - باطل! !
فهل هذا هو الذب عن الإسلام وعقائده الذي يمتن به عليه أولئك الخائضون؟ !
فصل
وأما المأخذ الخلفي الثاني وهو الكشف التصوفي، فقد مضى القرن الأول ولا يعرف المسلمون للتصوف إسماً ولا رسماً، خلا أنه كان منهم أفراد صادقون الحب لله تعالى، والخشية له يحافظون على التقوى والورع على حسب ما ثبت في الكتاب والسنة، فقد يبلغ أحدهم أن تظهر مزيته في استجابة الله بعض دعائه أو عنايته به على ما يقل في العادة، ويلقى الحكمة في الوعظ والنصيحة والترغيب في الخير، وإذا كان من أهل العلم، ظهرت مزيته في فهم الكتاب والسنة فقد يفهم من الآية أو الحديث معنى صحيحاً إذا سمعه العلماء وتدبروا، وجدوه حقاً ولكنهم كانوا غافلين عنه حتى نبههم ذلك العبد الصالح. ثم جاء القرن الثاني فتوغل أفراد في العبادة والعزلة وكثرة الصوم والسهر وقلة الأكل لعزة الحلال في نظرهم، فجاوزوا ما كان عليه الحال في عهد النبي ﵌، فوقعوا في طرف من الرياضة، فظهرت على بعضهم بعض آثارها الطبيعية كالإخبار بأن فلاناً الغائب قد مات أوسيقدم وقت كذا، وأن فلاناً يضمر في نفسه كذا وما أشبه ذلك من الجزئيات
стр. 75
القريبة (١) فكان الناس يظنون أن جميع ذلك من الكرامات، والواقع أن كثيراً منه كان من آثار الرياضة وهي آثار طبيعية غريبة تحصل لكل من كاف في طبعه استعداد وتعاني الرياضة بشروطها سواء أكان مسلماً - صالحاً أو فاجراً - أم كافراً، فأما الكرامات الحقيقية فلا دخل فيها لقوى النفس. فلما وقعوا في ذلك
стр. 76
وجد الشيطان مسلكاً للسلطان على بعض أولئك الأفراد بمقدار مخالفتهم للسنة، فمنهم من كان عنده من العلم به عن دينه كما نقل عن أبي سليمان الداراني أنه قال: «ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين - الكتاب والسنة» ذكرها ونحوها من كلامهم أبو إسحاق الشاطبي في (الاعتصام) ١٠٦ - ١٢١.
ومنهم من سلم لهم أصل الإيمان لكن وقع في البدع العملية، ومنهم من كان سلطان السلطان عليه أشد فأو قعه في أشد من ذلك كما ترى الإشارة إلى بعضه في ترجمة رياح بن عمروالقيسي من (لسان الميزان) . ثم صار كثير من الناس يتحرون العزلة والجوع والسهر لتحصيل تلك الآثار، فقوي سلطان الشيطان عليهم، ثم نقلت مقالات الأمم الأخرى ومنه الرياضة وشرح ما تثمره من قوة الإدراك والتأثير،
стр. 77
فضمها هواتها إلى ما سبق، ملصقين لها بالعبادات الشرعية، تعاطيها من الخائضين في الكلام والفلسفة، فمنهم من تعاطاها ليروج مقالاته المنكرة بنسبتها إلى الكشف والإلهام الروحي، ويتدرع عن الإنكار عليه بزعم أنه من أولياء الله تعالى، ومنهم من تعاطاها على أمل أن يجد فيها حلاً للشكوك والشبهات التي أو قعه فيها التعمق في الكلام والفلسفة.
ومن أول من مزج التصوف بالكلام الحارث المحاسبي، ثم اشتد الأمر في الذين أخذوا عنه فمن بعدهم، وكان من نتائج ذلك قضية الحلاج، ولعله كان في أقران الحلاج من هو موافق له في الجملة، بل لعل فيهم من هو أوغل منه إلا أنهم كانوا يتكتمون، ودعا الحلاج إلى إظهار ما أظهره حب الرياسة.
وكذلك الفارابي وابن سينا نتقاً من ذلك.
وكذلك في كلام متفلسفي المغاربة كابن باجة وغيره. وهكذا الباطنية كانوا ينتحلون التصوف، فلما جاء الغزالي نصب منصب الكلام والفلسفة الباطنية، وزعم أن الحق لا يعدوا هذه الأربع المقالات، وقضى ظاهراً للتصوف مع ذكره كفيره أن طائفة من المتصوفة ذهبوا إلى الأباحة المحضنة، وفي ذلك نبذ الشرائع البتة، ثم لم يزل الأمر يشتد حتى جاء ابن عربي وابن سبعين التلمساني، ومقالاتهم معروفة، ومن تتبع ما كان عليه النبي ﵌ والصحابة وأئمة التابعين، وما يصرح به الكتاب والسنة وآثار السلف، وأنعم النظر في ذلك، ثم قارن ذلك بمقالات هؤلاء القوم علم يقيناً أنه لا يمكنه إن لم يغالط نفسه أن يصدق الشرع ويصدقهم معاً، وإن غالط نفسه وغالطته، فالتكذيب ثابت في قرارها ولابد.
هذا والشرع يقضي بأن الكشف ليس مما يصلح الاستناد إليه في الدين، ففي (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
стр. 78
وسلم يقول: لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة» .
وورد نحوه من حديث جماعة من الصحابة ذكر في (فتح الباري) منها حديث ابن عباس عند مسلم وغيره، وحديث أم كرز عند أحمد وابن خزيمة وابن حبان، وحديث حذيفة بن أسيد عند أحمد والطبراني، وحديث عائشة عند أحمد، وحديث أنس عند أبي يعلي. (١)
وفيه حجة على أنه لم يبق مما يناسب الوحي إلا الرؤيا، اللهم إلا يكون بقي ما هو دون الرؤيا فلم يعتد به، فدل ذلك أن التحديث والإلهام والفراسة والكهانة والكشف كلها دون الرؤيا، والسر في ذلك أن الغيب على مراتب.
الأولى: ما لا يعلمه إلا الله، ولم يعلم به أحداً أو أعلم به بعض ملائكته.
الثانية: ما قد علمه غير الملائكة من الخلق.
الثالثة: ما عليه قرائن ودلائل إذا تنبه لها الإنسان عرفه كما ترى أمثلة ذلك فيما يحكى من زكن إياس والشافعي وغيرهما، فالرؤيا قد تتعلق بما هو من المرتبة الأولى لكن الحديث يقضي أنه لم يبق منها إلا ما كان على وجه التبشير فقط وفي معناه التحذير، والفراسة تتعلق بالمرتبة الثالثة، وبقية الأمور بالمرتبة الثانية، وإنما الفرق بينها والله أعلم أن التحديث والإلهام من إلقاء الملك في الخاطر، والكهانة من إلقاء الشيطان، والكشف قوة طبيعية غريبة كما يسمى في هذا العصر قراءة الأفكار.
نعم قد يقال: أن الرياضة قد تؤهل صاحبها لأن يقع له في يقظته ما يقع له في نومه فيكون الكشف ضرباً من الرؤيا.
وأقول: إن صح هذا فقد تقدم أن الرؤيا قصاراها التبشير والتحذير، وفي
стр. 79
الصحيح (١) «أن الرؤيا قد تكون حقاً وهي المعدودة من النبوة، وقد تكون من الشيطان، وقد تكون من حديث النفس» ، والتمييز مشكل، ومع ذلك فالغالب أن تكون على خلاف الظاهر حتى في رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قص من ذلك في القرآن، وثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذه الأمور اتفق أهل العلم أن الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة كما ثبت عن ابن عباس أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسنة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس.
هذا حال الرؤيا فقس عليه حال الكشف إن كان في معناها. فأما إن كان دونها فالأمر أوضح، وتجد في كلام المتصوفة أن الكشف قد يكون حقاً، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون تخيلاً موافقاً لحديث النفس، وصرحوا بأنه كثيراً ما يكشف للجل بما يوافق رأيه حقاً كان أو باطلاً، ولهذا تجد في المتصوفة من ينتسب إلى أهل الحديث ويزعم أنه يكشف له بصحة مذهبه، وهكذا تجد فيهم الأشعري والمعتزلي والمتفلسف وغيرهم، وكل يزعم أنه يكشف له بصحة مذهبه، ومخالفه منهم لا يكذبه ولكنه يكذب كشفه، وقد يكشف لأحدهم بما يوافق الفرقة التي ينتسب إليها، وإن لم يكن قد عرف تلك المقالات من قبل، كأنه لحسن ظنه بهم وحرصه على موافقتهم إنما تتجه همته إليهم فيقرأ أفكارهم وترتسم في مخيلته أحوالهم.
فالكشف إذن تبع للهوى، فغايته أن يؤيد الهوى ويرسخه في النفس ويحول بين صاحبه وبين الاعتبار والاستبصار، فكان الساعي في أن يحصل له الكشف، إنما
стр. 80
يسعى في أن يضله الله ، ولا ريب أن من التمس الهدى من غير الصراط المستقيم مستحق أن يضله الله ، وما يزعمه بعض غلاتهم من أن لهم علامات يميزون بها بين ما هو حق من الكشف وما هو باطل، دعوى فارغة، إلا ما تقدم عن أبي سليمان الداراني، وهو أن الحق ما شهد له الكتاب والسنة، ولكن المقصود الشهادة الصريحة التي يفهمها أهل العلم من الكتاب والسنة بالطريق التي يفهمها بها السلف الصالح.
فأما ما عرف عن المتصوفة من تحريف النصوص بما هو أشنع وأفظع من تحريف الباطنية فهذا لا يشهد لكشفهم، بل يشهد عليه أوضح شهادة بأنه من أبطل الباطل.
أولاً لأن النصوص بدلالتها المعروفة حجة فإذا شهدت ببطلان قولهم علم أنه باطل.
ثانياً لأنهم يعترفون أن الكشف محتاج إلى شهادة الشرع، فإن قبلوا من الكشف تأويل الشرع، فالكشف شهد لنفسه فمن يشهد له على تأويله؟
وأما التحديث والإلهام ففي (صحيح البخاري) وغيره من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فأنه عمر» . وأخرجه مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة، وفيه «فإن يكن في أمتي منهم أحد فأن عمر بن الخطاب منهم» وجاء في عدة روايات تفسير التحديث بالإلهام.
وهذه سيرة عمر بين أيدينا لم يعرف عنه ولا عن أحد من أئمة الصحابة وعلمائهم استدلال بالتحديث والإلهام في القضايا الدينية، بل كان يخفي عليهم الحكم فيسألون عنه، فيخبرهم إنسان بخبر عن النبي ﷺ فيصيرون إليه، وكانوا يقولون القول، فيخبرهم إنسان عن النبي ﷺ بخلافه فيرجعون إليه.
стр. 81
وأما الفراسة، فإن المتفرس يمكنه أن يشرح لغيره تلك الدلائل التي تنبه لها، فإذا شرحها عرفت فإن كانت مما يعتد به عملت بها لا بالفراسة.
فصل
مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يستند إليها فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفل ببيان ما ليس من الدين. وكذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما أن لا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يستدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين.
ولم يقتصر المتعمقون على هذا الزعم الباطل، بل صاروا إلى عزلهما عن بيان الحق في العقائد البتة، حتى آل بهم الضلال إلى نسبة الكذب إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، بل إلى رب العالمين سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
стр. 82
الباب الثاني: في تنزيه الله ورسله عن الكذب
المتعمقون يردون كثيراً من نصوص الكتاب والسنة في العقائد، فمنهم من ردها مع تصريحه بأن كثيراً منها لا يحمل إلا المعاني التي يزعم أنها باطلة، ويزعم أن الشرع إنما أتي بها مجاراة لعقول الجمهور ليمكن انقيادهم للشرع العملي.
ومنهم من زعم أنها غير صالحة للحجة في العقائد مطلقاُ، زاعماً أن ظهورها في معنى اعتقادي أو صراحتها فيه، اومبالغتها في تأكيده، كل ذلك لا يمكن أن يعلم به أن ذاك المعنى هو مراد المتكلم لدلالة النظر العقلي المتعمق فيه، أو الكشف التصوفي على بطلان كثير من تلك المعاني في زعمه واحتمال مثل ذلك في الباقي.
ومنهم من لم يصرح بما ولكنه قدم غيرها عليها وتعسف في تأويلها تعسفاً مخرجاً عن قانون الكلام، أو اقتصر - مع زعمه أن المعاني المفهومة منطا باطلة - على زعم أن لها معاني أخرى صحيحة لا حاجة إلى معرفتها.
فتحصل من كلامهم حملهم لتلك النصوص على الكذب، أما القول الأول فواضح، وأما الثاني فقريب منه كما يأتي، وأما الثالث فيلزمه ذلك.
تنزيه الله ﵎ عن الكذب
مما علم من الدين بالضرورة وشهدت به الفطرة السليمة والعقول المستقيمة أن من
стр. 83
المحال الممتنع أن يقع الكذب من رب العالمين، وكيف يتصور وقوعه منه؟ وهو عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء، الغني عن كل شيء، الحكيم الحميد الذي له الحمد كله، وإنما تخبط في ذلك متأخروا الأشعرية. وكأن الموقع لهم في التخبط ما ألزمهم به المعتزلة في مسألة القدر، - والخوض في القدر أم كل بلية - ولأمر ما ورد في الشرع النهي عن ذلك وشدد فيه السلف.
وإيضاح هذا أن الأشعرية لما صار قولهم إلى أن العباد مجبورون على أفعالهم، قال لهم المعتزلة: كيف يجبر الله تعالى خلقه على الكفر والفجور ثم يعاقبهم عليه، وهذا قبيح ومفسدة والله تعالى منزه عن القبائح، وأفعاله مبنية على المصالح، فاضطرب الأشعرية في هذا ثم لم يجدوا محيصاً إلا أن يجحدوا هذين الأصلين، فقالوا: الأفعال كلها سواء عند العقل ولا يدرك منها حسناً ولا قبحاً، والله لا يفعل لشيء، ولا لأجل، إنما يفعل ما يريده، وإرادته لا تعلل بشيء البتة. فقال المعتزلة: فيلزمكم أن يجوز عقلاً أن يكذب الله تعالى، فحاول بعض الأشعرية التملص من هذا الإلزام بوجهين:
الأول: أن الكذب نقص والله سبحانه منزه عن النقص.
الثاني: أنه لو جاز لكان قديماً، وما ثبت قدمه استحال عدمه فيمتنع الصدق. فلم ير بقية الأشعرية هذين الوجهين شيئاً.
أما الأول فلأنه لم يقم برهان عندهم - زعموا - على براءته تعالى من النقص، ومن قال منهم بالبراءة، إنما يقول به في الصفات لا في الأفعال، فأما النقص في الأفعال فهو القبح العقلي الذي ينكرونه.
وأما الثاني فلإنه لو تم يختص بما يسمونه الكلام النفسي، والنزاع إنما هو في الكلام اللفظي.
فصار الأشعرية إلى التزام أنه يجوز عقلاً أن يقع الكذب من الله ﵎، ثم حاولوا القول بأنه وإن جاز عقلاً فلا يقع، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
стр. 84
أخبر بأن كلام الله تعالى كله صدق. فقالت المعتزلة: إنما ثبتت نبوة النبي بإخبار الله بأنه صادق، وذلك بإظهار المعجزة على يده إظهار مستلزماً لذاك الإخبار، إذ هو بمنزلة أن يقول تعالى: صدق في دعواه أنني أرسلته.قالوا: فإن كان العقل يجوز وقوع الكذب من الله تعالى جاز أن يكون هذا الخبر كذباً، فلا يكون مدعي النبوة نبياً، فتجويزكم عقلاً أن يقع الكذب من الله تعالى يلزمه أن لا تثبت نبوة محمد يكون لكم أن تحتجوا على نفي وقوعه بخبر؟ أجاب الأشعرية بأن دلالة المعجزة على صدق مدعي النبوة عادية، وذلك أن الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقبها، قالوا: «فإن إظهار المعجز على يد الكاذب وإن كان ممكناً عقلاً فمعلوم انتفاؤه عادة» .
قال العضد: «وقد ضربوا لهذا مثلاً قالوا: إذا ادعى الرجل بمشهد الجم الغفير أني رسول هذا الملك إليكم، ثم قال الملك: إن كنت صادقاً فخالف عادتك وقم من الموضع المعتاد لك من السرير واقعد بمكان لا تعتاده، ففعل كان ذلك بمنزلة التصديق بصريح مقاله ولم يشك أحد في صدقه بقرينة الحال، وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد، بل ندعي في إفادته العلم بالضرورة العادية، ونذكر هذا للتفهيم» .
أقول: الذين شاهدوا المعجزات لم يوقنوا جميعاً بل بقي كثيرون منهم مرتابين، وفي القرآن كثيرة نصوص تصرح بذلك، وهذا يدفع أن يكون الله أجرى العادة بخلق العلم بالصدق عقب المعجزة.
فإن قيل، الذين بقوا مرتابين إنما ارتابوا لعدم علمهم بأن ذلك فعل الله بل جوزوا السحر.
قلت: فإذا لم يقع العلم بالصدق إلا لمن علم أن ذلك فعل الله فهذا نظير المثال الذي ذكروه، فلوفرضنا فيه أن ذلك الجم الغفير كانوا يعتقدون أن الملك لا يبالي أصدق أم كذب ولا أَفَعَل ما تقتضيه الحكمة أم ما آتاه، لم يحصل لهم بقيامه
стр. 85
وقعوده أدنى ظن، فصلاً عن الظن الغالب، فضلاً عن العلم، فأما إذا كانوا يعتقدون أنه لا يفعل شيئاً لأجل شيء فالأمر أشد. فثبت أن الذين يعلمون أن المعجزة من فعل الله وإنما يصدقون لا اعتقادهم أن الله تعالى منزه عن أن يقع منه الكذب أو فعل مناقض للحكمة، وهذا الاعتقاد هو مقتضى الفطر الزكية والعقول النقية وهو اعتقاد كل من يؤمن حق الإيمان بوجود الله تعالى وكمال علمه وقدرته حتى من الأشاعرة أنفسهم، يعتقدون ذلك بمقتضى فطرهم، وإن أنكروا بألسنتهم.
تنزيه الأنبياء عن الكذب
من المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء صادقون في كل ما أخبروا به عن الله ، وأن من كذب نبياً في خبر من ذلك فقد كفر، ومعلوم أن جميع ما أخبر به الأنبياء في شؤون الدين فهو إخبار عن الله ، وهذا من الوضوح عند المسلمين بحيث يستغني عن إيراد حججه.
فإن قيل: قد جوز بعض الناس أن يقول النبي في الدين باجتهاده، ومن هؤلاء من جوز أن يخطئ النبي لكنه إن أخطأ نبهه الله فوراً، ولعل من يجيز من هؤلاء تأخير البيان إلى وقت الحاجة يجيز تأخير التنبيه إلى وقت الحاجة.
قلت: إن جاز الخطأ فإنما يخبر النبي بأنه يظن، ومن قال: أظن كذا، إنما أخبر بأنه يظن، فإذا كان يظن ما ذكر فقد صدق، فإن بان خطأ ظنه لم يقل له: كذبت، وإن قيل: كذب ظنك، فأما الأمور الدنيوية فخبر الأنبياء عنها إن تضمن خبراً عن الله فكالأمور الدنيوية، وإلا فالمعروف بين أهل العلم من المسلمين أن الأنبياء معصومون عن تعمد الكذب فيها، وأو رد على ذلك كلمات إبراهيم ﵇. وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ... » فذكر تلك الكلمات، وفي (مسند أحمد) من حديث ابن عباس نحوه، وفي (الصحيحين) من حديث أنس مرفوعاً ذكر فزع الناس إلى الأنبياء يوم
стр. 86
القيامة يسألونهم الشفاعة، فيأتون آدم فنوحاً فإبراهيم فموسى فيعتذر كل من هؤلاء بتقصير كان منه في الدنيا، فيذكر آدم أكله من الشجرة، وموسى قتله النفس. وفيه في ذكر إبراهيم: «فيقول: لست هناكم - ويذكر خطيئته» . زاد مسلم: «التي أصاب فيستحي ربه منها» وفي رواية للبخاري في «كتاب التوحيد» : فيقول: لست هنا كم - ويذكر خطاياه التي أصابها» وفي أخرى: «ويذكر ثلاث كذبات كذبهن» وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة مرفوعاً وفيه قول إبراهيم في عذره: «إن ربي قد غضب اليوم ... وإني كنت كذبت ثلاث كذبات» لفظ البخاري في تفسير سورة (الإسراء) ، ولفظ مسلم: «إن ربي قد غضب اليوم ... ، وذكر كذباته» وقد جاء الحديث من رواية جماعة آخرين من الصحابة. فإطلاق الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام على تلك الكلمات «كذبات» يدفع أن تكون من المعاريض التي لا راحة للكذب فيها. ويؤكده أن نبينا كان شديدا التقير لأبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وصح عنه أنه قال: «نحن أولى بالشك من إبراهيم ... » وقال له رجل: يا خير البرية، فقال: «ذاك إبراهيم» فكيف يظن به أن يقول: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» وه يعلم أنها ليس من الكذب في شيء، مع أنه تحرى في هذا الحديث الثناء على إبراهيم فبين أنه لم يقع منه كذب إلا تلك الثلاث ثم قال: «ثنتين منهم في ذات الله ، وقوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» وقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا» ، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة (يعني امرأته) إذ أتي على جبار من الجبابرة ... » .
فإن قيل: قد يكون الكلام من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
قلت: إنما يحسن مثل هذا حيث يكون المستثنى واضح من المستثنى منه، وليس الأمر هنا كذلك، وقد سماها في الحديث الآخر «خطايا» ونظمها في سلك أكل آدم من الشجرة وقتل موسى للنفس، وحكم إبراهيم بأنها تقصر به عن مقام الشفاعة، وتتقضى إستحياءه من ربه لأجلها فالجواب عن تلك
стр. 87
الكلمات بأنها ليس بكذب كما ترى.
وثم وجب آخر وهو أن تلك الكلمات وقعت من إبراهيم ﵇ قبل نبوته، وكما أن قتل موسى للنفس كذلك فقد قص الله تعالى عنه أنه ذُكر بتلك الفعلة فقال: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء: ٢٠-٢١.
وقريب من ذلك حال آدم، فإن أكله من الشجرة كان في الجنة قبل النبوة المعتادة.وقد قال الله تعالى في القصة التي ذكر فيها قول إبراهيم: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا» ، وهي إحدى الكلمات: «قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ... قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» الأنبياء: ٥٩ - ٦٣.
والكلمة الثانية وهي قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» ، كانت قبل ذلك.
فأما الثالثة وهي قوله: «هي أختي» فالظاهر والله أعلم أنها بعد ذلك، ولكن في سياق القصة ما قد يشعر بأنها كانت قبل النبوة، فإطلاقهم عليه «فتى» ظاهر في أنه يومئذ لم يبلغ أربعين سنة، فإن الفتى هو الشاب الحدث كما في (المصباح) ، وقد صرح كثير من أهل العلم أن الأنبياء إنما نبئوا بعد بلوغ كل منهم أربعين سنة كما وقع لنبينا ﵊، ز جزم به القاضي أبوبكر ابن العربي وآخرون، وتاولوا ما في قصتي يحيى وعيسى، وقال قوم: إن ذلك هو الغالب.
فإن قيل: فإن اثنتين من تلك الكلمات وقعتا في صدد دعوته قومه إلى التوحيد، والثالثة يظهر أنها بعد ذلك، فكيف يدعوقبل النبوة؟
قلت: قد كان هداه الله تعالى من صباه بتوجيه نظره إلى الآيات الكونية، قال الله : «وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» . ثم ذكر القمر والشمس «فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
стр. 88
تُشْرِكُونَ ... إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ... » الأنعام: ٧٥ - ٨٠.
فكان يحاج قومه بما هداه الله إليه بنظره.
فإن قيل: لو كانت تلك الثلاث قبل النبوة لذكر معها قوله: هذا ربي، فإن هذه أشد.
قلت: قد ذكر في بعض الروايات لكن قيل إنه خطأ من الرواي. وعلى هذا فقد يقال إنما تذكر تلك الكلمة لأنها كانت في الطفولة فيما قاله بعض أهل العلم وتلك الثلاث كانت بعد البلوغ. وفي هذا نظر، فإن قول النبي ﵌: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» يعم الطفولة. وقد يقال: إنما لم يذكرها لأن إبراهيم لم يرد بها الإخبار، وإنما أراد الاستفهام الإنكاري. وهذا القول حكاه ابن جرير عن بعض أهل النظر، ورده، وروي عن ابن عباس ما ينص على أن الكلام على الإخبار وأن إبراهيم فعل ما يوافق ذلك، ولم يذكر عن أحد من السلف خلافه، ومع هذا فمن مال إلى هذا التأويل من أهل النظر
وجّهوه بأن إبراهيم أراد في نفسه الاستفهام، وأراد في الظاهر إيهام قومه أنه موافق لهم ليكون ذلك أقرب إلى جرهم إلى الحق، وعلى هذا فهذه الكلمة أشد من تلك الثلاث، والحديث السابق يأبى ذلك كما مر.
فإن قيل: أفليس الأنبياء معصومين عن الكفر مطلقاً؟
قلت: ليس هذا بكفر في حكم الشرع، فإن إبراهيم ﵇ قال ذلك قبل أن تعرض عليه، فضلاً عن أن تقوم عليه حجة بنظر ولا غيره وهو حريص على معرفة الحق، باذل وسعه في تحصيلها، صادق العزم على اتباع الحق على كل حال، ليس في نفسه شائبة هوى في غير الحق، فإن كان ذلك في الطفولة كان الأمر أوضح.
стр. 89
فإن قيل: فعلى هذا أيضاً يبقى الإشكال بحاله أو أشد فإن قوله: «هذا ربي» يكون خبراً مخالفاً للواقع ظاهراً وباطناً، وتلك الثلاث إن كان الخبر فيها مخالفاً الواقع فظاهراً فقط.
قلت: تلك الثلاث كانت عمداً أي أن إبراهيم كان يعلم أن الظاهر غير واقع، وأم قوله: «هذا ربي» فخطأ محض غير مؤاخذ به (١) . والمتبادر من قولهم «لم يكذب فلان» نفي أن يكون وقع منه إخبار بخلاف الواقع يلام عليه، وفي (صحيح مسلم) في أحاديث البكاء على الميت «فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ» وفي رواية «قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطيء» . وقولهم: «كذب فلان» المتبادر منه أنه تعمد أو أخطأ خطأ حقه أن يلام عليه، ومن ذلك حديث «كذب أبو السنابل» وقول عبادة: «كذب أبو محمد» وقول ابن عباس: «كذب نوف» وما أشبه ذلك، والكذب لغة هو مخالفة الخبر - أي ظاهره الذي لم تنصب قرينة على خلافه - للواقع مطلقاً، لكن لشدة قبح الكذب وأن العمد أغلب من الخطأ كان قولنا: «كذب فلان» مشعراً بذمه فاقتضى ذلك أن لا يؤتى بذلك حيث ينبغي التحرز عن الإشعار بالذم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
هذا، ولم يرد إبراهيم ﵇ بقوله: «هذا ربي» ، رب العالمين، وإنما بنى على ما كان يقوله قومه في الكواكب أن أرواح الملائكة متعلقة بها مدبرة بواسطتها ما أقدرها الله عليه، أو شافعه إليه، ولما رأو اأن الكواكب لا تكون ظاهرة أبداً اتخذوا الأصنام تذكارات لها ولأرواحها، وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب
стр. 90
تقرباً إلى تلك الأرواح، ويقولون: أن الله رب الأرباب وآله الآلهة وقد أوضحت هذا بدلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف والآثار التاريخية والمقالات في كتاب (العبادة) ولله الحمد.
وعلى كل حال فتلك الكلمات أن ترجح أنها داخلة فيما يسمى كذباً فهي من أخف ذلك وأهونه ولنبين ذلك في إحداها:
دخل إبراهيم ومعه امرأته (سارة) بلداً كان ملكه جباراً، إذا سمع بامرأة جميلة أخذها فإن كان لها زوج بطش به، فلما سمع الجبار بسارة أرسل إلى إبراهيم فسأله عنها فخاف أن يقول: امرأتي، فيبطش به، وأن يقول: أجنبية عني، فيقال: فما شأنك معها؟ فقال: هي أختي، واراد الأخوة الدينية. فإطلاق أخ وأخت في الأخوة الدينية شائع ذائع، فاحتمال الخبر للمعنى الواقع قريب كما ترى، ومع ذلك فهناك قرينة من شأنها إذ تبه لها المخاطب أن توهن الظاهر، وهي أن تلك الحال يحتاج من وقع في مثلها إلى التورية والإيهام خلاف الواقع ليدفع عن نفسه الظلم، ويدفع عن مخاطبيه الوقوع في الظلم، ولا تترتب على ذاك الإيهام مفسدة، فقد يقال: إن هذه الحال إذا نظر إليها على هذا الوجه ولوحظ أن الخبر محتمل إحتمالاً قريباً لغير ظاهره صار الخبر مجملاًَ محتملاً لكل من المعنيين على السواء، فعلى هذا لا يكون كذباً. لكن قد يرد على هذا أن تلك الحال إذا لوحظت إنما تقتضي أن من وقع فيها قد يترخص في الكذب، فالاعتداد بها لا يبرئ الخبر عن إسم الكذب، ألا ترى أنه لوعلم الجبار بالواقع لكان له أن يقول لإبراهيم: لم كذبت؟
وعلى كل حال فالأحاديث أطلقت على تلك الكلمات: كذبات، فإن كانت كذلك حقيقة فقد يتعين أنها كانت قبل النبوة كما مرة، وإلا فسواء أكانت قبلها أم بعدها فالأحاديث صريحة بأنها - بالنظر لما فيها من شبه الكذب - هي مما يعد وقوعه من مثل إبراهيم ﵇ خطيئة، فينبغي أن لا يكون وقع مثلها فضلاً عما هو أشد منه من محمد ﵌ لأنه مبعوث إلى الناس كافة من
стр. 91
حين بعث إلى يوم القيامة فالعناية بشأنه آكد، وهذا هو الواقع.
أما قبل النبوة فقد شهد له أعدائه بالصدق والأمانة حتى سموه «الأمين» ، ولم يستطيعوا مع إسرافهم في عداوته، واضطرارهم إلى صد الناس عن إتباعه، أن يذكر أحدهم أنه كذب أو وقع منه ما يشبه الكذب، وقد سئل هرقل أبا سفيان أشد المشركين عدواة للنبي ﵌ يومئذ وأحرصهم على أن يعيبه كما يعلم من سياق القصة في أوائل (صحيح البخاري) وغيره، قال هرقل: فهل كنتم تتهمونه (يعني النبي ﵌ بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ (يعني قبل النبوة) قال أبو سفيان: لا، ثم قال هرقل: فقد أعرف إن لم يكن ليذر (١) الكذب على الناس ويكذب على الله. وقال الله ﵎ لرسوله: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» الأنعام: ٣٣.
يعني والله أعلم لا ينسبونك إلى تعمد الكذب، وهذا بين واضح من كلماتهم، كقولهم: «مجنون» أي لا يعقل ما يقول، «كاهن» أي تلقي إليه الشياطين ما تلقي فيحسبه من عند الله. فأما قولهم: «شاعر» فقصدوا به توجيه بلاغة القرآن. وأما قولهم: «ساحر» فقصدوا به توجيه المعجزات، ومنها بلاغة القرآن وعجزهم عن معارضته. فإن كان في كلماتهم ما فيه ذكر تعمد الكذب فذاك من باب اللجاج الذي يعرف قائله قبل غيره أنه لا يخفى بطلانه على أحد وإنما أعتني القرآن بحكاية ذلك وأبطاله إبلاغاً في إقامة الحجة، وليبين للناس أنه لا شبه لهم إلا مثل ذلك اللجاج، وهذا مثل ما قصه الله من قول بعض اليهود (٢) : «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
стр. 92
عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» ، قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» الأنعام: ٩١ حمل اللجاج ذلك اليهودي على أن جحد أساس دينه على حد قول الشاعر
اقتلوني ومالكاً ... واقتلوا مالكاً معي
وفي (جامع الترمذي) و (تفسير ابن جرير) وغيرهما بسند رجاله رجال (الصحيح) (١) .
عن ناجية بن كعب قال: «قال أبو جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك،
стр. 93
ولكن نكذب الذي جئت به» . وفي رواية: «ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به» . وفي (تفسير ابن جرير) وغيره عن السدي قصة وقعت قبيل بدر وفيها: «فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم ... فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش» .
وأما بعد النبوة فالأمر أوضح، فمن المشركين من كان مرتاباً فيما جاء به النبي ﷺ ، ومنهم من استيقنت نفسه ولكنهم عاندوا، وكلا الفريقين عرفوا من حاله ﷺ سابقاً ولاحقاً أنه لا مجال لاحتمال تعمده الكذب، وأن اتهامه بذلك مكابرة مفضوحة إلى حد أنهم رأوا أن أقرب منها أن يقولوا: مجنون، مع علمهم وعلم كل من عرف النبي ﵌ أنه أعقل الناس.
وفي (المستدرك) ج ٣ ص ٤٥ وغيره في قصة أبن أبي سرج لما جيء به إلى النبي ﷺ ليبايعه «فرفع رأيه منظر إليه ثلاثاً «ثم بايعه» ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أو مأت إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» . (١) وجاءت قصة أخرى في
стр. 94
رجل من المشركين كان شديداً على المسلمين فنذر أحدهم قتله، ثم جاء المشرك ليسلم، فكف النبي ﷺ عن مبايعته مراراً، ثم بايعه، فقال الناذر: أني نذرت ... القصة، وفيها أيضاً: «أنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» .
فقد كان النبي ﷺ يحب قتل الرجلين إما لأنه قد سبق منهما من شدة الكفر والإسراف ما أحب النبي ﷺ أن ينالهما عاقبه في الدنيا والآخرة كما قص الله تعالى من دعاء موسى وهارون على آل فرعون: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ» يونس: ٨٨.
وأما لمعنى آخر يعلم بالتدبر وكأنه ألطف من هذا. فقد أحب ﷺ قتل الرجلين، لكن كره أن يصرح بالأمر يذلك في تلك الحال لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل من جاءه تائباً، فأما إذا قتلا بدون أمر جديد منه فإنه يقال: إنهما قتلا بدون أمره، وكره أن يومض لأن الإيماض من شعار أهل الغدر لا ينبغي للأنبياء.
أقول: فإذا لم ينبغي للأنبياء الإيماض في الحق لأنه في الجملة من شعار أهل الغدر فكيف ينبغي لهم (١) الكذب وهو نفسه قبيح مذموم؟ !
وقال ابن حجر في (الفتح) «باب الكذب في الحرب» : «قال
стр. 95
النووي: الظاهر إباحة الكذب حقيقة في الأمور الثلاثة، لكن التعريض أولى ... ولا يعارض ذلك ما أخرجه النسائي ... في قصة عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ... » ثم قال ابن حجر: «والجواب المستقيم أن نقول: المنع مطلقاً من خصائص النبي ﷺ فلا يتعاطى شيئاً من ذلك وإن كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمراً فلا يظهره، كأن يريد أن يغزووجهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة الغرب ويتجهز للسفر ... » .
أقول: كان ﵌ إذا أراد غزوة شرع في التجهيز وأمر أصحابه بذلك، فقد تكون هناك قرينة تشعر بالجهة التي يريد، وقد يكون هناك جاسوس لأهل تلك الجهة، فإذا رأى التجهز وعرف تلك القرينة أسرع فأنذرهم فتحرزوا، فكان النبي ﵌ يقول ما يدافع تلك القرينة ليلتبس الأمر على الجاسوس، فأما أن يتأخر ليعرف الحال فيسبقه النبي ﵌ وأصحابه، وإما أن يرجع إلى جهته فيخبرهم بأمر محتمل فلا يقوى الباعث لهم على التحرز. فإن التوريه تحصل بهذا وليس من لازمها أن يكون ما يقوله ﵌ ظاهراً في غير ما في نفسه.
واختصاص النبي ﵌ دون أفراد أمته بوجوب تنزهه عن كل ما يقال إنه كذب حكم معقول المعنى، لأن وقوع مثل ذلك منه ﵌ لا ينفعك عن احتمال ترتب المفاسد عليه.
منها أنه لو ترخص في بعض المواضع لكان ذلك حاملاً على اتهامه في الجملة فيجر ذلك إلى ما عدى ذاك الموضع، وهو ﵌ مبلغ عن الله فوجب أن لا يكون منه ما قد يدعوإلى اتهامه ولو في الجملة.
ومنها أنه ﵌ لم يزل منذ بعثه الله تعالى محارباً أو في معنى
стр. 96
المحارب فلو وقع منه شيء مما يقال إنه كذب في الحرب لجر ذلك إلى الارتياب في كثير من أخباره، إذ يقال: لعله كايد بها المشركين، لعله، لعله.
ومنها أن الناس يقيسون فيقولون إنما ساغ ذلك في الحرب للمصلحة، فينبغي أن تكون هي المدار فيسوغ مثل ذلك للمصلحة ولو في غير الحرب فيرتابون في أكثر أخباره ﵌ حتى في الدين.
ومنها أنه فتح باب للمحدثين ولكل من غلبه هواه، ولا يشاء أحدهم أن يندفع نصاً من النصوص النبوية إلا قال: إنما كان للمصلحة في عصره ﵌. وهلم جراً، فيصبح الدين ألعوبة كما وقع فيه الباطنية.
إلى غير ذلك من المفاسد التي تكون صغراها أكبر جداً من جميع المفاسد التي كانت تعرض في حروبه ﵌، وكان يمكنه أن يدفعها ببعض ما يقال: أنه كذب. فوجب أن تكون كلماته كلها حقاً وصدقاً.
فأما الخطأ فلا ريب أن الأنبياء قد يخطئ ظنهم في أمور الدنيا، وأنهم يحتاجون إلى الأخبار بحسب ظنهم، لكنهم إذا احتاجوا إلى ذلك فإنما يخبر أحدهم بأنه يظن وذلك - كما تقدم - صدق، وحتى على فرض خطأ الظن، فمن ذلك ما جاء في قصة تأبير النخل، نشأ النبي ﵌ بمكة وليست بأرض نخل، ورأى عامة الأشجار تثمر ويصلح ثمرها بغير تلقيح، فلا غروظن أن الشجر كلها كذلك، فلما ورد المدينة مر على قوم يؤبرون نخلاً، فسأل فأخبروه فأخبروه، فقال: «ما أظن يغنى ذلك شيئاً» وفي رواية «لعلكم لولم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فلم يصلح، فبلغه ﵌ فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله» .
وفي رواية «إنما أنا بشر أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أن بشر. أو كما قال» أخرج مسلم الرواية الأولى من حديث
стр. 97
طلحة بن عبيد الله، والثانية من حديث رافع بن خديج، ثم أخرج من طريق حماد بي سلمة عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة، وعن ثابت عن أنس القصة مختصرة وفيها أن النبي ﵌ قال: «لولم تفعلوا لصلح» وحماد على فضله كان يخطئ فالصواب ما في الروايتين الأوليين. وقوله ﵌ «ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله» و «إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به» واضح الدلالة على عصمته ﷺ من الكذب خطأ فيما يخبر به عن الله وأمر الدين.
ومن ذلك قسصة ذي اليدين: سلم ﷺ في الظهر أو العصر من ركعتين فقام إليه ذواليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فقال ذواليدين " بل يعض ذلك قد كان، فسأل ﷺ الناس فصدقوا ذا اليدين، فقم فأتم بهم الصلاة. فقوله: «كل ذلك لم يكن» يتضمن خبرين:
الأول: عن الدين وهو أن الصلاة لم تقصر، وهو حق.
والثاني: عن شأن نفسه، وهو أنه لم ينس، والواقع أنه كان قد نسي.
والقرائن واضحة في أنه اعتمد في الخبر الثاني على ظنه، فهو في قوة قوله: «لم أنس فيما رأى» .
ومما يدخل في هذا ما جاء في رضاع الغيل، (١) ففي (صحيح مسلم) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لوكان ذلك ضاراً لأضر فارس
стр. 98
والروم» ، وفيه من حديث جذامة (٢) بنت وهب مرفوعاً: «لقد همت أن أنهى عن الغيلة فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً» .
وفي (سنن أبي داود) : «حدثنا أبو توبة نا محمد بن مهاجر عن أبيه عن أسماء بنت يزيد ابن السكن قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقتلوا أولادكم سراً فان الغيل يدرك الفارس فيدعثره عن فرسه» . أبو توبة ومحمد بن مهاجر من رجال (الصحيح) ، ومهاجر روى عن جماعة وذكره ابن حبان في (الثقات) . (٣) فالله أعلم.
стр. 99
زعم الطحاوي أن حديث أسماء كان أولاً، وأن النبي ﷺ بنى ذلك على ما هو المشهور بين العرب، ثم كان حديث وجدامة بعد ذلك عندما أطلع ﷺ على أن الغيل لا يضر.
هذا معنى كلامه وليس بمستقيم.
أولاً: لأن حديث أسماء جزم بالنهي، وحديث سعد وجدامة ظن مبني على أنه ﷺ بلغه عن فارس والروم أنهم يغيلون ثم لا يظهر بأولادهم ضرر لا يطهر مثله بأولاد العرب الذين لم يكونوا يغيلون فيتجه حمله على أنه عن الغيل.
ثانياً: في حديث أسماء جزم بضرر يخفى على الناس، فإنما يمون ذلك عن الوحي، وحديث سعد وجدامة إنما فيه نفي الضر الذي يظهر.
ثالثاً: في حديث جدامة: «لقد همت أن أنهى» وفي حديث أسماء نهي صريح وكل من هذه الأوجه يقتضي تأخر حديث أسماء - على فرض صحته - وأن حديث سعد وجدامة كان رأياً رآة ﷺ وظناً ظنه.
هذا وقد أطلت في هذا الفصل ومع ذلك بقيت أمور مما يشتبه على بعض الناظرين كتأخير البيان إلى الحاجة عند الجماعة من أهل العلم، وما روي في نزول قوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَد» ، وقوله ﷺ لأزواجه «أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً» .
فأما المجمل الذي لا ظاهر له فواضح أنه ليس فيه رائحة من الكذب، وأما
стр. 100
الذي له ظاهر، فإنما يتأخر بيانه إذا كانت هناك قرينة تدافع ذاك الظهور، فيبقى النص في حكم المجمل الذي لا ظاهر له، وأما الآية والحديث فالحق أن فهم غير المراد منهما إنما كان من تقصير السامع، ولو تدبر سياق الكلام ولاحظ القرائن لما فهم غير المراد، وقد شرحت ذلك بأدلته في رسالة (أحكام الكذب) وشرحت فيها ما حقيقة الكذب؟ وما الفرق بينه وبين المجاز؟ وما هي المعاريض؟ وما هو الذي يصح الترخيص فيه؟ وغير ذلك.
«وَقَالُوا (*) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقّ» الأعراف: ٤٣.
стр. 101
الباب الثالث: في الاحتجاج بالنصوص الشرعية في العقائد
كان من المعلوم المقطوع به في عهد السلف الصالح أن أثبت ما يحتج به في العقائد وغيرها كلام الله تعالى وكلام رسوله، ثم لما حدث التعمق في النظر العقلي كان بعض المتعمقين ربما يزيغ عما يعرفه الناس فيرد عليه أئمة الدين، ويبدعونه ويضللونه ويحتجون بالنصوص، فربما تأول هو النص أو رد الحديث زاعماً أنه لا يثق بسنده، فيرد عليه أئمة الدين تأويله بأنه خلاف المعنى الذي تعرفه العرب من لسانها وخلاف ما أثر من التفسير عمن سلف، ويردون عليه رده للحديث بأن رجاله ثقات وأن أئمة الرواية يصححونه. واستمر الأمر على هذا زماناً. وفي القرن الثاني نبغ من المبتدعة من يرد أخبار الآحاد حتى في الفقهيات، واقتصر بعضهم على ردها إذا خالفت القياس، وظاهر أن هذا يردها إذا خالفت المعقول في زعمه، وقد رد أئمة الدين على هؤلاء، وفي كتب الشافعي كثير من الرد عليهم، وكذلك تعرض له البخاري في (الصحيح) ، وعلى كل حال فكان معروفاً بين الناس أن أولئك المتأولين للنصوص على خلاف معانيها المعروفة والرادين للأخبار الصحيحة هم مبتدعة. ثم عندما كثر المتعمقون والتبس بعضهم بأهل السنة كثر القائلون بأن أخبار الآحاد إذا خالف المعقول يجب تأويلها أو ردها، ولبسوا بذلك، فإن المعقول المقبول وهو ما كان من المأخذ السلفي الأول لا يصح نص بخلافه، بل إذا صح نص ظاهر لفظه خلافه فالعقل حينئذ قرينة صحيحة لابد في فهم الكلام من ملاحظتها، فالظاهر الحقيقي الذي هو معنى النص هو ما يظهر منه مع ملاحظة
стр. 102
قرائنه. كل هذا وأهل السنة المتبعون لأئمتها المتفق على إمامتهم فيها ثابتون على ما كان السلف من الاحتجاج بالنصوص وتضليل من يصرفها عن معانيها المعروفة، أو يرد الأخبار الصحيح.
ثم نشأ المتوغلون في الفلسفة كالفارابي وابن سينا، فكان مما خالفوه من العقائد الإسلامية أمر المعاد، فاحتج عليهم المتكلمون بالنصوص فغاضهم ابن سينا مغاضة شديدة، كما تراه في (مختصر الصواعق) ج ١ ص ٢٤١.
وعباراته طويلة جداً، وأنا أحاول المقصود أحاول تلخيص المقصود منها. زعم أن الشرائع إنما وردت لخطاب الجمهور، أنها لوجائتهم بذكر التوحيد والتنزيه على ما يراه الفلاسفة ومن يوافقهم من المتكلمين، قال: «لسارعوا إلى العناد أو اتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم لا وجود له أصلا» . فزعم أن الحكمة اقتضت أن تجيئهم الشرائع بما يمكن تصديقهم به من التجسيم والتشبيه ونحو ذلك ليمكن قبولهم للشرائع العملية. وذكر أن التوراة كلها تجسيم وأن في نصوص القرآن ما لا يحصى من ذلك قال: «وبعضه جاء تنزيهاً مطلقاً عاماً جداً لا تخصيص ولا تفسير له» . ثم ذكر أن من النصوص ما هو صريح في التجسيم والتشبيه «ولا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مجازية ولا يراد فيها شيء غير الظاهر» . قال: «فإن كان أريد بها ذلك (يغني غير الظاهر) إضماراً (يعني أن المتكلم أضمر في نفسه إرادة غير الظاهر، وإن كان الكلام لا يحتمله) فقد رضي (المتكلم بالقرآن) بوقوع الغلط والتشبيه (يعني التجسيم ونحوه) والاعتقاد المعوج بالإيمان يظاهرها تصريحاً» . ثم ذكر أن الحال في أمور المعاد كذلك، قال: «ولم يكن سبيل للشرائع إلى الدعوة إليها والتحذير عنها إلا بالتعبير عنها بوجود من التمثيلات المقربة إلى الأفهام ... فهذا هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصاً من الناس لا عاماً أن ظاهر الشرائع غير محتج به في هذه الأبواب» .
ويمكن ترتيب مقاصده في تلك العبارة على ما يا يأتي:
стр. 103
المقصد الأول: أن من تلك النصوص ما هو ظاهر في تلك المعاني، ومنها ما هو صريح فيها.
الثاني: أن الصريح منها يدفع احتمال الاستعارة والمجاز، ويأبى أن يكون المراد منه إلا ذاك المعنى الذي هو صريح فيه.
(الثالث) : أنه ليس في الكتاب ولا السنة نص ينفي تلك المعاني التي دلت عليها تلك النصوص الكثيرة بظهورها أو صراحتها نفياً بيناً، وإنما هناك إشارات يسيرة ليست بالبينة.
(الرابع) : أن تلك المعاني موافقة لعقول المخاطبين الأولين وهو العرب الذين بعث فيهم محمد صلى الله عليه وآله ويلم، حتى لوخوطبوا بنفيها لأنكرته عقولهم وردته، وحالهم في ذلك كحال الجمهور من الناس في عصرهم وقبلهم وبعدهم.
(الخامس) : أن تلك المعاني في رأي ابن سينا ومن يوافقه من المتكلمين ز غيرهم باطلة بدلالة النظر العقلي المتعمق فيه.
(السادس) : أن صحة الدين الإسلامي ومجيئه بتلك النصوص على ما تقدم من حالها متناقضان ظاهراً، إذ كيف يأتي الدين الحق بالاعتقاد الباطل؟ !
(السابع) : أن صحة الدين الإسلامي ثابتة بالبرهان وبطلان تلك المعاني ثابت - في زعمه ومن يوافقه - بالبرهان.
(الثامن) : أنه لا مخلص من هذا التناقض مع ثبوت كلا الأمرين، بالبرهان إلا القول بأن الدين الحق قد يأتي بالاعتقاد الباطل رعاية لمصلحة البشر ليقبلوا الشرائع العملية التي تصلح شئونهم! .
(التاسع) : أنه إذا كان الأمر هكذا، فاللائق بالجمهور قبول ما جاء به الدين الحق على أنه حق، واللائق بالخاصة وهم الذين تنبهو البطلان بعض تلك المعاني أن يعرفوا أن الدين إنما جاء لإصلاح الجمهور وأنه جاراهم على اعتقادهم وما يوافقه
стр. 104
وإن كان باطلاً في نفس الأمر، فليدع الخاصة الاحتجاج بالنصوص للجمهور، وليحققوا لأنفسهم!
(العاشر) : أنه كما وقع في الدين ذاك التلبيس في عقائد في ذات الله وصفاته، ولا مفر للمتكلمين الذين اعترفوا ببطلان تلك المعاني من الاعتراف به، فكذلك وقع في أمور المعاد، ووقوعها فيها أهو ن، والمدار إنما هو على اقتضاء المصلحة، وهي تقتضي التلبيس في أمور المعاد فإن الجمهور لا يخضعهم إلا الرغبة والوهبة، ولا تؤثر فيهم الرغبة والرهبة إلا فيما يتعلق بالجسمانيات التي عرفوها وألفوها.
وقد رأيت أن أفرض لأنه انعقد مجلس للنظر في هذه المقاصد حضره متكلم وسلفي وناقد، فجرى ما يأتي شرحه:
النظر في المقصد الأول
المتكلم: النصوص التي نوافق على بطلان ظواهرها لا نسلم أنها في تلك المعاني صريحة صراحة مطلقة أو ظاهرة ظهوراً مطلقاً، كيف والقرينة قائمة على صرفها عنها، وهي العقل والإشارات التي ذكرت في المقصد الثالث.
الناقد: أما العقل فقد زعم ابن سينا كما مر أن عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون موافقة لتلك المعاني، فإن منعت هذا فنؤجل البحث فيه إلى المقصد الرابع، وإن سلمته بطلت دعواك هنا، فإن قانون الكلام أن تكون القرينة كاسمها مقترنة بالخطاب في ذهن المخاطب أو بحيث إذا تدبر عرفها وعرف صرفها عن الظاهر، إذ المقصود عن نصب القرينة أن يكون الخبر صدقاً من حقه أن لا يفهم المخاطب منه خلاف الواقع ما لم يقصر. وإذا كانت عقول الجمهور ومنهم المخاطبون الأولون توافق تلك الظواهر وتجزم بوجوبها عقلاً أو جوازاً أولا تشعر بامتناعها فكيف يعتد عليهم بما قدر يدركه المتعمق في النظر بعد جهد جهيد، مع العلم بأنهم لم يعرفوا التعمق في النظر ولا خالطوا متعمقاً بل نهاهم الشرع عن
стр. 105
ذلك، وهل هذا إلا كما لو غزا جماعة إلى أرض بعيدة ثم عادوا بعد مدة دون واحد فسئلوا عنه فأخبروه بأنه قتل فحزن أهله ثم قسموا تركته واعتدت نساؤه وتزوجن إلى غير ذلك، ثم قدم رجل فزعم أنه رأى ذلك الذي قيل انه قتل، رآه بعد خبر القتل بمدة في الثغر حياً صحيحاً، فافرض أنه ذكر ذلك للمخبرين بالقتل فصدقوا هذا المخبر الأخير واعتذروا عن أخبارهم بالقتل بأنهم أرادوا بذاك الخبر خلاف ظاهره، فقيل لهم: فهلا نصبتم قرينة؟ فقالوا: كان الرجل حال خبرنا حياً صحيحاً سالماً وكفى بذلك قرينة! فهل يقبل منهم هذا العذر؟ أولا يرده عليهم العقلاء قائلين: ذاك لوكانت حياته وصحته وسلامته بحيث يدركها المخاطبون وهم أهله عند إخباركم لهم.
فأما وهم لا يعلمون ذلك ولا يدركونه لبعده عنهم بمراحل كثيرة فليس هذا بقرينة، إذ
ليس من شأن العلم به أن يقترن عند المخاطب بالخطاب فيصرفه عن فهم الظاهر (١) .
أما تلك الإشارات ففي المقصد الثالث أنها ليست بالبينة، فإذاً لا تصلح أن تكون صارفة عن معاني النصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة الموافقة لعقول المخاطبين، بل يكون الأمر بالعكس وهو أن عقولهم وتلك النصوص الكثيرة تصرف عما قد يظهر من تلك الإشارات فإن كنت تزعم أن تلك الإشارات صريحة فنؤجل الكلام إلى المقصد الثالث.
المتكلم: إنما يصح الأخذ بظاهر الخبر إذا علم أن ذلك الأمر المخبر بوقوعه غير ممتنع عقلاً، فأما إذا احتمل أن يكون ممتنعاً عقلاً فإنه يجب التوقف، ويكون هذا الاحتمال قرينه تدافع ظاهر الخبر، فتوجب التوقف فيه.
стр. 106
الناقد: في المقصد الرابع أن معاني تلك النصوص كانت موافقة لعقول المخاطبين، فإن سلمت ذلك سقط كلامك هنا لثبوت أنها لم تكن عندهم محتملة للامتناع، فعلى فرض أن احتمل الامتناع يعد قرينة فلم يكن حاصلاً لهم، فكيف يعتد عليهم به؟ وقد مر الكلام في هذا، وإن لم يسلم فينظر فيه في المقصد الرابع.
المتكلم: لم يكن القوم ماهرين في علوم المعقول فلا يعتد بإدراك عقولهم الوجوب أو الجواز، بل يبقى الحكم في حقهم الاحتمال، فإن لم يشعروا بقصورهم القاضي عليهم بالتوقف فقد قصروا.
السلفي: كيف لا تعتد بعقولهم وقد اعتد بها رب العالمين فأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وأمرهم بالظر والتفكر والاعتبار والتدبر، وقبل إيمان من آمن منهم وأثنى عليهم، نقم كفر من كفر منهم وعاقبه عليه؟ ! وقد مر في صدر هذه الرسالة ما فيه الكفاية.
المتكلم: فدع هذا، ولكن لي نظر في دعوى أن عقولهم كانت موافقة لتك المعاني.
الناقد: فيأتي الكلام في المقصد الرابع.
السلفي: هب أن تلك المعاني كانت محتملة في عقول القوم أي أنهم لا يدركون وجوبها ولا امتناعها ولا تقطع عقولهم بجوازها، فدعواك أن احتمال الامتناع عقلاً قرينة توجب التوقف في ظاهر الخبر دعوى باطلة عقلاً وشرعاً وعملا، أما العقل فإنه يقتضي قبول ظاهر الخبر إذا كان المخبر ثقة أميناً لا يخشى منه الكذب ولا التلبيس، إذ الغالب صدقه، والغالب في الأخذ به حفظ المصلحة واتقاء المفسدة، ولا يفرق العقل بين ما يقطع المخاطب بجوازه وما لا يقطع، لأن الخبر الثقة الأمين غالب صدقه في الحالين، وحفظ المصلحة غالب في الأخذ بظاهر خبره في النوعين، فأما إذا ثبت عقلاً أن المخبر معصوم عن الجهل والغلط وعن الكذب والتلبيس، فوجوب قبول خبره بغاية الوضوح، بل إذا قطع المخاطب بعصمة
стр. 107
المخبر عما ذكر وقطع بأن ظاهر خبره هذا هو المعنى، وبأنه لا قرينة صحيحة تصرف عنه، فأنه يقطع عقلاً بوقوع ذاك المعنى، وإن كان قبل ذلك يجوز امتناعه عقلاً. وأما الشرع فظاهر، فقد طالب الأنبياء الناس أن يصدقوهم فيما يخبرون به عن ربهم، وأن يوقنوله بذلك، وقضوا بإيمان المصدق الموقن ووالوه، وبكفر الممتنع عن التصديق وعادوه، مع أن مما أخبروا به وطالبوا الناس بالإيقان به ما كانت عقول المخاطبين تستبعده، وعقول الفلاسفة وبعض المتكلمين تصوب ذاك الاستبعاد، وذلك كحشر الأجساد بل مما أخبر به الأنبياء وطالبوا الناس بالإيقان به ما تزعم الفلاسفة أنه ممتنع عقلاً، ووافقهم المتكلمون على ما وافقوهم من ذلك.
وأما العمل فلا يخفى على من تصفح أحوال الناس أنهم كانوا ولا يزالون ولن يزالوا يعتمدون على خبر الثقة الأمين فيما يقطعون فيه بعدم الامتناع وفيما يقطعون، واعتبر ذلك بأخذهم بأخبار علماء الحساب والهندسة والمساحة ونحوذلك من العلوم العقلية، وهكذا العقائد، فإن الناس يأخذونها من علمائهم تقليداً في كثير منها، ويرضى منهم علماؤهم بذلك ويحضونهم عليه.
هذا والخبر بوقوع الأمر يتضمن قطعاً بعدم امتناعه فكأن المخبر بعدم الامتناع، واحتج بمشاهدته الوقوع، ولووجب أن يتوقف عن قبول ظاهر خبر الثقة الأمين في مثل هذا لوجب مثله فيما علم جوازه عقلاً لأن جوازه لا يقتضي وقوعه وما لم يقع فالحكم بوقوعه ممتنع،
وتفسير هذا أنه إن كان ينبغي التوقف عن حمل الخبر على ظاهره فيما إذا احتمل أن يكون ذاك الظاهر ممتنعاً لذاته، فكذلك فيما إذا احتمل أن يكون ممتنعاً لثبوت نقيضه، حتى لوكنت قد علمت أن زيداً في بيته فأخبر بأنه خرج منه فإن خروجه ذلك يحتمل أن يكون ممتنعاً عقلاً لثبوت نقيضه إذا يحتمل أنه لم يخرج من بعد أن عهدته فيه، وإذا كان لم يخرج فمن الممتنع عقلاً أن يكون خرج.
المتكلم: إنما فرقنا بين النوعين لأنه قد لا يحتمل في الأول أن يقوم بعد وقت الخطاب ولو بمدة طويلة دليل على أن ذاك الظاهر ممتنع عقلاً، فيجب حينئذ
стр. 108
صرف الخبر عن ظاهره أو الاعتراف بأن المتكلم به غير معصوم.
السلفي: إن ساغ هذا الاحتمال في الأول ساغ في الثاني، فيحتمل فيما أخبر النص بأنه وقع أو سيقع في وقت كذا أن يقوم فيما يأتي دليل خلاف ذلك. فليس هناك إلا سبيلان:
الأولى: سبيل المؤمنين أنه يستحيل عقلاً أن يكون المتكلم بالقرآن أو من النبي ﵊ فيما يخبر به ربه جهل أو غلط أو كذب أو تلبيس، ففرض أن يقوم دليل قاطع على خلاف النص الثابت قطعاً، أو الظاهر قطعاً ز لا قرينة معه قطعاً، فرض للمستحيل.
الثانية: سبيل ابن سينا ومن وافقه من تجويز الجهل والغلط، أو الكذب والتلبيس «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» الكهف: ٢٩.
المتكلم: وهل كلامنا إلا في القطع؟ فهب أن احتمال الامتناع العقلي لا يصلح أن يكون قرينة فمن أين يأتي القطع؟ ومن المحتمل أن يخطئ الناظر الناظر فيعتقد أن الحديث ثابت، وليس بثابت، أو يعتقد صراحة الآية أو الحديث الثابت فيما فهمه، وليس كذلك، أو يعتقد ظهور ما ليس بظاهر، أو يعتقد انتفاء القرينة وهناك قرينة غفل عنها.
السلفي: سيأتي إثبات حصول القطع في الكلام مع الرازي والعضد، فأما الخطأ، فالخطأ في الباب إنما يكون في الظن، وليس كالنظر العقلي المتعمق الذي يكثر فيه الغموض والاشتباه والقطع بالباطل كما مر في الباب الأول، والنظر في النصوص على وجه
الإيمان بها والتسليم لها اهتداء يحبه الله ﵎ «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ» محمد: ١٧.
والنظر في الشبهات التعميقية على وجه الوثوق بها وتقديمها على النصوص زيغ عن سبيل الله «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ» الصف: ٥.
стр. 109
ومن الواضح أن المهتدي أهل أن يعفى عن خطئه بخلاف الزائغ. وفوق ذلك فكلامنا هنا إجمالي، فتتبعوا إن شئتم التفصيل فبينوا على طريق المأخذين السلفيين خطأ من أخطأ منا إن استطعتم، فأما تعمقكم فقد أثبتنا أنه ليس بحجة في الدين فلا علينا أن لا نلتفت إليه، فإن رضيتم بما عندكم فنحن بما عندنا أرضى «فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ» الشورى:١٥ - ١٦.
المقصد الثاني
المتكلم: لا أسلم أن فيما أزعم بطلان ظاهره من النصوص المتعلقة بالعقائد ما هو من الصراحة بحيث يدفع احتمال الاستعارة والمجاز ونحوذلك، ويأبى أن يكون المراد به إلا ظاهره، بل أقول يمتنع أن يكون في النصوص المتعلقة بالمعقولات ما هو كذلك.
السلفي: النصوص كلام، ومعلوم أن الكلام كثيراً ما يكون صريحاً بنظمه أو بسياقه أو بتأكيده أو بتكراره في مواضع كثيرة على وتيرة واحدة، اوبالنظر إلى نظائره، أو إلى حال المخاطب التي يعلمها المتكلم - إلى غير ذلك، وهكذا حال النصوص وهي بحمد الله تعالى معروفة، وأمرها أوضح من أن يحتاج إلى بيانه، وليس هذا موضع التفصيل. والتفرقة بين المعقولات وغيرها مبنية على شبهة قد مر إبطالها، على أن الظهور وحده قد يكفي للقطع كما تقدم، وسيأتي في الكلام مع الرازي وغيره مزيد إن شاء الله تعالى.
стр. 110
المقصد الثالث
المتكلم: كيف تكون تلك الإشارات غير بينة؟ وفيها قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» واسمه تعالى «الواحد» و (قل هو الله أحد) السورة.
السلفي: أما قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» فمثل الشيء - في لغة العرب - نظيره الذي يقوم مقامه ويسد مسده. وعند اكثر المتكلمين: مشاركة في جميع الصفات النفسية. وعند أكثر المعتزلة: مشاركة في أخص وصف النفس. وقال قدماء المتكلمين كما في (المواقف) «ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات، وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة: الوجوب والحياة «التامة» والعلم التام والقدرة التامة ... » قال السيد في (شرحه) : «قالوا ولا يرد علينا قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» . لأن المماثلة المنفية ههنا المشاركة في أخص صفات النفس دون المشاركة في الذات والحقيقة» .
وقال النجار: مثل الشيء مشاركة في صفة لإثبات وليس أحدهما بالثاني. وألزموه: «مماثلة الرب للمربوب إذ يشتركان في بعض الصفات الثبوتية كالعالمية والقادرية» كذا في (المواقف) (وشرحها) وفيما بعد ذلك «هل يسمى المتخالفان المتشاركان في بعض الصفات النفسية أو غيرها مثلين باعتبار ما اشتركا فيه؟ لهم فيه تردد وخلاف ويرجع إلى مجرد الاصطلاح ... وعليه ... يحمل قول النجار ... فالله مماثل عنده للحوادث في وجوده عقلاً أي بحسب المعنى والنزاع في الاطلاق ... »
أقول: وليس في النصوص التي ينكر المتكلمون معانيها ما يظهر منه إثبات مناظرة على الإطلاق بين الله وغيره، ولا مشاركة في جميع الصفات النفسية، ولا في أخص وصف النفس، فإذا حملت المماثلة المنفية في الآية على واحد