← Акыда

Акыда · id 12763

مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

ناصر القفاري

Полный текст (699 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[مسألةُ التّقريب بين أهْل السُّنة والشّيعَة]ـ المؤلف: د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع عدد الأجزاء: ٢ الطبعة: الثالثة، ١٤٢٨ هـ

стр. 2

هذا الكتاب - في الأصل - رسالة علمية تقدَّم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير، وأجيزت بتقدير ممتاز، وقد سجلت بتاريخ ٦/٧/١٣٩٨هـ فلا أثر للأحداث التي جرت على الساحة فيما بعد لاختياره. وقد آثر مؤلفه أن ينشره كما كتبه في حينه من غير تعديل، وهذا ليس تنصلاً من الآراء التي يُضمِنها أو تضمنها سطوره ولكنه تقرير لأمر واقع. كما أنه تأخر في نشره حتى لا تكون مادته وسيلة لتأييد الطغاة، ولا يفسر ما جاء فيه بأنه يجري في ركب السلاطين.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن قضية التأليف بين فصائل الأمة، والسعي في إصلاح ذات بينها وجمع شملها على الحق والهدى، ورأب صدعها، والتقريب بين فئاتها المتنازعة من أعظم أصول الإسلام العظيمة، ومن أفضل أبواب الخير والجهاد في سبيل الله. والأمة لم تؤت من ثغرة مثل ما أُتيت من جانب فرقتها وتنازعها، والصرع بينها. ولقد كان الأعداء هم الذين يؤججون هذا الصراع، ويحصدون نتائجه، والمسلمون لا يحصدون سوى الخيبة والفشل.. إذْ لم يستطع الأعداء أن يحققوا ما يريدون من تبديد الأمة، وتشتيت شملها؛ إلا بعد أن غرسوا فسائل الفتنة والخلاف بينها، وبعد أن أوجدوا أسباب الصراع والنزاع في صفوفها. ولقد كانت محاولاتهم قديمة بدأت في عهد الدولة الإسلامية الأولى بمحاولة التفريق بين الأوس والخزرج بإثارة النعرات القومية، وبعث الأحقاد التاريخية. ولكن محاولاتهم باءت بالفشل؛ فما كان للأمة أن تختلف وفيها رسول الله ﷺ . ولقد رأى الأعداء أن كيد الإسلام - كما يقول الإمام ابن حزم -

стр. 4

على الحيلة أنجع؛ لأنهم راموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله الحق، فرأوا أن كيده عن طريق التخطيط والاحتيال والتآمر أجدى؛ فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ واستشناع ظلم علي ﵁ (في زعمهم) ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام (١) . فخرجت كثير من الطوائف التي تتسمى بالإسلام وليس لها من الإسلام نصيب، ونادت بآراء وعقائد غريبة عن الإسلام وبعيدة عن كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ . ولقد كان لظهور هذه الأفكار والعقائد والطوائف آثار بعيدة المدى في تفريق الأُمة، وإضعاف شأنها، لأنه (إذا ترك الناس بعض ما أنزل الله، وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه؛ بل (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (٢)) (٣) . وحقق الأعداء ما يريدون، وجنوا ثمرة تآمرهم ضد المسلمين. وكان أنكى صراع وأطول نزاع.. وأخطر اختلاف: ما حصل بين أهل السنّة والشيعة.. فلقد شهد التاريخ أحداثاً دامية تمثلت في الصراع العنيف الذي دار بين الطائفتين، واستمر قائماً ... يزداد أو يخف على اختلاف المراحل التاريخية.. وإلى يومنا هذا، يشتد الصراع ويزداد لهيبه، ويبدو أن الأعداء يريدون أن يستثمروا الخلاف بين أهل السنّة والشيعة، بتوسيع نطاقه، وتأجيج حدته ليحققوا مكاسب أكبر.

стр. 5

وقد عرف الأعداء أن فرصتهم لتحقيق مطامعهم وآمالهم الدموية لا تواتيهم إلاّ في جوٍّ تخيم عليه كآبة الفرقة، وتتطاول فيه ألسنة لهيب التصارع، لذلك دأبوا على مواصلة إمداد نيران النزاع بوقود الفتن. وإذا كانت محاولات التأليف بين الفرقاء قد نشطت من قديم فهي الأخرى لم تسلم من كيد الأعداء؛ إذ نجد أن مسألة التقريب والتأليف والوحدة استُغلت لإعطاء الباطل صفة الشرعية.. ومنح الدخيل من الأفكار صفة الأصيل، لتبقى بذور الفتنة وأُسس الخلاف بين الأُمة لتشتعل في أي لحظة يراد لها. ولا شك أن الإسلام قد رسم للأُمة طريق وحدتها، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... ) (١) ، فهو اعتصام بحبل الله واجتماع على هدى الله ... وما حصلت الفرقة إلا بالبعد عن هذا "المنهج". وقد بيّن القرآن الكريم المنهج الذي يلجأ إليه المسلمون عند التنازع والاختلاف، قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢) ، (قال العلماء: إلى كتاب الله وإلى نبيّه ﷺ ، فإن قبض فإلى سنّته) (٣) . وإن نشب صراع وقامت معارك فالله يقول: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (٤) . لكن هذا "المنهج" خاص بالمسلمين الذين يهتدون بهدى الله، أما من يتسمى بالإسلام وهو ضد الإسلام فإنه يجب كشفه لتعرف الأمة

стр. 6

عداوته، ولا يجدي معه سلوك هذا السبيل. وفي هذا العصر قامت محاولات كثيرة للتقريب بين أهل السّنة والشيعة، كمحاولة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة وغيرها. وهذه المحاولات مبنيّة على: (أنه لا خلاف بين أهل السنّة والشيعة في شيء من أصول الإيمان، أو أركان الإسلام أو ما عُلم من الدين بالضرورة) (١) ؛ وإنما هو خلاف في بعض المسائل الفلسفية والآراء الكلاميّة التي لا صلة لها بأصول العقيدة (٢) ، أو لا خلاف بينهم أصلاً إلا في بعض مسائل الفروع (٣) ، والصراع والخلاف بينهما إنما صنعته الأوهام نتيجة العزلة الطويلة بين الطائفتين (٤) ، وأخذ العدو يؤيد هذا الخلاف ويؤججه، والواقع أنه لا اختلاف بين الطائفتين عند الدراسة والتحقيق: (فمن الممكن أن يتقارب المسلمون فيعلموا أن هناك فرقاً بين العقيدة التي يجب الإيمان بها، وبين المعارف الفكرية التي تختلف فيها الآراء دون أن تمس العقيدة، ويومئذ يهون الأمر فنجتمع على ما نجمع عليه، وإذا اختلفنا لم يكن خلافنا إلا كما يختلف أهل المذاهب الفقهية دون خصام ولا اتهام ودون توجس واسترابة وسوء ظن مما يجعلنا متقاطعين في معاملاتنا ومصاهراتنا وثقافاتنا) (٥) ، (والقطيعة بين المسلمين أوجدت

стр. 7

حجباً كثيفة لا بد لرفعها من دعوة تنظم الجهود، ودعاة مخلصين يبذلون غاية الجهد لتعريف كل طائفة بما عند غيرها..) (١) . وبناء على هذا "الحكم" - بأنه لا خلاف بين الفريقين - طالب الشيعة باعتبار مذهبهم مذهباً خامساً، وأصدر شلتوت "فتواه" بجواز التعبد بالمذهب الجعفري (٢) ، ونَشَر الشيعة في ديار السنّة بعض كتبهم الفقهية، ودعا بعض المنتسبين للسنّة برجوع السنّة إلى كتب الشيعة في الحديث كما يرجعون إلى صحيح البخاري وغيره من كتب السنّة، كما قام بعضهم بتحقيق بعض كتب الشيعة في ديار السنّة ونشرها. وقيل وفُعل الكثير في هذا الباب مما يطول وصفه وتسجيله. ولم يحصل شيء من ذلك في ديار الشيعة، وكأن التقصير في مسألة التقريب هو من جانب السنّة. وكان لا بد من دراسة "مسألة التقريب" دراسة علمية موضوعية توضح الرؤية وتبيّن الطريق.. ليكون التقريب - إن أمكن - على بيّنة ومنهج واضح.. وسبيل راشد.. فإن دعوى عدم وجود خلاف إنما هي أمل يرجوه كل مسلم، ويستبشر بحصوله كل مؤمن، وهؤلاء الدعاة للتقريب يزفون لنا البشرى بأنه لا وجود للخلاف الأساسي أصلاً. وما قاله علماء الفرق، وأئمة العقيدة والدين.. هو مجرد وهم من الأوهام. وكما أن الاجتماع والتآلف إنما هو كسب عظيم ونجاح كبير للأمة في حاضرها ومستقبلها، فإن دعوى عدم وجود خلاف أساسي على الرغم من وجوده أمر خطير، لأن هذه "فتوى" وحكم على الضلال

стр. 8

والباطل بالإسلام. وهذا باب من أبواب الصد عن دين الله وشرعه؛ لأن أصحاب ذلك الضلال إذا ظنوا أن ما هم عليه من باطل هو الإسلام، ثم رأوا ذلك فاسداً في العقل، شكوا في الإسلام كله.. وذهبوا يبحثون عن «مذاهب وعقائد» أُخرى.. ومن هنا فلا بد أن يكون هذا الحكم قائماً على بيّنة.. لأن التستر على الخلاف لا يؤدي إلى إزالته، بل يؤدي لاستمراره واستفحاله.. ومحاولة المريض إيهام نفسه بالسلامة تجرُّه إلى مدرجة الهلكة، ودس الرؤوس في الرمال تعامياً عن الحقيقة خير من مواجهتها مهما كانت صعبة مرة.. والدين النصيحة، لذا كان خير الطرق معرفة "واقع الأمر" و"حقيقة المشكلة" والبحث عن الحل لذلك. إنه من الضروري أن تتكاتف جهود الباحثين المخلصين لكشف أسباب الخلاف وأُصوله، وإماطة اللثام عن الباطل الذي حاول المغرضون التلبيس به على الناس، ورفع الستار عن الأعداء.. الذين يزرعون الخلاف ويبغون في الأمة الفرقة والفشل. لهذا سأحاول في هذه "الدراسة": التعرف على أُصول الخلاف وأُسسه، ورأي دعاة التقريب في ذلك. وبعد ذلك سأعرض لمحاولات التقريب، والجهود المبذولة لرفع الخلاف مع التقويم لها، ثم أُبيّن هل هناك طريق ناجح لحل الخلاف. وقد بدأْت الدراسة لـ "مسألة التقريب" بالتعريف بأهل السنّة وبالشيعة، وبيان أُسس الخلاف بينهما ومظاهره، وهذا أمر أساسي في بحث "مسألة التقريب"، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكيف نحكم في مسألة التقريب ما لم نعرف السنّة والشيعة؟ وهل نستطيع أن نصل إلى معرفة حقيقية لإمكانية التقريب أو عدمه قبل دراسة أُصول الخلاف بين الاتجاهين؟ فدراسة ذلك ركن أساسي في بحث "مسألة التقريب"، لهذا جعلت ذلك في بابين: الباب الأول: أهل السنّة ويشمل: التعريف بأهل السنّة ومصادرهم

стр. 9

في تلقي العقيدة، ومجمل عقائدهم التي خالفتها الشيعة؛ أدرس ذلك من خلال كتب أهل السنّة. وقد يقول قائل: إذا كانت الشيعة تحتاج إلى تعريف.. فهل يحتاج أهل السنّة إلى ذلك؟ وهل من المناسب جعل المتمسك بالحق مساوياً للمخالف المنشق، وجعل "السنّة" معادلة للنزعات التي انشقت عنها؟ وأقول: إن مثل هذا القول قد يقوله "شيعي" أيضاً، فالشيعة يزعمون لأنفسهم أن مذهبهم هو الحق.. وقضية التعريف بالطائفتين، وبيان أُصول الخلاف بينهما لا تعني المعادلة والمساواة بحال، فلكلٍّ وجهة ولكلٍّ عقيدة.. والسنّة بحاجة إلى من يعرف بعقيدتها وبنشرها.. ولا سيما في هذا الزمن الذي استحكمت فيه غربة السنّة واستفحل الكيد لها. وقد يكون هذا التعريف ليس لأهل السنّة، بل للشيعة الذين يقرؤون عن صورة لأهل السنّة مغايرة للحقيقة. وقد يكون الحكم بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة بناء على "تصوير خاطئ" لأهل السنّة في كتب الشيعة، فكان لا بد من بيان الحقيقة ولو على سبيل الإيجاز. وفي الباب الثاني: درست الشيعة؛ بالتعريف بهم، وبيان نشأتهم وأصول فرقهم. ثم خصصت أُصول فرقهم المعاصرة "الإسماعيلية، والزيدية، والاثني عشرية" بالدراسة والتقويم، لأن كل طائفة من هذه الطوائف نادى بعض أتباعها بالتقريب. وانتهيت إلى اعتماد "الاثني عشرية الرافضة" بالدراسة التفصيلية لأنها استوعبت بمصادرها الثمانية في الحديث معظم آراء فرق الشيعة. كما سيأتي تفصيل ذلك. فضلاً عن أنها تمثل غالبية الشيعة حتى قيل أن

стр. 10

مصطلح "الشيعة"، إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم.. وأنها هي الفئة التي نشطت في الدعوة للتقريب، وبثت دعاتها ونشرت كتبها، وأقامت بعض المراكز لهذا الغرض. فدرست عقيدة "الرافضة" في أصول الإسلام المتفق عليها بين المسلمين: الكتاب، والسنّة، والإجماع. ثم عقائدها الأخرى التي خالفت فيها أهل السنّة، وهي: الإمامة، والعصمة، والتقية، والرجعة، والغيبة، والبداء، واعتقادهم في الصحابة. ثم في نهاية هذين البابين بينت "النتيجة" لدراستنا لأهل السنّة والشيعة وذلك بالحكم على "مسألة التقريب"، ولم أتوقف عند هذه "النتيجة" بل عقدت باباً كاملاً لآراء دعاة التقريب في أصول الخلاف التي عرضت لها فيما يتصل بمذهب الشيعة، وفيما يتصل بمذهب أهل السنّة. وناقشت ذلك كله، وذلك لنرى هل تغير شيء من أصول الخلاف وأُسسه من خلال دعوة التقريب، بحيث أصبح لا يوجد خلاف بين الفريقين إلا في بعض مسائل الفروع؟ أم أن الأمر غير ذلك؟ لهذا اعتمدت في هذا الباب على آراء المعاصرين كما اعتمدت فيما قبل ذلك - في الغالب - على أحاديثهم عن "معصوميهم" وأقوال علمائهم السابقين. وفي الباب الرابع: تحدثت في الفصل الأول عن أهم المحاولات القديمة والمعاصرة للتقريب، وقدمت تقويماً موجزاً عن تلك المحاولات، على ضوء الدراسة السابقة. ثم في الفصل الثاني عقدت مبحثاً بعنوان: "هل من طريق للتقريب؟ " عرضنا وناقشت فيه أهم الأقوال، والطرق المتصورة لتحقيق التقريب وإزالة الخلاف، ثم بينت "الرأي المختار" في ذلك.

стр. 11

وفي بداية دراستي تلمست ما أمكنني من وسائل للوصول إلى المصادر الأصيلة للموضوع، والتعرف على حقائقه من أصولها. ولقد لاقيت صعوبات فيما يتصل بالوصول إلى مراجع الشيعة وكتبها المعتبرة، فكان عليَّ أن أسافر لهذا الغرض وغيره. فسافرت إلى مصر حيث "دار التقريب" وتمكنت - بواسطة فضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى وزير الأزهر سابقاً، ومدير مجلة دار التقريب "دراسة الإسلام" ـ من دخول دار التقريب التي كانت موصدة الأبواب، ولا أثر لأي نشاط فيها - إبّان زيارتي لها - وقد أفدت من مكتبتها. ولبثت أتردد عليها أياماً. كما أهدى إليَّ فضيلة الشيخ بعض منشورات الدار مثل "قصة التقريب" و"معالم التقريب" و"دعوة التقريب" كما أعارني كافة مجلدات رسالة الإسلام "مجلة دار التقريب" البالغة ستة عشر مجلداً، وقد أفدت من ذلك في الحديث عن محاولة دار التقريب وتقويمها - فجزى الله عني الشيخ خيراً -. كما حاولت أن ألتقي ببعض شيوخ مصر الذين عايشوا حركة التقريب سواء كانوا مؤيدين أو معارضين، فكما التقيت بالشيخ عبد العزيز عيسى مدير مجلة دار التقريب زرت الشيخ محمد حسنين مخلوف - مفتي مصر سابقاً - وهو من المعارضين. وقد أملى عليّ رأيه في ذلك. كما زرت مكتبة الشيخ محب الدين الخطيب الذي كان ﵀ الوجه المعارض بشدة لهذه القضية واطلعت على ما في مكتبته من كتب الشيعة. كما زرت "الأزهر" و"مجمع البحوث الإسلامية" للإفادة منهما فيما يتصل بموضوعي. وسافرت إلى الكويت، وزرت بعض الجمعيات الشيعية هناك، وكان

стр. 12

لي جلسة طويلة مع مجموعة كبيرة من أعضائها وأهدوا إليّ بعض نشراتهم في هذا المجال، كما زرت بعض مكتبات المساجد الخاصة بالشيعة في الكويت، وكما حصلت على ما يوزعونه من كتب للدعاية لمذهبهم. ومن الكويت اتجهت إلى العراق، وهناك أفدت كثيراً حيث حصلت واطلعت على طائفة من كتب الشيعة المعتمدة، أمثال كتب: الكليني، والقمي، والحر العاملي، والمجلسي وغيرهم. كما حصلت على صورة من النسخة الخطيّة لكتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» ، وتوفر لدي هناك طائفة من كتابات شيوخ الشيعة ومراجعها المعاصرين، أمدتني بمعلومات مهمة فيما يتصل بالباب الثالث وهو "آراء دعاة التقريب في أسس الخلاف"، كما حصلت على مجموعة من النسخ الخطيّة المصورة لعلماء أهل السنّة مثل: «التحفة الاثني عشرية» - الأصل، وهو في أكثر من ألف صفحة - و «السيوف المشرقة» و «نقض عقائد الشيعة» و «كشف غياهب الظلمات» وغيرها. كما زرت أماكن تعبُّد الشيعة في "الكاظمية" و"النجف" وغيرهما. وزرت مكتبة شيخ الشيعة الخالصي الذي يتزعم الدعوة للوحدة الإسلامية والتقيت ببعض أولاده، وأهدوا إليّ نشرات أبيهم في هذا الموضوع. ومن العراق سافرت إلى باكستان والتقيت ببعض علماء السنّة المعنيّين بقضية الشيعة في كراتشي، ولاهور، وفيصل آباد. وأخص منهم بالذكر والشكر العلامة محمد عبد الستار (١) الذي فتح لي مكتبته

стр. 13

الخاصة بالشيعة، وأطلعني على الفهرس الخاص الذي وضعه لها والمتضمن لركائز الغلو عند الشيعة - والرد عليها من خلال كتبهم، كما أهدى إليّ رسائله في الرد على الشيعة فجزاه الله خيراً -. هذه لمحة عما قمت به في محاولة استكمال المادة العلمية لهذا الموضوع الخطير. أما الدراسة التحليلية للمصادر فإن ضيق المجال، وتضخم البحث واتساع شعبه، يحول دون استعراضه. وحسبي أن أقول: إنني درست الشيعة من خلال مصادرهم الخاصة بهم والمعتبرة عندهم، وذلك من أجل الوصول إلى تصور سليم عنهم، وفق منهج عادل غير متحامل عليهم ولا متعصب لغيرهم، وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف. والمسلم مأمور بالتزام العدل حتى مع طوائف الكفر وإن وجد في نفسه ما وجد (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (١) كما أن هذا هو ما يفرضه "المنهج العلمي" وأداء الأمانة على وجهها.. وقد أخذ سلفنا الصالح بمبدأ العدل مع طوائف البدع وغيرها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أهل السنّة يستعملون معهم - يعني الروافض - العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً، بل أهل السنّة لكل طائفة من هؤلاء - يعني طوائف البدع - خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض. وهذا ما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف

стр. 14

بعضنا بعضاً) (١) ، وهذا ما تعترف به بعض كتب الشيعة المعتمدة عندهم، جاء في «الكافي» أن أحد الشيعة ـ ويسمى عبد الله بن كيسان - قال لإمامهم: (إني.. نشأت في أرض فارس، وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك فأُخالط الرجل فأرى له حسن السمت، وحسن الخلق، وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأتبينه عن عداوتكم - يعني أنه من أهل السنّة - وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق، وقلة أمانة، وزعارة (٢) ، ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم..) (٣) - يعني من الشيعة -. ولقد قمت بدراسة للشيعة من خلال كتبها الأساسية، ولم أستق من كتاب لهم إلا وقدمت بين يديه توثيقاً له من كتب الشيعة نفسها، كما أنني أذكر - إن وجدت - ما يراه شيوخهم في «الحديث» الذي يروونه عن معصوميهم؛ ما يرون فيه من الصحة أو الضعف بناءً على مقاييسهم الخاصة بهم في ذلك، وإن كان بعض شيوخهم يوثق كل ما ورد في كتبهم الأربعة عن معصوميهم وهم الذين يسمون بالإخباريين، ولكن كثرة الشيعة وهم الأصوليون لا يعتقدون في صحتها كلها. والحقيقة أن مسلك التصحيح والتضعيف في كتب الشيعة غير يسير في الغالب، فأنت إذا أردت أن تصحح حديثاً لهم بناءً على دراسة سنده من خلال كتب الرجال عندهم كرجال الكشي، أو تنقيح المقال للممقاني؛ ترى أن فيها ما هو غير مكتمل السند!، وفيها ما لا سند له

стр. 15

مطلقاً! مثل كتاب «الاحتجاج» ، ومع ذلك هو مقبول وموثق عندهم، وتجد أن منها ما ينقل من كتب لهم معظمها غير موجود ويكتفى بالقول بأن الكتب التي نقل عنها معتبرة عندهم، ومن كتبهم التي سلكت هذا المسلك «البحار» للمجلسي، و «الوسائل» للحر العاملي، وغيرهما. لهذا اتبعت أُسلوب صحة الحديث في نظرهم إِن وجدت ذلك، أو توثيق الكتاب عندهم، أو بيان أن هذه الروايات متواترة عندهم ببيان عدد أحاديثها ورواياتها في كتبهم وما أُلف بصددها. كل هذه الطرق استعملناها لتوثيق ما ننقل عنهم، ولعل في سلوكنا لهذا المنهج استجابة لما يطلبون وتحقيقاً لما يرغبون، يقول أحد أعلامهم المعاصرين ـ ويلقبونه بـ «حجة الإسلام» ـ: و «..نصيحتنا لهم - أي لأهل السنّة - ألاّ يكتبوا عن الشيعة بعد اليوم إلا ما يأخذونه عن الشيعة أنفسهم، وليس لهم أن يستقوا أخبارهم من منابع الأغيار الذين كذبوا على الشيعة جهدهم وألصقوا بها من الشنائع ما الله به عليم» (١) . وإن كان بعض المفكرين قد أخذ بهذه النصيحة وكتب عن الشيعة من خلال كتبهم المعتبرة، ونقد بعض آرائهم نقداً عقليّاً نزيهاً مستنداً إلى نصوصهم المعتمدة، ومع ذلك لم يسلم من غضبهم ونقدهم، وكاد يدفع حياته ثمناً لذلك (٢) ، هذا وإنني بسلوكي للمنهج السالف الذكر قد لا أُغفل في عرضي مادة الشيعة "وجهة النظر الأخرى" عنهم، ولكن بعد أن أذكر أولاً ما في كتب الشيعة المعتمدة كما قد أفعل ذلك بالنسبة

стр. 16

لمادة السنّة، وأظنني بهذا لا أخرج عن المنهج المطلوب. وقضية التقريب لم أر من كتب عنها بمثل هذا المنهج، ولم أجد من درسها دراسة تحليلية تلتمس وجه الصواب فيها من خلال عرض أصول الفريقين وبطريقة موضوعية بعيدة عن التحيز والانفعال.. والكتابات في هذا الموضوع إما كتب تدعو للتقريب بطريقة عاطفية وأُسلوب معتمد على الجهل أو التجاهل للحقائق القائمة، مثل كتاب «بين السنّة والشيعة» للدكتور سليمان دنيا و «الإسلام بين السنّة والشيعة» لهاشم الدفترادار، ومحمد علي الزعبي. وإما كتب تتحدث عما في كتب الشيعة من كفر وضلال مثل «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، و «الوشيعة» للشيخ موسى جار الله، و «السنّة والشيعة» لإحسان إلهي ظهير، و «تبديد الظلام» للأستاذ إبراهيم الجبهان. أما الدراسة العلمية والموضوعية المتكاملة لهذه المسألة فلم أجد في المكتبة الإسلامية شيئاً منها. لذا جاءت كتابتي في هذا الموضوع بداية، وكل بداية لا بد فيها من قصور.. ولا سيما في هذا الموضوع الخطير، الذي يتطلب جهوداً جماعية ومدة زمنية طويلة. ولقد حاولت قدر الإمكان.. أن أسلك المنهج الذي آمل أن يكون منهجاً عادلاً وسليماً.. في نقاش هذه القضية.. ذلك المنهج الذي وضع أيدينا على نقاط مهمة، وكشف لنا عن حقائق خطيرة في مسألة التقريب، لا سيما أن في هذا البحث قضايا جديدة لم تدرس من قبل، مثل: عرض

стр. 17

"آراء دعاة التقريب في مسائل الخلاف ومناقشتها" ذلك الذي أخذ من هذه الرسالة الباب الثالث، وكذلك محاولات التقريب وتقويمها في القديم والحديث، وكذلك دراسة الآراء والطرق المتصورة لحل الخلاف، تلك التي لم تنل العناية قبل ذلك. وكانت الدراسة منصبة في هذه المسألة (الأخيرة) على رد شبه الشيعة واستدلالها من كتب السنّة، وكذلك في مبحث عقائد الشيعة عرضنا لمسائل جديدة مثل تصحيح أحاديثهم حسب مقاييسهم الخاصة بهم، ومحاولة حصر الأحاديث الواردة في كل قضية وعقيدة من عقائدهم وما ألف فيها - ما وجدت إلى ذلك سبيلاً - ثم دراسة مسألة السند عند الشيعة، ومتى وضع، والسبب في وضعه، وكشف ما زيد على بعض كتب الشيعة من أحاديث وأبواب، ودراسة أول كتاب ألفه الشيعة، واحتوى على جملة كبيرة من عقائدهم وهو كتاب «سليم بن قيس الهلالي» إلى غير ذلك من المسائل. ولقد تطلب كل ذلك قراءة طويلة في كتب الشيعة. نسأل الله سبحانه أن يسدد أعمالنا وأقوالنا وأن يهدينا سواء السبيل. وختاماً أشكر الله سبحانه على ما هيأ لي من خير ويسر لي من أُمور. "وإنني" لأشكر كل من مدّ لي يد المساعدة في هذا البحث وأدعو الله أن يثيبهم ويجزيهم كل خير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 18

الباب الأول: أهل السنة والجماعة الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة. الفصل الثاني: مصادرهم في تلقي العقيدة (أصولهم في الاعتقاد) . الفصل الثالث: مجمل لأهم عقائدهم التي شذت عنها (الشيعة) .

стр. 19

الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة (أ) التعريف بالسنّة: السُّنَّة بالضم وفتح النون المشددة في اللغة: الطريقة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة، والجمع سُنن (١) . ومنه قوله (: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة.. الحديث» (٢) . وتطلق السنَّة ويراد بها: الطريقة المحمودة، فقد جاء في اللسان: (السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة) (٣) . والسنة في الشرع تطلق على عدة معان: تطلق على سيرة الرسول ﷺ ، يقول ابن

стр. 20

فارس (١) : (وسنة رسول الله ﷺ وسيرته) (٢) . وتطلق في اصطلاح المحدثين على (ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله) (٣) . وللسنّة عند الأصوليين اصطلاح (٤) ، وعند الفقهاء اصطلاح ... (٥) . ومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلاف الأغراض والتخصصات التي تعني بها كل فئة من أهل العلم. ولا يعنينا تتبع جميع تلك الاصطلاحات، إنما يعنينا أن نعرف بمصطلح «السنة» أو «أهل السنة» كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد. يقول ابن رجب (٦) ﵀: (السنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات،

стр. 21

ثم صار معنى السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين (١) من أهل الحديث وغيرهم: عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة (٢) ، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة) (٣) . وكذا قال الألوسي (٤) ﵀: (السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهَدْي والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافاً للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافاً للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة. وتطلق - أيضاً - على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 22

وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله (: «الحج عرفة» (١) أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، لذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة) (٢) . وأهل السنة: هم المتبعون للسنة المتمسكون بها، وهم: الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول ابن حزم (٣) : (وأهل السنة.. أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة (٤) ؛ فإنهم الصحابة (ومن سلك نهجهم من خيار التابعين - رحمة الله عليهم -، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها - رحمة الله عليهم-) (٥) . والسبب في تسميتهم بأهل السنة هو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) : (وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم سنته () (٧) .

стр. 23

وكذلك يرجع أبو المظفر الإسفراييني (١) سبب تسميتهم بأهل السنة إلى: اتباعهم لسنة الرسول ﷺ ، فيقول: (وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول ﷺ ، وأكثر تبعاً لسنته من هؤلاء؛ ولهذا سُمّوا بأهل السنة. ثم قال لما سئل الرسول ﷺ عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٢) . وهذه الصفة تقررت لأهل السنة، لأنهم ينقلون الأخبار والآثار عن الرسول ﷺ والصحابة (، ولا يدخل في تلك الجملة من يطعن في الصحابة من الخوارج والروافض) (٣) .

стр. 24

(ب) ويطلق على أهل السنة: الجماعة (١) : فيقال: أهل السنة والجماعة، وقد ورد تفسير الجماعة في بعض الأحاديث بأنها: جماعة المسلمين التي هي على مثل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه؛ ففي حديث حذيفة بن اليمان (أن رسول الله ﷺ قال: « ... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ... الحديث» (٢) فبيّن أن المراد بالجماعة: جماعة المسلمين (٣) . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول (الله حينما سئل عن الفرقة الناجية من هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٤) . وقد ورد عن ابن مسعود

стр. 25

(موقوفاً تفسير لمفهوم الجماعة حيث قال: « ... الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» (١) . ويأخذ أبو شامة (٢) بهذا التفسير ويؤكده، فيقول: (حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلاً، والمخالف له كثيراً، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم) (٣) . فالجماعة - هنا - تعني موافقة الحق. ومن الملاحظ أن (لفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات) (٤) ، ثم خص بقضايا العقيدة ولا سيما المسائل

стр. 26

التي خالف فيها أهل البدع كما سبق. كذلك نجد لفظ الجماعة يعني: حسب ما جاء عن ابن مسعود - موافقة الحق على وجه العموم، ثم نراه يخصص بمسائل العقيدة التي انحرف عنها المبتدعة؛ فنجد الإمام أبا حنيفة يعرف الجماعة على هذا الوجه؛ فيقول ﵀: (الجماعة: أن تفضل أبا بكر وعمر، وعليّاً، وعثمان (١) ، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ولا تكفر الناس بالذنوب وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين..) (٢) . ونجد فيما بين أيدينا من مصادر عدة تعاريف للجماعة تعرف بها من خلال بعض مبادئها وأصولها، فكما عرف أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية يجعل الالتزام بمصادر أهل السنة في التلقي هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم، فيقول: (فمن قال بالكتاب والسنّة والإجماع كان من أهل السنّة والجماعة) (٣) ويقول: (لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة ... وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما له تعلق بالدين) (٤) .

стр. 27

ولما كان من "أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.. بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم" (١) . نجد من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (٢) . وبهذا المعنى روى الطبري بسنده أن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد قال: «فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله ﷺ ؛ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة» (٣) . ومن أصول أهل السنّة الاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق والتنازع، وفي المعنى روى البخاري عن عليٍّ (قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة» (٤) . قال ابن حجر (٥) : قوله «فإني أكره الاختلاف» أي: الذي يؤدي إلى النزاع. قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك «حتى يكون الناس جماعة» (٦) . وبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية - رضي الله

стр. 28

عنهما - عام "الجماعة"، قال ابن بطال (١) سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب (٢) . أما سبب تسمية أهل السنّة بالجماعة ، فيرى عبد القاهر البغدادي (٣) ﵀ أن "أهل السنّة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبرؤ والتكفير، فهم إذاً أهل الجماعة القائمون بالحق والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض وتبرؤ بعضهم من بعض كالخوارج والروافض والقدرية؛ حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً.." (٤) . ويقول ابن تيمية - كما مر -: (وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين؛ و"الإجماع" هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين. وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة - يعني الكتاب والسنّة

стр. 29

والإجماع - جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال ... مما له تعلق بالدين) (١) . فابن تيمية - هنا - يلحظ في التسمية بالجماعة معنى الاجتماع، وعدم الفرقة، وأن الإجماع أصل من أصول أهل السنّة، وأنهم اجتمعوا على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، وما أجمع عليه السلف الصالح، وبهذه الأصول يزنون ما عليه الناس. وملخص القول: أن الجماعة تعني الحق من الاعتقاد أو أصحاب الاعتقاد الحق، وقد يعبر عن معنى الجماعة بأصل من أصولها (٢) ؛ - كما رأينا - فهي بهذا توافق السنة، وعلى هذا يمكن أن يقال: أن لفظ السنّة والجماعة إذا افترقا اجتمعا في المعنى، وإذا اجتمعا افترقا؛ فإذا افترقا بأن ذكر أحدهما فقط دخل فيه الآخر، وصار معناهما واحداً، ولهذا كثيراً ما يستخدم لفظ «أهل السنة» فقط ويؤدي الدلالة والتعريف للفظين. أما إذا ذكرا معاً افترقا وصار لكل واحد منهما معنى يخصه، يفسر ذلك

стр. 30

شارح الطحاوية (١) ﵀ بقوله: (السنّة: طريقة الرسول ﷺ ، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين) (٢) . فعلى هذا تأخذ السنّة معنى الاعتقاد الحق - كما هو مصطلح المتأخرين - أو الاتجاه الحق في الاعتقاد وغيره - كما هو مفهوم السنّة عند السلف - وتأخذ الجماعة معنى أصحاب ذلك الاعتقاد أو الاتجاه الصحيح. وعلى العموم فإن لفظ «أهل السنة والجماعة» يعطي المعنى والتعريف لأصحاب ذلك الاتجاه بلا فصل بين اللفظين في المعنى، حتى أصبح كأنه مصطلح واحد، فقد صار مصطلحاً شائعاً يؤدي المعنى بغير بحث تفصيلي عن معنى الكلمتين، كما أنه قد يكتفى بأحد اللفظين فيؤدي المعنى بانفراد (٣) ، وإنما حللنا هذين المصطلحين لأن ذلك من متطلبات وضرورات البحث - ولهذا نجد كثيراً من أصحاب المقالات والفرق لا يعرفون به لشيوعه وذيوعه، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀

стр. 31

عن السنّة قال: (هي ما لا اسم له غير السنّة، وتلا: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... الآية) (٣)) (٤) . ولما سئل - أيضاً - عن أهل السنة قال: (أهل السنّة الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي ولا قدري ولا رافضي) (٥) . فأهل السنّة ليس لهم لقب يعرفون به لأنهم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والمخالف هو الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه؛ إنما الذي يحتاج لاسم هو الفرع المنشق، وأهل السنّة هم أصحاب الطريق الوسط السائرون على الصراط المستقيم المخالفون لأهل البدع (٦) . (ج) نشأة اسم أهل السنة والجماعة: وأعني بالنشأة: بداية التمييز باسم السنّة والجماعة، كدلالة على

стр. 32

اتجاه معين، واعتقاد متميز.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وطريقتهم - أي أهل السنّة - هي دين الإسلام، لكن لما أخبر النبي ﷺ : أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة (١) .

стр. 33

صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنّة والجماعة (١) .. فهذا يدل على أن التميز باسم أهل السنّة والجماعة حصل لما حدث الافتراق الذي أخبر عنه النبي ﷺ ، لأنه قبل ذلك الافتراق لم يكن قد ظهر شيء من تلك المصطلحات: التسنن أو التشيع.. كان الإسلام والمسلمون هو الاسم والمسمى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... الآية) (٢) .

стр. 34

أما تحديد بداية هذا التميز، فيرى - بحق - الدكتور مصطفى حلمي أن أصول التاريخ الإسلامي لم تعين السَّنة التي ظهر فيها هذا المصطلح (١) . (كان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، فلما قتل عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - ووقعت الفتنة فاقتتل المسلمون بصفين، مرقت المارقة (٢) التي قال النبي ﷺ : «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٣) . وكان مروقها لما حكم الحكمان وافترق الناس على غير اتفاق) (٤) . وهذا أول صدع في وحدة العقيدة في الجماعة المسلمة، فقد كانت الجماعة محافظة على وحدتها في العقيدة، فحركة الخوارج تعتبر أقدم انشقاق ديني حدث في صفوفها (٥) . ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدعة

стр. 35

التشيع (١) كالغلاة المدعين الألوهية في علي، والمدعين النص على علي ﵁، السابين لأبي بكر وعمر ﵄ فعاقب أمير المؤمنين علي - رضي الله تعالى عنه - الطائفتين "الخوارج ومبتدعة التشيع"، قاتل المارقين، وأمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية (٢) . وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليّاً لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء (٣) الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله فهرب منه.. وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فروي عنه أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري. وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وروي هذا عنه من ثمانين وجهاً (٤) ، فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة (٥) . ولا شك أن هذا الابتداع لم يؤثر - في البداية - في الغالبية العظمى والقاعدة العريضة من المسلمين؛ وهم من التزم بسنّة رسول الله - صلى الله عليه

стр. 36

وسلم - ولزم الجماعة.. «أهل السنّة والجماعة» ، فلم يكونوا بحاجة في بادئ الأمر إلى التميز؛ ذلك أنهم الأصل الذي انشق عنه المخالفون، والأصل ليس بحاجة إلى ما يميزه؛ إنما الذي يحتاج لاسم هو الفرع المنشق الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل، وقد مر بنا قول الإمام مالك ﵀ حينما سئل عن أهل السنة فأجاب: (أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي) . من هنا نوافق الدكتور مصطفى حلمي في قوله: (إن أهل السنّة والجماعة هم الامتداد الطَبِعيّ للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، والسؤال عن نشأة أهل السّنة والجماعة ليس له موضع، كما هو الحال إذا تساءلنا عن منشأ الفرق الأخرى) (١) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومذهب أهل السنّة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعاً عند أهل السنّة والجماعة.. وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنّة.. فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولاً؛ بل إن السنّة كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة.. وثبت الإمام أحمد بن حنبل على ذلك الأمر (٢) فصار إماماً من أئمة السنّة، وعلماً من أعلامها،

стр. 37

لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأياً) (١) . ولهذا نرى الإمام اللالكائي (٢) ﵀ يفتتح كتابه القيّم: «شرح أو حجج أُصول اعتقاد أهل السنّة» (٣) بذكر أئمة السنّة الذين ترسموا بالإمامة بعد رسول الله ﷺ ، فيبدأ بذكر أبي بكر والخلفاء الثلاثة بعده، وبقية أئمة العلم والدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى زمنه ﵀، وقد ذكر كثيراً من أئمة أهل السنّة في معظم الأمصار الإسلامية (٤) ، وكذلك نرى البغدادي وهو يشير إلى مواجهة أهل السنّة لطلائع البدع يبتدئ بذكر أئمة السنّة من الصحابة والتابعين لهم ممن واجه الابتداع "لحدوثه في حياته'' (٥) فيقول: (فأول متكلميهم من الصحابة عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - حيث

стр. 38

ناظر الخوارج في مسائل الوعد والوعيد، وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة والقدر، ثم عبد الله بن عمر ﵄ حيث تبرأ من معبد الجهني (١) في نفيه القدر، ثم يتدرج البغدادي من عبد الله بن عمر إلى عمر بن عبد العزيز فزيد بن علي وكذلك الشعبي والزهري، ومن بعد هذه الطبقة جعفر بن محمد "الصادق" ويذكر أن له كتاب «الرد على القدرية» ، وكتاب «الرد على الخوارج» و «رسالة في الرد على الغلاة من الروافض» ) (٢) . من هنا نقول أن السؤال عن نشأة مذهب أهل السنّة كما يُسأل عن نشأة سائر الفرق لا مكان له، لأن مذهبهم هو مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، لكن السؤال ينبغي أن يتوجه إلى "بداية التسمي بذلك الاسم". "لا نشأة المسمى" وهو المذهب وأهله، ومن الخطأ الخلط في ذلك. إن الأصل في التسمي بأهل السنّة هو ما ورد من النصوص التي تأمر باتباع السنّة، ولزوم الجماعة، فالتسمية مأثورة في السنّة وواردة في

стр. 39

كلام السلف، إنما قصدنا ببداية التسمي هو متى بدأ إطلاق هذه التسمية على الاتجاه المتبع للسنّة والملتزم للجماعة، وهو مبحث ليس ذا أهمية كبيرة وإنما طرقناه لأنه كثيراً ما يخلط بين الحديث عن بداية التسمية ونشأة المسمى "وهو المذهب أو أهله"، وحتى رأينا من يتحدث عن السنّة كأنها فرقة أو طائفة طارئة في الإسلام (١) ، كسائر الفرق الأُخرى التي انشقت عنها. فكان من الضروري بيان هذا الأمر وتوضيحه. وسنرى الآن في عرضنا للآراء في نشأة التسمية شيئاً من قصور في الرؤية وغبش في التصور حيال هذه المسألة. ١- فمن أغرب الآراء في بداية التسمية رأي للدكتور مصطفى الشكعة يزعم فيه أن (تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنّة تسمية متأخرة، يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري ـ أي بعد الإمام أحمد بأربعة قرون ـ) (٢) . وهو يطلق هذا القول ولا يقدم ما يؤيده، وهذا كاف في عدم الاعتداد به، ومعلومات الوثائق والنصوص المأثورة تدل على خلاف هذا

стр. 40

الرأي، وأن نظرة لأسماء الكتب التي كتبها علماء السلف من أهل القرن الثالث والرابع التي سموها باسم "السنة" (١) لكافية في الدلالة على أن التسمية بأهل السنّة كانت مستفيضة في ذلك الزمن المتقدم وقبله كما سنرى. ونجد ما يدل على أن التسمية بأهل السنّة شائعة في العصور الأولى بعد بدء الفتنة واستفحال شأن المبتدعة؛ ومن ذلك قول محمد بن سيرين (٢) : لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (٣) . فهذا يدل على أن الفتنة في عهد عثمان ﵁ كانت بداية التميز بين أهل السنّة وغيرهم. ويصور لنا معنى هذا التميز ما رواه ابن جرير الطبري عن مصعب بن عبد الله الزبير أن أباه عبد الله بن مصعب أخبره أن الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين طعن عليه ناس وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه وهم أنواع الشيع وأهل البدع وأنواع الخوارج، وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة اليوم، فقال لي - أي الرشيد -: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا (٤) .
следующие страницы →