← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[موقف ابن تيمية من الأشاعرة]ـ تأليف: عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود الطبعة: الأولى سنة النشر: ١٤١٥ هـ / ١٩٩٥ م الناشر: مكتبة الرشد - الرياض

стр. 2

أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة تقدم بها المؤلف إلى كلية أصول الدين بجامعة الإمام بن سعود الإسلامية - قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة - وتكونت لجنة المناقشة من: * الدكتور سالم بن عبد الله الدخيل:مشرفاً * معالي الشيخ ناصر بن حمد الراشد: عضواً * فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان: عضواً وذلك بتاريخ ١٩/٥/١٤٠٩ هـ. وقد نالت الدرجة العالمية الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: فلا شك أن العالم الإسلامي مع بداية هذا القرن- الخامس عشر الهجري - وقبله بقليل، يمر بمرحلة مهمة من تاريخ المسلمين المعاصر، وقد تمثلت هذه المرحلة بشكل واضح في العودة إلى الإسلام والثقة به عقيدة وشريعة، وذلك في خضم العقائد والفلسفات والأنظمة والقوانين السائدة في العالم. ولا شك أن هذه العودة- والصحوة- تبهج وتسر قلب كل مؤمن، وتملؤه فخرا واعتزازا بهذا الدين، الذي حاربه أعداؤه بكل الوسائل والأساليب، ولكن ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف:٨) . ولما كان شعار كل مسلم وكل داعية العودة إلى الكتاب والسنة،- وهو ما يتفق على إعلانه الجميع- إلا أن الأمر حين ينتقل إلى التطبيق العملي والتربية المنهجية وتحديد المصادر المفسرة والشارحة لهذين المصدرين- المسلمين- يأخذ أشكالا وسمات متعددة، وكثيرا ما تكون متعارضة، وفي النهاية يتخذ كل واحد منها شكل طائفة أو فرقة أو مذهب فكري محدد. والعجيب أن كلا منهم يدعي أن أصول مذهبه قائمة على الكتاب والسنة، ومن ثم فمن لم يلتزم بأصوله فهو ضال مبتدع. وهذه المشكلة لا تختص بعصرنا هذا، بل هي مشكلة قديمة نشأت منذ ظهور الفرق والطوائف في أواخر عهد الصحابة- ﵃ أجمعين- وإلى عهود التابعين ومن جاء بعدهم.

стр. 4

وفي العصر الحاضر نشأت إضافة إلى الفرق والطوائف القديمة- تيارات فكرية متعددة، ومذاهب وفلسفات متباينة، ومن ثم أصبح تحديد المنطلق والمنهج والأصول أكثر إلحاحا وأشد حاجة من ذي قبل، خاصة مع كثرة التدليس والتلبيس، ومحاولة إخضاع الأصول والنصوص الإسلامية لتوافق كثيرا من النظريات والمذاهب السائدة أو التى يريد لها أعداء الاسلام أن تسود. وأخطر ما يواجه مسيرة المسلمين اليوم- إذا صرف النظر عن التيارات الإلحادية الصريحة، والمذاهب الباطنية، وما شابهها مما هو صريح في إلحاده وبعده عن حقيقة الإسلام- تياران كبيران: أحدها: تيار القوميين والعلمانيين، الذين لا يرفضون الإسلام صراحة، ولكنهم يجعلونه ضمن دائرة خاصة لا يتعداها، وذلك بجعله جزءا من التراث- كما يسمونهـ بحيث يشمل كل الفلسفات والأفكار والتقاليد والمناهج والنظم- سواء وجدت قبل الإسلام أو بعده، وسواء كانت موافقة لأصول الإسلام أو مخالفة، ما دام يدخل ضمن دائرة تراث هذه الأمة التي ينتسبون إليها. وهؤلاء ينظرون إلى الاسلام نظرة إكبار وإعزاز لا لأنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وبه النجاة من عذابه يوم القيامة، وإنما لأنه أحد معطيات تراث الأمة القومي. ومن هؤلاء من يريد حصر الإسلام في جانب ضيق من حياة الإنسان، بحيث يبقى ضمن نطاق محدود من إقامة الشعائر التعبدية، والأحوال الشخصية، والالتزام الفردي بأخلاقياته ومحاسن آدبه، أما نواحي الحياة المختلفة فالأمر فيها متروك للأمة أن تستفيد من النظم والقوانين المختلفة، ومناهج التربية المتعددة، من الشرق أو الغرب ولو كانت مخالفة للاسلام وهذا ما يتبناه العلمانيون وأضرابهم. وهذا التيار غالبا ما يحمل أفراده أفكارا وفلسفات غريبة وفاسدة لها تصورها الخاص ومنطلقاته العقدية التي تغلب جانب العقل وتعلي من شأنه، وغالبا ما تكون لها جذور فلسفية أو كلامية سابقة تنطلق منها، أو تستفيد من آثارها وكتبها. والذي يميز هؤلاء عداؤهم للسلف أهل السنة والجماعة، ومن يدعو إلى العودة إلى عقيدتهم ومنهجهم، ووصمهم لهم بعبارات الاحتقار والازدراء وقلة

стр. 5

الفهم والعقل، والتخلف والتعقيد. والتيار الثاني: تيار أهل البدع من أهل الاعتزال والكلام والتصوف، وهم امتداد واضح وقوي لمن سبقهم من هذه الطوائف! وغيرها، ويقومون بجهود عظيمة في الدعوة إلى مذاهبهم، ونشر كتبهم، وإقناع الناس ممن حولهم، أو يسمع كلامهم بأن ما عندهم هو الحق وأن هذا اعتقاد كبار الشيوخ سلفا وخلفا. ويغضون من شأن الدعاة إلى مذهب السلف ويرمونهم بشتى التهم التى تنفر الناس منهم. وأخطر ما يمثل هذا التيار: الأشعرية والصوفية، حيث إن لهما امتدادا عريضا في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي، وساعد على ذلك أمور من أهمها: ١- تبني كثير من الجامعات والمراجع العلمية للمذهب الأشعري- أو الماتريدي - على أنه المذهب الحق الذي يجب أن يكون ضمن مناهج التعليم. ٢- استمرار تبني هذا المذهب من خلال دروس المشايخ- في بعض البلاد منذ قرون مضت، وربطه في الغالب بالمذاهب الفقهية المشهورة، بحيث أصبح أمرا معهودا، وطريقة مسلمة (١) . ٣- وفرة الكتب والمراجع المخطوطة والمطبوعة التى تخدم هذا المذهب، والتي نشرت وطبعت بتحقيق وبدون تحقيق. ٤- الترابط- أو الامتزاج- الذي وقع بين المذهب الصوفي والأشعري، مما جعل الطرق الصوفية المختلفة تجعل العقيدة الأشعرية عقيدتها المفضلة. والتصوف وطرقه منتشر في غالب بلاد العالم الاسلامي، ولهم أنشطة واضحة ومتعددة. ولكن هذه التيارات بإمكاناتها الكبيرة وجهودها المتواصلة يقابلها تيار قوي، منتشر في أنحاء العالم الإسلامي يتبنى عقيدة السلف ومنهجهم في الاستدلال،

стр. 6

ويدعو إلى العودة إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، ولديه ثقة مطلقة بأنه لا عزة للمسلمين ولا رفعة ولا مكانة ولا نجاة من عذاب الله إلا بالرجوع إلى هذا الدين عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، ويقومون بما يجب عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرد على أهل الانحراف والإلحاد سواء من أصحاب الأفكار الغربية المستوردة، أو من أهل البدع والكلام والأهواء، كما يقومون بجهود مشكورة في الدعوة إلى مذهب السلف بالوسائل المختلفة، ونشر الكتب التي تخدم هذا المذهب وتوضحه، وتحقيق ما كان مخطوطا منها، والقيام بالدراسات المختلفة التي تختص بدراسة مسائل أو جوانب محددة تبين فيها وجه الحق وترد على أهل الباطل. وقد كان للأقسام الشرعية في جامعات هذه البلاد جهود مشكورة في هذا المجال، خاصة في البحوث التي يقوم بها الدارسون للحصول على الدرجات العلمية والتي تشمل تحقيق الخطوطات، ودراسة الموضوعات. ونسأل الله تعالى أن ييارك في هذه الجهود وأن يرزقنا جميعا الإخلاص في الأقوال والأعمال. ولما كنت قد حصلت على درجة الماجستير من قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية أصول الدين بالرياض، رغبت في تسجيل بحث آخر للدكتوراه، فهداني الله إلى اختيار موضوع "موقف ابن تيمية من الأشاعرة"، وترجع أهمية هذا الموضوع إلى عدة أمور منها: ١- أن هناك خلطا في تحديد مذهب السلف، أهل السنة والجماعة، ومجمل اعتقادهم الذي يميزهم عن غيرهم من أهل البدع والأهواء. ومن المعلوم أن مذهب الأشاعرة قد اشتهر بين كثير من الناس على أنه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وأن اعتقادهم يمثل اعتقاد السلف، ومن المؤسف أن هذا المفهوم سائد إلى الآن في كثير من البلاد الإسلامية (١) . ومن أبرز العلماء الذين عملوا- بشكل قوي ومركز وشامل- على بيان

стр. 7

الحق في ذلك وتمييز مذهب السلف عما يدعيه هؤلاء: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- (١) -. ٢- أن مذهب الأشاعرة قد انتشر في العالم الإسلامي، قبل ابن تيمية (٢) ، وقد حدثت له عدة تطورات قربته كثيرا من المعتزلة والفلاسفة والمتصوفة، ولم يأت عهد ابن تيمية إلا وقد بلغ أوجه في التطور والانتشار بعد الجهود الكبيرة التي قام بها علماء كبار من هذا المذهب كالغزالي والرازي وغيرهما، فلما جاء شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذلك ممثلا لمذهب السلف ومدافعا عنه ورادا على هؤلاء، تميز عهده بأمرين:- أحدهما: بروزه على أنه أول من تصدى بقوة للمذهب الأشعري- خاصة بعد تطوره الأخير- ولذلك يقول المقريزي- بعد عرضه لنشأة المذهب الأشعري وانتشاره على يد بعض العلماء والسلاطين: " فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الاسلام، بحيث نسي غيره من المذاهب وجهل، حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه إلا أن يكون مذهب الحنابلة- أتباع الامام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل- ﵁، فإنهم كانوا على ما كان عليه السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات- إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية (٣) . ولا شك أنه كانت لعلماء السلف في كل زمن جهود مشكورة في الدفاع عن عقيدة السلف والرد على خصومها،

стр. 8

ولكن ما قام به شيخ الإسلام كان من القوة والتأثير بحيث أصبح يمثل مرحلة بارزة من مراحل كل من مذهب الأشاعرة ومذهب السلف أيضا. والثاني: أن مجيئه في وقت متأخر- حيث ولد سنة ٦٦١ هـ وتوفي سنة ٧٢٨ هـ- وفر له وسائل الاطلاع على ما انتهى إليه هؤلاء الأشاعرة في شرح مذهبهم، والاستدلال له والرد على خصومه، ومن ثم تميزت ردود شيخ الإسلام ومناقشاته لهم بالقوة والعمق والشمول، وكشف خبايا هذا المذهب وتناقضاته، وتسجيل اعترافات شيوخه وردود بعضهم على بعض. ولا شك ان هذه الأمور لها أثر كبير في بيان فساد أقوال الخصوم وتهافت أدلتهم. ومذهب الأشاعرة لا يزال موجودا ومنتشرا- معتمدا على الأصول التي انتهى إليها المذهب الأشعري قبيل عهد ابن تيمية- ولم يحدث له تطور آخر، وإنما بقى معتمدا على من سبقه، ومن ثم فالرد عليه وبيان ما فيه من مخالفة لمذهب السلف لابد أن يكون معتمدا على ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية. وهذا واقع الحال، فقلما يتصدى أحد للرد على المعتزلة أو الأشاعرة أو المتصوفة أو الرافضة أو غيرهم إلا ويكون جل اعتماده في ذلك- بعد الكتاب والسنة وأقوال السلف- على ردود ومناقشات هذا الإمام العظيم. ٣- أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان صاحب منهج واضح ومحدد، سار فيه على وتيرة واحدة في جميع كتبه، لم تتغير طريقته، ولم تتناقض أقواله، مع كثرة كتبه، وطولها، وتشعب مسائلها، كا أن قناعته بمذهب السلف، وأن الحق كل الحق فيه، وأن ما عداه من الآراء والأقوال المبتدعة إما ضلال أو انحراف، أو في مذهب السلف ما يغني عنه تمام الغنى- لم تتغير أو تضعف. ولذلك كانت هناك أهمية خاصة لما كتبه في بيان عقيدة السلف والمنهج الصحيح في تقريرها، وكذلك ما كتبه في الرد على مخالفي عقيدة أهل السنة والجماعة والمنهج الصحيح لذلك. ٤- وأخيرا فمما يلاحظ أن ردود شيخ الإسلام على كثير من الطوائف التي كانت أشد انحرافا من الأشاعرة، كالفلاسفة، وغلاة الصوفية، والمعتزلة،

стр. 9

والجهمية، وغيرهم- لم تكن مقصودة لذاتها، لأن أصحابها كانوا قلة وكان المجتمع الاسلامى رافضا لها ولأفكارها، فلما تغلغلت آراء وأقوال هذه الطوائف عن طريق إدخالها في المذهب الأشعري، وتبني بعض أعلام الأشاعرة لها، صار خطرها يتهدد عامة المسلمين الذين كانوا يثقون في كثير من هؤلاء الشيوخ لأنهم علماء الأمة وفقهاؤها وقضاتها. فلما رأى شيخ الإسلام ذلك شمر للرد عليهم جميعا وعرض لفساد الأصول التى ترجع إليها هذه الأقوال وزيفها، وأطال في نقضها. وما كان شيخ الإسلام ليشغل نفسه بالرد على الفلاسفة مثلا لولا أن كثيرا من أصولهم صارت جزءا من كتب أهل الكلام، يعتمدون عليها، ويشرحونها في كتببهم، ويبنون عليها كثيرا من أدلتهم، حتى أصبحت هذه الأصول هي الأصل، وما جاء به الكتاب والسنة وأقوال السلف فرعأ لا حجة فيه ولاقيمة له إلا في حدود ضيقة. فهذه الأمور وغيرها تبين أهمية بحث موقف! ابن تيمية من الأشاعرة، ولا شك أن البحوث حول كل من ابن تيمية وجهوده العلمية المختلفة (١) ، وحول الأشاعرة وأعلامهم وعقائدهم (٢) - كثيرة جدا، كما أن لعلمائنا الأفاضل

стр. 10

ردود متنوعة على الأشاعرة وبيان ما خالفوا فيه مذهب السلف (١) . وهذا البحث الذي أقدمه اليوم- على ضعف مني وقلة حصيلة وقصر باع إنما هو محاولة لبيان الحق في هذه المسألة العظيمة من خلال ما كتبه شيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى--. وقد اشتملت خطة البحث- بعد المقدمة العامة- على تمهيد وبابين وخاتمة. أما التمهيد: فقد كان بعنوان: السلف ومنهجهم في العقيدة، وقد اشتمل على التعريف بالسلف وأهل السنة والجماعة، ثم بيان نشأة التسمية بهذا الاسم، ثم شرح منهجهم في العقيدة والاستدلال لها. وقد جاء هذا التمهيد مفصلا بعض الشيء لأن كلا من الأشاعرة وابن تيمية ينسب مذهبه إلى مذهب السلف، فكان لابد من ذكر مذهب السلف من مصادره ليتبين عند المقارنة من الذى كان سائرا على مذهب السلف ومن الذي انحرف عنه. وأما الباب الأول: فكان موضوعه: ابن تيمية والأشاعرة، وقد اشتمل على عدة فصول: الفصل الأول: عن حياة ابن تيمية، وقد اشتمل على مبحثين: المبحث الأول: عصر ابن تيمية وقد عُرضت فيه لبعض القضايا والأحداث التي حفل بها هذا العصر المليء بالاضطرابات، مثل الغزو الصليبي للعالم الإسلامي، وظهور التتار وسقوط الخلافة العباسية في بغداد، وقيام دولة المماليك،

стр. 11

ودور الباطنيين والرافضة، إضافة إلى الجوانب العلمية والعقدية. وقد فصل القول في المبحث بعض الشيء لأمرين أحدهما: أنه عصر مليء بالأحداث الجسام فهو كثير الشبه بعصرنا، ومن ثم فلا يكفي الاختصار والعرض السريع. والثاني: أن تفصيل بعض المسائل أغنى عن ذكرها عند الحديث عن مواقف ابن تيمية تجاه أحداث عصره. المبحث الثاني: في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك بتوضيح الجوانب المعهودة في التراجم مثل اسمه ونشأته، وشيوخه، وجهاده وربطه العلم بالعمل، ودوره في مقاومة التتار والرافضة، ثم بيان منزلته ومكانته، وما جرى له من محن على يد أعدائه في الشام ومصر، وقد فصل القول في ذلك مع التركيز على بيان الدور الإيجابي في هذه المحن كلها. ثم ذكر تلاميذه والمتأثرين به، ورسائله وكتبه مع التركيز على بيان ما ألفه منها في الرد على الأشاعرة، ثم ذكر وفاته ﵀. الفصل الثاني: في منهج ابن تيميه في تقرير عقيدة السلف والرد على خصومها، وقد شمل ذلك البحث منهجه في المعرفة والاستدلال، وبيان العقيدة والاستدلال لها، والرد على الخصوم، وما تميز به شيخ الاسلام من الأمانة العلمية. الفصل الثالث: عن حياة أبي الحسن الأشعري وعقيدته، واشتمل هذا الفصل إضافة إلى ترجمة الأشعري وحياته وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته بحث مسألة الأطوار التي مر بها في حياته العقدية وهل كانت طورين أو ثلاثة، وهل كان رجوعه في الإبانة إلى مذهب السلف رجوعاً كاملا أو بقيت عليه بقايا من أقوال أهل الكلام، ثم عرض لعقيدته وآرائه. الفصل الرابع: وموضوعه: نشأة الأشعرية وعقيدتهم، وقد اشتمل هذا الفصل على عدة مباحث، منها شيوخ الأشاعرة وأسلافهم الكلابية، مع الترجمة لأبرز أعلامهم. ومبحث الماتريدية وعلاقتهم بالأشاعرة، ثم مبحث نشأة المذهب الأشعري وأسباب اتنشاره. وأخيرا وبشكل مختصر عقيدة الأشاعرة. الفصل الخامس: وموضوعه: تطور مذهب الأشاعرة وأشهر رجالهم

стр. 12

إلى عهد ابن تيمية، وفي هذا الفصل عرض لما حدث لمذهب الأشاعرة من تطور على يد أبرز رجاله، سواء بالميل إلى التأويل وأقوال المعتزلة، أو الامتزاج بالتصوف، أو الخوض في علوم الفلاسفة وإدخال آرائهم وأصولهم لتصبح جزءا من كتب الأشاعرة الكلامية. وقد ترجم في هذا الفصل لأبرز أعلام الأشاعرة- مع عرض مركز لأثر كل علم في تطور المذهب الأشعري، وهؤلاء الأعلام هم: أبو الحسن على بن مهدي الطبري، والباقلاني، وابن فورك، والبغدادي، والبيهقي، والقشيرى، والجويني، والغزالي، وابن تومرت، وأبو بكر بن العربي، والشهرستاني، وابن عساكر، والفخر الرازي، والآمدي، والعز بن عبد السلام، والبيضاوي، وأبو عمر السكوني، وصفي الدين الهندي، وعضد الدين الإيجي، وبدر الدين بن جماعة، وهؤلاء الخمسة كانوا معاصرين لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵏ جميعا- ولم يكن الحديث عن هؤلاء من حيث التركيز والإطالة على وتيرة واحدة، بل منهم من أطيل الكلام حوله كالباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، والجويني، والغزالي، والرازي، والباقون بين التوسط والاختصار، وذلك حسب أهمية العلم وكثرة مؤلفاته العقدية، ودوره في تطوير مذهب الأشا عرة. أما الباب الثاني: فموضوعه: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، وقد اشتمل على ثلاثة فصول:- الفصل الأول: في عرض ابن تيمية لجوانب الأشاعرة الإيجابية، واعترافه بما عندهم من حق، وهذا جزء من منهجه العام في الرد على الخصوم- والذي وضح في الفصل الثاني من الباب السابق-، وشيخ الاسلام وهو يرد على الأشاعرة وأعلامهم ردودا طويلة لم يمنعه ذلك من الاعتراف بجوانبهم الإيجابية في الرد على الفلاسفة، والباطنية، والمعتزلة والنصارى وغيرهم، وهو يدل على صفة العدل والانصاف مع خصومه، حتى وهم يمتحنونه، ويكونون سببا في سجنه وإيذائه. الفصل الثاني: في منهج ابن تيمية العام في الرد على الأشاعرة، وهذا الفصل من أهم فصول الرسالة، وفيه عرض للقضايا العامة التي ناقش فيها شيخ

стр. 13

الإسلام الأشاعرة، والتي لا تختص بباب معين من أبواب العقيدة، مثل مسألة أن الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء، وحجية خبر الآحاد في العقيدة، وعلم الكلام المذموم، وكون مذهب السلف أعلم وأحكم وأسلم، وجهل الأشاعرة بمذهب السلف، وإرجاع أقوالهم إلى أصولها الاعتزالية والكلامية، وأنه لا تعارض بين العقل والنقل، والرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وتناقض الأشاعرة وما وقع فيه أعلامهم من الحيرة والشك، ثم رجوع بعضهم إلى الحق. ثم بيان تسلط الملاحدة من الفلاسفة والقرامطة عليهم لضعف ردودهم عليهم وأخذهم بأصول أهل الكلام الباطل. وكل مسألة من هذه المسائل يذكر لها شيخ الإسلام أمثلة متعددة. الفصل الثالث: وموضوعه: ردود شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم تفصيلا، ويشمل عدة مباحث: المبحث الأول: ردوده عليهم في مسألة توحيد الألوهية والربوبية، ويدخل في هذا المبحث بعض المسائل مثل مسألة أول واجب على المكلف، ومفهوم التوحيد عند الأشاعرة، وبيان خطئهم وتقصيرهم في مسألة توحيد الربوبية، وإغفالهم لتوحيد الالوهية. المبحث الثاني: في الأسماء والصفات، وقد احتوى هذا المبحث على مسائل كثيرة جدا تتعلق بأسماء الله، والصفات التي أثبتها الأشاعرة، والصفات التى نفوها، وكيف رد عليهم شيخ الإسلام طويلا، وخاصة في المسائل الكبرى كمسألة العلو والاستواء، والصفات الفعلية، كالنزول والمجيء والغضب والرضا، والصفات الخبرية، وغيرها. المبحث الثالث: في القضاء والقدر، وبعض المسائل المتعلقة به، وردوده عليهم في ذلك. المبحث الرابع: في الإيمان، وميلهم إلى الإرجاء وردوده على أقوالهم. المبحث الخامس: وفيه عرض لبعض المسائل المتفرقة التي خالف فيها الأشاعرة مذهب أهل السنة.

стр. 14

أما الخاتمة ففيها عرض مختصر لأهم نتائج البحث. وقد ذيلت الرسالة بالفهارس المهمة: كفهرس الآيات، والأحاديث، والأعلام المترجم لهم، والفرق والطوائف، والمصادر، والموضوعات. وفي الختام أسأل الله أن يجزل المثوبة لكل من أعانني على استكمال هذا البحث، وأخص بذلك الدكتور سالم بن عبد الله الدخيل المشرف على هذه الرسالة، الذي قرأ جميع فصولها ومباحثها، والذي كان لتوجيهاته وملاحظاته الدقيقة أكبر الأثر. كما أسأل اللة أن يجزل المثوبة لكل الإخوة الذين زودوني ببعض المصادر- أو مخطوطة ومطبوعة- وأخص منهم الدكتور/ ناصر العمر- وكيل الكلية للدراسات العليا سابقا- والأخ/ أحمد الحربي، والأخ/ محمد الخميس. وفي الختام أسأل الله أن يغفر لنا خطايانا وتقصيرنا، وأن يلهمنا الصواب، ويعيذنا من فتنة القول وفتنة العمل. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم وصلى اللة على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وكتبه/ عبد الرحمن بن صالح المحمود الرياض- كلية أصول الدين ص- ب ١٧٩٩٩ الرمز ١١٤٩٤

стр. 15

تمهيد: السلف ومنهجهم لب العقيدة أولا: التعريف بالسلف، أهل السنة والجماعة. ثانيا: نشأة التسمية بأهل السنة والجماعة. ثالثا: منهج السلف في العقيدة.

стр. 16

تمهيد لما كان موضوع الرسالة يتعلق بشيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ وموقفه من الأشاعرة، وشيخ الإسلام يمثل في موقفه هذا مذهب السلف ﵏ كان من المهم التمهيد ببيان التعريف بالسلف وهل لهم أسماء أخرى عرفوا بها، وكيف تميزوا عن الطوائف والفرق الأخرى؟ ، ثم لابد من بيان منهجهم في العقيدة وضرورة هذا المنهج لكل مسلم يبحث عن الحق، ويرجو الفوز برضوان الله والنجاة من عذابه يوم القيامة. ومسألة الالتزام بمذهب السلف ليست مسألة اختيارية، من شاء سلكها ومن شاء سلك غيرها، بل هى مسألة تتعلق بالإيمان بالله وبما جاء به كتابه وسنة رسولهـ ﷺ واتباعهما قولا وعملا، وهذا مما لا يختلف فيه أحد ممن ينتسب إلى الإسلام ولذا تجد الفرق المنحرفة- على اختلاف فيما بينها- كل واحدة تزعم أنها تسير على ما سار عليه الرسول- ﷺ وأصحابه، وتحتج على أقوالها بالنصوص، وحينما تعدد رجالاتها السابقين تذكر في الطبقة الأولى منهم الرسول ﷺ وأصحابه وهي مع ذلك منحرفة انحرافا بينا، فهى تصادم النصوص، وأحيانا ترفض الاحتجاج ببعضها ... وغالبا ترفض فهنم الصحابة للنصوص وتفسيرهم لها. ولذا فلابد للباحث المسلم أن ينطلق في بحثه من منطلقين: أحدهما: الثقة المطلقة بمذهب السلف، أهل السنة والجماعة، وأن يكون عنده يقين في ذلك لا يتزعزع أبدا. والآخر: تحديد المقصود بالسلف، من هم؟، وما منهجهم، حتى يسلك طريقتهم على بصيرة، ولا يتخبط في سيره بين المناهج الأخرى. ولما كان المنطلق الأول مما لا يختلف! حوله أحد ولو بشكل مجمل، فإننا في هذا التمهيد نعرض للمنطلق الثافي من خلال المباحث التالية:

стр. 17

المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث. المبحث الثاني: من المقصودون بالسلف، ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة؟. المبحث الثالث: منهج السنف، أهل السنة والجماعة في العقيدة.

стр. 18

المبحث الأول: التعريف بالسلف، وأهل السنة والجماعة وأهل الحديث أولا: السلف: قال ابن فارس: " سلف ": السين واللام والفاء أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون (١) . هذا هو أصل هذه الكلمة لغويا، ولذا قال في العباب الزاخر: " وسلف يسلف سلفا- بالتحريك- مثال طلب يطلب طلبا أي: مضى قال الله تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، والقوم السلاف: المتقدمون، وسلف الرجل: آباؤه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف " (٢) ، ثم نقل عن أبي عبيد الهروي معاني السلف ومنها: القرض، والسلم، ثم قال: " وللسلف معنيان آخران: أحدهما كل عمل صالح قدمه العبد أو فرط فرط له، والسلف من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك " (٣) ، وهذان المعنيان ذكرهما أهل غريب الحديث، ففي مشارق الأنوار: "والسلف: كل عمل صاع تقدم للعبد، ومنه قوله في الدعاء للطفل:"اجعله لنا فرطا وسلفا " (٤) أي خيرا متقدما نجده في الآخرة، والسلف أيضا: من تقدمك من آبائك وقرابتك (٥) ، ومثله في النهاية، ومجمع بحار الأنوار (٦) ، ويشهد للمعنى الأخير: من تقدمك من آبائك وقرابتك،

стр. 19

حديث فاطمة- ﵂ أن النبي- ﷺ قال لها " ... ولا أراني إلا قد حضر أجلي وأنك أول أهلي لحوقا بى، ونعم السلف أنا لك" (١) ،أي المتقدم.وكذا لما ماتت ابنته قال:"الحقي بسلفنا الصالح الخير، عثمان بن مظعون" (٢) ومنه الدعاء لأهل القبور: " أنتم سلفنا ونحن بالأثر " (٣) . أي: المتقدمون. ونستخلص من هذا أن من معاني السلف: التقدم والسبق سواء كان بالعمل الصاع، أو من تقدم من الآباء وذوي القرابة وغيرهم، ومن هذا المعنى سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح (٤) . ولما حدث الافتراق ونشأت البدع بدأ يتحدد مصطلح السلف في عرف المتأخرين بأنهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان. وسيأتي مزيد إيضاح ومناقشة لهذا بعد التعريف بالمصطلحات المرادفة لمصطلح: " السلف "، مثل: أهل السنة، والجماعة، وأهل الحديث، والأثر، لأن هذه المصطلحات اشتهرت وكثر استعمالها، وخاصة في مجال أصول العقائد. ثانيا: أهل السنة: السنة لغة: السيرة والطريقة، قال ابن فارس: " سن ": السين والنون أصل واحد مطرد، وهو جريان الشىء واطراده في سهولة، والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي أسنه سنا، إذا أرسلت إرسالا....، ومما اشتق منه السنة، وهى السيرة، وسنة رسول الله ﵇ سيرته (٥) ، فالسنة هي الطريقة،

стр. 20

محمودة كانت أو مذمومة، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق (١) ، ومنه الحديث: " من سن في الاسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شىء " (٢) ، يقول ابن الأثير: " وقد تكرر في الحديث ذكر " السنة " وما تصرف منها، والأصل فيها الطريقة والسيرة (٣) ، وفي الحديث: " لتتبعن سنن من كان قبلكم " (٤) ، أي طريقهم، وقولهم: " هي السنة " (٥) أى الطريقة التي سنها النبي ﵊ وأمر بها (٦) ، ولذلك صار لفظ السنة يطلق على ما كان محمودا فيقال: فلان من أهل السنة، معناه، من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة (٧) . أما السنة في الاصطلاح فلها عدة إطلاقات: أ) ففى اصطلاح المحدثين: عرفها ابن حجر بأنها: " ما جاء عن النبي ﷺ من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله " (٨) ، وعرفها البعض بأنها: " كل ما أثر عن النبي- ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها " (٩) ،

стр. 21

فهي بهذا مرادفة للحديث. ب) وفي اصطلاح علماء أصول الفقه يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي ﷺ على الخصوص، مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز، بل إن ما نص عليه من جهته ﵊، كان بيانا لما في الكتاب أولا " (١) ، فهي مختصة بما صدر عن النبي- ﷺ من غير القرآن مما يصلح أن يكون دليلا شرعيا (٢) . ج-) وفي اصطلاح الفقهاء فهي: ما ثبت عن النبى- ﷺ ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب (٣) . فهى مرادفة للمندوب. د) وقد تطلق السنة على كل ما دل عليه دليل شرعي، سواء كان ذلك في الكتاب العزيز أو مأثورا عن النبى- ﷺ ، أو اجتهد فيه الصحابة كجمع المصحف، وتدوين الدواوين ... (٤) ، ودخول ما اجتهد فيه الصحابة يدل عليه حديث: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " (٥) ، وقول على في الخمر: " جلد النبي- ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة " (٦) . هـ) كما تطلق السنة في مقابل البدعة، " فيقال: فلان على سنة، إذا عمل على وفق ما عمل ﵇، كان ذلك مما نص عليه الكتاب أو لا " (٧) .

стр. 22

هذه أهم إطلاقات السنة عند العلماء (١) ، والذي يهمنا هنا اصطلاح " السنة " حينما يقال: " أهل السنة " في مجال العقائد، خاصة لما حدث الافتراق في الأمة الإسلامية. يقول ابن رجب: " وعن سفيان الثوري قال: " استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء " (٢) ، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات، ولهذا كان الفضيل بن عياض يقول: " أهل السنة من عرف ما يدخل في بطنه من حلال " (٣) ، وذلك لأن أكل الحلال من أعظم خصال السنة التى كان عليها النبي ﷺ وأصحابه رضى الله عنهم. ثم صار في عرف كثير من العلماء المتأخرين من أهل الحديث وغيرهم: السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر، وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة، وأما السنة الكاملة فهي الطريقة السالمة من الشبهات والشهوات " (٤) . وهذا الذي ذكره ابن رجب-﵀ استقر عليه مصطلح أهل السنة، ولذلك لما وصل السمعافي في الأنساب إلى ذكر من نسب إلى السنة فقيل: " السني " قال: " السني: بضم السين المهملة، وتشديد النون المكسورة، هذه النسبة إلى السنة التي هي ضد البدعة، ولما كثر أهل البدع

стр. 23

خصوا بها جماعة بهذا الانتساب" (١) ، ولما سأل عمر بن عبد العزيز رجل عن القدر أجابه بجواب طويل أوله: " أما بعد، أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره (٢) ، واتباع سنة نبيه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإنها لك- بإذن اللهـ عصمة ... " (٣) . فأمرهـ وهو يجيبه عن موضوع القدر وما أحدث فيه أهل البدع- بلزوم السنة وأن فيها وحدها العصمة من الانحراف. ثا لثا: الجما عة: يقال: " أهل السنة والجماعة "، وقد ورد الأمر بلزوم الجماعة في عدة أحاديث، منها ما رواه ابن عمر- ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية (٤) ، فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم فقال: " استوصوا بأصحابي خيرا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى إن الرجل ليبتدىء بالشهادة قبل أن يسألها، فمن أراد منكم بحبحة (٥) الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد٠٠٠" (٦) ، وفي بعض روايات حديث الافتراق أن الفرقة الناجية: الجماعة (٧) ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " الصلاة المكتوبة إلى الصلاة المكتوبة التي بعدها كفارة

стр. 24

لما بينهما، قال: والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر- يعني رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما- قال: ثم قال بعد ذلك: إلا من ثلاث- قال: فعرفت أن ذلك الأمر حدث- إلا من الاشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنة، قال: أما نكث الصفقة أن تبايع رجلا ثم تخالف إليه تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة " (١) ، وعن ابن عباس- ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من رأى من أميره شيئا فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" (٢) ، وغيرها من الأحاديث التي وردت بالأمر بلزوم الجماعة، والنهي عن الخروج عليها. وقد اختلف العلماء في المقصود بالجماعة على أقوال أهمها: أ- أن الجماعة هم الصحابة دون من بعدهم، " فإنهم الذين أقاموا عماد الدين، وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أبدا " (٣) ، وهذا القول مروى عن عمر بن عبد العزيز-﵀ فمما روى عنه

стр. 25

أنه قال: (سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدى، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرا" (١) ، قال مالك: (فأعجبني عزم عمر على ذلك" (٢) ، فعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطاب للرواية الأخرى لحديث الافتراق حيث قال: (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعبن ملة كلهم في النار الا ملة واحدة قالوا: ومن هي يارسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي" (٣) ، والصحابة لهم خصوصيات كثيرة، فهم الذين شاهدوا التنزيل،- وسمعوا من الرسول، فلهم من العلم والفضل، والاقتداء ما ليس لغيرهم ممن جاء بعدهم. ٢- وقيل: إن الجماعة هم أهل الحديث، أو أهل العلم (٤) المجتهدون " لأن الله جعلهم حجة على الخلق، والناس تبع لهم في أمر الدين" (٥) ،

стр. 26

وهذا رأى الإمام البخاري قال: " باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣] ، وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم " (١) ، وهو رأى الإمام أحمد-﵀، فإنه قال عن الجماعة: " إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم (٢) ؟ "، وهو رأي الترمذي الذي قال: " وتفسر الجماعة عند أهل العلم: هم أهل الفقه والعلم والحديث " (٣) ، وهو رأي ابن المبارك وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان الذي قال: " هم أهل العلم وأصحاب الآثار" (٤) . فعلى هذا القول فالجماعة هم أهل السنة العالمون المجتهدون، فيخرج منهم المبتدعة، كا يخرج العامة المقلدة لأن الغالب فيهم أنهم تبع للعلماء. ٣- وقيل: إن الجماعة هم السواد الأعظم، وعليه رواية الافتراق التي أخبر النبي ﷺ فيها أن الفرقة الناجية هم السواد الأعظم (٥) ، قال في النهاية: " عليكم بالسواد الأعظم (٦) : أى جملة الناس ومعظمهم، الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك النهج القويم " (٧) ، يقول عبد اللة مسعود ﵁ في إحدى خطبه: "يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنهما السبيل في الأصل الى جبل الله الذى أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة " (٨) ، ويقول أبو غالب ﵀:

стр. 27

" إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية سواء خالفهم في شىء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم فهو مخالف! للحق " (١) ، ويقول أبو مسعود الأنصاري ﵁ حين خرج ونزل في طريق القادسية وقال له أصحابه: اعهد إلينا، فإن الناس قد وقعوا في الفتنة فلا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا. فقال: " اتقوا الله واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة فإن الله لا يجمع أمته على الضلالة " (٢) ، يقول الشاطبي معقبا: فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها، وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع؟ لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال " (٣) . ويقول الآجري: " فمن أراد الله تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم ... " (٤) . ٤- وقيل: إن الجماعة هم جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر من أمور الشرع سواء في أمور الأحكام أو المعتقدات، يقول الكرماني: " يلزم على المكلف متابعة حكم الجماعة والاعتصام به، وهو اتفاق المجتهدين من الأمة في عصر على أمر ديني (٥) فهذا القول يفسر الجماعة بأهل الإجماع، ولذا فهو قريب من القول الثاني. ٥- إن الجماعة: هم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وهذا رأي الطبري الذي ذكر الأقوال السابقة، ثم قال: " والصواب أن المراد من الخبر

стр. 28

لزوم الجماعة الذين لط طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة" (١) ، ولذا أمر النبي ﷺ بلزومه، ونهى عن الخروج عليه، وفراق الأمة فيما أجمعوا عليه من تأميره وتقديمه عليهم (٢) . هذه أهم الأقوال في الجماعة وحاصلها أن الجماعة ترجع إلى أمرين: أحدهما: أن الجماعة هم الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، فيجب لزوم هذه الجماعة، ويحرم الخرو! عليها وعلى أميرها. الثاني: أن الجماعة ما عليه أهل السنة من الاتباع وترك الابتداع، وهو المذهب الحق الواجب اتباعه والسير على منهاجه، وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة، أو أهل العلم والحديث، أو الاجماع، أو السواد الأعظم، فهي كلها ترجع إلى معنى واحد هو: ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فيجب الاتباع حينئذ ولو كان المتمسك بهذا قليلا، ولهذا قال عبد الله ابن مسعود ﵁ إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك " (٣) ، وروى عنه أنه قال: " إنما الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك " (٤) ، يقول أبو شامة: " حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق وأتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلا والمخالف كثيرا، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابهـ ﵃ ولا تنظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم " (٥) ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنا وظاهرا، واتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ،

стр. 29

وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " (١) ، ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ويوثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدى كل أحد، وبهذا سموا أهل الكتاب والسنة، وسموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وان كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين، و" الإجماع " هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين، وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة وظاهرة مما له تعلق بالدين " (٢) . ولهذا نجد أحيانا بعض العلماء يفسرون الجماعة بأشخاص تمثل فيهم المنهج الحق والاتباع، فعبد الله ابن المبارك لما سئل عن الجماعة قال: " أبو بكر وعمر، فقيل له: قد مات أبو بكر وعمر، قال: ففلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان، قال ابن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة " (٣) . فأراد ابن المبارك أن يفسر الجماعة بمن اجتمعت فيه صفات الاتباع الكامل للكتاب والسنة. رابعا: أهل الحديث تقدم في القول الثاني من الأقوال في المقصود بالجماعة: أنهم أهل الحديث، وأن هذا قال به جماعة من أهل العلم كالبخاري والإمام أحمد، والترمذي، وابن المبارك، وابن المديني، وأحمد بن سنان، وغيرهم. ولذلك صار عند كثير من العلماء أن الفرقة الناجية والتي يجب السير على منهاجها هم أهل الحديث. ولذلك فسنعرف بهم هنا: الحديث في اللغة ضد القديم (٤) ، وفي الاصطلاح: عرفه بعضهم بأنه:

стр. 30

" ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي " (١) ، وعلى هذا فلا يشمل الموقوف والمقطوع (٢) ، ولكن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنهما من الحديث (٣) . علم الحديث: علم الحديث قسمان: أ) علم الحديث رواية: وهو: " علم يشتمل على أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، وصفاته، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها " (٤) . ب) علم الحديث دراية: وهو: " علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن " (٥) ، وهو ما يعرف بمصطلح الحديث. واذا قيل: " أهل الحديث " فالمقصود بهم الذين يعنون بحديث رسول الله ﷺ رواية ودراية، ولكن لابد لهؤلاء- حتى يكونوا من أهل الحديث حقا- أن يكونوا عالمين وعاملين، وأن يكونوا مطبقين لما يتعلمونه، متبعين للسنة مجانبين للبدعة، وبهذه الأمور يتميزون عن أهل الأهواء، أما إذا كانوا لا يعملون بعلمهم- كا يحدث من بعض من ينتسب إلى الحديث- فقد اشتد نكير العلماء على مثل هؤلاء (٦) . وقد روى عن هارون الرشيد أنه قال: " طلبت أربعة فوجدتها في أربعة: طلبت الكفر فوجدته في الجهمية، وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة، وطلبت الكذب فوجدته عند الرافضة،

стр. 31

وطلبت الحق فوجدته مع أصحاب الحديث" (١) ويروى الخطيب عن أحمد بن سنان قال: " كان الوليد الكرابيسى خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهموني؟، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟، قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم ... " (٢) . فأهل الحديث مرادف لأهل السنة، يقول اللالكائي: " فلم نجد في كتاب الله وسنة رسوله وآثار صحابته إلا الحث على الاتباع، وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخلصهم بهذا الرسم " أصحاب الحديث " لاختصاصهم برسول الله ﷺ واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه ... " (٣) ، ثم يعلل وجه تسميتهم بأهل الحديث بأن اسمهم مأخوذ من الكتاب والسنة لاتباعهم ما فيهما، فهم حملة القرآن وأهله وقراؤه وحفظته، وهم نقلة حديث رسول الله ﷺ وحملته (٤) . * * * هذه تعريفات للمصطلحات التي تطلق على السلف، أصحاب المذهب الحق، والمنهج الحق، وهى كلها تدل على معنى واحد، ولذلك يمكن أن يفسر بعضها بما تدل عليه معاني البعض الآخر، فهم الجماعة، وهم أهل السنة، وهم أيضا أهل الحديث، وهم الطائفة المنصورة التى قال فيها رسول الله ﷺ :

стр. 32

" لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس " (١) وفي لفظ " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك " (٢) .

стр. 33

المبحث الثاني: من المقصود بالسلف؟ ونشأة التسمية بأهل السنة والجماعة من المقصود بالسلف؟ لقد تنوعت الآراء والمذاهب حول المقصود بمذهب السلف، وعلى من ينطبق وصف " السلف " الذين يجب اتباع مذهبهم والسير على منهاجهم، والسبب أن كل فئة تنطلق من وضعها الخاص بها وتدعى أن ما معها هو المذهب الحق؟ لذلك نجد هذه الفئة تحدد المقصود بالسلف بما يتم مع ما عندها من أصول عقائدية، أو منهج ارتضته للوصول إلى ما يجب اعتقاده. أ) فأحيانا يتجه البعض (١) - من المحدثين- إلى حصر مذهب السلف بفترة معينة لا يتعداها، ثم يزعم أن الفكر الإسلامي قد تطور بعد ذلك على يد رجاله، وهذا التطور لا ينحصر عنده في نطاق فئة معينة، وإنما كل ما ظهر من الآراء والفرق منتسبا بعمومه إلى الإسلام فهو جزء منه، ولو خالف ما كان عليه السلف في المنهج والفهم والاعتقاد، وعلى هذا فالمعتزلة والرافضة بل والجهمية والباطنية هم نتاج مذهب السلف بعد تطويره وبعثه، وتجريده من ثوبه التقليدي البسيط إلى لباس العقل الفلسفى والتأويل الكلامي والباطني. ولذلك فكثيرا ما يزعم بعض هؤلاء أن عقيدتهم هي التعبير الصحيح عن مذهب السلف، وأن مذهب السلف- بشكله المعروف- إنما ناسب الزمن الذي نشأ فيه، وأن رجاله الأوائل لو عاشوا إلى الزمن الذي بعدهم لطوروه إلى المستوى الذي وجد عليه فيما بعد. ب) وبعضهم يفهم أن السلف نصيون، يعتمدون على النصوص فقط، أما العقل فلا يعتمد عليه في شيء أبدا، فهم يسلمون فقط لظاهر النصوص دون فهم لها، ويكلون علمها- معانيها وكيفيتها- إلى الله تعالى،

стр. 34

ولذلك فقد شغلوا أنفسمهم بما يرون أنه أنفع، من العبادة والجهاد في سبيل الله، وإقراء القرآن، ونقل الحديث وروايته. والعجيب أن مفهوم هؤلاء عن السلف ومنهجهم منتشر بين جمهرة كبيرة من العلماء الذين نحوا منحى كلاميا- في عقائدهم أو في كتبهم حول العقيد ة- وأيضا من الذين كتبوا حول الفلسفة وعلم الكلام، أو أية قضية من قضاياه، ولذلك انتشرت بين هؤلاء-جميعا عبارة: أن مذهب السلف هو التفويض، أو عبارة بعض السلف: " أمروها كا جاءت "، أو أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم (١) . أما العقل عند السلف- على رأي هؤلاء- فلا يعتمد عليه مطلقا، ولا أدري ما يصنع هؤلاء بالدلائل العقلية التى جاء بها القرآن والسنة، والتى استخدمها علماء السلف في العصر الأول؟. ويعلل هؤلاء نشوء ما يسمى بمذهب " الخلف " أو " علم الكلام " بأنه لما كثرت الشبهات التي تثار ضد العقيدة الإسلامية، رأى علماء الإسلام أنه لا يكفى للرد عليها وإبطالها وحماية الناس- وخاصة العامة منهم- من شرورها وآثارها لا يكفي في ذلك الاعتماد على مذهب السلف النصي، فنشأ علم الكلام بمباحثه العقلية والكلامية ليرد الشبهات ويثبت العقيدة ويظهر الحجاج لها في أجواء سادت فيها مذاهب الفلاسفة والجهممية والمعتزلة والقرامطة. فهل فهم هؤلاء لمذهب السلف كان صحيحا؟ حين قصروه على الإيمان بالنصوص والتسليم دون فهم أو اقتناع؟ ج-) وتأتي فئة أخرى تزعم أن ما نشأ من الدراسات العقلية في علم الكلام لم ينشأ من المؤثرات الخارجية والشبهات التى أثارها أعداء العقيدة- وإن كان قد تطور بسببها- وإنما نشأ من مذهب السلف نفسه وأن بواكير الفلسفة الاسلامية وعلم الكلام إنما جاءت من القرآن الكريم، ففيه المجادلة للمخالفين من أهل الديانات الأخرى وغيرهم، وفيه ذكر الحكمة التي كانت

стр. 35

معروفة عند العرب وكان يفتخر بأصحابها، وأن ما نشأ من البحث حول الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وذلك بما يسمى بأصول الفقه إنما هو بداية ظهور الاتجاه العقلي عند المسلمين (١) . فالذي يفهم من هذا أن السلف- رحمهم الله تعالى- كانوا يحترمون النصوص، ولكن من خلال منظار عقلي استخدموه ونشأ على أثره علم الكلام، فكيف يصح هذا على إطلاقه مع ما هو متواتر عن السلف من الإيمان والتسليم والثقة المطلقة بما جاءت به النصوص، وأن هذه الثقة توجد على أتمها حين ترد على النفس أو يورد بعض الناس- شبهات أو وساوس حولها؟. د) وإذا كانت الآراء السابقة تنحو منحى خاصا في فهم المقصود بمذهب السلف، فإن هناك اتجاها آخر يزعم أصحابه أن مذهب السلف يشتمل على عدة اتجاهات وتيارات، وأن هذه التيارات وإن تباينت في المنهج- إلأ أنها تلتقى في أنها قامت ونشأت على يد علماء الإسلام ممن هم من أهل الدين والفضل والعلم بالأحكام، يقول ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب: " اعلم أن أهل السنة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل وإن اختلفوا في الطرق والمبادى الموصلة لذلك، وبالجملة فهم بالاستقراء ثلاث طوائف: الأولى: أهل الحديث، ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية: الكتاب والسنة والإجماع. الثانية: أهل النظر العقلي، وهم الأشعرية والحنفية، وشيخ الأشعرية أبو الحسمن الأشعري، وشيخ الحنفية: أبو منصور الماتريدي، وهم متفقون في المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط، والعقلية والسمعية في غيرها، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسائل.

стр. 36

الثالثة: أهل الوجدان والكشف، وهم الصوفية، ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية والكشف والإلهام في النهاية " (١) ، وهكذا يخلط بين اتجاه أهل الحديث، والاتجاه التأويلي للأشعرية والماتريدية، واتجاه الكشف عند المتصوفة ليصبح كل اتجاه منها هو مذهب أهل السنة والجماعة. * * * وهذه الاتجاهات والآراء حول تحديد المقصود بالسلف نشأ الخطأ في كل واحد منها من جهة أنه لم ينطلق أصحابها من منطلق شرعي واضح، مبني على الكتاب والسنة اللذين أمرا بالاتباع ونهيا عن الابتداع، وحددا معا لم المنهج والطريق الذي يجب السير فيه، ومن ثم يجب اتباع من سار على هذا الطريق المستقيم. ومما ينبغي ملاحظته أنا إذا أردنا أن نبين القول الصحيح في تحديد من هم الذين يصدق علهم اسم السلف، تبرز بعض الملاحظات والاعتراضات: أ) فمثلا: حين نقول: إن السلف هم الصحابة والتابعون والتابعون لهم للحديث الوارد: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم.. " (٢) ، يرد الاعتراض بأن التفرق والاختلاف نشأ في عهد هؤلاء، فالخوارج والشيعة والقدرية وجدوا في عهد الصحابة، وكذا بقية الفرق بعد هؤلاء بقليل، فهل وجود هؤلاء في هذه الفترة الزمنية التى هي خير القرون يعطيهم صفة السلفية المفضلة؟، وإذا كان الجواب قطعا بالنفي فلابد من التقييد لمثل هذا الاطلاق في تحديد من هم السلف بحيث لا يقتصر على التحديد الزمني فقط.

стр. 37

ب) وكذلك حينما يقال: إن السلف هم الذين يعتمدون في أقوالهم على الكتاب والسنة، يبرز اعتراض خلاصته: من الذي يعتمد عليه في فهم الكتاب والسنة؟ خاصة وأن الفرق كلها تدعي الاعتماد على القرآن والسنة؟، فالإطلاق هكذا يحتاج إلى بيان وإيضاح. ج-) وكذلك حين يحصر البعض مذهب السلف! بالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فمن كان قبل هؤلاء من الصحابة والتابعين أليسوا أوفى بوصف السلف!؟. لذلك لابد من التحديد الدقيق للتعريف بالسلف بحيث يشمل: أولا: التحديد الزمني: ليشمل الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، وهذا لبيان المنطلق والبداية لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد الرجوع إلى أقوال رجال هذا الزمن وإلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. وهذه مسألة مهمة جدا؟ إذ الخلاف الحاصل بعد القرون المفضلة بين من يتمسك بمذهب السلف ومن عداهم من أهل الأهواء والبدع لا يمكن حسمه إلا بالاتفاق على مثل هذا التحديد التاريخي ليحتكم إلى إجماعهم- إذا أجمعوا- أو أقوالهم، أو فهمهم للنصوص. ولا يعني هذا حصر مذهب السلف في هؤلاء، لأن كل من قال بقولهم فهو على السلف وإن تأخر. ثانيا: ثم يأتي بعد ذلك بيان أن الفهم والمنطلق يجب أن يكون بما يوافق الكتاب والسنة، فمن ابتدع في أمر من الأمور واتخذ لبدعته منهاجا خاصا، لا يكون قوله قولا للسلف، ولو كان هذا في القرون الأولى، لأن وجوده في هذا الزمن لا يكفي للحكم عليه بأنه سائر على مذهب السلف. ثالثا: بعد ظهور الافتراق يصبح مدلول " السلف " منطبقا على من حافظ " على العقيدة والمنهج الإسلامي، طبقا لفهم الأوائل الذين تلقفوه جيلا

стр. 38

بعد جيل " (١) ، فمن سار على طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين اتبعوا ولم يبتدعوا فهو سائر على مذهب السلف، وهو أيضا بالنسبة لمن بعده من السلف. والخلاصة أن مصطلح السلف صار له مدلولان: * مدلول خاص: وهذا ينطق على مذهب الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان، ممن لم يبتدعوا، وهذا فيه حصر تاريخي. * ومدلول أعم: يشمل ما بعد هذه القرون المفضلة، وهذا شامل لكل من سار على طريقة ومنهج خير القرون، والتزم النصوص والفهم الذي فهموه (٢) . نشأة التسمية بأهل السنة والجماعة: إذا كان مذهب أهل السنة والجماعة هو ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإطلاق القول بنشأة أهل السنة كا يقال نشأة المعتزلة، الجهمية أو نشأة الرافضة؟ لا معنى له؟ لأنه واضح تمام الوضوح، ولذلك آثرنا أن يكون العنوان: نشأة التسمية بأهل السنة والجماعة كمصطلح عليهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب قديم، معروف، قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعا عند أهل السنة والجماعة فإنهم متفقون على أن إجماع الصحابة حجة، ومتنازعون في إجماع من بعدهم " (٣) . والمتتبع لنشأة التسمية بأهل السنة يلاحظ أنها ربطت بالإمام أحمد-﵀ وليس ذلك لأن الإمام أحمد هو الذي أنشأه، وإنما لأنه هو الإمام الذي امتحن فيه فصبر فصار إماما من أئمة أهل السنة يقول شيخ الاسلام ابن تيمية

стр. 39

بعد الكلام السابق: " وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشهر بإمامة السنة والصبر في المحنة، فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولا، بل لأن السنة التي كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة، فلما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل المئة الثالثة- عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق- ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى، وهو المذهب الذى ذهب إليه متأخرو الرافضة، وكانوا قد أدخلوا معهم من أدخلوه من ولاة الأمور، فلم يوافقهم أهل السنة حتى تهددوا نجعضهم بالقتل، وقيدوا بعضهم، وعاقبوهم، وأخذوهم بالرغبة والرهبة، وثبت الإمام أحمد على ذلك الأمر حتى حبسوه مدة، ثم طلبوا أصحابهم لمناظرته، فانقطعوا معه في المناظرة يوما بعد يوم ... [وذكر المحنة] ثم قال: " ثم صارت هذه الأمور سببا في البحث عن مسائل الصفات وما فيها من النصوص والأدلة والشبهات من جانبي المثبتة والنفاة، وصنف الناس في ذلك مصنفات، وأحمد وغيره من علماء السنة والحديث ما زالوا يعرفون فساد مذهب الروافض والخوارج والقدرية والجهمية والمرجئة، ولكن بسبب المحنة كثر الكلام، ورفع الله قدر هذا الإمام، فصار إماماً من أئمة السنة، وعلما من أعلامها، لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيا، ولهذا قال بعض شيوخ المغرب: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد، يعني أن مذاهب الأئمة في الأصول مذهب واحد، وهو كما قال " (١) . فمن هذا النص يتبين أن مذهب أهل السمنة والجماعة امتداد لما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، فإذا ما قام إمام من الأئمة في زمن البدع بالدعوة إلى العقت ة السليمة وإلى منهج أهل السنة، ومحاربة ما يخالفها فهذا الإمام لم يأت بجديد، وإنما جدد ما اندرس من مذهب أهل السنة وأحيا ما مات منه، وإلا فالعقيدة لم تتغير، فإذا ما نسب - في بعض الأزمان أو الأمكنة - مذهب

стр. 40

أهل السنة إلى عا لم من العلماء، أو مجدد من المجددين فلأنه دعا اليه لا لأنه ابتدعه أو اخترعه. ومما سبق يتبين أن طرح النشأة لمذهب أهل السنة ينبغي أن ينصب على التسمية، أما النشأة ذاتها فواضحة لأنها كانت مع مجيء الإسلام الذي وضح وكمل أتم كمال وأبينه في عهد الرسول ﷺ فمن جاء بعده إذا قيل عنه: إنه إمام أهل السنة- في زمنه أو بعد زمنهـ فلأنه دعا إلى الأصول الأولى لمذهب أهل السنة وجدد ما اندرس منها. وبدء التسمية مرتبط بنشأة الفرق؟ لأن من الطبيعي أن يتميز أهل السنة عن بقية أهل الأهواء من أهل الفرق الذين انحرفوا عن المنهج السوي والذين ابتدعوا أقوالا وآراء مخالفة لما كان عليه أهل الصدر الأول. والكلام حول بدء الفتنة ونشوء الفرق يطول، ولكن نشير إلى لمحات في هذا الأمر لنصل إلى حقيقة تميز أهل السنة عن غيرهم: ا- من المعلوم أن الفتنة وقعت في آخر عهد عثمان بن عفان- ﵁ وكان من آثارها استشهاده، ثم نشأت على أثر ذلك الفرق، وكان أول بدعة نشأت بدعة الخوارج والروافض، فالخوارج كفروا عليا- ﵁ وخرجوا عليه، والروافض ادعوا إمامته وعصمته، أو نبوته أو إلهيته. ثم بعد ذلك أخذت البدع تتوالى في الظهور ف-" لما كان في آخر عصر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة والقدرية، ثم لما كان في أول عصر التابعين- في أواخر الخلافة الأموية- حدثت بدعة الجهمية والمشبهة والممثلة، ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك " (١) ٢- كانت بدعتا الروافض والخوارج- من أول البدع ظهورا- كما سبق- وكانتا من المعالم الرئيسة في تميز أهل السنة والجماعة أو أهل الحديث:
следующие страницы →