← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

لا تعارض ذلك، وقوله "من أحصاها" المقصود به أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، وليس معناه أنه ليس له اسم إلا هذه، كما هو واضح (١) . وثانيهما: أن بعض الأشاعرة خالفوا جمهور السلف في بعض المسائل، ومن ذلك: ١- أن بعض الأشاعرة أطلقوا بعض الأسماء لله وإن لم يرد بها نص ولا إجماع، وذلك كاسم القديم، والذات وغيرها (٢) . وقد ناقش شيخ الإسلام هؤلاء ذاكرا الخلاف في ذلك فقال: إن المسلمين في أسماء الله تعالى على طريقتين: كثيير منهم يقول: إن أسماءه سمعية شرعية، فلا يسمى إلا بالأسماء التي جاءت بها الشريعة، فإن هذه عبادة، والعبادات مبناها على التوقف والاتباع. ومنهم من يقول: ما صح معناه في اللغة، وكان معناه ثابتا له لم يحرم تسميته به، فإن الشارع [لم (٣) ] ، يحرم علينا ذلك فيكون عفوا. والصواب القول الثالث: وهو أن يفرق بين أن يدعى بالأسماء، أو يخبر بها عنه؛ فإذا دعى لم يدع [إلا (٤) ] بالأسماء الحسنى كما قال تعالى: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ" [الأعراف: ١٨٠] ، وأما الإخبار عنه فهو بحسب الحاجة، فإذا احتيج في تفهيم الغير المراد

стр. 1017

إِلى أن يترجم أسماؤه بغير العربية، أو يعبر باسم له معنى صحيح لم يكن ذلك محرما" (١) ، ويقول في موضع آخر بعد ترجيح ما ذكره في القول الثالث قال: "وإما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك، فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: " ليس بشيء" فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التى ليس فيها ما يدل على المدح كقول القائل: يا شيء ... " (٢) . فهذا التفريق الدقيق الذي ذكره شيخ الإسلام بين الدعاء والإخبار هو الذي يفصل في الأمر، والمتكلمون إنما ذكروا بعض الأسماء التى لم ترد بسبب خوضهم في علوم الكلام واصطلاحات الفلاسفة فاضطروا إلى مجاراتهم حتى لا ينفوا عن الله ما هو ثابت له لأجل أنه اصطلاح حادث. ٢- من المسائل المشهورة في هذا الباب مسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، والمعروف أن الجهمية حرصوا على تقرير أن الاسم غر المسمى ليسلم لهم مذهبهم الفاسد القائل بخلق القرآن. فقابلهم البعض فقالوا: بل الاسم هو المسمى، حتى لا يقال: إن أسماء الله غير الله، وهذا قول بعض المنتسبين إلى السنة. وقد ذكر شيخ الإسلام عدة أقوال في هذه المسألة، وهي: ١) أن الاسم غير المسمى، وهذا قول الجهمية، الذين يقولون: إن أسماء الله غير الله، وما كان غير فهو مخلوق (٣) . ٢) التوقف والامساك عن إطلاق مثل هذه العبارات نفيا وإثباتا، وأن كلا من الإطلاقين بدعة، وقد ذكر هذا الخلال عن إبراهيم الحربي وغيره، وكما ذكره أبو جعفر الطبري في صريح السنة (٤) ، وعده من الحماقات.

стр. 1018

٣) أن الاسم هو المسمى، وهذا قول كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل أبي بكر عبد العزيز، وأبي القاسم الطبرى، واللالكائي (١) ، وأبي محمد البغوي في شرح السنة (٢) . وغيرهم. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري (٣) ، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره. ٤) والقول الثاني- وهو المشهور عن أبي الحسن الأشعري- أن الأسماء ثلاثة أقسام: تارة يكون الاسم هو المسمى، كاسم الموجود. وتارة يكون غير المسمى، كاسم الخالق. وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدوس (٤) . ٥) أن الاسم للمسمى، كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول لقوله تعالى: "وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" [الأعراف: ١٨٠] وقال: "أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" [الإسراء: ١١٠] . وهؤلاء إذا قيل لهم: هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ "فصلوا فقالوا: ليس هو نفس المسمى، ولكن يراد به المسمى، وإذا قيل: إنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا. فهذا باطل؟ فإن المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة منه، فكيف بالخالق، وأسماؤه من كلامه، وليس كلامه بائنا عنه، ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنا، مثل أن يسمى الرجل غيره باسم، أو يتكلم باسمه، فهذا الاسم نفسه ليس قائما بالمسمى، لكن المقصود به المسمى، فإن الاسم مقصوده اظهار المسمى وبيانه" (٥) .

стр. 1019

فالأشاعرة لهم قولان ضعيفان (١) وقد ناقشهما شيخ الإسلام وبين ضعفهما: ومن ردوده على من قال منهم: إن الاسم هو المسمى قوله: "قلت لو اقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات- كما ذكروه في قوله "يَا يَحْيَى" [مريم: ١٢] ونحو ذلك- لكان ذلك معنى واضحا، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك، ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم لما في قولهم من الأقوال الباطلة، مثل دعواهم أن لفظ اسم الذي هو (أ، س، م) معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء- التي هى الأسماء- مثل زيد وعمرو هى التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه ... وأيضا فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة؛ فإن أولئك ما قالوا الأسماء مخلوقة إلا لما قال هؤلاء هي المسميات. فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ، ولكن أرادوا به ما لم يسبقهم أحد إلى القول به من أن لفظ اسم وهو (ألف، سين، ميم) معناه إذا أطلق هو الذات المسماة، بل معنى هذا اللفظ هى الأقوال التي هى أسماء الأشياء، مثل زيد وعمرو، وعالم وجاهل، فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هى مسماة ... (٢) " إلى آخر مناقشته لهم. ثم ذكر أن أهل القول الثاني من الأشاعرة- الذي قسموا الأسماء إلى ثلاثة أقسام- " غلطوا من وجه آخر؛ فإنه إذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذي هو (ألف، سين، ميم) هو مسمى الأسماء فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه، ليس هو المخلوقات المنفصلة عنه، واسمه العليم هو الرب العليم، الذي العلم صفة له، فليس العلم هو المسمى، بل المسمى هو العليم، فكان الواجب أن يقال على أصلهم: الاسم هنا هو المسمى وصفته، وفي الخالق الاسم هو المسمى وفعله،

стр. 1020

ثم قولهم: ان الخلق هو المخلوق، وليس الخلق فعلا قائما بذاته، قول ضعيف، مخالف لقول جمهور المسلمين" (١) . وبهذا يتبين أن القول الخامس هو القول الراجح وأن الاسم للمسمى، وأنه لابد من الاستفصال عن المقصود لمن قال: الاسم هو المسمى أو غيره. ٣- يلاحط على كتب الأشاعرة التى شرحت أسماء الله تعالى أنها مع أنها تثبت هذه الأسماء وما دلت عليه من الصفات، إلا أنها عند تفصيل القول في هذه الصفات تشرحها بما يوافق معتقدها، فإذا كان الاسم دالا على صفة يؤولونها نفوا دلالة الاسم على هذا المعنى الذي ينفونه وإن كان موافقا لمذهب السلف، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أبرزها- مثلا- اسم تعالى: "العلى" فكل من شرح هذا الاسم من الأشاعرة المتأخرين فسروه بعلو الشرف والمكانة، وغير ها، ونفوا دلالته على إثبات علو الله على خلقه، ونصوا على نفي هذا المعنى عند شرحهم له (٢) . وقد ذكر شيخ الإسلام أن الكلام في تفسير أسماء الله وصفاته وكلامه فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه إلا الله (٣) . ولذلك فقد ناقش الأشاعرة في بعض الأسماء التى أولوها، ومن ذلك: أ- اسمه تعالى " النور" فقد أطال-﵀ في مناقشة الأشاعرة الذي نفوا هذا الاسم عن الله، وأولوه بأن المقصود الهادى، أو منور السموات أو غيرها، وبين أن اثبات هذا الاسم لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى نور هو مذهب السلف رحمهم الله تعالى. وقد كانت ردوده على من تأول هذا الاسم كالرازى (٤) وغيره كما في:

стр. 1021

١- أن أئمة السلف أثبتوا هذا الاسم لله تعالى، كالإمام أحمد، والدارمي، وابن خزيمة وغيرهم (١) . ٢- أن هذا هو قول الصفاتية كابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، وقد أيد شيخ الإسلام ذلك بنصوص من أقوال ابن كلاب (٢) ، والأشعري في الإبانة (٣) . ٣- أن الرازي اتبع في تأويله الجويني، والجويني هو الذي غير المذهب الأشعري وقربه من مذهب المعتزلة (٤) ، وقد فسر الجويني النور بالهادي (٥) . ٤- أن زعم هؤلاء أن تفسير النور بالهادي مروي عن ابن عباس رضى الله عنهما- جوابه من وجوهـ: - أنها من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وهي رواية ضعيفة معروفة بالانقطاع (٦) . - أن الثابت عن ابن عباس إثبات النور لله (٧) . - وما ورد عن ابن عباس- إن ثبت- فقد يكون رواية بالمعنى، أو ورد عنه، لكنه لم يكن يقصد نفي أن الله نور، وإنما قصد- كعادة السلف في تفسيرهم- ذكر بعض صفات المفسر من الأسماء، أو بعض أنواعه، فهو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد (٨) .

стр. 1022

٥- بل ذكر شيخ الإسلام أن إثبات أن الله نور هو قول قدماء الجهمية كالمريسي وغيرهـ الذي هو إمام الرازي في تأويلاتهـ ولذلك لما سألهم الإمام أحمد عن الله، قالوا: هو نور كله، يقول شيخ الإسلام: " إن كونه نورا أو تسميته نورا مما لم يكن ينازع فيه قدماء الجهمية وأئمتهم الذين ينكرون الصفات (١) "، ثم نقل كلام الإمام أحمد، ثم قال: فإذا "كان أئمة المؤسس وقدماء أهل مذهبه يقولون: إنه نور، فكيف يدعي الإجماع على خلاف ذلك" (٢) . ٦- كما رد على المؤولة بوجوه أخرى، وبأدلة من الكتاب والسنة (٢) . ب- اسمه تعالى " الصمد ": حيث أنكر الرازي (٤) التفسير المأثور عن السلف من أنه الذي لا جوف له، لأنهـ على زعمهـ صفة الأجسام الغليظة. ثم تأول هذا الاسم، وقد رد عليه شيخ الإسلام من نحو سبعة وثلاثين وجها، ناقلا أقوال السلف وأئمة التفسير في معنى هذا الاسم، كما انتقد تفسير بعض الأشاعرة للصمد بأنه الذي يصمد إليه في الحوائج، ونفيهم للمعنى الثاني الذي هو أشهر من هذا وهو أنه الذي لا جوف له، وذلك مثل الغزالي (٥) ، والخطابي (٦) ، والقشيري (٧) ، وغيرهم (٨) . ب-كما انتقد شيخ الإسلام ما ذكره الأصفهاني في عقيدته من تسمية الله ب- " مريد ومتكلم" (٩) ، كما رد على الباقلاني الذي نفي أن يكون من أسمائه

стр. 1023

الدليل (١) ، كما وافق الخطابي على أن الراجح في "الدهر": أنه ليس من أسماء الله، وإن كان في ذلك قولان مشهوران للحنابلة (٢) . هذا هو رأي شيخ الإسلام في مذهب الأشاعرة في أسماء الله تعالى، وقد بقيت مسألة مهمة وهى أن الأسماء التي سمى الله بها نفسه، وسمى عباده بها، هل هى من قبيل المشترك او المتواطىء؟ وسيتم بحثها- مع ما يماثلها من الصفات - ضمن مباحث الفقرة التالية- إن شاء اللهـ.

стр. 1024

ثانيا: الصفات التي أثبتها الأشاعرة: والمقصود بالصفات الصفات السبع التي أثبتها جميع الأشاعرة، متقدموهم ومتأخروهم، وهي: العلم، والقد رة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وهي الصفات التى يسمونها صفات المعاني أو الصفات المعنوية، ويجعلونها في مقابل الصفات النفسية- أو الذاتية- مثل كون الرب موجودا، وقائما بنفسه، وقديما عند بعضهم، ويضيفون إليها قسما ثالثا وهو الصفات الفعلية، وقد انتقد شيخ الإسلام هذا التقسيم عندهم (١) . وإثبات الأشاعرة لهذه الصفات- ولغيرها- جعلهم يدخلون ضمن دائرة الصفاتية المثبتة في الجملة، خلافا للجهمية والمعتزلة النفاة، ولكن مذهب الأشاعرة في الصفات الأخرى، كالصفات الاختيارية وغيرها أثر على تفاصيل أقوالهم في هذه الصفات السبع الني أثبتوها، ولذلك فقد كان لشيخ الإسلام بعض الملاحظات والردود، ويمكن إجمالها من خلال المسائل التالية:

стр. 1025

المسألة الأولى: طرق إثبات هذه الصفات: يوافق شيخ الإسلام متقدمي الأشعرية- كالأشعري والباقلاني وغيرهما- على إثبات هذه الصفات بالعقل (١) ، كما أنها ثابتة بالسمع، ومع ذلك فقد رد على الأشاعرة المتأخرين قي عدة أمور، منها: أحدها: جعلهم القول في الصفات من الأصول العقلية، خلافا للأشعري وأئمة أصحابه الذين يحتجون عليها بالسمع كا يحتجون بالعقل (٢) . الثاني: قول بعضهم "إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها، ويكفر تاركها، بخلاف ما ثبت بالسمع، فإنهم تارة ينفونه وتارة يتأولونه ويفوضون معناه، وتارة يثبتونه لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقا بالصفات العقلية، فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها، إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التى تثبت بالرسالة. وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر لا بمجرد الأدلة العقلية" (٣) ، وورى شيخ الإسلام أن قولهم إن أصول الدين هي التي تعرف بالعقل، ثم قولهم: إن المخالف لها كافر، مقدمتان باطلتان، والجمع بينهما تناقض لأن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن مخالفه كافر الكفر الشرعي، لأنه لم يرد في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا بالعقل فهو كافر (٤) . الثالث: تفريق بعض المتأخرين كالرازي والأصفهاني- صاحب العقيدة التي شرحها شيخ الإسلام- بين هذه الصفات السبع في طرق ثبوتها، حيث أثبتوا بعضها بالعقل، وبعضها بالسمع فقط، يقول شيخ الإسلام في شرح الأصفهانية: "لكن المصنف سلك في ذلك طريقة أبي عبد الله الرازي، فأثبت

стр. 1026

العلم والقدرة والارادة والحياة بالعقل، وأثبت السمع والبصر والكلام بالسمع، ولم يثبت شيئا من الصفات الخبرية. وأما من قبل هؤلاء كأبي المعالي الجويني وأمثاله، والقاضى أبي يعلى وأمثاله، فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل، كما كان يسلكه القاضي أبو بكر ومن قبله كأبي الحسن الأشعري وأبي العباس القلانسي ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب والحارث المحاسبي وغيرهما. وهكذا السلف والأئمة كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله، يثبتون هذه الصفات بالعقل كما ثبتت بالسمع وهذه الطريقة أعلى وأشرف من طريقة هؤلاء المتأخرين (١) "، ومنهج شيخ الإسلام أن كثيرا من الصفات- غير الصفات السبع- قد يعلم بالعقل، مثل الحب والرضا والغضب، والعلو والرؤية (٢) . ثم إن شيخ الإسلام مع موافقته للأشعرية في أن الصفات السبع يدل عليها العقل، كما قد دل عليها السمع، إلا أنه يرد عليهم منهجهم في إثبات هذه الصفات، حيث إنهم أثبتوها أولا لأن العقل دل عليها، ثم إنهم لما وجدوا أن السمع وافق العقل في هذا احتجوا به، وليس هذا هو منهج السلف الصالح- ﵏ الذي يقوم على الإقرار بما ورد في الكتاب والسنة وإن لم نعلمه بعقولنا، يقول شيخ الإسلام: " إن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم (٣) دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول- ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا. ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: "قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ" [الأنعام: ١٢٤] ، ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول، ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه لا يصدق به، بل يتأوله

стр. 1027

أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا" (١) . وهذا المنهج أثر على الأشاعرة في بقية الصفات التي دل عليها السمع ولكن عقولهم أو أصولهم العقلية خالفتها، فكانت النتيجة كما أشار شيخ الإسلام- النفي والإنكار، بالتأويل أو التفويض. ومن الأدلة المشهورة على إثبات هذه الصفات لله تعالى، أن هذه الصفات من صفات الكمال، والعقل دل على اتصاف الله بصفات الكمال، وعلى نفي أضداده من النقائص، ومن الأدلة أيضا: أن كل كمال ثبت للمخلوق- إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما- فالخالق أحق به، لأنه هو الذي خلقه (٢) . ومع وضوح هذا الاستدلال إلا أن بعض الأشاعرة- كالجويني والرازي والآمدي- قالوا في إثبات صفات الكمال لله ونفي النقائص: إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع (٣) ، وجعلوا الطريق الذي نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي مسمى الجسم، ونحو ذلك، يقول شيخ الإسلام عن هؤلاء إنهم: "خالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالأشعري، والقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية فى إثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحرى " (٤) .

стр. 1028

فهذا الدليل الذي ذكره شيخ الاسلام- وضعفه هؤلاء وأحالوا على السمع - هو الدليل المشهور بقياس الأولى الذي جاء به القرآن- وقد سبق شرحه (١) - ويبين شيخ الإسلام إن "كل كمال - لا نفص فيه بوجهـ ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين: أحدما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم، المحدث المربوب. الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه، فإذا كان هو مبدعا للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفا به" (٢) . والعجيب من هؤلاء الأشاعرة المتأخرين إذا جاء دليل العقل من منطق اليونان وفلاسفته، أو أئمة الجهمية، صدقوا به وأخضعوا له النصوص، وإذا جاء دليل العقل من الكتاب والسنة- بقياس الأولى وضرب الأمثال- قالوا لا حجة فيه، ثم أحالوا على أدلة أخرى من السمع وغيره؟. المسألة الثانية: الصفات السبع وحلول الحوادث: وهذه المسألة من أهم المسائل المتعلقة بالصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة، لأنها توضح جانبا مهما من جوانب دلالة هذه الصفات وقع فيه الأشاعرة بخطأ جسيم، نظرا لضلالهم في مسائل أخرى في باب الصفات مثل الصفات الاختيارية لله تعالى. وبيان ذلك أن الأشاعرة يقولون بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث.

стр. 1029

ثم إن الأشاعرة مع قولهم بهذا وتقريرهم له أثبتوا لله الصفات السبع، فوجدوا أن هذه الصفات- ما عدا صفة الحياة- يلزم من إثباتها حلول الحوادث بالله، لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات، ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى اليهم، وصلة هذه بالله تعالى يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى، لأن علم الله بالشيء بعد وجوده ليس هو نفس علمه قبل وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلا صار جهلا، وهكذا بقية الصفات. فالأشاعرة حلوا هذه المعضلة- بزعمهم- بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلا وأبدا، وقالوا إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط. وهؤلاء قد خالفوا المعقول والمنقول، لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعا، مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه. ونضرب أمثلة لمناقشات شيخ الإسلام لهؤلاء في هذه المسألة، في صفة العلم، والإرادة، والسمع والبصر، أما صفة الكلام وهي أوضحها في هذا الباب فسيأتي لها مبحث مستقل إن شاء الله. أ- صفة "العلم" (١) . يقول شيخ الإسلام موضحا الخلاف في علم الله وتعلقه بالمستقبل: "الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته، ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم،

стр. 1030

وهذا قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، وهو قول طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات، لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم، لا بين العلم والمعلوم. وقد تنازع الأولون: هل له علم واحد أو علوم متعددة؟ على قولين: والأول قول الأشعري وأكثر أصحابه، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، ونحو هؤلاء. والثاني قول أبي سهل الصعلوكي. والقول الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها، وهذا أصل قول القدرية الذين يقولون: لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف، لم يسبق القدر لا شقاوة ولا سعادة، وهم غلاة القدرية ... . والقول الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها، ويعلمها بعلم آخر حين وجودها" (١) . وهذا قول السلف، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر من الفلاسفة، وقول الرازي في المطالب العالية، وهو مخالف لما ينسب إلى الجهم الذي يقول بتجدد علم قبل الحدوث، والذي في القرآن أن التجدد يكون بعد الوجود (٢) . يقول شيخ الإسلام: "لا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهل يتجدد له علم آخر؟ أم علمه به معدوما هو علمه به موجودا؟ هذا فيه نزاع بين النظار" ثم قال عن القول الأول- وهو أنه يتجدد له علم آخر- "واذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشر مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف " (٣) .

стр. 1031

فقول الأشاعرة إنه لا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة هذا بناء على نفيهم لحلول الحوادث، لأنه يلزم من ذلك التغير في ذات الله، وقد ذكر شيخ الاسلام أن "التغير" من حجج الفلاسفة على نفي علم الله وأنهم قالوا: "العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأنه قد كان، فيلزم أن يكون محلا للحوادث" (١) . قال شيخ الإسلام: " وهم ليس لهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلا- لا بينة ولا شبهة- وإنما نفوه لنفيهم الصفات، لا لأمر يختص بذلك" ثم قال: " بخلاف من نفي ذلك [أي التغير] من الكلابية ونحوهم، فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا: لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث" (٢) ، ثم بين شيخ الاسلام أن الرازي والآمدي بينا فساد المقدمة الأولى- وهي أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها- وأن الفلاسفة وكثيرا من النظار منعوا المقدمة الثانية المبنية على منع حوادث لا أول لها، وقالوا إن القديم تحله الحوادث، وجوزوا حوادث لا أول لها (٣) . أما شبهة التغير في مسألة العلم- التي جاء بها الفلاسفة- المبنية على المقدمتين السابقتين: ما قامت به الحوادث لم يخل منها- وما لم يخل من الحوادث فهو حادث- فللنظار في جوابها طريقان: أحدهما: منع المقدمة الأولى بالنسبة للعلم وأنه لا يلزم منه حلول الحوادث، وهذا قول الأشاعرة الذين قالوا: "إن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان، وأن المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم، لا أمر ثبوثي" (٤) .

стр. 1032

والثاني: منع المقدمة الثانية، وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهؤلاء قالوا: "لا محذور في هذا، وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون، فإن هذا يستلزم أنه لم يكن عالما، وأنه أحدث بلا علم، وهذا قول باطل" (١) ، وهذا قول هشام بن الحكم وابن كرام والرازي وطوائف غير هؤلاء. ومما سبق يتبين حقيقة الخلاف، وعلاقته بمسألة حلول الحوادث التي جعل الأشاعرة منعها أحد أصولهم التي لا يتنازلون عنها، ومما سبق أيضا يتبين المذهب الحق في ذلك، وأن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده مع علمه السابق به قبل وجوده، وأن علمه الثاني والأول ليس واحدا، وهذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: "وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ" [البقرة: ١٤٣] وقوله: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" [آل عمران: ١٤٢] ، وقوله: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ" [آل عمران: ١٤٠] ، وقوله: "وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ"- إلى قولهـ "وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ٣-١١] وقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" [محمد: ٣١] ، وغيرها. يقول شيخ الإسلام حول هذه الآيات: "وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله: "إلَّا لِنَعْلَمَ" و "حَتَّى نَعْلَمَ"، يتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون، وهذا جهل؛ فإن القرآن قد أخبر بأنه يعلم ما سيكون في غر موضع، بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها، وكتب ذلك قبل أن يخلقها، فقد علم ما سيخلفه علما مفصلا، وكتب ذلك،

стр. 1033

وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون، وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوه، ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون، فهذا هو الكمال، وبذلك جاء القرآن في غير موضع، بل وإثبات رؤية الرب له بعد وجوده، كما قال تعالى: "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ" [التوبة: ١٠٥] ، فأخبر أنه سيرى أعمالهم ... " (١) . ثم ذكر شيخ الإسلام أقوال المفسرين في قوله "إِلَّا لِنَعْلَمَ" [البقرة: ١٤٣] فقال: " وروى عن ابن عباس في قوله: "إِلَّا لِنَعْلَمَ" أي لنرى، وروى لنميز وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودا واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون (٢) ، ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب، قال فمعنى قوله "إِلَّا لِنَعْلَمَ" أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب، ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد، وهذا كقوله: "قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ" [يونس: ١٨] ، أي بما لم يوجد، فإنه لو وجد لعلمه، فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان، يلزم من ثبوث أحدهما ثبرقه الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه" (٣) . فالعقل والقرآن يدلان على أن علمه تعالى بالشيء بعد فعله قدر زائد عن العلم الأول (٤) . وتسمية ذلك تغيرا أو حلولا لا يمنع من القول به ما دام دالا على الكمال لله تعالى من غير نقص، وما دامت أدلة الكتابه والسنة تعضده.

стр. 1034

ب- صفة الأرادة (١) : ساق شيخ الإسلام الخلاف في الإرادة للشيء وفعله، في مثل قوله تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" [يونس: ٨٢] ، وقوله: "فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا" [الكهف: ٨٢] وقوله: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" [الإسراء: ١٦] وقوله: "وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ" [يونس: ١٠٧] فقال: "وهو سبحانه إذا أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال: قيل: الإرادة قديمة أزلية واحدة، وإنما يتجدد تعلقها بالمراد، ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص، فهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما ... . والقول الثاني: قول من يقول بإرادة واحدة قديمة، مثل هؤلاء، لكن يقول تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة، كما تقوله الكرامية وغيرهم ... . والقول الثالث: قول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به، ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة، أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل، أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين ... . والقول الرابع: أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشىء المعين فإنما يريده في وقته، وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله، وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله، فالأول عزم، والثاني قصد" (٢) .

стр. 1035

وفي موضع آخر يذكر الخلاف في المشيئة والإرادة هل هي قديمة أو حادثة ويذكر أن للصفاتية في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ليست إلا قديمة، وهو قول ابن كلاب والأشعري وأتباعهما. الثاني: أنها حادثة. الثالث: أنها قديمة وحادثة، وهو قول طوائف من الكرامية وأهل الحديث والصوفية وغيرهم، وهؤلاء يقولون: إن الله متكلم في الأزل، وأنه يتكلم إذا شاء، كما صرح بذلك الأئمة كأحمد وغيره (١) . فالأشاعرة والكلابية جعلوا الإرادة واحدة قديمة، وإنما يتجدد تعلقها - بالمراد، ويشبه هذا مذهبهم في الخلق حين قالوا الفعل هو المفعول، حتى لا يقولوا بحلول الحوادث. وقد رد شيخ الإسلام على الأشاعرة في قولهم السابق فقال: " وكثير من العقلاء يقول: ان هذا فساده معلوم بالاضطرار، حتى قال أبو البركات: ليس في العقلاء من قال بهذا، وما عَلِمَ أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام. وبطلانه من جهات: من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك، ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها، ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص، بل تجددت نسبة عدمية، ليست وجودا، وهذا ليس بشيء. فلم يتجدد شيء، فصارت الحوادث تحدث وتتخصص بلا سبب حادث ولا مخصص " (٢) . فالأشاعرة جعلوا الإرادة واحدة، كا جعلوا العلم واحدا، حتى لا يقولوا بتجدد العلم والإرادة (٣) . ولاشك أن مشكلة الأشاعرة هنا مرتبطة بمذهبهم

стр. 1036

الأصلي في مسألة الصفات الاختيارية التي تقوم بالله، وهم لما التزموا نفي ذلك في صفات الفعل كالاستواء والمجيء والغضب والرضا وغيرها، أثر ذلك في إثباتهم لهذه الصفات السبع. بقي في مسألة الارادة أن شيخ الاسلام في شرحه لمذهب أهل السنة في الإرادة لما ذكر الفرق بين الإرادة القدرية الشاملة السابقة، وإرادة فعل الشيء في وقته ذكر العزم والقصد، ثم ذكر أن هناك خلافا في العزم، هل يوصف الله به على قولين: أحدهما: المنع، كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى. والثاني: الجواز. ثم قال عن الثاني "وهو أصح، فقد قرأ جماعة من السلف: "فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ" [آل عمران: ١٥٩] بالضم (١) ، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة "ثم عزم الله لي" (٢) ، كذلك في خطبة مسلم: " فعزم لي" (٣) ، وسواء سمى عزما أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها

стр. 1037

في وقتها، وأراد أن يفعلها في وقتها، فإذا جاء الوقت فلابد من إرادة الفعل المعين، ونفس الفعل ولابد من علمه بما يفعله" (١) . ج-- صفة السمع والبصر (٢) : أشار شيخ الإسلام إلى الخلاف فيهما فقال: "وأما السمع والبصر والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين (٣) . والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب وأتباعه والأشعري، والقول يتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة كالكرامية وطوائف سواهم، والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية، كأبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي، والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد، وفي أصحابه من قال بالأول، ومنهم من قال بالثاني، والسالمية تنتسب إليه " (٤) . وقد شرح شيخ الإسلام المذهب الحق في ذلك فقال: " وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه، وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم، كما قال تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: ١] أي تشتكي إليه

стр. 1038

وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام- بينها وبين الرسول، قالت عائشة: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي ﷺ في جانب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: ١] (١) . وقال تعالى لموسى وهارون: "لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى" [طه: ٤٦] وقال: "أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" [الزخرف: ٨٠] " (٢) . فالله تعالى إذا خلق العباد فعلموا وقالوا، فلابد من القول أنه تعالى يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، ونفى ذلك تعطل لهاتين الصفتين، وتكذيب لنصوص القرآن (٣) . خاصة وأن فهم هؤلاء الأشاعرة لصفة السمع والبصر ليس هو فهم السلف- الذي يقولون إنه يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر- بل يفسرونهما بمجرد الإدراك فقط. وقد بين شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة أن بعض أئمتهم كالرازي اعترفوا بأنه لا مانع من التزام القول بحلول الحوادث هنا، وهذا نموذج لمنهج شيخ الإسلام العام في رده على الأشاعرة حين يذكر ردود بعضهم على بعض - وقد سبق تفصيل ذلك في منهجه العام في رده عليهم-.

стр. 1039

فإن شيخ الإسلام وهو يرد على الجويني في مسألة حلول الحوادث (١) ، ألزمه ذلك في مسألة السمع والبصر فقال: "ما ذكره [أي الجويني] أن المعتزلة قصدهم من طرد الدليل في هذه المسألة [أي مسألة حلول الحوادث] أنه إذا لم يمتنع تجدد احكام للذات من غير أن يدل على الحدوث، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات" (٢) - قال ابن تيمية- يلزمه مثل ذلك في تجدد حكم السمع والبصر، فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم، وإما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحالة قبل وجودها في السمع والبصر، أو لا يكون. فإن كان حاله قبل كحاله بعد، وهو قبل لم يكن يسمع شيئا ولا يراه فكذلك بعد، لاستواء الحالين، فإن قيل: إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل، فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث، ولا حيلة في ذلك، ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء" (٣) . وقول ابن تيمية هنا في "العلم" ليس رجوعا عن قوله السابق: إن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده، مع علمه السابق- كما سبق بيانه في صفة العلم- وإنما قصد هنا أن مسألة السمع والبصر أكثر وضوحا من مسألة العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموع والمبصر من الموجودات، فلو احتج محتج على جواز تعلقهما بالمعدوم حتى لا يقال عند وجود المبصر والمسموع إنه تعالى حلت به الحوادث- على صفة العلم لم تقبل حجته، لأن العلم يجوز أن يتعلق بالمعدوم قبل وجوده ففارق السمع والبصر في ذلك، فابن تيمية قطع الاحتجاج بالعلم أولا، مع أن التحقيق في مسألة العلم أنه لو احتج بها لم يكن له بها حجة، لأن القول بأن علمه تعالى بالشيء

стр. 1040

بعد وجوده هو نفس علمه به قيل وجوده قول غير صحيح، والدليل على ما قصده ابن تيمية أن الرازي في غالب كتبه سار على طريقة الأشاعرة في أن علم الله واحد لا يتغير مع وجود المعلوم (١) ، إلا أنه في صفة السمع والبصر لم يحتج بالعلم، بل اعترف بضعف جواب المعترضين وقال: إن قول الكرامية بحلول الحوادث ليس محالا. وذلك أن شيخ الإسلام قال بعد الكلام السابق: "وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبد الله الرازي والتزم قول الكرامية، بعد أن أجاب بجواب ليس بذاك؛ فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديما لأن الإدراك لابد له من متعلق، وهو لا يتعلق بالمعدوم، فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده، إذ هم لا يثبتون أمرا في ذات الله به يسمع ويبصر، بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم، ويمتنع أن يكون حادثا لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث، ويلزم أن يتغير وكلاهما محال، وقال- أي الرازي- في الجواب (٢) : "لم لا يجوز أن يكون الله سميعا بصيرا بسمع قديم وبصر قديم، ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما، قال: وهذا هو المعنّي بقول أصحابنا في السمع والبصر: إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض له، فإن قال قائل: فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان (٣) ، فهذا هو تقرير المذهب، ثم [لئن (٤) ] سلمنا فساد

стр. 1041

هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثا في ذاته على ما هو مذهب الكرامية. وقوله: يلزم أن يكون محلا للحوادث، قلنا: إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها (١) فهذا هو المذهب، فلم قلتم: إنه محال، وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه، وهذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغير في ذات الله. قال شيخ الإسلام معلقا على قول الرازي هذا: " قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك أن قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه ... عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعا مبصرا لما لم يكن قبل ذلك سامعا له مبصرا، أم لا يكون، فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأي ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي، قائم بذات السامع والرائي، وأنه ليس أمرا عدميا، ولا واسطة بين الوجود والعدم" (٢) . فالأشاعرة فسروا السمع والبصر بالإدراك، ثم جعلوه ثابتا في العدم، ثم قالوا إنه لا يتعلق إلا بالموجود، وجعلوا تعلقه بالموجود عدماً محضاً، وهذه أقوال فاسدة (٣) . ولاشك أن اعتراف الرازي مهم جدا لأنه بين إلى أي حد كانت قناعة الأشاعرة بمنهجهم في إثباتهم لهذه الصفات. هذا هو مذهب الأشاعرة فيما أثبتوه من الصفات، ومنه يتبين أثر مذهبهم فيما نفوه منها على ما أثبتوه، إضافة إلى وجود التناقض أحيانا في أقوالهم، كاستدلالهم على صفة العلم بالإحكام والإتقان، مع أنهم ينكرون الحكمة والتعليل في أفعال الله (٤) .

стр. 1042

المسألة الثالثة: مثبتة الأحوال من الأشاعرة: سبق تعريف الأحوال، ومن قال به من الأشاعرة كالباقلاني (١) ، والجويني (٢) ، الذي أثبتها أولا، ثم كان آخر أمره نفيها، ومذهب جمهور الأشاعرة إثبات الصفات ونفي الأحوال. وقد أوضح شيخ الإسلام علاقة الأحوال بالصفات، والمذاهب في ذلك فقال: " في مسائل الصفات ثلائة أمور: (أحدها) : الخبر عنه بأنه حي، عليم، قدير، فهذا متفق على إثباته، وهذا يسمى الحكم. (والثاني) : أن هذه معان قائمة بذاته، وهذا أيضا أثبته مثبتة الصفات، السلف والأئمة، والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف. (والثالث) : الأحوال، وهو العالمية والقادرية، وهذه قد تنازع فيها مثبتو الصفات ونفاتها: - فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال دون الصفات. - والقاضي أبو بكر وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات. - وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال والصفات. - وأما جماهير أهل السنة فيثبتون الصفات دون الأحوال " (٣) . والفرق بين مثبتة الأحوال ونفاتها ممن يثبت الصفات، أن القائلين بالأحوال يقولون: إن له علما، وعالمية، وعالميته معنى زائد على علمه، فصفة العلم

стр. 1043

أوجبت كونه عالما، وكونه عالما حال معللة بالعلم، فعند هؤلاء أن ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال، وإثبات الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، ولذلك فهم يثبتون ذاتا توجب أن يكون عالما ولولاها لما كان عالما، فهذه الأحوال زائدة في الخارج على الصفات. أما منكرو الأحوال من مثبتة الصفات فإنهم يقولون: معنى العلم هو معنى العالم، فعلمه هو كونه عالما، وقدرته هو كونه قادرا، ليس هناك أمران ولا علة ولا معلول، ولا يثبتون ذاتا أوجبت كونه عالما (١) . ولا شك أن أكبر دليل على ضعف قول هؤلاء الذين يثبتون الأحوال هو صعوبة فهم هذه الحال التي قالوا بها، وحينما يقولون: العالمية حال معللة بالعلم، فيجعلون العلم يوجبه حال آخر ليس هو العلم، بل هو كونه عالما (٢) ، فهذا يصعب فهمه، ولذلك قيل: إن من الأشياء التي لا حقيقة لها أحوال أبي هاشم. ولذلك كان مذهب الأشعري نفسه ومحققي الأشاعرة هو نفي الأحوال، وإليه رجع الجويني في آخر عمره (٣) . وشيخ الإسلام لم يعر هذه المسألة كبير اهتمام، ولعل سبب ذلك والله أعلم؛ قلة القائلين بها ومخالفة الجمهور لهم، إضافة إلى تهافت قول أصحابها، ومع ذلك فقد عرض لها من ناحيتين: الأولى: أن بعض (٤) القائلين بها من الصفاتية قد تابعوا أبا هاشم الجبائي في قوله إن الحال لاموجودة ولامعدومة (٥) ، ولاشك أن هذا قول مخالف

стр. 1044

لبداهة العقل، لأن سلب النقيضين- كجمعهما- ممتنع. الثانية: أن القائلين بقدم العالم من الفلاسفة، الذين يوجبون مقارنة العلة للمعلول، فيقولون: إن المعلول- الذي هو المخلوقات- مقارن للعلة- وهي اللهـ فيكون أزليا معه، لما قيل لهم: إن هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل، لأن إلمفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان، فأجابوا بأن هذا ممكن، وأن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما، ومثلوا لذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم الذي فيها، وتقدم الشمس على الشعاع، ثم إنهم احتجوا على جواز ذلك بما يقوله مثبتو الأحوال، حيث إنهم يقولون: العلم علة كون العالم عالما، فكأنهم ألقوا كون العلة والمعلول متلازمين مقترنين، فلا يستنكر هذا هنا. وقد رد شيخ الإسلام على الفلاسفة في قولهم: إن المعلول يقارن علته في الزمان، وبين خطأهم، وخطأ الفقهاء الذين تابعوهم في ذلك (١) ، ثم قال عن احتجاجهم بقوك أهل الأحوال: " وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها، كالعلم والعالمية، فجوابه أنه عند جاهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول، بل العلم هو العالمية، وهذا مذهب جمهور نظار أهل السنة والبدعة، وهي نفي الأحوال، فلا علة ولا معلول، وإن جعلت المعلول الحكم بكونه عالما، والخبر عنه بكونه عالما، فهذا قد يتأخر عن العلم، وعلى قول من أثبت الحال هو يقول: إنها ليست موجودة ولا معدومة، فليست نظير المعلولات الوجودية. وأيضا فهؤلاء يقولون: إن العالم [ليس فاعل العالمية (٢) ] ولا هو جاعل العالمية، ولا هذا عنده من باب تأثير الوجود والأسباب والعلل، فإن كونه عالما لازم للعلم بما يلزم العلم أنه عالم، ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت، ولا كون الأكل سببا للشبع، من الأسباب التي خلقها الله ... " (٣) .

стр. 1045

فبين شيخ الإسلام أن قول مثبتة الأحوال لا حجة فيه للفلاسفة على قولهم بقدم العالم، وإن كان قولهم في ذاته باطلا. المسألة الرابعة: أسماء الله وصفاته التي تسمى واتصف بمثلها المخلوقون هل هي من قبيل المشترك أو المتواطئ أو المشكك؟ هذه المسألة متعلقة بالأسماء والصفات، وقد سبق في مبحث الأسماء الاحالة على بحثها هنا، ومن المعلوم أن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى عباده بأسماء مختصة بهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، كما وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات مختصة بهم، توافق تلك الصفات إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، وليست صفات الله كصفات الخلق ولا أسماؤه كأسمائهم. ومن الأمثلة على ذلك أن الله سمى حيا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥) ، وسمى بعض عباده حيا فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ (الروم: من الآية١٩) ، وليس هذا الحي مثل هذا الحي، وسمى نفسه سميعاً بصيراً فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء: من الآية٥٨) ، وسمى بعض خلقه سميعا بصيرا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (الانسان: ٢) . وليس السمعي كالسميع ولا البصير كالبصير، وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوس﴾ (الحشر: من الآية٢٣) وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ (يوسف: من الآية٥٠) . وكذلك سمى صفاته أسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال في صفة العلم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (البقرة: من الآية٢٥٥) . وقال عن المخلوق: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم﴾ (غافر: من الآية٨٣) . وليس العلم كالعلم، وكذلك وصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: من الآية ٢٨-٢٩) .

стр. 1046

وكذلك وصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ (المائدة: من الآية٥٤) ، ووصف نفسه بالمناداة فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ (مريم: من الآية٥٢) ووصف عبده بالمناداة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الحجرات:٤) ، ووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (النساء: من الآية١٦٤) ، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف:٥٤) ، وغيرها كثير (١) . فهل إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله وعلى المخلوق هو من باب المشترك اللفظي (٢) ، أو باب المتواطئ (٣) أو المشكك؟ (٤) . والفرق بين المشترك اللفظي والمتواطئ أو المشكك كبير جدا، لأن معنى المشترك اللفظي أن اللفظ واحد ولكن المعاني والمدلولات التي يصدق عليها هذا

стр. 1047

اللفظ متباينة لا يجمع بينها معى مشترك، فاللعين تطلق على الباصرة وعلى الذهب وعلى الجارية وليس بين هذه الأمور أي معنى يجمعها سوى لفظ "عين" الذي يطلق على كل منها، وكذل المشتري يطلق على مشتري السلعة، ويطلق على الكوكب المسمى بالمشتري، وليس بينهما أي معنى مشترك سوى أن لفظ "المشتري" جمع بينهما لفظا. فإذا قيل: الله سميع، والمخلوق سميع، والمخلوق سميع، فهل السميع هنا من باب المشترك اللفظي؟ ونحن إذا فهمنا معنى السميع بالنسبة للمخلوق فهل يقول قائل: إن السميع بالنسبة لله قد يكون له معنى آخر بعيد جداً، كالبعد الذي بين الكوكب والمبتاع للسلعة.؟، لا شك أن هذا القول يؤدي إلى تعطيل أسماء الله وصفاته عن معانيها اللائقة به تعالى. أما المتواطئ فهو معنى كلي على أعيان متعددة، كالإنسان، فهو معنى كلي يدل على جميع بني الإنسان بالسوية، فيصدق على زيد وعمرو ومحمد وأحمد من الناس، لكن هذا المعنى الكلي الذي يجمعهم لا يعني أن حقيقة زيد هو حقيقة عمرو، بل كل له حقيقته الخاصة وإن كان يجمعهم معنى "الإنسان". والمشكك جزء من التواطؤ العام، لأنه يدل على أشياء متعددة لأمر عام مشترك بين أفرادها، لكنه في بعضها أقوى أو أشد. وقد بين شيخ الإسلام أن هذا التوافق بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم لا يجوز أن يكون من باب المشترك اللفظي، بل هو من باب المتواطئ أو المشك، لأن هناك معنى كليا يفهم من مطلق صفة السمع أو البصر أو الحياة أو الوجود، وإن كان سمع الله وبصره وحياته ووجوده، يخصه لا يشاركه فيه أحد من الخلق، كما أن سمع المخلوق وبصره وحياته ووجوده يخصه. ومع تجويز شيخ الإسلام أن تكون من باب المتواطئ أو المشكك، إلا أنه يتعمق في ذكر الفرق بينهما، ولذلك فهو يرى أن القول بأ، هـ من المتواطئ واضح في هذا الباب، وأ، القول بأن المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، لا مانع منه ما دامت حقيقة كل قسم تخصه لا يشركه فيه غيره، وأما الذي ظنه بعض الناس من أنه يخلص من هذا الاشتراك

стр. 1048

يجعل لفظ "الوجود" أو غيره من باب المشكك، لكون واجب الوجود أكمل، كما يقال في لفظ السواد المقول على سواد القار وسواد الحدقة، ولفظ البياض المقول على بياض الثلج وبياض العاج فإن شيخ الإسلام يجيب عن هذا بقوله: "ولا ريب أ، المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك: وتخصيص هذا القسم بلفظ المشكك أمر اصطلاحي، ولهذا كان من الناس من قال: هو نوع من المتواطئ؛ لأن واضح اللغة لم يضع اللفظ العام بإزاء التفاوت الحاضل لأحدهما، بل بإزاء القدر المشترك"، ثم يقول شيخ الإسلام: "وبالجملة، فالنزاع في هذا لفظي، فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذا جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين عاما وخاصا زال اللبس" (١) . والقول بأن هذا التوافق ليس من قبيل المشترك اللفظي هو قول جماهير المسلمين، يقول شيخ الإسلام: "إن مذهب عامة الناس، بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم، أن الوجود [ليس (٢) ] مقولا بالاشتراك اللفظي فقط، وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها، وقد يكون لخلقه اسم كذلك، مثل الحي والعليم والقدير؛ فإن هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط، بل بالتوطئ، وهي أيضا مشككة؛ فإن معانيها في حق الله تعالى أولى، وهي حقيقة فيهما، ومع ذلك فلا يقولون: إن ما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمى بها مثل ما يستحقه غيره، ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مماثلاً لخلقه، ولا يقولون أيضاً إن له أو لغيره في الخارج وجودا غير حقيقتهم الموجودة في الخارج؛ بل اللفظ يدل على قدر مشترك [إذا (٣) ] أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدها" (٤) ، ثم بين أن هذا لا يستعمل في أسماء الله فقط

стр. 1049

ولا في اللغة أيضاً، وإنما يذكر في مواضع تجرد عن الخصائص لأجل المناظرة فيقدر الأمر تقديراً (١) . ومع أن هذا هو قول جماهير الصفاتية وغيرهم إلا أن بعض من خاض في الفلسفة والمنطق كالرازي والآمدى والشهرستاني ظنوا - في بعض أقوالهم - أنه يجب أ، يكون ما بين أسماء الله وأسماء المخلوقين من توافق مقولا بالاشتراك اللفظين وقد بين شيخ الإسلام أن الذي دفعهم إلى هذا القول شبهتان: إحداهما: شبهة الوقوع في التشبيه والتركيب. والثانية: ظن ثبوت الكليات المشتركة في الخارج. أما الشبهة الأولى فيقول شيخ الإسلام: إن كثيرا من الناس "تنازعوا في الأسماء التي تسمى الله بها وتسمى بها عباده كالموجود والحي والعليم والقدير، فقال بعضهم: هي مقولة بالاشتراك اللفظي حذرا من إثبات قدر مشترك بينهما، لأنهما إذا اشتركا في مسمى الوجود لزم أن يمتاز الواجب عن الممكن بشيء آخر فيكون مركبا، وهذا قول بعض المتأخرين كالشهر ستاني والرازي في أحد قوليهما، وكالآمدى مع توقفه أحياناً" (٢) ، ثم رد على الرازي والآمدى حين ظنا أن الأشعري وغيره ممن ينفي الأحوال ويقول إن وجود كل شيء عين حقيقته - يقولون بهذا القول وأنها مقولة بالاشتراك اللفظي، وزعما أن هذا لازم لهم، لأنهم لو قالوا هي متواطئ لكان بينهما قدر مشترك، فيمتاز أحدهما عن الآخر بخصوص حقيقته، والمشترك ليس هو المميز، فلا يكون الوجود المشترك هو الحقيقة المميزة. وبين أن هذا غلط عليهم (٣) . هذه شبهة التركيب، أما شبهة التشبيه فإنهم قالوا: إذا قلنا موجود وموجود، وحي وحي، لزم التشبيه (٤) .

стр. 1050

وأما الشبهة الثانية: فبسببها غلط الرازي وغيره "فإنه ظن أنه إذا كان هذا موجودا وهذا موجودا، والوجود شامل لهما، كان بينهما وجود مشترك كلي في الخارج، فلا بد من مميز يميز هذا عن هذا، والمميز إنما هو الحقيقة فيجب أن يكون هناك وجود مشترك وحقيقة مميزة" (١) . وهذه مبنية على مسألة طالما غلط فيها أهل المنطلق والفلسفة وأتباعهم، وهي مسألة الكليات المطلقة التي تكون في الأذهان، وتوهمهم أنها قد تكون موجود في الأعيان. فبهاتين الشبهتين: شبهة التشبيه، وشبهة الكليات الذهنية قال بعض هؤلاء الأشاعرة: إن الوجود وغيره إذا أطلق على الخالق والمخلوق كان من قبيل المشترك اللفظي. وقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه أهمها: ١- أن القول الذي يقول به جماهير الناس: جمهور المعتزلة، والمتكلمة الصفاتية من الأشعرية والكرامية والسالمية، واتباع الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، والصوفية، أن هذه الأسماء حقيقة للخالق تعالى، وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة. وأما الأقوال الأخرى فهي باطلة: مثل قول من يقول: إنها حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق، وهو قول أبي العباس الناشئ. ومثل قول من يقول بالعكس، أي أنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، كما هو قول غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى بل ويقولونك إن الله ليس بحي ولا عالم ولا جاهل (٢) ...

стр. 1051

والصواب أنها حقيقة فيهما، ولا معنى لهذا القول إلا بإثبات المعنى المشترك في كل اسم أو صفة، ثم إن وجود الخالق يخصه ووجود المخلوق يخصه، وهكذا بقية الصفات، وكل من قال بالمشتري اللفظي فقد جانب قول أهل الحق، ولزمه أن يقول بواحد من تلك الأقوال الفاسدة. ٢- أ، لك موجودين فلا بد بينهما من قدر مشترك وقدر مميز، وهذه مسألة التشبيه والتمثيل، وقد سبق تفصيل القول فيها، مع بيان اعتراف الأشاعرة، بل وتقريرهم أن إثبات الصفات لله كالوجود والسمع والبصر والحياة وغيرها، لا يقتضي أن يكون الله مشابها لخلقه (١) . ٣- أن هؤلاء الذين يقولون بالمشترك اللفظي متناقضون، لأنهم مع قولهم إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي إلا أنهم يجعلونه "ينقسم إلى واجب وممكن، أو قديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة كلفظ سهيل المقول (٢) على "سهيل" الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو، فإن تلك لا يقال فيها: إن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: إن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى، وعلى هذا المعنى، وهذا أمر لغوي لا تقسيم عقلي، وهناك [أي في المتوطئ] تقسيم عقلي: تقسيم المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام" (٣) . وتناقضهم في هذا واضح جداً لأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة إن لم يكن المعنى مشتركاً (٤) . ٤- أنه لو لم تكن هذه الأسماء متواطئة لأدى ذلك إلى عدم فهم المعاني المرادة في كل سياق لأنه إذا قيل: إنها من باب المشترك اللفظي، كان ورود هذا الاسم في موضع له معنى. فإذا ورد في موضع آخر وأراد به المعنى الآخر

стр. 1052

- الذي يختلف عن الأول تماما - فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه (١) ، فإذا قيل المخلوق موجودا، ثم قيل والله تعالى موجود، فالقول أن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي يقتضي أن معنى الوجود في العبارة الثانية له معنى آخر بعيد عن مدلول اللفظ الأول، ولا بد من دليل يدل على المعنى المقصود منه، وهذا لو طبق يؤدي إلى تخبط عجيب في فهم مدلول الألفاظ والعبارات. ٥- أن القول بالاشتراك اللفظي يؤدي إلى موافقة الملاحدة والقرامطة، "فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكاً لفظيا، لم يفهم منها شيء إذا سمى بها الله، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي بها الله، لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ليس هو المراد إذا سمي بها الله. ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمى لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى أولا، ثم يعلم أن اللفظ دال عليه، فإذا كان اللفظ مشتركا فالمعنى الذي وضع له في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه، فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى أصلا، ولا يكون فرق بين قولنا: حي، وبين قولنا: ميت، ولا بين قولنا: موجود، وبين قولنا: معدوم، ولا بين قولنا: عليم، وبين قولنا: جهول، أو "ديز" أو "كجز" بل يكون بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها، أو ألفاظ مهملة لا تدل على معنا كديز وكجز ونحو ذلك. ومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا، فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا بالشرع، وإنما يمنعون أن نفهم معنى" (٢) . وهذا هو لب المسألة، لأن القول بالمشترك اللفظي يؤدي إلى اعتقاده أن هذه الأسماء أو الصفات بالنسبة لله تعالى لها معان أخرى بعيدة عن المعاني التي دلت عليها هذه النصوص التي وردت بها، "وإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئاً أصلا، إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا

стр. 1053

ما يخص ذاته، فلم يعرفوا شيئاً" (١) ، وهذا هو الإلحاد في أسمائه وآياته. ٦- والذين قالوا بالمشترك اللفظي طبقوه أو التزموه في لفظ الوجود بالنسبة لله وبالنسبة للمخلوق، فقالوا: يشتركان في الوجود، ويمتاز أحدهما عن الآخر بحقيقته. وهنا يجيبهم شيخ الإسلام بأن القول في الحقيقة كالقول في الوجود، "فإن هذا له حقيقة، وهذا له حقيقة، كما أن لهذا وجودا ولهذا وجودا، وأحدهما يمتاز عن الآخر بوجوده المختص به، كما هو ممتاز عنه بحقيقته التي تختص به. فقول القائل: إنهما يشتركان في مسمى الوجود، ويمتاز كل واحد منهما بحقيقته التي تخصه كما لو قيل: هما مشتركان في مسمى الحقيقة ويمتاز كل منهما بوجوده الذي يخصه. وإنما وقع الغلط لأنه أخذ الوجود مطلقاً لا مختصا، وأخذت الحقيقة مختصة لا مطلقة، ومن المعلوم أن كلا منهما يمكن أن يوجد مطلقاً، ويمكن أن يوجد مختصا، فإذا أخذا مطلقين تساويا في العموم، وإذا أخذا مختصين تساويا في الخصوص، وأما أخذ أحدهما عاما والآخر مختصا فليس هذا بأولى من العكس" (٢) . وهذا المنهج الإلزامي الدقيق كثيرا ما يستخدمه شيخ الإسلام، ومن ذلك قوله في مسألة الصفات التي أولها الأشاعرة، مثل صفة المحبة التي أولوها بإرادة الإنعام، لأنهم قالوا: إن المحبة ميل القلب إلى المحبوب وهذه صفة المخلوق، ولا يجوز أن تكون صفة لله، فهنا يقال لهم: يلزمكم في تأويلكم نظير ما لزمكم في المعنى الذي فررتم منه، فإنه يقال لكم في قولكم: إن المحبة إرادة الأنعام: ونحن لا نعلم من الإرادة إلا ميل النفس إلى المراد. فافعلوا في الإرادة ما فعلتم في المحبة فأولوها، أو فافعلوا في المحبة ما فعلتم في الإرادة فأثبتوها، وهكذا بقية الصفات. ٧- أما مسألة الكليات المشتركة التي تكون في الأذهان - وتوهم بعض الفلاسفة وأتباعهم أنها قد تكون موجودة في الأعيان - فإن شيخ الإسلام ناقشها

стр. 1054

طويلاً (١) ، وبين أثناء ذلك أن حجج هؤلاء مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج، قال: "وهذا هو الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء، حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة اشتركت في الخارج في شيء، وامتاز كل منها عن الآخر بشيء، هذا عين الغلط" (٢) . وفي منهاج السنة قال مجيبا عن هذا الاشتباه والغلط الذي وقع فيه الرازي والآمدي وغيرهما: "وأما حل الشبهة فهو أنهم توهموا أنه إذا قيل: إنهما مشتركان في مسمى الوجود، يكون في الخارج وجود مشترك هو نفسه في هذا، وهو نفسه في هذا، فيكون نفس المشترك فيهما، والمشترك لا يميز، فلا بد له من مميز. وهذا غلط؛ فإن قول القائل: يشتركان في مسمى الوجود، أي: يشتبهان في ذلك ويتفقان فيه، فهذا موجود، وهذا موجود، ولم يشرك أحدهما الآخر في نفس وجوده البتة. وإذا قيل: يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقاً كلياً إلا في الذهن، فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه، وكل من الحصتين ممتازة عن الأخرى (٣) "، ثم قال بعد مناقشة أهل المنطق: "فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ، من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا. وإذا قال: نوع موجود، أو الكلي الطبيعي موجود، أو الحقيقة موجودة، أو الإنسانية من حيث هي موجودة، ونحو هذه العبارات، فالمراد به أنه وجد في هذا نظير ما وجد في هذا أو شبهه أو مثله، ونحو ذلك. والمتماثلات يجمعها نوع واحد، وذلك النوع هو الذي بعينه يعم هذا ويعم هذا، لا يكون عاما مطلقاً إلا في الذهن، وأنت إذا قلت: الإنسانية

стр. 1055

موجودة في الخارج، والكلي الطبيعي موجود في الخارج، كان صحيحا: بمعنى أ، ما تصوره الذهن كليا يكون في الخارج، لكنه إذا كان في الخارج لا يكون كليا، كما أنك إذا قلت: زيد في الخارج، فليس المراد هذا اللفظ، ولا المعنى القائم في الذهن، بل المراد المقصود بهذا اللفظ موجود في الخارج" (١) . ثم طبق شيخ الإسلام كلامه في مسألة الكليات على شبهة التشبيه التي أوقعت هؤلاء بقولهم بالمشترك اللفظي في مسألة الله وصفاته وما وافقها من أسماء المخلوقين وصفاتهم فقال: "وبهذا يتبين غلط النفاة في لفظ التشبيه؛ فإنه يقال: الذي يجب نفيه عن الرب تعالى اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، أو أن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب، وأما إذا قيل: حي وحي وعالم وعالم، وقادر وقادر، أو قيل: لهذا قدرة ولهذا قدرة، ولهذا علم، ولهذا علم، كان نفس علم الرب لم يشركه في العبد، ونفس علم العبد لا يتصف به الرب، تعالى عن ذلك، وكذلك في سائر الصفات، بل ولا يماثل هذا هذا، وإذا اتفق العلماء في مسمى العلم، والعالمان في مسمى العالم، فمثل هذا التشبيه ليس هو المنفي، لا بشرع ولا بعقل، ولا يمكن نفي ذلك إلا بنفي وجود الصانع" (٢) . وليس هذا خاصا بالصفات التي أثبتها الأشاعرة، بل يشمل غيرها من الصفات كالنزول والاستواء والمجيء، فإثباتها لله، مع أن المخلوق قد يوصف بالنزول والاستواء والمجيء لا يقتضي المشابهة، والقول بأن ذلك من قبيل المشترك اللفظي يعطل هذه الصفات عن معانيها (٣) . وقد بين شيخ الإسلام أن الآمدى - في مسألة الكليات المشتركة ووجودها في الأذهان - قد بين في كتابه أحكام الأحكام ما يناقضها، يقول: "والآمدى
следующие страницы →