← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

٣- الرد على متأخري الأشعرية بأقوال متقدميهم الذين أثبتوا الاستواء وردوا على من تأوله بالاستيلاء (١) . ٤- بقى مما يتعلق بالاستواء مسألتان: إحداهما: هل يلزم من إثبات الاستواء على العرش أن يكون الله جسما؟ وقد أجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأن مثبتي الاستواء اختلفوا: - فمنهم من يقول: هو فوق العرش وليس بجسم، وهذا قول بن كلام والأشعرية القدماء. - ومنهم من يقول: هو فوق العرش ولا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، ثم من هؤلاء من يسكت عن هذا النفي والإثبات، ومنهم من يستفصل عن المراد بالجسم، فإن فسر بما ينزه الرب عنه نفاه، وإن فسر بما يتصف الرب به أثبته (٢) . وشيخ الإسلام يرجح هذا القول الأخير الذي هو الاستفصال ما هو منهجه عموما مثل هذه المسائل. والمسألة الثانية: مسألة "الحد"، وهل يقال إن استواء الله تعالى على العرشي بحد، أو بغير حد، وهذه مرتبطة بالمسألة السابقة، وقد أورد شيخ الإسلام الخلاف في ذلك بين مثبتي الاستواء؛ وأن منهم من قال بالحد، ومنهم من منع إطلاقه. وإن كان الذي ورد في عامة كتب السلف إطلاق الحد لبيان بينونة الله عن خلقه والرد على الجهمية والحلولية وغيرهم.

стр. 1192

وقد ذكر شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي لما اعترض بأنه يلزم من إثبات العلو والاستواء لله إثبات الحد والنهاية وأن هذا تجسيم - ذكر أن الكلام في هذه الحجة في مقامين: المقام الأول: "قول من يقول: هو فوق العرش وليس له حد ولا مقدار ولا هو جسم، كما يقول ذلك كثير من الصفاتية، من الكلابية، وأئمة الأشعرية وقدمائهم، ومن وافقهم من الفقهاء والطوائف الأربعة وغيرهم، وأهل الحديث والصوفية، وغير هؤلاء. وهم أمم لا يحصيهم إلا الله، ومن هؤلاء أبو حاتم ابن حبان، وأبو سفيان الخطابي، البستيان ... " (١) والقاضي أبو يعلي كان ينكر الحد ثم رجع إلى الإقرار به (٢) . وممن نفي الحد أبو نصر السجزي (٣) . فهؤلاء الذين ينفون الحد والمقدار والجسم ونحو ذلك من الصفاتية الذين يثبتون الاستواء على العرش يقولون إذا كان هو نفسه فوق العرش لا يلزم أن يوصف بالحد أو تناهي المقدار (٤) . والمقام الثاني: "كلام من لا ينفي هذه الأمور التي يحتج بها عليه نفاة العلو على العرش.. بل قد يثبتها أو يثبت بعضها لفظا أو معنى، أو لا يتعرض لها بنفي ولا إثبات، وهذا المقام هو الذي يتكلم فيه سلف الأمة وأئمتها، وجماهير أهل الحديثن وطوائف من أهل الكلام والصوفية وغيرهم. وكلام هؤلاء أسد في العقل والدين، حيث ائتموا بما في الكتاب والسنة، وأقروا بفطرة الله التي فطر عليها عباده، فلم يغيروا، وجعلوا كتب الله التي بعث بها رسله هي الأصل في الكلام، وأما الكلام في المجمل والمتشابه الذي يتكلم فيه النفاة، ففصلوا مجمله،

стр. 1193

ولم يوافقوهم على لفظ مجمل قد يتضمن نفي معنى حق، ولا وافقوهم أيضاً على نفي المعاني التي دل عليها القرآن والعقل، وإن شنع النفاة على من يثبت ذلك، أو زعموا أن ذلك يقدح في أدلتهم وأصولهم" (١) . وقد أثبت الحد الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة كما ذكر ذلك الدارمي في نقضه على المريسي، والقاضي أبو يعلي في إبطال التأويلات، والخلال في كتاب السنة، والهروي في ذم الكلام. وغيرهم (٢) . وهم لما أثبتوا "الحد" قالوا: له حد لا يعلمه إلا هو، كما بينوا مع ذلك أن العباد لا يحدونه ولا يدركونه، وهذا الذي قصده الإمام أحمد لما قال: "نحن نؤمن بالله على عرشه كيف شاء، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد ... " (٣) وإلا فهو قد قال في رواية أخرى عنه: لله تعالى حد لا يعلمه إلا هو (٤) . فما نفاه الإمام أحمد قصد به الصفة التي يعلمها الخلق، وما أثبته قصد به ما يتميز به عن عباده، ويبين به عنهم، وهذا هو الذي قصده بقوله: له حد لا يعلمه إلا الله وهو الذي قصده من أطلق هذا من السلف. وقد أخطأ من ظن من الحنابلة أو غيرهم أن للإمام أحمد في ذلك روايتين، بل كلامه متسق غير متناقض وكل رواية موافقة للأخرى (٥) . وقد اعترض "الخطابي" على إثبات "الحد" بأن صفة "الحد" لم ترد في الكتاب والسنة، ولكن شيخ الإسلام رد عليه من وجوه وبين أن السلف لم يقصدوا بذلك الصفة مطلقا، ولم يقولوا: له صفة هي "الحد"، والحد إنما هو ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره، والسلف قصدوا بذلك الرد

стр. 1194

على الجهمية الذين قالوا: ليس له حد، وقصدوا بذلك أنه لا يبياين المخلوقات ولا يكون فوق العالم لأن ذلك مستلزم للحد، فلم استفصل الأمر على أئمة السلف بذكر هذا اللازم وقيل لهم: بحد قالوا: بحد. ومقصودهم واضح جداً (١) . هذه ملامح من منهج شيخ الإسلام في تقرير هذه الصفة والرد على من تأولها. ثانياً: صفة "النزل": القول في هذه الصفة كالقول في صفة الاستواء وغيرها من الصفات الفعلية، ومذهب الأشاعرة فيها واحد، ومعنى النزول عندهم: أن الله يخلق أعراضا في بعض المخلوقات يسميها نزولا، وهذا بناء على أصلهم في نفي قيام الحوادث به (٢) ، وبعضهم يقول في النزول إنه من صفات الذات وإنه أزلي كما يقولون أيضا مثل ذلك في الاستواء والمجيء والغضب والفرح والضحك ونحوها (٣) . فالقول في صفة النزول كالقول في صفة الاستواء. السلف رحمهم الله تعالى أثبتوا هذه الصفة كما وردت، وردوا على من تأولها بنزول أمره أو رحمته أو ملك أو غير ذلك. وأقوالهم في ذلك مشهورة متواترة (٤) . ومن الأمور المتعلقة بصفة النزول: ١- بطلان قول من تأوله بنزول رحمته أو أمره أو ملك أو غير ذلك، وقد ذكر شيخ الإسلام في إبطال هذه التأويلات وجوها عديدة (٥) .

стр. 1195

٢- ومما يتعلق بالنزول والمجيء والإتيان وغيرها مسألة "الحركة" وهل يوصف الله بها أم لا؟، وقد ساق شيخ الإسلام الخلاف في ذلك فقال: "واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك، هل يقال: إنه بحركة وانتقال، أم يقال: بغير حركة وانتقال، أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب: اختلاف الروايتين والوجهين: فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره. والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته. والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم كما ذكر ذلك أبو عمر بن [عبد البر] (١) وغيره. ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى مع اللفظ، وهم في المعنى منهم من يتصوره مجملا، ومنهم من يتصوره مفصلا إما مع الإصابة أو مع الخطأ ... " (٢) . وخلاصة مذهب أئمة السلف في إطلاق لفظ "الحركة"، مع اتفاق الجميع على إثبات المعنى الذي دلت عليه هذه النصوص - أنهم على ثلاثة أقوال: - منهم من يصرح بلفظ الحركة. وممن نقل مذهب الأئمة المتقدمين والمتأخرين حرب الكرماني، والدارمي الذي قال: إن الحركة من لوازم الحياة، وذكر حرب أنه قول من لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور.

стр. 1196

- وطائفة أخرى من أئمة السلف كنعيم بن حماد، والبخاري، وأبي بكر ابن خزيمة، وابن عبد البر، وغيرهم، يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء، ويسمعون ذلك فعلا، ولكن من هؤلاء من يمنع إطلاق لفظ الحركة لكونه لم يؤثر (١) . وقد رجح شيخ الإسلام أن المأثور عن الإمام أحمد "إنكار نفي ذلك ولم يثبت عنه إثبات لفظ الحركة، وإن أثبت أنواعا قد يدرجها المثبت من جنس الحركة، فإنه لما سمع شخصا يروي حديث النزول، ويقول: ينزل بغير حركة ولا انتقال، ولا بغير حال، أنكر أحمد ذلك، وقال: قل كما قال رسول الله ﷺ ، فهو كان أغير على ربه منك" (٢) . أما العقيدة التي كتبها حرب بن إسماعيل - وفيها تصريحه بالحركة - فقد قال عنها شيخ الإسلام: "ليست هذه العقيدة ثابتة عن الإمام أحمد بألفاظها، فإني تأملت لها ثلاثة أسانيد مظلمة برجال مجاهيل، والألفاظ هي ألفاظ حرب ابن إسماعيل، لا ألفاظ الإمام أحمد ... " (٣) . ولعل ما يرجحه شيخ الإسلام في ذلك ما قاله في مثل هذه الألفاظ: "والأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص" (٤) . ٣- ومن المسائل المتعلقة بالنزول: هل يخلو من العرش أم لا؟ وقد ذكر شيخ الإسلام أن في ذلك ثلاثة أقوال: - طائفة ممن يدعي السنة يظن خلو العرش منه، وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي عبد الله بن محمد ابن منده (٥) في ذلك كتابا. - وطائفة تقف، لا تقول يخلو، ولا لا يخلو، وتنكر على من يقول ذلك.

стр. 1197

وهذا قول الحافظ عبد الغني المقدسي. - والصواب: قول جمهور السلف إنه ينزل ولا يخلو منه العرش (١) . وقد رد شيخ الإسلام على قول عبد الرحمن ابن منده وأطال في ذلك (٢) . كما أبطل قول من زعم أنه يكون تحت العرش (٣) . ٤- كما أجاب شيخ الإسلام على اعتراض من اعترض على النزول باختلاف الليل والنهار والبلدان والفصول في التقدم والتأخر والطول والقصر، وبين أن الكلام في ذلك وفي غيره - مثل مسألة خلو العرش منه - مبنية على قياس خاطيء وهو تشبيه الله بخلقه، وهذا باطل لأن القول في الصفات كالقول في الذات فكما أنه لله ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين (٤) . ثالثا: الإتيان والمجيء: وهذا أيضاً من الصفات الثابتة لله تعالى كما يليق بجلاله، وقد رد شيخ الإسلام على الرازي الذي تأولهما بإتيان أمره أو إتيان ملك، أو غير ذلك من التأويلات (٥) . كما سبق - في مبحث التأويل - بيان بطلان ما نسب إلى الإمام أحمد من تأويل هذه الصفة. رابعاً: اللقاء والقرب والدنو: والمقصود قرب العبد من ربه، أو قرب الله من عباده ودنوه منهم، وهذه الصفات حكمها حكم ما سبق من صفات النزول والمجيء والإتيان فمن يثبت هذه

стр. 1198

أثبت تلك، ومن يتأول هذه يتأول تلك كما هو مذهب جمهور الأشاعرة. وقد رد شيخ الإسلام على الرازي وغيره في تأويلهم لهذه الصفات (١) . خامساً: الغضب، والضحك، والغيرة، والجود، والفرح، والبغض، والسخط، والمقت، والحب والرضا، والرحمة: والأشاعرة يتأولون هذه الصفات: إما بالإرادة، أو بقولهم إنها أزلية، وكل ذلك بناء على أصلهم في مسألة حلول الحوادث، ومذهب السلف أن هذه الصفات كغيرها من الصفات يثبت ما ورد منها، ولا يجوز تأويل شيء منها، وأهل السنة يثبتونها كما يليق بجلال الله وعظمته من غير تشبيه بصفات المخلوقين ومن غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل. وقد رد شيخ الإسلام على من تأول هذه الصفات من الأشاعرة وغيرهم (٢) .

стр. 1199

المسألة الرابعة: الصفات الخبرية: ويقصد بها الصفات التي ثبتت عن طريق الخبر من الكتاب والسنة كالوجه واليدين والعين، وغيرها كاليمين والقبضة، والأصابع، والحقو والساق. والملاحظ في مذهب الأشاعرة تفريقهم بين الصفات السمعية القرآنية والحديثية، فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبت الصفات الواردة في القرآن كالوجه واليدين والعين. أا ما لم يرد إلا فأكثرهم لا يثبتها، ثم منهم من يؤولها ومنهم من يفوض معناها (١) . أما متأخروا الأشاعرة فأكثرهم يتأول جميع الصفات الخبرية، ومن أثبتها منهم - سواء كانت عنده قولا واحدا، أو قولا ثانيا - فوض معناها. وبعض الأشاعرة يجعل هذه الصفات معنوية كصفات العلم والحياة والقدرة، ولا يفرقون بينهما إلا أن هذه ثبتت بالعقل والسمع، وتلك طريقها السمع فقط. وأهل السنة لا يلتزمون هذا الاصطلاح فلا يسمون هذه بالصفات الخبرية لأن من الصفات المعنوية ما لا يعمل إلا بالخبر (٢) . وقد سبق مناقشة متأخري الأشعرية الذين تأولوا الصفات الخبرية من خلال بعض القضايا ومنها: ١- الرد على متأخري الأشعرية بأقوال متقدميهم الذين أثبتوا ومنعوا من تأويلها (٣) .وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. ٢- مناقشة شبهة "التركيب" و"التجسيم" التي نفوا لأجلها العلو والصفات الخبرية. وقد سبق بيانها (٤) .

стр. 1200

٣- كما سبق في "المسألة الثانية" مناقشة أقوالهم من خلال قاعدة أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. وبقي من ذلك أن الرازي استدل على وجوب تأويل الصفات الخبرية لاختلاف النصوص حيث ورد فيها: (بيده) ، (أيدينا) ، (بيدي) ، (بأعيننا) ، (على عيني) ، وقد رد عليه شيخ الإسلام بقوله: "إن دعواه أن لله أعينا كثيرة وأيديا كثيرة باطل، وذلك وإن كان قد قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (القمر: من الآية١٤) وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (هود: من الآية٣٧) وقال: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: من الآية٤٨) وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (يّس: من الآية٧١) وقد قال في قصة موسى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ (طه: من الآية ٣٩-٤٠) فقد جاء هذا بلفظ المفرد في الموضعين، فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد جاء بلفظ المفرد في موضعين، بل قد ادعى الأشعري فيما اختاره ونقله عن أهل السنة والحديث هو وطوائف معه إثبات العينين لأن الحديث ورد بذلك~، وفيه جمع بين النصين، ما في لفظ اليد بل [لو] (١) قال القائل: الظاهر في العين للمفرد أو المثنى دون المجموع لتوجيه قوله، وذلك أن قوله (بأعيننا) في الموضعين مضاف إلى ضمير الجمع والمراد به الله وحده بلا نزاع، ومثل هذا كثير في القرآن يسمى الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصفة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (الفتح:١) وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الزخرف: من الآية٣٢) فلما كان المضاف إليه لفظه لفظ الجمع جاء المضاف كذلك فقيل: بأعيننا، وفي قصة موسى لما أفرد المضاف إليه أفرد المضاف فقال (ولتصنع على عيني) ، وجعلوا أن هذا هو الأصل والحقيقة، فإن الله واحد، سبحانه، ومن احتج بما ذكره الله عن نفسه بلفظ الجمع على العدد، فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم، كما فعل نصارى نجران ...

стр. 1201

وهذا الكلام يقال في لفظ "أيدينا" مع قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (صّ: من الآية٧٥) وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ (المائدة: من الآية٦٤) ، فإن صيغة المضاف إليه هناك صيغة جمع بخلاف صيغة المضاف إليه في بقية الآيات، فجاء على لفظ المضاف إليه. ومما يوضح الأمر في ذلك أن من لغة العرب الظاهرة التي نزل بها القرآن استعمال لفظ الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلا بالمضاف إليه، والمعنى ظاهر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا﴾ (التحريم: من الآية٤) ، وليس لكل منهما إلا قلب، فالمعنى قلباكما، لكن النطق بلفظ الجمع أسهل، والمعنى معروف أنه ليس لكل منهما إلا قلب، وكذلك قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة: من الآية٣٨) والمعنى فاقطعوا أيمانهما، إذ لا يقطع من كل واحد إلا يده اليمنى، لكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب وظهور المراد ... وإذا كان كذلك قيل: لفظ (أعيننا) ولفظ (أيدينا) مع كون المضاف إليه ضمير جمع أولى بالحسن مما إذا كان المضاف ضمير تثنية، فإذا كان من لغتهم ترك استحسان "قلباكما" و"يديهما" فلأن يكون في لغتهم ترك استحسان "بعيننا" أو"بعيننا"، ومما عملت يدنا، أو يدانا أولى وأحرى ... " (١) . ثم إن شيخ الإسلام بين أن التثنية وردت في القرآن في صفة اليدين بشكل صريح لا يحتمل المجاز مطلقا، وهو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ (صّ: من الآية٧٥) فدلالة هذه الآية على الصفة أصرح من دلالة الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ (يّس: من الآية٧١) وقد عقد مقارنة بين الآيتين، بين فيها - من وجوه عديدة - أنه لا يصح تأويل آية سورة "ص" بحال (٢) .

стр. 1202

أما لفظ التثنية في العين فلم يرد في القرآن، ولكن جاء في الحديث ما يدل عليه (١) ، ونسبه الأشعري إلى أهل السنة، ولكن هذه الصفة ثابتة قد دلت عليه النصوص (٢) . وكذلك صفة الوجه ثابتة دلت عليها نصوص الكتاب والسنة (٣) . ومثلها كل صفة وردت في الكتاب والسنة الصحيحة، مثل: الأصابع (٤) ، والقدم (٥) ، والساق (٦) ، والحقو (٧) ، والصورة (٨) ، وغيرها.

стр. 1203

المسألة الخامسة: العلو: هذه الصفة من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص مستفيضة متواترة من الكاب والسنة، كما دلت عليها العقول والفطر السليمة، وقد أجمع على إثباتها سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وسطر أئمة السلف - في كتبهم وردودهم على الجهمية المعطلة - ما فيه بيان الحق من الضلال في هذا الباب. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وليس العجب في أن يوجد من ينكر هذه الصفة من الجهمية أو المعتزلة أو غيرهم ممن عرفوا بالزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته وآياته، ولكن العجب أن يقلدهم في ذلك جماعات من العلماء الفضلاء، الذين يعتبرون من أئمة الفقهاء والعلماء والقضاة. ولو كانت أدلة العلو دليلين أو ثلاثة أو خمسة أو لو كان القائل به عددا محدودا من علماء السلف، لكان هؤلاء بعض العذر في موقفهم مما قد يقال فيه: إن الأمر التبس عليهم. أما أن تكون أدلة العلو بهذه الكثرة والوضوح والقعطية في الثبوت والدلالة، وأن تتوافق الأدلة النقلية - التي زادت على ألف دليل - مع أدلة العقل والفطرة، ثم بعد ذلك يأتي إجماع السلف على إثباتها، ويوافقهم على ذلك أئمة أهل الكلام المتقدمين من الكلابية والأشعرية وغيرهم - فهذا ما لا يجد له المسلم المنصف أي تفسير أو تبرير إلا أن باعثه التقليد والتعصب الأعمى لشيوخهم النفاة. وقد أولى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة اهتماماً كبيراً، وأطال النفس جدا في بيان أدلته والرد على نفاتها ومناقشتهم، ولا يكاد يخلو كتاب من كتبه العقدية من عرض لها إثباتا أو ردا على الخصوم فيها. وقد وصل إلينا - والحمد لله - قسط كبير منها، بلغ مئات الصفحات، خاصة في كتابين من أهم كتبه، وهما: ١- درء تعارض العقل والنقل، حيث أفرد المسألة العلو الجزء السادس بأكمله وجزءا من الجزء السابع (١) .

стр. 1204

٢- نقض تأسيس الجهمية، والذي يسمى أحيانا نقض أساس التقديس، أو بيان تلبيس الجهمية، وقد شمل البحث في العلو جزءا من الجزء الأول المطبوع، والجزء الثاني - المطبوع أيضاً - بكامله. إضافة إلى مواضع أخرى عديدة في منهاج السنة، ومجموع الفتاوى وغيرها. واستقصاء كلام شيخ الإسلام ومناقشاته في ذلك مما يصعب الإلمام به هنا في هذا المبحث الذي هو ضمن بحوث ومسائل أخرى، ويمكن الإشارة بإجمال إلى منهجه في معالجة هذه المسألة، وذلك من خلال الأمور التالية: أولاً: الأقوال في العلو: يطلق كثير من أهل الكلام على مسألة العلو والفوقية: الجهة، حتى صارت شبه علم عليها، مع أن "العلو" و"الفوقية" مصطلح شرعي وردت به النصوص، و"الجهة" اصطلاح حادث، ولفظ مجمل، قد يراد بنفيه أو إثباته ما هو حق وما هو باطل. أما الأقوال في "العلو" فذات شقين: أالأقوال في علو الرب ﵎ وفوقيته، وبينونته عن خلقه. ب الأقوال في ما يعتبره أهل الكلام من لوازم القول بالعلو مثل "الجهة" و"التحيز" و"الجسم" ونحوه. أما الأول: فقد وقع الخلاف فيه بين الطوائف على أقوال: ١- قول من ينكر العلو مطلقا، ويقول: ليس فوق العالم شيء أصلا ولا فوق العرش شيء، وهذا قول الجهمية والمعتزلة وطوائف من متأخري الأشعرية، والفلاسفة النفاة، والقرامطة الباطنية وغيرهم. وهؤلاء قسمان: قسم يقول: ليس داخل العالم ولا خارجا عنه، ولا حالا فيه وليس في مكان من الأمكنة. فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين. وهذا قول طوائف من متكلميهم ونظارهم.

стр. 1205

وقسم منهم يقول: إنه في كل مكان بذاته، كما يقول ذلك طوائف من عبادتهم ومتكلميهم، وصوفيتهم وعامتهم (١) . "وكثير منهم يجمع بين القولين: ففي حال نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حال تعبده وتألهه يقول بأنه في كل مكان، ولا يخلو منه شيء حتى يصرحون بالحلول في كل موجود - من البهائم وغيرها - بل بالاتحاد بكل شيء، بل يقولون بالوحدة التي معناها أنه عين وجود الموجودات، ثم يعلل شيخ الإسلام سبب هذا التناقض فيقول: "وسبب ذلك أن الدعاء والعبادة والقصد والإرادة والتوجه يطلب موجودا، بخلاف النظر والبحث والكلام؛ فإن العلم والكلام والبحث والقياس والنظر يتعلق بالموجود والمعدوم، فإذا لم يكن القلب في عبادة وتوجه ودعاء سهل عليه النفي والسلب، وأعرض عن الإثبات، بخلاف ما إذا كان في حال الدعاء والعبادة فإنه يطلب موجودا يقصده، ويسأله ويعبده، والسلب لا يقتضي إلا النفي والعدم، فلا ينفي في السلب ما يكون مقصودا معبودا" (٢) وهذا تحليل دقيق جداً، غاص شيخ الإسلام من خلاله في الثنايا النفس البشرية وطبيعتها، وهو يفسر ما يلاحظه المطع والباحث في كتب العقائد الكلامية من وجود أنواع من التناقض عند كثيرة من هؤلاء المتكلمين والفلاسفة، ومن أمثلة ذلك: ?- جمعهم بين علم الكلام الفلسفي، والتصوف. ?- تعويلهم على العقل في كثير من مباحث أصول الدين، حتى أنهم يقدمونه على النصوص، ثم في الوقت نفسه يعولون على الكشوفات والمشاهدات الصوفية عندهم أو عند أشياخهم. ?- وفي العلود قد يقولون لا داخل العالم ولا خارجه، ثم يقولون هو في كل مكان.

стр. 1206

- وفي توحيد الربوبية قد يبالغ في إثباته إلى حد نفي كثيرمن الصفات الثابتة لله لأجل تحقيقه كما يزعم، ثم هو يناقض هذا التوحيد حين يرد في خاطره أو يعتقد أن النجوم أو القبور أو غيرها لها تأثير في الضر والنفع والرزق وغيرها. إلى غير ذلك من أنواع التناقض الذي يصعب أن يجد له الإنسان تفسيراً، فرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وغفر له على ما أوضح وبين. وإنما طال القول في بيان مذهب هؤلاء لدخول كثير من متأخري الأشعرية النفاة فيهم. فهذان قولان، قد يجمع بينهما بعض. ٢- قول من يقول: "هو فوق العرش، وهو في كل مكان ويقول: أنا أقر بهذه النصوص وهذه، لا أصر واحدا منها عن ظاهره وهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في المقالات الإسلامية (١) ، وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية، ويشبه هذا ما في كلام أبي طالب المكي ... " (٢) ، وهؤلاء غالطون وإن زعموا أنهم جمعوا بين نصوص العلو والمعية. ٣- قول سلف الأمة وأئمتها، أئمة أهل العلم والدين، وهؤلاء آمنوا بجميع ما جاء في الكتاب والسنة، وأثبتوا علو الله تعالى وفوقيته، وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهم بائنون منه، وهو أيضاً مع العباد بعلمه، ومع أوليائه وأنبيائه بالنصر والتأييد (٣) . والخلاصة أن الأقوال في مباينة الله لخلقه أربعة: ١- منهم من يقول بالحلول والإتحاد فقط، كقول ابن عربي وأمثاله. ٢- ومنهم من يثبت العلو ونوعا من الحلول وهو الذي يضاف إلى السالمية أو بعضهم، وفي كلام أبي طالب وغيره ما قد يقال إنه يدل على ذلك.

стр. 1207

٣- ومنهم من لا يثبت لا مباينة ولا حلولا ولا إتحادا، كقول المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم. ٤- والقول الرابع إثبات مباينة [الخالق] (١) للمخلوق بلا حلول، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها ... " (٢) . ويمكن أن يضاف إلى ذلك قولان آخران: أحدهما: قول من يجمع بين قول الصوفية الحلولية، وقول المعتزلة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه - كما سبق -. والثاني: قول من يتوقف في هذا الأمر، فلا يقول بإثبات علوه على العرش ولا نفيه، بل يقول إن الله تعالى واحد في ملكه وهو رب كل شيء ويسكت عما سوى ذلك. وقد رد شيخ الإسلام على هؤلاء (٣) . وأما الثاني: وهو في إطلاق الجهة والتحيز، والجسم ففيه أقوال: ١- قول مني قول: "لا أقول إ، هـ متحيز ولا غير متحيز، ولا في هة ولا غاير جهة، بل أعلم أنه مباين للعالم وأنه يمتنع أن يكون لا مباينا ولا مداخلا" (٤) ، وهذا قول كثير من أهل الكلام والحديث. ٢- "قول من يقول: بل أقول: إنه ليس بمتحيز ولا في جهة، وأقول مع ذلك: إنه مباين للعالم. وهذا قول من يقول: إنه فوق العالم وليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة وأهل الحديث والصوفية. فإذا قيل هؤلاء: إثبات مباين ليس بمتحيز مخالف لضرورة العقل قالوا:

стр. 1208

إثبات موجود ولا محايث ولا مباين أظهر فسادا في ضرورة العقل من هذا ... " (١) . ٣- "قول م يتلزم أنه متحيز، أو في جهة، أو أنه جسم، ويقول: لا دلالة على نفي شيء من ذلك، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة، فإنهم متفقون على أن نفي ذلك ليس معلوما بالضرورة، وإنما يدعون النظر، ونفاة ذلك لم يتفقوا على دليل واحد، بل كل واحد منهم يطعن في دليل الآخر ... " (٢) ، وهذا قول الكرامية وبعض أهل الحديث ومن وافقهم. ٤- "جواب أهل الاستفصال: وهم الذين يقولون: لفظ "التحيز" و"الجهة" و"الجوهر" ونحو ذلك، ألفاظ مجملة، ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسول الله، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نافيا ولا إثباتا، وحينئذ فإطلاق القول بنفيها أو إثباتها ليس من مذهب أهل السنة والجماعة بلا ريب، ولا عليه دليل شرعي، بل الإطلاق من الطرفين مما ابتدعه أهل الكالم الخائضون في ذلك. فإذا تكلمنا معهم بالبحث العقي استفصلناهم عما أرادوه بهذه الألفاظ ... " (٣) فإن كان حقا قبل - ولا يمنع من قبوله تسميته بهذه المصطلحات الحادثة - وإن كان باطلا رد. ومن خلال ما سبق من عرض الخلاف حول المسألتين يتبين مذهب الأشاعرة، القدماء منهم والمتأخرين، كما يتبين مذهب السلف رحمهم الله تعالى. ثانياً: أدلة أهل السنة على أثبات العلو. إثبات علو الله تعالى معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين (٤) .

стр. 1209

وسياق الأدلة مما يصعب حصره، وقد ذكر شيخ الإسلام أنها تبلغ مئين، وأن الأحاديث عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين متواترة موافقة لذلك (١) . ونقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر أصحاب الشافعية أنه قال: "في القرآن ألف دليل أو أزيد تدل على الله تعالى عال على الخلق، وأنه فوق عباده، وقال غيره: فيه ثلاثمائة دليل تدل على ذلك ... " (٢) . وقد ذكر ابن القيم في نونيته أكثر من عشرين نوعا من الأدلة، وكل نوع تحت عدد من الأدلة (٣) ، كما ذكر في الصواعق ثلاثين دليل من أدلة العقل والفطرة (٤) وهي كلها ملخصة مما ذكره شيخه في مناقشاته. وخلاصة هذه الأدلة: ?- أما أدلة الكتاب والسنة، فمنها نصوص: الاستواء، والنزول، والرؤية (٥) ، وصعود الأعمال إليه، وعروج الملائكة إليه، وأنه في السماء، ونزول القرآن، وتنزل الملائكة، والمعراج، والسؤال عنه بالأين، والتصريح بالفوق، وغيرها كثير جداً. ?- أما أدلة العقل والفطرة، فقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في العلو هل يعلم بالعقل أو بالسمع، وذكر أن قول الجماهير أنه يعلم بالعقل وبالسمع. وهذا قول الكلابية وطريقة أكثر أهل الحديث. وممن قال إنه يعلم بالسمع أبو الحسن الأشعري وبعض أصحابه، ولكن هؤلاء يثبتون العلو بالسمع ويبطلون أدلة نفاته.

стр. 1210

يقول شيخ لاإسلام: "والعقل دل على أن الله تعالى فوق العالم، وهذه طريقة حذاق أهل النظر من أهل الإثبات، كما هو طريق السلف والأئمة، يجعلون العلو من الصفات المعلومة بالعقل، وهذه طريقة أبي محمد بن كلاب وأتباعه، كأبي العباس الفلانسي، والحارث المحاسبي، وأشباههما من أئمة الأشعرية، وهي طريقة محمد بن كرام وأتباعه، وطريقة أكثر أهل الحديث والفقه والتصوف، وإليها رجع القاضي أبو يعلي، وأمثاله. ولكن طائفة من الصفاتية من أصحاب الأشعري ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، يظنون أن العلو من الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك، وأنهم إذا أثبتوا ذلك أثبتوه لمجيء السمع به فقط، ولهذا كان من هؤلاء من ينفي ذلك ويتأول نصوصه، أو يعرض عنها، كما يفعل ذلك في نصوص الوجه واليد. ومن سلك هذه الطريقة فإنه يبطل الأدلة التي يقال: إنها نافية لهذه الصفة، كما يبطل ما به ينفون صفة الاستواء والوجه واليد، ويبن أنه لا محذور في إثباتها، كما يقول مثل ذلك في الاستواء والوجه واليد، ونحو ذلك من الصفات الخبرية. وهؤلاء كلامهم أمتن من كلام نفاة لاصفات الخبرية نقلا وعقلاً ... " (١) . ولا شك أن الراجح أن العلو معلوم بدليل العقل والفطرة، وقد قرر ذلك شيخ الإسلام بطرق منها: (٢) ١- أن هذا أمر مستقر في فطر بني آدم، معلوم لهم بالضرورة. ٢- أن قصدهم لربهم عند الحاجات التي لا يقضيها إلا هو، وذلك في دعاء العبادة ودعاء المسألة - إنما يكون إلى جهة العلو، فهو كما أنهم مضطرون إلى دعائه ومسألته هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يتوجهون إلى غيره من الجهات.

стр. 1211

٣- وهذا أيضاً متفق عليه بين العقلاء السليمي الفطرة، وكل منهم بخير عن فطرته من غير مواطأة من بعضهم لبعض، ويمتنع في مثل هؤلاء أن يتفقوا على تعمد الكذب عادة. ٤- ومنها الطرق النظرية مثل قولهم: كل موجودين فإما أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو مداخلا له، وإذا ثبت أنه ليس مداخلا له فلا بد أن يكون مباينا له، وهكذا. ٥- ومنها أنه إذا ثبت أن العالم كرى، وأن الله لا بد أن يكون مباينا لخلقه، والعلو المطلق فوق الكرة، فيلزم أن يكون في العلو (١) . وكثيرا ما يربط شيخ الإسلام مناقشاته بأمور عمليةواقعية، ولذلك فهو يورد قصة أبي المعالي الجويني مع أبي جعفر الهمذاني لم اعترض عليه وهو يقرر نفي العلو، فقال له الهمذاني: دعنا مما تقول، ما هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما ال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا. فصرح أبو المعالي، ووضع يده على رأسه وقالك حيرني الهمذاني، أو كما قال، ونزل (٢) . ومن عجيب ما جرى لشيخ الإسلام ابن تيمية نفيه مع هؤلاء النفاة ما حكاه بقوله: ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع رأسه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت له: أنت محقق، لمن ترفع طرفك؟ وهل فوق عندك أحد؟ فقال: استغفر الله،

стр. 1212

ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم" (١) . أما أقوال السلف في هذا الباب فكثيرة جدا، وسترد الإشارة إليها عند الرد على زعم الرازي أنه لم يقل بالجهة سوى الحنابلة والكرامية. ثالثاً: حج النفاة واعترضاتهم، والرد عليها: ليس النفاة العلو دليل نقلي واحد على ما يدعونه، سوى أثر مكذوب رواه ابن عساكر فيما أملاه في نفي الجهة عن شيخه ابن عبد الله العوسجي عن النبي ﷺ قال: "الذي أين الأين فلا يقال له: أين"، وقد حكم شيخ الإسلام بأنه مكذوب، وكثيرا ما يشير إليه باسم: حديث عوسجة (٢) . ولما لم يكن للنفادة دليل من الكتاب والسنة عولوا على ما زعموه من أدلة العقل، والاعتراض على أدلة السلف المثبتة له. ومجمل أدلة النفاة هي: ١- حججهم العقلية المعروفة مثل: التجسيم، والتركيب، والانقسام، والتجزء والتناهي، والتحيز، حيث قالوا: هذه لازمة لمن قال بالجهة والله منزه عنها. ٢- اعترضوا على أدلة السمع كلها بأنها معارضة بالعقل، والعقل عندهم مقدم على النقل عند التعارض. ٣- أما دليل أن كل موجودين لا بد أ، يكون أحدهما داخلا في الآخر أو بائنه منه، وأنه لا يجوز أن يكون لا داخلا ولا بائنا - فقد اعترضوا عليه بأن هذا من حكم الوهم والخيال، وإلا فالقسم الثالث صحيح في القسمة العقلية، واستدلوا عليه بوجود العقول والكليات المطلقة.

стр. 1213

٤- أنه لو كان بدهياً لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره وهم من سوى الحنابلة والكرامية. ٥- أما التوجه عند الدعاء إلى العلو فلأن السماء قبلة الدعاء وهو منقوض بوضع الجبهة على الأرض. ٦- كما اعترضوا بكون العالم كرة، ولا فرق بين الفوق والتحت. وقد ناقش شيخ الإسلام ذلك كما يلي: ١- أما حججهم التي ذكروها من لزوم التجسيم والتركيب والتناهي والتحيز وغيرها فقد سبق الجواب عنها، وبيان ما فيها من الإجمال وذلك في المسألة الأول ضمن مسائل هذا المبحث، وقد استقصى شيخ الإسلام حججهم هذه كما ذكرها الرازي في كتابين من كتبه هما: الأربعين، وأساس التقديسن ورد عليها كلها في منهجه المعروف من حكاية الأقوال، ثم مناقشتها وبيان تناقض الخصوم، وردود بعضهم على بعض. وإذا تبين بطلان هذه الحجج - التي سموها براهين - وجب الرجوع إلى ما يدل عليه السمع والعقل (١) . ٢- أما اعتراضه على أدلة السمع المثبتة بأنها معارضة بالأدلة العقلية، فهذه أيضاً سبق تفصيلها في المنهج العام في الرد عى الأشاعرة وقد أفرد شيخ الإسلام مسألة العلو - وبين كيف عارض الرازي أدلتها النقلية بأدلة العقول - ثم رد عليه من وجوه عديدة منها: ?- أن القول بأن الله فوق العالم معلوم بالإضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، كالعلم بالأكل والشرب في الجنة، والعلم بإرسال الرسل

стр. 1214

وإنزال الكتب، ونصوص العلو متواترة مستفيضة وثبتها أعظم من ثبوت كثير مما يقر به هؤلاء كأحاديث الرجم، والشفاعة، الحوض، والميزان، والشفاع، وسجود السهود وغيرها (١) . ?- أن نصوص العلو صريحة لا تقبل التأويل، بل التأويلات في ذلك من جنس تأويلات القرامطة والباطنية وهي معلومة الفساد ضرورة (٢) . ?- "أن يقال: لا نسلم أنه عارض ذلك عقلي أصلا، بل العقليات التي عارضتها هذه السمعيات هي من جنس شبه السوفسطائية التي هي أوهام وخيالات غير مطابقة، وكل من قالها لم يخل من أن يكون مقلدا لغيره، أو ظانا ي نفسه، وإلا فمن رجع في مقدماتها إلى الفطر السليمة واعتبر تأليفها، لم يجد فيما يعارض السمعيات برهانا مؤلفا من مقدمات يقينية تأليفا صحيحاً. جمهور من تجده يعارض با أو يعتمد عليها، إذا بينت له فسادها وما فيها من الاشتباه والإلتباس، قال: هذه قالها فلان وفلان، وكانوا فضلاء، فكيف خفى عليهم مثل هذا؟ فينتهون بعد إعراضهم عن كلام المعصوم الذي لا ينطبق عن الهوى، وإجماع السلف الذين لا يجتمعون على ضلالة، ومخالفة عقول بني آدم التي فطرهم الله عليها - إلى تقليد رجال يقولون: إن هذه القضايا عقلية برهانية، وقد خالفهم في ذلك رجال آخرون من جنسهم، مثلهم وأكثر منهم ... " (٣) . ثم ذكر بقية الأوجه (٤) . والقول بتقديم العقل على السمع من أصول البلاي التي بلي بها أهل الكلام، حيث أصبحت عندهم كالخرج عندما يضايقهم أئمة السنة بالنصوص.

стр. 1215

٣- أما زعمهم أن دليل العقل والفطرة إنما هو من حكم الوهم والخيال وأن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات لا في العقليات ثم استشهادهم بالكليات والبنفوس - فقد أجاب عنه شيخ الإسلام في مناسبات مختلفة، ومن دوده عليهم قوله بأن هذا باطل من وجوه: أحدها: أنه إذا جاز أن يكون في الفطرة حكمان بديهان، أحدهما مقبول والآخر مردود، كان هذا قدحا في مبادي العلوم كلها، وحينئذ لا يوثق بحكم البديهة. الثاني: أنه إذا جوز ذلك، فالتمييز بني النوعين: إما أن يكون بقضايا بديهية، أو نظرية مبنية على البديهة، وكلاهما باطل ... فإذا جاز أن تكون البديهيات مشتبهة: فيها حق وباطل، كانت النظريات المبنية عليها أولى بذلك، وحينئذ فلا يبقى علم يعرف به حق وباطل، وهذا جامع كل سفسطة ... الثالث: أن قول القائل: إن الوهم يسلم للعقل قضايا بديهية تستلزم إثبات وجود موجود، تمتنع الإشارة الحسية إليه - ممنوع. الرابع: أنه بتقدير التسليم تكون المقدمة جدية؛ فإن الوهم إذا سلم للعقل مقدمة، لم ينتفع العقل بتلك القضية، إلا أن تكون معلومة له بالبديهية الصحيحة، فإذا لم يكن له سبيل إلى هذا انسدت المعارف على العقل، وكان تسليما لوهم إنما يجعل القضية جدلية لا برهانية. وهذا وحده لا ينفع في العلوم البرهانية العقلية. الخامس: أن قول القائل: إن حكم الوهم والخيال إنما يقبل في الحسيات دون العقليات، إنما يصح إذا ثبت أن في الخارج موجودات لا يمكن أن تعرف بالحس بوجه من الوجوه، وهذا إنما يثبت إذا ثبت أن في الوجود الخارجي مالا يمكن الإشارة الحسية إليه. وهذا أول المسألة فإن المثبتين يقولون: ليس في الوجود الخارجي إلا ما يمكن الإشارة الحسية إليه، أو لا يعقل موجود في الخارج إلا كذلك ... السادس: أن يقال: إن أردتم بالعقليات ما يقوم بالقلب منا لعلوم العقلية الكلية ونحوها، فليس الكلام هنا في هذه، ونحن لا نقبل مجرد حكم الحس

стр. 1216

ولا الخيال في مثل هذه العلوم الكلية العقلية، وأن أردتم بالعقليات موجودات خارجة، لا يمكن الإشارة الحسية إليها، فلم قلتم: إن هذا موجود؟ فالنزاع في هذا، ونحن نقول: إن بطلان هذا معلوم بالبديهة" (١) ... إلى آخر الأوجه (٢) . ويلاحظ أن شيخ الإسلام بدأ من الوجه الخامس يناقش المسألة التي اعتم عليها الرازي - ومن وافقه - في هذا الباب، حيث اتبعوا ابن سينا وغيره من الفلاسفة في مسألة الكليات الذهنية التي زعموا أنها موجودة في الخارج. وهذه من المسائل التي تخبط بسببها المتكلمون في كثير من قضايا العقيدة ودلائلها. وهي من الباطل الذي لا حقيقة له، إذ ليس ما في الأذهان يكون موجودا في الأعيان، وهذه الكليات المطلقة توجد مطلقة في الأذهان فقط، أما في الأعيان فلا توجد إلا مقيدة، وقد سبقت الإشارة إلى هذا. ولما تكلم شيخ الإسلام عن هذه المسألة - في موضع آخر - ضرب مثالا عليه في مسألة العلو عند هؤلاء النفاة، فقال: "ولكن طائفة من أهل الجدل والحكمة السوفسطائية، يستدلون على إمكان الشيء في الخارج بإمكانه في الذهن، كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة. والرازي والآمدي ونحوهما يستعملون ذلك كثيراً، كاستدلال الرازي وغيره على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا: القسمة العقلية تقتضي أن كل موجود فإما مباين لغيره أو مجانب له، وإما لا مباين ولا مجانب، أو كل موجود فإما داخل في غيره وإما خارج عنه وإما لا داخل ولا خارج. ويجعلون مثل هذا التقسيم دليلا على إمكان كل من الأقسام في الخارج، وقد يسمون ذلك برهانا عقليا، وهو من أفسد الكلام ... " (٣) .

стр. 1217

ومثل هذا احتجاجهم بأن الفلاسفة وطائفة من المتكلمين من المعتزلة والشيعة والأشعرية - أثبتوا النفس، وقالوا: إنها لا داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا حالة فيه. وبطلان هذا مثل بطلان وجود الكليات في الخارج (١) . وكثيرا ما يختلط الأمر عند هؤلاء فيظنون أن الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبينا لمعقول، وهذا أحد مداخل ملاحدة الباطنية والصوفية وغيرهم. والحق أن الغيب ليس غير المحسوس بل الغيب يمكن إحساسهس، والله تعالى أعظم الغيب وهو يرى (٢) . وأكبر دليل على فساد ما زعمه هؤلاء من صحة قولهم بإمكان موجود لا مباين ولا محايث، أو لا داخل العالم ولا خارجه - أنهم عجزوا عن الرد على الحلولية من النصارى والصوفية، وقد أفرد شيخ الإسلام لبيان ذلك فضلا طويلا (٣) ، ومما قاله: "ولهذا كان الحلولية والإتحادية منهم، الذين يقولون: إنه في كل مكان، يحتجون على النفاة منهم الذين يقولون: ليس مباينا للعالم ولا مداخلا له، بأن قد اتفقنا على أنه ليس فوق العالم، وإذا ثبت ذلك تعين مداخلته للعالم: إما أن يكون وجوده وجود العالم، أو يحل في العالم، أو يتحد به، كما قد عرف من مقالاتهم. والذين أنكروا الحلول والاتحاد من الجهمية، ليست لهم على هؤلاء حجة إلا من جنس حجة المثبة عليهم، وهو قول المثبتة: إن ما لا يكون لا مداخلا ولا مباينا، غير موجود، فإن أقروا بصحة هذه الحجة بطل قولهم، وإن لم يقروا بصحتها أمكن إخوانهم الجهمية الحلولية أن لا يقروا بصحة حجتهم، إذ هما من جنس واحد" (٤) ، ثم ذكر شيخ الإسلام نموذجا على ذلك، وهو رد الرازي على حلولية النصارى، حيث علق شيخ الإسلام بعد نقل كلام الرازي

стр. 1218

في الرد عليهم (١) بقوله: "قلت ما ذكره الرازي من إبطال الحلو بإلزام النصارى كلام صحيح، لكن هذا إنما يستقيم على قول أهل الإثبات المثبتين لمباينته للعالم، فأما على قول الجهمية للنفاة فلا تستقيم هذه الحجة ... " (٢) .ط وذلك أنه يلزم من تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه تجويز قول الحلولية، ولا يمكن أن يوجد في النفاة من يرد على الحلولية ردا مستقيما، بل إن لم يوافقهم كان معهم بمنزلة المخنث - كما يعبر شيخ الإسلام (٣) . وقد سبقت الإشارة إلى ما بين هذين المذهبين - النفاة والحلولية - من توافق، إلى حد أن الواحد منهم قد يتلبس بالمذهبين في وقت واحد، حسب حالته. وكثير من النفاة يعظم ملاحدة الصوفية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض، بل إن أحد أفضل المتكلمين من نفاة العلو "يعتقد في مثل هذا أنه كان من أفضل أهل الأرض، أو أفضلهم ويأخذ ورقة فيها سر مذهيه، يرقي بها المرضي، كما يرقي المسلمون بفاتحة الكتاب، كما أخبرنا بذلك الثقاة، وهم يقدمون تلك الرقية على فاتحة الكتاب ... " (٤) . ويركز شيخ الإسلام على أن هؤلاء جميعا ينطلقون من تلك المناظرة المشهورة التي جرت بين الجهموالسمنية وقد ذكرها الإمام أحمد (٥) ، فالجهم لما احتج عليهم بالروح أن الروح لا ترى ولا تسمع ولا تحس ولا تجس، طبق ذلك على الله تعالى، فقال: وكذلك هو موجود ولا يرى ولا يسمع ولا يوصف بصفة. ومن هذه المناظرة انطق المبطلون: - نفاة الأسماء والصفات من الجهمية وغيرهم.

стр. 1219

- ونفاة العلو القائلون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه. - والحلولية بأن الله في كل مكن. فصاروا ينطلقون مما انطلق منهم الجهم، والذين تفلسفوا كالرازي وغيره اعتمدوا على مثل هذا تماما وذلك حين احتجوا بالكليات التي لا توجد إلا في الأذهان، وبالنفوس المفارقة التي قال بها الفلاسفة وغيرهم. وهذا يبين ما بين أهل الباطل من ترابط، وكيف يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وقد بين شيخ الإسلام الجواب الصحيح لهؤلاء السمنية، وكيف عدل الجهم عن ذلك، وشبه حجته بحجة الرازي على نفي العلو واحتجاجه بما يقوله الفلاسفة في المعقول والنفوس (١) . وكثيرا ما يعتمد هؤلاء المتكلمون على شبه الفلاسفة (٢) . ٤- أما دعوى أنه لو كان بديهيا لامتنع اتفاق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، فجابه من وجوه: أحدها: أن العكس هو الصحيح، فإن أمم الأرض جميعا يقولون بأن الله فوق العالم، والذين خالفوا ذلك فئات قليلة من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، تلقاه بعضهم عن بعض تقليداً. ومسألة العلو ليست من المسائل الصغيرة - التي قد تعرفها أمة أو أتباع نبي دون غيرهم - بل هي من المسائل الكبار المتعلقة بأصل التوحيد وهي مما ينفصل فيه أهل الإيمان عن الإلحاد، ولذلك اتفق الأنبياء جميعا عليها كما اتفقوا على التوحيد (٣) . ولتواتر النصوص الواردة في إثبات العلو لم يستطع - الأشاعرة المتأخرون

стр. 1220

- ولا غيرهم - إنكارها أو معارضتها، وإنما صاروا يعبرون عن المعاني التي يريدونها من نفي العلو بعبارات ابتدعوها، ويكون فيها اشتباه وإجمال، مثل أن يقولوا: إن الله ليس بمتحيز ولا في جهة، وغيرها من العبارات المحتملة للحق والباطل، وهم قصدوا بها رد الحق (١) . ولو كانت دعواهم كما صورها الرازي أنه لم يخالف فيها إلا الحنابلة والكرامية لما تدسسوا إلى آرائهم وأقوالهم بمثل هذه الأساليب حين يتعاملون مع مئات النصوص الواردة المثبتة للعلو. وقد رد شيخ الإسلام على هذه الدعوى بنقل النصوص العديدة لعشرات الأئمة والعلماء من السلف وممن جاء بعدهم من مختلف الطوائف" من الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنفية، والحنبلية، والظاهرية، وأهل الحديث، والصوفية والشيعة وأهل الكلام والفلسفة غيرهم. فكيف يقال مع هذا إنه لم يقل بالعلو إلا الحنابلة والكرامية؟. ومن هؤلاء الأئمة الذين أثبتوا العلو ونقلت أقوالهم: عبد الله بن المبارك، وربيعة، والإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، والبخاري، والفضيل ابن عياض، وسليمان بن حرب، وابن خزيمة، والصابوني، والحاكم، وابن عبد البر، وابن أبي زمنين، وأبو نصر السجزي، وأبو عمر الطلمنكي، ونصر المقدسي، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو أحمد الكرخي، وأبو محمد المقدسي، وابن أبي حاتم، والخلال، وعبد الله بن الإمام أحمد، والقرطبي، والبيهقي، وابن رشد، وغيرهم كثير جداً، وأقوالهم ونصوصهم مدونية يثبتون فيها هذه الصفة ويردون على من تأولها (٢) . فكيف يدعي الرازي أنه لم يثبت العلو سوى الحنابلة والكرامية؟. الثاني: أن من المخالفين للرازي - ولمتأخري الأشعرية كالجويني والغزالي، والآمدي - شيوخهم المتقدمين من أئمة الأشاعرة، كابن كلاب، والقلانسي،

стр. 1221

والمحاسبي، وأبي الحسن الأشعري، وتلاميذه كابن مجاهد، وأبي الحسن الطبري، والباقلاني، وابن فورك - في أحد قوليه - والقاضي أبي يعلي، والقرطبي، والخطابي، وغيرهم ممن جاءت نصوصهم صريحة واضحة في إثبات العلو والرد على الجهمية (١) . فهؤلاء المتأخرون النفاة من الأشاعرة مخالفون لأقوال شيوخهم، وقد علق شيخ الإسلام على ذلك - بعد نقله أقوال أولئك في إثبات العلو وغيره من الصفات - بقوله: "فإذا كان قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وهو الذي ذكروا أنه اتفق عليه سلف الأمة وأهل السنة، أن الله فوق العرش، وأن له وجها ويدين، وتقرير ما ورد في النصوص الدالة على أنه فوق العرش، وأ، تأويل (استوى) بمعنى استولى هو تأويل المطلين ونحو ذلك - علم أن هذا الرازي ونحوه هم مخالفون لأئمتهم في ذلك، وأن الذي نصره ليس هو قول ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابه، وإنما هو صريح قول الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كن قد قاله بعض متأخري الأشعرية كأبي المعالي ونحوه" (٢) . الثالث: "أن يقال حول قوله باتفاق الجمع العظيم على إنكار العلو - "لم يطبق على ذلك إلا من أخذه بعضهم عن بعض، كما أخذ النصارى دينهم بعضهم عن بعض، وكذلك اليهود والرافضة وغيرهم. فأما أهل الفطر التي لم تغير فلا ينكرون هذا العلم، وإذا كان كذلك فأهل المذاهب الموروثة لا يمتنع أطباقهم على جحد العلوم البديهية، فإنه ما من طائفة من طوائف الضلال - وإن كثرت - إلا وهي مجتمعة على جحد بعض العلوم الضرورية" (٣) .

стр. 1222

أم دعوى التواطؤ فمردودة بأن الفطر التي لم تتواطأ يمتنع اتفاقها على جحد ما يعلم بالبديهة، قد يوافق بعض الناس - أو بعض عامتهم - على إنكار الجهة والتحيز والمكان، حين يقصد بنفيها ما هو معنى صحيح مثل نفي أن الله محصور في خلقه، أو مفتقر إلى مخلوق، إلى غير ذلك من المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى. أما لو قصد بذلك أن الله ليس فوق السموات، وأنه ليس وراء العالم إله موجود، فهذا لا يوافق عليه أحد بفطرته، وإنما يوافق عليه من قامت عنده شبهة من شبه النفاة (١) . ٥- أما الاعتراض على رفع الأيدي، وأن القلوب مفطورة - عند دعائها ومسألتها - على التوجه إلى الله في العلو - بأن ذلك لأن السماء قبلة للدعاء وأن هذا منقوض بوضع الجبهة على الأرض، أو غير ذلك من التعليلات الهزيلة (٢) - فقد أجاب عنه شيخ الإسلام بجواب مفصل، اشتمل على أربعين وجها - وصلت إلينا في الجزء المطبوع من نقض التأسيس - (٣) والحمد لله. وقد ركز شيخ الإسلام في هذه الأوجه على بيان أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء، إنما هو حجة أهل الإثبات من السف والخلف، وأن هؤلاء الأشعري وأئمة أصحابه، وقد نقل شيخ الإسلام كلامهم في ذلك (٤) ، فالرازي في الحقيقة إنما يعترض على شيوخه الأشاعرة، وهم باستدلالهم يردون عليه. والإشارة إلى الله في العلو باليد والأصابع أو العين أو الرأس، قد تواترت به السنن عن الرسول ﷺ (٥) . والنهي عن رفع البصر

стр. 1223

في الصلاة لأنه من باب الخشوع الذي أثنى الله على أهله، ولو كان الله ليس فوق، بل هو في السفل كما هو في الفوق لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع، بل كان يكون بمنزلة خفضها (١) . والناس على اختلاف عقائدهم وأديانهم يشيرون عند الدعاء إلى السماء لأن هذا شيء يجدونه في فطرهم (٢) . ودعوى أن السماء قبلة للدعاء كالكعبة قبلة للصلاة، باطل معلوم بالاضطرار بطلانه من وجوه: منها أن المسلمين مجمعون على أن قبلة الداعي هي قبلة الصلاة، ومنها: أن كون السماء أو العرش قبلة لا يثبت بغير الشرع، وليس في النصوص أي دليل على ذلك، ومنها أن القبلة أمر يدخله النسخ، ولذلك تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولو كانت القبلة هي العرش أو السماء لجاز تغييرها وتبديلها، ولجاز أن يدعو الإنسان ربه إلى سائر الجهات، وهذا فضلا عن أنه باطل، فإن العباد مفطورون على أن لا يتوجهوا إلا إلى جهة العلو. ومنها: أن القبلة ما يستقبله الإنسان بوجهه، أما ما يرفع الإنسان إليه يده أو رأسه أو بصره، فهذا باتفاق الناس لا يسمى قبلة، ومعلوم أن مستقبل القبلة يستدبر ما يقابلها، أما الداعي فإنه لا يكون مستقبلا للسماء مستدبرا للأرض، بل يكون مستقبلا لبعض الجهات. إلى غيرها من الأوجه (٣) . ووضع الجبهة على الأرض يفعله الناس لكل ما يعظمونه، ولهذا يسجد المشركون لأصنامهم. وهذا بين (٤) . فتبين من هذه الأوجه وغيرها سلامة احتجاج السلف على العلو بما فطر الناس عليه من رفع أيديهم إلى السماء عند الدعاء والحاجة.

стр. 1224

٦- أما اعتراضهم بأن العالم كرة، وأن الله إذا كان في جهة فوق لكان أسفل بالنسبة لسكان الوجه الآخر. فشيخ الإسلام لا ينازع في استدارة الفلك - كما قد ينازع فيه بعض الجهال (١) -، وقد أجاب عن هذا الاعتراض بعدة أوجه: منها: أن القائلين بأن العالم كرة يقولون أن السماء عالية على الأرض من جميع الجهات، والأرض تحتها من جميع الجهات. والجهات قسمان: حقيقية: ولها جهتان العلو والسفل فقط، فالأفلاك وما فوقها هو العالي مطلقا، وما في جوفها هو السافل مطلقا. وإضافية: وهي الجهات الست بالنسبة للحيوان، فما حاذى رأسه كان فوقه وما حاذى رجليه فهو تحته، وما حاذى جهته اليمنى كان عن يمينه. وهكذا. ويتضح الفرق بينهما فيما لو علق رجل، فجعلت رجلاه إلى أعلى، ورأسه إلى أسفل، فبالنسبة للجهة الحقيقية لم يتغير عليه شيء إذ لا تزال السماء فوقه والأرض تحته، أما بالنسبة للإضافية فإن الأرض فوق رأسه (٢) . "وإذا كان كذلك فالملائكة الذين في الأفلاك من جميع الجوانب، هم باعتبار الحقيقة، كلهم فوق الأرض، وليس بعضهم تحت بعض، ولا هم تحت شيء من الأرض، أي الذين في ناحية الشمال ليسوا تحت الذين في ناحية الجنوب وكذلك من كان في ناحية برج السرطان ليس تحت من كان في ناحية برج العقرب وإن كان بعض جوانب السماء تلي رؤوسنا تارة وأرجلنا أخرى، وإن كان فلك الشمس فوق القمر، وكذلك السحاب، وطير الهواء، هو مع جميع الجوانب فوق الأرض وتحت السماء، ليس شيء منه تحت الأرض، ولا من في هذا الجانب تحت من في هذا الجانب ... [ف-] علم أنه لا يلزم من كون الخالق فوق السماوات،

стр. 1225

أن يكون تحت شيء من المخلوقات، وكأن من احتج بمثل هذه الحجة إنما احتج بالخيال الباطل الذي لا حقيقة له ... " (١) . "وإذا كانت المخلوقات التي في الأفلاك والهواء والأرض لا يلزم من علوها على ما تحتها أن تكون تحت ما في الجانب الآخر من العالم، فالعلي - سبحانه - أولى أن لا يلزم من علوه على العالم أن يكون تحت شيء منه" (٢) . وقد سبق - عند ذكر أدلة أهل السنة العقلية على العلو - أن كون العالم كرة من أدلة العلو. ومنها: أنه لا يسلم لزوم السفول، وإن سلم لزومه فلا بد من دليل ينفي به ذلك، ولا يلزم من ذلك نقص، لأن الأفلاك موصوفة بالعلو على الأرض - مع لزوم ما ذكر من السفول تحت سكان الوجه الآخر - وليس ذلك نقصا فيها. وإذا كان هذا في المخلوقات فالخالق أولى أن يتنزه عنه حين يوصف بالعلو عليها كلها (٣) . أما دعوى أنه يلزم أن يكون الله فلكا محيطا بالعالم حتى يكون عاليا عليه فيقال: "على هذا التقدير إذا كان محيطا لم يكن سافلا البتة، بل يكون عاليا، وعلى هذا فإذا كان هوا لظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، ولو أدلى المدلي بحبل لهبط عليه - كان محيطا بالعالم عاليا عليه مطلقا ولم يلزم من ذلك أن يكون فلكا ولا مشابها للفلك، فإن الواحد من المخلوقات تحيط قبضته بما في يده من جميع جوانبها، وليس شكلها شكل يده، بل ولا شكل يده شكلها" (٤) . ثم إن العلو لا يشترط فيه الإحاطة، وإن كانت الإحاطة لا تناقضه والناس يعلمون أن الله فوق العالم، وإن لم يعلموا أنه محيط به، وإذا علموا أنه محيط به لم يكن ذلك ممتنعاً عندهم.

стр. 1226

و"الله تعالى ليس مثل فلك من الأفلاك، ولا يلزم إذا كان فوق العالم ومحيطا به أ، يكون مثل فلك، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه" (١) . "والمقصود: أنه إذا كان الله أعظم وأكبر وأجل من أن يقدر العباد قدره، أو تدركه أبصارهم، أو يحيطون به علما، وأمكن أن تكون السموات والأرض في قبضته لم يجب - والحال هذه - أن يكون تحت العالم، أو تحت شيء منه، فإن الواحد من الآدميين إذا قبض قبضة أو بندقة أو حمصة أو حبة خردل وأحاط بها يغر ذلك، لم يجز أن يقال: إن أحد جانبيها فوقه، لكون يده لما أحاطت بها كان منها الجانب الأسفل يلي يده من جهة سفلها، ولو قدر من جعلها فوق بعضه بهذا الاعتبار، لم يكن هذا صفة نقص، بل صفة كمال. وكذلك أمثال ذلك من إحاطة المخلوق ببعض المخلوقات، كإحاطة الإنسان بما في جوفه، وإحاطة البيت بما فيه، وإحاطة السماء فيها من الشمس والقمر والكواكب، فإذا كانت هذه المحيطات لا يجوز أن يقال: إنها تحت المحاط وإن ذلك نقص، مع كون المحيط يحيط به غيره - فالعلي الأعلى المحيط بكل شيء، الذي تكون الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، كيف يجب أن يكون تحت شيء مما هو عال عليه أو محيط به، ويكون ذلك نقصا ممتنعا؟ " (٢) . والخلاصة: ١- أن كون العالم كرة دليل على العلو، لأنه ليس هناك إلا علو مطلق أو سفل، وهو مركز الأرض، وهذا بالنسبة لجميع سكن الأرض، وإذا ثبت أن الله بائن من خلقه فهو في جهة العلو مطلقا. ٢- أن الأرض والسموات إذا كان الله يقبضها بيده، فتصور أن يكون تحت شيء منها تصور فاسد، لم يقدر صاحبه ربه حق قدره. فكل ما يفترضه

стр. 1227

المفترض من لزوم أن يكون الله محيطا بالمخلوقات، أو أنه فلك، أو غير ذلك من التصورات فهي إما تصورات فاسدة، كتصور أنه فلك أو أنه لا يلزم منها نقض ينافي مال ربوبية الله تعالى ككون الله تعالى محيطا بخلقه. ولشيخ الإسلام في ذلك مناقشات مطلولة بين من خلالها أن ثبوت العلو الذي جاءت به النصوص وفطرت عليه العقول - لا يلزم منه شيء من هذه اللوازم التي ذكرها نفاته (١) . ومن ذلك أن لقائل أن يقول: ما فائدة أن يتوجه الإنسان عند الدعاء إلى العلو، ولما لا يتجه إلى إحدى الجهات الأخرى من يمين أو شمال ما دامت نهايتها العلو نفسه؟ يقول شيخ الإسلام - بعد توضيحه لبعض الأمور: "وإذا كان مطلوب أحدهما ما فوق الفلك لم يطلبه إلا من الجهة العليا، لم يطلبه من جهة رجليه أو يمينه أو يساره لوجهين: أحدهما: أن مطلوبه من الجهة العليا أقرب إليه من جميع الجهات، فلو قدر رجل أو ملك يصعد إلى السماء أو إلى ما فوق، كان صعوده مما يلي رأسه أقرب إذا أمكنه ذلك، ولا يقول عاقل: إنه يخرق الأرض ثم يصعد من تلك الناحية، ... الوجه الثاني: أنه إذا قصد السفل بلا علو كان ينتهي قصده إلى المركز، وإن قصده أمامه أو وراءه أو يمينه أو يساره من غير قصد العلو كان منتهى قصده أجزاء الهواء، فلا بد له من قصد العلو ضرورة، سواء قصد مع ذلك هذه الجهات أو لم يقصدها، ولو فرض أنه قال: أقصده من اليمين مع العلو، أو من السفل مع العلو، كان هذا بمنزلة من يقول: أريد أن أحج من المغرب، فأذهب إلى خراسان ثم أذهب إلى مكة ... " (٢) .

стр. 1228

المسألة السادسة: كلام الله: يعتبر مذهب ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأتباعهم في كلام الله من المذاهب الجديدة التي لم يسبقوا إليها، ولذلك أصبحت هذه المسألة هي أخص مذهب الأشعري التي يكون الرجل بها مختصا بكونه أشعريا، أما سائر المسائل فليس لابن كلاب أو الأشعري بها اختصاص "بل ما قالا، قاله غيرهما، إما من أهل السنة والحديث، وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب في مسألة الكلام، وأتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك أحد، ولا وافقه عليه أحد من رؤوس الطوائف" (١) . وهي مسألة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة الصفات الاختيارية، وقيامها بالله تعالى، بل مسألة الكلام إحدى أصولها الكبار. وقبل عرض مذهب الأشاعرة فيه (٢) ، ومنهج شيخ الإسلام في مناقشاته لهم، لا بد - لكي تتضح الصورة - من عرض خلاف الطوائف في مسألتين: إحداهما: أقوالهم في مسمى "الكلام" ومن "المتكلم"؟ الثانية: أقوالهم في "كلام الله".

стр. 1229

أولاً: الأقوال في مسمى "الكلام" و"المتكلم": والمقصود مسمهما عند الإطلاق، ويلاحظ أن الخلاف في ذلك قد بنت عليه كل طائفة قولها في كلام الله تعالى. والأقوال في مسمى "الكلام" أربعة: ١- قيل هو اسم لمجرد الحروف، ومسماه هو اللفظ، وأما المعنى فليس جزء مسماه؛ بل هو مدلول مسماه، وهذا قول المعتزلة وغيرهم، فعندهم أن الكلام اسم للفظ بشرط دلالته على المعنى. ولذلك قالوا في كلام الله إنه مخلوق منفصل عن الله، لأن الكلام هو الألفاظ والحروف، وهذه لا يجوز أن تقوم بالله فجعلوها مخلوقة منفصلة. ٢- وقيل: هو اسم لمجرد المعنى، فمسماه هو المعنى، وإطلاق الكلام على اللفظ والحروف مجاز، لأنه دال عليه، وهذا قول الكلابيةوالأشعرية الذين يقولون إن الكلام هو المعنى المدلول عليه باللفظ. ولقولهم هذا قالوا في كلام الله إنه معنى قائم بالنفس، ليس بحروف ولا أصوات، ثم قالوا عن القرآن المتلو إنه ليس كلام الله، بل هو حكاية أو عبارة عن كلام الله، لأن الكلام عندهم هو المعنى فقط، أما إطلاق اللفظ عليه فمجاز. ٣- وقيل: إن الكلام يطلق على كل من اللفظ والمعنى بطريق الاشتراك اللفظي. وهذا قول بعض متأخري الأشعرية لجأوا إليه كمخرج من التناقض الذي وقعوا فيه، ومن هؤلاء الجويني والرازي (١) . ويلاحظ أن التعبير بالمشترك اللفظي لا يقتضي أن يكون بينهما تقارب في المعنى، بل هما يمنزلة المشتري الذي يطلق على الكوكب وعلى المبتاع.

стр. 1230

٤- وقيل: إن الكلام يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كم يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعا، وهذا قول السلف والفقهاء والجمهور الذين يقولون إن الكلام اسم عام لهما جميعا، يتناولها عند الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة، وهذا تارة. ولقول السلف هنا في الكلام قالوا في كلام الله تعالى - من القرآن وغيره مما تكلم به - إنه شامل للفظ والمعنى، وإن القرآن حروفه ومعانيه كلامه الله تعالى (١) . أما أهم الأقوال في من "المتكلم" فثلاثة: ١- أحدها أن المتكلم من فعل الكلام، ولو كان منفصلا عنه، فعله في غيره. وهذا قول المعتزلة والجهمية. وهؤلاء يقولون: هو صفة فعل منفصل عن الموصوف لا صفة ذات. ولذلك أنكروا صفة الكلام الثابتة لله، وقالوا إن كلام الله مخلوق. ٢- الثاني: أن المتكلم هو من قام به الكلام، ولو لم يكن بفعله، ولا هو بمشيئته وقدرته، وهذا قول الكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم فهؤلاء يقولون: هو صفة ذات لازمة للموصوف لا تتعلق بمشيئته ولا قدرته. ولذلك قالوا في كلام الله إنه المعنى النفسي القائم بالله، وإن الله لا يتكلم إذا شاء متى شاء، بل كلامه أزلي قائم به كحياته وعلمه. ٣- الثالث: أن المتكلم من جمع الوصفين، فقام به الكلام وقدر عليه. فهو من تكلم بفعله ومشيئته وقدرته، وقام به الكلام، وهذا قول السلف وأكثر أهل الحديث وطوائف من المرجئة والكرامية متعلق بمشيئته وقدرته. وهذا مطابق لمذهب السلف في كلام الله (٢) .
следующие страницы →