← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قد جئنا في الهواء ورفعنا عنهم، ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين، وهذا من أكبر الأسباب التى بها أشرك المشركون وعبدة الأوثان " (١) ، وقد ذكر واقعة غريبة له وهو في السجن بمصر، قال: " كما جرى مثل هذا لي، كنت في مصر في قلعتها، وجرى مثل هذا إلى كثير (٢) من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية، فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين (٣) وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولا، وكنت في الحبس فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم لما جاءوا إلى دمشق، كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم ماتيسر، فعمل معهم مثل ما كنت أعمل، وأراد بذلك إكرامي ليظن ذلك أني أنا الذي فعلت ذلك. قال لي طائفة من الناس: فلم لا يجوز أن يكون ملكا؟، قلت: لا، إن الملك لا يكذب وهذا قد قال: أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب في ذلك (٤) . والتصوف لم يقتصر على هذه الأمور، وإنما كان تصوفا يؤول في الغالب إلى الغلو من الوحدة والاتحاد والحلول، والوقوع في الشركيات بأنواعها، وتعظيم الملاحدة وتصحيح أقوالهم وكفرياتهم. وقد واجه ابن تيمية من هؤلاء أعدادا

стр. 142

كثيرة، وتوب بعض زعمائهم، وقتل بعضهم (١) . وإذا كان وجود مثل هذه النوعيات خطيرا على الأمة وعقائدها، فأخطر منه أن يتبع هؤلاء المتصوفة المنحرفين بعض العلماء والقضاة الذين يقتدى بهم، وهذا يعطى صورة للمستوى الذي وصل إليه التصوف في هذا العصر، يقول ابن تيمية في بيان حكم طلب الحاجات في القبور والاستغاثة بها: " والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيا أو وليا ليس مشروعا ولا هو من صالح الأعمال، إذ لو كان مشروعا أو حسنا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك، فكلام هؤلاء يقتضي جواز سؤال الميت والغائب، وقد وقع دعاء الأموات والغائبين لكثير من جهال الفقهاء والمفتين حتى لأقوام فيهم زهد وعبادة ودين ترى أحدهم يستغيث بمن يحسن به الظن حيا كان أو ميتا، وكثير منهم تتمثل له صورة المستغاث به وتخاطبه وتقضي بعض حوائجه وتخبره ببعض الأمور الغائبة، ويظن الغير أنه المستغاث به أو أن ملكا جاء على صورته وإنما هى شياطين تمثلت له به وخيالات باطلة فتراه يأتي قبر من يحسن به الظن إن كان ميتا فيقول: أنا في حسبك أنا في جوارك أنا في جاهك قد أصابنى كذا وجرى على كذا، ومقصوده قضاء حاجته إما عن الميت أو به، ومنهم من يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي وتب على، ومنهم من يقول: سل لي ربك، ومنهم من يذكر ذلك في نظمه ونره، ومنهم من يقول: يا سيدي الشيخ فلان أو يا سيدي يا رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو وما نزل بنا من المرض وما حل بنا من البلاء، ومنهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه، ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله، وهؤلاء قد رأيتهم وععت هذا منهم ومن شيوخ يقتدى بهم ومفتين وقضاة ومدرسين " (٢) . ويقول: " وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا جهة الشبخ عبد القادر خطوات معدودات واستغاث به " (٣) . ويذكر أنه لما قدم مصر سال

стр. 143

بعض ولاة الأمر قاضى القضاة عن فرعون " فقال: ما في القرآن ما يدل على أنه كان كافرا، ومعلوم أن دخول فرعون النار معلوم بالاضطرار من المسلمين واليهود والنصارى.... " (١) . ووصل الأمر بكثير من الناس أنه لما هاجم التتار بلاد الشام خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم.... وقال بعض الشعراء: يا خائفين من التتر لوذوا بقبرأبى عمر فصار ابن تيمية يأمر الناس بإخلاص الدين لله وأن لا يستغيثوا بغيره. " فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا " (٢) . ثالثا: المذهب الأشعري: انتشر المذهب الأشعري- في تطوره العقدي- في القرن الرابع والخامس، ولما جاء عهد الأيوبيين- وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي- تبنوا المذهب الأشعري، وقربوا علماء الأشاعرة، وصلاح الدين نشأ على هذا المذهب؛ فقد حفظ " في صباه عقيدة ألفهاله قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري (٣) ، وصار يحفظها صغار أولاده فلذلك عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه فتمادي الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بنى أيوب ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك " (٤) ، ولما تولى صلاح الدين حكم مصر ولى على القضاء صاحبه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني (٥) ، الذي ألف "رسالة في الذب

стр. 144

عن أبى الحسن الأشعري " (١) . ولما جاء عهد المماليك استمر تبنيهم لهذا المذهب من خلال توليه القضاء لأئمة الشافعية والمالكية الذين كانوا يلتزمون المذهب الأشعري، ومما يلاحظ- في هذا العصر- أن المذهب الأشعري صار تبنيه بيد من بيده السلطة من العلماء إلى الحد الذى يستنكر معه أشد الاستنكار أن يقوم أحد بمخالفته ويجاهر في رده ونقض أصوله. ولعل ما حدث لابن تيمية من محن كانت مع الأشاعرة دليل كل ذلك. وسنعرض- إن شاء اللهـ عند الحديث عن المذهب الأشعري وتطوره تفصيلات أخرى لهذا الموضوع. وبعد فهذا عرض لعصر ابن تيمية، وأحواله السياسية والعقائدية وهو إن كان فيه نوع من الإطالة إلا أنه سيساعد- بعون اللهـ على إدراك خلفيات هذا العصر الذي هو كالقنطرة بين عصرنا هذا والعصور السابقة، وكثير ممن ترجم لابن تيمية مر عليها مرورا سريعا، ولما كان موقف ابن تيمية من الأشاعرة - وغيرهم ممن كان له انحراف عن طريق السلف- موقفا بارزا وسمة واضحة من سمات هذا العصر، بحيث تحول إلى مدرسة كبرى في العالم الإسلامى لها أتباع ومؤيدون، واستمرت هذه المدرسة تخرج العلماء والمؤلفات والدراسات الداعية إلى العودة إلى مذهب السلف أهل السنة والجماعة ولما كان الأمر بهذا المستوى كان لابد من عرض مركز لأحوال هذا العصر وخلفيته. * * *

стр. 145

المبحث الثاني: حياة ابن تيمية وآثاره أولا: اسمه ونسبه ومولده: هو شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، أحمد ابن العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر، ابن علي، بن عبد الله، بن تيمية الحراني (١) . ولد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (٢) بحران (٣) يوم الاثنين عاشر- أو ثاني عشر- ربيع الأول سنة ٦٦١ هـ، وسافر به والده مع والدته واخوته بسبب

стр. 146

أوضاع ديار بنى بكر وما حولها- ومنها حران- التي كانت أحوالها سئية بعد استيلاء التتر عليها (١) ، فوصلوا إلى دمشق سنة ٦٦٧ هـ واستوطنوها (٢) . وقد اشهرت عائلته بالعلم والمكانة، فجده مجد الدين عبد السلام بن عبد الله من العلماء الأعلام، قال عنه الذهبي: " كان إماما كاملا، معدوم النظير في زمانه، رأسا في الفقه وأصوله بارعا في الحديث ومعانيه، وله اليد الطولى في معرفة القراءات والتفسير " (٣) ، وذكر تقي الدين أبو العباس أن جمال الدين ابن مالك (٤) كان يقول: ألين للشيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد (٥) . ولد المجد سنة ٥٩٠ هـ؛ وتوفي سنة ٦٥٢ هـ (٦) ، أما والد تقى الدين فهو الشهاب عبد الحليم بن عبد السلام، ولد سنة ٦٢٧ هـ، وتوفي سنة ٦٨٢ هـ قال عنه الذهبي: " ذو الفنون.... صار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد موت والده" (٧) . وقال ابن كثير: " مفتي الفرق، الفارق بين الفرق، كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة " (٨) . وقال ابن شاكر الكتبي: " كان إماما في التفسير مبرزا في المذهب والخلاف وأصول الدين والنحو واللغة، وله معرفة تامة بعلم الحساب والجبر والهندسة وكان يعرف علوما كثيرة،

стр. 147

وكان حسن الأخلاق لطيفا " (١) . أما والدة تقى الدين فهى ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية عمرت فوق السبعين، توفيت سنة ٧١٦ هـ (٢) . ولشيخ الإسلام تقى الدين ثلاثة من الإخوة اشتهروا بالعلم والفضل وهم: ١- أخوه لأمه: بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني، ولد سنة ٦٥٠ هـ تقريبا، وتوفي سنة ٧١٧ هـ كان عالما فقيها إماما، تولى التدريس عن أخيه تقى الدين (٣) . ٢- شقيقه زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم، ولد سنة ٦٦٣ هـ، وتوفي سنة ٧٤٧ هـ، كان زاهدا عابدا، كما كان تاجرا، حبس نفسه مع أخيه تقى الدين في الإسكندرية ودمشق ليخدمه (٤) . ٣- شقيقه شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم، ولد سنة ٦٦٦ هـ، وتوفي سنة ٧٢٧ هـ لما كان تقى الدين مسجونا في القلعة، كان عالما متبحرا وذهب مع أخيه إلى مصر وناظر خصومه وحده فانتصر عليهم (٥) . ثانيا: حياته الأولى: نشأ ابن تيمية وتربى في كنف والده، فتلقى العلم عنه وعن غيره من شيوخ عصره، ولم يقتصر على التلقى عن المعاصرين له وإنما اتجه إلى مؤلفات

стр. 148

من سبقه من العلماء حفظا واطلاعا، ونلمح في حياته الأولى ما يلي: أ - قوة حافظته وسرعة إدراكه لما يسمع أو يقرأ، وذكر مترجموه لذلك قصة (١) . ب - محافظته على الوقت منذ صغره، وذكروا لذلك حكاية (٢) ، ولذلك سار بقية حياته في عمل؛ إما جهاد أو تدريس أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر أو تأليف للكتب والرسائل والرد على المخالفين. جـ - قوة تأثيره وحجته، فقد أسلم على يديه يهودي وهو صغير (٣) . د - بدؤه بالإفتاء والتدريس في وقت مبكر، فقد أفتى عمره ١٩سنة (٤) ، كما درس بدار الحديث السكرية (٥) مكان والده في الثاني من محرم سنة ٦٨٣هـ - أي بعد وفاة والده بقليل - إذ توفي في سلخ (٦) ذي الحجة سنة ٦٨٢ هـ (٧) . هـ - تمثلت مصادره الأولى مختلف فنون المعرفة ومنها: التفسير وعلوم القرآن، والسنة، الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارقطني / ومعجم الطبراني، وما يتعلق بها من علوم الحديث والرجال، والفقه وأصوله، وأصول الدين والفرق، واللغة والخط والحساب، والتاريخ، إضافة إلى علوم أخرى

стр. 149

من فلك وطب وهندسة (١) ، وهذا واضح في كتبه التى ألفها فيما بعد، لا يتطرق إلى فن من الفنون إلا ويظنه القارىء متخصصا في هذا الفن. ثالثا: شيوخه: تتلمذ تقي الدين على شيوخ كثيرين، وقد خرج لنفسه مشيخة- رواها عنه الذهبى- روى فيها أربعين حديثا عن أكثر من أربعين شيخا وشيخة (٢) ،؟ اشتهر برواية جزء حديثى مشهور- وهو جزء ابن عرفة (٣) -، ومن شيوخه الذين لم يردوا في مشيخته: ١- شرف الدين المقدسى: أحمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن نعمة ابن أحمد الشافعى خطيب دمشق ومفتيها، وشيخ الشافعية فيها [٦٢٢هـ -٦٩٤ هـ] (٤) . ٢ - محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد اللة المقدسى، المداوي، الفقيه المحدث النحوي، شمس الدين أبو عبد الله، قرأ عليه ابن تيمية العربية [ولد سنة ٦٠٣ هـ، وتوفي سنة ٦٩٩ هـ] (٥) . ٣- تقى الدين الواسطي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الصالحي الحنبلى ١ ٦٠٢ هـ- ٦٩٢ هـ، (٦) .

стр. 150

٤- محمد بن إسماعيل بن أبى سعد بن على الشيباني الآمدي ثم المصري، شمس الدين أبو عبد الله [٦٨٧ هـ- ٤ ٠ ٧ هـ] (١) . ٥- المنجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخى الدمشقى، زين الدين أبو البركات [٦٣١ هـ- ٦٩٥ هـ] أخذ عنه ابن تيمية الفقه (٢) . ٦- عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن فارس العلثى ثم البغدادي، عفيف الدين أبو محمد [٢ ١ ٦ هـ- ٦٨٥ هـ] (٣) . ست الدار بنت عبد السلام ابن تيمية، عمة شيخ الإسلام، روى عنها، توفيت سنة ٦٨٦ هـ (٤) وغيرهم من الشيوخ الذين روى وأخذ عنهم والذين يزيدون على مئتي شيخ (٥) .. رابعا: هل كان مقلدا لشيوخه ؟ كل عالم يبدأ حياته العلمية غالبا ما يبدؤها بتقليد شيوخه الذين أخذ عنهم ووثق في علومهم، والمتتبع لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية يلمس منها أن ما أعطاه الله من ذكاء وقوة حافظة وسرعة إدراك وجو علمي مليء بالعلماء وبالكتب التى ألفها من كان قبلهم، ساعده على أن يكون ذا قدرة علمية مستقلة بعيدة عن التقليد الأعمى، ولذلك استمر طول حياته على منهج واحد لم يتغير، بخلاف بعض العلماء- خاصة من غاصوا في علم الكلام والفلسفة- تجد الواحد منهم يمر في حياته بأكثر من مرحلة، كل مرحلة لها منهج وطريقة تخالف المرحلة الأخرى.

стр. 151

ومع ذلك فنلمس- من خلال تتبع حياة ابن تيمية- رجوعه عن بعض المسائل التي قد يكون أخذها تقليدا، أو لم تتكامل معرفته بالشخص أو المسألة المعينة: فمثلا: يذكر أنه كان يحسن الظن بابن عربي الصوفي صاحب الفتوحات ثم عرف حقيقة حاله، يقول: " وأنا كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربى ويعظمه، لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات، والكنه، والمحكم المربوط، والدرة الفاخرة، ومطالع النجوم، ونحو ذلك، ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده، ولم نطالع الفصوص ونحوه، وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه، ونكشف حقيقة الطريق، فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا، فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون، وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة هؤلاء وجب البيان " (١) . ومرة حضر مع الصوفية وأقاموا سماعا لكنه لم يشاركهم يقول: " وكنت في أوائل عمري حضرت مع جماعة من أهل الزهد والعبادة والارادة، فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة، فبتنا بمكان، وأرادوا أن يقيموا سماعا وأن أحضر معهم، فامتنعت من ذلك، فجعلوا لي مكانا منفردا قعدت فيه، فلما سمععوا وحصل الوجد والحال، صار الشيخ الكبير يهتف بى في حال وجده ويقول: يا فلان قد جاءك نصيب عظيم، تعال خذ نصيبك، فقلت في نفسي- ثم أظهرته لهم لما اجتمعنا-: أنتم في حل من هذا النصيب، فكل نصيب لا يأتي عن طريق محمد بن عبد الله فإني لا آكل منه شيئا، وتبين لبعض من كان فيهم ممن له معرفة وعلم أنه كان معهم الشياطين، وكان فيهم من هو سكران بالخمر" (٢) . وهذه القصة كانت في أوائل عمره، وهنا يلحظ حرص هؤلاء الصوفية عليه لادخاله في زمرتهم، لكن موقفه القوي ووضوح العقيدة عنده ومعرفته بأحوالهم يدل على وعي مبكر بحال هذه الطائفة المنحرفة، ولذلك استمر في موقفه منها ورد عليها وفضح دعاتها. كما حدث له في مسألة"حلول الحوادث- الصفات الاختيارية لله تعالى- ومسألة الزيارة البدعية والشرعية ما يذكره بقوله: " ولكن هذه المسألة

стр. 152

[أي حلول الحوادث] ومسألة الزيارة وغيرهما حدث من المتأخرين فيها شبه، وأنا وغيري كنا على مذهب الآباء في ذلك، نقول في الأصلين بقول أهل البدع، فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الأمر بين أن نتبع ما أنزل الله، أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فكان الواجب هو اتباع الرسول وأن لا نكون ممن قيل فيه ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١] وقد قال تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤] ... " (١) ، بل يذكر أنه صنف منسكا ذكر فيه استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها ثم تبين له أن ذلك بدعة، يقول: " وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري، لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك، وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات " (٢) . فهذه المواقف له تدل على المنهل الأصيل الذي انطلق منه، متبعا للكتاب والسنة ولو كان ذلك فيه مخالفة لما كان عليه الآباء والأجداد، أو ما يترسمه الشيوخ والعلماء والقضاة، فالحق أحق أن يتبع، والأمور لا توزن بكلام الناس وما اعتادوهـ ولو كانوا علماء فضلاء- وإنما توزن بميزان الحق والعدل المبني على الشرع المنزل. خامسا: جهاده وربطه بالعمل: لقد تميزت حياة ابن تيمية بهذه الميزة العظيمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، فلم يكن العالم القابع في بيته، المتفرغ للإفتاء

стр. 153

والتدريس والتأليف - وغنما كان ﵀ رابطا العلم بالعمل، فعلمه يدفعه إلى تحمل مسؤوليته فيبادر إلى القيام بالحق والجهاد في سبيل الله وردع أهل الباطل. وحياة ابن تيمية كلها كانت جهادا، والكلام حول هذا الجانب يطول ولكن نشير إلى بعض الأمثلة: أ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر: وكانت له في ذلك مواقف عظيمة، منها: ١ - كسره للأصنام والأماكن التي تعظم من دون الله - وقد مضى نماذج من ذلك عند الحديث عن انتشار بعض الشركيات في عصره - كما كان في ديار مصر - ينهى عن إتيان المشاهد وتعظيمها، وكان ينهى الذين يحلفون إذا أرادوا تغليظ أيمانهم حلفوا عند مشهد الحسين (١) . ٢ - موقفه من النصارى: لما تضاءل الوجود النصراني في بلاد الشام صارت قبرص موطنا لهم يأوون إليها وهي تحت حكم النصارى وكانوا أحيانا يأخذون معهم أسارى المسلمين، وقد أرسل شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة إلى ملك قبرص - سرجوان - يدعوه فيها إلى الإسلام، ويفضح ما يفعله القسس والرهبان من الكذب على الناس مع معرفتهم أنهم على الباطل، ثم بعد أن ذكر ما عند الملك من الديانة ومحبة العلم وطلب المذاكرة، وحسن المعاملة، دعاه إلى الإسلام والاعتقاد الصحيح - بأسلوب يفيض رقة وأدبا مع مخاطبة العقل - ثم يقول: " وإن رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها، وقد كان خطر لي أن أجيء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا ... " (٢) ، ثم عقب بعد ذلك بذكر مواقفه من التتار وكيف أنه لما خاطبهم بإطلاق الأسارى وكيف أبى إلا أن يطلق جميع الأسارى من اليهود والنصارى ولا يقتصر على المسلمين، ثم يقول بلهجة قوية:: فيا أيها الملك، كيف تستحل سفك الدماء

стр. 154

وسبى الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسوله " (١) . ثم أوصى في آخر الرسالة بالإحسان إلى من عنده من المسلمين، وأن لايسعى إلى تغيير دين أحد منهم (٢) . كا كان لابن تيمية مناقشات لبعض النصارى، ففي الجواب الصحيح أشار إلى بعض مناقشاته لهم (٣) ، وأيضا فقد ناقش ثلاثة من رهبان النصارى جاءوه من الصعيد لما كان في مصر (٤) . وفي سنة ٦٩٣ هـ كانت وقعة عساف (٥) النصراني، حين سب النبي ﷺ فقام عليه ابن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي شيخ دار الحديث ودخلا على الأمير، وكانت قصة أوذي فيه الشيخان، ثم جاء الخبر بقتل النصراني (٦) . ٣- أما الصوفية فله معهم مواقف عدة، من أشهرها موقفه من الدجاجلة البطائحية (٧) ، وهذه الطائفة كان له معها وقائع متعددة، بين لهم فيها ما عندهم من حق وباطل، كما فضح أحوالهم الشيطانية التي يزعمونها، وعزم على أن يدخل معهم النار التى يزعمون أنها من أحوالهم وخوارقهم، وقد استتابهم وأظهروا له الموافقة والطاعة، ولكنهم في تاسع جمادي الأولى سنة ٧٠٥ هـ ذهبوا إلى الأمير

стр. 155

يشكون ابن تيمية ويطلبون منه أن يسلم لهم حالهم، وأن يكف إمارته عنهم، وأن لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وأرادوا أمام الناس إظهار أحوالهم الشيطانية، فلما جاء شيخ الإسلام تكلم عن اتباع الشريعة وأنه لا يسع أحدا الخروج عليها، ورد على دعواهم أنهم يستطعون دخول النار وأن أهل الشرع لا يستطعون ذلك، وعزم على أن يدخل معهم بشرط أن يغسلوا أجسامهم بالخل والماء الحار وقال في أثناء المناقشة: ومع هذا فلو دخلتم النار أو طرتم في الهواء وفعلتم ما فعلتم لم يكن دليلا على صحة ما تدعونه من نحالفة الشرع، وبعد ما غلبوا وبهتوا أقروا بأن يلتزموا التزاما تاما بالكتاب والسنة ومن خرج عنهما ضربت عنقه. وهكذا قضى على هذه الفتنة العطمة، وأحبطت مزاعم هذه الطائفة المنحرفة الذين " كانوا لفرط انتشارهم في البلاد، واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد، لخفاء نور الإسلام، واستبدال اكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار، ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل " (١) . ٤- في سنة ٧٠٤ هـ قام باستتابة شيخ يسمى إبراهيم القطان، وحلق رأسه وقلم أظافره وكانوا طوالا جدا، واستتابه من كلام الفحشى وأكل ما يغير العقل، وما لا يجوز من المحرمات، وبعد ذلك استحضر الشيخ محمد الخباز البلاسي فاستتابه أيضا عن أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة (٢) . وفي الاسكندرية توب رئيسا من رؤساء الصوفية (٣) ، كما أنكر على طائفة القلندرية (٤) ،

стр. 156

وفي سنة ٧٢٦ هـ ضربت عنق ناصر بن الشرف الهيثي لكفره واستهتاره بآيات الله، شهد قتله ابن كثير وجاءه ابن تيمية وقرعه على ما كان يصدر منه (١) . وفي إحدى المرات عزر أحد المشايخ ممن يدعي أنه المهدي (٢) . ٥- في سنة ٦٩٩ هـ قام مع أصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وأراقوها وعزروا جماعة من أهل الحانات ففرح الناس بذلك (٣) . وفي سنة ٧٠١ هـ قام عليه مجموعة من الحسدة بسبب إقامته الحدود والتعزير (٤) . ٦- أما مواقفه من السلاطين فمشهورة وأشهرها موقفه من قازان سلطان التتار- والتتار في ذلك الوقت كانت لهم هيبة وصولة- وكيف أنه كلمه بكلام قوي عن أعمالهم وافسادهم وانتهاكهم لحرمات المسلمين مع ادعائهم الإسلام (٥) . وكذلك موقفه من الناصر- حين عاد إلى سلطنته للمرة الثالثة وأفرج عن ابن تيمية- فعرض وزيره مسألة أهل الذمة وأنهم يريدون أن يدفعوا أموالا على أن لا يلزموا باللباس المخصوص بهم، فاستشار السلطان العلماء الحاضرين فسكنوا، فتكلم ابن تيمية بكلام غليظ حتى رجع السلطان (٦) . وكذلك موقفه من الأمير قطلوبك الكبير الذي كان يأخذ أموال الناس بالباطل فجاءه ونهاه (٧) . ٧- وكان لابن تيمية تأثير على السلاطين ليقوموا بدورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمثلا حين اشهرت الرشوة وأصبح لها دور في تولية بعض المناصب، بل وفي إسقاط الحدود في سنة ٧١٢ هـ ورد خطاب إلى دمشق

стр. 157

من السلطان أن لا يولي أحد بمال ولا رشوة، وأن يقتص من القاتل بحكم الشرع. وكان ذلك بمشورة ابن تيمية (١) . كما حارب ابت تيمية بعض البدع ومنها صلاة الرغائب (٢) فيذكر ابن كثير أنه في سنة ٧٠٦هـ صليت صلاة الرغائب التي أبطلها ابن تيمية بسبب سجنه في مصر (٣) ، ثم أبطلت سنة ٧٠٧ هـ (٤) . هذه نماذج من مواقف ابن تيمية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو لم يكن في حياته إلا هذا الجانب لكان دليلاً على جهاده وصبره ﵀. ومما يلحظ في هذا الجانب وفي غيره أن ابن تيمية كانت له جماعة من أصحابه يستعين بهم، وينفذون معه ما يريد، ويصحبونه في حالات جهاده، وأمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، وهذا ملاحظ في ترجمته، فابن كثير يذكر أنه في سنة ٦٩٩هـ خرج الشيخ ابن تيمية وجماعة من أصحابه إلى ملك التتر (٥) ... ، وفي سنة ٧٠٤هـ ذهب مع أصحابه لهدم صخرة تزار (٦) ، وفي نفس السنة ذهب مع أصحابه إلى جبل الكسروانيين، وفي سنة ٧٠٩ هـ لم يخرج أحد من أصحابه معه إلى الاسكندرية، لكن بعد ذلك لحق به جماعة من أصحابه (٧) . ب - جهاده للتتار: اكتنفت جهاد التتار حالة من الغموض في بعض الأمور المتعلقة بهم، كما صاحبها أحوال من الخوف والهلع من هذه الجيوش المدمرة، كما أن أوضاع العصر

стр. 158

وما فيه من فوضى جعلت موضوع " الجهاد في سبيل الله" الذي هو من أشرف الأعمال وأعظمها صورة نظرية تقرأ في نصوص الكتاب والسنة وأقوال العلماء، أو انحصرت في مسألة واضحة- لا يزال المسلمون يعيشون أحداثها- في جهادهم للنصارى. وقد هيأ الله لهذه الأمة في هذا الوضع رجلاً يقوم بدور كبير في هذا المجال وفي هذه الأحوال، وقد ظهرت مواقف ابن تيمية وجهاده العظيم من خلال مايلي: أ- توضيح حال التتار، وأنه يجب قتالهم- لاتفاق العلماء على وجوب قتال كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام- ثم بيانه لأحوال التتار وأنه ينطبق عليهم هذا الحكم- وقد تقدم بيان ذلك. ب- بيان أسباب النصر، وأن التتار- على قوتهم وكثرتهم ورهبة الناس منهم- ليس مستحيلا أو صعبا النصر عليهم متى ما أخذ المسلمون بأسباب النصر من تحكيم الشرع ورفع الظلم ونشر العدل، وإخلاص النية في الجهاد في سبيل اللة، ولذلك نجده في معركة " شقحب " (١) يأمر الناس بالفطر اقتداء بالنبي ﷺ عام الفتح وأفطر معهم، وكذلك لما حض السلطان على الجهاد سأله السلطان أن يقف معه فقال له الشيخ: السنة أن يقف الرجل تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلا معهم (٢) ، وقبيل المعركة- وابن تيمية يحض على الجهاد- كان يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] . (٣) .

стр. 159

ب- ثم نجدهـ بعد جهاده لهؤلاء والانتصار عليهم- يحلل تلك المعارك ويبين الدروس المستفادة منها، ويقف فيها وقفات يبين وجه الشبه بين ما جرى مع التتار وغزوات النبى ﷺ ، يقول في بداية كلامه: " إن هذه الفتنة التي ابتلى بها المسلمون من هذا العدو المفسد الخارج عن شريعة الاسلام، قد جرى فيها شبيه ما جرى للمسلمين مع عدوهم على عهد رسول الله ﷺ في المغازي التى أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيه والمؤمنين، ما هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا إلى يوم القيامة، فإن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد ﷺ يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظى والمعنوي، أو بالعموم المعنوي. وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كا نالت أولها وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأم لتكون عبرة لنا، فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها ... " (١) ، ثم يذكر هذه الفتنة التي وقعت فيقول: " ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان " (٢) . ثم بين أقسام الناس في هذه الحادثة ووجه الاعتبار منها، ثم أخذ يقارن بين أحداث السيرة وبين ما وقع في هذه الفتنة مع التتار؛ فيعرض لحال الأعداء ولحال المؤمنين، ثم يتكلم عن المنافقين وأفعالهم وصفاتهم، مع مقارنة دقيقة بأحوالهم في عهد رسول الله ﷺ فيذكر تحزب الأحزاب من كل جانب على المدينة ثم يقول: " وهكذا هذا العام: جاء العدو من ناحيتي علو الشام، وهو شمال الفرات، وهو قبلي الفرات، فزاغت الأبصار زيغا عظيما، وبلغت القلوب الحناجر، لعظم البلاء، لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا: هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام.

стр. 160

وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذايظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها. وهذا- إذا أحسن ظنهـ قال: إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين، ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منها كما خرج ذلك العام، وهذا ظن خيارهم. وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية. وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم. وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات لاسيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب ... فلذلك استولت الحيرة على من كان متسما بالاهتدار، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (١) . وجهود ابن تيمية في جهاد التتار يمكن تلخيص أهم أحداثها فيما يلي: أ- في عام ٦٩٧ هـ في يوم الجمعة ١٧ شوال عمل ميعادا للجهاد، وحرض عليه، وبين أجر المجاهدين، وكان ميعادا حافلا جليلاً (٢) . ٢- وفي عام ٦٩٩ هـ- حين قدم قازان بجيوشه إلى الشام- كانت له مواقف: أ- ففي الاثنين ثاك ربيع الآخر توجه ابن تيمية وأعيان البلد إلى قازان

стр. 161

لمقابلته، وأخذ الأمان للبلد، وكلمه ابن تيمة كلاما قويا، شديدا، وكان في موقفه مصلحة عطمة عاد نفعها للمسلمين (١) ب- ولما كان التتر مستولين على مدينة دمشق فأرادوا الاستيلاء على قلعتها الحصينة، فأرسل ابن تيمية إلى نائب القلعة يقول له: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وقد حفظ هذا الحصن ولم يدخله التتار (٢) . ب- خرج ابن تيمية مرة ثانية لمقابلة ملك التتر في العشرين من ربيع الآخر، فلم يتمكن من ذلك (٣) ، ثم خرج لملاقاة بولاي فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين، فاستنقد كثيرا منهم من أيديهم وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد (٤) . د- بعد رحيل التتار من دمشق، بقيت البلد في خوف شديد لا يدري الناس متى يهجم التتار مرة أخرى، فاجتمع الناس حول الأسوار لحفظ البلد، وكان ابن تيمية يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط (٥) . ٣- في سنة ٧٠٠ هـ أشيع أن التتار قادمون لغزو الشام، فأصيب الناس بالرعب، يقول ابن كثير: " وفي مستهل صفر وردت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفا على ضعفهم وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والشوبك والحصون المنيعة، فبلغت الحمارة إلى مصر خمسمائة، وبيع الجمل بألف والحمار بخمسمائة وبيعت الأمتعة والثياب والمغلات بأرخص الأثمان، وجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ثافي صفر بمجلسه في الجامع وحرض الناس

стр. 162

على القتال، وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرا، وأوجب جهاد التتر حتما في هذه الكرة وتابع المجالس في ذلك، ونودي في البلاد: لا يسافر أحد إلا بمرسوم وورقة، فتوقف الناس عن السير، وسكن جأشهم، وتحدث الناس بخروج السلطان من القاهرة بالعسكر ودقت البشائر لخروجه، لكن كان قد خرج جماعة من بيوتات دمشق كبيت ابن صعرى، وبيت ابن فضل الله، وابن منجا، وابن سويد، وابن الزملكاني، وابن جماعة " (١) ، ثم أرجف في ربيع الآخر بأمر التتر، وأن السلطان رجع إلى مصر فاشتد ذلك على الناس، وخرج الناس خفافا وثقالا هابين من المدينة وقد اشتدت الحال مع كثرة الأمطار والوحل والبرد، فذهب ابن تيمية إلى نائب الشام في المرج فثبتهم وقوى جأشهم، وبات عندهم فانتدبوه أن يذهب إلى السلطان يستحثه على المجيء، فسار إليه فلم يدركه إلا وقد دخل القاهرة، وتفرق الجند، لكن ابن تيمية قابل السلطان واستحثه على تجهيز العساكر إلى الشام وقال لهم: " إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن، ولم يزل بهم حتى جردت العساكر إلى الشام" (٢) ، وأقام ابن تيمية بقلعة مصر ثمانية أيام يحثهم على الجهاد فأجابوه ثم رجع إلى الشام، ثم جاءت الأخبار إلى الشام أن التتار رجعوا فأمن الناس وسكن جأشهم. ٤- في سنة ٧٥٢ هـ كانت وقعة شقحب التي هزم فيها التتار وكان لابن تيمية دور عظيم فيها (٣) .

стр. 163

٥- وفي سنة ٧١٢ هـ وابن تيمية في مصر بعد محنته وسجنه ثم الإفراج عنه خرج مع السلطان قلاوون للجهاد في سبيل الله (١) . هذه خلاصة مواقفه من التتار، وأسلوبه في معالجة هذه الفتن العظيمة التي حلت بالمسلمين. وفيها يتبين كيف أن هذا الإمام ذا المواقف المشهودة في مجال العلم والرد على الخصوم وتوضيح الحق للناس، كان إماما في الجهاد، وكان مثالا للشجاعة النادرة وقوة القلب وصدق اليقين بوعد الله في وقت ذهلت فيه قلوب الرجال. ج-- جهاد النصارى والرافضة: لم تشر أكثر المصادر إلى دور ابن تيمية في جهاد النصارى، قبل إجلائهم عن الشام نهائيا، إلا أن البزار (٢) يذكر في معرض ذكره لقوة قلبه وشجاعته فيقول: " وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره (٣) . وفتح عكا (٤) كان سنة ٦٩٠ هـ فيكون عمر ابن تيمية وقتها قرابة الثلاثين عاما فلا يستبعد أن يشارك في فتحها خاصة وأن ابن كثير قال في أحداث هذه السنة: " وفيها جاء البريد إلى دمشق في مستهل ربيع الأول لتجهيز آلات الحصار لعكا، ونودي في دمشق الغزاة في سبيل الله إلى عكا ... وخرجت العامة والمتطوعة يجرون في العجل، حتى الفقهاء والمدرسين والصلحاء.... " (٥) . فمن البعيد أن يتخلف ابن تيمية- والحالة هذهـ مع شغفه بالجهاد في سبيل الله.

стр. 164

أما الرافضة: فقد كانوا يتحصنون في جبال الجرد والكسروانيين، وقد ذهب إليهم ابن تيمية سنة ٧٠٤ هـ ومعه جماعة من أصحابه فاستتابوا خلقا منهم وألزموهم شرائع الإسلام (١) ، وفي سنة ٧٠٥ هـ- في أولها- خرج ابن تيمية ومعه طائفة من الجيش ونائب السلطنة فنصرهم الله عليهم وأبادوا خلقا منهم ومن فرقتهم الضالة، وقد حصل بسبب شهود ابن تيمية هذه الغزوة خير كثير، ولما رجع مع نائب الشام منتصرا امتلأت قلوب أعدائه حسدا له (٢) . * * * هذه نماذج من جهود ابن تيمية وربطه العلم بالعمل، وإذا كان موضوع هذا البحث يدور حول قضايا علمية في مواقفه من الأشاعرة، إلا أن هذه الجوانب العظيمة العملية في حياته أضفت على مواقفه وكلامه ورسائله وكتبه طابعا معينا، فلم تكن المحن التي مر بها، والمناظرات التي عقدت له وما لقي في سبيل الدفاع عن الحق وبيانه للناس من أذى وسجن قر دون أن تظهر للناس، وتأخذ حيزاً كبيرا من اهتمامهم، وتشغلهم أوقاتا طويلة يتابعون أحداثها ويتفاعلون معها. سادسا: مكانته ومنزلته: لقد تبوأ شيخ الإسلام ابن تيمية مكانة ومنزلة عظيمة بين علماء عصره، وكان لذلك أسبابه، كما أن هذه المنزلة تمثلت في مظاهر مختلفة ... فمن أسباب ذلك: ا- بعده عن المناصب أو أخذ رواتب من الدولة، وكان ذلك عن عزم منه وتصميم، فلم يتول القضاء أو الإمارة، كما لم يأخذ أجرا على الدروس التى كان يلقيها في دور الحديث أو الجامع؟ فقد عرض عليه قازان لما قابله أن يعمر حران

стр. 165

وأن يكتب برسمه أميرا عليها، فرفض ذلك (١) ، كما أنه " لما سافر على البريد إلى القاهرة سنة سبعمائة وحض على الجهاد، رتب له مرتب في كل يوم، وهو دينار وتحفه وجاءته بقجة قماش، فلم يقبل من ذلك شيئا " (٢) . بل إن بعض حساده قد وشوا به إلى السلطان الناصر وأنه يطلب الملك وأنه دائما يلهج بذكر ابن تومرت (٣) ، فأحضره بين يديه وقال له من جملة كلامه: " إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك "، فلم يكترث به، بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت، وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندى فلسين، فتبسم السلطان لذلك وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشى بك الي كاذب " (٤) . لقد أعطى هذا الموقف- من البعد عن المناصب والرواتب- ابن تيمية استقلالية وحرية، كما أبعد عنه وسائل الضغط النفسية والحسية فهو لا يشعر بأن لهم منة عليه، كما أنه لا يخاف قطع رزقه المتمثل براتب أو نحوه. وكان لذلك أثر في مكانته وهيبته في النفوس. ٢- توضيحه لأمور اشتبهت على علماء عصره: أ- فالتتر اشتبه أمرهم على الناس- بعد ادعائهم الدخول في الإسلام فبين ابن تيمية أمرهم للناس، فنشطوا لقتالهم حتى انتصروا عليهم (٥) .

стр. 166

ب- كذلك اشتبه الناس في الأموال التي أخذت من الرافضة- النصيرية وغيرهم- فأجاب ابن تيمية المستفتي ووضح أمرهم للناس (١) . ج- في سنة ٧٠١ هـ جاء اليهود من أهل خيبر، فأظهروا كتابا يزعمون أنه من رسول الله ﷺ وأن فيه إسقاط الجزية عنهم، فبين ابن تيمية كذبهم، ونقد الكتاب المزعوم نقدا حديثيا معتمدا على التاريخ؛ وذلك أن في هذا الكتاب شهادة سعد بن معاذ- ﵁ وقد توفي قبل خيبر، وشهادة معاوية ابن أبي سفيان- ﵁ ولم يسلم إلا بعد فتح خيبر بوقت (٢) . وقد سبق ابن تيمية إلى هذا النقد الخطيب البغدادى (٣) . د- وفي سنة ٧١٧ هـ شرع في عمارة أحد جوامع دمشق الكبرى، فتردد القضاة في تحرير قبلته، فاستقر الحال في أمرها على ما قاله ابن تيمية (٤) . هـ- وفي سجنهـ في القاهرة- كان- كما يقول ابن كثير- " تأتيه الفتاوى المشكلة التي لا يستطيعها الفقهاء من الأمراء وأعيان الناس، فيكتب عليها ما يحير العقول من الكتاب والسنة " (٥) . ٣- دوره في الجهاد في سبيل الله، ولم يكن فيه الجندي الشجاع فقط، وإنما كان القائد والمعلم، وصاحب المشورات والخطط العسكرية، وإذا خاض معركة مع التتار أو الروافض ورجع الجيش منتصرا كان ابن تيمية مقدم هذا الجيش الذي يحظى بتقدير واحترام الناس وإعجابهم الشديد.

стр. 167

٤- أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وفضحه لأصحاب الحيل الشيطانية، وبيانه لأحوال أهل الفلسفة والكلام والطوائف الضالة، فكثيرا ما أقام الحدود على المرتدين، وكثيرا ما قام بكسر الخمارات، وعزر أصحابها. كا أنه بين أحوال أهل الضلالة- في عصرهـ أو من قبله ممن قد تكون له مكانة في نفوس بعض الناس. ٥- ومن أهم أسباب تبوئه لهذه المكانة والمنزلة العلم الغزير، فهو إن درس أو خطب، أو أفتى، أو كتب رسالة أو كتابا في أي فن من الفنون أتى في ذلك بما يفوق علماء عصره، وما يبهر عقولهم، ولذلك صار ابن تيمية موضع ثقة الناس يسألونه عن كل ما عن لهم. وإذا اختلف اثنان- وقد يكونان من العلماء أو طلبة العلم، كا يدل على ذلك أسلوب بعض الأسئلة- كان مرجعهما والفيصل بينهما ما يقوله ابن تيمية، ولذلك صارت الأسئلة تأتيه من الأطراف ومن البلاد البعيدة، والأصل في ذلك كله الثقة في علومه ونهجه في النظر والاستدلال. هذه أهم أسباب تبوئه لهذه المنزلة، وقد تجلت هذه المنزلة في مظاهر عديدة ا) ما سبقت الإشارة إليه في عرض الأسباب من استفتائه في الأمور المشكلة وغيرها. وانتدابه للحض على الجهاد، كما حدث في انتدابه إلى مصر ليحض السلطان على المجيء إلى الشام. ٢) تولية المناصب المهمة- أصبح غالبا- بإشارة ابن تيمية، فمثلا تولية النائب الأفرم- نائب دمشق- ونقله إلى نيابة طرابلس كان بإشارة ابن تيمية (١) ، ولما آذى النائب الجديد لدمشق الناس، تم عزله بإشارة ابن تيمية (٢) .

стр. 168

٣) وفي سنة ٧٠٩ هـ كان موقفه المشهور من أهل الذمة، فألزموا باللباس المميز لهم، وكذلك ورد سنة ٧١٢ هـ خطاب إلى دمشق أن لا يولى أحد بمال ولا رشوة (١) . ٤) بل المناصب الشرعية من الخطابة، وإدارة دور الحديث كان يعين أصحابها بإشارة من ابن تيمية، كما حدث سنة ٧٠٣ هـ (٢) . سابعا: محنه وسجنه: امتحن شيخ الإسلام ابن تيمية محنا عديدة، وما تكاد تنتهى عاصفة إحدى المحن حتى تبدأ محنة جديدة، حتى لقي ربه وهو في سجن القلعة بدمشق. ومما يحز في النفس أن هذا الإيذاء والعداء له لم يأت من أعداء الاسلام الذين ظهرت عداوتهم له من اليهود والنصارى والتتار والرافضة، وإنما جاء من علماء وفضلاء، قضاة ومفتين، أشربوا شبه بعض أهل الكلام والتصوف فانضاف إلى ذلك حسدهم لشيخ الإسلام وما له من مكانة في نفوس الناس، فقاموا عليه معتمدين على مناصبهم في الفتيا والقضاء وعلاقتهم بالسلاطين والأمراء، ومما يلفت الانتباه أن غالب محنه كانت مع الأشاعرة متمثلين في علماء ذلك الوقت، حتى محنته مع المتصوفة في مصر لم يكن الأشاعرة بعيدين عنها، ومعلوم أن التصوف دخل في المذهب الأشعري ضمن التطورات التي مر بها هذا المذهب، أما محنته بسبب فتياه في الطلاق فلم تكن القضية قضية خلاف اجتهد فيه ابن تيمية وخالف بعض فقهاء عصره، وإنما كانت مرتبطة بما جرى قبلها حول ردوده على الأشاعرة والمحن التي وقعت بسبب ذلك. أما أسباب العداء له فلم تكن بعيدة عما سبق بيانه مما تبوأه ابن تيمية من مكانة ومنزلة غطت على مكانة أولئك العلماء- خاصة من كان منهم في منصب القضاء أو الافتاء أو الخطبة- فلم تكن لهم أو لبعضهم تلك المواقف العظيمة

стр. 169

في أيام المحن والشدائد حين كان التتار يثيرون الرعب في النفوس قبل قدومهم بوقت طويل إذا جاءت الإشاعة أنهم قادمون، وحين كان بعض هؤلاء القضاة والعلماء يحمل أولاده وأهل بيته وما يستطيع حمله من أثاث ومال مبتعدا بهم عن هذا الهول المرتقب القادم إلى دمشق، كان شيخ الإسلام ابن تيمية يلقي درسه في الجامع عن الجهاد في سبيل الله وفضله وفضل الانفاق فيه، بل ويصدر فتوى - يلزم بها الناس- بأنه لا يجوز لأحد الفرار من دمشق، بل يجب البقاء فيها لحمايتها من الأعداء، ويبقى أولئك العلماء في دمشق لكن أولادهم وأهليهم أرسلوهم إلى مصر وغيرها. وحين انتهت هذه المحن بطرد التتار وهزيمتهم برز ابن تيمية- كإمام من أئمة العلم والجهاد-، وصارت له الوجاهة والمنزلة عند الناس. وهناك أسباب أخرى- لهذه المحن التي مر بها- تتعلق بمواقفه من أهل الكلام والتصوف والفلسفة، إذ لم تقتصر هذه المواقف على بيان مذهب السلف والسكوت عمن عداهم، أو بيان حرمة القول الفلاني أو خطئة فقط، أو غير ذلك من المواقف الباردة، بل كانت مواقفه قائمة على الرد على تلك الفرق والطوائف المختلفة، وذلك ببيان أصولها المنحرفة التي ترجع إليها ومناقضتها لأصول ومنهج السلف- رحمهم الله تعالى- فلما بدأ وهو الخبير بأصول الفرق ونشأتها وتطور المقالات الفلسفية والكلامية وكيف يؤثر بعضها على بعض ويتلقي بعضها من بعض؟ يشرح أصول أهل الكلام- وفيهم الأشاعرة- ويرجعها إلى أصول أهل الفلسفة والتجهم والاعتزال، ويوضح أصول مذهب السلف وتميزها عن منهج هؤلاء جميعا، وكل ذلك بأسلوب علمى قوي قائم على الأدلة والنصوص والنقول عن كتب ومصادر هذه الطوائف مما لا يقدر أحد على إنكاره أو ادعاء التحريف في نقله لما صار يتحدث ويكتب بهذا الأسلوب أفزع أولئك العلماء المقلدة الذين نشأوا وتلقوا عن شيوخهم مذاهبهم وعقائدهم، وهم لا يشكون انها هي مذهب أهل السنة والجماعة. لذلك قاموا على ابن تيمية يتهمونه بالطعن على السلف، ويدافعون عن المذهب الأشعري، فكانت بينه وبينهم صولات وجولات استمرت زمنا طويلا.

стр. 170

ومن الأشياء التي تلفت الانتباه ني محن ابن تيمية دوره الإيجابي فيها، فلم تكن تلك الأحداث وما يصاحبها من التشهير والسجن وصنوف الإيذاء النفسي والجسدي تبعد به عن أهدافه الكبرى من تعليم الناس وبيان الحق لهم، ولذا تجده وهو في وسط المحنة إذا أحس بانفراج- ولو كان محدودا- لا يلتفت إلى ذاته ونفسه والدفاع عنها، والانتقام لها، وإنما يتوجه إلى أصل القضية التي يدافع عنها يبين الدليل عليها، ويؤلف الكتب والرسائل حولها ولعل تلك الكتب العظيمة التي قد يبلغ الواحد منها مجلدات والتي ألفت على أثر بعض تلك المحن من أعظم الجوانب الإيجابية فيها. وسنعرض لجانبين اثنين حول محنه: الجانب الأول: عرض مختصر لمحنه التي مر بها. والجانب الآخر: أدوار ابن تيمية الإيجابية في هذه المحن. أ- عرض مختصر للمحن التي مر بها: ١- محنته بسبب " الحموية ": وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة ٦٩٨ هـ، في آخر سلطة المنصور حسام الدين لاجين-[٦٩٦- ٦٩٨ هـ] وذلك بين سلطة الناصر قلاوون الأولى والثانيةوكان نائب الشام سيف الدين قبج المنصورى، فلما كان في أول عام ٦٩٨ هـ بلغ النائب والأمراء أن السلطان غاضب عليهم، فعزموا على الذهاب إلى بلاد التتر والنجاة بأنفسهم (١) ، فوقع اضطراب شديد، ففى هذه الأثناء وقعت محنة ابن تيمية حول الحموية، رلعل الفقهاء استغلوا هذه الفوضى فحملوا على عقيدة الشيخ، وملخص هذه المحنة أنه كتب جوابا سئل عنه من حماه (٢) في الصفات

стр. 171

فذكر فيه مذهب السلف، ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين (١) ، واجتمع بسيف الدين جاغان (٢) في ذلك في حمال نيابته بدمشق، وقيامه مقام نائب السلطة، وامتثل أمره، وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ، وتألمهم لظهوره وذكره الحسن، فانضاف شىء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغا إلى الكلام فيه لزهده وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه، وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم. فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات القرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقا في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحدا واحدا، وأغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش وجعلوه يقول بالتجسيم- حاشاه من ذلك- وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء، والعياذ بالله، وسعوا في ذلك سعيا شديدا ٠٠. (٣) ، وقد وافقهم القاضي الحنفى جلال الدين بن حسام الدين (٤) ، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية (٥) وطلب حضوره وأرسل إليه فلم يحضر، وإنما أجابه ابن تيمية بقوله: " إن العقائد

стр. 172

ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي "، فلما وصل إلى القاضي هذا الجواب غضب وأمر بأن ينادى في البلد ببطلان هذه العقيدة، ولكن الأمير سيف الدين جاغان أرسل طائفة إلى المنادي فضرب ومن كان معه، وأمر الأمير بطلب من سعى في ذلك فاختفوا، ثم إن شيخ الاسلام ابن تيمية لما هدأت الأمور جلس يوم الجمعة ثالث عشر هذا الشهر- شهر ربيع الأول- وكان تفسيره في درسه لقوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤] وذكر الحلم وكان درسا عظيما (١) . ثم بعد ذلك اجتمع ابن تيمية بعد ذلك بالقاضى الشافعي إمام الدين القزوينى (٢) وواعده لقراءة جزئه الذي أجاب فيه وهو المعروف بالحموية، فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر- من الصباح إلى الثلث من الليل- ميعادا طويلا مستمرا، فقرئت جميع العقيدة وبين مراده من مواضع أشكلت، ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم ولا ممن حضر المجلس بحيث انفصل عنهم والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر "، ورجع ابن تيمية إلى دار في ملأ كثير من الناس، وهم في فرح واستبشار به (٣) ، وكان إمام الدين-كما يذكر ابن كثير- معتقده حسنا ومقصده صالحا- (٤) . وهكذا سكنت هذه الفتنة بالاعتراف للشيخ، في أنه على الحق في عقيدته التي كتبها و! يت " الحموية " وتعتبر من أهم وأقوى رسائل ابن تيمية التأصيلية لمذهب السلف. ومن خلال هذا العرض لهذه المحنة التي نقلها صاحب العقود الدرية نلمح الظروف والأسباب التي دعت هؤلاء للقيام عليه.

стр. 173

٢-- محنته ومناظرته حول " الواسطية ": وبداية هذه المحنة في يوم الاثنين ٨ رجب سنة ٧٠٥ هـ حين ورد مرسوم من السلطان في مصر إلى نائب الشام أن يسأل الشيخ عن عقيدته، فجمع النائب القضاة والفقهاء وابن تيمية- وهم لا يدرون لماذا جمعوا- فقال النائب: هذا المجلس عقد لك لمساءلتك عن عقيدتك، يقول ابن تيمية: " فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم. وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتابا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكنني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم. وكان قد بلغني أنه زور على كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير (١) - أستاذ دار السلطان- يتضمن ذكر عقيدة محرفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أن هذا مكذوب، وكان يرد علي من مصر وغرها من يسألني مسائل في الاعتقاد أو غيره، فأجبته بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة " (٢) ثم طلبوا منه أن يملي عقيدته فأملاها، ثم قال للأمر والحاضرين: " أنا أعلم أن أقواما يكذبون علي كما قد كذبوا علي مرة (٣) ، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون: كتم بعضه، أو داهن

стр. 174

أو دارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة من نحو سبع سنين، قبل مجيء التتر إلى الشام " (١) فأحضرت العقيدة الواسطة، وقرئت وتناقشوا فيها. ثم أجلت بعض المباحث منها إلى المجلس الثاني الذي عقد يوم الجمعة بعد الصلاة ثالث عصر رجب، وفي هذه المرة أخذوا أهبتهم في الاستعداد للمناظرة وأحضروا معهم من يعتبرونه أكبر شيوخهم وهو صفي الدين الهندي (٢) ، فلما اجتمعوا بدأ ابن تيمية الكلام وذكر أن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف، ثم قال بأسلوب قوي: " وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف!، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت له الأسرار وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة،

стр. 175

التى أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس فإن للسلم كلاما وللحرب كلاما " (١) . ثم جرى نقاش حول عدة قضايا حول الكلام، والتجسيم، والاشتراك والتواطؤ في الصفات، وحديث الأوعال، وكان ابن تيمية الشيخ والمرجع فإذا تكلم لم يستطعوا رد كلامه وأدلته. وانتهى هذا المجلس ورجع تقى الدين إلى بيته معززا مكرما (٢) . ثم عقد المجلس الثالث في سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة، وعزل القاضي ابن صصري (٣) نفسه بسبب كلام سمعه من كمال الدين ابن الزملكاني (٤) (٤) ، ثم جاء مرسوم السلطان بإعادته إلى منصبه وفي الكتاب: " إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه " (٥) . وكان سبب هذه المناظرات- حول الواسطة- وأمر السلطان بذلك ما قام به ابن تيمية- أول هذا العام ٧٠٥ هـ- من غزو الروافض والنصيرية في الكسروان، ثم بعد ما قام في جمادى الأولى من مناظرة الأحمدية المتصوفة وإنكاره عليهم،

стр. 176

وإلزامهم بالشرع وأن من خرج عليه ضربت عنقه، ثم ظهر الشيخ نصر المنبجي (١) - في مصر- وشاع أمره وميوله نحو المتصوفة، فأرسل إليه ابن تيمية بالانكار عليه، فأغرى الشيخ نصر القضاة والعلماء في مصر، وقال: إنه سىء العقيدة مبتدع معارض للفقراء وغيرهم، وطعنوا فيه عند السلطان، ولا يبعد أن يكون الروافض قد برطلوا- أي ارتشوا- عليه فورد مرسوم السلطان بمساءلته عن عقيدته فعقدت له تلك المجالس في رجب (٢) . ولكن المنبجي لم يرض بما انتهت إليه المجالس، فعمد بأسلوب آخر إلى السعي لدى السلطان لامتحان ابن تيمية مرة أخرى. ٣- محنته وذهابه إلى مصر: لم يقتنع نصر المنبجي بما انتهى إليه المرسوم السلطاني الأول، فسعى إلى السلطان الجاشنكير- الذي كان يعتقد في نصر- فاجتمع به مع طائفة من علماء مصر " فأوهمه الشيخ نصر أن ابن تيمية يخرجهم من الملك ويقيم غيرهم، وأنه مبتدع، فورد مرسوم السلطان إلى دمشق بإحضار ابن تيمية إلى مصر (٣) في خامس شهر رمضان سنة ٧٠٥ هـ فلما طلب إلى الديار المصرية مانع نائب الشام وقال: قد عقد له مجلسان بحضرتي، وحضرة القضاة والفقهاء وما ظهر عليه شىء، فقال الرسول لنائب دمشق: أنا ناصح لك، وقد قيل: إنه يجمع الناس عليك، وعقد لهم بيعة، فجزع من ذلك وأرسله إلى القاهرة على البريد " (٤) ،

стр. 177

ويقال: إن النائب أشار على الشيخ بترك التوجه إلى مصر، وأنه يكاتب في ذلك فامتنع الشيخ من ذلك ولم يقبل، وذكر أن في توجهه إلى مصر مصالح كثيرة (١) . ولما توجه ابن تيمية إلى مصر- ازدحم الناس لوداعه وكان يوما مشهودا - فلما كان يوم الخميس ٢٢ رمضان وصل مع القاضي ابن صصري إلى القاهرة، وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة جمع القضاة وأكابر الدولة في القاعة لمحفل، وادعى عليه القاضي ابن مخلوف المالكي (٢) أنه يقول بالاستواء وأن الله يتكلم بحرف وصوت، فأخذ ابن تيمية في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب، ماجئنا بك لتخطب، فقال: ومن الحاكم فى، فقيل له القاضي المالكي، قال: كيف يحكم في وهو خصمي؟ وغضب غضبا شديدا وانزعج، فحبس في برج مرسما (٣) عليه أياما، وفي ليلة عيد الفطر نقل إلى الحبس المعروف بالجب (٤) هو وأخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحمن وبقى في السجن عاما كاملا وقرىء تقليد في الشام ومصر بالحط على ابن تيمية ونحالفته في العقيدة، في ليلة عيد الفطر سنة ٧٠٦ هـ اجتمع نائب السلطنة سيف الدين سلار (٥) بالقضاة والفقهاء وتكلم في إخراج الشيخ من السجن فاتفقوا على أن يشترط عليه أمور وأن يرجع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه فأبى أن يحضر، وتكرر إليه الرسول ست مرات وصمم على عدم الحضور فطال عليهم المجلس ثم انصرفوا من غير شىء.

стр. 178

ثم طلب أخوا الشيخ إلى نائب السلطة في ذي الحجة سنة ٧٠٦ هـ وحضر ابن مخلوف وجرت مناقشات بين عبد الله شرف الدين وبين القاضي المالكي فظهر عليه وخطأه في مواضع (١) ، وفي صفر سنة ٧٠٧ هـ اجتمع القاضي بدر الدين ابن جماعة (٢) بالشيخ تقي الدين في دار الأوحدي بالقلعة وطال بينهما الكلام في غير نتيجة (٣) . فلما كان في ربيع الأول من سنة ٧٠٧ هـ دخل الأمير حسام الدين: مهنا بن عيسى ملك العرب (٤) الى مصر، وحضر بنفسه إلى الجب وأقسم على الشيخ تقى الدين ليخرجن، فلما خرج أقسم عليه ليأتين معه إلى دار سلار، فاجتمع بعض الفقهاء وجرت بحوث ثم بات الشيخ في دار نائب السلطنة سلار، ثم اجتمعوا بعد ذلك مرة أخرى بمرسوم من السلطان- ولم يحضر القضاة- ولما طلبوا للحضور اعتذروا بعضهم بالمرض وبعضهم بغيره، والحقيقة أنه كان هروبا من مناقشة ابن تيمية فقبل نائب السلطنة عذرهم ولم يكلفهم الحضور بعد أن رسم السلطان بحضورهم أو بفصل المجلس على خير. وبات الشيخ عند نائب السلطنة ثم جاء حسام الدين بن مهنا وريد أن يستصحب معه الشيخ تقي الدين إلى دمشق، فأشار سلار بأن يقيم الشيخ عنده بمصر ليرى الناس فضله.

стр. 179

وكتب ابن تيمية كتابا إلى الشام يتضمن ما وقع له، وكان مدة مقامه في الجب ثمانية عشر شهرا، وفرح الناس بخروجه فرحا شديدا. ثم تفرغ للتدريس والإفتاء (١) . أما أهل الشام فكانوا يتابعون ما يجري للشيخ ويتألمون لما وقع له، حتى إنه لما جاء خطاب من الشيخ وهو في الجب إلى دمشق أخبر نائب السلطنة في الشام فأرسل في طلبه فقرئ على الناس، وجعل النائب يشكر الشيخ ويثني على علمه (٢) . ٤- محنته مع الصوفية في مصر: بقي ابن تيمية في مصر- بعد خروجه من السجن- يعلم الناس ويفتيهم ويذكر اللة ويدعو إليه، ويتكلم في الجوامع بتفسير القرآن بعد صلاة الجمعة إلى العصر، ولما كان كثييرا ما يتطرق إلى جوانب عديدة في العقيدة منها ما له مساس بأحوال الصوفية وبدعهم، إضافة إلى أن خصمه نصرا المنبجي لم ينل- وهو المقدم عند الجاشنكير- ما أراد من إيذاء ابن تيمية، بل انعكس الأمر وصار ما جرى له سببا في شهرته وإكباب الناس على الاجتماع به والاستفادة من علومه ليلا ونهارا. فجاء الأسلوب هذه المرة من نصر المنبجي وابن عطاء الله السكندرى (٣) بإثارة أتباعهم من المتصوفة فاجتمع خلق كثير منهم من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا على أن يشكوا الشيخ إلى السلطان، فطلع منهم خلق محمير إلى القلعة وكانت لهم ضجة شديدة لفتت انتباه السلطان، فقيل له هؤلاء قد جاءوا من أجل ابن تيمية يشكونه ويقولون: إنه يسب مشايخهم، واستعانوا عليه بالأمراء وغيرهم.

стр. 180

وكان ذلك في شوال سنة ٧٠٧ هـ، فأمر بأن يعقد له مجلس فعقد له مجلس يوم الثلاثاء١٠ شوال ٧٠٧ هـ، وظهر من علم الشيخ وشجاعته وقوة قلبه الشيء الكثير، فادعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت عليه منها شيء، ثم جاء الأمر من الدولة أن يخير بين ثلاثة أشياء، إما أن يسير إلى دمشق، أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، ثم دخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزما ما شرط فأجاب أصحابه إلى ما اختاروه جبرا لخواطرهم، ثم لما سافر ليلة ١٨ شوال، رد من الطريق وقيل: إن الدولة لا ترضى إلا الحبس، واستناب ابن جماعة بعض القضاة أن يحكموا فيه بالحبس فامتنع أحدهم وتحير الآخر، فلما رأى الشيخ توقفهم في حبسه قال: أنا أمضى إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فأرسل إلى حبس القضاة وأذن له بأن يكون معه من يخدمه، فبقي الشيخ في السجن يستفتى في الأمور المعضلة ويجتمع الناس به ليلا ونهارا، وكان له دور عظيم في توجيه المحابيس وإصلاح أحوالهم حتى صار له منهم تلاميذ يختارون الإقامة عنده بعد خروجهم (١) ، ثم عقد له مجلس بالصالحية بعد ذلك كله ونزل الشيخ بالقاهرة بدار ابن شقير وأكب الناس على الاجتماع به ليلا ونهارا حتى دخلت سنة ٧٠٨ هـ (٢) . ٥- نقله إلى ثغر الاسكندرية: لما كثر اجتماع الناس به وترددهم عليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم وصاحب ذلك تطور سياسي فقد تسلطن الجاشنكير- حين خرج الناصر إلى الكرك مكرها بسبب كف يده عمليا عن السلطة (٣) - وكان بيعة الجاشنكير في ٢٣ شوال ٧٠٨ هـ- وكان ابن تيمية وهو يعلم خفايا الأحداث وقصة ذهاب الناصر إلى الكرك- ينال من الجاشنكير ومن شيخه نصر ويقول:
следующие страницы →