← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات اكثر التنقل " (١) . ولذلك ما أكثر تنقل أهل الأهواء، بخلاف السلف الذين عرفوا الحق فثبتوا عليه، وأهل الكلام " لو اعتصموا بالكتاب والسنة لا تفقوا كما اتفق أهل السنة والحديث، فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شىء من أصول دينهم " (٢) . ٤- اتفاقهم على أمور العقيدة، وعدم اختلافهم مع اختلاف الزمان والمكان، وهذا ما يمكن أن يسمى به الوحدة الفكرية عندهم " فأهل السنة في أي قرن من القرون، وفي أي مكان لو اختبرت الواحد منهم لوجدته يحمل من العقيدة والمنهج- مع القناعة التامة بذلك- مثل ما يحمله الآخر يقول قوام السنة الأصبهاني (٣) : " ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق انك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار - وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافا ولاتفرقا في شيء ما وإن قل. بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ " (٤) .وهذا وصف دقيق لوحدة أهل السنة وعدم تباين واختلاف أقوالهم مثل ما حدث ويحدث لمن عداهم من أهل الأهواء والابتداع.

стр. 72

٥- ردهم على أهل البدع- في كل زمان- حسب البدع التي نشأت فيه، وهذا لأنهم حريصون أتم الحرص على سلامة العقيدة من أن يشوبها شيء من كدر الهوى والابتداع، فكل ما حدثت بدعة ردوا عليها وبينوا فسادها، وهكذا في البدع التي تليها. ولا يفتعلون افتراضات وشبهات ثم يقومون بالرد عليها كما يفعل أهل البدع، وإنما يحرصون على تربية الناس على العقيدة الصحيحة من الكتاب والسنة، ويبينون للناس ذلك ويشرحونه، حتى تمتلىء قلوبهم بعظمة الله، وبعظمة الوحي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وما يترتب على هذه التربية من الاعتزاز بهذا الدين وبمذهب أهل السنة والجماعة، وأنه طريق النجاح والفلاح. أما مجادلة أهل البدع والرد عليهم فإنما يأتي عرضا حسب خطورة البدعة والخوف من انتشارها، فيردون عليها فقط ولا يتعدى ذلك إلى افتراض بدع أخرى ثم الرد عليها، حتى توجد هذه البدعة، ولذلك فمن الواضح من منهج السلف أنه " قد يبين بعضهم في بعض الأوقات ما لا يبينه غيره لحاجته في ذلك، فمن ابتلي بمن يقول: ليس هذا كلام الله كالامام أحمد كان كلامه في ذم من يقول: هذا مخلوق، أكثر من ذمه لمن يقول: لفظي مخلوق. ومن ابتلى بمن يجعل بعض بعض صفات العباد غير مخلوق، كالبخاري صاحب الصحيح، كان كلامه في ذم من يجعل ذلك غر مخلوق أكثر. مع نص أحمد والبخاري وغيرهما على خطأ الفريقين " (١) . ٦- حبهم لسنة الرسول ﷺ ، وموالاتهم لأهلها، وهذه ميزة بارزة لأهل السنة كما؟ أن ضدها من الإعراض عن السنة وعدم الاهتمام بها، والازراء أحيانا بمن يفنون أعمارهم في روايتها ونقلها وتعليمها للناس- إحدى علامات أهل البدع الكبرى. رُوي عن البخاري أنه قال: " كنا ثلالة أو أربعة على باب علي بن عبد الله فقال: إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث عن النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم" (٢) ،

стр. 73

إني لأرجو أن تأويل هذا الحديث أنتم، لأن التجار قد شغلوا أنفسهم بالتجارات، وأهل الصنعة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات، والملوك قد شغلوا أنفسهم بالمملكة، وأنتم تحبون سنة النبي ﷺ (١) ، ويقول قتيبة بن سعيد (٢) : " إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويهـ وذكر قوما آخرين- فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع " (٣) ، ويقول الشيخ أبو اسماعيل الصابوني: " وإحدى علامات أهل السنة حبهم لأئمة السنة وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار، وقد زين الله سبحانه قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة فضلا منه ﷻ " (٤) . ٧- قبولهم عند الناس والتمكين لهم، فهم العدول الذين تقبل أقوالهم ويحتج برواياتهم. ولو استعرضنا تاريخ الاسلام لوجدنا البارزين فيه كل عصر هم أهل السنة الذين قاموا بالحق ودعوا إليه، وجددوا ما اندرس من أمور الاسلام، وجاهدوا في الله حق جهاده بالنفس والمال والقلم واللسان. يقول إسحاق ابن موسى الخطمي (٥) : ما مكن لأحد من هذه الأمة ما مكن لأصحاب الحديث لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] فالذي ارتضاه الله قد مكن لأهله فيه، ولم يمكن لأصحاب

стр. 74

الأهواء في أن يقبل منهم حديث واحد عن أصحاب النبي ﷺ . وأصحاب الحديث يقبل منهم حديث رسول الله ﷺ وحديث أصحابه. ثم ان كان فيهم رجل أحدث بدعة سقط حديثه وإن كان من أصدق الناس " (١)) . وهذا على العموم، وإلا فقد روى بعض العلماء عن بعض أهل البدع بشروط دقيقة حددوها. ٨- حرصهم على تنشئة الشباب على السنة، لأن الشاب إذا نشأ على قراءة القرآن ومحبة السنة ومدارستها، وما ينشأ عن ذلك من مجالسة أصحابها والتعلم منهم- أحرى أن يكون معهم وأن يكون صاحب سنة، مبغضا للبدعة وأصحابها. قال عمرو ابن قيس الملائي (٢) : " إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه فإن الشاب على أول نشوئه " (٣) ، وقال عبد الله بن شوذب (٤) : " إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها " (٥) ، وروى عن أيوب [السختياني] (٦) أنه قال: " إن من سعادة الحدث والأعجمى أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة " (٧) .

стр. 75

٩- الحرص على جماعة المسلمين ووحدتهم، فهم دائما يحضون على الوحدة وينبذون الفرقة والتفرق. وهذا واضح في منهج السلف! القائم على أن أي اتفاق بين المسلمين لا يكون إ، على أساس الرجوع إلى الكتاب والسنة، وتحكيمها، فهم أهل السنة والجماعة المجتمعون على الحق، الحريصون على حمع الناس على كلمة الحق.

стр. 76

الباب الأول: ابن تيمية والأشاعرة ويشمل الفصول التالية: الفصل الأول: حياة ابن تيمية- عصره، ونشأته وآثاره. الفصل الثاني: منهجه في تقرير عقيدة السلف وفي رده على الخصوم. الفصل الثالث: أبو الحسن الأشعري. الفصل الرابع: نشأة الأشاعرة وعقيدتهم. الفصل الحامس: تطور مذهب الأشاعرة، وأشهر رجالهم إلى عصر ابن تيمية.

стр. 77

الفصل الأول: حياة ابن تيمية ويشمل مبحثين:- المبحث الأول: عصر ابن تيمية. المبحث الثاني: ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 78

الفصل الأول تقدمة يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ من العلماء البارزين الذين حظوا بتراجم عديدة، مفردة وغير مفردة. كما أن كتبه ورسائله وفتاواه وما تضمنته من اجتهادات في مسائل الفقه والأحكام، ودراسات أصولية- في الفقه والحديث والتفسير- وشروح لمذهب السلف وردود على المخالفين.... وغيرها- صارت مجالا خصبا للتأليف والدراسة والنشر والتحقيق، ولم تغفل هذه الكتب الترجمة لابن تيمية ودراسة جوانب من منهجه. لذا فإن الباحث يقف في حيرة من هذا الأمر: كيف يترجم لهذا العلم مع هذا العدد الكبير من المصادر والمراجع التى تناولت حياته بالشرح والتفصيل؟ خاصة إذا كان من المهم إبراز جوانب تتعلق بحياة المترجم لها مساس بموضوع البحث الأساسي. وقد جاء هذا الفصل المتعلق بحياة شيخ الإسلام يركز على مبحثين: الأول: عصر ابن تيمية، وأوضاعه السياسية والإدارية والعلمية والعقدية، ونظرا لتأخر عصر ابن تيمية نوعا ما فقد حرصت على أن لا يكون العرض مختصرا، بل شاملا ومركزا يعرض للخلفيات، والمواقف، خاصة مواقف العلماء ومنهم ابن تيمية، ولعل تفصيل بعض النقاط هنا يغني عن تفصيلها عند الحديث عن ترجة شيخ الإسلام. الثاني: ترجمة شيخ الإسلام، تركز على نسبه وشيوخه وجهوده العلمية والعملية، ومحنه التي مر بها، ثم تلاميذه، وآثاره مع التركيز على كتبه ورسائله التي رد فيها على الأشعرية.

стр. 79

المبحث الأول: عصر ابن تيمية عاش شيخ الإسلام ابن تيمية في النصف الثاني من القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن الهجري، وبالتحديد بين عامي ٦٦١- ٧٢٨ هـ، وقد كان هذا العصر امتدادا لعصور سابقة اعتورتها أحداث كبار ومتغيرات كثيرة في العالم الإسلامي، سواء في وضعه السياسى أو وضعه العقدي أو وضعه الاجتماعي وا لتشريعي. وتفصيل هذه الأمور يبعدنا عن موضوع هذه الرسالة، لذا سنقتصر على الإشارة إلى بعض القضايا التي تلقي الضوء على هذا العصر دون الدخول في متاهات الأوضاع السياسية وتقلباتها- التي فصلتها كتب التاريخ- وأهم هذه القضايا:- ١- الغزو الصليبي للعالم الإسلامي. ٢ - ظهور التتار واجتياحهم للعالم الإسلامي. ٣ - المماليك يخلفون الأيوبيين في حكم مصر والشام. ٤ - سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وانتقال مركز القيادة والثقل في العالم الإسلامي إلى مصر. ٥ - الباطنيون والرافضة. ٦ - بداية ظهور التقنين والتحاكم إلى غير الشريعة الإسلامية. ٧ - الجوانب العلمية والعقائدية: أ- أهل الذمة. ب - التصوف والشركيات. جـ - المذهب الأشعري.

стр. 80

أولا: الصليبيون: [ ٤٩٠ - ٦٩٠ هـ] . الحرب بين المسلمين والنصارى لم تهدأ في يوم من الأيام منذ انتشار الاسلام فالدولة البيزنطية في شمال الشام كانت موجودة وبينها وبين المسلمين حروب ومناوشات كثيرة، وكذلك النصارى في الأندلس كانت بينهم وبين المسلمين حروب مستمرة. ولكن ما اصطلح عليه اسم " الحروب الصليبية " كانت خاصة بتلك الهجمات والحملات من جانب نصارى أوربا على قلب العالم الإسلامى في بلاد الشام، وما حققوه في البداية من انتصارات ثم تلك المقاومة الرائعة من جانب قادة عظام من قواد المسلمين برزوا في ذلك الوقت ليقارعوا الصليبين حتى أجلوهم وطردوهم من بلاد الإسلام. ولم يكن باستطاعة النصارى أن يفعلوا ما فعلوا لولا الواقع المؤسف الذي كان يعيشه العالم الإسلامي: فالدولة العباسية كانت مقسمة وسلطات الحلفاء كانت شكلية، والدويلات المتفرقة تتقاسم أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي: فالسلاجقة (١) في بغداد، والفاطميون في المغرب ومصر، والشام والجزيرة في كل مدينة إمارة. ولم يقتصر الأمر على هذا التفرق فقط وإنما كان الصراع محتدما بين هؤلاء، فالفتن والحروب فيما بينهم مشتعلة، والتفرق والتباين المذهبي كان يجعل مسألة الوحدة مسألة شبه مستحيلة. أما في الأندلس فيكفي أنها كانت تعيش عهد دول الطوائف (٢) . ومع هذا التفرق والانقسام فقد وقعت معركتان فاصلتان بين المسلمين والنصارى إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب، انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما:

стр. 81

أولاهما: معركة ملازكرد (١) في عام ٤٦٣ هـ انتصر فيها ألب أرسلان السلجوقي على إمبراطور الروم مما أدى إلى انهزام الروم في الأناضول واستيلاء السلاجقة على غالب تلك المنطقة، حتى أصبحت مدينة القسطنطينية مهددة من جانب السلاجقة (٢) . والأخرى: معركة الزلاقة (٣) التي كانت بين يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين وبين النصارى. وكانت عام ٤٧٩ هـ. وقد كان من نتائج هذه المعركة تأخر إجلاء المسلمين عن الأندلس عدة قرون (٤) . ولكن مع هذا فإن الضعف والتفرق المحيط بالمسلمين كان قد وصل إلى حالة مؤسفة، بحيث لم تكن مثل تلك المعارك الفاصلة التي انتصر فيها المسلمون بداية لتحركهم وزيادة فتوحاتهم واسترداد ما احتله أعداؤهم من بلادهم أو على الأقل إيقاف الخصوم عند حدودهم. لكن الذى حدث هو العكس تماما فبعد سنوات محدودة تجمعت أوربا الصليبية وسارت بحملات رهيبة إلى داخل العالم الإسلامي ليكونوا فيه دويلات لهم ويحتلوا القدس الشريف، وقد بدأت هذه الحملات عام ٤٩٠ هـ. والذى يلفت الانتباهـ في مسألة نشوء هذه الحملات- ما يذكره ابن الأثير في الكامل من رواية تقول: " إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة

стр. 82

الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلائها على بلاد الشام إلى غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، ودخول أقسيس إلى مصر وحصرها، خافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام! لكوه، ويكونوا بينهم وبين المسلمين، واللة أعلم" (١) . وقد ذكر قبل ذلك عزم النصارى على الخروج وكيف عدلوا عن عزمهم من السير إلى افريقية إلى الشام لكون الشام فيه بيت المقدس، وفتحها فخر للنصارى، ولوجود عهود مع أهل إفريقية (٢) . ولا يعني هذا أن العبيديين لم يقاتلوا الصليبيين، بل قاتلوهم ولكن ذلك إنما يكون حين يهاجمهم الصليبيون الذين كانت لهم أطماع في الشام- وفيها ما هو تحت سيطرة العبيديين، كما كانت لهم أطماع في مصر أيضا (٣) . وهكذا غزا الصليبيون بلاد الإسلام واحتلوا بيت المقدس، هدفهم الكبير وذبحوا المسلمين بشكل رهيب (٤) وفجع العالم الإسلامي بذلك،

стр. 83

حتى أن المستنفرين من بلاد الشام توجهوا في رمضان إلى بغداد عاصمة الخلافة "فأوردوا في الديوان كلاما أبكى العيون وأوجع القلوب، وقاموا بالجامع يوم الجمعة، فاستغاثوا، وبكوا، وأبكوا، وذكر ما دهم المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال، وسبي الحريم والأولاد، ونهب الأموال، فلشدة ما أصابهم أفطروا " (١) ، وقد ندب الخليفة الفقهاء إلى الخروج إلى البلاد ليحرضوا الملوك على جهادهم، ولكن ذلك لم يفد شيئا (٢) . وقد عبر أحد الشعراء عن أحوال المسلمين وتقاعسهم عن جهاد النصارى حين احتلوا بيت المقدس في ذلك الوقت فقال من قصيدة: وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هفوات أيقظت كل نائم وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم ... ظهور المذاكى أو بطون القشاعم تسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم، والدين واهى الدعائم (٣) ولما احتل النصارى. بيت المقدس أغاروا على ما حوله من المدن الساحلية وغيرها وتكونت لديهم عدة إمارات. أما المسلمون فقد قابلوا هذه الحملات بحركة جهاد عظيمة قادها أبطال عظام، كان لهم في إحياء روح الجهاد بين المسلمين، وتوحيد كلمتهم وبعث الغيرة على دين الله ومحارمهـ ما صار فيما بعد- غرة في جبين تاريخ المسلمين، فقاوم السلاجقة أولا ثم بدأ الجهاد آل زنكى

стр. 84

وعلى رأسهم عماد الدين زنكي، وابنه نور الدين محمود، ثم جاء صلاح الدين الأيوبي وأولاده (١) ليوجهوا إلى الافرنج ضربات موجعة ويسترجعوا بيت المقدس بعد أن بقى في يد النصارى قرابة تسعين عاما. والذي يعنينا هنا- ونحن نعرض لعصر ابن تيمية ما يلي:- أ- واصل المماليك- الذين حكموا الشام ومصر بعد الأيوبيين- جهادهم ضد النصارى، فالظاهر بيبرس وجه إليهم حملات متتابعة، واستطاع أن يسترجع كثيرا من المدن التي احتلوها، ومنها أنطاكية - تلك المدينة المهمة بالنسبة للأفرنج وكان ذلك سنة ٦٦٦ هـ (٢) . ثم بعد ذلك جاء المنصور قلاوون - الذي عقد سنة ٦٨٠ هـ مع النصارى صلحا ليقطع تحالفهم مع المغول الذين كانت قوتهم وخطرهم شديدا (٣) -، ولكنه لم يمض على هذا الصلح أربع سنوات حتى نقض النصارى الصلح باعتدائهم على قافلة من تجار المسلمين، وهنا هاجم المنصور قلاوون الصليبيين فاستولى سنة ٦٨٤ هـ على حصن المرقب الذي كان " في غاية العلو والحصانة، ولم يطمع أحد من الملوك الماضين في فتحه " (٤) ثم استولى على مدينة طرابلس سنة ٦٨٨ هـ (٥) . وأخيرا جاء عهد ابنه الأشرف خليل الذي تولى تصفية الوجود الصليبى في بلاد الشام، والذى استهل عهده بفتح عكا سنة ٦٩٠ هـ والتي شارك في فتحها كثير من العلماء

стр. 85

والفقهاء (١) ومنهم شيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى- (٢) - أما بقية معاقل الصليبيين فقد سقطت في أيدي المسلمين دون مقاومة. وبذلك أسدل الستار على قرنين من الزمان عاشتها بلاد الشام في ظل هذه الحروب والمعارك المتلاحقة فعادت بلاد الشام إلى حكم المسلمين. ٢- بقيت قبرص في يد النصارى، وقد كان حكامها من أشد أعوان الصليبيين حيث كانوا يمدونهم بالمؤن والسلاح والرجال. وقد لجأ إليها من فر من النصارى من بلاد الشام- وقد بقيت في أيديهم إلى ما بعد عهد ابن تيمية، ولذلك رأينا شيخ الإسلام يرسل رسالة إلى ملكها يأمره بالرفق في أسارى المسلمين (٣) . ٣- لم تنته الحرب الصليبية بطردهم من بلاد الشام، وإنما انتقلت إلى تطور آخر أكثر خطورة، فقد " كان من الصعب أن يتخلى الغرب الأوربي عن الفكرة الصليبية تخليا تاما مفاجئا، فظلت تلك الفكرة تراود عقول بعض المتحمسين والمتدينين الذين دعوا لاستئناف الحرب ضد المسلمين، وعبروا عن حماستهم وآرائهم بمجموعة من المشاريع الصليبية ذات الأهمية البالغة منذ نهاية القرن الثالث عشر [السابع الهجري] وهنا نلاحظ في ذلك الدور الجديد من أدوار الحركة الصليبية أن الدعاة لم يكونوا خطباء من طراز بطرس الناسك، ولم يعتمدوا على البيان في تحريك عواطف الناس واستثارة شعورهم الدينى، وإنما صاروا كتابا يكتبون الرسائل والكتب ويرفعونها إلى البابوات والملوك والأمراء، شارحين فيها مشاريعهم الصليبية" (٤) . وقد قاموا بهجمات على شمال إفريقية كان هدفها التبشير بالديانة النصراينة. فهل كانت تلك مقدمات لما شهده العالم الإسلامي في العصر الحاضر من هجوم صليبي

стр. 86

إستعماري كان هدفه الأول الغزو الثقافي والفكري للمسلمين؟ ثم إن من يطلع على ما كتبه علماء الإسلام في الرد على النصارى، ربيان تحريفهم وكذبهم- وفي مقدمتهم شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم- يدرك أن تأثير النصارى على المسلمين سواء كان ذلك إبان الحملات الصليبية أو فيما بعد؛ كان محل خطر يشعر به ذوو الغيرة على هذا الدين (١) . ثانيا: ظهور التتار (٢) . اذا كان العالم الاسلامي قد مني بتلك الحملات الصليبية- على بلاد الشام - في أواخر القرن الخامس الهجري [٤٩٠ هـ] ، فإن هذه الحروب لم تكد تنتهي حتى فجع العالم الإسلامي بمصيبة أخرى أشد وأفظع وأعظم خطرا. فقد اكتسح التتار (المغول) العالم الإسلامى من الشرق، وساروا في بلاد الاسلام يقتلون ويأسرون ويحرقون ويدمرون بطريقة همجية لم يشهد لها التاريخ مثيلا. وقد عبر عن ذلك المؤرخون المسلمون، وكان أصدقهم تعبيرا ابن الأثير- صاحب التاريخ- الذي عاصر بداية هجومهم ولم يعاصر سقوط بغداد [فقد توفي سنة ٦٣٠ هـ] فقد قال- عن خروج التتر- في حوادث سنة ٦١٧ هـ: " لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها لذكرها،

стр. 87

فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا " (١) . أما السيوطي فقد نقل قائلا: " هو حديث يأكل الأحاديث وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسى التواريخ، ونازلة تصغر كل نازلة، وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض " (٢) . وقد كان هؤلاء التتار قبائل متفرقة لا تستقر في مكان محدد، بل كانت ظروف البلاد التي يعيشون فيها [ما بين الأراضي الصينية الحارة والباردة في سيبيريا] ، تجعلهم يتنقلون كما يتنقل الرعاة. وفي أواخر القرن السادس الهجري برز فيهم أحد شبابهم الذي استطاع أن يجذب إليه ثقة كبار رجال المغول من عشيرته، ثم القبائل من حوله، فوحد بينها وتوج عليهم ملكا، وكان اسمه " تموجين" فتسمى بعد اختياره امبراطوراً ب- (جنكيزخان) وكان ذلك سنة ٦٠٢ هـ. وبدأ يرسم لنفسه سياسة التوسع، فاتجه إلى الجنوب لإخضاع الصين، وإلى الغرب لاخضاع دولة الخطا (٣) ، وكذا ما حول ذلك من البلاد حتى أصبحت دولة المغول متاخمة للدولة الخوارزمية في إيران (٤) . وحتى- نتجنب التوسع الذي ربما تفرضه أحداث هذه الفترة- نوضح الكلام حول المغول بما يلي:- أ- بلغت الدولة الخوارزمية (٥) التي قامت وتوسعت بعد السلاجقة- أوج اتساعها في عهدعلاء الدين خوارزم شاه وابنه جلال الدين منكبرتي، وقدكان لهؤلاء

стр. 88

دور عظيم في مقاومة المغول، وإلحاق الهزائم بهم أحيانا، مما كان سببا في تأخير هجوم المغول على بغداد، ثم بلاد الشام. وهؤلاء وإن كان مؤرخو الإسلام ينتقدون ما كانوا يقومون به من القتل والسبى إلا أنهم يذكرون لهم ما قاموا به وبذلوه في حرب التتار (١) . حتى إنه لما قتل السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه سنة ٦٢٨ هـ دخل جماعة على الملك الأشرف موسى- صاحب دمشق (٢) فهنأوه بموتهـ لما كان بينهما من العداوة- فقال الأشرف: تهنئوني بموته وتفرحون، سوف ترون غبه، واللة لتكونن هذه الكسرة سببا لدخول التتار إلى بلاد الإسلام. ما كان الخوارزمي إلا مثل السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج " (٣) . وكان كما قال، فإنه لما قضى على الدولة الخوارزمية تهيأ التتار لاجتياح بغداد. ب- قضى التتار- بقيادة هولاكو الذي عهد إليه أخوه قيادة الحملة إلى إيران- على الاسماعيلية المتمركزين في حصونهم في إيران وكان ذلك سنة ٦٥٤ هـ، وقد كان هؤلاء الباطنيون يراسلون المغول ويحضونهم على القضاء على الخوارزميين ويدلونهم على عوراتهم. ولكن المغول يعرفون حقيقة هذه الطائفة وفسادها وأساليبها في حرب أعدائها، فلم يعبأوا بتلك العلاقات، بل سارعوا إلى القضاء عليهم حتى لا يكونوا شوكة في ظهورهم وهم سائرون إلى بغداد (٤) . ومما تجدر ملاحظته أن نصير الدين الطوسى كان مقيما عند الاسماعيلية لما هاجمهم هولاكو، لكنه خرج سالما لممالأته له بل أدخله في خدمته واستوزره

стр. 89

لما علم هولاكو اخلاصه ونصحه (١) . ب- لما قضى التتار على الدولة الخوارزمية، وعلى الإسماعيلية اتجهوا إلى بغداد. وقد وقعت في سنة ٦٥٥ هـ فتنة مهولة ببغداد بين أهل السنة والرافضة وقتل عدد من الفريقين، ونهب الكرخ- موطن الرافضة وذوي ابن العلقمى- فحنق ابن العلقمي (٢) وزير المستعصم وكاتب التتار وأطمعهم في العراق، وعمل على تهيئة الأجواء فسرح جند الخلافة فلم يبق منهم إلا القليل، وحجب عن الخليفة الرسائل التي ترد إليه من صاحب الموصل وغيره، وبذلك تهيأت الأجواء لهؤلاء التتار، فجاءوا وأحاطوا ببغداد سنة ٦٥٦ هـ فخرج إليهم ابن العلقمى واستوثق لنفسه من هولاكو، فرجع هو ونصير الدين الطوسى- وهما رؤوس الرافضة الخبثاء- إلى بغداد ليكملوا بقية دورهم في تخذيل الناس والخليفة بأساليب خادعة- حتى لا يبقى في وجه التتار مقاومة تذكر، يقول صاحب ذيل مرآة الزمان: " وقصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي عن دجلة وهو البر الذي فيه مدينة بغداد ودور الخلافة، وضرب سورا على عسكره، وأحاط ببغداد، فحينئذ أشار ابن العلقمي الوزير على الخليفة بمصانعة ملك التتر ومصالحته، وسأله أن يخرج إليه في تقرير ذلك، فخرج وتوثق منه لنفسه ثم رجع إلى الخليفة وقال له: إنه قد رغب أن يزوج ابنته من ابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى سلطان الروم في سلطنة الروم، لا يؤثر إلا أن يكون الطاعة له، كما كان أجدادك [مع] السلاطين السلجوقية، وينصرف بعساكره عنك فتجيبه إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد، وحسن له الخروج إليه

стр. 90

فخرج في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمة، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا عقد النكاح فيما أظهره، فخرجوا فقتلوا وكذلك صار يخرج طائفة بعد طائفة " (١) وقتل المستعصم قيل: إنه رفس حتى مات، "وبقى السيف في بغداد بضعة وثلاثين يوما، فأقل ماقيل: قتل فيها ثمانمائة ألف نفس، واكثر ما قيل بلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف، وجرت السيول من الدماء فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٢) ولم ينج من بطشهم في بغداد إلا الرافضة وأهل الذمة (٣) ، كا لم ينج من بطش النصارى لما فتحوا بيت المقدس إلا أتباع الدولة الفاطمية وولاتها على بيت المقدس. وهكذا فضي على الخلافة العباسية، وأصبح العالم الإسلامي بلا خلافة - وكان للأساليب الوحشية التي قام بها التتار في قتل المسلمين آثار نفسية شديدة على بقية المسلمين بحيث أصبح ذكر التتار يثير الرعب في النفوس، وغلب على الناس مقولة: إن التتار لا يغلبون. وسارع الأمراء في الشام كصاحب الموصل وصاحب حلب وكذا سلاطين سلاجقة الروم- إلى إعلان الولاء لهولاكو وتهنئته بفوزه على الخليفة في بغداد (٤) . د- اتجه المغول بعد ذلك إلى الشام لاحتلاله، وكان يقتسمه النصارى من الفرنج، والأرمن، والأمراء الأيوبيون. وكان أول عمل عمله التتار عقد التحالف مع النصارى في أرمينية وأنطاكيا ضد الأمراء الأيوبيين وضد المماليك فيما بعد (٥) . ثم ساروا إلى الشام والجزيرة فاحتلوا ميافارقين ثم ماردين (٦) ،

стр. 91

كمااحتلوا نصيبين وحران والرها، وفي سنة ٦٥٨هـ هاجموا حلب وقتلوا فيهاخلقا كثيراحتى امتلأت الطرقات بالقتلى وأسروا النساء ونهبوا الأموال. وأحرق النصارى الجامع الكبير فيها (١) ثم في نفس هذه السنة أخذ التتار دمشق، وصار لحلفائهم النصارى صولة وجولة، وتقدموا بالهدايا لهولاكو وعملوا أعمالا منكرة، من ذلك أنهم حملوا الصليب فوق الرؤوس وهم ينادون بشعارهم: ظهر الدين الصحيح دين المسيح ويذمون دين الإسلام وأهله، بل ألزموا المسلمين بالقيام في دكاكينهم للصليب وأهين القضاة والفقهاء لما جاءوا يشكون إلى متسلمها النصراني (٢) . ثم رجع هولاكو إلى الشرق لما علم بوفاة أخيه وكان ذلك سنة ٦٥٨ هـ بعد أن أقام له نائبا معه جيش قوامه عشرة آلاف من التتار وكان ذلك بضغط من النصارى الذين كانوا يأملون في استرداد بيت المقدس من المسلمين (٣) . وقد واصل التتار زحفهم إلى بقية بلاد الشام فاحتلوا الخليل وغزة وبذلك أصبحوا على مشارف مصر. هـ- في هذه الأجواء التى عاشها العالم الإسلامي انقرضت دولة الأيوبيين ونشأت دولة المماليك، وكان السلطان وقت سقوط بغداد: المنصور نور الدين على بن المعز أيبك، وكان صبيا صغيرا، فلما ظهر الخطر المغولي خاصة بعد احتلالهم الشام رأى المماليك أن السلطان صبى لا يستطيع تدبير المملكة، ومن ثم أعلن السلطان قطز (٤) سلطانا سنة ٦٥٧ هـ، وقد أرسل هولاكو - قبل رجوعهـ رسالة إلى الملك المظفر ملؤها التهديد والوعيد والغطرسة وفيها يطلب منه

стр. 92

الخضوع لسلطة المغول الذين لا تقف أمام قوتهم وسيوفهم أية قوة- كما يزعم-. وقد عقد السلطان مجلسا استشار فيه الأمراء، وبعد مداولات قرروا أنه لا مفر من الجهاد في سبيل الله ومقاومة التتار، وكان للملك المظفر دور في الخروج بهذه النتيجة، وأعلن الجهاد في سبيل الله في القاهرة وبقية أقاليم مصر، وأخذ يجمع المال اللازم للجهاد (١) . ولما تكامل العسكر طلب من الأمراء الرحيل فتلكأوا. ولكن الملك المظفر قال لهم: " وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين " (٢) . وسار السلطان وقال: أنا ألقى التتار بنفسي فلما رأى الأمراء مسير السلطان ساروا معه وسار الجيش إلى غزة ثم تقدم عن طريق الساحل فمر على عكا- وقد أوقع الله الخلف بين المغول والنصارى (٣) - فلم يتعرض النصارى للمسلمين بل استقبلوهم وفرحوا بمقدمهم- وتجمعت الجيوش في عين جالوت (٤) ، وجرت تلك المعركة المشهورة، التى انتصر فيها المسلمون على التتار انتصارا ساحقا، وهزم التتار شر هزيمة، وقتل قائدهم، وطاردهم المسلمون يقتلونهم في كل مكان إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وفر منهم من كان بدمشق فتبعهم المسلمون يطاردون فلولهم، ودقت بشائر النصر في قلعة دمشق وغيرها وفرح المسلمون فرحا شديدا وكبت الله اليهود والنصارى ومن مالأ التتار من المنافقين. ودخل الملك المظفر قطز دمشق في موكب عظيم ثم أخضع بقية الشام الذي كان بأيدي الأيوبيين، فصفا الشام لحكم المماليك.

стр. 93

كان لهذه المعركة أثر عظيم في نفوس المسلمين في كل مكان، وقد عبر عن مدى الفرح والتأثر بنتائجها مؤرخو الإسلام الذين ذكروا هذه المعركة حتى قال صاحب المختصر: " وتضاعف! شكر المسلمين لله تعالى على هذا النصر العظيم فإن القلوب كانت قد يئست من النصرة على التتر لاستيلائهم على معظم بلاد الاسلام ولأنهم ما قصدوا إقليما إلا فتحوه ولا عسكرا إلا هزموه فابتهجت الرعايا بالنصرة عليهم " (١) . كما كانت هذه المعركة بداية تحول في التاريخ الإسلامي فبرزت سلطة المماليك كدولة كبرى، كما مهدت للقضاء على الصليبيين، ولعل من أهم آثارها ظهور تغير عند التتار أنفسهم وتحول بعضهم إلى الإسلام. و مسألة تأثر التتار واعتناق بعضهم الإسلام تحتاج إلى تفصيل، لأن بعض التتار- من أبناء عم هولاكو- دخلوا في الإسلام قبل معركة عين جالوت ولذلك يمكن توضيح هذا الأمر كما يلي: أ- قسم جنكزخان مملكته بين أولاده، فكان من نصيب أحدهم وهو جوشى أكبر أبنائه؛ البلاد الواقعة بين نهر أرتش والسواحل الجنوبية لبحر قزوين، وكانت تلك البلاد تسمى القبشان، ويطلق عليها اسم القبيلة الذهبية- نسبة إلى خيام معسكراتها ذات اللون الذهبي- فلما مات جوشى خلفه أحد أولاده الذي تلقب بخان القبائل الذهبية ثم تولى بعده ولده، ثم تولى بعده بركة خان سنة ٦٥٤ هـ (٢) ، وكان بركة هذا مسلما لذلك عمل على نشر الاسلام بين قبيلته وأتباعه، وأظهر شعائر الإسلام واتخذ المدارس وأكرم الفقهاء وكان يميل إلى المسلمين ميلا شديدا. وقد بدا هذا في ظاهرتين: أولاهما: محاربته لابن عمه هولاكو، خاصة بعد استيلائه على بغداد وقتله

стр. 94

للخليفة، وقد ظهرت بينهما خصومات ومعارك. وقد أقلق موقفه وإسلامه الطاغية هولاكو الذي اتجه إلى محالفة المسيحين ضد بركة وحلفائه. ثانيهما: دخوله ومن جاء بعده في حلف سلاطين المماليك، الظاهر بيبرس، والناصر قلاوون وغيرهما، وقد توطدت العلاقة بين هاتين الدولتين، خاصة بعد المصاهرة التي تمت بينهم، وتبادل الرسل والهدايا، ومواجهتهم لعدو مشترك هم التتار الكفار (١) . ٢- أما دولة المغول الكبرى في إيران وما جاورها والتي منها انطلقت جحافلهم لغزو العراق والشام فقد حدث في عام ٦٨٠ هـ أن أسلم أحد أولاد هولاكو وهو السلطان تكودار بن هولاكو الذي تسمى بعد إسلامه باسم أحمد، فصار اسمه: أحمد بن هولاكو، وقد أعلن إسلامه في منشور أصدره لما جلس على العرش ووجهه إلى أهل بغداد، كما أرسل رسالة إلى السلطان المنصور قلاوون يعلن اهتداءه إلى الإسلام، ويدعو إلى المصالحة ونبذ الحرب، ولم يتخل- كما هو واضح من رسالته هذهـ عن افتخاره واستعلائه على سلطان المماليك، وقد رد عليه السلطان قلاوون، ثم تبودلت الرسائل بينهم، ولكن لم تكن العلاقات بينهم جيدة كما يظهر من صيغة الرسائل المتبادلة. ومما يجدر ذكره أن السلطان أحمد دخل لوحده في الإسلام، ولم يستطع أن يفرضه على أتباعه ولا على أمراء المغول من حوله، فصار دخوله في الإسلام فرديا، وهذا ما يفسر سرعة القضاء عليه وقتله من جانب منافسيه من أمراء المغول الذين تآمروا عليه فقتلوه سنة ٦٨٣ هـ (٢) .

стр. 95

٣ - في سنة ٦٩٣ هـ تولى محمود قازان عرش المغول، ثم في سنة ٦٩٤هـ دخل في الإسلام، يقول الذهبي عن هذه السنة: " وفيها دخل ملك التتار غازان ابن أرغون في الإسلام وتلفظ بالشهادتين بإشارة نائبه نوروز، ونشر الذهب واللؤلؤ على رأسه، وكان يوما مشهودا، ثم لقنه نوروز شيئا من القرآن، ودخل رمضان فصامه، وفشا الإسلام في التتار " (١) ، وقد أعلن غازان الإسلام دينا رسميا للدولة المغولية في إيران، كما غير المغول زيهم فلبسوا العمامة، كما أمر بتدمير الكنائس المسيحية والمعابد اليهودية، والأصنام البوذية، كما أمر أهل الذمة بأن يتميزوا بلباس خاص بهم. وهكذا اختلف إسلام قازان عن إسلام السلطان أحمد بأن إسلامه لم يكن فرديا وإنما حوله إلى دين رسمي للدولة. لكن هذه الصورة التي قد تبدو جميلة سرعان ما تتغير حين يتابع المرء الأحداث التي تمت في عهد هذا السلطان، فقد هاجم وجيشه الشام مرات ودارت بينهم وبين أله الشام - ومعه سلاطين مصر- معارك كبيرة، وانتصر المغول في أولاها وهزموا فيما تلاها، وقد عاث الجيش التتري فسادا في الأرض وفعلوا - كما قال ابن تيمية لقازان نفسه لما التقى بهـ ما لم يفعله أسلافه من حكام التتار الوثنيين. وقد بقيت الأمور على هذه الحال إلى ما بعد وفاة غازان سنة٧٠٣هـ (٢) . وقد كان التتار يقدسون دستورهم الذي وضعه لهم جنكيز خان، وكان يسمى إلياسا أو اليساق وكانوا يتحاكمون إليه - وسيأتي عرض هذا الموضوع إن شاء الله - وبعد إسلامهم لم يتركوا التحاكم إلى هذا الدستور، فأوقع إسلامهم ونطقهم بالشهادتين شبهة لدى كثير من الناس - وفيهم بعض العلماء - حول جواز قتالهم وهم على هذه الحال. وقد حسم ذلك ابن تيمية - كما سيأتي.

стр. 96

٤- بعد وفاة قازان تولى من بعده أخوه أولجاتيو، خدابنده، وصار اسمه محمد بن أرغون، وقد تولى عرش المغول سنة ٧٠٣ هـ إلى سنة ٧١٦ هـ، وقد بدأ عهده بتحسين العلاقة مع سلطان المماليك، فأرسل إليه هدية وكتابا خاطب فيه السلطان بالأخوة " وسأله إخماد الفتن، وطلب الصلح، وقال في آخر كلامه: عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه، فأجيب، وجهزت له الهدية، وأكرم رسوله " (١) . ولكن لم يكد يمضي سنة من توليه سلطة المغول حتى حدث تحول خطير عند محمد بن أرغون هذا، فقد اعتنق مذهب الشيعة، وعمل على نشره في الجهات الغربية من دولته حتى إنه غير الخطة وأسقط اسم الخلفاء سوى علي ﵁، وأظهر عداءه للمماليك السنيين، وطلب من النصارى أن يساعدوه ضدهم، ثم هاجم الشام سنة ٧١٢ هـ (٢) . ومما ينبغي ملاحظته أن تشيع هذا السلطان كان بتأثير من أحد كبار الرافضة وهو ابن المطهر الحلي الذي صارت له منزلة كبيرة في عهده، وقد أقطعه عدة بلاد (٣) ، ولعل نفوذ وشهرة هذا الرافضي- وهو صاحب كتاب منهاج الكرامة- دعا ابن تيمية-﵀ إلى إفراد الرد على كتابه هذا بكتابه العظيم: " منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية ". وقد استمر سلطان المغول على تشيعه حتى مات، ثم تولى ابنه أبو سعيد- وهو صغير- الذي لعب كثير ممن حوله به، ثم لما كبر مال إلى العدل وإقامة السنة وإعادة الخطبة بالترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي- وفرح الناس بذلك (٤) . هذه خلاصة تاريخ المغول، وما يتعلق منه بأحوال العصر الذي عاش فيه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد كانت له جهود عظيمة في صد هذا الخطر الزاحف، كما كانت له مواقف عظيمة منهم.

стр. 97

ثالثا: المماليك: أ- نشأتهم وأشهر سلاطينهم: عاصر ابن تيمية دولة المماليك، التي امتدت من سنة ٦٤٨ هـ إلى سنة ٩٢٣ هـ لما سقطت مصر بأيدي العثمانيين. أما أصل التسمية بالمماليك فالمعروف أن " المملوك عبد يباع ويشترى، غير أن التسمية اقتصرت في معظم الدول المتأخرة على فئة من الرقيق الأبيض يشتريهم الحكام من أسواق النخاسة البيضاء لتكوين فرق عسكرية خاصة في أيام السلم، وإضافتها إلى الجيش أيام الحرب، ثم صار المملوك الأداة الحربية الوحيدة في بعض الدول مثل دولة المماليك في مصر والشام " (١) . ويعتبر المأمون العباسي [خلافته ١٩٨-٢١٨ هـ، أول من استخدمهم، خاصة وأن كثيرا منهم كان يؤتى بهم إليه هدايا من الأمراء التابعين له في المشرق ولكن استخدام المماليك كقوة عسكرية يعتمد عليها الخليفة برز في عهد المعتصم [خلافته ٢١٨-٢٢٧ هـ] فقد أراد أن يحمي نفسه بجيش من جند الترك بعد أن فقد ثقته بجنده من العرب والفرس (٢) . بعد ذلك أصبح استخدام المماليك- كجند وجيش وحماة للسلطة- أمرا مألوفا في الدول التي جاءت بعد ذلك سواء ضمن دائرة الخلافة العباسية أو انفصلت عنها، فأحمد بن طولون [مما يلاحظ أن أباه طولون كان من مماليك المأمون أهداه إليه أمير بخارى سنة ٢٠٠ هـ وكان من الترك] مؤسس الدولة الطولونية في مصر والشام [٢٥٤-٢٩٢ هـ] والذي أعلن استقلاله عن الدولة العباسية استخدم عشرات الآلاف من المماليك من الترك والديلم [سكان جنوب بحر قزوين] والمرتزقة (٣) . وكذلك الأخشيديون لما أسسوا دولتهم في مصر والشام سنة [٣٢٣-٣٥٨ هـ] جعل محمد بن ظغج [٣٢٣-٣٣٥ هـ] جيشه

стр. 98

من الأتراك الذين بلغوا مئات الألوف (١) . ومثلهم فعل الفاطميون [٢٩٧-٥٦٧ هـ] لما استولوا على مصر سنة ٣٥٨ هـ أضافوا إلى جيوشهم - التى كانت مكونة من المغاربة- أتراكا وأكرادا وديلما وسودانا وغيرهم (٢) . وكذلك الأيوبيون [٥٦٩- ٦٥٠ هـ] اكثروا من استخدام المماليك، لكن الملك الصالح نجم الدين أيوب [٦٣٧-٦٤٧ هـ] اشتهر بأنه استكثر من مماليك الترك، وبنى لهم الثكنات في القلعة التى أنشأها سنة ٦٣٨ هـ، ولذلك ينقل الذهبي عن ابن واصل أنه " اقتنى من الترك ما لم يشتره ملك، حتى صاروا معظم عسكره، ورجحهم على الاكراد، وأمر منهم وجعلهم بطانته والمحيطين بدهليزه، وسماهم البحرية" (٣) ، وهؤلاء المماليك البحرية (٤) الذين حكموا على أثر إنقراض الدولة الأيوبية، ونجم الدين أيوب هو زوج شجرة الدر (٥) التي تولت السلطنة بعد ولده توران شاه الذي تولى بعد أبيه ثم قتلته شجرة الدر، وتولت بعده وكان ذلك سنة ٦٤٨ هـ ولكن توليها لم يكن مقبولا، فقد اعترض عليه بعض العلماء منهم العز بن عبد السلام، وكذلك الخليفة العباسي الذى أرسل

стр. 99

إلى أهل مصر كتابا يعاتبهم في ذلك ويقول: إن كان ما بقي عندم رجل تولونه فقولوا لنا نرسل إليكم رجلا (١) وقد وصل خطاب الخليفة هذا إلى المماليك بعد أن مضى على تولي شجرة الدر ثمانون يوما اقتنع أمراء المماليك بخطئهم وقالوا: لا يمكن حفظ البلاد والملك لامرأة، فأشاروا على شجرة الدر أن تتزوج كبير المماليك وهو الأتابك أبيك التركماني وتتنازل له عن العرش، فقبلت ذلك وخلعت نفسها من السلطنة، فتولى عز الدين أيبك هذا سنة ٦٤٨ هـ، وبذلك قامت دولة المماليك في مصر (٢) . وقد عاصر ابن تيمية سلطنة عدد من المماليك بلغوا عشرة خلال فترة حياته وقد برز منهم أربعة: الأول: الظاهر ركن الدين بيبرس [٦٥٨-٦٧٦ هـ] الذي تولى بعد وقعة عين جالوت وقتله للملك المظفر قطز، وتعتبر ولايته البداية الحقيقية لسلطة المماليك كحكام قاموا وعملوا على صد المغول ومقاومة الصليبيين عن بلاد الشام ومصر. وقد تميز عهده بمايلي: أ- مقاومة وصد العدوان المغولي على الشام. ٢- مقاومة وحرب الصليبيين في بلاد الشام وتطهير بعض المدن من رجسهم-كما تقدم-. ٣- إعادة وإحياء الخلافة العباسية في مصر سنة ٦٥٩ هـ. ٤- وفي ما يتعلق بالقضاء تميز عصره ببداية تولية أربعة قضاة للمذاهب الأربعة (٣) بدل قاض واحد كما كان في السابق، وكان ذلك سنة ٦٦٣ هـ

стр. 100

أما سبب ذلك: أ- فقيل إنها بادرة من السلطان نفسه وإنه نظر " في كثرة الناس وإن القاهرة هى دار الملك، وقد جمعت أهل المذاهب من العلماء فأمر بنصب أربعة قضاة نوابا لقاضى القضاة تاج الدين " (١) . ب- وقيل السبب " توقف القاضى تاج الدين ابن بنت الأعز (٢) عن تنفيذ كثير من الأحكام ... ، فكثرت الشكاوي منه وتعطلت الأمور فوقع الكلام في ذي الحجة بين يدى الملك الظاهر " (٣) فأشار عليه جمال الدين أيدغدي العزيزي بذلك فمال إليه، وعين أربعة قضاة، وأبقى للشافعي النظر في أموال اليتامى وأمور بيت المال، وفي العام التالي فعل مثل ذلك في الشام (٤) . ٥- ومن الأمور الجليلة التي عملها الظاهر بيبرس، القضاء على الاسماعيلية في بلاد الشام، واحتلال حصونهم حصنا بعد آخر من سنة ٦٦٨ هـ إلى سنة ٦٧١ هـ (٥) . الثاني: المنصور سيف الدين قلاوون، وهو أول السلاطين من أسرة قلاوون التي حكمت فترة طويلة، وقد استمر حكم المنصور من سنة ٦٧٨ هـ إلى سنة ٦٨٩ هـ.

стр. 101

وكان من أبرز ما جرى في عهده: ١- في سنة ٦٧٨ هـ خرج عليه سنقر الأشقر في الشام، وهجم على القلعة في دمشق وتملكها، وبويع له ولقب بالسلطان الملك الكامل شمس الدين سنقر الصالحي، فأرسل إليه قلاوون جيشا قويا سنة ٦٧٩ هـ أنزل الهزيمة به ففر سنقر واتصل بالمغول يزين لهم غزو الشام (١) . كذلك حاول بعض الأمراء الظاهرية- من مماليك الظاهر بيبرس- أن يتآمروا على المنصور قلاوون واتصلوا بالصليبيين سرا. ولكن قلاوون علم بهم وعاقبهم (٢) . ٢- اكثر قلاوون من شراء المماليك، وأنشأ فرقة منهم رباهم في أبراج القلعة وهؤلاء هم المماليك البرجية- والجراكسة- الذين حكموا فيما بعد (٣) . ٣- وفي عهده بنى المدرسة والبيمارستان- المستشفى- كما استحدثت كثير من الوظائف الديوانية (٤) . ٤- وفي عهده استمرت مقاومة التتار، ومن أشهر ما وقع في عهده هزيمة التتار في وقعة حمص، وكانت هزيمة ساحقة (٥) . ٥- أما النصارى فقد صالحهم، ثم نقضوا العهد فقاومهم واستولى على كثير من قلاعهم وحصونهم. الثالث: السلطان الأشرف صلاح الدين خليل- ابن المنصور قلاوون - وكانت ولايته من سنة ٦٨٩-٦٩٣ هـ. ومن أبرز ما جرى في عهده:- ١- فتح عكا سنة ٦٩٠ هـ، وتصفية الوجود الصليبي في الشام. ٢- فتح قلعة الروم سنة ٦٩١ هـ وهي قلعة غربي الفرات، وكان أهلها يمالئون التتار ضد المسلمين فكانت بمنزلة الشجى في الحلق (٦) .

стр. 102

الرابع: السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وقد كانت سلطته غير مستقرة - خاصة في البداية- فقد تولى وهو صغير، ثم لما تولى السلطة في المرة الثالثة استقر الأمر له، بحيث أصبح من أكثر المماليك استقرارا وقوة وطول مدة. وسلطة الناصر محمد جاءت كما يلي:- الأولى: من سنة ٦٩٢ هـ- ٦٩٤ هـ وكان عمره لما تولى تسع سنوات، ولم يكن له من الأمر شىء، وقد استبد بالأمر في عهده هذا علم الدين سنجر ثم الأمير كتبغا المنصوري الذي تسلطن- بحجة أن السلطان صغير- وتسمى بالعادل، وكانت سلطته سنة ٦٩٤ هـ، وفي سنة ٦٩٦ هـ خرج عليه حسام الدين لاجين الذي لقب بالملك المنصور (١) . الثانية: في سنة ٦٩٨ هـ- ٧٠٨ هـ: وأبرز ما في هذا العهد ظهور التتار في الشام وقيام معارك انتهت بانتصار المسلمين، وكان لابن تيمية دور عظيم فيها. ومع ذلك فقد بقي الناصر مضيقا عليه من قبل أمراء المماليك حتى ضاق ذرعا وعزم على الذهاب إلى الكرك، فلما وصل إلى الكرك اضطرب أمر المماليك فأرسلوا إليه أن يرجع فأبى، فزوروا عليه كتابا أنه تنازل عن الملك (٢) ، ثم تولى الملك الجاشنكير سنة ٧٠٨ هـ وتسمى بالمظفر ركن الدين بيبرس الثاني، ولكن كئيرا من أمراء الشام لم يعترفوا به، واضطربت الأحوال في عهده، وأخذ الناصر يعد العدة لاسترداد ملكه وتم له ذلك. الثالثة: من سنة ٦٠٩ هـ إلى سنة ٧٤١ هـ: وهي فترة طويلة امتدت إلى اكثر من ثلاثين عاما، وفيها صفا له الأمر، واتسعت دائرة حكمه من المغرب غربا حتى الشام والحجاز شرقا، ومن النوبة- في الحبشهـ جنوبا حتى آسيا الصغرى شمالا، كا أنه عنى بالإصلاح الداخلي، وبناء المنشآت من المساجد

стр. 103

والقناطر والجسور وغيرها (١) . ومما يلاحظ أن محن ابن تيمية جاءت في عهد الناصر، مع وجود فترات تقوى صلة الناصر بابن تيمية ويتبنى آراءه ويستجيب لمطالبه خاصة ما يتعلق منها بالجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الموقف من أهل الذمة. وقد تميز عهد الناصر بما يلي: ١- مقاومة التتار الذين هجموا على بلاد الشام، وعاثوا فيه فسادا مع أنهم يعلنون الاسلام وينتسبون إليه. ٢- مقاومة الرافضة في بلاد الشام أيضا. ٣- العناية بالمنشآت-كما سبق-. أ- نظام المماليك الإداري: كتب الكثير عن نظام المماليك الإداري (٢) ، ونعرض هنا لنظامهم باختصار شديد: ١- استجد في عهد المماليك كثير من النظم الادارية- التى لم تكن موجودة من قبل- خاصة وأنها كانت دولة يصح أن يطلق عليها بأنها دولة عسكرية، كا أنها قامت على يد المماليك، ويغلب عليهم اللغة التركية. ٢- كان رأس المماليك الحاكم السلطان، ويأتي نتيجة لاختيار الأمراء له عندما يكون ذا نفوذ كبير، أو يقوم بقتل من سبقه، ولم تكن الوراثة مبدأ عاما لنظامهم، بل قد يتولى الابن بعد أبيه، وقد لا يتولى. وكان يلقب بالسلطان أو سلطان الاسلام والمسلمين، أو الملك، ومن ألقابه: نصير أمير المؤمنين أو ناصر الملة المحمدية، أو محيي الدولة العباسية- وهذا بعد إحيائها في القاهرة- حيث أصبح السلطان يتقلد الملك بعهد تولية من الخليفة العباسي ومبايعته حتى

стр. 104

تصبح توليته شرعية، ويشهد ذلك كبار القضاة وقد يخطب الخليفة بهذه المناسبة - ولكن يلاحظ أن الخليفة كانت سلطته شكلية- وإذا تولى خليفة جديد أقيمت له حفلة مبايعة كبرى يحضرها السلطان والنواب والقضاة وغيرهم من مختلف طبقات الشعب. ٣- يأتي بعد مرتبة السلطان: النائب، وهناك نائب للسلطنة في مصر، ونائب في الشام، وكانت الشام مقسمة إلى عدة نيابات ولكن النائب الأساسى هو الذي يقيم في دمشق، وكان النائب يتولى تعيين الوظائف الديوانية والدينية. أما مرتبة الوزير ففي هذه الحالة- حالة وجود النائب- تصبح في المرتبة الثالثة ويختص عمل الوزير بالشئون المالية، وقد تلغي الوزارة نهائيا ويكتفى بكبار الكتاب. ٤- كانت وظائف الدولة المملوكية تقسم إلى ثلاث وظائف: الأقلام ويتعلق بها الوظائف الديوانية، والعلماء: ويتعلق بهم الوظائف الدينية، والسيوف: ويقصد الوظائف الحربية، ويلاحظ تطور الفصل بين الوظائف الدينية وغيرها التى لم يكن في السابق يوجد حد فاصل بينها. ٥- كان عماد الدواوين طبقة الكتاب، وكان السلطان يعين كبار الكتاب، وكانت هذه الوظائف يشغلها في الغالب مصريون لا أتراك، وكانوا كثيرا ما يكون من القبط النصارى الذين لهم عناية بمثل هذه الوظائف العزيزة. وكان أهم الأعمال الديوانية ديوان الانشاء وكان رئيسه يسمى كاتب السر، وكان تحته مجموعة من الكتاب الذين يحضرون مع السلطان وينفذون أوامره ونظره في المظا لم، وكان من تحتهم مجموعة من كتاب السجلات الذين يقومون بالمراجعة والتلخيص وكان عمل ديوان الانشاء يختص بأمور ثلاثة لها أهميتها الكبرى وهي: المكاتبات، من السلطان وإليه، والبريد، والنظر في المظا لم. ٦- أما الأمور المالية فكان يتولاها الوزير، وكان يشاركه عدة موظفين على رأسهم ناظر الدولة الذي قد يسمى ناظر المال أو ناظر المملكة، وكانت أهم موارد الدولة: الخراج والضرائب من المكوس والعشور وكانت تفرض على الصادر والوارد- ومن الموارد الجوالي- من جالية وهم غير المسلمين-

стр. 105

التى تفرض على رؤوس غير المسلمين، ومن الموارد: المعادن والزكاة، وما يتحصل من سك العملة. وغيرها. ٧- أما القضاء فكان في يد الشافعية، حتى بعد تولية أربعة قضاة، وكان منصب قاضي القضاة، وما يتعلق به من أمور أخرى كالنظر في الأوقاف، والمحجور عليهم واليتامى والخطابة، والنظر في بيت المال والمدارس.... يتولاه قاض من الشافعية. ثم يأتي بعده. القضاة من المذاهب الأخرى الحنفية والمالكية والحنبلية، وكان لكل مذهب قاضى قضاة، وكان لهم نوابهم في مصر والشام. وكان قاضى القضاة يختار الشهود الذين يسمون الشهود العدول حيث يأتي إليهم أصحاب المعاملات للاشهاد. وكان لقاضى القضاة- الأعلى الشافعى- منزلة كبيرة في الدولة، حتى في تنصيب الخلفاء والسلاطين. وبالإضافة إلى القضاء كان هناك: النظر في المظالم، وكان يتولى النظر فيه السلطان في دار تسمى دار العدل، ثم أصبح ينظر فيه نائب السلطنة أو حاجب الحجاب. وكان أيضا نظام الحسبة، الذين يقومون بالنظر في الأسواق ومنع الغش فيها، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع المنكرات الظاهرة من الدعارة والخمور والتبرج وغيره، كما كان يتولى النظر في أحوال أهل الذمة حتى يتميزوا عن المسلمين بهيئاتهما ولباسهم. ٨- كما كان للمماليك نظمهم المتعلقة بالسيف، مثل الشرطة- في الداخل- ومثل النظم الحربية لإدارة الجيوش والجنود، والأساطيل، ولها أنظمتها الدقيقة (١) . ٩- وقد انتشر في عهد المماليك دفع الرشوة أو البرطلة، للوصول إلى المناصب، ولذلك أحيانا تصدر الأوامر بأن لا يولى أحد بمال ولا رشوة لأن ذاك يفضى إلى ولاية من لا يستحق (٢) .

стр. 106

رابعا: سقوط الخلافة العباسية في بغداد وإحياؤها في القاهرة: سبق أن أشرنا إلى سقوط الخلافة العباسية في بغداد على يد التتار وذكرنا - فيما سبق- إشارة سريعة إلى إعادتها في القاهرة سنة ٦٥٩ هـ على يد الظاهر بيبرس (١) . وقد يقول قائل: إذا كانت إعادة الخلافة الإسلامية تحولت إلى إعادة شكلية لأن الأمور كلها- ومنها تحديد الخليفة- بيد السلطان، فما فائدة الاهتمام بهذه المسألة؟. والجواب على ذلك أنه حتى في العهود العباسية المتأخرة أصبحت السلطة كلها بيد الوزراء- مثل بنى بويه، والسلاجقة- ولم يكن للخليفة إلا الاسم، ومع ذلك لما قضي على الخلافة حزن الناس على ذلك وصاروا يذكرون الأمور الهائلة التي جرت وعلى رأسها قتل الخليفة ثم بقاء المسلمين بلا خليفة، ولذلك فبقدر هذا الحزن كان استبشارهم بإحيائها في القاهرة، فالخلافة عند المسلمين رمز للوحدة واتباع شرع الله في تعيين إمام للمسلمين، ولذلك لما قامت الخلافة في القاهرة صار بعض الملوك في الأقاليم البعيدة يرسلون إلى الخليفة يطلبون منه أن يقرهم على ملكهم وأن يكونوا تابعين له حتى يحظوا بالشرعية أمام شعوبهم (٢) . ولا شك أن هناك أسبابا دعت المماليك إلى إعادة الخلافة ولعلها تتضح فيما يلي:- ١- أن فكرة إعادة الخلافة- كانت في البداية- على أساس أن الخليفة إذا بويع له فإن مهمته تبدأ بالعودة إلى بغداد وتخليصها من التتار وإعادة الخلافة هناك، والدليل على ذلك شيئان: أولهما: أن بعض الروايات تذكر أن المظفر قطز بايع في الشام الحاكم بأمر الله، وأرسل معه جماعة من أمراء العرب، وأن الخليفة سار وافتتح بعض المدن- جهة العراق- وأنه قاتل التتار وانتصر عليهم، وأن نائب دمشق استدعاه، وأن الظاهر بيبرس- بعد توليهـ استدعاه ولكنه علم أن المستنصر العبايي سبقه إلى القاهرة فلم يذهب إليها ولكن رجع إلى حلب

стр. 107

فبويع من هناك وكان ممن بايعه عبد الحليم بن تيمية (١) . أما الثاني: فهو ما قاله الخليفة العباسى المستنصر في خطته الأولى فإنه قال بعد مدحه للظاهر في إحيائه للخلافة العباسية، وبعد حثه على العدل والجهاد في سبيل الله، قال: " وبك يرجى أن يرجع مقر الخلافة إلى ما كان عليه في الأيام الأولى، فأيقظ لنصرة الاسلام جفنا ما كان غافيا ولا هاجعا، وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابع ... " (٢) ومقر الخلافة بغداد، وبعد وقت قصير سار الخليفة والسلطان إلى الشام فلما وصلا إلى دمشق جهز السلطان الخليفة ومعه الأمراء والجند، وسار الخليفة جهة العراق، وكان الظاهر يريد أن يبعث معه عشرة آلاف فارس حتى يستقر ببغداد، ولكن بعض الأمراء أشار إليه أن لا يفعل وقالوا: إن الخليفة إذا استقر أمره ببغداد نازعك وأخرجك من مصر، فلم يخرج مع الخليفة إلا قوة صغيرة لا تتناسب ومستوى المهمة، ولذلك سرعان ما قضى عليه سنة ٦٦٠ هـ وبعد ذلك عزم الظاهر على إعادة الخلافة مرة أخرى فأعادها سنة ٦٦١ هـ، وتولى الخلافة أحمد الحاكم بأمر الله، ولكن بقي الخليفة في القاهرة ولم يسمح له بمغادرتها. ٢- ومن الأسباب التى دعت المماليك إلى إحياء الخلافة الاسلامية كونهم مماليك وأن أصلهم غير حر ولعل حادثة بيعهم أيام نجم الدين أيوب على يد العز ابن عبد السلام (٣) لم تكن غائبة غن أذهانهم وأذهان الناس- لذلك وحتى يضفوا الشرعية على ملكهم وسلطانهم عمدوا إلى إحياء الخلافة، وأنهم ليسوا إلا تابعين للخليفة. ولما كان شرط القرشية سائدا لم يجرؤ المماليك إلى نسبها إلى أنفسهم وإنما عينوا خليفة عباسيا.

стр. 108

٣ - وهناك سبب آخر وهو أن بعض الدول المجاورة للمماليك لقبوا أميرهم بلقب الخليفة - بعد سقوط بغداد - ومن أبرز هذه الدول الدولة الحفصية في تونس (١) ، فحرص المماليك على قطع الطريق على أولئك لينالوا وحدهم المفخرة والشرعية فسارعوا إلى إعلان الخلافة عندهم في القاهرة. وعلى الرغم من ان الخلافة كانت شكلية، إذ ليس للخليفة حول ولا قوة إلا ان هذه الخطوة لم تخل من آثار لعل أهمها: أ - عودة الخلافة السنية كان بمثابة دعم قوي لما فعله نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي من إزالة الخلافة الفاطمية في مصر وإقامة دولة سنية، والقضاء على الفاطميين وإن كان قد مر عليه زمن طويل إلا أن هناك محاولات عديدة قام بها أفراد أو طوائف باطنية تدين بالولاء للدولة الفاطمية ومذهبها الباطني وذلك للعودة إلى الخلافة الشيعية، ومن هذه المحاولات ما فعله ابن العلقمي - في سقوط بغداد - الذي كان يطمع من خلال تعاونه وممالأته للتتار أن يقيم حاكما علويا بدل الخليفة العباسي السني، ولكنه فشل (٢) . ومنها ما قام به رجل شيعي يعرف بالكوراني - نسبة إلى كوران من قرى إسفرايين - حين أظهر الزهد والورع، وأخذ يجمع حوله بعض خدم السلطان ويحرضهم على الخروج ضد المماليك ليتولى بدلهم حاكم شيعي، ثم ثاروا وشقوا القاهرة وهم ينادون: ياآل علي وفتحوا دكاكين السيوفيين وأخذوا مافيها من سلاح

стр. 109

ولكن عسكر السلطان الظاهر بيبرس أحاطوا بهم وأوثقوهم فأصبحوا مصلوبين. وكان ذلك في أواخر سنة ٦٥٨ هـ (١) . ب- تحول أنظار العالم الإسلامى من بغداد إلى القاهرة وما يتبعها من بلاد الشام وبذلك أصبحت حاضرة المسلمين وموئل العلماء وطالبي العلم وصارت مدارسها ومساجدها وشيوخها ذات أثر بالغ، مما لم يبلغه مكان آخر، ولهذا يقول السيوطى معلقا على موضوع انتقال الخلافة إلى مصر: " واعلم أن مصر حين صارت دار الخلافة عظم أمرها، وكثرت شعائر الإسلام فيها وعلت فيها السنة، وعفت منها البدعة، وصارت محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء ... " (٢) . إلى غير ذلك من الآثار (٣) خامسا: الباطنية والرافضة: تعتبر الحركات الباطنية من أخطر الحركات في تاريخ العالم الإسلامى، وكذلك الرافضة، والطائفتان متداخلتان في المنهج والاعتقاد والموقف من أهل السنة، ولا عجب، إذ كلها قائمة على مبدأ التشيع ومنطلقة منه، وإن كان التطور في بعضها قد يصل إلى الغلو أو الإباحة كما حدث للإسماعيلية والقرامطة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو دعوى موالاة أهل البيت والقيام بالواجب نحوهم، واستخلاص حقوقهم المغتصبة- من الإمامة وغيرها- من أعدائهم. وهذه الحركات لا تزال- حتى الآن- تقوم بدور خطير في عالمنا الاسلامى وتحظى- كما يحظى من يتبناها من دول وغيرها- بدعم كبير من اليهود والنصارى والملاحدة- من شيوعيين ولا دينيين-؛ إذ أدرك أعداء الإسلام أن حرب المسلمين- ويقصد أهل السنة- لا تتم إلا بإحياء الطائفية بينهم ودعم تلك الفرق والحركات المناهضة للإسلام الحق.

стр. 110

وقد كتبت دراسات عن الحركات الباطنية، ولكن هذه الدراسات - حسب علمي- قامت على إحدى وجهتين: ١- إما وجهة تاريخية، تنظر إلى تاريخ هذه الطوائف، ودورها في الأحداث وما لها وما عليها، ولا تعطى الجانب العقائدي الذي قامت به إلا دورا صغيرا لا يتعدى التعريف والنشأة. ٢- وإما وجهة عقائدية بحتة، تنظر إلى عقائد هذه الطوائف وفكرها، وأهم مبادئها، وأما دورها في الأحداث وما قامت في المجال السياسى والاجتماعي فلا تتعرض له بشيء. وفي رأيي- القاصر- أن مثل هذه الحركات الخطيرة لا تتم معرفة أبعادها والاستفادة من تاريخها السابق- وأبعاده العقائدية والسياسية- إلا بالجمع بين هاتين الوجهتين أثناء الدراسة والتحليل. والحركات الباطنية- في العصر الحاضر-كما أن لها نشاطا سياسيا ملحوظا فلها أيضا نشاط فكري تنشر من خلاله مذاهبها وعقائدها وكتبها ووثائقها (١) . والعصر- الذى نحن بصدد الحديث عنهـ كان للباطنية والرافضة فيه دور كبير، وهو وإن كان قد انحسر- بالنسبة للعصر الذي قبلهـ إلا أن بقاياهم قامت بأدوار تكميلية سواء بنشر مذاهبهم أو التعاون مع الصليبيين، ولذا رأينا كيف أن الظاهر بيبرس يهاجم حصونهم ويقضي عليها، والسلطان قلاوون وغيره يقومون بغزو الرافضة في جبل كسروان وما جاوره، ورأينا عالما مثل شيخ الاسلام ابن تيمية يتصدى لجهادهم وغزوهم، كما يتصدى لفضح المذهب الباطني ويبين حكم الشرع فيهم، ويرد على علمائهم في منهاج السنة وغيره.
следующие страницы →