← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة، فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات، وبينوا بطلانها لمن سألهم، والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال، ويسألونه عن أنواع من المسائل، ويوردون عليه أنواعاً من الأسئلة والشبهات الباطلة فيجيبهم عنها، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه ". " والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة قد ناظروا أنواعاً من الجهمية أهل الكلام، وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل، ولكن من عرف طرق المناظرين لهم والمسائل التي ناظروهم فيها، علم ما كانوا يقولونه "، ثم يقول شيخ الإسلام - بعد مناقشة - " ففي الجملة: المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها، وإن كان التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات. والمعاني الباطلة قد لا تخطر ببال أحدهم، وقد تخطر بباله فيدفعها أو يسمعها من غيره فيردها فإن ما يلقيه الشيطان من الوساوس والخطرات الباطلة ليس له حد محدود، وهو يختلف بحسب أحوال الناس " (١) . وشيخ الإسلام - مما سبق - بين أنه يجب التفريق بين: - الكلام المذموم، والكلام الحق الموافق للكتاب والسنة. - المصطلح الحادث المخالف للكتاب والسنة، والمصطلح الحادث الذي لا يخالفهما. - الجدال والمناظرة المذمومة التي ذمها السلف، والجدال والمناظرة التي أثرت عن السلف. كما أنه يجب أن يعلم أن الحق واحد، واضح، ولذلك فهو معلوم، وأن الباطل متعدد، متنوع، يلتبس بالحق أحياناً، ولذلك فلا يمكن حصر أنواعه ومصطلحاته ووسائله في زمن أو مكان محدد. و نعى شيخ الإسلام على المتكلمين من الأشاعرة حين ظنوا أن الفقه من باب الظنون، وأن علم الكلام من باب القطعيات، يقول: " إن طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة.. كأبي علي، وأبي هاشم، وعبد الجبار،

стр. 772

وأبي الحسين وغيرهم، ومن اتبعهم من الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي، وأبي حامد، والرازي، ومن اتبعهم من الفقهاء يعظمون أمر الكلام الذي يسمونه أصول الدين، حتى يجعلون مسائله قطعية، ويوهنون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال، حتى يجعلوه من باب الظنون لا العلوم، وقد رتبوا على ذلك أصولاً انتشرت في الناس، حتى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث، لا يعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من الفساد، مع أن هذه الأصول التي أدعوها في ذلك باطلة واهية.. ذلك أنهم لم يجعلوا الله في الأحكام حكماً معيناً، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، وقد بينا.. ما في هذا من السفسطة والزندقة، فلم يجعلوا لله حكماً في موارد الاجتهاد أصلاً، ولا جعلوا له على ذلك دليلاً أصلاً، بل إن ابن الباقلاني، وغيره يقول " (١) ، ثم ناقش بعض المسائل التي يوردونها في أصول الفقه ثم يقول: " والمقصود هنا ذكر أصلين هما: بيان فساد قولهم: الفقه من باب الظنون، وبيان أنه أحق باسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم، وأن طرق الفقه أحق بأن تسمى أدلة من طريق الكلام. والأصل الثاني في بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن صحيح، بل ظن فاسد، وجهل مركب " (٢) . فأهل الكلام جعلوا أصولهم الكلامية - الخاطئة والتي يعارض فيها بعضهم بعضاً - أصولاً قطعية، وجعلوا أحكام الشرع من باب الظنون، وهذا قلب للحقائق. كما أن إدخالهم للمسائل الكلامية في أصول الفقه هو من الانحراف الذي ابتدعه أهل الكلام (٣) . ز - وأخيراً فإن من أهم ردود شيخ الإسلام على أهل الكلام وبيان ما فيه هذا العلم من الباطل أن شيوخه وأعلامه رجعوا عنه وحذروا منه، وهذه مسألة مهمة سيأتي تفصيلها في فقرة مستقلة ضمن منهجه العام في الرد على الأشاعرة.

стр. 773

خامساً: جهلهم بالسنة وبمذهب السلف . كثيراً ما يحكم شيخ الإسلام ابن تيمية على أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم بأن معرفتهم بالسنة وأحاديث الرسول ﷺ قليلة، وأن خبرتهم بمذهب السلف وأهل السنة والجماعة ضعيفة، ولم يكن شيخ الإسلام يطلق أحكامه تلك بناءً على ظن، أو إلزام، وإنما كان منطلقاً من معرفة تامة بكتب الأشاعرة وغيرهم، واستيعاب عجيب لأقوالهم ومقالاتهم، وتتبع دقيق لكتبهم في المقالات والملل والفرق، وكان شيخ الإسلام قبل هذا كله على دراية بأحكام الكتاب والسنة، واطلاع واسع على حديث الرسول ﷺ مع تمييز صحيحه من ضعيفه، كما أن معرفته بأقوال أهل السنة وأحوالهم ورواياتهم ورسائلهم وردودهم وكتبهم، كانت قوية ومتمكنة. ولذلك جاء نقد شيخ الإسلام للأشاعرة مبيناً على وثائق من كتبهم مع مقارنتها بما في كتب السلف، كما أن مناظرته لخصومه في حياته لا تخلو من بيان مثل هذه الحقائق (١) . وقد جاءت تعليقات شيخ الإسلام كما يلي: - تعليق مجمل يبين حال أهل الكلام في ذلك، وأحياناً يضرب الأمثلة بأكثر من واحد منهم. - نقد مفصل لكل واحد من أعلام الأشاعرة.

стр. 774

أ - أما النقد المجمل، فإن شيخ الإسلام أشار إلى جهل كثير منهم بالسنة وأحاديث الرسول ﷺ ، يقول عن المتكلمين: " فإن فرض أن أحداً نقل مذهب السلف كما يذكره، فإما أن يكون قليل المعرفة بآثار السلف كأبي المعالي، وأبي حامد الغزالي، وابن الخطيب، وأمثالهم، ممن لم يكن لهم من المعرفة بالحديث ما يعدون به من عوام أهل الصناعة، فضلاً عن خواصها، ولم يكن الواحد من هؤلاء يعرف البخاري ومسلماً وأحادثيهما إلا بالسماع، كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث المفتري المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب " (١) . وفي كتبهم المصنفة في أصول الدين - يحكون الإجماع أو النزاع - ويجهلون مذهب السلف، يقول شيخ الإسام وقد بين بالأدلة وجوب معرفة أقوال السلف في العلم والدين وأن معرفتها أنفع من معرفة أقوال المتأخرين، وإن الاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم - يقول: " وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم، بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك - من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف - فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع، وهم لا يعرفون في ذلك قوال السلف البتة، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرهان فتارةً يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين، طائفة، أو طائفتين، أو ثلاث، وتارة عرفوا أقوال بعض السلف، والأول كثير في مسائل أصول الدين وفروعه، كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك، يحكون إجماعاً ونزاعاً ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة، بل قد يكون قول السلف خارجاً عن أقوالهم، كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته، مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك " (٢) ، ويقول - بعد نقده لكتب المقالات -: مثل كتب الأشعري والشهرستاني والنوبختي وأبي عيسى الوراق، وأنهم ينقلون

стр. 775

أقوال مختلف الطوائف؛ " والقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه الصحابة والتابعون أئمة المسلمون لا يعرفونه ولا يذكرونه، بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها المصنف للقول الذي يقول: إنه الحق، تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، وينصرون أحدها، ويكون كل ما ذكروه أقوالاً فاسدة، مخالفة للشرع والعقل، والقول الذي جاء به الرسول - وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول - لا يعرفونه، ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم محائراً ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على بعض علمه ببطلان تلك المقالمات كلها، وهذا موجود في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة، متقدميهم ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوهما " (١) . والعبارة الأخيرة تدل على أن شيخ الإسلام يعمم حكمه على جميع كتبهم، الفلسفية والكلامية، وليس في هذا مبالغة، فإن كتبهم - ومناهجهم فيها - لا تحمل روح مذهب السلف الصافي، ويكفي المطلع على كتب أهل السنة، وما ألفوه من العقائد الواضحة المبنية على الكتاب والسنة - أن يطلع على واحد من كتب هؤلاء - كالتمهيد، أو الشامل، أو الإرشاد، أو نهاية الإقدام، أو الاقتصاد في الاعتقاد، أو غاية المرام، أو الأربعين للرازي، أو المواقف - ليجد هذا الحكم عادلاً غير جائز. ويقول شيخ الإسلام- في موضع آخر - جامعاً في الحكم بين كتبهم في المقالات والملل وكتبهم الكلامية: " وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر فيها مقالات الناس، إما نقلاً مجرداً، مثل كتاب المقالات لأبي الحسن الأشعري وكتاب الملل والنحل للشهرستاني، ولأبي عيسى الوراق، أو مع انتصار لبعض الأقوال - كسائر ما صنفه أهل الكلام على اختلاف طبقاتهم - فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف المذموم، وأما الحق الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، وكان عليه سلف الأمة، فلا يوجد فيها في جميع مسائل

стр. 776

الاختلاف، بل يذكر أحدهم في المسألة عدة أقوال، والقول الذي جاء به الكتاب والسنة لا يذكرونه، وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه، بل لا يعرفونه، ولهذا كان السلف والأئمة يذمون هذا الكلام، ولهذا يوجد الحاذق المصنف الذي غرضه الحق في آخر عمره يصرح بالحيرة والشك، إذ لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض، وكثير منهم يترك الجميع ويرجع إلى دين العامة الذي عليه العجائز والأعراب، كما قال أبو المعالي وقت السياق: لقد خضت البحر الخضم..وكذلك أبو حامد.. والشهرستاني " (١) ، وشيخ الإسلام - مع نقده الشديد لهم - يعتذر لهم بأنهم لم يكن قصدهم مخالفة الحق وعدم ذكره، وإنما عدم معرفتهم به هي السبب ولذلك يقول: في موضع آخر من هذا الكتاب: " إن غالب كتب أهل الكلام والناقلين للمقالات ينقلون في أصول الملل والنحل من المقالات ما يطول وصفه، ونفس ما بعث الله به رسوله وما يقوله أصحابه والتابعون لهم في ذلك الأصل الذي حكوا فيه أقوال الناس؛ لا ينقلونه، لا تعمداً منهم لتركه، بل لأنهم لم يعرفوه، بل ولا سمعوه، لقلة خبرتهم بنصوص الرسول وأصحابه والتابعين " (٢) . وأهل الكلام إذا نصروا ما هو شائع من أصول أهل السنة والجماعة، - مثل القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، وأن أهل القبلة لا يكفرون بالذنب ولا يخلدون في النار، والشفاعة، وعذاب القبر، والحوض، والخلفاء الأربعة، وغير ذلك - إذا نصروا مثل هذه العقائد لا يكونون منطلقين من منطلق أصول ومنهج السلف، يقول شيخ الإسلام عنهم: " وكثير من أهل الكلام في كثير مما ينصره لا يكون عارفاً بحقيقة دين الإسلام في ذلك، ولا ما جاءت به السنة، ولا ما كان عليه السلف، فينصر ما ظهر من قولهم بغير المآخذ التي كانت مآخذهم في الحقيقة، بل بمآخذ آخر قد تلقوها عن غيرهم من أهل البدع، فيقع في كلام هؤلاء من التناقض والاضطراب والخطأ ما ذم

стр. 777

به السلف مثل هذا الكلام وأهله.." (١) . ومن الأمثلة الواضحة التي ذكرها شيخ الإسلام - دليلاً على جهل هؤلاء بمذهب السلف مسألة " القرآن " والخلاف فيها، وقد قدم لذلك بقوله: بعد ذكره للخلاف بين المعتزلة والأشاعرة، " فأخذ هذا بعض صفة الكلام وهذا بعضها، والمتكلم المعروف من قام به الكلام، ومن يتكلم بمشيئته وقدرته، ولهذا يوجد كثير من المتأخرين المصنفين في المقالات والكلام يذكرون في أصل عظيم من أصول الإسلام الأقوال التي يعرفونها، وأما القول المأثور عن السلف والأئمة الذي يجمع الصحيح من كل فلا يعرفونه، ولا يعرفون قائله، فالشهرستاني صنف الملل والنحل وذكر فيها من مقالات الأمم ما شاء الله، والقول المعروف عن السلف والأئمة لم يعرفه ولم يذكره، والقاضي أبو بكر، وأبو المعالي، والقاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني، وأبو الحسين البصري، ومحمد ابن الهيصم، ونحو هؤلاء من أعيان الفضلاء المصنفين، تجد الواحد منهم يذكر في مسألة القرآن أو نحوها عدة أقوال للأمة، ويختار واحداً منها، والقول الثابت عن السلف والأئمة كالإمام أحمد ونحوه من الأئمة لا يذكره الواحد منهم " (٢) . ثم ذكر شيخ الإسلام أن الجويني في الإرشاد لم يذكر في مسألة كلام الله إلا أربعة أقوال: قول المعتزلة، والكرامية، والكلابية - الذي يرجحه - وقولاً رابعاً نسبه إلى الحشوية وأهل الظاهر، زعم فيه أنهم يقولون إن المسموع من أصوات القراء ونغماتهم عين كلام الله تعالى، وأن القرآن إذا كتب بجسم صار المداد عين كلام الله القديم (٣) ، قال شيخ الإسلام معلقاً على ما ذكره في هذا القول: " ومعلوم أن هذا القول لا يقوله عاقل يتصور ما يقول " (٤) ، فلم يذكر الجويني القول عن أئمة السلف، فلما جاء الشهرستاني - وهو أعلم

стр. 778

بالمقالات من أخوانه (١) - ذكر قولاً سادساً نسبه إلى السلف والحنابلة وفصل القول فيه، وذكر فيه قولهم: إن القرآن حروف وأصوات أزلية كما ذكر تفريقهم بين صوت القارئ وكلام الباري (٢) ، قال ابن تيمية: " قلت فهذا القول الذي ذكره الشهرستاني وحكاه عن السلف والحنابلة ليس هو من الأقوال التي ذكرها صاحب الإرشاد وأتباعه، فإن أولئك لم يحكوا إلا قول من يجعل القديم عين صوت العبد والمداد، وهذا القول لا يعرف به قائل له قول أو مصنف في الإسلام، وأما القول الذي ذكره الشهرستاني فقال به طائفة كبيرة، وهو أحد القولين لمتأخري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم من الطوائف، وهو المذكور عن أبي الحسن بن سالم وأصحابه السالمية" (٣) ، ثم قال شيخ الإسلام: " فبعض هذا القول الذي ذكره الشهرستاني عن السلف منقول بعينه عن السلف، مثل إنكارهم على من زعم إن الله خلق الحروف، وعلى من زعم أن الله لا يتكلم بصوت ومثل تفريقهم بين صوت القارئ وبين الصوت الذي يسمع من الله، ونحو ذلك فهذا كله موجود عن السلف والأئمة، وبعض ما ذكره من هذا القول ليس هو معروفاً عن السلف والأئمة، مثل إثبات القدم والأزلية لعين اللفظ المؤلف، ولكن القول الذي أطبقوا عليه: هو أن كلام الله غير مخلوق، ولكن تنازعوا في مرادهم بذلك، والنزاع في ذلك موجود في عامة الطوائف من أصحاب أحمد وغيرهم.. والنزاع في ذلك مبني على هذا الأصل، أنه لم يزل متكلماً - هل يتعلق بقدرته ومشيئته أم لا؟ فهذا القول السابع لم يذكره الشهرستاني ونحوه، إذا الأقوال المعروفة للناس في مسألة الكلام سبعة أقوال " (٤) ، أي من غير قول أهل الحق.

стр. 779

فالجويني والشهرستاني لم يعرفا حقيقة مذهب السلف ليحكموا على الوجه الصحيح. ب - أما نقد شيخ الإسلام المفصل لبعض أعلام الأشاعرة لجهلهم باسنة ومذهب السلف فكثير، ويمكن الإشارة إلى النماذج التالية: ١- قال عن أبي الحسن الأشعري: " لا ريب أن الأشعرية إنما تعلموا الكتاب والسنة من أتباع الإمام أحمد ونحوه بالبصرة وبغداد، فإن الأشعري أخذ السنة بالبصرة عن زكريا بن يحيى الساجي، وهو من علماء أهل الحديث المتبعين لأحمد ونحوه، ثم لما قدم بغداد أخذ عمن كان بها، ولهذا يوجد أكثر ألفاظه التي ذكرها عن أهل السنة والحديث إما ألفاظ زكريا بن يحيى الساجي التي وصف بها مذهب أهل السنة، وإما ألفاظ أصحاب الإمام أحمد وما ينقل عن أحمد ورسائله الجامعة في السنة، وإلا فالأشعري، لم يكن له خبرة بمذهب أهل السنة وأصحاب الحديث، وإنما يعرف أقوالهم من حيث الجملة، لا يعرف تفاصيل أقوالهم وأقوالهم أئمتهم، وقد تصرف فيما نقله عنهم باجتهاده في مواضع يعرفها البصير، وأما خبرته بمقالات أهل الكلام فكانت خبرة تامة على سبيل التفصيل، ولهذا لما صنف كتابه في مقالات الإسلاميين ذكر مقالات أهل الكلام واختلافهم على التفصيل، وأما أهل السنة والحديث فلم يذكر عنهم إلا جملة مقالات مع أن لهم في تفاصيل تلك من الأقوال أكثر مما لأهل الكلام، وذكر الخلاف بين أهل الكلام في الدقيق فلم يذكر النزاع بين أهل الحديث في الدقيق " (١) ، ويقول شيخ الإسلام - في موضع آخر - " ومن أجمع الكتب التي رأيتها في مقالات الناس المختلفين في أصول الدين كتاب أبي الحسن الأشعري، وقد ذكر فيه من المقالات وتفصيلها ما لم يذكره غيره، وذكر فيه مذهب أهل الحديث والسنة بحسب ما فهمه عنهم، وليس في جنسه أقرب إليهم منه، ومع هذا نفس القول الذي جاء به الكتاب والسنة وقال به الصحابة والتابعون له بإحسان في القرآن والرؤية والصفات والقدر وغير ذلك من مسائل أصول الدين ليس في كتابه.

стр. 780

وقد استقصى ما عرفه من كلام المتكلمين، وأما معرفة ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وآثار الصحابة فعلم آخر لا يعرفه أحد من هؤلاء المتكلمين المختلفين في أصول الدين، ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها متفقين على ذم أهل الكلام ... " (١) . والأشعري - كما هو معلوم - أقرب بني طائفته إلى مذهب أهل السنة. ٢- ابن فورك، والقاضي أبو يعلى، والقشيري، وقد انتقد هؤلاء لخلطهم في كتبهم بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة والموضوعة، يقول عن ابن فورك وغيره: " ولكن هؤلاء يقرنون بالأحاديث الصحيحة أحاديث كثيرة موضوعة، ويقولون بتأويل الجميع، كما فعل بشر المريسي، ومحمد بن شجاع الثلجي وأبو بكر ابن فورك في كتابه " مشكل الحديث" حتى أنهم يتأولون حديث عرق الخيل (٢) ، وأمثاله من الموضوعات " (٣) ، ويقول عن القاضي أبي يعلى الحنبلي - الذي يميل إلى الأشاعرة - " وقد صنف القاضي أبو يعلى كتابه في أبطال التأويلات رداً لكتاب ابن فورك، وهو وإن كان أسند الأحاديث التي ذكرها وذكر من رواها، ففيها عدة أحاديث موضوعة " (٤) ، ويقول عن القشيري " إن ما يوجد في " الرسالة " وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي ﷺ وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع.. وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام الثلاثة " (٥) . وهؤلاء مع جهلهم بالسنة فهم أيضاً يشاركون عموم أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم في جهلهم بمذهب أهل السنة. ٣- أبو المعالي الجويني، وقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام عنه وعن الشهرستاني وغيرهما من أهل الكلام في جهلهم بمذهب أهل السنة، وقد بين

стр. 781

في التسعينية جهل الجويني بالسنة وأقوال سلف الأمة فيقول في معرض مناقشته له حول الصفات الخبرية وغيرها: " وأبو المعالي يتكلم بمبلغ علمه في هذا الباب وغيره، وكان بارعاُ في فن الكلام الذي يشترك فيه أصحابه والمعتزلة - وإن كانت المعتزلة هم الأصل فيه - لكثرة مطالعته لكتب أبي هاشم ابن الجبائي، فأما الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وقول أئمتها فكان قليل المعرفة بها جداً، وكلامه في غير موضع يدل على ذلك، ولهذا تجده في عامة مصنفاته في أصوله وفروعه إذا اعتمد على قاطع فإنما هو ما يدعيه من قياس عقلي أو إجماع سمعي، وفي كثير من ذلك ما فيه، فأما الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها فهو قليل الاعتماد عليها والخبرة بها " (١) ، ثم ذكر مثالاً في رده على الآجري، وبيان أبي عبد الله القرطبي ما في رد الجويني على الآجري من التحامل، ثم ناقش شيخ الإسلام كلام الجويني من وجوه عديدة (٢) ، ثم قال: " ومن العجب أن الآجري يروي في كتاب الشريعة له من طريق مالك والثوري والليث وغيرهم، فلو تأمل أبو المعالي وذووه الكتاب الذي أنكروه لوجدوا فيه مايخصهم، ولكن أبو المعالي مع فرط ذكائه وحرصه على العلم وعلو قدره في فنه، كان قليل المعرفة بالآثار النبوية، ولعله لم يطالع الموطأ بحال حتى يعلم ما فيه، فإنه لم يكن له بالصحيحين -البخاري ومسلم - وسنن أبي داود والنسائي والترمذي، وأمثال هذه السنن علم أصلاً، فكيف بالموطأ ونحوهن وكان مع حرصه على الاحتجاج في مسائل الخلاف في الفقه إنما عمدته سنن أبي الحسن الدارقطني، وأبو الحسن مع تمام إمامته في الحديث فإنه إنما صنف هذه السنن كي يذكر فيها الأحاديث المستغربة في الفقه، ويجمع طرقها، فإنها هي التي يحتاج فيها إلى مثله، فإما الأحاديث المشهورة في الصحيحين وغيرهما فكان يستغني عنها في ذلك، فلهذا كان مجرد الاكتفاء بكتابه في هذا الباب يورث جهلاً عظيماً بأصول الإسلام، واعتبر ذلك بأن كتاب أبي المعالي الذي هو نخبة عمره: " نهاية المطلب في دراية المذهب " ليس فيه حديث واحد معزو إلى صحيح البخاري إلا حديث واحد

стр. 782

في البسملة، وليس ذلك الحديث في البخاري كما ذكره، ولقلة علمه وعلم أمثاله بأصول الإسلام اتفق أصحاب الشافعي على أنه ليس لهم وجه (١) في مذهب الشافعي، فإذا لم يسوغ أصحابه أن يعتد بخلافهم في مسألة منم فروع الفقه، كيف يكون حالهم في غير هذا؟ وإذا اتفق أصحابه على أنه لا يجوز أن يتخذ إماماً في مسألة واحدة من مسائل الفروع، فكيف يتخذ إماماً في أصول الدين، مع العلم بأنه إنما نيل قدره عند الخاصة والعامة بتبحره في مذهب الشافعي ﵁ لأن مذهب الشافعي مؤسس على الكتاب والسنة، وهذا الذي ارتفع به عند المسلمين، غايته فيه أنه يوجد منه نقل جمعه، أو بحث تفطن له، فلا يجعل إماماً فيه كالأئمة الذين لهم وجوه (٢) ، فكيف بالكلام الذي نص الشافعي وسائر الأئمة على أنه ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه، وقد بينا أن ما جعله أصل دينه في الإرشاد والشامل وغيرهما هو بعينه من الكلم الذي نصت عليه الأئمة " (٣) . والجويني - كما سبق بيانه في ترجمته وبيان منهجه - من أعظم الأشاعرة أثراً في نقل المذهب الأشعري إلى التأويل في الصفات والقرب من مذاهب المعتزلة. ٤- الغزالي: قال الغزالي عن نفسه: " بضاعتي في علم الحديث مزجاة " (٤) ، وكثيراً ما يشير شيخ الإسلام إلى هذه الشهادة التي شهد بها على نفسه، ويقول عنه: " وأبو حامد ليس له من الخبرة بالآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة بذلك، الذين يميزون بين صحيحه وسقيمه، ولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث والآثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها" (٥) ، ويقول عنه أيضاً: - بعد ذكره لطريقة الصحابة وأن التابعين

стр. 783

لهم بإحسان من أهل الحديث والسنة وكانوا معظمين لهم - " فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهمن أبو حامد، وذلك لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيراً بمعاني القرآن خبيراُ بسنة رسول الله ﷺ خبيراً بآثار الصحابة، فقيهاً في ذلك عاملاً بذلك، وهؤلاء هم أفضل أهل الخلق منم المنتسبين إلى العلم والعبادة، وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولاتلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيراً بطريقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه: أنا مزجى البضاعة في الحديث، ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار " (١) ، ولجهل الغزالي والرازي بمذهب السلف اعتمد عليه الأخير في نقل مذهب السلف في الصفات وأنه إما التأويل وإما التفويض (٢) . ٥- الشهرستاني: وقد سبقت الإشارة إلى نقد ابن تيمية له، وقد قال فيه: " والشهرستاني لا خبرة له بالحديث وآثار الصحابة والتابعي، ولهذا نقل في كتابه هذا ما ينقل من اختلاف غير المسلمين واختلاف المسلمين، ولم ينقل مع هذا مذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في الأصول الكبار، لأنه لم يكن يعرف هذا وهو وأمثاله من أهل الكلام" (٣) . ٦- الفخر الرازي: يقول عنه شيخ الإسلام: " ليس في كتبه - وكتب أمثاله - في مسائل أصول الدين الكبار القول الصحيح الذي يوافق المنقول والمعقول، الذي بعث الله به الرسول، وكان عليه سلف الأمة وأئمتها، بل يذكر بحوث المتفلسفة الملاحدة " (٤) ، ويقول عنه أيضاً: " والرازي لم يكن له خبرة بأقوال طوائف المسلمين " (٥) ، بل إنه يذكر في تفسيره أحياناً أقوالاً كلها باطلة ولا يذكر القول الحق (٦) .

стр. 784

سادساً: إرجاع أقوالهم المخالفة لمذهب أهل السنة إلى أصول الفلاسفة والجهمية والمعتزلة . مما سبق تبينت بعض الأصول في نقد ابن تيمية للأشاعرة وهي: - عدم اعتمادهم أساساً على الكتاب والسنة. - خوضهم في علم الكلام المذموم. - اعتقادهم أن مذهب الخلف أعلم وأحكم من مذهب السلف. - جهلهم بالسنة وبمذهب السلف وبعدهم عنه. ولا شك أن تحقق هذه الأمور فيهم يدل على أنهم في أقوالهم وكتبهم قد اعتمدوا على أصول ومناهج وطرق بعيدة عن الكتاب والسنة ومذهب أهل السنة والجماعة، ولذلك ركز شيخ الإسلام -في نقده لهم - على إرجاع أقوالهم إلى أصولها الفلسفية والاعتزالية والجهمية. وقد كان منهج شيخ الإسلام في ذلك كما يلي: أ - بيان الأصول المختلفة التي ترجع إليها أقوال هؤلاء، وقد بنى هذا على التطور الذي حدث للمذهب الأشعري، حين بدأ متأثراً ببعض أصول المعتزلة، ثم زاد ليشمل أصولاً أخرى لهم، ثم زاد ليكون التأثر بالفلاسفة أيضاً، يقول شيخ الإسلام - مرتباً هذا التأثر من الأعلى إلى الأدنى - وهو يتكلم عن الفخر الرازي: " ولهذا يوجد في كلام هذا وأبي حامد ونحوهما من الفلسفة ما لا يوجد في كلام أبي المعالي وذويه، ويوجد في كلام هذا وأبي المعالي وأبي حامد من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقه، ويوجد في ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة مالا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة، وإذا كان الغلط شبراً صار في الاتباع ذراعاً ثم باعاً،

стр. 785

حتى آل هذا المآل، فالسعيد من لزم السنة " (١) ، ويقول عن ابن كلاب وإثباته العلو وقوله عن النفاة: " إذا قالوا ليس هو فوق وليس هو تحت فقد أعدموه، لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم "، قال شيخ الإسلام معلقاً: " وهذا كله يناقض قول هؤلاء الموافقين للمعتزلة والفلاسفة من متأخري الأشعرية ومن وافقهم من الحنبلية والمالكية والحنفية والشافعية وغيرهم من طوائف الفقهاء الذين يقولون: ليس هو تحت وليس هو فوق " (٢) ، وأحياناً يعرض للمصادر المختلفة للعلم الواحد من أعلامهم، يقول عن الرازي: " أبو عبد الله الرازي غالب مادته في كلام المعتزلة ما يجده في كتب أبي الحسن البصري وصاحبه محمود الخوارزمي، وشيخه عبد الجبار الهمذاني ونحوهم، وفي كلام الفلاسفة: ما يجده في كتب ابن سينا وأبي البركات ونحوهما، وفي مذهب الأشعري: يعتمد على كتب أبي المعالي كالشامل ونحوه، وبعض كتب القاضي أبي بكر وأمثاله، وهو ينقل أيضاً من كلام الشهرستاني وأمثاله " (٣) ، وفي موضع آخر يذكر أن مادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني أيضاً (٤) ، ويذكر أيضاً أن فيه تجهماً قوياً وميلاً للدهرية والفلاسفة (٥) . ب - إرجاع أقوالهم تفصيلاً إلى طائفة من الطوائف المنحرفة ومنها: ١- الجهمية: يقوم مذهب الجهمية على عدة أصول منحرفة أبرزها: نفي الأسماء والصفات، والجبر، والإرجاء (٦) ، وتأثر الأشاعرة بهم جاء في هذه الأمور،

стр. 786

أما بالنسبة لمسألة القدر والإيمان فواضح، وأما الصفات فمن المعلوم أن المعتزلة تأثروا فيها بالجهمية، ولذلك يسمون - في هذا الباب - بالجهمية، والأشاعرة تأثروا بالمعتزلة في نفيهم لكثير من الصفات. يقول شيخ الإسلام عن الأشاعرة: " والأشعري وأمثاله، برزخ بين السلف والجهمية، أخذوا من هؤلاء كلاماً صحيحاً، ومن هؤلاً أصولاً عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة، فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية، ومن الناس من مال إليه من الجهة البدعية الجهمية كأبي المعالي وأتباعه " (١) ، وفي موضع آخر يحدد شيخ الإسلام هذه الأصول، فيقول عن الجويني: " والأصول التي يقررها هي أصول جهمن بن صفوان في الصفات والقدر والإرجاء، وقد ظهر ذلك في اتباعه كالمدعي المغربي في مرشدته وغيره، فإن هؤلاء في القدر يقولون بقول جهم يميلون إلى الجبر، وفي الإرجاء بقول جهم أيضاً، لأن الإيمان هو المعرفة، وأما الصفات فيهم يخالفون جهماً والمعتزلة، فهم يثبتون الصفات في الجملة، لكن جهم والمعتزلة حقيقة قولهم نفي الذات والصفات وإن لم يقصدوا ذلك ولم يعتقدوه، وهؤلاء حقيقة قولهم إثبات صفات بلا ذات، وإن يعتقدوا ذلك ويقصدوه، ولهذا هم متناقضون لكن هم خير من المعتزلة، ولهذا إذا حقق قولهم لأهل الفطر السليمة يقول أحدهم، فيكون الله شبحاً، وشبحه خيال الجسم، مثل ما يكون من ظله على الأرض، وذلك هو عرض، فيعلمون أن من وصف الرب بهذه الأسلوب، مثل قولهم: لا داخل العالم ولا خارجه ونحوه، فلا يكون الله على قوله شيئاً، قائماً بنفسه، موجوداً، بل يكون كالخيال الذي يشبحه الذهن من غير

стр. 787

أن يكون ذلك الخيال قائماً بنفسه، ولا ريب أن هذا حقيقة قول هؤلاء الذين يزعمون أنهم ينزهون الرب بنفي الجسم وما يتبع ذلك، ثم إنهم مع هذا النفي، إذا نفوا الجسم وملازيمه وقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، فيعلم أهل العقول أنهم لم يثبتوا شيئاً قائماً بنفسه موجوداً" (١) ، ويلاحظ في هذا النص لشيخ الإسلام كيف بين أن متأخري الأشعرية نفاة العلو، والصفات الخبرية، يؤول قولهم إلى قول الجهمية نفاة الأسماء والصفات، لأنهم إذا قالوا: إن الله ليس بجسم، ثم قالوا: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، فكأنهم أعدموه وهذا وجه شبههم بالجهمية. أما في المسألة القدر: فيقول شيخ الإسلام عن الصوفية وموافقتهم للجهمية في القدر والميل إلى الجبر - " وهو قول الأشعري وأتباعه، وكثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة، ومن أهل الحديث والصوفية، فإن هؤلاء أقروا بالقدر موافقة للسلف وجمهور الأئمة، وهم مصيبون في ذلك، وخالفوا القدرية من المعتزلة وغيرهم في نفي القدر، ولكن سلكوا في ذلك مسلك الجهم بن صفوان وأتباعه " (٢) ، ولكنهم مع موافقتهم له" نازعوه في بعض ذلك نزاعاً لفظياً أتوا بما لا يعقل" (٣) ، كما أن الأشاعرة وافقوا الجهمية في الحسن والقبح وكونه مأموراً أو محظوراً (٤) ، كما وافقوهم في نفي التعليل (٥) ، وفي مسألة المشيئة والإرادة وهل هي بمعنى المحبة فإن الجهمية قالت: " هو يشاء ذلك فهو يحبه ويرضاه، وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء، فذكر أبو المعالي الجويني أن أبا الحسن أول من خالف السلف في هذه المسألة، ولم يفرق بين المشيئة

стр. 788

والمحبة والرضا " (١) . وأما الإيمان فيقول شيخ الإسلام: " الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم به هذا قول جهم ونصره الأشعري وأصحابه، ولكن قالوا مع ذلك: إن كل من حكم الشارع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا بتكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة " (٢) ، وفي موضع آخر يوضح مدى تأثر الأشاعرة بالجهمية في الإيمان فيقول: " وأما الأشعري فالمعروف عنه وعن أصحابه أنهم يوافقون جهماً في قوله في الإيمان، وأنه مجرد التصديق القلب أو معرفة القلب، لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث ويتأولونه ويقولون بالاستثناء على الموافاة، فليسوا موافقين لجهم من كل وجه" (٣) ، ويذكر أن الباقلاني نصر قول جهم في مسألة الإيمان متابعة للأشعري، وكذلك أكثر أصحابه (٤) ، ويذكر في شرح الأصفهانية أن المتأخرين من أصحاب الأشعري وافقوا الجهم في مسألة الإيمان (٥) . والسؤال الذي يرد هنا هو أنه قد يلحظ أن الأشعرية يوافقون الجهمية في بعض الأصول كالإيمان والقدر وكثير من فروع مسائله فلماذا؟ ويمكن أن يقال في الجواب بأن الأشعري - وقد فرّ من مذهب المعتزلة بعد أن اعتنقه زمناً طويلاً - كان هارباً من المعتزلة ومن كل ما جاؤوا به من عقائد، فصار يعارضهم في جميع عقائدهم، فلما كانوا في الإيمان وعيدية يخلدون في النار مرتكب الكبيرة، فرّ إلى المرجئة ظناً منه أنه قول السلف، وكذلك لما كانوا قدرية ينكرون القدر قال بضد قولهم فمال إلى الجبر. والله أعلم.

стр. 789

٢- المعتزلة: يقوم مذهب المعتزلة على الأصول الخمسة المعروفة، وقد تفرعت عنها الأقوال التي اشتهروا بها كنفي القدر، ونفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وإنكار الرؤية، وغيرها (١) ، والأشعري وأصحابه خالفوا المعتزلة في كثير من أصولهم، وردوا عليهم ردوداً طويلة، وصات مخالفة المعتزلة عندهم من الأمور التي يوردونها ويركزون عليها في جميع كتبهم تقريباً.

стр. 790

وشيخ الإسلام مع تسليمه بهذا يقر في كتبه أن الأشاعرة تتلمذوا وتأثروا بالمعتزلةن وسلموا لهم بعض الأصول المخالفة لمذهب أهل السنة، وليس في هذا تناقض لأن الأصول التي سلموها غير الأصول التي ردوها، وقد أوضح شيخ الإسلام هذا الأمر فقال تعليقاً على قول خلف المعلم المالكي: " أقام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال، ثم أظهر التوبة، فرجع عن الفروع، وثبت على الأصول"، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " قلت: ليس مراده بالأصول ما أظهروه من مخالفة السنة، فإن الأشعري مخالف لهم فيما أظهروه من مخالفة السنة، كمسألة الرؤية، والقرآن، والصفات. ولكن أصولهم الكلامية العقلية التي بنوا عليها الفروع المخالفة للسنة، مثل هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث العالم وإثبات الصانع، فإن هذا أصل من أصولهم، كما قد بينا كلام أبي الحسن البصري وغيره في ذلك، وأن الأصل الذي بنت عليه المعتزلة كلامها في أصول الدين، هو هذا الأصل الذي ذكره الأشعري، لكنه مخالف لهم في كثير من لوازم ذلك وفروعه، وجاء كثير من أتباعه المتأخرين كأتباع صاحب الإرشاد، فأعطوا الأصول - التي سلمها للمعتزلة- حقها في اللوازم، فوافقوا المعتزلة على موجبها، وخالفوا شيخهم أبا الحسن وأئمة أصحابه، فنفوا الصفات الخبرية، ونفوا العلو، وفسروا الرؤية بمزيد علم لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة، وكذلك قالوا في القرآن: إن القرآن الذي قالت المعتزلة: إنه مخلوق نحن نوافقهم على خلقه، ولكن ندعي ثبوت معنى آخر وأنه واحد قديم، والمعتزلة تنكر تصور هذا بالكلية، وصارت

стр. 791

المعتزلة والفلاسفة مع جمهور العقلاء يشننعون عليهم بمخالفتهم لصريح العقل، ومكابرتهم للضرورياتن وسبب ذلك تسليمهم لهم صحة تلك الأصول، التي ذكر الأشعري أنها مبتدعة في الإسلام" (١) ، فقد أوضح شيخ الإسلام عدة حقائق في هذه المسألة: - أن الأشعري خالف المعتزلة في مسائلهم الكبار التي خالفوا فيها أهل السنة وأهمها: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإثبات الصفات، والرؤية، وغيرها من السمعيات كالشفاعة في أهل الكبائر وعذاب القبر ونعيمه وغيرها. - أن الأِشعري مع ذلك مسلم لهم بعض الأصول العقلية مثل دليل حدوث الأجسام الذي جاءوا بهن ولكن الأشعري مع قوله بصحة هذا الدليل إلا أنه خالف المعتزلة في أمرين: أحدهما: بيانه أنه يمكن الاستغناء عن هذا الدليل لإثبات الصانع وحدوث العالم، وأن الرسل لم يدعوا إلى هذا الدليل لغموضه ووعورة مسلكه. والثاني: أنه لم يلتزم لوازمه وفروعه، مثل إنكار العلو، ونفي كل صفة دلت على التجسيم حسب مصطلحهم، بل خالفهم الأشعري في ذلك فأثبت لله صفة العلو، والاستواء، كما أثبت الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين. - أن متأخري الأشعرية خالفوا إمامهم الأشعري وأصحابه، ووافقوا المعتزلة وذلك من خلال أمرين: أحدهما: حصرهم دليل إثبات الصانع وحدوث العالم بدليل حدوث الأجسام الذي جاءت به المعتزلة، وقولهم بأن بطلانه يؤدي إلى بطلان دليل حدوث العالم، فيؤدي هذا إلى القول بقدم العالم وهو قول الفلاسفة والدهرية وهو كفر صراح. الثاني: وهو مرتب على الأول، أن هؤلاء المتأخرين أعطوا أصول المعتزلة التي سلموها لهم حقها من اللوازم، فنفوا العلو والصفات الخبرية، وفسروا الرؤية بما يتوافق مع نفي العلو، وكذلك القرآن قالوا فيه قولاً لا يناقض قول المعتزلة

стр. 792

القائلين بخلق القرآن. وهؤلاء بذلك يكونون قد قربوا من المعتزلة كثيراً. وقد أورد شيخ الإسلام في نقض التأسيس سؤالاً مهماً حول هذا الموضوع ومضمونه: إنه إذا كانت مسألة العلو- ودلائلها من الكتاب والسنة والإجماع، والفطرة والعقل - أظهر من أدلة " الرؤية " فلماذا أقر متأخرو الأشعرية بهذه وأنكروا تلك، مع أن المسألتين من مقالات المعتزلة التي خالفوا فيها أهل السنة؟ وقد أجاب شيخ الإسلام- بعد إن أورد السؤال مختصراً - بقوله: " قيل: سببه أن الجهمية كانت متظاهرة بدعوى خلق القرآن، وإنكار الرؤية، ولم تكن متظاهرة بإنكار العلو.. فكان الذين يناظرونهم من متكلمة إثبات الصفة كأبي سعيد ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري وأصحابهما، فظهر من مخالفتهم لهم في هاتين المسألتين (١) ، بسبب ظهور الخلاف فيهما ما لا يظهر فيما يخفونه من المسائل، ومع هذا فقد كان أولئك يخالفونهم أيضاً في إنكار أن الله فوق العرش.. لكن لم يأتوا في مناظرتهم بما يقطع مادة التجهم ويقلع عروقه، بل سلموا لهم بعض الأصول التي بنوا عليها التجهم، ومباحثهم في مسألة حدوث العالم، والكلام في الأجسام والأعراض، وهو من الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، حتى قال محمد بن حويز منداد: أهل البدع والأهواء عند مالك وأصحابه هم أهل الكلام، فكل متكلم في الإسلام فهو من أهل البدع والأهواء؛ أشعرياً كان أم غير أشعري (٢) ، وذكر ابن خزيمة وغيره أن الإمام أحمد كان يحذر مما ابتدعه عبد الله بن سعيد بن كلاب وعن أصحابه كالحارث، وذلك لما علموه في كلامهم من المسائل والدلائل الفاسدة، وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة ما لا يوجد في كلام عامة الطوائف، فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث..".

стр. 793

" فلما كان الأمر كذلك جاء بعض المتأخرين من أتباعهمن فنظروا في الأصول التي وافقوا فيها الجهمية، وأخذوا لوازمها.. وكان أبو المعالي كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، فصار هو وغيره يقودون الأصول التي وافق قدماؤهم فيها المعتزلة فرأوا أن من لوازمها نفي أن يكون الله على العرش، فتظاهروا بإنكار ذلك موافقة للمعتزلة، ولم يكن الخلاف في ذلك مع المعتزلة من المسائل المشهورة لما قدمناه، وأما مسألة الرؤية والقرآن فهي من شعائر المذهبين، فجعلوا ينصبون الخلاف مع المعتزلة في مسألة الرؤية، ويسلمون لهم نفي علو الله على العرش، وهذا عكس الواجب " (١) . فمن هذا التحليل الدقيق الذي بناه شيخ الإسلام على التفريق بين متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم، وأن المتقدمين لما ردوا على المعتزلة في المسائل المشهورة لم ينطلقوا من منهج السلف الخالص، وإنما ردوا عليهم ببعض الأصول الكلامية التي سلموها لهم، فلما جاء المتأخرون - وكان تأثرهم ومطالعتهم لكتب المعتزلة أقوى- التزموا لوازم تلك الأصول الفاسدة فنفوا العلو والصفات الخبرية ووافقوا المعتزلةفي كثير من المسائل، أو على الأقل لم يصبح الخلاف كبيراً وقوياً كما كان في السابق. وقد شرح شيخ الإسلام بعض هذه الأصول التي تبعوا فيها المعتزلة فقال مخاطباً الأشاعرة: " وبالجملة فعامة ما ذمه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم، لكم منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شراكتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها ونبذوا بها كتاب اله وراء ظهورهم، فإنهم لا يثبتون شيئاً من صفات الله تعالى، ولا ينزهونه عن شيء بالكتاب والسنة. والإجماع موقوف على العلم وبذلك، والعلم بذلك لا يحصل به لئلا يلزم الدور، فيرجعون إلى مجرد رأيهم في ذلك، وإذا استدلوا بالقرآن كان ذلك على وجه الاعتضاد والاستشهاد لا على وجه الاعتماد والاعتقاد، وما خالق قولهم تأولوه على مقتضى آرائهم، واستخفوا بالكتاب والسنة، وسموها ظواهر،

стр. 794

وإذا استدلوا على قولهم بمثل قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (الأنعام:١٠٣) ، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى:١١) ، أو قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد:٤) ، ونحو ذلك، لم تكن هذه النصوص هي عمدتهم، ولكن يدفعون بها عن أنفسهم عند المسلمين، وأما الأحاديث فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن، وتارة يتأولونها، ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة إما بالتأويل وإما بالتفويض وإما بالتكذيب " - قال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الأصول الاعتزالية، مخاطباً الأشاعرة: " وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، وأنت فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة، والمتعزلة مخانيث الفلاسفة (١) ، لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة ونفرت القلوب عنه صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة " (٢) ، ثم يذكر شيخ الإسلام بعض الأمور التي شابه فيها الأشاعرة المعتزلة فيقول: " وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات، وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد، وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد، وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد إما في الحكم وإما في الدليل أصول الدين، وأنتم شاركتموهم في ذلك، وقد علمتم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام، بل علم من يعرف دين الإسلامن وما بعث الله به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله،

стр. 795

وقد.. بينا أن دلالة الكتاب والسنة التي يسمونها السمع ليست مجرد الخبر، كما تظنونه أنتم وهم، حتى جعلتم ما دل عليه السمع إنما هو بطريق الخبر الموقوف على تصديق المخبر، ثم جعلتم تصديق المخبر - وهو الرسول - موقوفاً على هذه الأصول التي سميتموها أنتم وهم عقليات وجعلوا منها نفي (١) الصفات والتكذيب بالقدر، ووافقتموهم على أن منها نفي كثير من الصفات " (٢) . ولاشك أن متأخري الأشاعرة هم على هذه الصفة التي ذكرها، ولذلك فكثيراً ما يقررها شيخ الإسلام في مناسبات مختلفة (٣) ، ويربط التأثر أحياناً بأعلام الأشاعرة كالجويني (٤) ، وابن تومرت (٥) ، والرازي (٦) ، وغيرهم. وتأثر الأشاعرة بالمعتزلة شهد به أساطين الأشاعرة، حتى قال تاج الدين السبكي في كتابه الذي جرده للدفاع عن الأشاعرة: في ترجمة أبي بكر الصيرفي المتوفى سنة ٣٣٠هـ، بعد ذكره لمناظرة بينه وبين الأشعري: قال السبكي: " قلت: وفي المناظرة دلالة على ما قاله القاضي أبو بكر في كتاب التقريب، والأستاذ أبو إسحاق في التعليقة، من أن الطوائف من الفقهاء ذهبت إلى مذهب المعتزلة في بعض المسائل، غافلين عن تشعبها عن أصولهم الفاسدة" (٧) ، وقال في ترجمة محمد بن علي بن إسماعيل الشاش - القفال الكبير - ت ٣٦٥-:" وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: " بلغني أنه كان مائلاً عن الاعتدال، قائلاً بالاعتزال في أول مرة ثم رجع إلى مذهب الأشعري" (٨) ، قلت:

стр. 796

وهذه فائدة جليلة انفرجت بها كربة، وحسيكة (١) في الصدر جسيمة، وذلك في مذاهب تحكي عن هذا الإمام في الأصول لا تصح إلا على قواعد المعتزلة، وطالما وقع البحث في ذلك حتى توهم أنه معتزلي " (٢) ، والسبكي يقول في تردد:" ولا يخفي أن الأشاعرة إنما هم نفس أهل السنة أو هم أقرب الناس إلى أهل السنة" (٣) . ٣- الفلاسفة: وقد تأثر بهم كثيراً متأخرو الأشاعرة، لكثرة مطالعتهم لكتبهم، وأبرزهم الغزالي والرازي والآمدي، فإنهم وإن ردوا عليهم وأبطلوا كثيراً من الباطل الموجود عندهم إلا أنهم تأثروا بأقوالهم كثيراً، ولذلك يقول شيخ الإسلام عن الغزالي - بعد أن ذكر أقوال الفلاسفة في النبوات كالفارابي وابن سينا ونحوهما- قال: " وقد ذكر الغزالي ذلك عنهم، تعريفاً بمذهبهم، وربما حذر عنه، ووقع في كلامه طائفة من هذا في الكتب المضنون بها على غير أهلها، وفي غير ذلك، حتى في كتاب الإحياء يقول: الملك، والملكوت، والجبروت، ومقصوده،' الجسم، والنفس، والعقل الذي أثبته الفلاسفة، ويذكر اللوح المحفوظ ومراده به النفس الفلكية، إلى غير ذلك، وهو في التهافت يكفرهم، وفي المضمون به يذكر ما هو حقيقة مذهبهم، حتى يذكر في النبوات عين ما قالوه، وكذلك في الإلهيات" (٤) ، ويذكر شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي وابن سينا اللذين استدلا على حدوث الأجسام بالأفوال في قول إبراهيم ﵇: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام:٧٦) ، قال: " وقد ابتدعت القرامطة الباطنية تفسيراً آخر كما ذكره أبو حامد في بعض مصنفاته كمشكاة الأنوار

стр. 797

وغيرها: أن الكواكب، والشمس، والقمر، هي النفس، والعقل الفعال، والعقل الأول، ونحو ذلك " (١) ، ثم قال شيخ الإسلام: " والكلام على فساد هذا طويل، ليس هذا موضعه، لولا أن هذا وأمثاله هو من أسباب ضلال كثير من الداخلين في العلم والعبادة، إذ صاحب كتاب " مشكاة الأنوار " إنما بنى كلامه على أصول هؤلاء الملاحدة، وجعل ما يفيض على النفوس من المعارف من جنس خطاب الله عزوجل لموسى بن عمران النبي ﷺ ، كما تقوله القرامطة الباطنية ونحوهم من المتفلسفة، وجعل خلع النعلين الذي خوطب به موسى صلوات الله عليه وسلامه، إشارة إلى ترك الدنيا والآخرة، وإن كان يقرر خلع النعلين حقيقة، لكن جعل هذا إشارة إلى أن خلع الدنيا والآخرة فقد حصل له ذلك الخطاب الإلهي، وهو من جنس من يقول: إن النبوة مكتسبة " (٢) ، والغزالي في كلامه مادة فلسفية بسبب اطلاعه على كتب ابن سينا ورسائل إخوان الصفا وغيرها (٣) . ومن أخطر القضايا التي تأثر بها بعض الأشاعرة، وهي من مقالات الفلاسفة الإلحادية المشهورة، القول بأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أظهروا للناس في الإيمان بالله واليوم الآخر، خلاف ما الأمر عليه في نفسه، لينتفع الجمهو، يقول شيخ الإسلام - هنا - عن الغزالي: " وأبو حامد - في مواضع - يرى هذا الرأي، ونهيه عن التأويل في إلجام العوام، والتفرقة بين الإيمان والزندقة مبني على هذا الأصل، وهؤلاء يرون: إقرار النصوص على ظواهرها هو المصلحة التي يجب حمل الناس عليها مع اعتقادهم أن الأنبياء لم يبينوا الحق، ولم يورثوا علماً ينبغي للعلماء معرفته.. " (٤) ، ويذكر شيخ الإسلام في موضع آخر أن هذا قوله وقول الرازي أيضاً، فيقول: " فالفارابي يقول

стр. 798

إن خاصة النبوة جودة تخييل الأمور المعقولة في الصور المحسوسة (١) ، أو نحو هذه العبارة. وابن سينا يذكر هذا المعنى في مواضع (٢) ، ويقول: ما كان يمكن موسى ابن عمران مع أولئك العبرانيين، ولا يمكن محمداً مع أولئك العرب الجفاة أن يبينا لهم الحقائق على ما هي عليه، فإنهم كانوا يعجزون عن فهم ذلك، وإن فهموه على ما هو عليه انحلت عزماتهم عن أتباعه، لأنه لا يرون فيه من العلم ما يقتضي العمل (٣) ... " (٤) ، قال ابن تيمية معلقاً: " وهذا المعنى يوجد في كلام أبي حامد الغزالي وأمثاله ومن بعده، طائفة منه في الإحياء وغير الإحياء، وكذلك في كلام الرازي " (٥) ، وفي مناسبة أخرى يدخل الشهرستاني مع الرازي في التأثر بالمعتزلة والفلاسفة (٦) ، وأحياناً يجمع بين الرازي والآمدي في تأثرهم بالفلاسفة وكتب ابن سينا خاصة (٧) ، وذكر أنهما تأثرا بالفلاسفة في الاستدلال على حدوث العالم، وفي أن سعادة النفس إنما يكون بتخلصها من الهيولي والمادة (٨) .

стр. 799

سابعاً: لا تعارض بين العقل والنقل . سبقت الإشارة إلى أن هذا من أصول منهجه العام (١) ، وهذا الأصل المنهجي الذي أصله شيخ الإسلام دفاعاً عن عقيدة السلف، يعبر عنه أحياناً بعبارة أدق وأعمق وهي: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وميزتها أنها قيدت العقل بكونه صريحاً، والنقل بكونه صحيحاً، فهذان لا يمكن تعارضهما في أي حال. وهذا الأصل جاء رداً على القانون الذي ابتدعه أهل الكلام، وعلى رأسهم الأشاعرة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على تطور المذهب الأشعري (٢) ، وقد جاء واضحاً جداً عند الفخر الرازي الذي يقول: " الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فكيف يكون الحال فيها؟ أعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة. - إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقضين، وهو محال. - وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقضين، وهو محال. - وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق رسول الله ﷺ وظهور المعجزات على يد محمد ﷺ ولو جاورنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهماً غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معاً وأنه باطل.

стр. 800

- ولما بطلت الأقسام الأربعة (١) ، لم يبقَ إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية: إما أن يقال أنها غير صحيحة، أو يقال أنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها. ثم إن جوازنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات " (٢) . هذا هو القانون الذي اشتهر عند الأشاعرة، وأصبح عندهم من القضايا المسلمة، وقد نقضه شيخ الإسلام وزيفه في مواضع عديدة من كتبه، ولأهميته وخطورته إفرد له كتابه الكبير المشهور، وتتبع ما قاله في ذلك مما يحتاج إلى رسالة مستقلة والمقام لا يحتمل سوى الإشارة إلى خطوط عامة في منهجه في هذا. ومما ينبغي التذكير به هنا أن ابن القيم ﵀ في الصواعق المرسلة قد أفرد له قسماً كبيرا من كتابه هذا، والحمد لله أن هذا القسم المتعلق بهذا الموضوع قد وصل إلينا كاملاً، وقد قال في أوله - حيث جعله " الطاغوت الثاني ": " قد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مزيد عليه، وبين بطلان هذه الشبهة، وكسر هذا الطاغوث في كتابه الكبير، ونحن نشير إلى كلمات يسيرة هي قطرة من بحره، يتضمن كسره ودحضه " (٣) ، ثم ذكر ما يقارب الأربعين ومائتي وجه في ذلك، وقد استقى معظم هذه الأوجه من كتاب شيخ الإسلام " درء تعارض العقل والنقل "، وكثيراً ما يسوق عباراته بحروفها كما يلاحظ ذلك من قرأ الكتابين وقان وبينهما في هذا الموضوع.

стр. 801

وهذا القانون غالباً ما يأتي به الأشاعرة في موضعين: أحدهما: نفي العلو عن الله تعالى، والثاني: نفي الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله تعالى كالاستواء والنزول والمجيء، وكلام الله إذا شاء متى شاء، وغيرها، وأيضاً نفي الصفات الخبرية كالوجه واليدين وغيرها، وقد بنوا هذا المانع العقلي - المعارض للنصوص - على دليل حدوث الأجسام، فإنهم قالوا إنه لا يمكن إثبات الصانع وحدوث العالم إلا بطريق حدوث الأجسام، وحدوث الأجسيام دليله أنها مستلزمة للأعراض، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث - قالوا: والقابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده، والأعراض لا تبقى زمانين، فيلزم أن تكون الأجسام حادثة بناءً على امتناع حوادث لا أول لها. والنتيجة أن كل ما دل على التجسيم كإثبات العلو، أو الصفات الفعلية، أو الخبرية (١) - فيجب نفيه أو تأويله حتى يسلم دليل حدوث العالم، لأن إثبات هذه الصفات لله يقتضي أن يكون الله حادثاً، وهو باطل. ثم قال هؤلاء: " إن القول بما دل عليه السمع من إثبات الصفات والأفعال يقدح في أصل الدليل الذي به علمنا صدق الرسول، وقالوا: إنه لا يمكن تصديق الرسول - لو قدر أنه يخبر بذلك - لأن صدقه لا يعلم إلا بعد أن يثبت العلم بالصانع، ولا طريق إلى إثبات العلم بالصانع إلا القول بحدوث الأجسام " (٢) . فـ " هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها " (٣) .

стр. 802

ويقوم منهج شيخ الإسلام - في نقض هذا القانون - على مقدمات ثم الردود التفصيلية. أما المقدمات: ١ - فقد بين الإسلام ثقته المطلقة بما في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وأن فيهما الهدى والبيان الكامل، ولذلك فهو يقول: " ففي الجملة: النصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بين قط، ولا يعارضها إلا ما فيه اشتباه واضطراب، وما علم أنه حق لا يعارضه ما فيه اضطراب واشتباه لم يعلم أنه حق. بل تقول قولاً عاماً كلياً: إن النصوص الثابتة عن الرسول ﷺ لم يعارضها قط صريح معقول، فضلاً عن أن يكون مقدماً عليها، وإنما الذي يعارضها شبه وخيالات، مبناها على معانٍ متشابهة وألفاظ مجملة " (١) . فهو يقرر أنه حين يناقش هؤلاء وما عندهم من عقليات لم يشك لحظة واحدة في أن هذه العقليات شبه وخيالات، ولا يمكن أن تعارض نصوص الوحي. ٢- كما بين أيضاً أنه حينما يخوض في مناقشة هؤلاء وبيان فساد ما عندهم من العقليات التي يعارضون بها نصوص الوحي، إنما يفعل ذلك بطريق التنزيل لهم، يقول: " إنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزيل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل:١٢٥) ، وقوله ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت:٤٦) ، وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به أهل الإيمان عن سواء سبيل - وإن جعلوه من المعقول بالبرهان- أعظم من أن يبسط في هذا المكان " (٢) ، ثم يبين حقيقة الإيمان بالرسول وتصديقه وأنه يقوم على التسليم المطلق له ولما جاء به فيقول: " وقد تبين بذلك أنه لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقاً بشرط، ولا موقوفاً على انتفاء مانع، بل لابد من تصديقه في كل ما أخبر به تصديقاً جازماً، كما في أصل الإيمان به، فلو قال الرجل: أنا أؤمن به

стр. 803

إن أذن لي أبي أو شيخي، أو: إلا أن ينهاني أبي أو شيخي لم يكن مؤمناً به بالاتفاق، وكذلك من قال: أؤمن به إن ظهر لي صدقه، لم يكن بعد قد آمن به، ولو قال: أؤمن به إلا أن يظهر لي كذبة لم يكن مؤمناً، وحينئذٍ فلابد من الجزم بأنه يمتنع أن يعارض خبره دليل قطعي، لا سمعي ولا عقلي، وإن ما يظنه الناس مخالفاً له إما أن يكون باطلاً، وإما أن لا يكون مخالفاً، وأما تقدير قول مخالف لقوله وتقديمه عليه: فهذا فاسد في العقل، كما هو كفر في الشرع، ولهذا كان من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه يجب على الخلق الإيمان بالرسول إيماناً مطلقاً، جازماً، عاماً: بتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أوجب أمر، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل" (١) . فمن كانت لديه هذه الثقة المطلقة، وهذا الإيمان الصادق بما جاء به الرسول - وهو من أوليات وبديهيات الإيمان - فلا يمكن أن يظن بأخبار الوحي الظنون، ولا أن يخطر له خاطر أنه يمكن أن يعارضه عقل أو غيره. ٣- بين شيخ الإسلام الخطوط العامة اللازمة لنقض هذه القوانين التي ابتدعها هؤلاء، يعارضون بها الكتاب والسنة، وكان من آثارها: قولهم بأن الاستدلال بالأدلة السمعية مبني على مقدمات ظنية، وأن أخبار الآحاد لا يحتج بها في العقيدة، ومن ثم فالعقل مقدم على النقل، وهذه الخطوط العامة هي: - بيان أن الأدلة السمعية حجة بنفسها، وأنها تفيد اليقين والقطع، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه أفرد في ذلك مصنفاً قديماً، وأنه ذكر طرفاً من بيان ذلك في شرح أول المحصل للرازي (٢) . - أن الرسول بلغ البلاغ المبين، وبين مراده، " وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه: إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ

стр. 804

بخطاب آخر، لا يجوز أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل، ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليهم، لإمكان معرفة ذلك بعقولهم، وأن هذا قدح في الرسول الذي بلغ البلاغ المبين.." (١) . - بيان انتفاء المعارض العقلي، وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً، وقد ألف ذلك كتابه الكبير درء التعارض العقل والنقل (٢) ، وقال فيه: " ولما كان بيان مراد الرسول ﷺ في هذه الأبواب لا يتم إلا بدفع المعارض العقلي، وامتناع تقديم ذلك على نصوص الأنبياء، بينا في هذا الكتاب فساد القانون الفاسد الذي صدوا به الناس عن سبيل الله وعن فهم مراد الرسول، وتصديقه فيما أخبر، إذ كان أي دليل أقيم على بيان مراد الرسول لا ينفع إذا قدر أن المعارض العقلي القاطع ناقضه، بل يصير ذلك قدحاً في الرسول، وقدحاً فيمن استدل بكلامه، وصار هذا بمنزلة المريض الذي به أخلاط فاسدة تمنع انتفاعه بالغذاء، فإن الغذاء لا ينفعه مع وجود الاخلاط الفاسدة التي تفسد الغذاء، فكذلك القلب الذي اعتقد قيام الدليل العقلي القاطع على نفي الصفات أو بعضها، أو نفي عموم خلقه لكل شيء، أو نفي أمره ونهيه، أو امتناع المعاد، أو غير ذلك لا ينفعه الاستدلال عليه بذلك الكتاب والسنة إلا مع بيان فساد ذلك المعارض ". وكثيراً ما يشير شيخ الإسلام إلى منهجه، يقول في درء التعارض في الوجه الثالث والأربعين: " وأما طريق الرد عليهم فلنا فيه مسالك:

стр. 805

الأول: أن نبين فساد ما ادعوه معارضاً للرسول ﷺ من عقلياتهم. الثاني: أن نبين أن ما جاء به الرسول ﷺ معلوم بالضرورة من دينه، أو معلوم بالأدلة اليقينية، وحينئذٍ فلا يمكن مع تصديق الرسول أن نخالف ذلك، وهذا ينتفع به كل من آمن بالرسول. الثالث: أن نبين أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل لا يناقضه، إما بأن ذلك معلوم بالضرورة العقل، وإما بأنه معلوم بنظرة، وهذا أقطع لحجة المنازع مطلقاً، سواء كان في ريب من الإيمان بالرسول، وبأنه أخبر بذلك، أو لم يكن كذلك، فإن هؤلاء المعارضين منهم خلق كثير في قلوبهم ريب في نفس الإيمان بالرسالة، وفيهم من في قلبه ريب في كون الرسول أخبر بهذا. وهؤلاء الذين تكلمنا على قانونهم، الذي قدموا فيه عقلياتهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو لله ونحوها" (١) . ويلاحظ أنه هنا زاد وجهاً وهو بيانه أن المعقول الصريح يوافق ما جاءت به الرسل، وهذا مثل إثبات العلو لله حيث دل عليه أيضاً العقل والفطرة. ولما تحدث شيخ الإسلام - عن هذه المسألة - مسألة ما يدعي من تعارض العقل والنقل، في غير كتابه درء تعارض العقل والنقل، أشار إلى المنهج الصحيح في ذلك (٢) ، ومن ذلك قوله تعليقاً على انحراف المنحرفين: أهل التخييل والتجهيل، والتأويل، قال: " إن الذي دعاهم إلى ذلك ظنهم أن المعقول يناقض ما أخبر به الرسول ﷺ ، أو ظاهر ما أخبر به الرسول، وقد بسط الكلام على رد هذا في مواضع، وبين أن العقل لا يناقض السمع، وأن ما ناقضه فهو فاسد، وبين بعد هذا أن العقل موافق لما جاء به الرسول، شاهد له، ومصدق له، لا يقال: إنه غير معارض فقط، بل هو موافق مصدق، فأولئك كانوا يقولون: هو مكذب مناقض:

стр. 806

- بين أولاً أنه لا يكذب ولا يناقض. - ثم بين ثانياً أنه مصدق موافق. وأما هؤلاء: - فبين أن كلامهم الذي يعارضون به الرسول باطل [لا يعارض به (١) ] ولا يكفي كونه باطلاً لا يعارض. - بل هو أيضاً مخالف لصريح العقل، فهم كانوا يدعون أن العقل يناقض النقل. فبين أربع مقامات: ١- أن العقل لا يناقضه. ٢- ثم بين أن العقل يوافقه. ٣- وبين أن عقلياتهم التي عارضوا بها النقل باطلة. ٤- وبين أيضاً أن العقل الصريح يخالفهم. ثم لا يكفي أن العقل يبطل ما عارضوا به الرسول، بل يبين أن ما جعلوه دليلاً على إثبات الصانع إنما يدل على نفيه، فهم أقاموا حجة تستلزم نفي الصانع، وإن كانوا يظنون أنه يثبتون بها الصانع.. ولهذا كان يقال في أصولهم: " ترتيب الأصول في تكذيب الرسول"، ويقال أيضاً: " ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول"، جعلوها أصولاً للعلم بالخالق، وهي أصول تناقض العلم به، فلا يتم العلم بالخالق إلا مع اعتقاد نقيضها" (٢) ، وقد ضرب شيخ الإسلام لذلك بمثالين - عن الأشاعرة -لا يدلان على إثبات الصانع، بل هي تؤدي إلى التكذيب به: أحدهما: قول الرازي بالإمكان تبعاً لابن سينا، وزعمه أنه لا يمكن إثبات واجب الوجود إلا بإثبات ممكن قديم، وهذا باطل، والثاني: دليل حدوث الأعراض ولزومها للأجسام، حيث أدى بهم هذا إلى أنهم ادعوا امتناع كون الرب يفعل بمشيئته وقدرته وعطلوه عن الصفات، فلم يثبتوا الصانع القديم (٣) .

стр. 807

٤- وشيخ الإسلام لا يلغي العقل - كما قد يفهمه عنه بعض خصومه أو الجاهلين بمنهجه - بل يقرر دائماً أن القرآن جاء بالأدلة العقلية والأمثلة المضروبة، وقد سبق شرح ذلك عند الحديث عن منهجه العام (١) ، ولذلك يقول في كتابه درء التعارض: " والمقصود في هذا المقام أنه يمتنع تقديم العقل على الشرع، وهو المطلوب.. ونحن لم ندع أن أدلة العقل باطلة، ولا أن ما به العلم صحة السمع باطل، ولكن ذكرنا أنه يمتنع معارضة الشرع بالعقل وتقديمه عليه.. [ثم يقول] : " إن مسمى الدليل العقلي - عندما يطلق هذا اللفظ - جنس تحته أنواع، فمنها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، باتفاق العقلاء " (٢) ، وشيخ الإسلام يحدد موطن النزاع في المقصود بالعقل أو الدليل العقلي، إذ ليس كل دليل عقلي، مرفوضاً، بل إن القرآن الكريم والسنة النبوية جاءا بالأدلة العقلية في إثبات الربوبية، والألوهية، والنبوة، والمعاد. وغيرها.. أما الردود التفصيلية على هذا القانون فقد ذكر شيخ الإسلام في كتابه درء التعارض أربعة وأربعين وجهاً رئيسياً، وتخلل أكثر هذه الأوجه أوجه فرعية ومناقشات تفصيلية تبلغ أحياناً أكثرر من مجلد، كما هو الحال في الوجه التاسع عشر (٣) ، والثالث والأربعين (٤) ، ولتداخل بعض هذه الأوجه مع البعض الآخر، فيمكن عرض منهج ابن تيمية فيها كمايلي: أولاً: مناقشة صياغة الدليل أو القانون الذي وضعوه ومناقشة ما حوى من عبارات أو مصطلحات وما ترتب على ذلك من النتائج الباطلة، وقد بين ذلك من خلال الأوجه: الأول، والثاني، والثالث، والخامس عشر. أ - فصياغة القانون تقول: إذا تعارض العقل والنقل، فما المراد بالعقل والنقل. هل المراد القطعيان أو الظنيان، أو ما كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً،

стр. 808

فكل هذه الأمور محتملة ولابد من البيان، أما الإطلاق الأمر وإجماله فليس بسديد، وهنا يوضح شيخ الإسلام هذه الاحتمالات بقوله: " إما أن يريد به القطعيين، فلا نسلم بإمكان التعارض حينئذٍ " لأن القطعي لا يمكن أن يعارضه قطعي آخر. " وإما أن يريد به الظنيين، فالمقدم هو الراجح مطلقاً " سواء كان العقل أو النقل، وحينئذٍ فتقديمه لرجحانه فقط لا لكونه عقلاً أو نقلاً، " وإما أن يريد به ما أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدم مطلقاً، وإذا قدر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لكونه قطعياً لا لكونه عقلياً "، ثم ينتهي شيخ الإسلام بهذه النتيجة بقوله: " فعلم أن تقديم العقلي مطلقاً خطأ، كما أن جعل جهة الترجيح كونه عقلياً خطأ " (١) . وقد يعجب المرء في هذا الكلام الذي يقوله شيخ الإسلام وما يحمل في ظاهره من إعلاء لشأن العقل وكأنه قد يصل إلى منزلة النقل، وشيخ الإسلام يقول هذا قاصداً تفتيت هذا القانون الذي وضعوه، وأن المنطق السليم يقتضي أن يفصل الأمر فيه وأن يقسم كل من العقلي والنقلي إلى مقطوع ومظنون سواء من ناحية الثبوت أو الدلالة، ومع ذلك كله فلا يمكن أن يتعارض العقل الصريح والنقل الصحيح أبداً. وينتج من هذا أن حصر الاحتمالات بأربعة - وهي تقديم السمعي مطلقاً أو تقديم العقلي مطلقاً، والجمع بين النقضين، أو رفع النقيضين - غير سديد إذ هناك قسم آخر وهو أنه " يقدم العقلي تارة، والسمعي أخرى، فأيهما كان قطعياً قدم -وإن كانا جميعاً قطعين فيمتنع التعارض - وإن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم " (٢) وهذا هو التقسيم الصحيح، أن يفصل الأمر والله ﵎ أنزل الميزان بالحق. ب - يقول قانونهم: " وإما أن يقدم السمع، وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل " (٣) فيقال: ماذا تقصدون بقولكم: إن العقل أصل النقل؟

стр. 809

فإن أريد به أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، فهذا لا يقوله عاقل لأن الشيء الثابت في نفس الأمر هو ثابت، سواء علم دليل ثبوته أو لم يعلم فهو في نفسه ثابت، فلو فرض أنا جهلنا الدليل، فعدم العلم بالدليل لا يعني عدم المدلول يقول شيخ الإسلام: " فما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ هو ثابت في نفس الأمر، سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه، ومن أرسله الله إلى الناس فهو رسوله، سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس ... " (١) . أما إن أُريد به أن العقل أصل في معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته - وهذا هو الذي أرادوه - فيرد شيخ الإسلام متسائلاً عن المقصود بالعقل: هل هو الغريزة التي تميز الإنسان من الحيوان، أم المقصود العلوم التي تستفاد من تلك الغريزة، أما العقل بمعنى الغريزة فلا يمكن أن يراد " لأن تلك الغريزة ليست علماً يتصور أن يعارض النقل، وهي شرط في كل علم عقلي أو سمعي كالحياة وما كان شرطاً في الشيء امتنع أن يكون منافياً له " (٢) ، أما إن أراد بالعقل العلوم الحاصلة بالعقل فالجواب من وجوه: - أن المعارف العقلية كثيرة جداً، وهذه ليست كلها أصلاً للسمع بل الدليل على صحتها منها ما يعلم به صدق الرسول ﷺ . - ثم إن الأدلة العقلية ليست كلها يعلم بها صدق الرسول ﷺ بل الذي يعلم به صدقه منها قليل. - أن أعلام الأشاعرة يقولون: إن العلم بصدق الرسول ﷺ عند ظهور المعجزات منها قليل. - بل إن دلائل صدق الرسول ﷺ لها طرق كثيرة متنوعة، وهي لا تتوقف على المعجزات وحدها.

стр. 810

والنتيجة أن " ما يتوقف عليه العلم بصدق الرسول من العلم العقلي سهل يسير ... وحينئذٍ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات مالا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحاً في جميعها، كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحاً في جميعها، ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها كما لا يلزم من صحة بعض السمعيات صحة جميعها، وحينئذٍ فلا يلزم من صحة المعقولات التي تبني عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فضلاً عن صحة العقليات المناقضة للسمع" (١) . والخطأ الذي وقع فيه هؤلاء أنهم جعلوا المعقولات نوعاً واحداً، وأنهم جعلوا المعقول الذي قد يحتاج إليه في إثبات صدق الرسول، دليلاً على تقديم جميع المعقولات وهذا باطل. ثم يورد شيخ الإسلام اعتراضاً لهم، ويجيب عليه من عدة أوجه، سنذكر تفصيل كثير منها فيما بعد. إن شاء الله (٢) . جـ - ومن الوجوه التي يناقش فيها شيخ الإسلام قانونهم الفاسد الوجه الخامس عشر، وخلاصته أن الدليل الشرعي لا يقابل بكونه عقلياً، وإنما يقابل بكونه بدعياً، لأن البدعة تقابل الشرعة، ويوضح هنا شيخ الإسلام أن الدليل الشرعي ليس هو خبر الصادق فقط، بل - مع هذا - هناك أدلة شرعية قد تكون سمعية وقد تكون عقلية، كأدلة توحيد الله والمعاد التي ذكرها الله في كتابه فهي أدلة شرعية، وهي أيضاً عقلية يعلم صحتها بالعقل، وخطأ هؤلاء في قانونهم ظنهم أن أدلة أصول الدين نوعان: سمعيات: وعقليات، ومن ثم توهموا التعارض بينها ظناً منهم أن السمعيات فقط هي الخبر المجرد (٣) .
следующие страницы →