← Акыда

Акыда · id 12766

موقف ابن تيمية من الأشاعرة

عبد الرحمن بن صالح المحمود

Полный текст (1 361 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

حقيقة عن هؤلاء الأئمة، يقول شيخ الإسلام: "ولما كان الكلام في هذه الأبواب المبتدعة مأخوذا في الأصل عن المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد تكلم هؤلاء في أول الواجبات: هل هو النظر، أو القصد، أو الشك، أو المعرفة؟. صار كثير من المنتسبين إلى السنة والمخالفين للمعتزلة في جمل أصولهم يوافقونهم على ذلك، ثم الواحد من هؤلاء إذا انتسب إلى إمام من أئمة العلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وصنف كتابا في هذا الباب يقول فيه: قال أصحابنا، واختلف أصحابنا، فإنما يعني بذلك أصحابه الخائضين في هذا الكلام، وليسوا من هذا الوجه من أصحاب ذلك الإمام؛ فإن أصحابه الذين شاركوه في مذهب ذلك الإمام إنما بينهم وبين أصحابه المشاركين له في ذلك الكلام عموم وخصوص، فقد يكون الرجل من هؤلاء، وبالعكس، وقد يجتمع فيه الوصفان (١) ". ويضرب لذلك مثلا يقول أبي الفرج المقدسي الحنبلي في كتابه "التبصرة في أصول الدين": "فصل في أول ما أوجب الله على العبد معرفته، والثاني: أن أول ما أوجب الله على العبد النظر والاستدلال المؤديان إلأى معرفة الله تعالى" (٢) . يقول شيخ الإسلام معلقا: "قلت فهذا الكلام وأمثاله يقوله كثير من أصحاب الأئمة الأربعة، ومعلوم أن الأئمة الأربعة ما قالوا لا هذا القول، ولا هذا القول، وإنما قال ذلك من أتباعهم من سلك السبيل المتقدمة" (٣) أي المبتدعة والتي سبق أن ذكرها شيخ الإسلام من دليل الأعراض وغيره. والغرض من ذكر هذه الحقيقة هنا - مع أنها لا تختص في هذا الموضع - الإشارة إلى أمرين: أحدهما: أن هذا جزء من منهج شيخ الإسلام ابن تيمية،

стр. 912

فهو دائما يركز على وجوب الاهتمام بصحة نسبة الأقوال إلى أصحابها، ولما كان البحث هنا في أول مسألة من المسائل التى خالف فيها الأشاعرة مذهب أهل السنة، ناسب ذكر هذه المسألة التى تدل على خطأ منهجي وعلمي يمارسه كثير من أهل الكلام، والأمر الثاني: أن شيخ الِإسلام ضرب مثالا برجل حنبلي، وخطأه فيما نسب إلى أئمة الحنابلة من أقوال حين شمل بتعميمه جميع الحنابلة من كان منهم سائرا على مذهب السلف ومن كان خائضا فيما خاض فيه أهل الكلام، وكأن شيخ الاسلام قصد أن هذا الأسلوب إذا كان قد وقع لبعض الحنابلة حين نسبوا إلى بعض أئمتهم ما لم يقولوه فلأن يقع في غيرهم من باب أولى، ومع ذلك فهو يدل على العدل والِإنصاف الذي تحلى به شيخ الإسلام في أحكامه وأقواله؛ إذ لم يمنعه ميله إلى الحنابلة ودفاعه عنهم بأنهم أقل الطوائف انحرافا- وإن كان قد يوجد فيهم من وافق أهل الأهواء- لم يمنعه ذلك من ضرب المثال بخطأ أحد أعلامهم. وشيخ الاسلام يرى أن القول بأن أول واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر أو معرفة الله أو الشك، قول باطل، وأن الصحيح أن أول واجب هو الشهادتان المتضمنتان لتوحيد الله وإفراده بالعبودية ويذكر لذلك عدة أدلة من الكتاب والسنة، ومنها: ١- حديث معاذ المشهور، يقول ابن تيمية: " والنبي- ﷺ لم يدع أحدا من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ ابن جبل- ﵁ لما بعثه إلى اليمن: إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " (١) ، وكذلك سائر الأحاديث عن النبي- ﷺ

стр. 913

موافقة لهذا" (١) ، ويلاحظ التصريح بلفظ " أول " في الحديث حيث قال: " فليكن أول ما تدعوهم إليه " فهو نص في الموضوع، مع أن المتواتر من أحواله ﷺ وسيرته أنه كان يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وهذا منهج رسل الله جميعا حيث إنهم " يأمرون بالغايات المطلوبة من الِإيمان بالله ورسوله وتقواه، ويذكرون من طرق ذلك وأسبابه ما هو أقوى وأنفع، وأما أهل البدع المخالفون لهم فبالعكس يأمرون بالبدايات والأوائل (٢) "، وإذا كانت معرفة الله فطرية، والعباد مفطورون على الِإقرار بربهم وخالقهم فالأجدى والأنفع لهم أن يدعوا إلى إفراد هذا الرب بالعبادة والطاعة، لا أن يشغلوا بما هو بدهي وفطري، ومع ذلك فإن شيخ الإسلام يذكر أن بعض الناس قد يعرض له ما يفسد فطرته فيكون بحاجة إلى نظر حتى تحصل له المعرفة، والخطأ الذي وقع فيه أهل الكلام زعمهم أن معرفة الله لا تتم إلا بهذا الطريق، يقول شيخ الإسلام: "إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار، أن المعرفة تارة تحصل بالضرورة وتارة بالنظر" (٣) . وقد سبق في بداية هذه الفقرة ذكر الخلاف في ذلك. ٢- ومن الأدلة على أن النظر ليس أول واجب قوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" [العلق: ١] ، يقول شيخ الاسلام: " وهذه الآية أيضا تدل على أنه ليس النظر أول واجب، بل أول واجب ما أوجب الله على نبيهـ ﷺ "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ"، لم يقل انظر واستدل حتى تعرف الخالق، وكذلك هو أول ما بلغ هذه السورة، فكان المبلغون مخاطبين بهذه الآية قبل كل شىء، ولم يؤمروا فيها بالنظر والاستدلال " (٤) ، ويجيب هنا عن

стр. 914

الاعتراض الذى يورده الباقلاني ومضمونه: أن المعرفة لو حصلت بغير النظر لسقط التكليف بها، فيبين أن المعرفة نفسها لم يدل دليل على وجوبها، بل هي موجودة عند جميع الناس لأنهم مفطورون عليها، ولذلك فإن الرسل افتتحوا دعوتهم بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، كما في قصة نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الأنبياء، لأن أممهم كانوا مقرين بالخالق، لكنهم كانوا يعبدون معه غيره، كما هو حال مشركي العرب (١) ، ولذلك قالت الرسل "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ" [إبراهيم: ١٠] وهذا نفي، " أي ليس في الله شك، وهو استفهام تقرير يتضمن تقرير الأمم على ما هم مقرون به من أنه ليس في الله شك، فهذا استفهام تقرير " (٢) . ٣- وبعد أن يفصل شيخ الإسلام القول في أحاديث الفطرة، وقوله تعالى: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات: ٥٦] يقول: " والمقصود هنا أنه معروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره هؤلاء، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن وأنه من لوازم خلقهم، ضروري لهم، وإن قدر أنه حصل بسبب، كما أن اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم وذلك ضروري منهم وهذا هو الإقرار بالشهادة المذكورة في قوله: " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ . قَالُوا بَلَى ... " [الأعراف: ١٧٢] .. " (٣) . ٤- ومن الأدلة أيضا الإجماع؛ فإن أئمة الدين وعلماء المسلمين " مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين سواء كان معطلا أو مشركا أو كتابيا، وبذلك يصير الكافر مسلما، ولا يصير

стр. 915

مسلما بدون ذلك" (١) ، ويستشهد بكلام ابن المنذر: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام- وهو بالغ صحيح يعقل- أنه مسلم. فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا، يجب عليه ما يجب على المرتد" (٢) ، وهذا موافق لما دلت عليه النصوص، وما ابتدعه هؤلاء من وجوب النظر والمعرفة فليس عليه دليل، وإنما أخذوه من أهل الاعتزال والكلام. ولا يكتفي شيخ الإسلام بهذه الردود المباشرة على قول هؤلاء، وإنما يرد عليهم من وجوه أخر، يبين فيها تناقض الأشاعرة وردود بعضهم على بعض، كما يربط المسألة بمسائل أخر توضح خطأهم فيها: ١- فإبراز التناقض عند الأشاعرة من منهج شيخ الإسلام العام في الرد على الأشاعرة- وقد سبق تفصيل القول فيهـ، ووجه تناقضهم هنا أنهم مع قولهم بأن أول الواجبات النظر أو المعرفة إلا أنهم يقولون لا واجب إلا بالشرع - خلافا للمعتزلة- وهذا يناقض ما أوجبوه من النظر، يقول شيخ الإسلام: "ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشي على قول من يقول: لا واجب إلا بالشرع، كما هو قول الأشعرية وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن (٣) كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا" (٤) ، وفي موضع آخر يبين شيخ الإسلام جانبا

стр. 916

آخر من غلطهم وتناقضهم في هذا، وهو أنه لو قدر أن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر، فهل من شرط ذلك أن يتأخر إلى البلوغ، ولو فرض أنه نظر قبل البلوغ لحصل له ذلك وهو غير واجب عليه (١) . ٢- ويطبق شيخ الاسلام جانبا آخر من منهجه العام في الرد على الأشاعرة، وهو ردود بعضهم على بعض- وقد سبق توضيح ذلك في الفصل السابق- وهو هنا ينقل كلام بعض الأشاعرة أو المائلين إلى طريقتهم: أ- فالشهرستاني يصرح في نهاية الاقدام أن معرفة الله فطرية، ويقول: " إن الفطرة السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها، وبديهة فكرتها على صانع حكيم، قادر عليم، "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ" [إبراهيم: ١٠] (٢) ، فأين وجوب النظر أو القصد أو الشك؟. ب- والرازي صرح في نهاية العقول بقوله بعد كلام: " وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم " (٣) ، قال شيخ الإسلام معلقا: " قلت: هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد (٤) ، كما ذكره طوائف من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم " (٥) ، والرازي يرى إن إثبات الصانع لا يتوقف على هذا الطريق بل هناك طرق أخرى، وقد صرح الرازي بأن هناك معارف يمكن أن تحصل بغير النظر وتكون ضرورية (٦) ، وقصته مع نجم الدين الكبرى - أحمد الحيوقي- أحد شيوخ المعرفة، وكان من أجل شيوخ وقته في بلاده

стр. 917

جرجان وخوارزم (١) - قال: " دخل على فخر الدين الرازي ورجل آخر من المعتزلة كبير فيهم، فقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين، فقلت: نعم أنا أعلم علم اليقين، فقالا لي: كيف تعلم علم اليقين، ونحن نتناظر من وقت كذا إلى وقت كذا، وكلما أقام حجة أبطلتها، وكلما أقمت حجة أبطلها؟ فقلت: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين، فقالا: بين لنا ما هذا اليقين فقلت: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يرددان هذا الكلام، ويقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، وتعجبا من هذا الكلام؛ لأنه ﵀ بين أن ذلك من العلوم الضرورية التي تلزم القلب لزوما لا يمكنه مع ذلك دفعها، ثم قالا له: كيف الطريق إلى هذه الواردات؟ فقال لهما: بأن تسلكا طريقتنا التي نأمركم بها، فاعتذر الرازي بما له من الموانع، وأما المعتزلي فقال: أنا محتاج إلى هذه الواردات فإن الشبهات قد أحرقت قلبي، فأمره الشيخ بما يفعله من العبادة والذكر، وما يتبع ذلك، ففتح الله عليه بهذه الواردات- والمعتزلة ينفون العلو والصفات، ويسمون من أثبت ذلك مجسما حشويا- فلما فتح الله تعالى عليه بذلك قال: والله ما الحق إلا فيما عليه هؤلاء الحشوية والمجسمة، أو كما قال " (٢) . والرازي لم يسلك هذا الطريق لوجود الموانع لا لقناعته بأن هذا ليس طريقا للمعرفة. ج-- وكذلد الآمدي صرح بأن المعرفة قد تحصل بطريق التصفية وأخبار الأنبياء أو بغير ذلك (٣) ، وقال جوابا لاعتراض على وجوب النظر: " قولهم: لا نسلم توقف المعرفة على النظر، قلنا: إنما نقول بوجوب النظر في حق من لم يحصل له، فالنظر في حقه غير واجب " (٤) . وهذا تصريح منه بأن طرق المعرفة كثيرة فحصر أول واجب بالنظر المفضي إلى المعرفة غير صحيح.

стр. 918

د- والقاضي أبو يعلى صرح في المعتمد بوجوب النظر، ثم تراجع عن ذلك في كتابه عيون المسائل، وقد نقل شيخ الأسلام أقواله في ذلك (١) . فهذه أقوال الأشاعرة تدل على فساد ما يقوله كثير منهم من أن أول واجب على المكلف النظر وأنه لا طريق إلى معرفة الله إلا بذلك، وشيخ الإسلام وهو يرد على من قال بوجوب النظر يورد هذا الاعتراض الذى يذكره البعض، فيقول: " فإن قيل: إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتا في كل فطرة، فكيف ينكر ذلك كثير من النظار- نظار المسلمين وغيرهم- وهم يدعون أنهم الذين يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الالهية؟ "- ويجيب شيخ الإسلام بقولهـ: " فيقال: أولا: أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة هم أهل الكلام - الذي اتفق سلف الأمة على ذمهـ من الجهمية والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف وأجهلهم، ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين من الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم فيه سلفهم الجهمية، فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء المسلمين، وليس كذلك، إنما صدر أولا عمن ذمه أئمة الدين وعلماء المسلمين، الثاني: أن الأنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه، فإن قيام الصفة بالنفس غير شعور صاحبها أنها قامت به، فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير علم الإنسان به ... " (٢) . ٣- وإضافة إلى ما سبق من الردود على الأشاعرة في هذه المسألة، فإن شيخ الإسلام يناقش القضية من زوايا أخرى لها علاقة بها: أ- فمن ذلك أن لفظ "النظر" فيه إجمال، ولذلك كثر اضطراب الناس وتناقضهم فيه، وهؤلاء المتكلمون يوجبون النظر لأنه يتضمن العلم ثم يقولون: إن النظر يضاد العلم، فكيف يكون ما يتضمن العلم مضادا له، لا يجتمعان؟، وهنا قال من قال بوجوب الشك، ويناقش شيخ الإسلام هذا الإجمال فيقول:

стр. 919

"فمن فرق بين النظر في الدليل، وبين النظر الذي هو طلب الدليل، تبين له الفرق، والنظر في الدليل لا يستلزم الشك في المدلول، بل قد يكون القلب ذاهلا عن الشيء، ثم يعلم دليله، فيعلم المدلول وإن لم يتقدم ذلك شك وطلب، وقد يكون عالما به، ومع هذا ينظر في دليل آخر لتعلقه بذلك الدليل، فتوارد الأدلة على المدلول الواحد كثير، لكن هؤلاء لزمهم المحذور؛ لأنهم أوجبوا النظر لكون المعرفة لا تحصل إلا به، فلو كان الناظر عالما بالمدلول لم يوجبوا عليه النظر، فإذا أوجبوه لزم انتفاء العلم بالمدلول، فيكون الناظر طالبا للعلم، فيلزم أن يكون شاكا فصاروا يوجبون على كل مسلم أنه لا يتم إيمانه حتى يحصل له الشك في الله ورسوله بعد بلوغه سواء أوجبوه أو قالوا هو من لوازم الواجب" (١) ، ولا شك أن هذا الذي التزموه قول باطل مخالف لما يجب أن يكون عليه المؤمن من اليقين والإيمان. ب- ويربط شيخ الإسلام مسألة وجوب النظر بمسألة أخرى كثر فيها الخلاف وهي مسألة النظر هل هو من فروض الأعيان أو الكفايات، يقول شيخ الاسلام عن أبي الحسن الأشعري: " وقد تنازع أصحابه وغيرهم في النظر في قواعد الدين: هل هو من فروض الأعيان، أو من فروض الكفايات؟. والذين لا يجعلونه فرضا على الأعيان: منهم من يقول: الواجب هو الاعتقاد الجازم. ومنهم من يقول: بل الواجب العلم، وهو يحصل بدونه [أي بدون النظر] كما ذكر ذلك غير واحد من النظار من أصحاب الأشعري وغيرهم كالرازي والآمدي وغيرهما. والذين يجعلونه فرضا على الأعيان متنازعون: هل يصح الايمان بدونه، وتاركه آثم، أم لا يصح؟ على قولين. والذين جعلوه شرطا في الايمان أو أوجبوه ولم يجعلوه شرطا اكتفوا بالنظر الجملي دون القدرة على العبارة والبيان، ولم يوجب العبارة والبيان إلا شذوذ من أهل الكلام، ولا ريب أن المؤمنين على عهد رسول اللة- ﷺ والصحابة والتابعين لم يكونوا يؤمرون بالنظر الذي

стр. 920

ذكره أهل الكلام المحدث" (١) ، وقد صرح أبو المعالي الجويني بأن تكليف عامة الناس النظر الصحيح التام تكليف بما لا يطاق، ونص على أنه تراجع عن قوله السابق في ذلك (٢) . وقد وقع الخلاف في مسألة وجوب النظر هل يجب على كل أحد أو لا يجب على أحد أو يجب على بعض الناس دون بعض، فمن حصلت له المعرفة لم يجب عليه، ومن لم تحصل له المعرفة والِإيمان إلا به وجب عليه والأخير قول الجمهور (٣) . ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب أن العلم والايمان واجب بحسب الإمكان وبحسب أحوال الناس و" ترتيب الواجبات في الشرع واحدا بعد واحد ليس هو أمرا يستوي فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداء بما لا يؤمر به هذا، فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمر به ابتداء من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداء، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا ... " (٤) . وقد سبقت الإشارة- في بداية هذه الفقرة- إلى ذكر الخلاف في حصول المعرفة، هل تحصل ضرورة أو بالنظر، وهل تحصل بالعقل أو بالسمع. وجمهور المسلمين أنها تحصل بهذا تارة وبهذا تارة، وأدلة السمع ليست مجرد الخبر بل هي متضمنة للأدلة العقلية. وبهذا العرض المتنوع لهذه القضايا يتبين أن زعم هؤلاء بأن أول واجب هو النظر وأنه لا طريق إلى المعرفة إلا به قول يخالفهم فيه جماهير المسلمين،

стр. 921

وجماهير النظار، كان يخالفهم فيه كثر من أصحابهم الأشاعرة وغاية قولهم- إن كان صحيحا- أن يكون وصف سلوك لطائفة معينة، أما أن يكون ذلك وصفا لجميع بني آم وأنه لا يحصل لهم العلم إلا بهذه الطرق التى يذكرونها- كما فعله كثير من المتصوفة والفلاسفة وغيرهم- فهو قول باطل لا دليل عليه (١) . ثانيا: التوحيد عند الأشاعرة وحقيقة التوحيد الدي دعت إليه الرسل: وهذا من أهم الأبواب التي غلط فيها أهل الكلام- وفيهم الأشاعرة- وصار كلامهم فيه مشتملا على قليل من الحق وكثير من الباطل، ولاشك أن أسس الإسلام وقاعدته توحيد الله وحده لا شريك له. والتوحيد والواحد والأحد عند الأشاعرة يشمل ثلاثة أمور: ١- أن الله واحد في ذاته لا قسيم له. ٢- وأنه واحد في صفاته لا شبيه له. ٣- وأنه واحد في أفعاله لا شريك له (٢) . وأشهرها عندهم وأقواها دلالة على التوحيد النوع الثالث، وبه يفسرون معنى "لا إله إلا الله". والألوهية- عندهم- هي القدرة على الاختراع والخلق، فمعنى لا إله إلا الله لا خالق الا الله (٣) . ولما في هذا الكلام من القصور والتحريف والباطل فقد رد علهم شيخ الإسلام طويلا، وذلك من خلال بيان ما يلي:

стр. 922

١- ما في هذا الكلام من الحق والباطل، وشرح مقصودهم بعباراتهم تلك التى عرفوا بها التوحيد. ٢- أن هذا القول أخذوه عمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ٣- الرد عليهم ومناقشتهم. ٤- بيان حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل. أ- ما في كلامهم من الحق والباطل، وبيان مقصودهم بذلك: فسر الأشاعرة معنى التوحيد والواحد بهذه الأصول الثلاثة، وقد بين شيخ الإسلام ما في قولهم من الحق والباطل؟ كما يلي: ١- قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له: ويفسرونه بأن معناه أنه لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب، وهذا الكلام مجمل، فإن قصد به أن الله تعالى أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد، وأنه يمتنع أن يتفرق أو يتجزأ أو يكون قد ركب من أجزاء فهذا حق، لكن إن قصد به نفي علوه ومباينته لخلقه، وأنه لا يشار إليه ولا ينزل كما يشاء فهذا باطل (١) ، فأي الأمرين يقصد هؤلاء، يقول شيخ الإسلام عنهم: "ليس مرادهم بأنه لا ينقسم ولا يتبعض أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين، ونحو ذلك مما يقول نحوا منه النصارى والمشركون، فإن هذا مما لا ينازعهم فيه المسملمون، وهو حق لا ريب فيه، وكذلك كان علماء السلف ينفون التبعيض عن الله بهذا المعنى، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يشهد ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يدرك منه شيء دون شيء، بحيث إنه ليس له في نفس حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يرى عباده منها شيئا دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه

стр. 923

المقدسة ما شاء، فإن ذلك غير ممكن عندهم، ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه بحجاب منفصل عنهم يمنع أبصارهم عن رؤيته، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، ولا أن يكون على وجهه حجاب أصلا، ولا أن يكون بحيث يلقاه العبد أو يصل إليه أو يدنو منه أو يقرب إليه في الحقيقة، فهذا ونحوه هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسما منقسما مركبا، والبارئ منزه عندهم عن هذه المعاني " (١) ، وجماع المعاني التى قصدوها بقولهم هذا أنه تعالى عن قولهم ليس قائما بنفسه، ولا بائنا من خلقه ولا على العرش استوى، وأنه لا يشار إليه في جهة العلو. وهذا ما يعبرون عنه بنفي الجسمية، والتحيز، والجهة، والرازي صرح بأن كل متحيز فهو منقسم، وكل منقسم فهو ليس بأحد (٢) ، وهكذا صار حقيقة التوحيد والواحد والأحد عند هؤلاء نفى صفات الله الخبرية، ونفى علوه على عرشه. ٢- أما قولهم في تفسير التوحيد بأن معناهـ أيضا- أنه واحد في صفاته لا شبيه له، فيرى شيخ الإسلام أن هذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكنهم أجملوها، حيث جعلوا نفى الصفات-كما فعلت المعتزلة- أو بعضها-كما فعلت الأشعرية داخلا في مسمى التشبيه، وهذا من بدع أهل الكلام، إذ لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسولهـ ﷺ ولا أقوال السلف أن يجعل نفي الصفات أو بعضها من التوحيد (٣) ، مع أن أهل الكلام مضطربون في هذا، لأن كل طائفة تجعل ما تنفيه من الأسماء أو الصفات من التشبيه الذي يجب تنزيه الله عنه، فالأشاعرة أدخلوا في مسمى التوحيد هذا نفي كثير من الصفات- أي ما عدا الصفات السبع التى لم يثبت غيرها متأخروهم- والمعتزلة أدرجوا في ذلك نفي جميع

стр. 924

الصفات، والجهمية نفوا الأسماء والصفات جميعا، وزاد الغلاة من القرامطة والباطنية فقالوا لا يوصف بالنفي والإثبات، لأن القول بأحدهما يقتضي تشبيها، وهكذا (١) . ٣- أما الثالث فقولهم: إن من معاني التوحيد أنه تعالى: واحد في أفعاله لا شريك له، وأن الله رب كل شيء وخالقه، ويقول شيخ الإسلام عن هذا المعنى: "وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربيه ومدبره" (٢) ، والخطأ الذي وقع فيه الأشاعرة هنا هو أنهم فهموا أن هذا هو التوحيد الذى دعت إليه الرسل، وأنه المقصود بشهادة أن لا إله إلا الله، ومن المعلوم أن هذا التوحيد قد أقر به المشركون، ولم ينكره أحد من بني آدم " ولكن غاية ما يقال: إن المعتزلة وغيرهم جعلوا بعض الموجودات خلقا لغير الله، كأفعال العباد، ولكنهم يقرون بأن اللَة خالق العباد وخالق قدرتهم وإن قالوا: إنهم خالقو أفعالهم" (٣) . هذه معاني التوحيد عند الأشاعرة، ومما سبق يتبين ما في ظاهر العبارات من الحق، وما قصدوه من الباطل، مع ما وقعوا فيه من التقصير. ب- اتباعهم لمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة في تعريف التوحيد: وهذا من منهج شيخ الإسلام العام في ردوده على الأشاعرة، حيث إنه كثيرا ما يرجع أقوال هؤلاء إلى أصولها الفلسفية والاعتزالية، ولذلك فهو هنا حين رد على الرازى الذي نفى الصفات بناء على أن الله أحد، واحد، أرجع أقواله إلى أقوال المعتزلة فقال: "هذا الاستدلال هو معروف قديما من استدلال الجهمية النافية، فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات ينافي التوحيد ويزعمون أنهم هم الموحدون، فإن من أثبت الصفات فهو مشبه ليس بموحد، وأنه يثبت تعدد

стр. 925

القدماء، ولا يجعل القديم واحدا، فالجهمية من المتفلسفة والمعتزلة وغيرهم يبنون على هذا، وقد يسمون أنفسهم الموحدين، ويجعلون نفي الصفات داخلا في مسمى التوحيد (١) ، ثم ذكر شيخ الاسلام أن أئمة السلف كالإمام أحمد وغيره ردوا على هؤلاء، وبينوا ما في أقوالهم من التلبيس والباطل، يقول الإمام أحمد-﵀: "فقالت الجهمية لنا لما وصفنا هذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته؟ قلنا: لا نقول: إن الله لم يزل وقدرته، ولا نقول ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته، ونوره، لا متى قدر، ولا كيف قدر. فقالوا: لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء، قلنا نحن نقول: قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا: ان الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم مثلا في ذلك قولنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك اللهـ وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته، والذى ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم، والذى لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا مالكا، لا متى ولا كيف. قال: وسمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال:" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا " [المدثر: ١١] ، وقد كان الذى سماه وحيدا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، وقد سماه وحيدا بجميع صفاته وكذلك اللهـ وله المثل الأعلى- بجميع صفاته واحدا (٢) . فهؤلاء الذين واجههم الإمام أحمد-﵀ هم شيوخ لمن جاء بعدهم، من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة الذين-يزعمون أن الواحد هو الذي

стр. 926

لا صفة له ولا قدرة، وابن سينا الفيلسوف يعبر عن ذلك بقوله " إن واجب الوجود واحد من كل وجه، ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم، أو يقال: ليس فيه كثرة حد ولا كثرة كم، ويقال ليس فيه تركيب المحدود من الجنس والفصل، ولا تركيب الأجسام، ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة" (١) ، والمعتزلة يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وجعلوا التوحيد أحد أصولهم الخمسة، ويبنون ذلك على أن القديم ليس معه في القدم غيره، فلو كان له صفات، للزم تعدد القدماء مع الله تعالى. فجعلوا حقيقة التوحيد نفي الصفات (٢) . فلما جاءت الأشعرية تلقفوا هذا الأصل عن هؤلاء، وجعلوا من مقتضيات التوحيد نفي ما ينفونه من الصفات كالعلو والاستواء، والوجه واليدين وغيرها. وكل طائفة تجعل ما تنفيه من الصفات من مقتضيات التوحيد، وهذا اضطراب وتناقض ظاهر. ب- الرد على الأشاعرة في قولهم في مسمى التوحيد: وقد جاءت ردود شيخ الإسلام عليهم في ذلك كما يلي: ١- بيان ما في أقوالهم من الحق والباطل- وقد تقدم بيان ذلك قريبا-. ٢- أن هؤلاء الأشاعرة اتبعوا المعتزلة والجهمية في ذلك، مع أن شيخهم ابن كلاب ينكر قول من يقول: إن الواحد لا صفة له، فإنه قال بعد بيانه: أن الله بائن من خلقه، ليس داخلا في خلقه، ولا خلقه داخلون فيه: "فإن قالوا: فيعتقبه الطول والعرض؟ قيل لهم: هذا محال، لأنه واحد لا كالآحاد، عظيم لا تقاس عظمته بالخلوقات، كما أنه كبير عليم، لا كالعلماء، كذلك هو واحد عظيم لا كآحاد العظماء، فإن قلت: العظيم لا يكون إلا متحيزا؟ قيل لك:

стр. 927

والعليم لا يكون إلا متحيزا، وكذلك السميع والبصير، لأنك تقيس على المخلوقات " (١) ، يقول شيخ الإسلام معقبا: " وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد، والتوحيد، بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية، ولم يفسروه بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك " (٢) . ولاشك أن أئمة الأشاعرة المتقدمين كالأشعري وغيره يثبتون لله صفات العلو والاستواء والصفات الخبرية، ولا تقتضي عندهم تشبيها، كما أن إثباتها لا يعارض ما يقولون به من التوحيد لله تعالى. ٣- أن قولهم: إن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم، ليس معروفا في لغة العرب، بل المعروف في لغة العرب أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد وهو جسم، بل "لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسما ومنقسما كقوله تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) [المدثر: ١١] ، وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) [النساء: ١١] ، وقوله: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ) - إلى قولهـ (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ) [الكهف: ٣٢-٣٧] ، وقوله: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) [البقرة: ٢٦٦] ، وقوله تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف: ٤٩] ... والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل ورجلان اثنان، وثلالة رجال، وفرس واحد وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد ... فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسما منقسما لأن ما لا يسمونه هم جسما منقسما ليس هو شيئا يعقله الناس، ولايعلمون وجوده حتى يعبروا عنه" (٣) ، وفي موضع آخر يذكر شيخ الإسلام نصوصا عديدة من الكتاب والسنة، ويعلق عليها. فيقول

стр. 928

في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [النساء: ١] : " ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء، من جسده خلقت، لم تخلق من روحه، حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها. وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفسا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة " (١) . ويقول معلقا على استدلال الإمام أحمد- وقد سبق نقله قريبا-: " وأبلغ من ذلك ما ذكره الامام أحمد وغيره من قوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا" [المدثر: ١١] ، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام " (٢) ، ثم يذكر بعد ذكر نصوص القرآن نصوصا عديدة من السنة، منها أحاديث الصلاة في الثوب الواحد، مثل ما ورد في الصحيح أن النبي- ﷺ سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان؟ " (٣) ، وحديث نهي أن يصلي الرجل فِى الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء (٤) ، وحديث أن النبي ﷺ كان يصلي في ثوب واحد (٥) ، وحديث مرور النبي- ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " (٦) وغيرها من الأحاديث كثير (٧) ،

стр. 929

وهي تدل على استخدام لفظ الواحد فيما هو جسم خلافا لما يزعمه هؤلاء. وإذا كان الأمر كذلك من أن الغالب في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم " لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [البقرة: ١٦٣] وقوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: ١] ، ونحو ذلك مما أنزله الله بلغة العرب، وأخبرنا فيه أنه واحد، وأنه إله واحد- على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحدا مما ليس معروفا في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديما بنفسه، متصفا بالصفات، مباينا لغيره، مشارا إليه. وما لم يكن مشارا إليه أصلا، ولا مباينا لغيره، ولا مداخلا له، فالعرب لا تسميه واحدا ولا أحدا، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم " (١) . وشيخ الاسلام بهذه الأدلة الكثيرة إنما يقرر قاعدة من القواعد المهمة في باب الصفات وغيرها، وهي أن تفسير النصوص- في الصفات وغيرها- إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به أول مرة، وماذا فهموا من النصوص، أما أن تنشأ مصطلحات جديدة وتحمل النصوص عليها فهذا مخالف لما هو متواتر من أن القرآن هدى للناس وفيه البيان التام. وهذه من المسائل الكبرى في الخلاف بين مذهب السلف وغيرهم من أهل البدع، لأنه إذا وقع خلاف حول نص من النصوص، فقال قائل: هذا يدل على إثبات الصفات لله، وقال الآخر: لا يدل، فمن الذي يفصل في المسألة، ويبين الحق فيها، وكل يدعى أن الحق معه؟ أهل البدع من النفاة يرجعون في ذلك إلى عقولهم، أو إلى أقوال شيوخهم، أو إلى شواذ اللغة، أو إلى مصطلحات أهل الفلسفة التى تلقوها عن غير المسلمين. أما السلف فيرجعون إلى النصوص الأخرى من الكتاب والسنة التى تبين هذا النص وتوضحه، ويرجعوق إلى لغة العرب وفهم الصحابة والسلف من خير القرون،

стр. 930

وما قالوه في بيان معنى هذا النص، ولذلك يقول شيخ الاسلام- في معرض رده على الرازي حول استدلاله بالواحد والأحد على نفي الصفات-: "إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ" [ابراهيم: ٤] وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء: ١٩٥] فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص- بل ولا يحمله إلا على معاني عنوها بها، إما [أخص] من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايرا له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفا للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبى- ﷺ يخاطب بها أمته، وهى لغة العرب عموما ولغة قريش خصوصا "، ثم يطق هذا على المثال المطروح فيقول: " ومن المعلوم المتواتر في اللغة، الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون: رجل واحد، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال. وهذا من أظهر اللغة وأشهرها وأعرفها، فكيف يجوز أن يقال: إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟! (١) . فهذه الاصطلاحات الحادثة، التي يحدثها الناس أو أرباب العلوم المختلفة في كل عصر، هى اصطلاحات لهم- ولا مشاحة في أن يتفق أهل فن أو علم على اصطلاح معين يتعارفون عليهـ ولكن الخطأ أن يجعل هذا المصطلح الحادث

стр. 931

هو المرجع في تفسير النصوص التي نزلت وتلاها الناس وفسروها وفهموها في زمن سابق قبل أن تنشأ تلك المصطلحات الحادثة، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضا حول موضوع الواحد مضمونه: أنه قد يقال: إنه يجوز أن يستعمل لفظ الواحد فيما قصده المتكلمون عن طريق المجاز أو المشترك اللفظي أو غيره وقد أجاب بقوله: " هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم [أي العرب الذين نزل بلغتهم القرآن] لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى " (١) ، ثم يحسم شيخ الإسلام بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعاه هؤلاء في مسمى التوحيد من وجوه عشرة مهمة (٢) قال في آخرها: " فتبين أن لفظ التوحيد والواحد والأحد في وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد والواحد والأحد في القرآن والسنة والإجماع وفي اللغة التي جاء بها القرآن، وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته ... " (٣) . وهذا ينطبق على مسألة الواحد والتوحيد وعلى غيرها مما جاء به القرآن الكريم مما يتعلق بأسماء الله وصفاته. ٤- أن لفظ "الأحد لم يجىء اسما في الإثبات إلا لله تعالى، أما في حق غيره فلم يستعمل إلا مع الاضافة، أو في غير الموجب، كالنفي والشرط والاستفهام، فاستعماله في الإثبات لله كقوله تعالى: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" [الإخلاص: ١] ، أما استخدامه في حق غير الله مضافا فكقوله تعالى: "قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا" [يوسف: ٣٦] ، وفي النفي كقوله: "وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" [الكهف: ٤٩] ، والشرط كقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ" التوبة: ٦] ، والاستفهام كما تقدم قريبا في حديث: أيصلي الرجل

стр. 932

في الثوب الواحد؟، ويقال: هل عندك أحد؟. ونكتة الرد هنا أن لفظ الأحد لم يستعمل فيما ادعاه هؤلاء لا في النفي ولا في الإثبات، ولو فرض أن معناهـ ما ليس بجسم كما يزعم هؤلاء- لوقع تناقض عظيم؛ فإنه يقال: إذا كان في الاثبات معناه إن الله أحد أي ليس بجسم، فهل يكون في النفى كذلك؟ هل يقال: إن معنى قوله تعالى: "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" [الإخلاص: ٤] لم يكن ما ليس بجسم كفوا له، ومعنى قوله تعالى: "وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا" [الكهف: ٢٦] : لا يشرك في حكمه ما ليس بجسم، ومعنى قوله: "لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ" [الجن: ٢٢] أى لن يجيرني من الله ما ليس بجسم؟ هل يكوَن مفهوم هذه النصوص أنه قد يكون ما هو جسما كفوا له، وقد يشرك في حكمه ما هو جسم وهكذا؟. هل يقول هذا عاقل، وهل يمكن أن تكون النصوص قد جاءت بمثل هذا التناقض والباطل (١) . ٥- أن قولهم باطل من جهة العقل أيضا، يقول شيخ الإسلام: " أما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة: إنه أمر لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن لا يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن عاه المسمي جسما، وأيضا فإن التوحيد إثبات لشيء واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها، ويتميز بها عما سواه، حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ومجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدا" (٢) ، فهؤلاء ظنوا أن ما يتصورونه في أذهانهم موجود في الخارج، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها أهل الكلام والتصوف والفلسفة ونبه

стр. 933

شيخ الإسلام عليها كثيرا، مثل قول غلاة الصوفية إن الوجود واحد، وإن وجود الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، ومثل قول الفلاسفة بالجواهر والمجردات العقلية، حيث يزعمون أن الحقائق الموجودة في الخارج كالإنسان والفرس مكونة من المادة الكلية والصورة الجوهرية، ويزعمون أنهما جوهران عقليان، وهذا كله في الذهن، لأن الموجود لا يوجد الا معينا، فيقال وجود الواجب وهو الله ووجود الممكن كفلان وفلان، وكذلك هذه العقليات المجردة إنما تتصور في الأذهان، أما في الحقيقة والواقع فليس الا الموجودات بأعيانها (١) . ٦- كما أن قول هؤلاء معارض للشرع، يقود شيخ الإسلام في بيان بطلان قولهم لغة وعقلا وشرعا: "وأما الشرع فنقول: مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء، حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم ولا يوجد نفيها في كتاب ولا سنة ولا عن صاحب ولا أئمة المسلمين" (٢) . وبعد أن ينقل شيخ الإسلام نصا للدارمي في نقضه على المريسي يقول: "هذا النفي الذي يذكره النفاة ويفسرون به اسم الله (الواحد) وغير ذلك هو عند أهل السنة والجماعة مستلزم العدم، مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه الأحد، الصمد، وأنه العلي، العظيم، وأنه الكبير المتعال، وأنه استوى على العرش، وأنه يصعد اليه، ويوقف عليه، وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر، وأنه يكلم عباده، وأنه السميع البصير، (٣) ، فمصادمة قولهم لهذه النصوص الشرعية الكثيرة- مع أنه أيضا لا يقوم على دليل صحيح- دليل على فساد قولهم. ٧- تأصيل القول في مسألة الفرق بين التشبيه والتمثيل ومدلولهما عند الإطلاق، يقول شيخ الإسلام: "وقف تنازع الناس هل لفظ" "الشبه" و"المثل"

стр. 934

بمعنى واحد أو معنيين، على قولين: أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ المثل مطلقا ومقيدا يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظار. والئافي: أن معناهما مختلف عند الاطلاق لغة وشرعا وعقلا، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر وهذا قول أكثر الناس. وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية [وهي (١) ] : أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان، فمن منع أن يشبه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد، ومن قال: إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، فرق بينهما عند الإطلاق " (٢) ، وقد رجح شيخ الإسلام الثاني بقوله: " وهذا قول جمهور الناس؛ فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان، تشتبه في كونها ألوانا مع أن السواد ليس مثل البياض، وكذلك الأجسام والجواهر عند جمهور العقلاء تشتبه في مسمى الجسم والجوهر، وإن كانت حقائقها ليست متماثلة، فليست حقيقة الماء مماثلة لحقيقة التراب، ولا حقيقة النبات مماثلة لحقيقة الحيوان، ولا حقيقة النار ممائلة لحقيقة الماء، وإن اشتركا في أن كلا منهما جوهر وجسم وقائم بنفسه، وأيضا فمعلوم في اللغة أنه يقال: هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا، إذا أشبهه من بعض الوجوه وإن كان مخالفا له في الحقيقة. قال الله تعالى: "وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا" [البفرة: ٢٥] ، وقوله: "مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" [آل عمران: ٧] ، "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ " [البقرة: ١١٨] فوصف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل؛ فإن القلوب

стр. 935

وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي- ﷺ " الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس " (١) ، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة، بل بعضها حرام، وبعضها حلال " (٢) . وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام من أن هناك فرقا بين التشبيه والتمثيل، وأنه يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه كثيرا ما يقرره في كتبه، ويذكر له بعض الأدلة (٣) ، ويذكر أن لفظ التماثل أخص من لفظ التشابه وذلك في معرض رده على الرازي حول تعريف المتشابه (٤) ، ويرى أن سبب اضطراب أهل الكلام في مسألة الصفات ما يثبت منها وما ينفي، مرجعه إلى أنهم جعلوا مسمى التشبيه والتمثيل واحدا (٥) . ٨- أن التشبيه على قول بعض المتكلمين: إن التشبيه هو التمثيل، ثم تعريفهم للمتماثلين بأنهما: " ماسد أحدهما مسد صاحبه، وقام مقامه، وناب منابه" (٦) ، وقد يفسرونه بأنه " يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له" (٧) ، التشبيه بهذا المعنى لا يقول به عاقل، لأنه يعلم بضرورة العقل امتناعه (٨) ، ولأن " كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة، ولو من بعض الوجوه البعيدة، ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود " (٩) . وفي موضع آخر يعلل شيخ الإسلام الفرق بقوله:

стр. 936

"التشابه الذى هو التماثل لا يكون بالموافقة في بعض الصفات، بل الموافقة في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، وأما التشابه في اللغة فإنه قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين، ولهذا كان أئمة أهل السنة ومحققو أهل الكلام يمنعون من أن يقال: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه؛ فإن مقتضى هذا كونه معدوما" (١) ، "وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فها العقلاء الذين يفهمونها" (٢) . ومع تقرير شيخ الاسلام لهذه المسألة، إلا أنه ييين أن المتكلمين الذين يصرحون بنفي التشبيه مطلقا طائفتان: طائفة: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون أن الله لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوهـ وهذا الذى صرح به النفاة من الجهمية- فهؤلاء يقتضي قولهم أن يكون معدوما لأنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز. وطائفة أخرى: يطلقون القول بنفي التشبيه، ويقصدون به التمثيل، فهؤلاء متفقون على نفي التماثل بوجه من الوجوه، وهو قول صحيح قد دل عليه القرآن، والعقل أيضا، فالخلاف مع هؤلاء لفظي حيث سموا التمثيل تشبيها (٣) . وعلى قول هاتين الطائفتين يكون لفظ "التشبيه" من الألفاظ المجملة، التي قد تحتمل أكثر من معنى، ومن ثم فقبل الإثبات والنفي لابد من الاستفصال عن المعنى الذى يقصده القائل. ولكن "لفظ "الشبه" فيه إجمال وإبهام، فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو في كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما، فإذا قيل: هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه،

стр. 937

ولا يواطئه بوجه من الوجوه، كان هذا ممتنعا، وكذلك إذا أريد بقول القائل: "لا يشبهه بوجه من الوجوه، هذا المعنى، بخلاف ما إذا أراد المماثلة والمساواة والمكافأة، أو أراد ذلك بلفظ المشاركة والموافقة والمواطأة، فإنه سبحانه لا يماثله شيء بوجه من الوجوه، ولا شريك له بوجه من الوجوه" (١) . ويقول أيضا: "إن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفي (٢) ذلك القدر المشترك ليس هو نفس (٢) التمثيل والتشبيه الذى قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذى قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ، إذ هو سبحانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى: ١١] ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" (٣) ، وهذه المسألة مرتبطة بمسألة ما بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم من الاتفاق: هل هو من قبيل المشترك اللفظي أو المتواطئ؟ وهي مسألة اهتم بها شيخ الإسلام كثيرا. وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لها في المبحث التالي عند الكلام على الأسماء والصفات. ٩- أن القرآن الكريم ورد بنفي التمثيل وما في معناه كالند والشريك والكفو، أما التشبيه فلم يرد نفيه ولا ذمه في الكتاب والسنة، ويرى شيخ الإسلام أن السبب ما في لفظ التشبيه من الاجمال والاشتراك والابهام بخلاف لفظ التمثيل (٤) ، ويشرح ذلك بشكل مفصل فيقول: "إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقا هو جعل الأنداد لرب العالمين، لكن من الناس من لا يفهم هذا ولا يعتقد أن لفظ التشبيه يدل على التمثيل المنفي عن الله، إذ لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص ... ومن هنا ضل فيه أكثر الناس؛ إذ ليس له حد محدود. وما هو (٥) منتف بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل، ومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين

стр. 938

المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء [المقرين] (١) بالصانع، فلما كان لفظ التشبيه يقال على ما يجب انتفاؤه وعلى ما يجب إثباته لم يرد الكتاب والسنة به مطلقا، لا في نفي ولا إثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل والكفو والند والسمى، ... و ... الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، فيجب أن ينفي عنه المثل مطلقا ومقيدا، وكذلك الند والكفو والشريك، ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن ينفيها، و ... من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفي المثل عن نفسه بقوله " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى: ١١] ، والسمى بقوله "هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" [مريم: ٦٥] ، والند بقوله "فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا" [البقرة: ٢٢] ، والكفو بقوله "وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ" [الإخلاص: ٤] ، والشريك والعديل والمساوى بقوله " سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [يونس: ١٨] ، "ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" [الأنعام: ١] ، "إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ" [الشعراء: ٩٧-٩٨] ، فلا يخلو إما أن يكون النفي من ذلك مختصا بالمماثل من كل وجه، وهو المكافىء له من كل وجه فقط والمساوى والمعادل والمكافىء له من كل وجه، أو يكون النفي عاما في المماثل ولو من بعض الوجوه، والمكافىء ولو من بعض الوجوه، ولا يجوز أن يكون النفي مختصا بالقسم الأول لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر، وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر، ولأن النبي- ﷺ قال له رجل ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده (٢) ، فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل والكفو والند والشريك والعديل،

стр. 939

ولو من بعض الوجوه، وهذا هو الحق؛ وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه في مثل معنى الوجود والحي والعليم والقدير، فليس (١) مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافئة، بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له ولغيره، ولما ينفى عنه وعن غيره، لا يماثله غيره في إثبات شيء ولا في نفيه، بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله، التي تعجز عقول البشر عن معرفتها، وألسنتهم عن صفتها ما لا يعلمه إلا الله مما لا نسبة إلى ما علموه من الأمر المشتبه المشترك، إليه. والمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفا ثبوتيا كما قررنا هذا في غير هذا الموضع (٢) ، ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه، ومنافاة صفاته الوجودية، له فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضا إلا هو، بخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه

стр. 940

البعيدة، ومما يجب القول به شرعا وعقلا بالاتفاق، ولهذا [لما] عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع وجحوده، كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل (١) . ومع أن التشبيه لم يرد نفيه في الكتاب والسنة إلا أن السلف ﵏ كانوا ينظرون إلى المعاني لا إلى الألفاظ، ولذلك لما وجدت بعض الفئات التي بالغت في الإثبات فشبهت الله بخلقه،- وسموا مشبهة- بادر السلف إلى ذم المشبهة وقرنوا الذم لهم بذم المعطلة، ولم يمنع السلف من هذا ما وصفهم به أعداؤهم النفاة من أن إثباتهم للصفات يجعلهم مشبهة، لأن مذهبهم في الصفات وسط بين تعطيل هؤلاء وتشبيه أولئك. وشيخ الإسلام لما قرر أن لفظ التشبيه لم يرد نفيه في القرآن والسنة إنما قصد بيان أن ما ادعاه هؤلاء- في تعريفهم للتوحيد من أن من معانيه أن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وأدخلوا في ذلك نفي علوه واستوائه وصفاته الخبرية- غير صحيح، لأن القرآن والسنة وردا بإثبات ذلك، والقول بأن إثبات هذه الصفات يقتضي تشبيها ينسحب إلى غيرها من الصفات التي يثبتها هؤلاء، كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، بل ينسحب إلى الأسماء الثابتة لله ، فالأخذ بظاهر هذه العبارة- أنه واحد في صفاته لا شبيه لهـ يؤدي إلى نفي جميع الصفات والأسماء عن الله تعالى، لأن ما من موجودين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز، وأقرب مثال على ذلك الوجود، فالله موجود والمخلوق موجود، والوجود له معنى مشترك يصدق على وجود الله ووجود المخلوق، وإن كان وجود المخلوق ليس كوجود الله لأن المخلوق ممكن، حادث، قابل للعدم. فهل يمكن القول بأن الله موجود بدون فهم معنى الوجود؟ إلا أن يقال بأننا خوطبنا بألغاز لها معاني أخر لا نفهمها، ولم يدل عليها الخطاب، وهو ما آل إليه أمر غلاة الصوفية والباطنية والقرامطة وغرهم من الملاحدة.

стр. 941

فما يقرره شيخ الاسلام في هذا الباب من أن لفظ الشبه والتشبيه لفظ مجمل، ولذلك لم يرد نفيه في الكتاب والسنة، إنما هو دفاع عن الصفاتية- من هؤلاء الأشاعرة وغيرهم- في مقابل المعتزلة والجهمية والقرامطة وغيرهم. ١٠- ومذهب السلف- رحمهم الله تعالى- مشهور في الرد على نفاة الصفات أو بعضها، يقول شيخ الاسلام عن الأشاعرة بعد كلامه عن المعتزلة الذين جعلوا نفي الصفات كالعلم والقدرة من التوحيد والتنزيه عن التشبيه والتجسيم-: " ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن وافقوا أولئك على أن ما نفوه من التشبيه وما نفوه من المعنى الذي سموه تجسيما هو التوحيد الذى لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم، وكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه الأمور ولا كان أصحاب رسول اللهـ ﷺ عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول اللهـ ﷺ والصحابة والتابعون، بل يعلم بالاضطرار أن الذى جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدا، ولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك " (١) ، ثم ساق شيخ الاسلام عددا من الروايات المشهورة عن أئمة السلف في ذمهم لأهل الكلام وأهل البدع الذين يخوضون في أسماء الله وصفاته ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون (٢) . أما مسألة نفي التشبيه بإطلاق، فإمام أهل السنة أحمد بن حنبل-﵀ بين ذلك في الرد على الزنادقة- كا نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه معلقا على بعض أقواله، قال شيخ الاسلام: " ولهذا قال الامام أحمد: " فقلنا إن الشيء لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء، فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا " (٣) ، فبين الامام أحمد أنه يعلم بالمعقول الصريح الذي

стр. 942

يشترك فيه العقلاء أن ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شيء، كما نقل الناس أن جهما يقوله، ولهذا قال: فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا، أي لجميع العقلاء، فإن هذا لا يختص أهل السمع والكتاب، بل يشترك فيه العقلاء كلهم. فهذا سؤال عن كونه موجودا، ثم سألهم عن كونه معبودا فإن هذا يختص به من يوجب عبادة الله، وهم المسلمون قديما وحديثا، قال: " فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فقلنا: هذا الذي يدبر أمر الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم، قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون" (١) ، فهنا جعل الكلام من المسلمين الذين يعبدون الله تعالى، والعبادة متضمنة لقصد المعبود وارادته، والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به. فلما قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا: هو مجهول لا يعرف بصفة، كان قولهم هو مجهول لا يعرف بصفة تبين (٢) للمسلمين الذين يعبدون، أنهم لا يثبتون شيئا يعبدونه، وإنما هم منافقون في ذلك، لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد، فعرف المسلمون بطلان قولهم: يعبدون الله ويثبتونه، كما عرف أهل العقل بطلان كونهم يقرون بوجوده ويثبتونه، وهم الذين أنكروا أن يعرف بصفة، فأنكروا صفاته مطلقا وأنكروا أن يشبه بالأشياء بوجه من الوجوه، فأنكروا بذلك وجوده " (٣) . وكلام الإمام أحمد يدل على مبلغ علم ووعي أئمة السلف ﵏، ومعرفتهم بمداخل أئمة البدع الذين يزخرفون أقوالهم بعبارات التنزيه، وهم يقصدون من وراء ذلك أن يصلوا إلى ما يهدفون إليه من نشر البدع والتعطل. والإمام أحمد لما قرئ عليه كتاب المحنة- زمن المأمون- وبلغ قوله "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" [الشورى: ١١] ، وهو خالق كل شيء، قال الإمام أحمد عند قوله ليس كمثله شيء: وهو السميع البصير. فقال إسحاق ابن إبراهيم

стр. 943

- عامل الخليفة- ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب الله ولم أزد في كتابه شيئا كما قال ووصف ﵎ (١) . قال أحد مترجمي الإمام أحمد معلقا: " قلت: انظر كيف فتح الله على الإمام أحمد بإقامة حجته في إثبات الصفات من الآية التى احتجوا عليه بها، فكان الذى استدلوا به دليلا له لا عليه رضى الله عنه " (٢) . فالإمام أحمد كان يحذر من التعطيل ومن التشبيه معا، وقد نقل شيخ الإسلام عن الطبري أنه ذكر في تاريخهـ قال شيخ الإسلام: لكن أرسل ذلك والله أعلم بحقيقته (٣) - (أنه لما قرأ على علماء بغداد من المحنة كتاب المأمون الذي دعا الناس فيه إلى التجهم، فيه:"لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه ". أقر بذلك من أقر به، وأما أحمد فقال: لا أقول: لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه (٤) ، وهذا يبين كمال علمه ومعرفته بالأقوال المنافية لدين الإسلام، واحترازه فيها، مع أن كثيرا من الناس يطلق هذه العبارة، ويريد بذلك نفي المماثلة، ومقصوده صحيح، وقد يريد ما يجمع الحق والباطل، أو يريد تنزيها مطلقا لا يحصل معناه " (٥) . وقد أعاد شيخ الإسلام في درء التعارض ذكر رواية الطبرى حول المحنة- ولم يذكر أنها مرسلة- وقال معلقا: (والمقصود أنه ذكر في كتابه:"لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه "، فوافقه من لم يعرف حقيقة هذه الكلمة، وذكر عن أحمد أنه قال: لا يشبه الأشياء، وليس كمثله شيء، ونحو ذلك، أو كما قال.

стр. 944

وأما قوله: " بوجه من الوجوه " فامتنع منها، وذلك لأنه عرف أن مضمون ذلك التعطيل المحض، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود ولا شيء ولا حي ولا عليم، ولا قدير، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى، وهذا النفي حقيقة قول القرامطة، والله تعالى ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره وله المثل الأعلى " (١) . فهذه الملاحظات الدقيقة التي يبديها أئمة السلف معلقين على مثل هذه العبارات لأجل ما فيها من الإيهام- تدل على حرصهم الشديد على تصفية العقيدة من أكدار التعطيل والتشبيه، وهذا يدل على ما في مثل عبارة الأشاعرة- حين يقولون: إن الله واحد في صفاته لا شبيه له، وخاصة إذا أبانوا عن مقصودهم بها وأنه إنكار علو الله واستوائه وتأويل بقية صفاته عدا الصفات السبع التي أثبتوها- من الإجال والإيهام والضلال. ١١- وأئمة الأشاعرة أقروا بأن إطلاق مثل هذه العبارات غير دقيق، وأن القول بنفي التشبيه مطلقا يؤدى الى إنكار صفات الله تعالى، يقول الجويني في نفي أن الله يشبه الحوادث أو يشبهه شيء منها: "والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلطت طائفة في النفي فعطلت، وغلت طائفة في الإثبات فشبهت، فأما الغلاة في النفى فقالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه، وقالوا على هذا: القديم سبحانه لا يوصف بالوجود، بل يقال: ليس بمعدوم، وكذلك لا يوصف بأنه قادر، عالم، حي، بل يقال: ليس بعاجز، ولا جاهل، ولا ميت، قال: وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية، فأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث" (٢) ، ثم قال الجويني: " فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه: أحدها: الاتفاق على أن السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات من الوجود، والعرضية،

стр. 945

واللونية، ثم هما مختلفان، وكذلك الجوهر والعرض، والقديم والحادث، لا يمتنع اشتراكهما في صفة واحدة مع اختلافهما في سائر الصفات، ويقال لهم: أتثبتون الصانع المدبر أم لا تثبتونه؟، فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه فإن الحادث ثابت، فاستويا في الثبوت" (١) . فالجويني مع أنه يقول بتماثل الأجسام، وأن الاختلاف إنما هو في الأعراض، ومع ما في القول بتماثل الأجسام وأن الثلج مماثل للنار من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، من مخالفة الحس والعقل (٢) ، إلا أن قوله بأن القديم والحادث يستويان في الثبوت، ورده على الغلاة الذين قالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه: " تصرج بأن المختلفين يستويان ويشتركان في بعض الصفات، فكيف يمكن أن يقال مع هذا: إن المختلفين لا يشتبهان من بعض الوجوه، وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء؟ ... " (٣) . فالجويني هنا يرد على نفسه وعلى إخوانه الأشاعرة الذين قالوا: إن القول بإثبات علو الله واستوائه على العرش يقتضي أن يكون جسما والأجسام متماثلة. ومن ثم فسروا التوحيد بنفي التشبيه عن الله وفسروه بتلك التفسيرات الباطلة، فهم بين أمرين، إما أن يقولوا بأن إثبات السمع والبصر والحياة والقدرة لله تعالى يقتضي تشبيها مثل العلو واليدين، أو يقولوا بأن إثبات العلو والاستواء واليدين والوجه لله لا يقتضي تشبيها مثل السمع والبصر والحياة. ويقول الرازي عن هذا الموضوع: " فإن قيل المشاركة في صفات الكمال يقتضي المشاركة في الإلهية. قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الالهية. قال: ولهذا المعنى قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) [النحل: ٦٠] ، وقال ﷺ "تخلقوا

стр. 946

بأخلاق الله (١) " (٢) ، قال شيخ الإسلام معلقا على هذا الكلام: (ومن المعلوم أن المشابهة هي المشاركة في صفات الكمال- التي هي العلم والقدرة- أعظم من المشابهة والمشاركة في مجرد مسمى الوجه" (٢) . ثم ينقل شيخ الإسلام عن الرازي أنه قال في نهاية العقول، في مسألة تكفير المخالفين من أهل القبلة في حجة من كفر المشبهة، قال: " ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر ثم [إن (٤) ] ، المشبه لا يخلو إما أن يكون هو الذي يذهب إلى كون الله مشبها بخلقه من كل الوجوه، أو ليس [كذلك (٤) ] . والأول باطل؟ لأن أحدا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك (٥) ، ولا يجوز أن يجمعوا على تكفر من لا وجود له، بل المشبه الذى يثبت الإله على صفة بشر بها معها بخلقه (٦) ، والمجسم كذلك لأنه إذا أثبت جسما [بحيز (٧) ] معين فإنه يشبهه بالأجسام المحدثة، فثبت أن المجسم مشبه، وكل مشبه كافر بالإجماع، فالمجسم كافر" (٨) ، ثم قال الرازى في الجواب عن ذلك لأنهـ أى الرازي- نصر عدم تكفير أهل القبلة: " قوله: المجسم مشبه، والمشبه كافر، قلنا: إن عنيتم بالمشبه من يكون قائلا بكون الله شبيها بخلقه من كل الوجوه، فلا شك في كفره، لكن المجسمة لا يقولون بذلك، فلا يلزم قولهم

стр. 947

بالتجسيم قولهم بذلك، ألا ترى أن الشمس والقمر والنمل والبق أجسام، ولا يلزمنا اعترافنا باشتراكها في الجسمية كوننا مشبهين للشمس والقمر والنمل والبق، وإن عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أنه موجود وشيء وعالم وقادر، والحيوانات أيضا كذلك، وذلك لا يوجب الكفر، وإن عنيتم بالمشبه من يقول الإله جسم مختص بالمكان، فلا نسلم انعقاد الإجماع على تكفير من يقول بذلك، بل هو دعوى للإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه " (١) . قال شيخ الإسلام معلقا على كلام الرازى السابق بعد نقله: " وهذا تصريح منه بأن القول بكون الله شبيها بخلقه من بعض الوجوه داخل في قول كل المسلمين، ولا ريب أن كل موجودين فلابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه، وأن أحدهما أكمل فيه وأولى به من الآخر، وإلا فإذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلا ولا يشتركان فيه لم يكونا موجودين، وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها" (٢) . فهؤلاء أئمة الأشاعرة يعترفون بهذه الحقيقة البدهية، والعجب أنهم ينسون ذلك حين يتعرضون لبعض مسلماتهم الأخرى- كنفي العلو، أو بعض الصفات- فيصمون من يقول بها ويثبتها بالتشبيه والتجسيم، ويجعلون مذهبهم النافي لها هو التوحيد!. د- بيان حقيقة التوحيد الذى دعت إليه الرسل: سبق بيان أنواع التوحيد الثلالة عند الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، مع بيان ما فيها من الحق والباطل، وردود شيخ الإسلام على الأشاعرة حين أدخلوا في مسمى التوحيد نفى العلو والصفات، وتقصيرهم حين ركزوا على توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، والآن نبين حقيقة التوحيد الذي دعت إليه الرسل:

стр. 948

يقول شيخ الاسلام بعد ردود طريلة عليهم في ذلك: " والمقصود هنا أن "التوحيد" الذى أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، وهو المذكور في الكتاب والسنة، وهو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هو هذه الأمور الثلاثة التى ذكرها هؤلاء المتكلمون، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسول، فهم مع زعمهم أنهم الموحدون، ليس توحيدهم التوحيد الذي ذكر الله ورسوله، بل التوحيد الذى يدعون الاختصاص به باطل في الشرع والعقل واللغة ((١) . ثم يبين حقيقة التوحيد الذي جاءت به رسل الله فيقول: " وذلك أن توحيد الرسل والمؤمنين هو عبادة الله وحده، فمن عبد الله وحده لم يشرك به شيئا فقد وحده، ومن عبد من دونه شيئا من الأشياء فهو مشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان مع ذلك قائلا بهذه المقالات التي زعموا أنها التوحيد، حتى لو أقر أن الله وحده خالق كل شيء وهو التوحيد في الأفعال" (٢) . ومنشأ الغلط عند هؤلاء أنهم فهموا أن معنى الإله في قول المسلمين: لا إله الا الله، هو القادر على الاختراع، وأن إله بمعنى آله، لا بمعنى مألوه، وهذا فهم خاطىء قال به الأشعري، وجعله أخص وصف الإله (٣) ، وقد تبعه على ذلك جميع الأشاعرة. وشيخ الإسلام يقرر أن الإله بمعنى المألوه المعبود لا بمعنى القادر على الخلق يقول: "والإله هو بمعنى المألوه المعبود، الذى يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق. فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد،

стр. 949

كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية- وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعهـ لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذى بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين. قال تعالى: " وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ " [يوسف: ١٠٦] . قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره (١) . وقال تعالى:" قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ " [المؤمنون: ٨٤-٨٩] ، وقال تعالى:" وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " [العنكبوت: ٦١] . فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه، داعيا له دون ما سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه، ويعادي فيه، ويطيع رسله، ويأمر بما أمر، وينهى عما نهى عنه ... " (٢) . فتوحيد الربوبية كان المشركون مقرين به، وهو نهاية ما يثبته هؤلاء المتكلمون إذا سلموا من البدع فيهـ كما يقول شيخ الإسلام (٢) - أما التوحيد الذى جاءت به الرسل فلم يعرفوه ولم يبينوه. يقول شيخ الإسلام: (أما التوحيد الذى ذكره الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا اله الا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله:" وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ " [البقرة: ١٦٣] فأخبر أن الإله إله واحد، لا يجوز أن يتخذ إله غيره فلا يعبد الا إياه، كما قال في السورة الأخرى:"وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ

стр. 950

" اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ " [النحل: ٥١] ، وقال: " لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا - إلى قولهـ " فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا " [الإسراء: ٢٢-٣٩] وكما قال: " تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى " [الزمر: ١-٣] وكما قال: " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ " [الفرقان: ٦٨] والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات، كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم، أو قبورهم، أو غيرهم من الآدميين ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محق في التوحيد وهو من أعظم الناس اشراكا " (١) . وكلام شيخ الإسلام في هذا الباب لا يحتاج إلى بيان، فكتبه كلها لا تكاد تخلو من بيان هذا الأمر العظيم الذى هو لب التوحيد وأسّه وهو توحيد الألوهية، والرد على من فسر التوحيد بأن المقصود به توحيد الربوبية فقط (٢) ، ولا يعنى هذا أن شيخ الإسلام يهمل توحيد الربوبية، بل هو يرى- كما سيأتي إن شاء اللهـ أن أدلته فطرية بدهية، وأن جميع بني آدم مفطورون على الإقرار به ولم ينقل أهل المقالات عن أحد إثبات شريك مشارك لله في خلق جميع المخلوقات (٣) ، والرسل بنوا دعوة الناس إلى توحيد الألوهية على إقرارهم واعترافهم بتوحيد الربوبية، فالمقر بتوحيد الألوهية مقر ضمنا بتوحيد الربوبية لأنه متضمن له، كا أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. وبعض الأشاعرة- كالشهرستاني- يقر بهذه الحقيقة إجمالاً ويذكر في معرض بيان أن العباد مفطورون على إثبات الصانع؛ أنه " لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفى الشريك" (٤) .
следующие страницы →