← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 12767

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ط المكتب الإسلامي

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (924 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الجنة ونقول: "رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ" (١) "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (٢) . وذكر ص ١٥١: عن أبي عبد الرحمن المقرىء قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء غير مرة فلم أجبه. اهـ. وحسنا فعل أبو عبد الرحمن المقرىء إذ وقف مع سواد أهل السُّنة، والجماعة في الايمان ولم يقل: إن إيمان السكير كايمان جبريل وميكائيل. وذكر ابن عبد البر ص ١٥١: عن أحمد بن سنان القطان قال: سمعت علي بن عاصم قال: قلت لأبي حنيفة: حديث إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: أن النبي ﷺ صلى خمسا- أي سهو اً- فأخذ أبو حنيفة شيئاً من الأرض ورمى به، وقال: إن كان جلس في الرابعة مقدار التشهد، وإلا فلا تساوي صلاته هذه- أي القشة التي أخذها من الأرض. ولا ندري ما هو الأصل الذي أصله أبو حنيَفة رحمه الله تعالى في ردّ صلاة رسول الله ﷺ والاستدراك عليه وتصحيح ما يراه منها صحيحاً، وإبطال ما يراه منها باطلا، لا نعرف لذلك أصلا، إلا أن يكون ذلك هو الرأي الحسن، وحاشاه يقول ذلك (٣) في العبادات، وأحسن الظن به، أنه لم يصدق حديث ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، غير أن التعبير الأبعد عن الايهام أن يقول: لعل ذلك لم يصح عن النبي ﷺ ، فان صح فسمعاً وطاعة "إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٤) وحينئذ يكون طعناً في صدق

стр. 142

إبراهيم أوعلقمة أو ابن مسعود، وذلك كله أهو ن من تخطئة رسول الله ﷺ التي هي كفر بالإجماع. وأسند ابن عبد البر ص ١٥١: عن بشر بن المفضل قال: قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" قال: هذا رجز؟! فقلت: قتادة عن أنس، أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين فرضَّ النبي رأسه بين حجرين، فقال: هذا هذيان. وعسى أن يكون بشر بن المفضل قد وهم في هذا النقل عن أبي حنيفة أوعَمَّنْ دونه فلا يقع في قلوبنا عن مسلم أن يقول مثل هذا، وأحسن محامله أن يكون شكاً في رواة الحديث، والعتب على ابن عبد البر أن يسكت على مثل هذا بعد روايته في كتاب كَتَبَهُ في فضائل الأئمة ومنهم أبو حنيفة!! وأسند ابن عبد البر ص ١٣٢ عن عبد الله بن عثمان قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: كان أبو حنيفة قديماً، أدرك الشعبي والنخعي وغيرهما من الأكابر، وكان بصيراً بالرأي يسلم له فيه، ولكنه كان تهيما (١) في الحديث. اهـ وإذن لم يعترف له ابن المبارك بادراك صحابي واحد، فأقدم ما عنده الشعبي والنخعي. والذي في النسخة تهيما في الحديث أي متهما فيه، والذي أحفظه فيما نقله محمد بن نصر المروزي يتيما في الحديث، أي قليل البضاعة فيه، وهذه أهو ن من ذلك، وأيا كان ابن المبارك لا يعترف لأبي حنيفة بعلم الحديث إلا يُتما أو اتهاما فيه، لا أنه امام فيه يرد ما شاء منه بما أصل لنفسه من أصول أو فطنة أو ذكاء، وإنما هي الجرأة التي انفرد بها عن الأئمة.

стр. 143

وأسند ابن البر ص ١٥٧ من طريق أبي يعقوب المكي عن عثمان بن زائدة قال: كنت عند أبي حنيفة فقال له: ما قولك في الشرب في قدح أوكأس في بعض جوانبها فضة؟ فقال: لا بأس به، فقال عثمان: فقلت له: ما الحجة في ذلك؟ فقال: أما ورد النهي عن الشرب في إناء الفضة والذهب، فما كان غير الذهب والفضة فلا بأس بما كان فيهما منهما، ثم قال: يا عثمان ما تقول في رجل مر على نهر وقد أصابه عطش وليس معه إناء فاغترف الماء من الخهر فشربه بكفه وفي أصبعه خاتم- أي فضة- فقلت: لا بأس بذلك. قال: كذلك. قال عثمان: فما رأيت أحضر جواباً منه. ونحن بدورنا نحمد الله تعالى على التحلل من هذا القياس من تلك العقلية الجبارة قياس جواز الشرب في إناء مضبب بذهب أو فضة قد تكون الضبة أكثر حجم الأناء، وأظهره وأكثره على جواز الشرب باليد فيها الخاتم، وأقل الناس تفكيراً يدرك الفرق بين يد فيها خاتم فضة يأكل ويشرب بها، أن ذلك ليس استعمالا لآنية فضة، وبين إناء ضبب أو خلط فيه الذهب بغيره سبكا، وليتهنَّ الذين يشربون ويأكلون في أواني الذهب والفضة بما أضيف سبكا إليها من نحاس قليل للصلابة والقوة أنهم يستعملون ما يباح، كالاغتراف بيد فيها خاتم فضة، أما من ليس لهم هذه العقول الجبارة فيحمدون الله تعالى على نعمته عليهم بعدم هذه العقول الجبارة التي أباحت لهم هذه الأواني المنهي عنها. وأسند ص ١٥٤: عنِ المذكور بسنده إلى علي بن المديني يقول: حدثت أن رجلا من القواد تزوج امرأة سراً فولدت منه، ثم جحدها، فحاكمته إلى ابن أبي ليلى، فقال لها: هات بينة على النكاح، فقالت: إنما تزوجني على أن الله الولي، والشاهدان الملكان، فقال لها: اذهبي وطردها فأتت المرأة أبا حنيفة مستغيثة، فذكرت له، فقال: لها ارجعي الى ابن أبي ليلى فقولي له: إني قد وجدت بينة، فإذا هو دعا به ليشهد عليه، قولي: أصلح الله القاضي، يقول هو كافر بالولي والشاهدين، فقال له ابن أبي ليلى ذلك فنكل ولم يستطع أن يقول ذلك، وأقر بالتزويج (التزوج) فألزمه المهر وألحق به الولد اهـ أقول: إذا تجاوزنا ما صيغت به الحكاية للاشادة بذكاء أبي حنيفة وفطنته وإنقاذه

стр. 144

لحرج الموقف، ونفع هذه الخدن الموطؤوة سراً بلا وليٍ ولا شهود ولا مهر حتى حملت ووضعت. إذا تجاوزنا عن هذا كله فالعجب من تصوير الحكاية بحيث يخفى على قاضي الكوفة ابن أبي ليلى أن النكاح باطل ولو اعترف به الواطىء المتخذ خِدْناً لخلوه من ولي وشاهدين شرطتها الأحاديث وظاهر القرآن، كحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) (١) ، (والسلطان ولي من لا ولي له) (٢) ، وحديث: (البغي أو العاهر هي التي تزوج نفسها) (٣) ، وحديث: (البكر تُستأذن والأيم تُستأمر) (٤) وقول الله تعالى: "وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" (٥) فخاطب الأولياء بالنهي عن العضل لأنهم هم الذين بيدهم أمر إبرام النكاح وعقده. وما أدري ماذا كانت فائدة هذه الحيلة إذا كان الواطىء المخادن لبقاً فاجاب القاضي: اني أومن بالله وملائكته، ولكن الله تعالى لم يشرع نكاحاً ليس فيه وليّ ولا شهود من الآدميين وجحد وطء المرأة، أفما كان عليها الرجم أو على الأقل التعزير. ثم الذين يقولون بمقتضى هذه الحكاية هل لنا أن يسألهم عن الفرق بين هذا النكاح المدعى صحته، وبن سفاح المخادنة السري وما يسمى في هذا العصر بخادمة السرير (كمريره) وقصة الخليعة انجريد السويدية وولادتها ولداً من سفاح ومن عشيق طلياني اعترف بولدها منه وأمثالها كثير، وكثير لا يحصى، تذكره الصحف الناشرة للخلاعة عن الأفرنج ومن سار على منهجهم في الفسوق والفجور. هل هناك فرق ديني من كتاب أو سنة بيئ هذه الأنواع من الفسق والفجور والمخادنة، وبن هذا النكاح الذي صورته الحكاية صحيحاً عن أبي حنيفة وألزم به القاضي بزعمه، وساقوا حكايته

стр. 145

لاثبات عبقرية أبي حنيفة (١) وأسند ابن عبد البر ص ١٥٧ إلى حكام بن سلم قيل لأبي حنيفة إن العزرمي يقول: "سافرت عائشة مع غير محرم " فقال أبو حنيفة: وما يدري العزرمي ما هذا؟ كانت عائشة أم المؤمنن كلهم، فكانت من كل الناس ذات محرم اهـ ولا أدري هل كان العزرمي يلتزم جميع لوازم الأمومة من خلوة وكشف زينة وتوارث، أم يقتصر بها على الحرمة، حرمة الزواج بها المنصوصة في القرآن، والاحترام والمودة فقط. وما لنا نسأل العزرمي، وإنما نسال مصور الحكاية هل هذه الأمومة حرمت أخوات أمهات المؤمنن وبناتهن على المؤمنين، وأجازت لهن الخلوة وكشف الزينة على المؤمنن، فضلا عن قسمة ما يملكنه تعد موتهن على أبنائهن المؤمنين الخ. أما سفر عائشة ﵂ بغير محرم فلها عند الله عذر وتأويل نتركه لها. ولها عندنا من الحسنات ما يغطي ذلك. وأسند ص ١٥٨: عن زفر بن الهذيل قال: اجتمع أبو حنيفة، وابن أبي ليلى وجماعة من العلماء في وليمة لقوم، فأتوهم بطيب في مدهن فضة، فأبوا أن يستعملوه لحال المدهن، فأخذه أبو حنيفة وسلته باصبعه وجعله في كفه، ثم تطيب به. وقال لهم: ألم تعلموا أن أنس بن مالك أُتي بخبيص في جام فضة فقلبه على رغيف ثم أكله! فتعجبوا من فطنته وعقله اهـ. وعجبي من مصور الحكاية أن يفوته أن أخذ أبي حنيفة للمدهن وسلت الطيب منه، هو استعمال للمدهن الفضة واقرار لهذا الاستعمال، فإذا قصد بها ذكر ذكاء أبب حنيفة، فقد حطه في الفهم والورع من حيث لا يشعر، فتناول آنية فضة وإخراج ما فيها، هو استعمال لا يخفى على من دون أبي حنيفة.

стр. 146

وأما استشهاده بقصة أنس فانا نطلب ممن وقف عليها مسندة في غير هذه الحكاية أن يتحفنا بها، لكن لا من طريق ابن الثلجي، ولا الحسن اللؤلؤي وأمثالهما، ولا أن تكون بسند فيه أبو حنيفة لأنها ادعيت لذكائه، فالتهمه فيها ظاهرة. وأسند ابن عبد البر ص ١٥٩: إلى حمزة بن عبد الله الخزاعي: أن أبا حنيفة هرب من بيعة المنصور (مع) جماعة من الفقهاء، قال أبو حنيفة: لي فيهم أسوة، فخرج مع أولئك الفقهاء، فلما دخلوا على المنصور أقبل على أبي حنيفة وحده من بينهم، فقال له: أنت صاحب حيل، فالثه شاهد عليك، أنك بايعتني صادقاً من قلبك، قال: الله يشهد عليّ حتى تقوم الساعة، قال: حسبك. فلما خرج أبو حنيفة قال له أَصحابه: حكمت على نفسك ببيعته حتى تقوم الساعة، قال: إنما عنيت حتى تقوم الساعة من مجلسك إلى بول أو غائط أو حاجة أو حتى يقوم من مجلسه ذلك. اهـ والعجب لحاكي الحكاية أن يخفى عليه حديث: "يمينك على ما يصدقك عليه خصمك لما (١) لعله لا يصدق به، وإن كان في الصحيح - صحيح مسلم- لأنه ليس على شرط أصحاب العقلية الجبارة، فلعله عندهم شاذ أو مرفوض بالرأي الحسن والأصول التي أصلها صاحب العقلية الجبارة. فأبو جعفر المنصور فهم من عهد أبي حنيفة، واشهاد الله عليه التأييد من قوله: (حتى تقوم الساعة) وهو الفهم المتبادر من أمثال هذا التعبير، وأبو حنيفة قصد إلى فهم بعيد خفي لا يدل عليه سياق ولا قرينة ولا شاهد حال. وبعد فلو فتحنا هذا الباب من التلاعب بالألفاظ والكنايات الخفية لما استقام للناس عهد ولا عقد ولاخْتَلَّتْ معاملاتهم وعقودهم ولم يبق اطمئنان ولا ثقة بعهد ولا عقد ولا قسم، وخذ ما شيءت من الفوضى ومرج العهو د ما شيءت في ذلك، ولوخرج

стр. 147

أبوحنيفة على أبي جعفر المنصور بناء على ما أخفاه في قلبه من تقييده بيعته بمجلسه إلى أن يقوم لبول أو غائط، وظفر به المنصور بعد خروجه عليه وصلبه- منفذاً فيه حكم الخوارج- لما كان ملاماً عند الله تعالى، لأنه عاقب خارجاً ناكثاً ببيعته أعطاها مع القسم، واشهاد الله تعالى على أبديتها بكلام فهم منه المنصور ذلك، وفهم منه الحاضرون ذلك؛ ولو استشهد المنصور الحاضرين لشهدوا أنه بايعه بيعة أبدية ولا ينفع أبا حنيفة- لا عند الله ولا عند الناس- أنه قصد بقوله: (حتى تقوم الساعة) قيام المنصور لبول أو غائط من مجلسه ذلك لأنه قَصْد خفي مستز لا تدل عليه العبارة ولا شواهد الحال ولا قرينة صارفة عن الظاهر المتبادر الذي فهمه المنصور والحاضرون معه في المجلس، والذي يفهمه كل ذي فهم مستقيم لم ينحرف عن الجادة بهذه الحيل. وحديث: (في المعاريض غنية للبيب عن الكذب) (١) لا يدخل في نطاقه العهو د والمواثيق والأيمان والعقود والخصومات، لأنه في باب الأخبار إبعاداً للكذب عنها بالمعاريض، لا في باب الانشاء للعقود والعهو د، وإلا فقل في فساد العقود والمعاملات ما شيءت إذا اعتبرنا هذه الحيلة السخيفة وذلك التلاعب الصبياني وذلك التحريف المكشوف. (٢) وإذا سألنا أصحاب العقول الجبارة عن متعاقديْن على إيجار بستان أو مزرعة عشر سنين مثلا، وبعد ذلك اختلفوا، فقال المؤجر: أردت بعشر سنين أي جدبة قاحلة، ولكنا الآن في أعوام خصبة هاطلة. وقال المستأجر: بل عقدت معك على عشر سنين ظرفاً للإيجار تقدر بالأيام والأسابيع والشهو ر، ولم نرد منها صفتها من خصب أو جدب، فهل تحكمون للمؤجر الملتوي بنية لا دليل عليها، أم للمستأجر المتمسك بدلالة الكلام وعرفه وظاهره وما يفهمه الناس في أمثال هذه العقود؟

стр. 148

وكذلك لو تعاقد الولي والزوج بلفظ: "أنكحتك بنتي أو أختي" وقال الأخر: قبلت. ثم اختلفا، فقال الولي: أردت "بأنكحتك " من تناكحت الأشجار تمايل بعضها إلى بعض. "وبأختي" في الإسلام أو الانسانية، فأميلك اليها أو أميلها إليك مرة على وجه المداعبة والتحل من العقد، وقال الأخر: فهمت من النكاح ما يعرفه الناس جميعاً من عقد زوجية تحل بها المعاشرة والتمتع والاستيلاد والتوارث الخ ما يبيحه عقد الزواج والنكاح. فهل يحكم ذوو العقول الجبارة لالتواء الولي أو لصراحة المتزوج وهكذا؟ ولقد أذكرتني هذه العقلية الجبارة ما استسخفه الغزالي في إحيائه مما نقل عن أهل الحيل أن أحدهم يهب مائة لزوجته أو غيرها قبل الحول بيوم ثم يسترده منها بعده بيوم فتسقط عنه الزكاة التي قاتل الصديق مانعيها، فهذا السخف والتلاعب بدين الله تعالى الذي نفَر الناس من هذا الهزء فأنكروا ديناً يجىء بهذا التلاعب، وليتهم لا تبلغهم هذه الحكاية عن أبي حنيفة مع المنصور، أو ليتهم إذا بلغتهم يكذبونها ولا يصدقون أن ينسسب لإمام من المسلمين متبوع فيهم أن يصدرمنه مثل هذا الهراء. كما أذكرني الاحتيال على استعمال مدهن الفضة بحيلة صبيانية ما كنت سمعته عن حضور رهط من العلماء إلى مجلس بعض الخديوين أمير مصر أنهم زاروهُ وِصُبَّتْ لهم القهو ة في فناجين تحمل على ظروف ذهبية، فلما اعتُرض على من شرب منهم في ذلك أجاب أنه كان يرفع الفنجان الصيني بأصبعيه عن ظرفه الذهبي، فلم يكن بذلك مستعملا لآنية الذهب. فليت هذا التخلص يعرض على شاشة بيضاء لرواية هزلية مسلية للأطفال والنساء، لا عبقرية علم نحرير يتقي الله تعالى في امتثال أوامره في تحريم أواني الذهب والفضة، فلا يحتال عليها بأمثال هذه المضحكات. هذا وستجد في الكتاب المذكور (انتقاء ابن عبد البر) مناقشات لقتادة وعطاء، ولما نقل عن ابن عباس استدراكا عليه رأيت الإعراض عنها خيراً من الاشتغال بها، وعناء مناقشتها، فالوقت أنفس من ذلك كله، والزمن يخطو خُطىً سريعة ونحن نيام أو أموات.

стр. 149

وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه "قيام الليل" في باب ذكر الوتر بثلاث عن الصحابة والتابعين ص ١٢٣: طبعه عبد التواب الملتاني ﵀ بالهند بعد ما ذكر الروايات في ذلك عن الصحابة والتابعين؛ ثم قال: وزعم النعمان- يعني أبا حنيفة- أن الوتر بثلات ركعات لا يجوز أن يزاد على ذلك ولا ينقص منه، فمن أَوْتَر بواحدة فوتره فاسد، والواجب عليه أن يعيد الوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن، فإن سلم في الركعتين بطل وتره، وزعم أنه ليس للمسافر أن يوتر على دابته، لأن الوتر عنده فريضة، وزعم أن من نسي الوتر فذكره في صلاة الغداة- أي الصبح- بطلت صلاته وعليه أن يخرج منها فيوتر ثم يستأنف الصلاة، وقوله هذا خلاف للأخبار الثابته عن رسول ﷺ وأصحابه، وخلاف لما أجمع عليه أهل العلم، وإنما أتى من قلة معرفته بالأخبار وقلة مجالسته للعلماء. سمعت إسحاق بن ابراهيم- يعني ابن راهويه شيخ الجماعة- يقول: قال ابن المبارك: كان أبو حنيفة يتيما في الحديث (أي بخلاف رواية ابن عبد البر تهيما من التهمة) حدثني علي بن سعيد النسوي، قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: هؤلاء أصحاب أبي حنيفة ليس لهم بصر بالحديث ما هو إلا الجرأة. قال محمد بن نصر فاحتج له بعض من يتعصسب له ليموِّه على أهل الغباوة والجهل الخ ما ساق من المناقشة إلى أن قال: ولم نجد في شيء من الأخبار أنه ﷺ قضى الوتر، قال: وزعم النعمان- يعني أبا حنيفة- في كتابه أن النبي ﷺ قضى الوتر في اليوم الذي نام فيه عن الفجر حتى طلعت الشمس، فزعم أنه أوتر قبل أن يصلي ركعتي الفجر، ثم صلى الركعتين، وهذا لا يعرف في شيء من الأخبار. اهـ ما أردت نقله ولا أريد أن أعلق عليه. * * * قد فرغنا مما أحوجنا إلى كتابته محب جاهل غالى في رجل من المسلمن نظن به الخير وأنه لا يحب هذا الغلو الممقوت فيه، وأنه قدم على الله تعالى هو وخصومه يحكم بينهم "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (١)

стр. 150

وليس علينا إلا الاهتداء بهديهم والدعاء لهم بالغفران والرحمة، وأدعو لله تعالى بهذا الدعاء المأثور: "اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل (فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون) (١) ، اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ويقول اللة تعالى عن خيار عباده المؤمنين: " وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد النبي الأميّ خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم الى يوم الدين.

стр. 151

ترجمة المؤلف رحمه الله تعالى (١) بقلم عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلمي العتمي اليماني. ولد في أول سنة ١٣١٣هـ بقرية (المحاقرة) من عزلة (الطفن) من مخلاف (رازح) من ناحية (عتمة) في اليمن، وكفله والداه، وكانا من خيار تلك البيئة، وهي بيئة متدينة وصالحة، ثم قرأ القرآن على رجل من عشيرته وعلى والده قراءة متقنة مجودة، وقبل أن يختم القرآن ذهب مع والده إلى (بيت الريمي) حيث كان أبوه يمكث يعلم - أولادهم ويصلي بهم. ثم سافر إلى (الحجرية) حيث كان أخوه الأكبر محمد بن يحيى ﵀ كاتباً في محكمتها الشرعية وأدخل في مدرسة للحكومة كان يعلم فيها القرآن والتجويد والحساب واللغة التركية (٢) فمكث مدة فيها، ومرض مرضاً شديداً، فحوله أخوه إلى بيت أرملة هناك فمرضته حتى شفاه الله تعالى بوصفة بلدية من رجل من أهل الصلاح هناك، ثم جاء والده إلى (الحجرية) ، وسأله عما قرأ؟ فأخبره، فقال له: والنحو؟ فأخبره أنه لم يقرأ النحو، لأنه لا يدرس في المدرسة، فكلم أخاه وأوصاه بقراءة النحو، فقرأ عنده شيئاً من (شرح الكفراوي) على (الأجرومية) نحو أسبوعين. ثم سافر مع والده.

стр. 152

ثم اتجهت رغبته إلى قراءة النحو؛ فاشترى بعض كتب النحو فلما وصل (بيت الريمي) وجد رجلاً يدعى أحمد بن مصلح الريمي فصارا يتذكران النحو في عامة أوقاتهما، مستعينين بتفسيري الخازن والنسفي، وأخذت معرفته تتقوى حتى طالع (المغني) لابن هشام نحو سنة، وحاول تلخيص بعض فوائده المهمة في دفتر، وحصلت له ملكة لا بأس بها. ثم ذهب إلى بلده (الطفن) ورأى ورأى والده أن يبقى هناك مدة ليقرأ على الفقيه العلامة الجليل أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي - وكان متبحراً في العلم، فلازمه ملازمة تامة، وقرأ عليه الفقه والفرائض والنحو. ثم عاد إلى (بيت الريمي) وانكب على كتاب (الفوائد الشنشورية) في الفرائض بحل مسائله، ويعرض مسائل أخرى ويحاول حلها ثم امتحانها وتطبيقها. وقرأ (المقامات) للحريري (١) وبعض كتب الأدب فأولع بالشعر فقرضه، فجاء أخوه من (الحجرية) فأعجبه تحصيله في النحو والفرائض فتركه وسافر إلى (الحجرية) ، ثم استقدمه فسافر إليها، وبقي هناك مدة لا يستفيد فيها إلا حضوره بعض مجالس يتذاكر فيها الفقه. ثم رجع إلى (عتمة) وكان القضاء قد صار إلى الزيدية (٢) وعين الشيخ علي بن مصلح الريمي كاتباً للقاضي، فأنابه، فلزم القاضي الذي هو السيد علي بن يحيى بن المتوكل (وكان رجلاً عالماً فاضلاً معمراً إلا أنه لم يقرأ عليه شيئاً ولا أخذ منه إجازة) ثم عين بعده القاضي السيد محمد بن علي الرازي وكتب عنه مدة. وله إجازة من صدر شعبة الدينيات وشيخ الحديث في كلية الجامعة العثمانية بـ (حيدر آباد الدكن) الشيخ عبد القدير محمد الصديقي القادري قال فيها بعد البسملة والحمد لله والصلاة على النبي الأعظم صلوات الله عليه: ((إن الأخ الفاضل والعالم العامل الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني قرأ علي من ابتداء ((صحيح البخاري)) و ((صحيح مسلم)) ، واستجازني ما رويته

стр. 153

عن أساتذتي، ووجدته طاهر الأخلاق طيب الأعراق، حسن الرواية جيد الملكة في العلوم الدينية، ثقة عدلاُ، أهلاً للرواية بالشروط المعتبرة عند أهل الحديث، فأجزته برواية ((صحيح البخاري)) و ((صحيح مسلم)) و ((جامع الترمذي)) )) و ((سنن أبي داود)) و ((ابن ماجه)) و ((النسائي)) و ((الموطأ)) لمالك ﵃. حرر بتاريخ ١٣ - القعدة - سنة ١٣٤٦هـ)) أعماله: ثم ارتحل إلى (جيزان) سنة ١٣٢٩ والتحق بها في خدمة السيد محمد الإدريسي أمير (عسير) حينذاك، فولاه رئاسة القضاة، ولما ظهر لم من ورعه وزهده وعدله لقبه بـ (شيخ الإسلام) ؛ وكان إلى جانب القضاء يشتغل بالتدريس، ومكث مع السيد محمد الإدريسي حتى توفي الإدريسي سنة ١٣٤١هـ فارتحل إلى (عدن) ومكث فيها سنة مشتغلاً بالتدريس والوعظ. وبعد ذلك ارتحل إلى (الهند) وعين في دائرة المعارف العثمانية بـ (حيدر أباد الدكن) مصححاً لكتب الحديث وما يتعلق به وغيرها من الكتب في الأدب والتاريخ. وبقي بها مدة ثم سافر إلى مكة المكرمة ووصل إليها في عام ١٣٧١هـوفي عام ١٣٧٢هـفي شهر ربيع الأول منه بالذات عين أميناً لمكتبة الحرم المكي الشريف حيث بقي بها يعمل بكل جد وإخلاص في خدمة رواد المكتبة من المدرسين وطلاب العلم حتى أصبح موضع الثناء العاطر من جميع رواد المكتبة على جميع طبقاتهم

стр. 154

بالإضافة إلى استمراره في تصحيح الكتب وتحقيقها لتطبع في دائرة المعارف العثمانية بالهند، حتى وافاه الأجل المحتوم صبيحة يوم الخميس السادس من شهر صفر عام ألف وثلاثمائة وستة وثمانين من الهجرة بعد أن أدى صلاة الفجر في المسجد الحرام وعاد إلى مكتبة الحرم حيث كان يقيم وتوفي على سريره. ﵀. مؤلفاته وما حققه من كتب: مؤلفاته: - المطبوع منها: ١- ((طليعة التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)) . ٢- ورسالة في مقام إبراهيم وهل يجوز تأخيره. ٣- و ((الأنوار الكاشفة بما في كتاب ((أضواء على السنة)) من الزلل والتضليل والمجازفة)) ٤- ومحاضرة في كتب الرجال وأهميتها ألقيت في حفل ذكرى افتتاح دائرة المعارف بالهند عام ١٣٥٦هـ. مؤلفاته المخطوطة: ((التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)) في مجلدين تحت الطبع. و ((إغاثة العلماء من طعن صاحب الوراثة في الإسلام)) . ورسائل أخرى في مسائل متفرقة لم يسمها (١) . وديوان شعر وآخر ما قال في الشعر القصيدة التي رثا بها جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ والتي نشرت في (المنهل) العدد (٥٣) من السنة الرابعة عشرة. أما الكتب التي قام بتحقيقها وتصحيحها والتعليق عليها فهي: ١- التاريخ الكبير للبخاري إلا الجزء الثالث.

стр. 155

٢- وخطأ الإمام البخاري في تاريخه لابن أبي حاتم الرازي. ٣- وتذكرة الحفاظ للذهبي. ٤- والجرح والتعديل لابن حاتم الرازي أيضاً. ٥- وكتاب موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي. ٦- والمعاني الكبير في أبيات المعاني لابن قتيبة. ٧- والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني. ٨و٩- وآخر ما كان يقوم بتصحيحه كتاباً ((الإكمال)) لابن ماكولا و ((الأنساب)) للسمعاني، وصل إلى خمسة أجزاء، تم طبعها وشرع في السادس من كل منهما حيث وافاه الأجل المحتوم.. هذا بالإضافة إلى اشتراكه في تحقيق وتصحيح عدد من أمهات كتب الحديث والرجال وغيرها مع زملائه في دائرة المعارف العثمانية بـ (حيدر أباد) بـ (الهند) . وأهمها ((السنن المبرى)) للبيهقي، و ((مسند أبي عوانة)) و ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي و ((صفة الصفوة)) لابن الجوزي و ((المنتظم)) لابن الجوزي أيضاً، و ((الأمالي الشجرية)) : ١- مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم للمولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده طبعة أولى (١) . ٢- تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر لكمال الدين أبي الحسن الفارسي. ٣- الأمالي اليزيدية (فيها مراث وأشعار وأخبار ولغة وغيرها) . ٤- عمدة الفقه لموفق الدين ابن قدامه (قابل الأصل وصححه وعلق عليه) . ٥- كشف المخدرات لزين الدين عبد الرحمن بن عبد الله المعلى ثم الدمشقي. ٦- شرح عقيدة السفاريني. ٧- موارد الظمآن إلى زوائد صحيح بن حبان.

стр. 156

٨- الجواب الباهر في زور المقابر. لابن تيمية (شارك في تحقيقه وإخراج أحاديثه) . ٩- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. لابن حجر العسقلاني. ١٠- نزخة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر. لعبد الحي بن فخر الدين الحسيني. وغير ذلك ﵀ وأسكنه فسيح جناته.

стр. 157

مقدمة الطبعة الأولى بقلم: محمد ناصر الدين الألباني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه وحده أستعين الحمد لله، والصلاة والسلام على رَسُولُ اللهِ، وآله وصحبه وإخوانه أجمعين. أما بعد: فإني أقد اليوم إلى القراءِ الكرام كتاب ((التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)) تأليف العلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى بن علي اليماني رحمه الله تعالى (١) ، بين فيه بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة تجني الأستاذ الكوثري على أئمة الحديث ورواته، ورميه إياهم بالتجسيم والتشبيه، وطعنه عليهم بالهوى والعصبية المذهبية، حتى لقد تجاوز طعنه إلى بعض الصحابة، مصرحاً بأن أبا حنيفة ﵀ رغب عن أحاديثهم! وأن قياسه مقدم عليها! فضلاً عن غمزه بفضل الأئمة وعلمهم، فمالك مثلاً عنده ليس عربي النسب بل مولى! والشافعي كذلك، بل هو عنده غير فصيح في لغته، ولا متين في فقهه. والإمام أحمد غير فقيه عنده! وابنه عبد الله مجسم، ومثله الأئمة ابن خزيمة وعثمان بن سعيد الدارمي وابن أبي حاتم، وغيرهم، والإمام الدارقطني عنده أعمى ضال في

стр. 158

المعتقد، متبع للهوى، والحاكم شيعي مختلط اختلاطاً فاحشاً!!! وهكذا لم يسلم من طعنه حتى مثل الحميدي، وصالح بن محمد الحافظ وأبي زرعة الرازي وابن عدي وابن أبي داود والذهبي وغيرهم! ثم هو إلى طعنه هذا يضعف الثقات من الحفاظ والرواة، وينصب العداوة بينهم وبين أبي حنيفة لمجرد روايتهم عنه بعض الكلمات التي لا تروق لعصبية الكوثري وجموده المذهبي. وهو في سبيل ذلك لا يتورع أن يعتمد على مثل ابن النديم الوراق وغيره ممن لا يعتد بعلمه في هذا الشأن. وهو على النقيض من ذلك يوثق الضعفاء والكذابين، إذا رووا ما يوافق هواه! وغير ذلك مما سترى تفصيله في هذا الكتاب بإذن الله. ومنه يتبين للناس ما كان خافياً عليهم من حقيقة الكوثري، وأنه كان يجمع في نفسه بين صفتين متناقضتين: فهو في الفقهيات وعلم الكلام مقلد جامد، وفي التجريح والتعديل، والتوثيق والتضعيف، وتصحيح الحديث وتوهينه، ينحو منحى المجتهد المطلق، غير أنه لا يلتزم في ذلك قواعد أصولية، ولا منهجاً علمياً! فهو مطلق عن كل قيد وشرط! لذلك فهو يوثق في من شاء من الرواة ولو أجمع أئمة الحديث على تكذيبه، ويضعف من شاء ممن أجمعوا على توثيقه، ويصرح بأنه لا يثق بالخطيب وأبي الشيخ ابن حيان ونحوهما، ويضعف من الحديث ما اتفقوا على تصحيحه، ولو كان مما خرجه الشيخان في ((صحيحهما)) ولا علة قادحة فيه. ويصحح ما يعلم كل عارف بهذا العلم أنه ضعيف بل موضوع مثل حديث ((أبو حنيفة سراج أمتي)) ! إلى غير ذلك من الأمور التي ستتجلى للقارئ الكريم، مبرهناً عليها من كلام الكوثري نفسه في هذا الكتاب العظيم، بأسلوب علمي متين، لا وهن فيه، ولا خروج عن أدب المناظرة، وطريق المجادلة بالتي هي أحسن، بروح علمية عالية، وصبر على البحث والتحقيق كاد يبلغ الغاية، إن لم أقل: بلغها. كل

стр. 159

ذلك انتصاراً للحق، وقمعاً للباطل، لا تعصباً للمشايخ والمذهب، فرحم الله المؤلف، وجزاه عن المسلمين خيراً. هذا. وقد قمت على طبع الكتاب برغبة من فضيلة الشيخ محمد نصيف بارك الله في حياته، وعلقت عليه في بعض المواطن التي رأيت من الفائدة التعليق عليها، وميزت هذه التعليقات بالرمز لها بـ (ن) . وفي القسم الرابع من الكتاب تعليقات أخرى بقلم فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة حفظه الله تعالى (١) ، رمزت لها بـ (م ع) ، وقد أصرح باسمه، وما كان من التعليقات خلواً عن الرمز فهي للمؤلف على الغالب وكان فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق قد ألحق بقلمه بعض الجمل بأصل الكتاب بالحبر الأحمر، فنزلت بها إلى التعليق عازباً لها إليه وقد لا أفعل، فأجعلها بين معكوفين «» ، وإنما فعلت ذلك لأن الأمانة العلمية تقتضي ذلك ولأن ذلك رغبة المؤلف كما جاء على الوجه الأول من القسم المشار إليه ونصه. ((يقول المؤلف: إذا علق أحد على كتابه فليكن التعليق منفصلاً عن كلامه وعليه توقيعه)) . وكتب الشيخ عبد الرزاق حمزة تحته ما نصه: ((قرأت الكتاب المذكور (القائد إلى تصحيح العقائد) وعلقت عليه بعض تعليقات بالقلم الأحمر في أسفل بعض الصفحات، ولم أصحح في صلبه سوى بعض كلمات وقعت غلطاً في آيات قرآنية، سهو اً من الكاتب، وللمؤلف حواش مذيلة بلفظ ((المؤلف)) وما لم يذيل بهذا اللفظ فهي تعليقاتي أنا محمد عبد الرزاق حمزة، لي غنمها، وعلي غرمها وتبعتها. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد ذيلت على الكتاب بآخره تذييلاً نافعاً إن شاء الله تعالى. محمد عبد الرزاق حمزة)) (٢) . وأقول: قد وقع في الكتاب وذيله والتعليق عليه بعض الألفاظ، صححتها،

стр. 160

ونبهت على الأصل فيها ما أمكن، وسقطت بعض الألفاظ من بعض الآيات القرآنية في الذيل فأشرت إليها بجعلها بين معكوفين «» ، وقد يقع مثله في الكتاب أيضاً. والسهو من طبع الإنسان. وجل من لا يضل ولا ينسى. وإن مما يلفت النظر ويدل على فضل المؤلف رحمه الله تعالى وإنصافه أنه أذن لفضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق بالتعليق على كتابه ونقده فيما يراه منتقداً منه. وقد تعقبه المؤلف في بعض المواطن، وكان الصواب حليفه في الغالب، وسكت في غيرها، مما زاد في قيمة الكتاب وفائدته، فجزى الله المؤلف والمعلق خيراً. ثم إنه والكتاب على وشك تمام طبعه، جاءني كتاب من فضيلة الشيخ محمد نصيف يبدي فيه رغبته بأن نعيد طبع رسالة ((طليعة التنكيل)) للمؤلف رحمه الله تعالى، وهي بمثابة المقدمة لهذا الكتاب ((التنكيل)) فوافق ذلك ما كان في نفسي من الرأي، وكنت صرحت به لفضيلته حين عرض علي القيام على طبع الكتاب، ولكن الشيخ حفظه الله وبارك فيه - لم ينشط لذلك يومئذ، وما قدر يكن. إن طبع ((الطليعة)) مع أصله ((التنكيل)) أمر هام لأنها أولاً كالمقدمة بالنسبة إليه كما ذكرنا. وثانياً: أن المؤلف يحيل عليها في الكتاب كثيراً، ويشير إلى صفحاتها بالأرقام من الطبعة الأولى منها، فقد كان الأنفع طبع الكتاب قبل الرسالة لنصحح الأرقام منه على وفق الطبعة الجديدة، ولكن هكذا قدر. وتداركا لما فات، فقد وضعت أرقام صفحات الطبعة الأولى على هامش هذه الطبعة تيسيراً على الطالب، واضعاً رقم كل صفحة بجانب السطر الذي فيه أول كلمة منها مشيراً إليها بوضع محور / أمامها. فما على القارئ إلا أن يتتبع رقم الصفحة المحال عليها من الهامش فيجد البحث المنشود. وقد اعتمدت في هذه الطبعة على الطبعة الثانية منها وذلك لأمرين: الأول: أنه كان وقع في الطبعة الأولى بعض الأخطاء نبه على أكثرها المصنف رحمه

стр. 161

الله فيما سيأتي من ((التنكيل)) (١/١٠١ و٢٧١) (١) ، وذكر فيه آيات وتصحيحات ينبغي إلحاقها بـ (الطليعة) فاستدركها المؤلف في الطبعة الثانية، إلا جملة واحدة في سطور استدركتها أنا في هذه الطبعة، كما ستراه ص (٢٠) (٢) . والأمر الآخر: أن الطبعة الأولى كان قد أدرج فيها في المتن ولتعليق ما ليس من كلام المصنف رحمه الله تعالى، بخلاف الطبعة الثانية، فقد جاء على الوجه الأول منها: طبع للمرة الثانية بعد المقابلة على الأصل الذي كتبه المؤلف، وإخراج ما أدرج في الطبع الأولى من غير كلامه في المتن أو الحاشية)) . قلت: فهي طبعة منقحة ومزيدة بالنسبة إلى الأولى، وطبعتنا هذه امتازت بكونها أشد تنقيحاً وأكثر فائدة. هذا. ولعل من الحكمة في تقدير الله طبع الرسالة بعد الكتاب، أننا تمكنا فيها من استدراك تعليق هام على موضع من ((التنكيل)) لك يتيسر لنا تعليقه هناك، فاستدركناه هنا كما ستراه في ((الرسالة)) (ص ٣٣) (٣) . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأخيراً، أسأل الله تعالى أن ينفع المسلمين بهذا الكتاب، ويعرفهم بأثر أهل الحديث في خدمة الشريعة، ويجزي المؤلف والمعلق والمنفق على طبعه خير الجزاء، إنه خير مسؤول. دمشق ٢١ رمضان سنة ١٣٨٦ محمد ناصر الدين الألباني.

стр. 162

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل تأليف: العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني (١٣١٣ - ١٣٦٨) الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م مع تخريجات وتعليقات عبد الرزاق حمزة - محمد ناصر الدين الألباني - زهير الشاويش الجزء الأول المكتب الإسلامي

стр. 163

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ» . أما بعد: فهذا كتاب (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) . تعقبت فيه ما انتقدته من كتاب (تأنيب الخطيب) للأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري مما يتعلق بالكلام في أئمة السنة ورواتها، غير عامد إلى ذب عن الإمام أبو حنيفة ولا خلافه، ورتبته إلى أربعة أقسام: الأول: في تحرير قواعد خلط فيها الأستاذ. الثاني: في تراجم الأئمة والرواة الذين تكلم فيهم الأستاذ وأفراد حاول الدفاع عنهم. الثالث: في النظر في مسائل فقهية تعرض لها.

стр. 164

الرابع: في تثبيت عقيدة السلف التي طعن الأستاذ فيها وفي المعتصمين بها، ومسائل اعتقادية تعرض لها. وقد قدمت قبل هذا نموذجاً من مغالطاته طبع بمصر بعنوان (طليعة التنكيل) (١) وأجاب عنها برسالة سماها (الترحيب بنقد التأنيب) سأنظر فيما يُلتفت إليه مما فيها في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وأسال الله التوفيق. وأقدم فصولاً:

стр. 165

الفصل الأول المقصود الأهم من كتابي هذا هو رد المطاعن الباطلة عن أئمة السنة وثقات رواتها والذي اضطرني إلى ذلك أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها ومعرفة العربية وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه إنما مدارها على النقل على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ وأضر بهم، فالطعن فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كله، بل في الدين من أصله. وحسبك أنَّ المقرر عند أهل العلم أنه إذا نقل عن جماعة من الصحابة القول بتحريم شيء ولم ينقل عن أحد منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قول بالحل، عد ذاك الشيء مجمعا على حرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حله، فإن ذهب إلى حله غافلاً عن الإجماع كان قوله مردوداً، أو عالماً بالإجماع فمن أهل العلم من يضلله، ومنهم من قد يكفره. لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قول بحل ذلك الشيء كانت المسألة خلافية لا يحظر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذلك الصحابي، أو بقول مفصل يوافق هذا في شيء، وذاك في شيء، ولا يحرم على المقلد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل إما على سبيل الترجيح والاختيار إن كان أهلاً، وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه. وثبوت ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقف على ثقة رجال السند إليه، والعلم بثقتهم يتوقف على توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل لكل منهم، والاعتداد بتوثيق الموثق يتوقف على العلم

стр. 166

بثقته في نفسه وأهليته، ثم على صحة سند التوثيق إليه، وثقته في نفسه تتوقف على أن يوثقه ثقة عارف، وصحة سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والثقة لرجاله، وهلم جراً. والسعي في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق أو الطعن فيه بغير حق سعيٌ في إفساد الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه، فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعاً للأمرين كان الأمر أشد جداً كما يعلم بالتدبر، ولولا أن أُنسب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة يترتب على الطعن فيهم - زيادة على محاولة إسقاط رواياتهم - محاولة توثيق جم غفير ممن جرحوه، وجرح جم غفير ممن وثقوه. ففي (التأنيب) الطعن في زهاء ثلاثمائة رجل تبين لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظاً، وجماعة من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟! على أن الأمر لا يقف عندهم فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتهم غير محصورة، فيمكن كل من يهوى رد شيء من النقل أن يبدي تهمة في رواته وموثقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك، بل يعيد (١) الملحدون الإسلام نفسه ذريعة لاتهام كل من روى من المسلمين ما يثبت النبوة والقرآن ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يساورون المتواترات بزعم التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض، لو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعلم أو غير متبوع لهان الخطب، ولكنه من رجل مشهور ينعته أصحابه بأمثال ما كتب على لوح كتابه (تأنيب الخطيب) الذي طبع تحت إشرافه بتصحيحه «تأليف الإمام الفقيه

стр. 167

المحدث، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... » (١) ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة (٢) ، ويتبعه الحنفية وهم كما يقول السواد الأعظم، ويتابعه في الجملة كل من تخالف السنة هواه من غلاة المقلدين وأتباع المتكلمين وعباد القبور، ويعتضد بكلامه الملحدون. بلى إن في أفاضل علماء الحنفية أنفسهم جماعة يمقتون تصرف الأستاذ، ولكن تصدهم عن رفع أصواتهم بالإنكار عليه موانع هم أعلم بها. والله المستعان.

стр. 168

الفصل الثاني من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل ومن أمضى أسلحته أن يرمي الغالي كل من يحاول رده إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم، ويرى بعض أهل العلم أن النصارى أول ما غلوا في عيسى ﵇ كان الغلاة يرمون كل من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك فكان هذا من أعظم ما ساعد على أن انتشار الغلو لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نسبوا إلى ما هم أشد الناس كراهية له من بغض عيسى وتحقيره، ومقتهم الجمهور، وأوذوا فثبطهم هذا عن الإنكار، وخلا الجو للشيطان، وقريب من هذا حال الغلاة الروافض وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين. وعلى هذا جرى الأمر في هذا القضية فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى طعن في غيره من أئمة الفقه وفي أئمة الحديث وثقات رواته، بل تناول بعض الصحابة والتابعين وأسكت أهل العلم في مصر وغيرها برمي كل من يهم أن ينكر عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته، ولما اطلع الأستاذ على (الطليعة) جرد على صاحبها ذلك السلاح، ومن تصفح (الترحيب) علم أن ذلك، بعد المغالطة والتهويل هو سلاحه الوحيد، فهو يبدئ فيه ويعيد، ونفسه تقول هل من مزيد، ومع ذلك يضطرب، فمن جهة يقول في (الترحيب) ص ١٥: «أخبار الآحاد على فرض ثقة رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلاً عن المتواتر وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأمة بالتواتر» ويقول بعد ذلك: «خبر الآحاد

стр. 169

يكون مردوداً عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد فضلاً عن مصادمته لما تواتر» ويقول ص ١٧ «وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد فيرد حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر على تقدير سلامة رجاله من المآخذ» ويقول ص ٣٩ «من المقدر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا تستلزم صحة المتن» . ويعد حسناتي ذنوباً فيقول ص ٩٩: «وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري (١) في موضوع المسألة لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مسقط فيكون ذكر المتون قاصماً لظهره» وقول ص ٢٥ «ولو كان الناقد ذكر في طلب متنه الخبر المتحدث عنه كان القارئ يحكم بكذب الخبر مجرد سماعه لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاء لحاله» . ومن جهة أخرى يقول ص ١٩ «وعادة أيضاً في مثل تلك الأخبار تطلب ضعفاء بين رجال السند (٢) بادئ ذي بدء ضرورة أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات» ويقول ص ١٩ «ومن المضحك تظاهره بأنه لا يعادي النعمان مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجروح ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها» . وأقول: أما الباعث لي على تعقب (التأنيب) فقد ذكرته في أول (الطليعة)

стр. 170

وتقدم شرحه في الفصل الأول، وهب أن غرضي ما زعمه الأستاذ وأنه يلزم من صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات فلا يخلو كلامي مبيناً على الأصول المألوفة المعروفة، أو يكون على خلاف ذلك، فإن كان الأول فلازم الحق حق، وإن كان الثاني ففي وسع الأستاذ أن يوضح فساده بالأدلة المقبولة، فعلى أهل المعرفة أن يحاكموا بين (طليعتي) و (ترحيبه) حتى يتبين لهم أقام بنقض كلامي بأدلة مقبولة عند أهل العلم أم ردف ما في (التأنيب) من تهويل ومغالطة وتمحل بمثلها ولم يكد يضيف إلى ذلك إلا رمي مؤلف (الطليعة) ببغض أبي حنيفة؟! كأن الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تتقى إلا بالهوى، فأثاره ما استطاع في نفوس أتباعه الذين يهمه شأنهم ليضرب به بينهم وبيم (الطليعة) و (التنكيل) حجاباً لا تمزقه حجة ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدة. والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق ولذلك أهملت ذكر المتون لأنها خارجة عن مقصودي ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد: الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة وهو أن يطلع عليها حنفي متحمس فيحمله ذكر المتن على أن يعرض عن كلامي البتة ولا يستفيد إلا بغض من نسب إليه المتن من الأئمة. الثانية: أن يطلع عليها رجل من خصوم الحنفية فيجترئ بذاك المتن ويذهب يعيب أبا حنيفة غير مبال أصح ذاك المتن أم لم يصح. الثالثة: أن يطلع عليها عامي لا يميز فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم يطعن في بعض ويكبر ذلك عليه ويسيء الظن بهم جميعاً. فإهمال ذكر المتن يمنع هذه المفاسد كلها ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك القضايا الخاصة التي ناقشت فيها الأستاذ. والواقع أيضاً أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذم ولا يلزمني قصد ذلك، ومن تأمل عبارات الأستاذ في الجهة الأخرى بان له صحة قولي. وأزيد ذلك

стр. 171

إيضاحاً وشرحاً وتتميماً فأقول: وعامة مناقشتي للأستاذ إنما هي في بعض رجال تلك الأسانيد وقد وافقته على ضعف جماعة منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقة رجل من رجال السند ثبوت ثقة غيره، بل الأمر أبعد من ذلك، فإن المقالة المسندة، إذا كان ظاهرها الذم أو ما يقتضيه لا يثبت الذم إلا باجتماع عشرة أمور: الأول: أن يكون الرجل المعين الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة. الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد كلهم ثقات. الثالث: ظهور اتصال السند تقوم به الحجة. الرابع: ظهور أنه ليس هناك علة خفية يتبين بها انقطاع أو خطأ أو نحو ذلك مما يوهن الرواية. الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير قد توقع فيه الرواية بالمعنى. السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره. السابع: ظهور أن الذامّ بنى ذمه على حجة لا نحو أن يبلغه إنسان أن فلاناً قال كذا أو فعل كذا فيحسبه صادقاً وهو كاذب أو غالط. الثامن: ظهور أن الذام بنى ذمه على حجة لا على أمر حمله على وجه مذموم وإنما وقع على وجه سائغ. التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذام. العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذم لم يرجع عنه صاحبه. والمقصود بالظهور في هذه المواضع الظهور الذي تقوم به الحجة. وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.

стр. 172

فهذه الأمور إذا اختل واحد منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل. والذي تصديت لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم من تثبيته تثبيت الثاني فضلاً عن الجميع وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني لكن لا يلزم من ذلك تثبيت الثالث فضلاً عن الجميع، وما قد يتفق في بعض المواضع من مناقشتي للأستاذ في دعوى الانقطاع أو التصحيف فالمقصود من ذلك كشف مغالطته ولا يلزم من ذلك تثبيت الأمور كلها، وقد يتهم الأستاذ رجلاً في رواية مع علمه بأنه قد توبع متابعة تبين صدقه في تلك الرواية فيضطرني إلى التنبيه على تلك المتابعة. وقد يشنع على الخطيب بإيراده رواية من فيه كلام في صدد ما زعم أنه المحفوظ عنده، ويتبين لي من سقوط الشناعة من هذه الناحية أما لأنه إنما ذكر رواية ذلك الراوي في المتابعات وأما لأن الراوي إنما غمز بأنه يخطئ أو يهم وليس تلك الرواية مما يخشى فيه الخطأ أو الوهم فاحتاج إلى بيان ذلك. وكل هذا لا يلزم منه تثبيت الأمور كلها وأذكر هنا مثالاً واحداً: قال إبراهيم بن بشار الرمادي: سمعت بن عيينة يقول: ما رأيت أحداً أجرأ على الله من أبي حنيفة، ولقد أتاه رجل من أهل خراسان فقال يا أبا حنيفة قد أتيتك بمائة ألف مسألة أريد أن أسألك عنها، قال: هاتها، فهل سمعتم أحداً أجرأ على الله من هذا؟» هذه الحكاية أول ما ناقشت الأستاذ في بعض رجال سندها في (الطليعة) ص ١٢ - ٢٠ فإنه خبط في الكلام في سندها إلى الرمادي بما ترى حاله في (الطليعة) وتكلم في الرمادي وستأتي ترجمته وزاد في (الترحيب) فتكلم في ابن أبي خثيمة بما لا يضره، وذكر ما قيل أن ابن عيينة اختلط بأخرة، وهو يعلم ما فيه وستأتي ترجمته وقد ذكر الأستاذ في (التأنيب) جواباً معنوياً جيداً ولكنه مزجه بالتخليط فقال بعد أن تكلم في السند بما أوضحت ما فيه في (الطليعة) : «وابن عيينة برئ من هذا الكلام قطعاً بالنظر إلى السند» . ثم قال بعد ذلك:

стр. 173

«وأما من جهة المتن فتكذب شواهد الحال الأخلوقة تكذيباً لا مزيد عليه ... رجل يبعث من خراسان ليسأل أبا حنيفة عن مائة ألف مسألة بين عشية وضحاها ويجيب أبو حنيفة عنها بدون تلبث ولا تريث» . «كذا قال، وليس في القصة أن الرجل سأل عن مسالة واحدة فضلاً عن مائة ألف، ولا أن أبا حنيفة أجاب عن مسألة واحدة فضلاً عن مائة ألف فضلاً عن أن يكون ذلك كله بين عشية وضحاها. وكان يمكن للأستاذ أن يجيب بجواب بعيد عن الشغب كأن يقول: يبعد جداً أو يمتنع أن تجمع في ذاك العصر مائة ألف مسألة ليأتي بها رجل من خراسان ليسأل عنها أبا حنيفة، وهذا يدل على أحد أمرين، إما أن يكون السائل إنما أراد: أتيتك بمسائل كثيرة فبالغ، وإما أن يكون بطالاً لم يأت ولا بمسألة واحدة، وإنما قصد إظهار التشنيع والتعجيز، فأجابه أبو حنيفة بذاك الجواب الحكيم، فإن الرجل إنما قصد التشنيع أو التعجيز، ففي ذاك الجواب إرغامه، وإن كان عنده مسائل كثيرة نظر فيها أبو حنيفة على حسب ما يتسع له الوقت ويجيب عندما يتضح له وجه الجواب. فأما ابن عيينة فكان من الفريق الذين يكرهون أن يفتوا (وقد بين الأستاذ ذلك في التأنيب) فكأنه كره قول أبي حنيفة: هاتها، لما يشعر به من الاستعداد لما يكرهه ابن عيينة، وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالم إذا سئل عما يتبين له وجه الفتوى فيه أن يفتي، للأمر بالتبليغ والنهي عن كتمان العلم، ولئلا يبقى الناس حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في قضاياهم، فيضطرهم ذلك إلى ما فيه فساد العلم والدين، ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني وإن حمدنا الفريق الأول حيث يكف أحدهم عن الفتوى مبالغة في التورع واتكالاً على غيره حيث يوجد، فأما الجرأة فمعناها الإقدام والمقصود هنا كما يوضحه السياق وغيره الإقدام على الفتوى فمعنى الجرأة على الله هنا هو الإقدام على الإفتاء في دين الله، وهذا إذا كان عن معرفة موثوق بها فهو محمود وإن كرهه المبالغون في التورع كابن عيينة، وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: «لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن

стр. 174

عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علماً» وعنه أيضاً أنه قال: أكثر أبو هريرة، فقيل له: هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا؟ راجع الإصابة ترجمة ابن عباس وترجمة أبي هريرة. وإقدام أبي حنيفة كان من الضرب المحمود، وقد روى الخطيب نفسه ... هاتين الحكايتين اللتين ذكرهما الأستاذ في (التأنيب) فهذا وغيره يدل على بعد أبي حنيفة عن الجرأة المذمومة فأما إذا علمنا أن ابن عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة فإن ذلك يرشدنا إلى حمل تلك المقالة على معنى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى باب عظيم النفع في فهم ما ينقل عن أهل العلم من كلام بعضهم في بعض. وحاصله أن أكثر الناس مغرون بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ والدليل قائم على خلاف قوله في كذا فدل ذلك على أنه أخطأ ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه، قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا، فإن زاد المنكرون فأظهروا حسن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلو متبعيه. خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة فقال «والله إنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة ولكن الله ﵎ ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي» أخرجه البخاري في (الصحيح) من طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار فلم يؤثر هذا في كثير من الناس بل روي أن بعضهم أجاب قائلاً «فنحن مع من شهدت له بالجنة يا عمار» . فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم فيه إما لأن حالهم غير حاله وإما لأنه يراه أخطأ -

стр. 175

أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه الحامل لهم على إتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه، فمن هذا ما في (المستدرك) (٢ ص٣٢٩) « ... عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص ﵁ في نفر فذكروا علياً فشتموه فقال سعد: مهلاً عن أصحاب رسول ﷺ ... فقال بعضهم فوالله إنه كان يبغضك ويسميك الأخنس، فضحك سعد حتى استعلاه الضحك ثم قال أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا تبلع ذلك أمانته ... » قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» وأقره الذهبي. وفي الصحيحين وغيرهما عن علي ﵁ قال «ما سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فإني سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبي وأمي» . وتروى عن كلمات أخرى من ذا وذاك وكان سعد قد قعد عن قتال البغاة فكان علي إذا كان في جماعة يخشى أن يتبعوا سعداً بالقعود ربما أطلق غير كاذب كلمات توهم الغض من سعد وإذا كان مع من لا يخشى منه القعود فذكر سعداً ذكر فضله. ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكاً من إطلاق كلمات فيها غض من مالك مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين» كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى. ومنه ما نراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم تبجيله للبخاري.

стр. 176

وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد. وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حي من (تهذيب التهذيب) كلمات قاسية أطلقها بعض الأئمة فيه مع ما عرف من فضله، وفيها «أبو صالح الفراء: ذكرت ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني الحسن (بن صالح) بن حي - فقلت ليوسف أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال لم يا أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا فتتبعهم أو زارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم» . أقول: والأئمة غير معصومين من الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى معذورون مأجورون فيما أخطأوا فيه كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بذل الوسع في تحري الحق، لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصير يؤاخذون عليه، أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلو في تقليدهم. على أن الأستاذ إذا أحب أن يسلك هذه الطريق لا يضطر إلى الاعتراف بأن ابن عيينة كان يعتقد أن أبا حنيفة أخطأ في بعض مقالاته، بل يمكنه أن يقول: لعل ابن عيينة رأى أناساً قاصرين عن رتبة أبي حنيفة يتعاطون مثل ما كان يقع منه من الإكثار من الفتوى والإسراع بها غير معترفين بقصورهم اغتراراً منهم بكثرة ما جمعوا من الأحاديث والآثار فاحتاج ابن عيينة في ردعهم إلى تلك الكلمة القاطعة لشغبهم. والله أعلم.

стр. 177

الفصل الثالث حاول الأستاذ في (الترحيب) التبرؤ مما نسب إليه في (الطليعة) من الكلام في أنس ﵁ وفي هشام بن عروة بن الزبير وفي الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد. فأما كلامه في أنس فتراه وما عليه في (الطليعة) ص ٩٨ - ١٠٦ ويأتي تمامه في ترجمته إن شاء الله تعالى. وينبغي أن يعلم أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسان حال الأستاذ يقول: ومن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم وعقليته الجبارة، كما أشار إلى ذلك في (الترحيب) ص ٢٤ إذ قال: «وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في (المؤمل) لأبي شامة الحافظ، وليس هذا إلا تحرياً بالغاً في المرويات يدل على عقلية أبي حنيفة الجبارة» فزادنا مع أنس جماعة من الصحابة ﵃ وإلى ما غالط به من الترجيح الذي دفعته (الطليعة) ص١٠٥ - ١٠٦ التصريح بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السند أن ينفرد برواية السنة بعض أولئك الصحابة. هذا مع أن رواية أنس في الرضخ تشهد لها أربع آيات من كتاب الله بل أكثر من ذلك كما يأتي في (الفقهيات) إن شاء الله تعالى ومعها القياس الجلي، ولا يعارض ذلك شيء إلا أن يقال: إن عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدم قوله على ذلك كله، وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب عن قوله في

стр. 178

(التأنيب) ص ١٣٩ عند كلامه على ما روي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها. قال الأستاذ هناك «ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلاً ففرع عليه المسائل فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلاً ففرع عليه الفروع ... » . إلا أن يقول الأستاذ إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب وإنما قلد فيها بعض التابعين كشريح وإبراهيم فعلى هذا يختص تقديم العقلية الجبارة بما قاله من عند نفسه، فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبق مسألة القود على هذه القاعدة. أما نحن فلا نعتد على أبي حنيفة بقول الأستاذ ولا بحكاية أبي شامة الشافعي الذي بينه وبيت أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة بل نقول لعل أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحد من الصحابة بل هو موافق لغيره في أن انفراد الصحابي مقبول على كل حال وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث لأنه لم يبلغه من وجه يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه، وإذا كان يأخذ برأي رجل من التابعين فيجعله أصلاً لباب عظيم من أبواب الشرع كشريح في الوقف وإبراهيم في المزارعة فكيف يرغب عن سنة لتفرد بعض الصحابة بها؟ ثم راجعت (المؤمل) فرأيت عبارته تشعر بأن الكلام فيما تفرد أنس ومن معه يقوله برأيه، لا في ما كان رواية عن النبي ﷺ . فأما التحري البالغ فإن كان هو الذي يؤدي إلى قبول ما حقه أن يقبل ورد ما حقه أن يرد فلا موضع له هنا، وإن كان هو الذي يؤدي إلى قبول ما حقه الرد

стр. 179

كرأي شريح في الوقف ورأي إبراهيم في المزارعة، وإلى رد ما حقه القبول كما يتفرد به بعض الصحابة ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كرد حديث الرضخ مع شهادة القرآن والقياس الجلي له فهذا إن وقع ممن لم يقف على الأدلة المخالفة له أو ذهل عنها وعن دلالتها، له اسم آخر لا يضر صاحبه إن شاء الله، وإن وقع ممن عرف ذلك كله فهو تجرٍ «بالجيم لا تحر بالحاء» أو قل تحر للباطل لا للحق. فإن كان المقصود التخييل الشعري فيستطيع من يرد انفراد الصحابي أي صحابي كان يقول أن ذلك تحر بالغ. بل من يرد السنن المتواتر، بل من يرد المتواتر أيضاً فيقول إن التحري البالغ يقضي أن لا ينسب إلى شرع الله إلا ما نص عليه كلامه، بل من يرد المتواتر أيضاً فيقول إن التحري البالغ يقتضي أن لا ينسب إلى شرع الله إلا ما نص عليه كلامه، بل من يرد الدلالات الظنية من القرآن ويرد الإجماع، ولم يبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن؛ وشيوخ الأستاذ من المتكلمين ينفون وجودها كما في الاعتقاديات إن شاء الله تعالى. فأما القياس فهو بأن القياس إلغاؤه تحرياً واحتياطاً في دين الله أولى من ذلك كله فإنه بالنسبة إلى ذلك كما قيل: ويذهب بينها المرئي لغوا ... كما ألغيت في الدية الحوارا والمقصود هنا أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلا غرو أن يزعم الأستاذ أنه ليس في كلامه فيه ما ينتقد ! وفي (فتح الباري) في «باب المصراة» : «قال ابن السمعاني (١) في (الاصطلام) : التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة» ذكر ذلك في صدد رد كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة حديث المصراة.

стр. 180

وأما هشام بن عروة بن الزبير بن العوام فهذه قصته: روى هشام عن أبيه عروة - وفي رواية للدرامي ج١ ص ٥١: هشام عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة (١) . قال لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى ظهر فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا «فذكرها الأستاذ في (التأنيب) ص ٩٨ ثم قال وإنما أراد هشام النكاية في ربيعة وصاحبه (مالك) لقول مالك فيه بعد رحيله إلى العراق فيما رواه الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذاب، قال فسألت يحيى بن معين؟ فقال عسى أراد في الكلام فأما في الحديث فهو ثقة» وعلق في الحاشية «هذا من انفرادات الساجي، وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة، على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمر يتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في الموطأ» ففهمت من قوله «وإنما أراد هشام النكاية ... » أنه يريد أن هشاماً افترى هذه الحكاية لذاك الغرض، وأن ذلك من الكذب الذي عني بالكلمة المحكية عن مالك «هشام بن عروة كذاب» ومن الكذب في الكلام على ما في الكلمة عن ابن معين ومن البوادر التي لا تقبل كما ذكره في الحاشية، وبنيت على ذلك في الكلمة التي كنت كتبتها إلى بعض الإخوان فاتفق أن وقعت بيد المعلق على (الطليعة) أو طابعها فطبعت كمقدمة للطليعة بدون علمي، قلت فيها كما في (الطليعة) المطبوعة ص ٤: «وفي هشام بن عروة بن الزبير بن العوام حتى نسب إليه الكذب في الرواية» فتعرض الأستاذ لذلك في الترحيب ص ٤٨ وتوهم أو أو هم أنني إنما بنيت على ما في الحكاية التي ينقلها مما نسب إلى مالك من قوله « ... كذاب» فأعاد الأستاذ الحكاية هنالك ثم قال: «أهذا قولي أم قول مالك أيها الباهت الآفك؟ !» . فأقول: أما قولك، فقد قدمت ما فيه من إفهام أن هشاماً افترى تلك الحكاية
следующие страницы →