← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1277

أثر عمل القلب على عبادة الذكر والدعاء

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة أثر عمل القلب على العبادات (٥) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أثر عمل القلب على عبادة الذكر والدعاء القسم الأول د. ابراهيم بن حسن الحضريتي

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمدَ لله، نحمدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفرُهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدهِ اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضْلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن الاهتمام بذكر أثر عمل القلب على عبادة الذكر والدعاء من أعظم ما ينبغي الاعتناء به، والحرص عليه؛ لأنه الباب المفتوح للدخول على الله والقرب منه ورفعة الدرجات في الآخرة. وهذا الكتاب الذي أعانني الله عليه، ووفقني لأن أكتبه هو الخامس في هذه السلسلة المباركة (أثر عمل القلب على العبادات) وهو القسم الأول من هذا الكتاب. وأسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يرزقني الإخلاص فيه، وأن ينفعني به وكل من قرأه والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الدكتور: إبراهيم بن حسن الحضريتي إمام وخطيب جامع القناعة بشرائع المجاهدين بمكة المكرمة ebrahim1407@gmail.com

стр. 3

وعناصر هذا الكتاب تحتوي على تمهيد وعدة مباحث على النحو الآتي: التمهيد: وفيه مسائل متعلقة بالذكر والدعاء. المبحث الأول: ملخص في إثبات أثر عمل القلب، وأهميته. المبحث الثاني: من أعمال القلوب التي لها ارتباط وثيق بعبادة الذكر والدعاء. المبحث الثالث: أعمال لها ارتباط وثيق بصلاح القلب وزيادة أثره. المبحث الرابع: أحكام تخص عبادة الذكر أو الدعاء ولها تعلق بعمل القلب. المبحث الخامس: من فوائد وثمرات تحقيق عمل القلب في عبادة الذكر والدعاء. المبحث السادس: من أسباب الانحراف في عبادة الذكر والدعاء. المبحث السابع: من آثار عدم تحقيق عمل القلب في الذكر والدعاء.

стр. 4

أثر عمل القلب على عبادة الذكر والدعاء وفيه تمهيد وعدة مباحث. التمهيد: وفيه مسائل متعلقة بالذكر والدعاء. المسألة الأولى: مفهوم الذكر والدعاء والعلاقة بينهما (١). تنبيه: على العلاقة بين الذكر والدعاء. هناك علاقة وثيقة بين الذكر والدعاء وبينهما ترابط وثيق، فالدعاء حين يتوجه به العبد إلى الله فهو ذكر لله فكل دعاء ذكر إذ بينهما عموم وخصوص، لكن إذا نظرت إلى مجرد العبادة فالذكر في جنسه أفضل من الدعاء، " هذا من حيث النظر إلى كل منهما مجرداً. وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل، بل يعينه، فلا يجوز أن يعدل عنه إلى الفاضل .. " (٢). وهذه قاعدة مهمة في التفاضل بين الأعمال، معرفتها من الفقه في الدين، ودونك كلام متين عميق في هذه المسألة الدقيقة لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث يقول: " الأفضل يتنوع تارة بحسب أجناس العبادات كما أن جنس الصلاة أفضل من جنس القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذكر، وجنس الذكر أفضل من جنس الدعاء. وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة. وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر كما أن الذكر والدعاء في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة وكذلك الذكر والدعاء في الطواف مشروع بالاتفاق، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف.

стр. 5

وتارة باختلاف الأمكنة: كما أن المشروع بعرفة ومزدلفة وعند الجمار وعند الصفا والمروة هو الذكر والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضل من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل. وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة: فالجهاد للرجال أفضل من الحج وأما النساء فجهادهن الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضل من طاعتها لأبويها؛ بخلاف الأيم فإنها مأمورة بطاعة أبويها. وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه: فما يقدر عليه من العبادات أفضل في حقه مما يعجز عنه وإن كان جنس المعجوز عنه أفضل. وهذا باب واسع يغلو فيه كثير من الناس ويتبعون أهواءهم، فإن من الناس من يرى أن العمل إذا كان أفضل في حقه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربه يريد أن يجعله أفضل لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك، والله بعث محمداً بالكتاب والحكمة وجعله رحمة للعباد وهدياً لهم يأمر كل إنسان بما هو أصلح له، فعلى المسلم أن يكون ناصحاً للمسلمين يقصد لكل إنسان ما هو أصلح له. وبهذا تبين لك أن من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له، ومنهم من يكون تطوعه بالجهاد أفضل، ومنهم من يكون تطوعه بالعبادات البدنية - كالصلاة والصيام - أفضل له. والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبي ﷺ باطناً وظاهراً، فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، والله أعلم" أ. هـ. (١) ومما يدل على أن الله يفتح لعبده ويوفقه لباب خير -وقل من يفتح له في أكثر من باب- ما ورد من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ (٢) مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ -يَعْنِي الجَنَّةَ-: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ،

стр. 6

وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ، وَبَابِ الرَّيَّانِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ: هَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» (١). يقول ابن المبارك ﵀ عن الإمام مالك: "مَا رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة. قلت (٢): ما كان عليه من العلم ونشره أفضل من نوافل الصوم والصلاة لمن أراد به اللهَ" (٣). وعلى هذا فعلى من وفقه الله لعمل وفتح عليه فيه أن يشكر ربه على توفيقه له لهذا العمل العظيم، وأن يبذل وسعه فيما فتح له، ويستعين بالله، ويبذل أسباب النجاح في هذا المجال، ومن أعظمها إخلاصه وصدقه مع ربه، وليعلم أنه قد لا يفتح له في باب آخر من أبواب الخير، فعليه ألا يشتت جهده في أبواب لم يفتح له فيها، ولا ينتقص الآخرين الذين فتح لهم في عمل غير عمله، وكذلك ينبغي الحذر من صرف الناس عن أبواب الخير التي فتحت لهم، بحجة أنها أعمال قاصرة غير متعدية النفع، ونحو ذلك من الأخطاء التي يقع فيها البعض. وذكر ابن عبد البر كلامًا متينًا رصينًا في شرحه لحديث أبي هريرة ﵁ السابق، فقال ﵀: "وفي هذا الحديث من الفقه والفضائل الحض على الإنفاق في سبيل الخير، والحرص على الصوم. وفيه أن أعمال البر لا يفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد تفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن أبا بكر الصديق ﵁ من ذلك القليل.

стр. 7

وفيه أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، ألا ترى إلى قوله: فمن كان من أهل الصلاة، يريد من أكثر منها فنسب إليها؛ لأن الجميع من أهل الصلاة، وكذلك من أكثر من الجهاد ومن الصيام على هذا المعنى ونسب إليه، دعي من بابه ذلك، والله أعلم. ومما يشبه ما ذكرنا ما جاوب به مالك ﵀ العُمري العابد، وذلك أن عبد الله بن عبد العزيز العُمري العابد كتب إلى مالك يحضّه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له والسلام. هذا معنى كلام مالك لأني كتبته من حفظي، وسقط عني في حين كتابتي أصلي منه" (١). المسألة الثانية: سعة مفهوم الذكر الشرعي. وهذه المسألة العظيمة ألخصها في الآتي: أولاً: الحكمة من خلق الإنس والجن هي القيام بعبادة الله تعالى، كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي لتكون حياتهم كلها عبادة لله تعالى، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، والذكر هو روح العبادة فلا قيمة لها إلا به، ولذا هو يشمل كل الحياة، كما أن العبادة تشمل كل حياة الإنسان وكل أحواله. ثانياً: أن جميع العبادات إنما شرعت لإقامة ذكر الله تعالى، قال سبحانه في بيان ذلك في أعظم وأشرف العبادات بعد التوحيد: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أي صلِّ لتذكرني وهو

стр. 8

أحد معاني الآية وقدمه ابن جرير وابن كثير (١)، فالمقصود -والله أعلم- أقم الصلاة لأجل ذكري، وفي حديث عائشة ﵁ الله عنها يَقُولُ ﷺ : " إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ " (٢). ثالثاً: إن التفاضل بين العاملين بالطاعات يكون بكثرة ذكرهم لله الذي يتفق فيه اللسان مع القلب، يقول ابن القيم ﵀: " أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله ، فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله ، وأفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله ، وهكذا سائر الأعمال" (٣). وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: " أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ﵎ ذِكْرًا " قَالَ: فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: " أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ﵎ ذِكْرًا "، ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ﵎ ذِكْرًا " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: يَا أَبَا حَفْصٍ ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَجَلْ " (٤).

стр. 9

رابعاً: ومما يدل على سعة المفهوم الشرعي للذكر، ما ذكره النووي ﵀ عن القاضي عياض، فقال: "قال القاضي عياض ﵀: وذكر الله تعالى ضربان: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان أحدهما: وهو أرفع الأذكار وأجلها الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سمواته وأرضه .. والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به ويترك ما نهي عنه، ويقف عما أشكل عليه، وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث" (١). وقال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]: "ومعنى الآية: اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير، وقال أيضاً: الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن" (٢). وعن الحسن ﵀ في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، قال: "اذكروني فيما افترضت عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي" (٣). وفي التفسير الكبير عند قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]: " اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين: الذكر، والشكر، أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح … أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكراً بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فصار الأمر بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ متضمناً جميع الطاعات" (٤).

стр. 10

خامساً: قال ابن بطال ﵀ في شرحه على صحيح البخاري: " هذه الفضائل التي جاءت عن النبي ﷺ : (من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة غفر له … ) وما شاكلها إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال والطهارة من الجرائم العظام، ولا يظن أن من فعل هذا وأصرّ على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أنه يلحق بالسابقين المطهرين، وينال منزلتهم في ذلك بحكاية أحرف ليس معها تقى، ولا إخلاص، ولا عمل، ما أظلمه لنفسه من يتأول دين الله على هواه" (١). سادساً: ومما يدل على سعة مفهوم الذكر: تنوعه وشموله لكل تصرفات العبد، وأحواله في يومه وليلته، من حين يستيقظ إلى أن ينام، ولذا سميت الكتب التي جمعت تلك الأذكار بعمل اليوم والليلة، كما في كتاب عمل اليوم والليلة للنسائي، وكذلك عمل اليوم والليلة لابن السني. وقال تعالى عن عباده المؤمنين في كثرتهم ذكرهم لله على كل أحوالهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] والآيات بعدها. وفي هذه الآية بيان لحال هؤلاء الصادقين في حبهم لله بكثرة ذكره لله على كل أحوالهم، فقد انصبغت حياتهم بالذكر على كل الأحوال قياماً، وقعوداً، وعلى جنوبهم من حين أستيقاظهم إلى عودتهم إلى النوم مرة أخرى، وهذه الهيئات لا يخرج عنها حال الإنسان في حال يقظته إما قائم، وإما قاعد، وإما على جنب، وهكذا كان النبي ﷺ كما تصفه عائشة ﵁ الله عنها، فتقول: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (٢).

стр. 11

المسألة الثالثة: كيف يكون الذكر شرعياً. تنقسم الأذكار والأدعية إلى قسمين: الأول: المأثور وهو ما جاء في نصوص الكتاب والسنة، وله أنواع وضوابط سيأتي تفصيلها. الثاني: غير المأثور وهو من ينشئه العبد من نفسه من ثناء ودعاء، وله كذلك ضوابط وشروط سيأتي الكلام عنها. القسم الأول: المأثور، وله نوعان: النوع أول: المأثور من الأذكار والأدعية، وضوابطها. أولاً: المقصود بها وأمثلة عليها. الأذكار والأدعية المأثورة هي: ما ورد في القرآن الكريم، والسنة المطهرة من أذكار وأدعية مقيدة بمناسبة أو بغير مناسبة، وجاء الحث على قولها ببيان فضلها، أو وقتها، أو ربطها بمناسبة معينة، ولها أنواع كثيرة، منها على سبيل المثال: ذكر ركوب الدابة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ١٢ لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ١٣ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]. الأذكار المقيدة بوقت أو مكان، مثل أذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وأذكار الصلوات، وأذكار الخروج من المنزل والسفر ونحوها من أذكار اليوم والليلة. الأدعية التي جاء النص على قولها في العبادات المفروضة ونوافلها، مثل أدعية الصلاة والحج والعمرة ونحوها.

стр. 12

ثانياً: ضوابط الأذكار والأدعية المأثورة. ودونك هذه الضوابط التي لابد من مراعاتها حتى يكون الذكر مشروعاً: - أن تكون مما جاء في كتاب الله أو مما صح من سنة رسول الله ﷺ . - أن يحرص على إخلاص النية لله تعالى، والمتابعة لهدي النبي ﷺ في هذه الأذكار من حيث: أن يلتزم بالأذكار المقيدة كما وردت في نص الكتاب والسنة، فيشتغل بالذكر المقيد في وقته ومناسبته. وأن يبقي الذكر المطلق على إطلاقه فلا يقيده بمناسبة ولا هيئة ولا عدد لم يقيده به النص الشرعي. - أن يلتزم بالعدد واللفظ المحدد الذي ربط النص الأجر به، فلا يزيد ولا ينقص، كالمأثور عقب الصلاة من الأذكار، وأذكار المساء والصباح، وأذكار النوم، وغيرها. - أن يتقيد بالألفاظ التي وردت في النص، ويحرص على أدائها كما هي، فلا يزيد ولا ينقص ولا يغير اللفظ، كألفاظ الأذان والإقامة، والتشهد والتلبية، إلا ما جاء النص بالسماح بالزيادة فيه عن العدد المحدد (١). ومما يدل على ذلك، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ. قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 13

فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ: لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» (١). دل هذا على أن هذه الألفاظ توقيفية، لها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به (٢)، والله أعلم. وقال الشيخ محمد بن علي الإثيوبي ﵀ في شرحه على مسلم عند شرح هذا الحديث: "قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن أحسن ما قيل في حكمة النهي عن إبدال النبيّ بالرسول في هذا الحديث كون ألفاظ الأذكار توقيفيّة، كما قال المازريّ (٣)، فتجب المحافظة على اللفظ الوارد فيها، ولو ظُنّ أن ما يرادفها من الألفاظ يؤدي معناها؛ لأن التعبّد وقع على لفظها، كما وقع على معناها، فالواجب الوقوف على التعليم النبويّ، واللَّه تعالى أعلم" (٤). - مراعاة آداب الذكر العامة، وسيأتي بعض ذلك. النوع الثاني: الأذكار المطلقة، وتفاضلها. ويقصد بها ما ورد من الأذكار المأثورة، والأدعية التي نص عليها الشرع، ولم ترتبط بسبب، ولا مناسبة، ولا هيئة، ولا عدد، وهي كثيرة ومنها على سبيل المثال: أولاً: يأتي على رأسها، وأفضلها على الإطلاق، وأعلاها منزلة تلاوة القرآن الكريم بالتدبر، ومكانة تلاوة القرآن في الفضل لا تخفى على مسلم، وقد وفقني الله لكتابة بحث بعنوان: أثر عمل القلب على تلاوة القرآن وتدبره وهو موجود على الشبكة (٥). ثانياً: الأذكار المأثورة التي تلي القرآن في الأفضلية (٦): وأفضلها ما كان فيه ثناء على الله تعالى.

стр. 14

يقول شيخ الإسلام ﵀: "أنواع الأذكار مطلقاً بعد القرآن، أعلاها ما كان ثناءً على الله" (١)، من مثل ماورد في دعاء الاستفتاح: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (٢). ثم ما كان إنشاءً من العبد، مثل حديث دعاء النوم الذي سبق" وجهت وجهي إليك .. ". ثم ما كان دعاءً من العبد، مثل قوله ﷺ في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» (٣). القسم الثاني: غير المأثور وضوابطه. أولاً: المقصود به هو ما ينشئه العبد من ذكر مطلق لحاجة تعرض له، فيدعو ربه بلفظ من عنده (٤). مما ينبغي التنبيه عليه هنا ضرورة لزوم الهدي النبوي في الذكر والدعاء لأنهما عبادة، والعبادة تبني على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، وقد جاء البيان عن ذلك في الكتاب والسنة شافياً كافياً، فلا مجال للزيادة عليه، "ولهذا فإن المتأكد على كل مسلم في هذا الباب العظيم أن يجتهد في طلب هدي النبي ﷺ في الدعاء، وأن يحرص أشد الحرص على معرفة سبيله فيه؛ ليقتفي آثاره، وليسير على نهجه، وليلزم طريقته صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 15

ولا يجوز لمسلم أن يلتزم أدعية راتبة أو مخصصة بأوقات معينة أو بصفات معينة سوى ما ورد من ذلك في سنة الرسول الكريم ﷺ ، أما الأدعية العارضة التي تحصل من المسلم بسبب أمور قد تعرض له، فله أن يسأل الله ما شاء فيما لا يتنافى مع الشرع. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على الاتباع، وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون، ويجعله عادة راتبة يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله، بخلاف ما يدعو به المرء أحياناً من غير أن يجعله سنة " (١) اه. ولهذا نجد أن الصحابة ﵃ بادروا إلى إنكار تخصيص هيئات معينة للأذكار والأدعية، أو أوقات معينة أو نحو ذلك مما لم يرد به الشرع ولم تثبت به السنة، ومن ذلكم إنكار عبد الله بن مسعود ﵁ على أولئك النفر الذين تحلقوا في المسجد وفي أيديهم حصى يسبحون بها ويهللون ويكبرون بطريقة محدثة وصفة مبتدعة، لم تكن موجودة على عهد رسول الله ﷺ ، فبادرهم بالإنكار ونهاهم عن ذلك أشد النهي، وبين لهم خطورة ذلك وسوء مغبته عليهم، روى الإمام الدارمي ﵀ بإسناد جيد عن عمرو بن سلمة الهمداني قال: " كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ؟ قُلْنَا: لَا، فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعاً، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفاً أَمْراً أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَاّ خَيْراً، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْماً حِلَقاً جُلُوساً يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ، فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ، وَفي أَيْدِيهِمْ (حَصًى) فَيَقُولُ: كَبِّرُوا مِائَةً، فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً، فَيَقُولُ: هَلِّلُوا مِائَةً، فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً، وَيَقُولُ: سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً، قَالَ: فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَهُمْ

стр. 16

شَيْئاً انْتِظَارَ رَأْيِكَ أَوِ انْتِظَارَ أَمْرِكَ*، قَالَ: أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِى أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ، قَالَ: فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ، وَيْحَكُمْ* يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ، هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ ﵃ مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ، وَالَّذِي نَفْسِي فِي يَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ مُفْتَتِحِوا بَابِ ضَلَالَةٍ، قَالُوا: وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا أَرَدْنَا إِلَاّ الْخَيْرَ، قَالَ: وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ" (١). فتأمل كيف أنكر عبد الله بن مسعود ﵁ على أصحاب الحلقات هؤلاء، مع أنهم في حلقة ذكر ومجلس عبادة لما كان ذكرهم لله وتعبدهم له بغير الوارد المشروع، وفي هذا دلالة على أنه ليس العبرة في العبادة والدعاء والذكر كثرته، وإنما العبرة في موافقته للسنة، كما قال ابن مسعود ﵁ في مقام آخر: «اقْتِصَادٌ فِي سَنَةٍ خَيْرٌ مِنِ اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ» (٢)، وابن مسعود ﵁ لم ينكر عليهم ذكرهم لله واشتغالهم بذلك، وإنما أنكر عليهم مفارقتهم للسنة في صفة أدائه وكيفية القيام به مع أن الألفاظ التي كانوا يذكرون الله بها ألفاظ صحيحة وردت بها السنة، فكيف الحال بمن ترك السنة في ذلك جملة وتفصيلاً في الألفاظ وصفة الأداء وغير ذلك، كالأوراد التي يقرؤها بعض الناس مما كتبه بعض أشياخ الطرق الصوفية بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة مما هو متضمن لأنواع من الباطل وصنوف من الضلال كالتوسلات الشركية والألفاظ البدعية والأذكار المحدثة، ويرتب هؤلاء لأورادهم وظائف محددة وصفات معينة وأوقات ثابتة، وهذا كله ولا ريب من الإحداث في الدين، ومن المفارقة لسبيل سيد الأنبياء والمرسلين، والاستعاضة عنه بما أحدثه شيوخ الضلال وأئمة الباطل، وهو تشريع في الدين بما لم

стр. 17

يأذن به الله، والله تعالى يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ثم تجدهم مع ذلك يعظمون أورادهم هذه ويعلون من شأنها، ويرفعون من قدرها، ويقدمونها على الأوراد الصحيحة والأدعية الثابتة عن رسول الله ﷺ أفضل الخلق وأكملهم ذكرا ودعاء لربه سبحانه. قال القاضي عياض ﵀: " أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة، فلا ينبغي لأحد أن يعدل عن دعائه ﷺ ، وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام، فقيض لهم قوم سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي ﷺ " (١). وقال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: " فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا؛ فإن الله قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون " اه (٢). فالواجب على من أراد لنفسه الفضيلة والسلامة والتمام والرفعة أن يلزم هدي النبي الكريم ﷺ ويتقيد بسنته، ويدع ما أحدثه المحدثون وأنشأه المبطلون مما لا أصل له ولا أساس إلا اتباع الأهواء" انتهى بطوله لأهميته من كتاب فقه الأدعية والأذكار (٣). ثانياً: ضوابط الذكر الذي يخترعه العبد. ودونك ملخصة من كتاب ذكر الله بين الاتباع والابتداع (٤): - الإخلاص لله تعالى، وتوجه القلب إليه والحذر من الشوائب التي تنقض الإخلاص.

стр. 18

- أن يكون الذكر المنشأ غير مقيد بزمان ولا مكان ولا هيئة ولا عدد، إذ كل ما سبق من خواص الشرع التي لا منازعة فيها. - أن يكون المنشأ متضمناً على الله بما هو أهله، وفي حال النفي عن الله يقتصر على ما ورد نفيه. - أن يحرص على سلامة اللفظ من أن يستلزم نقصاً في حق الله سبحانه بأي وجه من الوجوه. - أن تكون ألفاظ ما ينشأ واضحة بينة، فلا تكون أسماء غير معروفة، أو ألفاظاً غريبة، أو طلاسم لا يعرف ما هي. - أن تكون معاني ما ينشأ جامعة ومانعة وبينة، ثناء كان أو دعاء. - وإذا كان المنشأ دعاء، فعلى الداعي أن يراعي في ذلك الآتي: ١ - أن يحرص على عدم الاعتداء في دعائه، ويعلم أن الاعتداء يكون في الألفاظ أو في المعاني لتجنب ذلك. ٢ - أن يبتعد في دعائه من السجع المتكلف والتقعر في الألفاظ، ويعد ذلك من العدوان في الدعاء، قال النووي ﵀: " أن لا يتكلَّف السجعَ، وقد فسَّر به الاعتداء في الدعاء، والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة، فما كل أحد يُحسن الدعاءَ، فيخاف عليه الاعتداء" (١) " (٢). وسيأتي مزيد تفصيل لهذا في آداب الدعاء. المسألة الرابعة: التفاضل بين الأذكار المقيدة والأذكار المطلقة. هذه مسالة تحتاج إلى فقه كما سبق ولا شك أن الذكر المقيد أفضل من الذكر المطلق، ولكن قد يعرض للعبد ما يجعل المفضول أولى من الفاضل لسبب يخصه، يقول ابن القيم ﵀: "

стр. 19

وهكذا الأذكار المفيدة بمحال مخصوصة أفضل من القراءة المطلقة، والقراءة المطلقة أفضل من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر أو الدعاء أنفع له من قراءة القرآن. مثاله أن يتفكر في ذنوبه فيحدث ذلك له توبة من استغفار أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن فيعدل إلى الأذكار والدعوات التي تحصنه وتحفظه. وكذلك أيضاً قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها أو ذكر لم يحضر قلبه فيهما، وإذا أقبل على سؤالها والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله تعالى وأحدث له تضرعاً وخشوعاً وابتهالاً، فهذا يكون اشتغاله بالدعاء والحالة هذه أنفع، وإن كان كل من القراءة والذكر أفضل وأعظم أجراً. وهذا باب نافع يحتاج إلى فقه نفس، وفرقان بين فضيلة الشيء في نفسه وبين فضيلته العارضة، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوضع كل شيء موضعه" (١). المسألة الخامسة: من آداب الذكر والدعاء (٢). وهذه الآداب في مجملها لها تعلق وثيق بالدعاء، وهي: ١ - الإخلاص لله والمتابعة للنبي ﷺ ، وقد سبق الكلام على ذلك، وسيأتي له مزيد بيان. ٢ - أن يبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ثم بالصلاة على النبي ﷺ ، ويختم بذلك. وقد دل على ذلك: عَنْ عَلِيٍّ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ: "كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَآلِ مُحَمَّدٍ" (٣).

стр. 20

عن فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، يَقُولُ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (١). ٣ - الجزم في الدعاء، واليقين بالإجابة. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا يَقُولَنَّ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي، فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِهَ لَهُ» (٢). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (٣). ولا بد أن يكون الداعي على ثقة بربه، قلبه متعلق به، على يقين بأن الله سيجيب دعوته، وهو يشعر بقربه منه، فيدعو وهو موقن بالإجابة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].

стр. 21

وقال ﷺ : «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (١). ٤ - الإلحاح في الدعاء مع إظهار الفقر والحاجة وعدم الاستعجال. الإلحاح على الله في الدعاء مع إظهار فقره وحاجته إلى ربه، ومنه إظهار موسى لفقره إلى ربه في دعائه، قال تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. والله يحب من عبد أن يتضرع له ويظهر فقره وذله ومسكنته (٢) ويلح في طلبه من ربه، وهذا مما يجعل العبد يخشع في دعائه، ويشعر بقرب الله منه، فيزداد إقبالاً على الدعاء. ومن ذلك الإكثار في الدعاء بقول: "ياذا الجلال والإكرام" وتكرار الدعاء به، يَقُولُ ﷺ : " أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» (٤). وهذا من موانع إجابة الدعاء لأنه يستحسر ويدع الدعاء، ولا يوفقه الله للدعاء بسبب ذلك.

стр. 22

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» (١). ٥ - حضور القلب في الدعاء. وهو من أعظم استجابة الدعاء، ومن أعظم آدابه، ويدل عليه الحديث السابق «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ». "ولهذا فإن من الضوابط المهمة والشروط العظيمة التي لا بد من توفرها في الدعاء حضور قلب الداعي وعدم غفلته،؛ لأنه إذا دعا بقلب غافل لاه ضعفت قوة دعائه، وضعف أثره، وأصبح شأن الدعاء فيه بمنزلة القوس الرخو جداً، فإنه إذا كان كذلك خرج منه السهم خروجاً ضعيفاً، فيضعف بذلك أثره، ولهذا فإنه قد ورد عن النبي ﷺ الحث على حضور القلب في الدعاء، والتحذير من الغفلة، والإخبار بأن عدم ذلك مانع من موانع قبوله" (٢). ٦ - الدعاء في الرخاء والشدة. "فمن آداب الدعاء المهمة أن لا يقتصر المسلم على دعائه ربه في حال الشدة فقط، بل الواجب أن يدعو ربه في سرائه وضرائه، وشدته ورخائه، وصحته وسقمه، وفي أحواله كلها، وملازمة المسلم للدعاء حال الرخاء، ومواظبته عليه في حال السراء سبب عظيم لإجابة دعائه عند الشدائد والمصائب والكرب" (٣)، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» (٤).

стр. 23

وفي حديث ابن عباس ﵄: "تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّة" (١). ٧ - الدعاء عبادة خالصة لله تعالى. الدعاء من أعظم العبادات بل هو رأس العبادة، ولهذا فهو حق خالص لله تعالى، فلا يدعى إلا هو وحده لا شريك له، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في كتابه الماتع فقه الأدعية والأذكار كلاماً رائعاً في هذه المسألة أحب أن أنقله بطوله: " ولهذا فقد تواترت الأدلة وتضافرت النصوص في الكتاب والسنة على التحذير من صرف الدعاء لغير الله والنهي عن ذلك وذم فاعله بأشد أنواع الذم، حتى صار ذلك من ضروريات هذا الدين التي لا يرتاب فيها كل من فهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وقد تنوعت دلالات نصوص القرآن الكريم المشتملة على ذلك وتكررت في مواطن كثيرة، وذلك لشدة خطورة دعاء غير الله، ولكونه أكثر أنواع الشرك وقوعاً، حتى قال بعض أهل العلم: " لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه والتحذير من فعله والوعيد عليه " (٣). فمن هذه النصوص قول الله ﵎: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا

стр. 24

الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]. قال الشوكاني ﵀ في رسالة له في وجوب توحيد الله بعد أن أورد طرفاً من هذه النصوص: " فهذه الآيات البينات دلت على أن الدعاء مطلوب لله من عباده، وهذا القدر يكفي في إثبات كونه عبادة، فكيف إذا انضم إلى ذلك النهي عن دعاء غير الله سبحانه، قال الله : ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ [الجن: ١٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٤]، وقال سبحانه ناعياً على من يدعو غيره ضارباً له الأمثال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. فكيف إذا صرح القرآن الكريم بأن الدعاء عبادة تصريحاً لا يبقى عنده ريب لمرتاب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، فقد طلب الله سبحانه من عباده في هذه الآية أن يدعوه، وجعل جزاء الدعاء له منهم الإجابة منه فقال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ولهذا جزمه لكونه جواباً للأمر، ثم توعدهم على الاستكبار عن هذه العبادة أعني الدعاء بما صرح به في آخر الآية وجعل العبادة مكان الدعاء تفسيرا له وإيضاحا لمعناه، وبيانا لعباده بأن هذا الأمر الذي طلبه منهم وأرشدهم إليه هو نوع من عبادته التي خص بها نفسه وخلق لها عباده كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومع

стр. 25

هذا كله فقد جاءت السنة المطهرة بما يدل أبلغ دلالة على أن الدعاء من أكمل أنواع العبادة … " (١)، ثم ذكر ﵀ ما يدل على ذلك من السنة. إن الواجب على كل مسلم أن يدرك خطورة الأمر، وأن يعلم أن هذا حق خالص لله لا يجوز أن يشرك معه فيه غيره، وكيف يشرك المخلوق الضعيف العاجز بالملك العظيم الذي بيده أزمة الأمور، المتفرد بإجابة الدعاء وكشف الكروب، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، الذي ما تعلق به ضعيف إلا أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العزة، ولا فقير إلا أعطاه الغنى، ولا مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا شريد إلا آواه، فهو سبحانه الذي يجيب المضطرين، ويغيث الملهوفين، ويعطي السائلين، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لا إله إلا هو الملك الحق المبين. وقد أجمع أهل العلم على أن من صرف شيئاً من الدعاء لغير الله فهو مشرك بالله العظيم، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولو صلى وصام؛ إذ شرط الإسلام أن لا يعبد إلا الله، فليحذر من يريد لنفسه الفوز والسعادة من هذا الإثم المبين والخطر العظيم" (٢). ٨ - عدم الدعاء على الأهل، والمال، والولد، والنفس. ومن الآداب المهمة: حرص الداعي على عدم الدعاء على أهله وولده، وماله، ونفسه، حين يحصل الغضب، فقد يستجاب له فيحصل له بذلك شقاء في نفسه أو ولده، فيتقطع قلبه حسرات على ما يحصل من آثار دعوته عليهم، وهذا يحصل بسبب عجلة الإنسان بسبب غضبه فيطلق الدعوات فيهلك نفسه، أو أهله أو ولده أو نحوه فيندم على ذلك ندماً عظيماً، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وقال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية: "يقول تعالى ذكره مذكراً عباده أياديه عندهم، ويدعو

стр. 26

الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر، فيقول: اللهم أهلكه والعنه عند ضجره وغضبه، كدعائه بالخير: يقول: كدعائه ربه بأن يهب له العافية، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده، يقول: فلو استجيب له في دعائه على نفسه وماله وولده بالشر كما يستجاب له في الخير هلك، ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل .. " (١)، ثم نقل بأسانيده عن أهل التفسير، ومن ذلك: "عن قتادة، قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾: "يدعو على ماله، فيلعن ماله وولده، ولو استجاب الله له لأهلكه" عن مجاهد، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ قال: "ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، فيعجل: فيدعو عليه، ولا يحب أن يصيبه" (٢). وجاء نص من السنة في التحذير من ذلك، فقال ﷺ : " .. لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ" (٣). "ولهذا ينبغي على المسلم أن يعود نفسه الدعاء لنفسه وولده وماله بالخير والنماء والبركة والصلاح ونحو ذلك، وأن يملك نفسه ولا سيما عند غضبه من أن يدعو على نفسه أو ولده أو ماله بالهلاك أو الشر أو الفساد، فقد يستجاب له في ذلك فيندم ويتحسر، مع أنه هو الذي دعا بذلك وطلبه، وإنا لنرجو الله أن يهدينا جميعا سواء السبيل، وأن يوفقنا لكل خير يحبه ويرضاه في الدنيا والآخرة" (٤).

стр. 27

٩ - خفض الصوت بالدعاء بين المخافتة والجهر. وقد أدب الله عباده عند دعائهم وذكرهم لله أن يبتعدوا عن الجهر والعلانية التي يخاف منها الرياء، بل خفية وإخلاصاً لله تعالى (١). قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. فأمر الله عبده ورسوله محمداً أصلاً وغيره تبعاً له، بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصاً خالياً (٢)، لأن خفض الصوت بالدعاء أبعد عن الرياء، وأيضا قد جاء النهي عنه، ففي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الله عنه قال لهم رسول الله لما ارتفعت أصواتهم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ» (٣). يقول الحسن البصري ﵀: "ولقد أدركنا أقواماُ ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ " (٤). قال ابن جريج ﵀: « .. يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة» (٥).

стр. 28

ودونك تلخيصاً لكلام شيخ الإسلام ﵀ الرائع العميق في بيان فوائد إخفاء الدعاء، يقول: " وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: أحدها: أنه أعظم إيماناً؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي. ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم لأن الملوك لا ترفع الأصوات عندهم، ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى، فإذا كان يسمع الدعاء الخفي فلا يليق بالأدب بين يديه إلا خفض الصوت به. ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه وخشع صوته؛ حتى أنه ليكاد تبلغ ذلته وسكينته وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوعه بالنطق. وقلبه يسأل طالباً مبتهلاً ولسانه لشدة ذلته ساكتاً وهذه الحال لا تأتي مع رفع الصوت بالدعاء أصلاً. رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص. خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه فكلما خفض صوته كان أبلغ في تجريد همته وقصده للمدعو سبحانه. سادسها: - وهو من النكت البديعة جداً - أنه دال على قرب صاحبه للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد؛ ولهذا أثنى الله على عبده زكريا بقوله : ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا﴾ [مريم: ٣]. سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنه قد يمل اللسان وتضعف قواه، وهذا نظير من يقرأ ويكرر فإذا رفع صوته فإنه لا يطول له؛ بخلاف من خفض صوته. ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد، فلا يحصل على هذا تشويش ولا غيره، وإذا جهر به فرطت له الأرواح البشرية ولا

стр. 29

بد ومانعته وعارضته ولو لم يكن إلا أن تعلقها به يفزع عليه همته؛ فيضعف أثر الدعاء ومن له تجربة يعرف هذا فإذا أسر الدعاء أمن هذه المفسدة. تاسعها: أن أعظم النعمة الإقبال والتعبد ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة، فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد، وقد قال يعقوب ليوسف ﵉ ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] الآية. وكم من صاحب قلب [مجتمع على الله]، وحال مع الله تعالى قد تحدث بها وأخبر بها، فسلبه إياها الأغيار [لحسدهم له]؛ ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى ولا يطلع عليه أحد والقوم أعظم شيئاً كتماناً لأحوالهم مع الله ، وما وهب الله من محبته والأنس به [واجتماع القلب عليه] " (١) إلى أخر كلامه ﵀. وقد مر معنا قريباً كلام الحسن البصري ﵀ في هذا المعنى الذي في آخر كلام شيخ الإسلام ونعيده هنا حيث يقول: "ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ " (٢). ١٠ - الاعتراف بالذنب، والاستغفار منه، والاعتراف بالنعمة، وشكر الله عليها. كما في حديث شداد بن أوس ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ

стр. 30

يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (١). يقول ابن القيم ﵀: "فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق: أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان: أن يكلك الله تعالى إلى نفسك. فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللجأ إلى الله تعالى، والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه، وجهلها، وظلمها، وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه، وإحسانه، ورحمته، وجوده، وبره، وغناه، وحمده. فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما، فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه. قال شيخ الإسلام (٢): "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل". وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح، حديث " «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ". فجمع في قوله ﷺ : " أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي" بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لولي النعم والإحسان. ومطالعة عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار، والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلساً.

стр. 31

وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى باب الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالاً، ولا مقاماً، ولا سبباً يتعلق به، ولا وسيلة منه يمن بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف، والإفلاس المحض، دخول من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه ﵎، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك، وخسر خسارة لا تجبر؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته" (١). ١١ - عدم تكلف السجع في الدعاء. الدعاء عبادة لها تعلق وثيق بالقلب، وتكلف السجع في ذلك يخرجها إلى الاهتمام بالجانب اللفظي على حساب حضور القلب، فيفقد الدعاء أثره، ويصرفه عن مقصده إلى ألفاظ مسجوعة متكلفة بعيدة عن تعلق القلب بالله، ولذا جاء النهي عن ذلك، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، فَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ،» يَعْنِي: لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ (٢). قال النووي ﵀: "ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يُشغل القلبَ، ويُذهبُ الانكسار، والخضوعَ، والافتقار، والمسكنة والذلّة، والخشوع" (٣).

стр. 32

١٢ - التضرع، والخشوع، والرغبة، والرهبة. قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. ومعنى التضرع: التذلل والخشوع والاستكانة والخضوع، والإلحاح في المسألة (١). أي ادعوه حالة كونكم" متضرعينَ أذلَاّءَ خاشعينَ له - جل وعلا - مستشعرينَ ذُلَّكُمْ وفقرَكم وحاجتَكم، وعظمةَ ربكم وكبرياءَه، وشدةَ فقرِكم إليه، وشدةَ غِنَاهُ عنكم" (٢). وقال تعالى في وصف حال عباده الصالحين عند دعائهم لربهم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. "﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم" (٣). ١٣ - رد المظالم مع التوبة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» (٤).

стр. 33

ومن أعظم موانع استجابة الدعاء الوقوع في الحرام كما في الحديث السابق الذي ذكر فيه مجموعة من الآداب التي لا يرد معها الدعاء إلا إذا سد الباب بالوقوع في الحرام كما بيّن الحديث، وعليه إذا أراد العبد أن يرفع هذه الموانع أن يبادر برد المظالم إلى أهلها ويحدث توبة إلى الله صادقة يندم فيها على ما حصل منه، ويقلع عن الذنب، ويعقد العزم على عدم العودة إلى الذنب، وإذا الذنب يتعلق بحقوق الآخرين فليرد حقوقهم عليهم، أو يطلب العفو والسماح، وبهذا تفتح له أبواب استجابة الدعاء، وسيأتي مزيد بيان لذلك. ١٤ - الدعاء ثلاثاً. من آداب الدعاء أن يدعو ثلاثاً، وهذا يدخل في باب الإلحاح على الله في الدعاء، وعن عبد الله بن مسعود ﵁: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلَاثًا، وَيَسْتَغْفِرَ ثَلَاثًا " (١). وهذا كذلك ادعى لحضور القلب وتدبره فيما يقوله اللسان من دعاء. ١٥ - استقبال القبلة. من الآداب أن يستقبل الداعي القبلة عند دعائه، وهي قبلة الصلاة، وقد ورد في السنة ما يدل على ذلك، فعن عَبْدِ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلِّي، وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» (٢). وثبت استقبال القبلة في الدعاء في الحج في كل المناسك التي يدعى فيها في الحج والعمرة. ولما دعى على قريش في مكة حينما وضعوا سلا الجزور على ظهرة استقبل الكعبة (٣). ولما دعى النبي ﷺ في غزوة بدر استقبل القبلة (٤). كل هذه النصوص وغيرها تدل على أن قبلة الدعاء هي الكعبة، وهو من آداب الدعاء.

стр. 34

١٦ - رفع الأيدي في الدعاء. ومن الآداب العظيمة التي لها أثر في إجابة دعوة الداعي رفع اليدين في الدعاء، وقد جاءت النصوص الكثيرة في إثبات رفع اليدين في الدعاء، وقد عده السيوطي ﵀ في المتواتر المعنوي، وذكر أنه ورد فيه مائة حديث تثبت أن النبي ﷺ رفع يديه في الدعاء (١). ما ورد في الصحيحين ونذكر منه على سبيل المثال: بوب البخاري ﵀ فقال: " بَابُ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ" (٢). عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ» (٣). عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ» (٤). ١٧ - الوضوء قبل الدعاء إن تيسر. كما في الحديث السابق عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ». قال أبو العباس القرطبي معلقاً على هذا الحديث: " و (قوله: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ)، ظاهر هذا الوضوء أنه كان للدُّعاء، إذ لم يذكر أنه صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء، ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء ولذكر الله" (٥).

стр. 35

وقال الشيخ محمد بن علي الإثيوبي ﵀ في شرحه على مسلم عند ذكره لفوائد هذا الحديث: " ومنها: استحباب الطهارة عند إرادة الدعاء" (١).

стр. 36

١٨ - أن لا يعتدي في الدعاء. وقد جاء النصوص بالنهي عن ذلك، ومنها الآية التي سبق الكلام عنها: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٥٥﴾. وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَعُذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ» (١). وفي هذا الحديث مثال على الاعتداء في الدعاء كما نص عليه كلام راوي الحديث. ومن أمثلة الاعتداء في الدعاء (٢): • دعاء غير الله تعالى. • الدعاء على المؤمنين بالشر. • رفع الصوت والصياح في الدعاء. • أن يسال ما لا يستحق له من منازل الأنبياء والمرسلين. • أن يدعو الله في أن ييسر له محرماً، أو يعينه على فعل معصية. • ويدخل في الاعتداء: الدعاء على نفسه أو أهله أو ماله بالشر. • السجع المتكلف في الدعاء؛ خصوصاً في القنوت والبحث عن غرائب الأدعية والكلمات.

стр. 37

• الإطالة المملة في دعاء القنوت والتي تشق على الناس وتثقل عبادتهم فيؤمّنون وقلوبهم قد كلت وسئمت، وهذا من فتنة الناس عن العبادة وتثقيلها عليهم، وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على معاذ إطالة قراءة القرآن في الصلاة فكيف بإطالة غيره. • أن يتحرى بدعائه أماكن ليس للدعاء فيها مزية بدليل شرعي، كمن يتحرى بدعائه عند القبور أو عند غار حراء، أو غار ثور، أو عند الشاخص الذي على جبل عرفة. • الدعاء الجماعي دبر الصلوات. • تخصيص أدعية خاصة لكل شوط في الطواف والسعي. ١٩ - أن يتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أو بعمل صالح قام به الداعي نفسه، أو بدعاء رجل صالح حي حاضر. ومن آداب الدعاء العظيمة التوسل إلى الله بين يدي دعائه بما شرعه الله من التوسل إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أو بعمل صالح قام به الداعي نفسه، أو بدعاء رجل صالح حي حاضر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، والوسيلة القربة والتقرب إليه بما يحبه، يقول السعدي ﵀: " ثم أخبر أيضاً أن الذين يعبدونهم من دون الله في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ من الأنبياء والصالحين والملائكة ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أي: يتنافسون في القرب من ربهم ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى وإلى رحمته، ويخافون عذابه فيجتنبون كل ما يوصل إلى العذاب. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: هو الذي ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه. وهذه الأمور الثلاثة الخوف والرجاء والمحبة التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل والمادة في كل خير. فمن تمت له تمت له أموره وإذا خلا القلب منها ترحلت عنه الخيرات وأحاطت به الشرور.

стр. 38

وعلامة المحبة ما ذكره الله أن يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله وينافس في قربه بإخلاص الأعمال كلها لله والنصح فيها وإيقاعها على أكمل الوجوه المقدور عليها، فمن زعم أنه يحب الله بغير ذلك فهو كاذب" (١). و أنواع التوسل المشروع ثلاثة (٢): النوع الأول: التوسّل في الدعاء باسم من أسماء اللَّه تعالى، أو صفة من صفاته، كأن يقول الداعي في دعائه: اللَّهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني، وتغفر لي؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ومن دعاء سليمان ﵊ ما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩]. وعن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه أن رسول ﷺ سمع رجلاً يقول: "اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ: " قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِ اللهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ" (٣). النوع الثاني: التوسل إلى اللَّه تعالى بعملٍ صالح قام به الداعي نفسه، كأن يقول المسلم: اللَّهم بإيماني بك، أو محبتي لك، أو اتباعي لرسولك أن تغفر لي.

стр. 39

أو يقول: اللَّهم إني أسألك بمحبتي لمحمد ﷺ ، وإيماني به أن تفرج عني، ومن ذلك أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بال، فيه خوفه من اللَّه سبحانه، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه، ثم يتوسَّل به إلى اللَّه في دعائه؛ ليكون أرجى لقبوله وإجابته ويدل على مشروعية ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. ومن ذلك ما تضمنته قصة أصحاب الغار؛ فإن كلاً منهم ذكر عملاً صالحاً تقرب به إلى اللَّه ابتغاء وجهه سبحانه، فتوسل بعمله الصالح، فاستجاب اللَّه له، فكان كل واحد يقول بعد ذكر عمله الصالح: " .. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ .. "، وقد استجاب الله دعاءهم بسبب توسلهم بعملهم الصالح، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون من الغار، ولفظه عند البخاري (١) يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِي أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي

стр. 40

فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّي إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ، مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ». النوع الثالث: التوسّل إلى اللَّه تعالى بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر: كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحلّ به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب اللَّه ﵎، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى اللَّه تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح، والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ربه، ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه. ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ ، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَمِنَ الْغَدِ، وَبَعْدَ الْغَدِ، وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ، أَوْ قَالَ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا. فَمَا يُشِيرُ
следующие страницы →