← Сира

Сира · id 127700

الرصف لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الفعل والوصف

ابن العاقولي

Полный текст (942 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فغَطَّنِي حتَى بَلَغَ منِّي الجهْدُ (١) ثم أرسَلَنِي فقالَ: "إِقْرأ" فَقُلْتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فَغَطَّني الثَّالِثَة حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثمَّ أرسَلَني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجَعَ بِهَا رسُول الله ﷺ يَرجفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ عَلى خَدِيْجَة بِنْتِ خُوَيْلِد، فَقَال: "زَمِّلونِي زَمِّلونِي" فزَمّلوهُ حَتَّى ذهَبَ عَنهُ الرَّوعُ، فَقال لِخَدِيجَة وأَخْبَرَها الخَبَرَ: لَقَد خَشِيْتُ على نفْسي، فقالَت لهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِر، فوَالله ما يُخْزيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحَدِيْث، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ. فانطَلَقَت بِه خَدَيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بهِ عَلَى وَرَقةَ بنِ نَوفَلَ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ وهو ابن عمِّ خَدِيجَة أَخِي أبِيها وكَان امْرأَ تنَصَّرَ في الجاهِلِيَّة وكانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العِبْرانيَّ، فَيَكْتُبُ منَ الإِنجيْلِ بالعِبْرانيَّة ما شاءَ الله أن يَكْتُبَ، وكانَ شَيخًا كَبيْرًا قَدْ عَمِيَ، فَقالتْ لهُ خَدِيجةُ: يا ابنَ عمِّ (٢) اسْمَعْ مِن ابْنِ أَخِيكَ، فقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يا ابنَ أخِي مَاذا تَرى؟ فأخْبَرَهُ رسُول الله ﷺ خَبَرَ ما رأى، فَقَالَ له وَرَقةُ: هذا النَّاموسُ الَّذي نُزِّلَ على مُوسى، يا ليتني فيها جَذعًا (٣)، ليتني أكونُ فِيها حيًّا إِذْ يِخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : أوَ مُخْرِجِيَّ هُم؟ قال: نعَمْ لَم يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بمثلِ ما جِئتَ به إلا عودِيَ،

стр. 37

وإن يُدْرِكْني يَوْمُكَ حيًّا أنصُرُكَ نصْرًا مؤزَّرًا، ثُمَّ لَم يَنْشَب وَرَقَةُ أن تُوُفِّيَ وفَتَرَ الوَحيُ فَتْرَةً حَتّى حَزِن رسُول الله ﷺ فِيمْا بَلَغَنا (١) حُزْنًا غَدا منهُ مِرارًا حَتَّى (٢) يتَرَدَّى من رؤوس شواهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّما أوفَى بِذَروَةِ جَبَلٍ لكي يُلقِي نَفسَهُ تَبَدَّى لَهُ جبريلُ ﵇ فقال: يا محَمَّد إنَّك رسولُ الله حقًّا فيسكُنُ لِذلك جأشُهُ، وَتَقِرُّ نفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإذَا طَالَت عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدا لِمِثْل ذَلِك فَإذا أوفى بذروة جبلٍ (٣) تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك. أخرجه البخاري ومسلم (٤). ٢٦ - وأخرجه البيهقي، وقال: عن ابن شهاب وهو الزهري قال: حَدَّثني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. ٢٧ - قال ابن شهاب وحدَّثَني مِثْلَ ذَلِك سَعِيد بن المسيب. وكان فيما بلغنا: أول ما رأى أنَّ الله أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد، فعصمها الله من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فإن الله لن يصنع بك إلا خيرًا، ثمَّ إنه خَرَجَ مِن عِندِها، ثم رجَعَ إِلَيْها، فأخْبَرَها أنّه رأى

стр. 38

بطنه شُقَّ ثمَّ طُهِّرَ وغُسِّل، ثمَّ أُعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم اسْتَعْلَنَ له جِبْريلُ ﵇ وهو بأعلى مكة، فأجْلَسَهُ على مَجْلِسٍ كَرِيمٍ مُعْجِبٍ كان النبي ﷺ يقولُ أجْلَسَني على بِساطٍ كهيئة الدُّرْنوك (١)، فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله حتى اطمأن النبي ﷺ ، فقال له جبريل ﵇: "اقرأ" فقال كيف أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَفتَحَ جِبرِيلُ عَينًا من ماء فتوضأ ومحمد ﷺ ينظر إليه، فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين, ثم نضح فرجه، وسجد سجدتين مواجهةَ البيت، ففعل محمَّد ﷺ كما رأى جبريل يفعل (٢). ٢٨ - قال ابن شهاب: وكانت خديجة أوَّل مَن آمن بالله وصَدَّق رسول الله ﷺ قبل أن تُفرَض الصلاة، قال: فقبِل الرسول ﷺ رِسالَة ربه ، واتَّبع الَّذي جاءه به جبريل ﵇ مِن عند الله، فلمّا قَبِلَ الَّذي جاءه من عِند الله، وانصرف مُنْقَلِبًا إلى بيته جعل لا يمرُّ على شجر ولا على حجر إلا وسلم عليه، فرجع مسرورًا إلى أهله موقنًا، قد رأى أمرًا عظيمًا، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتكِ (٣) الَّذي كنتُ أحَدِّثكِ أنِّي رأيته في المنام، فإنَّه جبريل عليه

стр. 39

السَّلام استَعلَن لِي، أرسلَه إلَّي رَبِّي، فَأخبرها بالَّذي جاءهُ من الله وما سمع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرًا، فاقْبَلِ الذي جاءك من الله، فإنه حق وأبشر، فإنك رسول الله ﷺ (١). ٢٩ - قال البيهقي: والذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة حين عُرِجَ به إلى السماء. أول ما نزل من القرآن المجيد وآخر ما نزل منه ٣٠ - عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها أعرابي فقال: أيُّ الكفن خيرٌ؟ قالت: ويحك وما يضرُّك؟ قال: يا أم المؤمنين أرينى مصحَفَك، قالت: لِمَ؟ قال: لعلِّي أؤلِّف القرآن عليه، فإنَّه يُقرأ غَيرَ مؤلَّف، قالت: وما يضُّركَ أيَّهُ قرأت قبْلُ، إنما أنزلت أوَّلَ ما نزلت سورةٌ من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثابَ النَّاس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزلَت أوَّل شيء: لا تشرَبُوا الخمرَ، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجاريةٌ ألعبُ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأمْلَت عليه آي السُّور. أخرجه البخاري (٢).

стр. 40

٣١ - عن ابن شهاب قال: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله على نبيه ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل على رسول الله ﷺ يوم حراء، ثم أنزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله. أخرجه البيهقي (١). ٣٢ - عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال أبو سلمة سألت جابرًا عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال لي جابر لا أحدِّثك إلا ما حدَّثنا رسول الله ﷺ ، قال: جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيتُ جوارى هبطتُ فنوديت، فنظرتُ عن يميني، فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دثِّروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حَمِي الوحيُ وتتابعَ. أخرجه البخاري ومسلم (٢). وهذا يشبه أنَّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل بعد فترة الوحي، بدليل قوله: ثم حمي الوحي وتتابع.

стр. 41

٣٣ - عن البراء قال: إن آخر سورة نزلت تامةً سورة التوبة، وإن آخر آية نزلت آية الكلالة. أخرجه البخاري ومسلم (١). ٣٤ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: قال ابن عباس: تدري آخر سورة من القرآن نزلت جميعًا؟ قلت: نعم ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: صدقت. أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٣٥ - وعن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا. أخرجه البخاري (٣). ذكر أول من اتبع رسول الله ﷺ وآمن به ٣٦ - عن ابن إسحاق قال: كان أول من اتبع رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد زوجته، ثم كان أول ذكرٍ آمن به علي بن أبي طالب وهو يومئذٍ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصّدِّيق، وكان أبو بكر رجلًا تاجرًا مألوفًا لقومه محبَّبًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خيرٍ وشر، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلُقٍ ومعروف، وكان جُلُّ قومه يأتونه لغير واحد من الأمر: تجارتِهِ وحسنِ مجالسته، فجعل يدعو إلى الإِسلام

стр. 42

مَن وَثِقَ به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه: عثمان بن عفان, وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، فانطلقوا حتى أتَوا رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الإِسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحق الإِسلام، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام, فصلَّوا, وصدَّقوا رسول الله ﷺ ، وآمنوا بما جاء من عند الله (١). وهذا الذي ذكره من تأخر إسلام أبي بكر هو أحد الأقوال، وقال الشيخ النواوي وغيره: هو أول من آمن بالنبي ﷺ في أحد الأقوال، وقال: وهو مذهب ابن عباس، وعمرو بن عَبَسَةَ وحسان بن ثابت الصحابيين، وإبراهيم االنخعي وغيرهم (٢) قال: وقيل أولهم عليُّ، وقيل: خديجة، وادعى الثعلبي الإِجماع فيه، وأن الخلاف إنما هو في أولهم بعدها، قال: وأسلم على يده خلائق من الصحابة منهم خمسة من العشرة وهم: عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص، قال: وصحب رسول الله ﷺ من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، فلم يُفارقه في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ. ذكر إظهار رسول الله ﷺ الدعوة إلى الإِسلام وابتدائه بإنذار عشيرته ٣٧ - قال ابن إسحاق: وكان ما أخفى النبي ﷺ أمره واستسرّ به إلى أن أمر بإظهاره ثلاث سنين من مبعثه.

стр. 43

٣٨ - عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ : عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمتُّ عليها، فجاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد إنَّك إن لم تَفْعَل ما أَمَرَكَ به ربُّك عَذَّبَك ربُّك. قال عليٌّ فدعاني، فقال يا عليُّ إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمتُّ عن ذلك ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرْتَ به عذَّبك ربُّك، فاصنع لنا يا عليُّ رِجل شاةٍ على صاع من طعام، وأعِدَّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، ففعلتُ، فاجتمعوا له وهم يومئذٍ أربعون رجلًا، يزيدون رجلًا أو ينقصونَه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزةُ والعباس وأبو لهب الكافر الخبيثُ، فقدَّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله ﷺ منها جذبة (١) فشقّها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، وقال: كلوا باسم الله، فأكل القوم حتى نهلُوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم يأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ : اسقهم يا علي، فجئت بذلك القعب، فشربوا به حتى نهلوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلّمهم، بَدَرُه أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدَّ ما سحَرَكُم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ ، فلما كان الغد، قال رسول الله ﷺ : يا عليُّ عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قَبْلَ أن أُكلم القوم ففعلتُ، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القُعب حَتَّى نهلوا عنه، وايمُ الله إن كان

стр. 44

الرجل ليأكل مثلها، ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم إنسانًا من العرب جاء قومَهُ بأفضلَ مما جئتُكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة. أخرجه البيهقي (١). ٣٩ - عن الشافعي ﵁ قال: لما بعث الله نبيه ﷺ أنزل عليه فرائضه كما شاء لا معقب لحكمه، ثم أتبع كل واحد منها فرضًا بعد فرض في حين غيرِ حينِ الفرض قبله، قال: ويقال - والله أعلم -: إن أول ما أنزل الله من كتابه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثم أنزل عليه بعد ذلك ما لم يؤمر أن يدعو إليه المشركين، فمرت لذلك مدة، ثم يقال: أتاه جبريل عن الله بأن يعلمهم نزول الوحي عليه، ويدعوهم إلى الإِيمان به، فكَبُرَ ذلك عليه وخاف التكذيب، وأن يتناول، فنزل عليه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: فقال: يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حتى لا تُبَلِّغَ ما أُنزِلَ إليك، فبلَّغ ما أُمِرَ به ﷺ . أخرجه البيهقي (٢). ٤٠ - عن أبي الزناد، عن ربيعة بن عباد - رجل من بني الدِّيل كان جاهليًا فأسلم - أنه رأى رسول الله ﷺ بذي المجاز وهو يمشي بين ظهراني الناس يقول: "يا أيُّها النَّاسُ قولوا: لا إله إلا الله تُفْلِحوا" وإذا وراءه رجلٌ ذو غَدِيرتين يقول: إنه صابئٌ كاذبٌ، قال فسألت عن ذلك الرَّجُل الذي وراءه، فقيل لي: هذا أبُو لهَبٍ عمُّ رسول الله ﷺ . أخرجه البيهقي (٣).

стр. 45

٤١ - عن الأشعث بن سليم السلمي، عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيُّها النَّاسُ قُولوا: لا إلَه إِلا الله تُفْلِحُوا" وإذ رجل خَلْفَه يَسْفي عليه الترابَ، فإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيُّها النَّاسُ لا يَغُرَّنَّكم [هذا] عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزَّى. أخرجه البيهقي (١). وعظ رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب وقبوله ذلك وإسلامه ٤٢ - عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أسلم وكان واعيةً أن أبا جهل اعترض رسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدينه، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس، فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم، إلى حمزة لينصروا أبا جهل [منه] فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأتَ، فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي منه، أنا أشهدُ أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزعُ، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وقال حمزة في ذلك شعرًا، ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطانُ، فقال. أنت سيد قريش اتَّبعتَ هذا الصابئ، وتركت دين آبائك، لَلْموت خيرٌ لك مما صنعت، فأقبل على حمزة بثُّه فقال: ما صنَعتُ؟ ! اللهم إن كان رشدًا، فاجعل تصديقَهُ في قلْبِي، وإِلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يَبِت بِمِثْلِها مِن وسْوَسَة الشيطان حتى أصبح،

стр. 46

فغدا على رسول الله ﷺ , فقال: يا ابن أخي إني قد وقَعْتُ في أمرٍ لا أعرفُ المخرَج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري، أرشدٌ هو أم غي؟ فحدَّثني حديثًا، فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدّثني، فأقبل رسول الله ﷺ ، فذكَّرَهُ ووعظه وخوفه وبشره، فألقى الله في نفسه الإِيمان بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد إنك لصادق، فأظهِر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحبُّ أن لي ما أظلَّتهُ السَّماء وإني على ديني الأول، فكان حمزة رضي الله تعالى عليه ممن أعز الله به الدين، أخرجه البيهقي (١). أخذ رسول الله ﷺ بمجامع ثوب عمر بن الخطاب فأسلم ٤٣ - عن أنس بن مالك قال: خرج عمر بن الخطاب متقلَّدَ السيف، فلقيه رجل من بني زُهرَة، فقال له: أين تَعْمدُ يا عمر؟ فقال: أريدُ أن أقْتُل محمَّدًا، فقال: وكيف تأمنُ في بني هاشم وبني زُهرة وقد قَتَلْتَ محمدًا؟ قال: فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوتَ وتركتَ دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدلُّك على العجب إن خَتَنَكَ وأُختكَ قد صَبَوا، وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر ذامِرًا حتى أتاهما، وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خبَّاب, قال: فلما سمع خباب بحس عمر، توارى في البيت، فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهينمةُ التي سمعتُها عِندَكم، وكانوا يقرؤون ﴿طه﴾ فقالا: ما عدا حديثًا تحدّثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتُما، فقال له خَتَنَهُ: يا عمر إن كان الحقُّ في غير دينك؟ ! قال: فوثب [عمر] على خَتَنِهِ فوطئه وطءًا شديدًا، قال: فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحةً بيده، فدمى وجهها، فقالت

стр. 47

وهي غضبي: إن كان الحق في غير دينك؟ ! إني أشهدُ أن لا إِلَه إلا الله، وأشْهَدُ أن محمدًا رسول الله، فقال عمر: أعطوني الكتابَ الذي عندكم، فقالت: إنَّك رِجسٌ، وإنَّه لا يمسُّه إلا المطهَّرون، فقم واغتسل وتوضأ. قال: فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب، فقرأ ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ قال: فقال عمر: دلُّوني على محمَّد، فلمَّا سمع خبَّاب قول عمر، خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوةُ رسولِ الله ﷺ لك ليلة الخميس: "اللهم أعِزَّ الإِسلامَ بِعُمَرَ بنِ الخطَّاب أو بِعمرو بن هِشَام" وكان رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا، قال: فانطلَق عمر حتى أتى إلى الدار حمزةُ وطلحة، وناس من أصحابِ رسول الله ﷺ ، فلما رأى حمزةُ وَجَلَ القَومِ مِن عُمَر، قال: هذا عمر، فإن يرد الله بعُمر خيْرًا يُسلِم، فَيَتَّبع النبي ﷺ ، وإن يُرِد غيرَ ذَلك يكُنْ قَتْلُه علينا هيِّنًا، قال: والنَّبيُّ ﷺ داخل يوحى إليه، قال: فخَرَج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر، فأخَذَ بمَجامِعِ ثوبهِ، وحمائل سيفه، فقال: "ما أنت بمُنْتَهٍ يا عُمَرُ حتى يُنزِلَ الله بك من الخِزيِ والنَّكالِ ما أنزَلَ بالولِيد بن المُغِيرَة، فهَذا عمر بن الخطَّاب، اللهمَّ أعزَّ الإِسلام أو الدِّين بِعُمَر بن الخطَّاب فقال عمر: أشهَدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّك عبدُ الله ورسولُهُ، وأسلم، وقال: اخرُج يا رسول الله. أخرجه البيهقي (١).

стр. 48

انشقاق القمر بمكة ٤٤ - عن أنس بن مالك قال: إنَّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُرِيَهُمْ آيةً، فأراهم انشقاق القَمَرِ مرَّتَيْن (١). ٤٥ - عن عبد الله بن مسعود قال: انشَقَّ القمرُ على عَهْد رسولِ الله ﷺ بشِقَّتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ : "اشهَدُوا اشهَدُوا". أخرجه البخاري ومسلم. ٤٦ - وفي رواية لمسلم: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بِمِنى إذ انفَلَقَ القمرُ فلْقَتَين: فِلقَةً وراء الجبلِ، وفلقةً دونَه، فقال لنا رسول الله ﷺ : اشهَدُوا". ٤٧ - وفي أخرى لمسلم: فَسَتَر الجبَلُ فِلْقَةً، وكانت فِلْقَةٌ فوق الجَبَل (٢). ٤٨ - وفي أخرى لمسلم: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُرِيَهم آيةً فأراهُم انشِقاقَ القَمَرِ (٣).

стр. 49

صبر رسول الله ﷺ على أذى المشركين وتحمله ما نزل به وبأصحابه ﵃ منهم ٤٩ - عن عائشة قالت: قُلتُ للنبي ﷺ : هل أتى عليكَ يومٌ كان أشدَّ عليكَ من يوم أُحُد؟ قال: لقد لقيتُ مِن قومِكِ، وكان أشَدُّ ما لَقِيتُ [منهم] يوم العقبة، إذ عَرضْتُ نفْسي على ابْنِ عَبْدِ يا ليلِ ابنِ عَبدِ كُلال، فلم يُجِبنِي إلى ما أرَدْتُ، فانطلقتُ وأنا مغمومٌ على وجهي، فَلَم اسْتَفِق إلا وأنا بِقَرنِ الثَّعالِبِ (١) فرَفَعتُ رأسي، وإذ أنا بسَحَابَة قد أظَلَّتني، فنظَرتُ فإذا فِيها جِبْرِيلُ، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سَمِع قول قومِكَ وَما رَدُّوا عَلَيكَ، وقد بَعَثَ إِلَيكَ مَلكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَه بِما شِئتَ فِيْهِم، فَنَاداني مَلَكُ الجِبالِ، فسَلَّم عَلَيَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد إن الله قد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وأنا مَلَكُ الجِبَال وقَدْ بَعَثني رَبُّكَ إِلَيكَ لِتَأمُرَنِي بِما شِئتَ، إن شِئتَ أطبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخشَبَيْنِ (٢)، قالَ رسولُ الله ﷺ : بل أرجو أنْ يُخْرِجَ الله مِن أصْلابِهِم مَن يَعْبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شَيئًا. أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٥٠ - عن عبد الله بن مسعود قال: أوَّلُ من أَظهَرَ إِسلامَهُ سَبْعَةٌ: النبيُّ

стр. 50

- ﷺ , وأبو بَكْرٍ، وعمَّارٌ، وأمُّه سُمَيَّة، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ. أخرجه البيهقي (١). ٥١ - عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ مَرَّ بِعَمَّارَ وأَهْلِهِ وهُم يُعَذَّبون، فقال: أبشِروا آل عَمَّارٍ أو آل ياسرٍ، فإنَّ مَوْعِدكُمُ الجَنَّةُ (٢). بعث رسول الله ﷺ أصحابه إلى النجاشي وإذنه لهم في الهجرة إلى الحبشة مرتين ٥٢ - عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسولُ الله ﷺ إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلًا، ومعنا جعْفَرُ بن أبي طالِب، وعُثمانُ بن مظعون، وبعثت قريش عمارة وعمرو بن العاص، وبعثوا معهما بهدية إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له، وبعثا إليه بالهدية، وقالا: إن ناسًا من قومنا رَغِبُوا عن ديننا وقد نزلوا أَرضك، فبعث إليهم النجاشي، ققال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتَّبعوهُ حتى دخلوا على النجاشي، فلم يسجدوا له، فقالوا: ما لكم لا تسجدون للملك، فقال: إن الله بعث إلينا نبيه ﷺ ، فأمرنا أن لا نسجد إلا لله ﵎، فقال النجاشي: وما ذاك؟ فأخبِرَ، قال عمرو بن العاص: إنهم يخالفونك في عيسى. قال: ما تقولون في عيسى وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله : هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول التي لم يَمسَّها بشر، ولم يفترضها (٣) ولد، فتناول النجاشي عودًا، فقال: يا

стр. 51

معشر القسِّيسين والرُّهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يَزِنُ هذه، فمرحبًا بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه نبي، ولَودِدْتُ أني عنده فأحمل نعليه، أو قال: أخدمه، فانْزِلوا حيثُ شئتُم مِن أرضي، فجاء ابن مسعود، فبادر، فشهد بدرًا. أخرجه البيهقي (١). ٥٣ - عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ أنه قال حين هاجر عثمان بِرُقيَّة: "والَّذي نفسي بِيَدِه إنَّه لأوَّلُ مَن هَاجَرَ بَعْدَ إِبْراهِيم وَلُوط". قال النواوي: رويناه في "تاريخ دمشق" في أحوال بنات النبي ﷺ (٢). عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل وقبول الأنصار ﵃ له ٥٤ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: لَبِثَ رسول الله ﷺ عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم مِجَنَّة وعُكاظ ومنازلَهم بمنى: من يُؤويني وينصُرُنِي حتى أُبَلِّغَ رسالات رَبِّي [وله الجنة] فلا يجد أحدًا يؤويه، ولا ينصره، حتى إن الرجل يَرحَلُ صاحِبُه مِن مُضَر أو اليمن، فيأتيه قومُه أو ذو رَحِمِه، فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك، يمشى بين رحالهم يدعوهم إلى الله يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله له من يثرِب، فيأتيه الرجل منا، فيؤمنُ به ويُقرئه القرآن، فينقَلِبُ إلى أهْلِه، فيُسْلمون بإسلامه حتى لم يبق دارٌ من يثربَ إلا وفيها رَهْطٌ من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم بعثنا الله ، وائتمرنا، واجتمعنا سبعين رجلًا منا، فقلنا: حتى متى نَذَرُ رسولَ الله ﷺ يطوف في جبال مكة ويخافُ، فرحلنا حتى قَدِمنا عليه في الموسم، فواعدنا شِعبَ العَقَبة، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا

стр. 52

عنده، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: "تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَة في النَّشاط والكَسَلِ، وعلى النفقة في اليُسر والعُسر، وعلى الأمرِ بالمَعْروف والنَّهيِ عن المنكَرِ، وعلى أن تقُولُوا فِي الله لا تأخُذُكُم لَوْمَة لائِم وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ عَلَيْكُم يَثْرِب، تمنعُوني مما تمنعُون منهُ أنْفُسَكُم وأزواجَكُم وأبناءَكُم ولَكُم الجَنَّة" فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السَّبعين رجلًا إلا أنا، فقال: رويدًا يا أهلَ يَثرِب إنا لم نضرب إليه أكباد المَطِيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعَضَّكُمُ السُّيوفُ، فإما أنتم قومٌ تصبرونَ على عض السيوف إذا مسَّتكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وآجركم الله عليه، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جَنَفَةً، فَذَروه، فهو أعذر لكم عند الله ، فقلنا: أمِط يَدَك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه نبايعه رجلًا رجلًا يأخذ علينا شرطه، ويُعطينا على ذاك الجنة. أخرجه البيهقي (١). الإِسراء برسول الله ﷺ - ٥٥ - عن شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله كيف أُسرِيَ بِك؟ قال: صلَّيتُ لأصحابي صلاة العَتَمَةِ بمكَّةَ مُعتِمًا، فأتاني جِبْريلُ بدابَّةٍ بيضاءَ فَوْقَ الحمارِ ودُونَ الْبَغْلِ، فقال: اركبْ فاسْتَصْعَبْت علَيَّ، فَرَازَها (٢) بأُذُنِها. ثمَّ حملني عَلَيْها، فانطَلَقْت تَهْوِي بِنا يَقَعُ حافِرُها حَيثُ أدرَكَ طَرْفُها، حتى

стр. 53

بَلَغْنا أرضًا ذاتَ نَخْلٍ، فأنْزَلَنِي، فقال: صَلِّ، فصَلَّيتُ ثمَّ ركِبْنا، فقالَ: أتَدْرِي أيْنَ صَلَّيتَ؟ قُلتُ: الله أعلم، قال: صَلَّيتَ بِيَثرِب، صَلَّيتَ بِطَيْبَةَ, فانطَلَقَتْ تهوي بِنا يَقَعُ حافِرُها حَيْثُ أدرَكَ طَرْفُها، ثمَّ بلَغنا أرضًا فقال: انزِلْ، فَنَزَلْتُ ثمَّ قال: صلِّ، فصَلَّيتُ، ثُمَّ ركِبنا، فقال: أتَدرِي أين صَلَّيت؟ قلت: الله أعْلَمُ، قال صلَّيتَ بِمَدْيَن، صَلَّيتَ عِندَ شَجَرَةِ مُوسَى ﵇، ثمَّ انطَلَقَتْ تهوي بنا يَقَعُ حَافِرُها حَيْثُ أدرَكَ طَرفُها، ثمَّ بَلَغْنا أرضًا بَدَتْ لَنا قُصُورُ الشَّام، فَقَالَ: انزِلْ، فَنَزَلْتُ، فقالَ: صلِّ، فصَلَّيتُ، فقالَ: أتَدْري أينَ صَلَّيتَ؟ قُلْتُ الله أعْلَمُ، قال: صَلَّيتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عيسى ﵇ المسيح بن مريِم، ثم انطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلنَا المَدِينَةَ مِن بابِها اليَمَانِيِّ، فأتَى قِبْلَةَ إلمَسْجِدِ فَرَبَطَ فيهِ دابَّتَه ودَخَلنا المسجِد من بَابٍ فيهِ تَميْلُ الشَّمسُ والقَمَرُ، فصَلَّيتُ مِن المسجد حيثُ شاء الله، وَأخَذَني (١) مِن العَطَشِ أشَدُّ ما يكونُ أخَذَنِي، فأتِيتُ بإنَاءَين، فِي أحَدِهِما لَبَنٌ، وفي الآخَرِ عَسَلٌ, أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهما جَميعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُما، ثمَّ هداني الله ، فأخَذتُ الَّلبَنَ فَشَرِبْتُ حتَّى قَرَعْتُ به جَبيني، وبين يَدَيَّ شَيخٌ متَّكيء على مَثْراةٍ (٢) له، فقال: أخَذَ صَاحبُك الفِطرةَ، إنه لَيُهدي، ثُمَّ انطَلَقَ بي حَتَّى أتَينا الوادي الَّذي في المدينة، فإذا جهنَّم تَنْكَشِفُ عن مِثْلِ الروابي (٣) قُلْتُ: يا رسول الله كيف وَجَدتَهَا؟ قال: مِثلَ الحَمَّةِ السُّخْنَةِ، ثم انْصَرَفَ بي فَمَرَرنا ببَعِيرٍ لِقُرَيشٍ بمكان كذا وكذا قد أضلُّوا بَعِيرًا لهُم قد جَمَعَهُ فُلانٌ، فسَلَّمتُ عليهِمْ، فقالَ بَعْضُهُم: هَذا صوْتُ محمَّدٍ، ثُمَّ أتَيْتُ أصْحابي قَبْلَ الصُّبح بِمَكَّةَ، وأتانِي أبُو بَكرٍ، فقال: يا رسولَ

стр. 54

الله أين كُنْتَ الَّلَيلَةَ؟ فقد التَمَسْتُكَ في مَكانِكَ، فقالَ: أَعَلِمتَ أنِّي أتَيْتُ بيتَ المقْدِسِ الَّليلةَ؟ فقال: يا رسول الله إنَّه مسِيرَةُ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي، فَفُتِحَ لِي صِراطٌ كأنِّي أنظُرُ إِلَيهِ، يسألُني عن شيءٍ إلا أنْبَأتُهُ عَنْهُ. قال أبو بكر: أشهَدُ أنَّك رسُول الله، فقال المُشْرِكُون: انْظُروا إلى ابن أبي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أنَّهُ أتى بَيْتَ المقدسِ من الَّليلة، قال: فقال: إنَّ مِن آيَةِ ما أقُولُ لَكُم، أنِّي مَرَرتُ بِعِيرِكُم بمكانِ كذا وكذا قد أضَلُّوا بَعِيرًا لهُم فَجَمَعَهُ فُلانٌ، وإِنَّ مسيْرَهُم يَنْزِلُونَ بِكَذا ثمَّ كذا، ويأتُوْنَكُم يومَ كَذَا وكَذَا يَقْدُمُهُم جَمَلٌ آدمٌ عليه أسْوَدُ وغِرَارَتَانِ سَودَاوانِ، فَلمَّا كانَ ذلِكَ اليومُ أشْرَفَ النَّاسُ يَنظُرونَ حتَّى كانَ قَرِيبٌ من نِصْفِ النَّهارِ، حتَّى أقْبَلَتِ العِيرُ يَقْدُمُهم ذَلكَ الجَمَلُ الَّذي وَصَفَهُ رسُول الله ﷺ . أخرجه البيهقي بإسناد، وقال: هذا إسناد صحيح (١). ٥٦ - وقال عن ابن شهاب: أنه أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس

стр. 55

قبْل خُرُوجه إلى المدينة بسنة. قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزُّبير (١). ذكر الهجرة إلى المدينة وما كان في سني الهجرة ٥٧ - عن البراء قال: أوَّل من قدم المدينة علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وابنُ أُمِّ مكتُوم، فَجَعلا يُقرِئانِنا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعدٌ، ثم جاء عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم قدم النبيُّ ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فَرِحوا بشيءٍ فَرَحَهُم به، حتى رأيت الولائد والصِّبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مثلها من المفصَّل. أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٥٨ - قال الشيخ النواوي: قال الحاكم أبو أحمد - هو شيخ الحاكم أبي عبد الله - يقال: وُلِدَ النبيُّ ﷺ يوم الاثنين، ونبِّيء يوم الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين (٣). ٥٩ - قال الشيخ النواوي: قدم المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وأقام بها عشر سنين بلا خلاف (٤). وهذه أحرف في بيان جملة من الأمور المشهورة في كل سنة منها:

стр. 56

السنة الأولى: فيها بنى النبي ﷺ مسجده ومساكِنَهُ، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأسلم عبد الله بن سلام، وشُرِعَ الأذان. السنة الثانية: فيها حولت القبلة إلى الكعبة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا من الهجرة، وفي شعبان منها فرض صومُ رمضانَ، وفيها فُرِضَت صَدَقَةُ الفِطرِ، وفيها كانت "غزوة بدر" في رمضان، وفي شوال منها بنى بعائشة، وفيها تزوج عليٌّ فاطمة. السنة الثالثة: فيها غزواتٌ وسرايا، منها "غزوة أحد" يوم السبت السابع من شوال، ثم "غزوة بدر الصغرى" لهلال ذي القعدة، ومنها "غزوة النضير"، وحرمت الخمرُ بعد أُحُدٍ، وتزوَّج فيها حفصةَ، وتزوج عثمانُ أمَّ كلثومٍ، وولدَ الحسين بن علي ﵉. السنة الرابعة: فيها تزوج أمَّ سلمةَ، وقَصُرَتِ الصلاة، ونزل التيمُّم، وفيها "غزوة الخندق"، وقيل: الخندق في سنة خمس, وفيها قتل القراء ببئر معونة، ﵃. السنة الخامسة: فيها غزوة "دومة الجندل"، و"قريظة" ونزل الحجاب. السادسة: فيها "غزوة الحديبية"، وبيعة الرضوان، و"غزوة بني المصطلق"، وكسفت الشمس، ونزل الظهار. السابعة: فيها "غزوة خيبر"، وتزوج أم حبيبة، وميمونة، وصفية، وجاءت مارية وبغلته دُلْدُلْ، وقدم جعفر وأصحابه من الحبشة، وأسلم أبو هريرة. الثامنة: فيها "غزوة مؤتة"، و"ذات السلاسل" و"فتح مكة" في رمضان،

стр. 57

وولد إبراهيم، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ ، وفيها "غزوة الطائف" وفيها غلا السِّعر، فقالوا: سَعِّرْ لنا (١). التاسعة: فيها "غزوة تبوك" وحج أبو بكر بالناس، وتوفيت أم كلثوم، والنجاشي، وتتابعت الوفود. العاشرة: فيها حج رسول الله ﷺ "حجة الوداع"، وتوفي إبراهيم ابن النبى ﷺ ، وأسلم جرير، ونزل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. ذكره الشيخ النواوي في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢).

стр. 58

الفصل الثاني: في ذكر أوصافه الشريفة وأخلاقه ﷺ - ٦٠ - عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة عن حِلْيَةِ رسول الله ﷺ وكان وصَّافًا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئًا أتعلَّقُ به، فقال: كان رسول الله ﷺ فخمًا مُفخَّمًا، يتلألأ وجهُه تلألؤَ القمَرِ ليلَةَ البدْرِ، أطولَ من المربوع، وأقصَرَ من المشَذَّب، عظيمَ الهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إن انفَرَقَتْ عقيقَتُه فرق، وإلا فلا يُجَاوِزُ شعرهُ شَحْمَةَ أذُنَيْه إذا هو وفَّرَه، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجَّ الحواجبِ، سوابِغَ من غير قَرَن، بينهما عِرق يُدِرُّهُ الغضَبُ، أقنى العِرنِين، له نورٌ يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمَّ، كَثَّ اللحية، أدعج سهلَ الخَدين، ضَليعَ الفَمِ، أشْنَبَ، مفلَّج الأسنانِ، دَقيقَ المسْرُبة، كأن عنقَهُ جيدُ دُميَةٍ في صفاءِ الفضَّة، معتدل الخلق، بادنًا متماسكًا، سواءَ البطنِ والصّدر، عَريضَ الصَّدر، بعيدَ ما بين المنكبين، ضَخْمَ الكَرَاديس، أنورَ المتجَرَّد، موصول ما بين اللبة والسُّرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصَّدر، طويل الزِّندين، رَحْبَ الرَّاحة، شَثْنُ الكَفَّين والقَدَمَينِ، سايِلُ أو سائل الأطراف، خمصانَ الأخمَصَين، مسيحَ القَدَمَينِ، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعًا، ويخطو تكفُّؤًا، ويمشي هونًا، ذريعَ المشية، إذا مشى كأنما ينحطُّ من

стр. 59

صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، خافض الطَّرف، نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ (١) من لقيه بالسلام. قلت: فصف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصِلَ الأحزان، دائِم الفكرة، ليس له راحة، طويلَ السَّكتَةِ، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجَوَامِعِ الكَلِمِ، فصلًا لا فضُول فيه ولا تقصير، دمثًا، ليس بالجافي ولا المهين، يُعظِّم النعمة وإن دقَّت، لا يذم شيئًا، لم يكن يذمُّ ذواقًا ولا يمدحه، ولا يُقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفِّها كلها، وإذا تعجَّب قلَبها، وإذا تحدَّث اتصل بها، فضرَبَ بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، فإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جُلُّ ضَحِكِه التَّبسُّمُ، يَفترُّ عن مثل حبِّ الغَمَامِ. قال الحسن ﵁: فكتمتها الحسين بن على ﵄ زمانًا، ثم حدّثتُه، فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يَدَع منه شيئًا. قال الحسين ﵁: سألت أبي ﵁ عن دخول رسول الله ﷺ ، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جَزَّأ دخوله ثلاث أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جَزَّأ جُزءَه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة والخاصة (٢)، ولا يدَّخِر عنهم شيئًا.

стр. 60

وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم، والأمة من مسألته عنهم (١) وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: "لِيُبَلِّغ الشَّاهدُ منْكُم الغَائِبَ، وبلِّغوني حَاجَة مَن لا يَسْتَطِيع إبلاغي حاجَتَهُ، فإنَّه مَنْ أبلَغَ سُلطانًا حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ثَبَّتَ الله قدميْه يوم القيامة" لا يذكر عنده إلا ذلِك، ولا يقبل من أحد غيره. قال في رواية سفيان عن وكيع: يدخلون روَّادًا ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويَخرجون أدلَّةً على الخير. قلت: فَأخْبِرنِي عَن مَخرَجِهِ كَيفَ يَصنَعُ فيهِ؟ قَال: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَخْزَنُ لِسانَهُ إلا فيما يَعنيه، ويؤلِّفهم ولا يُفَرِّقهم، يكرم كريم كلِّ قوم، ويُولِّيه عليهم، ويحذَرُ الناس ويحترس منهم من غير أن يطويَ عن أحد منهم بِشْرَهُ وخُلُقَه، ويتفقَّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسِّن الحسن ويصوِّبه (٢)، ويُقَبِّح القبيحَ ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفُل مخافة أن يغفُلوا أو يَملُّوا، لكلِّ حالٍ عنده عَتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونَهُ من الناس خيارهم، وأفضلُهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظَمُهم عنده منزلة أحسنُهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على (٣) ذكر، ولا يُوطِنُ الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلسُ، ويأمرُ بذلك، ويُعطِي كلَّ جلَسائه نصيبه حتى

стр. 61

لا يحسِبُ جليسُهُ أن أحدًا أكرمُ عليه منه، من جالسه أو قاومه (١) لحاجة صابرَه حتى يكون هو المُنصَرِفَ عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطُه وخلقُهُ، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى - وفي رواية، وصاروا عنده في الحق سواء - مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصواتُ، ولا تؤبَنُ فيه الحُرَم، ولا تُنثَى فَلتاته، يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين، يوقِّرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب. قال: فسألته عن سيرته في جلسائه، فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهْل الخلق، لَيِّن الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب ولا فحَّاش، ولا عيَّاب ولا مزَّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُؤْيسُ منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرِّياء، والإِكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمُّ أحدًا ولا يعيِّره، ولا يطُلب عورته، ولا يتكلَّم إلا فيما يرجو ثوابه. إذا تكلم أطرَقَ جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرَغَ، حدِيثُهم [عنده] حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجَّب مما يتعجَّبون منه، ويصبر للغريب على جفوته في المنطق، ويقول: "إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفِدوه" ولا يطلب الثناء إلا من مكافٍ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام. وفي رواية: قلت: كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربعة: على العلم، والحذر، والتقدير، والتفكر، فأما تقديره: ففي تسوية (٢) النظر

стр. 62

والاستماع بين الناس، وأما تفكره: فيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء [ولا] يستفِزُّهُ، وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهي عنه، واجتهاد الرأي بما (١) أصلح أمته، والقيام فيما جَمَعَ لهم أمر الدُّنيا والآخرة. أخرجه أبو عيسى الترمذي في "الشمائل"، وأبو عبد الله الترمذي في "النعت"، والإِمام البيهقي في كتاب "دلائل النبوة" والقاضي عياض في "الشفاء" (٢). ٦١ - عن علي ﵁ قال: كان إذا وصف رسول الله ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغَّطِ، ولا بالقصير المترَدِّد، وكان رَبْعَةً من القوم، ولم يكن بالجَعْدِ القَطَطِ، ولا بالسَّبطِ، كان جَعْدًا رَجِلًا، لم يكن بالمطَهَّم ولا بالمكلْثَم، وكان في الوجه تدوير، أبيضُ مُشرَبٌ، أدعَجُ العَينَين، أهدَبُ الأشفارِ، جَلِيلُ المُشاشِ، والكَتِدِ، أجرِدُ ذو مسْرُبة، شَثْنُ الكَفَّين والقدمين، إذا مشى تقلَّع كأنما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معًا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجودُ الناس صَدرًا، وأصْدَقُ الناس لهجَةً، وألْينهم عريكةً، وأكرمهم عِشْرةً (٣) من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبَّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله. أخرجه الترمذي في "جامعه" (٤). ٦٢ - عن مقاتل بن حيان، عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﷺ : يا عيسى جِدَّ في أمري، ولا

стр. 63

تهْزَل، واسمع وأطِعْ، يا ابنَ الطاهر البكر البتول، إنك من غير فحل، وأنا خلَقتُك آيةً للعالم، فإياي فاعبد، وعليَّ فتوكل، فسِّر لأهل سوران بالسريانية، بلِّغ مَن بين يديك أنِّي أنا الله الحيُّ القيوم (١) الذي لا أزول، صدِّقوا النبي الأميَّ صاحب الجمل والعمامة (وهي التاج) والنعلين، والهراوة (وهي القضيب) الجعدُ الرأس، الصَّلتُ الجبين، المقرونُ (٢) الحاجبين، الأنجلُ العينين، الأدعَجُ، الأقمرُ اللون، الأقنى (٣) الأنف، الكثُّ اللحية، كأنَّ عنقهُ إبريقُ فضَّة، كأنَّ الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من لَبَّتِهِ إلى سُرَّته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره، شثنُ الكفين والقدمين (٤) إذا مشى كأنما يتقلَّع من الصخر منحدر في صبب، ذو النسل القليل. إنما نسله من المباركة خديجة، لها في الجنة بيت من قصب، لا سَخَبَ فيه ولا نَصَب، تكفُلُهُ في آخر الزمان كا كفَلَ زكَرَيا أمَّك، له منها ابنته فاطمة، له منها فرحان (٥) مستشهدان، حسن وحسين، كلامه القرآن، ودينه الإِسلام، طوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه، قال عيسى ﷺ يا رب وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة أنا غرستها بيدي، أصلها من رضواني، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه طعم الزنجبيل، وريحها ريح المسك. قال عيسى: يا رب اسقنى منها، قال حرام يا عيسى على النبيين أن يذوقوها حتى يشرب منها ذلك النبي الأمي، وحرام على

стр. 64

الأمم أن يشربوها حتى تشرب أمة ذلك النبي. أخرجه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في "النعت". ٦٣ - وأخرجه البيهقي عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى. . إلى قوله: ذو النسل القليل، ووقفه على مقاتل (١). ٦٤ - عن وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى إلى شعيا، نبي [من أنبياء بني] إسرائيل ﵇ أن قُلْ لِقومكَ: إني قد قَضَيْتُ عَلَى نَفْسِي يَومَ خلقتُ السمواتِ والأرضَ أمرًا حَتمًا عليَّ إِنفاذُهُ، فسَلْهُم ما هوَ، وفي أي زمان يكون؟ قد يبِسَت ألسنَةُ الفُقَراء والمَسَاكِين من العَطَشِ، وطلبوا الماء فلم يَقْدِروا عليه، وأنا الله إلهُهم، يدعوني فلا أستجيب لهم، أُفَجِّرُ في الجبالِ الأنهارَ، وفي الصَّحاري العيونَ، وفي المفاوِزِ الينابيعَ، أعتد الصَّنَوبَرَ في الفلوات، والآس في المفَاوِزِ، والمُلكَ والحِكمَةَ في الرُّعاةِ والنُّبُوَّة في الأجَراء، والعِزَّ في الأذِلاء، والقُوَّة في الضُّعفاءِ، والعزَّةَ في الأقِلاءِ, والمدائنَ في الفَلَواتِ، والأجسامَ في الصَّحاري والبراري، والعلم في الجَهَلةِ, والحِكمَةَ في الأميِّين، فسلهُم من القائم بهذا، ومتى هو، وعلى يد من أؤسِّسه، ومن أعوانُ هذا الأمْرُ وأنصَارُه؟ فإنِّي باعثٌ لذلك نبيًّا أميًّا، أعمى من عُميان، ضالًّا من ضالِّين، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، ولا متزيِّن بالفُحشِ، ولا قَوَّالٍ بالخَنا، أنا الله ربُّ الأربابِ، أنا الَّذي رفعتُ السَّماء فمَدَدْتُها، ووضَعتُ الأرضَ فَدَحَيتُها، ونصَبتُ الجبال فأرسَيتُها، وخَلَقْتُ كُلَّ شيءٍ وجَعَلتُ النَّسَم والأرواح في جوفِ أهْلِها، أدعو عبدِي للصّدق، وأبعثه بالحَقِّ، وأؤيّده على البلاغِ، وأُنزلُ عليه روحي، وأبعثه أعمى من عميان، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا سخَّاب في الأسواق، يمرُّ على القصبِ الزَّعزاعِ فلا يسمع من تحت قَدَمَيْه،

стр. 65

ويمر إلى جنب السِّراج فلا يطفئه من سكينته، يحكم بالقسْطِ، ويظهر دينه على الأديان، ويجوز حُكْمُه خلفَ البحار، ولا يُنيرُ باطلًا، ولا يطفئ حقًا، أبعثه شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا، أفتَحُ به آذانًا صُمًّا، وأختن به قُلوبًا غُلفًا، أفُكُّ به الأسارى من الحبسِ والرِّباط، وأُخرِجُ به العُميان من الظلماتِ إلى النور، أُسَدِّدُه لكُلِّ جميلٍ، وأهبُ له كل خُلُق كريم، أجعل السَّكينة لباسَهُ، والبرَّ شِعارَهُ، والتقوى ضميرُه، والحِكمَةَ معقوده، والصِّدقَ والوفاء طبيعته، والمعروفَ خُلُقَهُ، والعدلَ سيرَتَهُ، والحقَّ شريعتَهُ، والهَديَ إِمامَهُ، والإِسلام مِلَّتَهُ، وأحمدَ اسمَهُ، أهدي به مِنَ الضَّلالة، وأعلِّم به بعد الجهالة، وأكثر به بعد القِلَّة، وأغني به بعد العَيْلَةِ، وأجمَع به الفُرقَةَ، وأؤلِّف به قلوبًا مختلفة وأهواءً مشتَّتة وأمورًا مفِّرقة، وأجعلُ أُمَّتَهُ خيرَ أمَّةٍ أُخرِجَت للنَّاسِ يأمرونَ بالمَعْرُوف وينهَونَ عنِ المُنْكَر، ويوحِّدونَ لي إيمانًا وإخلاصًا وتصديقًا لما جاءت بِهِ رُسُلِي، أُلْهِمُهم التَّوحيدِ، والتكبيرَ، والتحميدَ، والتَّسبيحَ، في مساجدهم ومضاجعِهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلُّون لي قيامًا وقعودًا, وركوعًا وسجودًا، ويَخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي أُلوفًا، ويقاتِلُون في سبيلي صُفوفًا وزحوفًا، يُطَهِّرون الوجوه والأطراف، ويشدُّون الأُزُرَ في الأَنصافَ، ويُكَبِّرون ويُهَلِّلون على الأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلُهُم صُدورُهم، رهبان بالليل، لُيوثٌ بالنَّهار، ذلك فضلي أوتيهِ من أشاء، وأنا ذو الفضْلِ العَظِيم. أخرجه أبو عبد الله الحكيم في كتاب "النعت". ٦٥ - عن عبد الله بن سلام قال: مكتوبٌ في التوراة صفة محمد، وعيسى يدفن معه، فقال أبو مودود المدني: قد بقي في البيت موضع قبر. أخرجه الترمذي (١).

стр. 66

٦٦ - عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غَطَفان، فكلما التقوا هُزِمَت يهود بني خَيبَر، فعاذت اليهود بهذا الدُّعاء, فقالت: اللهم إنا نسألك بحقِّ محمد النبيِّ الأميِّ الَّذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء، فَهَزَموا غطَفان، فلمَّا بعث النبي ﷺ كفروا به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ [البقرة: ٨٩] يعني بك يا محمد ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أخرجه البيهقي (١). ٦٧ - عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت النجاشي يقول: أشهَدُ أنَّ مُحَمدًا رسول الله, وأنَّه الذي بُشِّر به عيسى بن مريم, ولولا ما أنا فيه من الملك وما تحمَّلتُه فِي أمرِ النَّاسِ، لأَتَيتُه حتى أَحمِلَ نَعْلَيه، أخرجه أبو داود (٢). ٦٨ - عن أبي موسى قال: خَرَجَ أبو طالب إلى الشام، وخرج النَّبيُّ ﷺ في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الرَّاهب، هَبَطوا فحلُّوا (٣) رِحالَهُم، فَخَرَج إليهم الرَّاهب، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم، فقال وهم يَحلُّون رِحَالَهُم، فَجَعل يتَخَلَّلُهم الرَّاهب حتى جاء، فأخذ بيد رسول

стр. 67

الله ﷺ ، قال: هذا سَيِّدُ العالمِينَ، هذا رسول رَبِّ العالمين، يبعثُه الله رحمةً للعالَمِين، فقال الأشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبيّ، وإنِّى أعرفه بِخَاتِم النُّبوَّة، بين غُضروف كَتِفِه مثلَ التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رِعْيَةِ الإِبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غَمَامَةٌ تُظِلُّه، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فَيءِ شَجَرَةٍ، فلما جلس مال فَيءُ الشَّجرة عليه، فقال: انظُروا إلى فيء الشجرة مالَ عليه، فقال: أُنشِدُكُم بالله، أيُّكُم وَلِيُّه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يُناشِدُهُ حتَّى رَدَّهُ أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالًا وزوَّدهُ الراهب بالكعك والزَّيت. أخرجه الترمذي (١). ٦٩ - عن جبير بن مطعم قال: لما بعث الله نبيه ﷺ ، وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشام، فلما كنت بِبُصرى، أتتني جماعةٌ من النصارى، فقالوا لي: أمِنَ الحَرَمِ أنت؟ قُلت: نعم، قالوا: أفتعرف هذا الذي تنبَّأ (٢) فيكم؟ قلت: نعم، قال: فأخذوا بيدي، فأدخلوني ديرًا لهم فيه تماثيل وصور، فقالوا لي: انظُر فَهَل تَرَى صورَةَ النَّبيِّ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فَنَظَرتُ فَلَم أرَ صُورَتَهُ، قلتُ لا أرى صورتهُ، فَأدخَلوني دَيرًا أكبر من ذلك الدير، وإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير، فقالوا لي: انظر هل ترى صورته،

стр. 68

فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله ﷺ وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذٌ بِعَقِبِ رسولِ الله ﷺ ، وقالوا لي: هل ترى صفته؟ قلت: نعم، قالوا: أهو هذا؟ وأشاروا إلى صفة رسول الله ﷺ ، قلت: اللهم نعم: أشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه؟ قلت نعم، قالوا: نشهد أن هذا صاحبكم، وأن هذا الخليفة من بعده. أخرجه البيهقي (١). وقال: رواه البخاري في "التاريخ" فذكره نحوًا من هذا، إلا أنه لم يذكر أبا بكر، وقال فيه: لم يكن نبيٌّ إلا كان بعده نبي إلا هذا النبي. صفة شعر رسول الله ﷺ - ٧٠ - عن قتادة قال: سألت أنسًا عن شعر رسول الله ﷺ ، قال: شعرُه بين شَعرينِ، لا رَجِلٌ ولا سَبْطٌ، ولا جَعْدٌ ولا قَطَطٌ، كان بين أذنيه وعاتقه. وفي رواية: قال: كان رَجِلًا ليس بالسَّبطِ ولا الجَعْدِ، بين أذنيه وعاتقه. وفي رواية: كان يضربُ شعرُهُ منكبيه. وفي أخرى: إلى أنصاف أذنيه. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود. وفي رواية أبي داود: كان شعر رسول الله ﷺ إلى شحمة أذنيه. وفي رواية: إلى أنصاف أذنيه (٢).

стр. 69

٧١ - عن عائشة قالت: كنت أغتَسِلُ أنا ورسُولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، وكان له شعرٌ فوق الجُمَّة ودون الوفرَةِ. أخرجه الترمذي وفي رواية أبي داود قالت: كان شعرُ رسولِ الله ﷺ فوق الوَفرة ودون الجُمَّة (١). السدل والفرق ٧٢ - عن ابن عباس قال: كان أهل الكتاب يَسْدلون أشْعارَهُم، وكان المُشرِكون يَفرِقُون، وكان رسول الله ﷺ يُعْجِبُ موافقةُ أهل الكتاب فيما لم يؤمَرُ به، فسدل رسولُ الله ﷺ ناصيتهُ، ثم فرق بَعْدُ. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود (٢). ٧٣ - عن عائشة قالت: كنت إذا أردت أن أفرق شعر رسول الله ﷺ ، صَدعتُ الفرق بين يافوخهِ، وأرسلتُ ناصيتَهُ بين عينيه، أخرجه أبو داود (٣). الغدائر وعددها ٧٤ - عن أم هانيء قالت: قَدِم رسول الله ﷺ مكة وله أربعُ غَدائر. أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وقال: تعني ضفائر (٤).

стр. 70

الشيب وعدد شعراته ٧٥ - سئل أنس عن شيب رسول الله ﷺ ، فقال: ما شانه الله ببيضاءَ. وفي رواية قال: كان يكره أن يَنتِفَ الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته، قال: ولم يخضِب رسولُ الله ﷺ ، إنَّما كان البياض في عَنفَقَتِهِ وفي الصُّدْغَينِ، وفي الرأس. أخرجه مسلم (١). ٧٦ - عن أبي جُحَيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ ، فرأيتُ بياضًا تحت شفته السُّفلى: العَنْفَقَةِ. كذا أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٧٧ - عن ابن عمر قال: كان شيبُ رسول الله ﷺ نحو عشرين شعرة. أخرجه ابن ماجه (٣). ٧٨ - عن جابر بن سمرة وقد سئل عن شيب رسول الله ﷺ ، قال: كان إذا ادَّهَنَ رأسُهُ لم يُرَ منه، إذا لم يُدَّهَنْ رُئي منه. أخرجه النسائي (٤). التبرُّك بشعره ﷺ - ٧٩ - عن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلِقُهُ وأطافَ بِهِ

стр. 71

أصحَابُه، فما يُريدون أن تَقَعَ شعرةٌ إلا في يدِ رَجُلٍ. أخرجه مسلم (١). ٨٠ - عن محمد بن سيرين قال لِعَبِيدة: عندنا من شعر النبي ﷺ أصبناه من قِبَل أنس، أو من قِبَلِ أهل أنس، قال: لأن يكون عندي شعرةٌ منه أحب إليَّ من الدنيا وما فيها. أخرجه البخاري (٢). وجه رسول الله ﷺ - ٨١ - عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ أحسنَ الناسِ وجهًا وأَحسَنَهم خَلْقًا. أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٨٢ - عن سعيد الجريري قال: قلت لأبي الطفيل: رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كان أَبْيَضَ مَلِيْحَ الوجهِ (٤). ٨٣ - عن جابر بن سمرة وقد سئل عن وجه رسول الله ﷺ : أكان وجْهُه مِثْلَ السيف؟ قال: لا بل مِثلَ الشمس والقمر، وكان مستديرًا. أخرجه مسلم (٥). ٨٤ - عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أزهرَ الّلون، كأنَّ عَرَقَهُ اللؤلؤ،

стр. 72

إذا مشى تكفَّأ، وما مَسِستُ ديباجةً ولا حريرةً ألين من كفِّ رسول الله ﷺ . أخرجه مسلم (١). فَمُ رسولِ الله ﷺ - ٨٥ - عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضَلِيع الفَم، أشكَلَ العينَين، منهوسَ العَقِبين ضخمَ القَدَمَين، قيلَ لِسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قيل: وما أشكل العينين؟ قال: طَويلُ شِقِّ العين، قيل: ما منهوس العقبين؟ قال: قليل لحم العقِبِ. أخرجه مسلم (٢). صفة كلام رسول الله ﷺ - ٨٦ - عن عائشة أن النبي ﷺ كان يُحَدِّثُ حَديثًا لو عَدَّه العادُّ لأحصاهُ. أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٨٧ - عن أنس أن النبي ﷺ كان يُعِيدُ الكَلِمةَ ثلاثًا لِتُعْقَلَ عَنهُ. أخرجه الترمذي (٤).

стр. 73

٨٨ - عن عائشة قالت: كَانَ كَلامُ رسُول الله ﷺ كلام فَصْلٍ يَفْهَمُهُ كُلُّ من سَمِعَهُ. أخرجه أبو داود (١). ٨٩ - عن عبد الله بن سلام قال: كان رسول الله ﷺ إذا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أن يَرْفَعَ طَرفَهُ إلى السَّماء. أخرجه أبو داود (٢). ٩٠ - عن مسعر قال: سمعت شيخًا في المسجد يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول (٣): كان في كلام رسول الله ﷺ تَرتِيلٌ (٤) أو ترسيلٌ. أخرجه أبو داود (٥). صوت رسول الله ﷺ - ٩١ - عن أنس قال: ما بعث الله تعالى نبيًا إلا حَسَن الوَجه، حَسَنَ الصَّوت، وكانَ نبيُّكم ﷺ أحسنَهم وَجهًا، وأحسنَهم صوتًا. أخرجه القاضي عياض (٦). ٩٢ - عن قتادة قال: ما بعث الله نبيًا قَطُّ إلا حَسَنَ الوَجهِ، إلا حَسَنَ الصَّوت، حتى بُعِثَ نبيُّكم ﷺ ، فكان حَسَنَ الوجه، حَسَنَ الصَّوْتِ، ولم يكن يُرَجِّعُ، كان يمدُّ بَعضَ المدِّ. أخرجه ابن سعد (٧).

стр. 74

كلام رسول الله ﷺ بالفارسية ٩٣ - عن أبي هريرة قال: هَجَرَ النبي ﷺ فَهَجَّرت، فصَليت ثم جَلَستُ، فالتفت إليَّ النبيُّ ﷺ فقال: "اشكَنْبِ دَرْد" قلت: لا يا رسول الله، قال: "اقم فصَلِّ فإن في الصلاة شفاء". أخرجه ابن ماجه في أبواب الطب (١). ما يذكر من طول سبابة رسول الله ﷺ - ٩٤ - عن ميمونة بنت كَرْدَم قالت: خَرجت في حجَّةٍ حَجَّها رسول الله ﷺ ، فرأيت رسول الله ﷺ على راحلته، ودنا إليه أبي يسأله، قالت: فلقد رأيتني أتَعَجَّبُ من طولِ إصَبعِه التي تلي الإِبهام على سائر أصابعه. أخرجه أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه "نوادر الأصول" (٢). بطن رسول الله ﷺ - ٩٥ - عن أم هانيء قالت: ما رأيتُ بَطنَ رسول الله ﷺ قطُّ إلا ذكرت القَراطيسَ المَثْنِيَّةَ بَعضها على بَعْضٍ. أخرجه ابن سعد (٣). خاتم النبوة ٩٦ - عن عبد الله بن سَرْجِسَ قال: رأيت رسُول الله ﷺ وأكلتُ معَهُ

стр. 75

خُبزًا ولحمًا، أو قال: ثريدًا، فقلت: يا رسول الله غَفَرَ الله لك، قال: "ولك" قال الراوي عنه: فقلت له: أَستَغفَرَ لَكَ رسولُ الله ﷺ ؟ قال: نعم وَلَكَ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] قال: ثم دُرتُ خَلْفَهُ، فَنَظَرتُ إلى خاتَمِ النُّبوَّة بين كتفيهِ عِندَ ناغِضِ كَتِفِه اليسرى جُمْعًا، عليه خِيلانٌ كأمثَالِ الثآليل. أخرجه مسلم (١). ٩٧ - عن جابر بن سمرة قال: كان خاتَمُ رسُولِ الله ﷺ الذي بين كَتِفَيْهِ غُدَّةً حمراءَ مِثْلَ بيضَةِ الحمامِ. أخرجه الترمذي (٢). ٩٨ - عن السائب بن يزيد قال: "كان الخَاتِمُ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ". أخرجه البخاري ومسلم (٣). مشي رسول الله ﷺ - ٩٩ - عن أبي هريرة قال: ما رأيتُ [شيئًا] أحسَنَ مِن رسول الله ﷺ [في مشيتهِ]، كأنَّ الشَّمسَ تَجْري في وَجهِه. وقال: ما رأيتُ أحدًا أسرع في مَشْيِه من رسول الله ﷺ ، فكأنما الأرضُ تُطْوَى له، كنا إذا مَشَيْنَا مَعَهُ نُجْهِدُ أنفُسَنا، وإنَّه لَغَيرُ مُكتَرِثٍ. أخرجه الترمذي (٤).
следующие страницы →