١٨٧١ - فصل في الشهادة بالإقرار من غير تعرُّض لشروطه
إِذا شهد عدلان على تجريح أو إِكراه لم تُقبل الشهادة إِلا مفصَّلة، وإن شهدا على الإِقرار بمال، ولم يتعرَّضا لشروط الإِقرار، كالعقل والبلوغ والحريّة والرشد والطواعية والصحَّة؛ إِن كان الإِقرار للوارث على قولٍ فالمذهب القبول؛ إِذ الظاهر من العدل الخبير بالشرائط أنَّه لا يشهد إِلا عند اجتماعها، وفيه قولٌ: أنَّه يُشترط ذكر الحرِّيَّة، فخصَّه بعضهم بها، وأجراه آخرون في الجميع، وهو القياس.
فإن قبلنا الإِطلاق، فإن كان الشاهد عدلًا خبيرًا بالشرائط فللحاكم الاستفصال، ولا يلزم الشاهدَ التفصيلُ على الظاهر من كلام الأصحاب، وإن كان جاهلًا بالشرائط، أو شكَّ الحاكم في ذلك، وجب الاستفصال، فإِذا استُفْصِل ففي وجوب التفصيل وجهان، فإِن تعذَّر الاستفصالُ بموت أو غَيبة امتنع الحكم بشهادته، وإن استفصل الحاكم عن الزمان والمكان لم يَجِبِ التفصيل اتفاقًا؛ لأنَّ الجهل بهما لا يقدح في الشهادة، بخلاف الجهل بشرائط الإقرار.
١٨٧٢ - فرع:
إِذا كانت الشهادة مطلقة، فادَّعى المُقِرُّ فواتَ شيء من شرائط الإِقرار؛ فإِن ظهر صدقُه قُبل قوله مع يمينه، وإن لم يظهر فالقولُ قول خصمه مع يمينه، فإذا ادَّعى أنَّه كان صبيًّا أو مجنونًا أو مكرهًا عند الإِقرار، فإِنْ أَمْكَن صدقُه وعُهدت له حال جنون، أو ظهرت له أمارةُ الإِكراه بأن كان في قيد
стр. 1472
المقَرِّ له وحبْسِه، فالقولُ قوله مع يمينه، وإِن كان في قيد زيد والإِقرارُ لعمرو لم يكن ذلك أمارةً للإِكراه، وإِن لم يُعهد جنونه، أو لم تظهر أمارات الإِكراه، فالقول قول خصمه مع يمينه. وإن قامت البينة بشيء من شرائط الإِقرار، كالبلوغ والعقل والاختيار، لم يُقبل قوله وإِن عُهد جنونه وظهرت أمارات الإِكراه؛ لأنَّ الشهادات مقدَّمةٌ على الأمارات، ولو قامت البينة بأنَّه أقرَّ طائعًا، فأقام بينة بالاِكراه، قُدمت على بينة الطواعية؛ لمعارضتها لبينة الطواعية، أو لخفاء أسباب الإِكراه.
١٨٧٣ - فرع:
إِذا ثبت الإكراه بالحبس والتضييق، فقال: كذبتُ في الإِقرار مع علمي بأني لو لم أُقرَّ لأطلقوني عن قربٍ، لم يؤاخذ بالإِقرار عند صاحب "التقريب"؛ لأنَّ الإِكراه محقَّق فلا يسقط بظن الإطلاق، وفيما ذكره احتمال.
* * *
١٨٧٤ - فصل في الإقرار بالبلوغ
إِذا أقرَّ بالبلوغ بالاحتلام قُبل في سنِّ الإِمكان، وهو تسع سنين في الجواري، وعشر في الغلمان، ولا يحلَّف على ذلك؛ لأنَّه إِن صَدَق فلا يمين على صادق، وإِن كَذَب فلا يمين على صبى، وفي تحليفه إِذا عُلم بلوغه احتمال عند الإِمام، والظاهر: أنَّه لا يحلف؛ لأنَّا حكمنا بنفوذ قوله، فلا يحلف بعد طول الزمان.
ولو ادَّعى البلوغ بالسن لم يُقبل؛ لإِمكان إِقامة البينة على ذلك،
стр. 1473
بخلاف الاحتلام؛ فإِن كان غريبًا خاملًا (١) ففي إِلحاق ذلك بالاحتلام احتمالٌ عند الإِمام، ولا يمتنع التعلُّقُ ها هنا بالإِنبات، ولا يتعلَّق بالإِنبات في دعوى الاحتلام بحال خلافها.
* * *
١٨٧٥ - فصل في الإقرار بالديون والأعيان
يصحُّ الإِقرار بأعيان الأملاك، ولا يفيد إِلا ممَّن ظهر ملكه أو يده بأسبابهما المعتبرة فيهما، ويستحيل أن يستمرَّ الملك إِلى حين الإِقرار، فإِن شهد اثنان على إِقراره بدار، وشهدا أنَّها كانت في ملكه إِلى وقت الإِقرار، فالشهادة باطلة.
قلتُ: ينبغي أن يختصَّ البطلان بالاستمرار إِلى الإِقرار دون إِثبات الملك قبل الإِقرار، فإِنَّه ينبغي أن يُخرَّج على الخلاف في تبعيض الشهادة.
وإِن قال: هذه الدار لفلان، وكانت ملكي إِلى أن أقررتُ بها، صحَّ الإِقرار، ولزمه تسليم الدار.
ولو قال: هذه الدار لي وملكي، وقد صارت الآن لفلان، أو قال: داري هذه أو ثوبي الذي أملكه لفلان، لم يصحَّ الإِقرار.
ومن أقرَّ بدين في ذمَّة غيره، فإِن أمكن أن يكون نائبًا في سببه صحَّ إِقراره، وإِن لم يمكن النيابة فيه، كالصداق إِذا أقرَّت به المرأة، وبدل الخلع
стр. 1474
إِذا أقرَّ به الزوج، لم يُقبل إِقرارهما بأصله، وإِن أقرَّا بانتقاله ففي نفوذ الإِقرار قولان مأخوذان من القولين في جواز بيعه؛ إِذ لا محمل له سواه.
قلت: ينبغي أن يحمل على الحوالة، فيصحُّ قولًا واحدًا.
* * *
١٨٧٦ - فصل في الإقرار بأحد العبدين أو لأحد رجلين
إِذا قال: أحد هذين العبدين لك، أو قال: هذا العبد لأحد هذين الرجلين، صحَّ الإِقرار: وأُخذ بالبيان؛ فإِن مات قبل البيان قام الوارث مقامه.
وإِذا أقرَّ لأحدهما، ثمَّ قال: لا أعرف المالك منكما، فإِن صدَّقاه وُقف العبد بينهما، وإِن كذَّباه حلف لكل واحد منهما على نفي العلم، وإِن عيَّنه لأحدهما قُضي له به؛ فإِن طلب الآخَرُ يمينه؛ فإِن أوجبنا الغُرم بالحيلولة حلف، وإن لم نوجبه لم يحلف على المذهب، وغلط من قال: يحلف إِذا جعلنا يمين الردِّ كالبيِّنة، فإِن نكل رُدَّت اليمين على خصمه، فإِن حلف سُلِّم العبد إِليه، وهل يغرم للآخر؟ فيه طريقان:
إحداهما: لا يغرم؛ لأنَّه لم يجر منه سوى النكول.
والثانية: فيه القولان.
وكلُّ ذلك غلط؛ لأنَّ يمين الردِّ لا يُجعل كالبيِّنة في حقِّ ثالثٍ لا يتعلَّق به الخصام.
* * *
стр. 1475
١٨٧٧ - فصل في الإقرار للعبد والدابَّة
إِذا قال: لهذا العبد عليَّ ألف درهم، لزمه الألف للسيِّد؛ حملًا على المعاملة، وإِن قال: لحمارك على ألف، لم يصحَّ الإِقرار.
ولو قال: عليَّ ألف بسبب هذا الحمار، وجب الألف للمالك؛ حملًا على الاستئجار، وفي هذا نظر؛ لاحتمال تقدُّم الإِجارة على تملُّكه للحمار.
* * *
١٨٧٨ - فصل في بعض ألفاظ الإقرار
إِذا قال: له عليَّ مئة درهم عددًا، لزمه مئة وازنة صحاح؛ فإِن أتى بثمانين أو خمسين من الصحاح وزنهُا مئة، قُبلت على الأصحِّ، وأبعدَ مَن أوجب مئة وزنُ كلِّ واحد منها درهم، وعلى الأصحّ لو جاء بدرهم وزنه مئة، أو درهمين وزنهما مئة، ففيه تردُّدٌ لأبي محمد، وإِن قيَّد دراهم المعاملات بالعدد، مثل إِن قال: بعتك بمئة درهم عددًا، لزمه مئة من الصحاح الوازنة الجارية في العادة، وإِن قال: له على مئة عدد من الدراهم، لزمه مئة عدد، وإِن لم تكن وازنة.
وإِن قال: له عليَّ درهم في عشرة؛ فإِن أراد ضرب الحساب لزمه عشرة، وإِن أراد: مع عشرة، لزمه أحد عشر، وإِن أراد: في عشرة لي، أو أطلق، لزمه درهم.
وإن ادَّعى عليه بدراهم، فقال: زِنْ، أو: زِنْه، أو: خذ، أو: خُذه،
стр. 1476
لم يلزمه؛ لإمكان حمل ذلك على الاستهزاء، وأبعدَ مَن أوجب ذلك إِذا قال: زنه أو خذه.
وإِن قال: عليَّ درهم أو دينار، لزمه أحدهما، وأُخذ بالبيان، وأبعدَ مَن قال: لا يلزمه شيء.
١٨٧٩ - فرع للقاضي:
إِذا قال: لك علي شيء، فقال: ليس لي عليك شيء، إِنَّما لي عليك ألف درهم، لم تُسمع دعواه بالألف؛ لإِبرائه السابق.
ولو قال: لك عليَّ درهم، فقال: ليس لي عليك درهم ولا دانق، إِنَّما لي عليك ألف درهم، سُمعت الدعوى بالألف؛ إِذ يَحْسُنُ أن يقال: ليس حقي عليك درهم ولا دانق، وإِنَّما هو ألف.
* * *
стр. 1477
١٨٨٠ - باب إِقرار الوارث للوارث
من أقرَّ على نفسه بنسب، فإِن أمكن صدقه -بأن يُمْكِنَ أن يولد مثل المقَرِّ به للمُقِرّ، وألّا يَشْتهِرَ نسبه بغير المقِرّ- لَحِقَه، وإِلّا فلا، فلو قدِم من الروم امرأة ذات ولد، فاستلحقه رجلٌ من أهل بلادنا؛ فإِن أمكن اجتماعهما بمسافرة أحدهما إِلى الآخر خفيةً أو جهرةً لَحِقه ولدها، وإِن لم يمكن ذلك؛ بأن شاهدناه منذ نشأ في بلادنا، وعلمنا أنَّها لم تَقْدَمْ إِلى بلادنا، لم نلُحقه.
ومن انتسب إِلى بالغ ببنوَّة أو أبوَّة؛ فإِن صدَّقه ثبت النسب، وإِن كذَّبه، فالقولُ قول المكذِّب مع يمينه.
وإِن استلحق صغيرًا لحقه، وتوارثا؛ فإِن كذَّبه بعد البلوغ فوجهان يلتفتان (١) إلى (٢) القولين في اللقيط إِذا كفر بعد أن حُكم بإسلامه بالدار.
وإِن استلحق ميتًا، فإِن كان صغيرًا لحقه وورثه، وإِن كان كبيرًا فوجهان، ووجه المنع: أنَّه متَّهم بترك استلحاقه في الحال التي يمكن فيها التصديق، ولكنَّ التهم لا عبرة بها في الأنساب، ولذلك لو كان مستلحِق الصَّغيرِ الغنيّ فقيرًا، فإِنَّه يلحقه وتلزمه نفقتُه.
стр. 1478
وإِن استلحق مجنونًا؛ فإِن كان قد بلغ وهو مجنون لحق، وإِن جُنَّ بعد البلوغ فوجهان.
* * *
١٨٨١ - فصل في الإقرار على المورِّث بالنسب
إِذا أقرَّ على ميت بنسب؛ فإِن كان مستغرِقًا لإِرثه، والمقَرُّ به لا يحجبه حجبَ الحرمان، ثبت النسب والإِرث، وسواءٌ أقرَّ بالنسب على أبيه أو جدّه أو أخيه إِذا لم يكن له وارث سواه.
وإِن أقرَّت البنت، فإِن كانت مستغرِقةً للإِرث بالنسب والولاء ثبت النسب والميراث، وإِن لم تستغرق، ولكن صدَّقها الإمام، فوجهان مأخذُهما: أنَّ الترك الصائرة إِلى بيت المال هل تثبت لها حقيقة الميراث؟ ولذلك اختلفوا في الاقتصاص ممَّن قتل مَن لا وارث له سوى بيتِ المال، ولا تثبت أحكام الإِرث للفيء اتِّفاقًا.
١٨٨٢ - فرع:
إِذا تعدَّد الورثة فلا بدَّ من إِقرار الجميع، وأبعدَ مَن لم يشترط إِقرار الزوجين، ومن لم يشترط إِقرار الموالي، ولا يعتبر إِقرار المحجوب بالأشخاص أو الأوصاف.
١٨٨٣ - فرع:
إِذا أقرَّ الابن المشهورُ النسبِ بابنٍ آخر، فأنكر المقَرُّ له بنوَّة المقرّ فأوجه:
أحدها: يثبت النسبان.
стр. 1479
والثَّاني: يثبت نسب المقِرِّ وحدَه؛ لاعتراف المنكِر بخروج المقِرِّ عن أهليَّة الإِقرار.
والثالث: يثبت نسب المنكِر، ويندفع نسب المقِرِّ إِلَّا أن يقيم البيِّنة بذلك، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المسألة مفروضة في مشهور النسب.
١٨٨٤ - فرع:
لو أقرَّ الابن المشهور لاثنين بالبنوَّة، فكذب أحدُهما الآخر، ففي ثبوت نسبهما وجهان.
* * *
١٨٨٥ - فصل في إِقرار بعض الورثة بالنسب
إِذا أقرَّ أحد الاثنين لثالث بالبنوَّة، وأنكر الآخر، لم يثبت النسب؛ فإِن كان المقَرُّ به عبدًا للمورِّث ففي عتق نصيب المقِرِّ وجهان، وإن كان أنثى حَرُمَت على المقرِّ، وقال القاضي: إِن كانت مجهولةَ النسب حرمت عليه، وإن كانت معروفة النسب فوجهان، وهل يشارك المُقَرُّ به المقِر في الإرث؟ فيه طريقان:
إحداهما: لا يشاركه ظاهرًا ولا باطنًا إِن لم يكن على بصيرة في الإِقرار، وإِن كان على بصيرة بأن شاهَدَ ولادته، ففي المشاركة في الباطن وجهان.
والطريقة الثانية: في المشاركة وجهان:
أحدهما، وهو ظاهر المذهب: لا يشاركه؛ لأنَّ الإِرث تابع للنسب، فإِذا لم يثبت الأصل لم يثبت التابع، ولكن يلزم على هذا مسائل:
стр. 1480
منها: تحريم المناكحة.
ومنها: العتق على أحد الوجهين.
ومنها: أنَّ مَن أقرَّ بضمان عن زيد، فأنكر زيد الدَّيْن، وحلف، فالأصحُّ مطالبة الكفيل بالضمان.
ومنها: أنَّ من ادَّعت نكاح رجل، فقال: ما نكحتها قطُّ، ففي تحريم النكاح عليها وجهان.
ومنها: أنَّ الزوجة لو ادَّعت الإِصابة قبل الطلاق، وأنكر الزوج، ففي وجوب العِدَّة عليها وجهان.
وقد فرَّقوا: بأنَّ هذه الأحكام مقصودة، بخلاف الإِرث، فإِنَّه تابع للأنساب، ولذلك لو أقرَّ لامرأة بالنسب، فأكذبته، حرم النكاح، ولم يثبت النسب.
والوجه الثاني: أنَّه يشاركه في الإِرث، فإِن كان المقِرُّ مجبَرًا على قسمة الإِرث فوجهان:
أحدهما: يشاركه بنصف ما في يده.
والثَّاني: يشاركه بالثُّلث، وهو الأظهر، وطريقه: أن يقدَّر أنَّهما أقرا بنسبه، فالمسألة من ثلاثة، ويقدر أنَّهما أنكراه، فالمسألة من اثنين، فنضرب مسألة الإِقرار في مسألة الإِنكار، فتبلغ ستَّة، فندفع إِلى المكذِّب حصته من مسألة الإِنكار، وهو ثلاثة، وندفع إِلى المصدِّق حصَّته من مسألة الإِقرار، وهي سهمان، فيبقى السدس للمقَرِّ به، وإِن اختار المقِرُّ القسمة مع
стр. 1481
علمه بنسب الثالث، دفع إِليه ثلث التركة ممَّا في يده؛ لاعتدائه بتسليم نصف سهمه إِلى المنكِر، وإِن لم يعلم بالنسب حتَّى اقتسما، فهو كاختيار القسمة أو الإِجبار عليها؟ فيه وجهان؛ إِذ الجهالةُ لا تؤثّر في تفويت الأموال.
وإِن فرَّعنا على المذهب الظاهر، فنفينا النسب والميراث، فأقرَّ أحدهما بزوجيَّة امرأة للمورِّث، وأنكر الآخر، فلا إِرث لها على الأصحّ.
ولو أقرَّ أحدهما بنسب، وأنكر الآخر، ثمَّ مات المكذِّب، ولم يخلّف سوى المصدّق، ففي ثبوت النسب الآن وجهان، وسواء أعاد الإِقرار بعد موت أخيه أو لم يُعِدْه، وإِن خلَّف المنكر ابنًا، فوافق عمَّه، ثبت النسب على المذهب، وقال القاضي: يُحتمل تخريجه على الخلاف فيما إِذا أقرَّ الوارث بنسب نفاه مورثه باللعان، ويمكن الفرق بأن العار يلحق في مسألة اللعان، بخلاف ما نحن فيه.
ولو مات عن ابنين، فمات أحدهما، ثم أقرَّ الآخر بثالث، لحق وورث؛ لاستغراق المقِرِّ للميراث.
ولو كان أحدهما صغيرًا، فأقرَّ الكبير بنسب؛ فإِن مات الصَّغير قبل البلوغ، ولا وارث له سوى الكبير، استقرَّ الإِقرار، وإِن بقي حيًا فقد قيل: يثبت النسب ويتوارثان؛ فإِن كذَّب بعد البلوغ فقد بأن البطلان، وقال الإِمام: هذا تناقض، وينبغي أن يُتوقَّف في النسب والتوارث إِلى البيان.
١٨٨٦ - فرع:
لو أقرَّ المستغرق بمن لو ثبت نسبه لحجب المقِرَّ حجْبَ حرمان، كالأخ يقرُّ بابني لأخيه، يثبت نسبه عند الأكثرين، وفيه وجه: أنَّه لا يثبت،
стр. 1482
فإِن أثبتناه ففي الإِرث خلاف، واختار في "التقريب" التوريث.
* * *
١٨٨٧ - فصل فيمن استلحق أحد ابني أمتيه
من كان له أمتان عزبتان لهما ولدان، فقال: أحدهما ولدي، ثبت نسب أحدهما وحرّيَّته، وأُخذ بالبيان؛ فإِن بيَّن بحيث يثبت استيلاد الأمة، أو قال: استولدتها بشبهة، ثم ملكتها، فلا ولاء على الولد، وإِن قال: استولدتها بنكاح، ثم اشتريتها، يثبت الولاء على الولد، وإِن اقتصر على قوله: هذا ولدي منها، ففي ثبوت الاستيلاد وجهان؛ فإِن أثبتناه فلا ولاء على الولد، وإِن لم نثبته فعليه الولاء.
وإِذا تعيَّن أحدهما، وثبت استيلاد أمّه، فادَّعت الأخرى الاستيلاد وحرّيةَ ابنها، أو ادَّعى ذلك ولدُها، فالقولُ قول السيّد مع يمينه؛ فإِن نكل رُدَّت اليمين على المدَّعي منهما، فإِن حلف الولد فالولدان حرَّان نسيبان.
وإِن مات السيِّد قبل البيان قام الوارث مقامه، وكان بيانه كبيانه في النسب والحرّية والولاء والاستيلاد.
فإِن قال الوارث: لا أعرف، عُرِض الولدان على قائف قد رأى السيِّدَ، فإِن أَلحق أحدَهما ألحق وعتق، وفي ثبوت الاستيلاد والولاء الوجهان فيما إِذا اقتصر على قوله: هذا ولدي منها.
ولا يُرجع إِلى القائف مع وجود من يُعتمد عليه في البيان.
فإِن لم نجد قائفًا، أو وجدناه فغلط، وعسر التمسك بقوله، أُقرع بين
стр. 1483
الولدين؛ فمن خرجت قرعته عتق ولم يلحق؛ إِذ لا مدخل للقرعة في الأنساب.
فإِن كان إِقرار السيّد لا يقتضي ثبوت الاستيلاد، فالمذهبُ أنَّا لا نحكم بعتق أمّ من خرجت قرعته، بل يُقرع بينها وبين الأخرى، وتعتق مَن خرجت قرعتها، وفيه وجه: أنَّها تعتق من غير إِقراع، والأصحُّ أنا نوقف ميراث ابنٍ من الابنين، وأبعدَ مَن منع الوقف، وهو باطل بمن طلَّق إِحدى امرأتيه على الإبهام.
١٨٨٨ - فرع:
إِذا تعيَّن نسب أحدهما، ولم يثبت لأمّه الاستيلاد، فإِنَّه يرث بعضها بموت أبيه، فتعتق عليه من غير سراية.
* * *
١٨٨٩ - فصل فيمن استلحق أحد أولاد أمته
نقدّم على ذلك: أنَّ ولد المستولَدةِ من نكاح أو سفاح لاحقٌ بها في أحكامها (١)، فيعتق بموت سيّدها.
وأنّ من ادَّعى استبراء أمِّ ولده وحلف، فأتت بولد يمكن أن تعلق به بعد الاستبراء، ففي لحاقه به وجهان.
وأنَّ الراهن لو أولد المرهونة فلم نثبت (٢) الاستيلاد، فبِيعت في الدَّين، ثم ولدت بعد البيع من نكاح أو سفاح، ثم ملكها الراهن مع أولادها، ففي
стр. 1484
ثبوت الاستيلاد طريقان:
إحداهما: التخريج على الخلاف فيمن أولد أمة بشبهةٍ ثم ملكها.
والثانية، وهي أصح: القطع بثبوت الاستيلاد؛ لأنَّها كانت في ملكه عند الوطء، وهل يثبت لأولادها حكم الاستيلاد تبعًا؟ فيه وجهان، ولو ملكهم دونها لم يثبت لهم حكم الاستيلاد.
فإذا عُرفت هذه الأصول؛ فلو كان لأمته ثلاثة أولاد، فقال: أحدهم ولدي، وصرَّح مع ذلك بما يثبت الاستيلاد، لزمه البيان، فإِن عيَّن الأصغر لَحِقَ وعَتَقَ، والآخران رقيقان، وإِن عيَّن الأوسط لَحِقَ وعَتَقَ والأكبر رقيق، وأمَّا الأصغر، فإن لم يدَّع السيّد الاستبراء، أو ادَّعاه وقلنا باللحاق، فإنه يعتق ويلحق؛ لثبوت الفراش، وإن قلنا: لا يلحق؛ فإِن أثبتنا لأولاد المرهونة حكم الاستيلاد في الصورة السابقة، ثبت للأصغر ها هنا حكم الاستيلاد، وإِن لم نثبت لأولاد المرهونة حكم الاستيلاد؛ فإن صرَّح السيّد بوقوع الصورة المذكورة في الرهن لم يثبت للأصغر حكم الاستيلاد؛ وإن أطلق فوجهان:
أحدهما: الثبوت؛ لندرة وقوع صورة الرهن.
والثَّاني: لا يثبت؛ لاحتمال وقوعها، والإِقرارُ يُعتبر فيه اليقين.
وإن عين الأكبر عتق ولحق، وكان حكم الآخَرَيْنِ كحكم الأصغر إِذا عين الأوسط.
١٨٩٠ - فرع:
لو مات السيِّد، وتعذَّر الرجوع إِلى الوارث والقائف، أُقرع بين الثلاثة،
стр. 1485
فمن خرجت قرعته عتق ولم يلحق، وقال المزنيُّ: يخرج الأصغر من القرعة؛ لأنَّ حريته ثابتة بالنسب أو بالاستيلاد، وهذا لا يتَّجه إِن نزَّلنا الواقعة على صورة الرهن، ولم نثبت لأولاد المرهونة حكم الاستيلاد، وإِن نزَّلناها على غير صورة الرهن، لم يصحَّ أيضًا؛ لأنَّ فائدة إِدخاله في القرعة الاقتصار على حريته إِن خرجت قرعته، ولأنَّ الإِقراع لا يجري إِلا بين عدد يتيقَّن أنَّ أحدهم حرٌّ، وإذا خرج الأصغر من الإقراع لم يتيقَّن الحرية بين الآخَرَيْن.
١٨٩١ - فرع:
لو كان مع الثلاثة ابن مشهور النسب بالسيِّد، ففي وقف إِرث أحد الثلاثة خلاف، وظاهر النصّ أنَّه لا يوقف، ويأخذه المعروف، ولا يخرَّج إِلا على التنزيل على صورة الرهن، أو على الوجه البعيد في أنَّا لا نقف الإِرث عند إشكال النسب، فإِن وقفناه فقد قال المزنيُّ: يُدفع إِلى المعروف ربع الميراث، والربع إِلى الأصغر، ويقف النصف بينهم.
ولا يتَّجه هذا إِلَّا إِذا لم يدَّع الاستبراء، أو ادَّعاه وقلنا: لا يرتفع الفراش بذلك.
* * *
١٨٩٢ - فصل في الدعوى بالميراث
إِذا ادَّعى إِرثًا لم تُسمع دعواه ولا بيّنته إِلا أن يبيّن سبب الإِرث، فإِنْ بيَّن السبب، وأثبته بالبيِّنة، لم يَكْفِه ذلك حتَّى تشهد البيِّنة بأنَّه وارث؛ لأنَّ الإِرث قد يمتنع بالرقِّ والقتلِ واختلافِ الدِّين.
стр. 1486
وقال الإِمام: إِن ظهرت حرية الميت وإِسلامُه لم يبعد الحكم بالتوريث، ولا ينظر إِلى إِمكان القتل.
وإذا ثبت السببُ واستحقاق الإِرث؛ فإِن كان ذا فرض لا يُحْجَبُ حَجْبَ الحرمان دُفع إِليه المستيقَن، وهو فرض عائل على أقصى درجات العول، فيُدفع إِلى الأمّ سدسٌ عائل من عشرة إِن أمكن أن تكون الصورة كذلك، ويوقف بقية الفرض إِلى البيان، وإِن لم يكن الوارث كذلك؛ فإِن أثبت انحصار الإِرث فيه بشهادة عدلين يشهدان أنَّهما لا يعلمان للميِّت وارثا سواه، أو أنَّه لا وارث سواه، فإِنَّه يستحقُّ الإِرث، ولا يطالَب بكفيل.
ويُشترط أن يكون الشاهدان خبيرين بباطن حال الميت، بأن يكونا قد عاشرا الميت في عمره، في حضره وسفره، وسرّه وعلنه، بحيث إنَّه لو نكح أو تسرَّى لعلما ذلك، فإِن عرفهما الحاكم بهذه الخبرة، أو أخبراه بذلك مع شهادتهما، أو قَبْلها أو بعدها، أجزأ ذلك.
وإِن لم يثبت انحصار الإرث لم يُدفع إليه شيء حتَّى يبحث الحاكم عن مواضع نهضات الميت، وجهات أسفاره، ويبعث إِلى ثقات من أهل تلك الجهات يأمرهم بإِشاعة موت المورِّث حتَّى لو كان له وارث آخر لظهر، فإذا مضت مدَّة يغلب على الظنّ أنَّه لو كان وارثٌ لظهر، فللوارث حالان:
إحداهما: ألا يُحجب حجب الحرمان، كالابن، فيُسلَّم إِليه الميراث بلا خلاف، وهل تجب مطالبته بكفيل أو تستحبّ؟ فيه وجهان.
الثانية: أن يكون ممَّن يُحجب حجب الحرمان كالأخ، ففي تسليم الإِرث إِليه وجهان يجريان في تسليم الموقوف من سهام ذوي الفروض،
стр. 1487
فإِن قلنا بالتسليم ففي التكفيل وجهان مرتَّبان على من لا يُحجب بحال، وأولى بالإِيجاب.
* * *
стр. 1488
كِتَابُ العَارِيَّة
стр. 1489
كِتَابُ العَارِيَّةِ
١٨٩٣ - العارِيَّة: عين حاصلةٌ في يد مَن ينتفع بها بإِذن ربّها، ثم يردُّها من غير استحقاقٍ للانتفاع .
ولا تُضمن منافعها اتِّفاقًا، وإِن تلفت أو عابت بالانتفاع المأذون؛ كما لو انسحق الثوب باللبس أو انمحق، أو عاب البعيرُ بالركوب المقتصِد، أو تلف بذلك، فلا ضمان على الأصحِّ؛ لاستناد ذلك إِلى إِذن المالك، فأشبه ما لو أذن المالك للغاصب في إِحراق الثوب المغصوب، فإِنَّه لا يضمنه وإن كان في يده الضامنة.
ولو تلفت العارِيّة أو عابت بآفة سماوَّية، فالمذهبُ أنَّها مضمونة بالردِّ عند البقاء، وبالقيمة أو الأرش عند التعيُّب أو الفناء، وفيه قول غريب: أنَّها أمانة لا تُضمن إِلا بالتعدّي، ولا تفريع عليه، وعلى المذهب فروع:
الأوَّل: إِذا استعار من المستأجر فلا ضمان على الأصحِّ.
الثاني: إِذا استعار الدراهم أو الدنانير للتزيُّن، أو استأجرهما لذلك،
فوجهان يجريان في الحنطة والشعير ونظائرهما:
أحدهما: الصحَّة في الإِجارة والإِعارة.
стр. 1490
والثَّاني: المنع في الإجارة والتجويز في الإِعارة (١).
فإِن أفسدنا الإِعارة ففي ضمانها وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنَّ ما ضُمن صحيحه ضُمن فاسده.
والأصحُّ: أنَّه لا يضمن ها هنا؛ لأنَّ العارِية مرتفعة من أصلها بسبب انعدام المنفعة، ومن دفع ماله إِلى غيره من غير غرض للقابض فهو أمانة.
الثالث: من جمحت دابَّته، فأركبها من يُسيِّرها ويحفظها، أو أركب إِنسانًا في شغل للمُركِب، فلا ضمان؛ إِذ الانتفاع للمالك، ولو أركب عاجزًا مُعْييًا (٢) من غير التماس، أو أردفه وراءه، فعلى الرَّاكب القيمة في صورة الإِركاب، ونصفُها في صورة الإِرداف، وفي الصورتين احتمال للإِمام.
الرابع: لو استعار دابَّة ليركبها إِلى بغداد، فجاوزها، صار غاصبًا، وعليه الأجرة إِلى أن يرجع إِلى بغداد، وهل تلزمه إِلى أن يردَّها إِلى المعير؟ فيه وجهان.
الخامس: لو قال: أعرتك حماري لتعيرني حمارك، فلا ضمان؛ لأنَّها إِجارة فاسدة، ولو أعاره ثوبًا قيمته خمسةٌ على أنَّ يضمن عند تلفه عشرة، فالخمسةُ الزائدة كالعوض الفاسد، أو كشرطٍ فاسدٍ في الإِعارة؟ فيه وجهان.
١٨٩٤ - فرع:
قال العلماء: ليس للضيف إِباحة الطَّعام، ولا أن يلقي لقمة للسنَّور،
стр. 1491
إِلا أن يَظهر رضا المالك بذلك، والإعارة: إباحة للمنافع، فليس للمستعير أن يؤاجر، وكذلك لا يعير على الأصحِّ.
* * *
١٨٩٥ - فصل في كيفية ضمان العارِيَّة وحكم ولدها
المغصوب مضمون بأقصى قيمته من حين الغصب إِلى الإِتلاف، وهل يُضمن المستعار والمقبوض للسوم كذلك؟ فيه قولان؛ فإِن قلنا: لا يُضمنان ضمانَ الغصب، فالاعتبار بقيمته يوم القبض أو يوم التلف؟ فيه وجهان، أصحهما: أن الاعتبار في العارية بيوم التلف، وفي السوم بيوم القبض.
ولو ولدت العارية عند المستعير؛ فإِن اعتبرنا ضمان الغصب ضُمن الولد، وإن لم نعتبره فالولد كثوبٍ تلقيه الرِّيح إِلى دار إِنسان؛ إِن تلف قبل التمكُّن من ردِّه لم يضمنه، وإِن تلف بعد التمكُّن وبعد الطلب ضمن، وإِن تمكَّن من الردِّ ولا طلبَ فوجهان.
١٨٩٦ - فرع:
إِذا ظهر استحقاق العارية، فضمَّن المستحِقُّ المستعيرَ، لم يرجع بقيمة العين على المعير، ويرجع بأجرة ما لم يستوفه من المنافع، وفيما استوفاه وجهان.
١٨٩٧ - فرع:
إِذا أودع ثوبًا، وقال: إِن شئت فالبَسْه، فلا يضمنه حتَّى يلبَسه، فيضمنه ضمان العارية، وقال في "التقريب": لا يبعد أن يضمنه قبل اللبس، كما
стр. 1492
يُضْمَنُ المقبوضُ للسوم، ولا يَبعُدُ ألا يُضْمَنَ المقبوض للسوم، كما لا يُضْمَنُ الثوب، والذي قاله قياس، ولا نعرف خلافًا في ضمان السوم.
* * *
١٨٩٨ - فصل في إِعارة الصيد من المحرِم والجارية والأب للخدمة
لا تحلُّ استعارة الأب للخدمة.
وإِن استعار جاريةً للخدمة؛ فإِن كانت مَحرمًا جاز، وإِن كانت أجنبيَّة، حرم استخدامها في الخلوة، وكُره من غير خلوة.
ولو أعار المحرمُ الصيدَ من الحلال؛ فإِن حكمنا بزوال مِلْكه وجب الإِرسال، فإِن تلف عند المستعير وجب الجزاء، وإِن بقَّينا ملكه صحَّت الإِعارة، ولم يجب الإِرسال.
ولو استعار المحرِم صيدًا، فتلف عنده، لزمته القيمة للمالك، والجزاء للفقراء.
* * *
١٨٩٩ - فصل فيما إِذا ادَّعى المالك الإجارة، وادَّعى القابض الإعارة أو بالعكس
إِذا تنازع المالك والقابض في ذلك فلهما حالان:
الأولى: أن يدَّعي المالك الإِجارة، ويدَّعي القابض الإِعارة؛ فإِن لم تمض مدَّة لها أجرة فالقول قول القابض، فإِن حلف ردَّ العين على المالك،
стр. 1493
وإِن نكل حلف المالك، واستحقَّ الأجرة المسمَّاة، وانتفع القابض بالعين إِلى انقضاء المدَّة.
وإِن مضت مدَّة الإِجارة، أو مضى منها ما يقابَل بأجرة، فقد نصَّ الشافعيُّ على أنَّ التنازع إِن كان في دابّة فالقولُ قول القابض، وإِن كان في أرض فالقول قول المالك، ففرَّق بعضهم بندور العارية في الأراضي، وغلَبَتها في الدوابّ.
والأصحُّ تخريج المسألتين على قولين؛ فإِن جعلنا القول قول المالك، تعرَّضَ في يمينه لنفي الإِعارة، وهل يَضمُّ إِلى ذلك إِثبات الإِجارة؟ فيه مذهبان؛ فإِن قلنا: لا يضمُّ، فحلف، استحقَّ الأقلَّ من المسمَّى أو أجرة المثل، وإِن قلنا: يضمُّ، فهل يستحقُّ المسمَّى أو الأقلَّ؟ فيه قولان منصوصان، فإِن أوجبنا المسمى لزم ذكره في الدعوى، وإِن لم نوجبه كفاه ذكر الإِجارة على الظاهر عند الإِمام، فإِن نكل المالك لم تُردَّ اليمين على القابض؛ لأنَّ اليمين لا تردُّ إِلَّا أن يثبت حقًّا للحالف، ورمز القاضي إِلى أنَّها تُردُّ؛ لنتخلَّص بها من الغرم، وإن جعلنا القول قول القابض حلف على نفي الإِجارة، وبرئ من الغرم، فإِن نكل حلف المالك على الإِجارة بالأجرة المسمَّاة، واستحقَّها، وغلط من قال: لا يستحقُّ الزائدة على أجرة المثل، ولو قال: يستحقُّ الأقلَّ من المسمَّى أو أجرة المثل، لكان أقربَ، وهذا لا يُعدُّ من المذهب.
١٩٠٠ - فرع:
لو وقع هذا النزاع بعد هلاك العين؛ فإِن لم يمض من المدَّة شيء، فالقابض مقِرٌّ بالقيمة، والمالك ينكرها، فلا يستحقُّها إِلا أن يصدق
стр. 1494
الرَّاكب، فتثبت أحكام العارِيَّة، ولو تلفت العين بعد انقضاء المدَّة، فإِن زادت الأجرة على القيمة ففيه القولان، وإِن استويا فقد اتَّفقا على الدَّيْن واختلفا في سببه، ففي ثبوته وجهان، فإن أثبتناه سلَّم إِليه ما ادَّعاه من غير يمين ولا رد، وإن لم نثبته رجع القولان.
الثانية:
أن يدَّعي المالكُ الإِعارةَ، والقابضُ الإِجارةَ، فإن لم يمض ما له أجرة فالقول قول المالك، فإن نكل حلف القابض، واستحقَّ ما حلف عليه، وإِن مضت المدَّة فالقابض مقر بالأجرة، والمالك يكذّبه، فلا يستحقُّ الأجرة ما لم يصدق القابض، ولو وقع هذا النزاع بعد التلف؛ فإن لم يمض من المدَّة ما له أجرة فالقول قول المالك، فإِن حلف استحقَّ القيمة، وإن مضت المدَّة فالقابض مقرٌّ بالأجرة، والمالك يدَّعي القيمة، فإن زادت القيمة على الأجرة فالقول قول المالك، وإِن استويا فقد اتَّفقا على الدين، واختلفا في سببه، فإِن أثبتناه سُلِّمت الأجرة إِلى المالك من غير يمين، وإن لم نثبته حلف المالك، واستحق القيمة، ولا يجري القولان إِلا إِذا تلفت المنافع في يد المنتفع مع اتّفاقهما على الإِذن، واختلافهما في ضمان المنافع بالإِتلاف.
* * *
١٩٠١ - فصل في دعوى المالكِ الغصبَ والقابضِ الأعارةَ
إِذا اختلفا في ذلك مع بقاء العين، فالمنقول عن الشافعيّ أنَّ القول قول القابض، وللأصحاب في ذلك طرق:
стр. 1495
إحداهنَّ: القطع بما نُقل عن الشافعيِّ؛ تحسينًا للظنِّ بذي اليد.
والثانية: فيه قولان.
والثالثة، وهي القياس: أنَّ القول قول المالك، والمنقول عن الشافعيِّ غلط من الناقل، فعلى هذا يثبت للمالك أجرة المنافع.
وإن تنازعا بعد التلف وجبت القيمة؛ لاتِّفاقهما على وجوبها، ولا يضرُّ الاختلاف في سببها، بخلاف الاختلاف في سبب الدين، والفرقُ بينهما اتِّحادُ متعلَّق الضمان.
١٩٠٢ - فرع:
إِذا تلفت العين بعد مضيِّ مدَّة، فالمالكُ مدَّعٍ للقيمة والأجرة، والقابض معترف بالقيمة دون الأجرة، ففي ثبوت الأجرة الطرق الثلاثة، وأمَّا القيمة؛ فإِن ألحقنا العارية بضمان الغصب وجبت القيمة؛ لاتِّفاقهما على وجوبها، وإن ضمَّنَّا العارية بقيمة يوم التلف، فإِن كانت القيمةُ يوم التلف أكثر وجبت، ولا أثر للتنازع، وإِن كانت أقل فلا نقل في هذه الصورة، وينبغي أن يُخرَّج على الطرق الثلاثة، والقياس: أنَّ القول قول المالك.
* * *
١٩٠٣ - فصل فيمن تعدَّى في أمانة ثمَّ ترك التعدِّي
إِذا تعدَّى المودعَ باستعمال الوديعة ضمِن، ولا يبرأ بترك الاستعمال، فإِن أبرأه المالك، أو جدَّد إِيداعه مع بقاء يده، فوجهان.
وإن فسق الوصيُّ فالظاهر انعزاله عن التصرُّف للطفل، وإن فسق
стр. 1496
الأب ففي انعزاله وجهان، فإِن عاد الوصيُّ إِلى الأمانة لم يملك التصرُّف إِلَّا بتفويض جديد، وإِن عزلنا الأب بالفسق، فعادت الأمانة، لم يفتقر إِلى تفويض جديد، والأصحُّ: أنَّ تصرُّفه لا يقف على إِظهار القاضي الحكمَ بعوده، وإِن وقفناه على ذلك كان ردُّ المال إِليه بمثابة الإِظهار.
١٩٠٤ - فرع:
للأب والجد أن يتولَّيا طرفي العقد في مال الولد، فإِن وكَّلا رجلًا واحدًا في تولِّي الطرفين، فهل يملك ذلك؟ فيه وجهان.
* * *
١٩٠٥ - فصل في إِعارة الأرض
إِذا أعار الأرض، ولم يبيِّن المنفعة، لم تصحَّ الإِعارة، ولا يملك المستعير شيئًا من الانتفاع.
وقيل: تصحُّ، وينتفع كيف شاء.
وعلى الأوَّل لو قال: أعرتكها، فافعل بها ما بدا لك، فوجهان.
وإِن ذكر نوعًا من المنفعة ولم يفصِّله؛ كالزراعة والبناء والغراس، ولم يبيِّن المزروع والمبنيَّ والمغروس، فالمذهب الصحَّة، وقيل بالمنع؛ لِمَا في ذلك من تفاوت الآثار.
وإِن قال: أعرتك لتزرع ما شئت، فله أن يزرع ما شاء، وإِن عيَّن نوعًا من الزرع زَرَعه وما دونه، ولا يزرع ما فوقه في الإضرار؛ فإِن أذن في الحنطة، زَرعَ الشعير دون الذرة إِلَّا أن ينهاه عن زرع الشعير، فلا يملكه على المذهب،
стр. 1497
وإِن أذن في الغرس أو البناء فله أن يزرع، وإِن أذن في الزرع لم يملك الغرس ولا البناء، وإن أذن في أحدهما لم يملك الآخر على الأصحِّ.
* * *
١٩٠٦ - فصل في قلع بناء المستعير وغراسه
تجوز العارية مطلقة ومؤقَّتة، وللمعير أن يرجع فيها متى شاء، وإن أراد المستعير قلْع بنائه وغراسه لم يُمنع، لكن يلزمه تسويةُ ما زاد من الحُفر على قَدْرِ الحاجة، وفي قدر الحاجة وجهان.
وإِن امتنع المستعير من القلع، تخيَّر المالك بين أن يبقي الغرس والبناء بأجرة المثل، وبين أن يقلعهما ويضمن ما بين قيمتهما مقلوعَين وقائمين، وبين أن يتملَّكَهما بقيمتهما، وليس له القلع مجَّانًا، وهل يستحقُّ الأجرة من حين طلب القلع مجَّانًا؟ فيه نظر من جهة أَنَّه قد رجع على خلاف الشرع، ولو كانت قيمة الأرض كعشر قيمة البناء، فطلب المستعير تملُّك الأرض بقيمتها، لم يكن له ذلك اتِّفاقًا.
وإن اختار المعير القلع، فامتنع المستعير، قُلع غرسه وبناؤه، وثبت له الأرش، فإِن قال: لا أريده، لم يَسْقُطْ إِلا أن يُبْرِئَ منه، وإن اختار المعير التملُّك، فطلب المستعير القلع، فله ذلك اتِّفاقًا.
وإِن امتنع المستعير من القلع والتمليك قُلع بناؤه مجَّانًا.
فإِن بذل الأجرة قيل له: إِمَّا أن تملِّك، وإِمَّا أن يقلع مجَّانًا.
وإِن اختار المالك الإِبقاء بالأجرة، وطلب المستعير البيع، لم يُجبر
стр. 1498
المالك على ذلك، وتجب له الأجرةُ من حين طلبها، ويقال للمستعير: إِمَّا أن تبذل الأجرة، وإِمَّا أن تقلع البناء مجَّانًا.
١٩٠٧ - فرع:
إِذا اتَّفقا على بيع الأرض والبناء جاز، وفي كيفيَّة توزيع الثمن عليهما خلاف تقدَّم في باب التفليس، وللمعير أن يبيع الأرض ممَّن شاء، وله الانتفاع بالعرصة والاستظلالُ بسقوف المستعير من غير اتِّكاء أو استناد إِلى الجدران، وللمستعير أن يبيع البناء من المعير، وإِن باعه من غيره فوجهان، وللمالك أن يمنع المستعير من دخول الدار، فإِن دخل لمرمَّةِ جدارٍ أو اجتناء ثمار لم يُمنع على الأصحِّ.
١٩٠٨ - فرع:
إِذا رجع في العارية المؤقَّتة قبل انقضاء المدَّة أو بعدها جاز، ولا يُقلع البناء مجَّانًا، بل يتخيَّر كما في العارِيّة المطلقة حرفًا بحرف، ولا يجوز القلع بعد المدَّة مجَّانًا إِلا أن يُشرط ذلك.
ولو أعار الأرض للزرع مطلقًا أو مؤقَّتًا، فتأخَّر حصاده عن الوقت المشروط؛ لاختلاف الهواء، فرجع في العارية المطلقة أو المؤقَّتة قبل انقضاء المدَّة أو بعدها لم يملك قلعه إِلى الحصاد، بل يرجع بالأجرة على المذهب، وأبعد مَن لم يثبت الأجرة.
وخرَّج في "التقريب" وجهًا: أنَّه يقلع الزرع قبل الإِدراك، كما يقلع البناء والغرس قبل انقضاء الوقت، وخرَّج في البناء والغرس وجهًا من الزرع:
стр. 1499
أَنَّه لا يقلعهما في العارِيَّة المؤقَّتة إِلا بعد الوقت.
والأصحُّ: الفرق، كما ذكره الأصحاب؛ لأنَّ المقصود من الزرع يحصل بعد الإِدراك، بخلاف المقصود من البناء والغراس، فإنهما يُقلعان بعد الوقت مع أنَّ المقصود بهما الدوام، فإِن فرَّعنا على تخريجه، فقلَعَ الزرع، غرم الأرش بأن يقوَّم الزرع قائمًا في حق من يقصد إِبقاءه، ولا يقوَّم بقلًا مقلوعًا.
١٩٠٩ - فرع:
إِذا حمل السيل نواة لزيد، فصارت شجرة في أرض عمرٍو، فله القلع مجَّانًا، وأبعدَ مَن ألحقه بالمُعير.
* * *
١٩١٠ - فصل في إِعارة الجدار لوضع الجذوع
من أعار رأس جدار لوضع جذع فله الرجوع قبل الوضع، ولو رجع بعد الوضع لم يتخيَّر بين الخصال الثلاث إِذ لا أجرة لذلك، ولا قيمة لما دخل في الجدار من طرف الجذع؛ إِذ لا سبيل إِلى تملُّك جميعه مع أنَّ طرفه في ملك الواضع، ولذلك لا يقلعه، فإِنَّ قلعه تصرُّف في خالص ملك الجار، وإِن كان لحق البناء قيمةٌ فله الإجبار على شرائه.
ولو أعار رأس الجدار لبناء يستقلُّ عليه لانتصابه، تخيَّر بين الخصال الثلاث إِذا كان لمثله أجرةٌ؛ إِذ لا فرق بين رأس الجدار وعرصة الدار.
* * *
стр. 1500
١٩١١ - فصل في إِعارة الأرض لدفن الأموات
نبشُ الأموات من غير ضرورة حرام، فمن أعار أرضًا للدفن فله الرجوع قبل الدفن، ولا يرجع بعده إِلا أن تنمحق آثار الميت، ويحرم النبش مهما بقي شيء من الميت، وسواءٌ تغيَّرت صورته أم بقي بحاله، وللمعير سقي أشجاره ما لم يؤدِّ إِلى إِظهار شيء من الميت، فيُمنع حينئذ، ولا حكم لزوال نعش القبور.
* * *
١٩١٢ - فصل فيمن استعمل غيره ولم يسمِّ له أجرة
إِذا قال: إِن غسلت ثوبي فلك درهم، فهذه جعالة، وإِن قال: اغسله بدرهم، فهذه إِجارة، وإِن قال: اغسله وأنا أعطيك حقَّك، وجبت أجرة المثل؛ لفساد الإِجارة، وإِن قال: اغسله مجَّانًا، فلا شيء له، وإِن اقتصر على الأمر بالغسل، أو جلس بين يدي حلَّاق أو دلَّاك، أو استخدم غيرهما بشيء من أنواع الخدم، ففي وجوب الأجرة أوجه، ثالثها: إِن كان معروفًا بذلك العمل وبأخذ الأجرة عليه استحقَّ، وإِلا فلا.
ويُحتمل أن يختلف الحكم فيمن لا يُعرف بذلك باختلاف الرتب، كما في الهبة المطلقة، فإِن كان نظيرًا لمن يطلب الأجرة على ذلك العمل استحقَّ، وإِلا فلا.
ولو دخل الحمَّام مع سكوت الحمَّاميِّ لزمه قيمةُ الماء وأجرةُ السُّكنى، ولا يُقاس ماء الحمام بما يُسخَّن في البيوت؛ لتيسُّر الآلات.
стр. 1501
ومأخذُ الخلاف في مسائل الاستخدام: أنَّ القرائن هل تقوم مقام الألفاظ؟ ولذلك ذكر القاضي وجهين في انعقاد البيع بالمعاطاة، كالوجهين في أن إِشارة الناطق بالعقود والحلول هل تقوم مقام الكلام؟ والله أعلم.
* * *
стр. 1502
كِتابُ الغَصْبِ
стр. 1503
كِتَابُ الغَصْبِ
١٩١٣ - الغصب حرام بالإِجماع، وهو: الاستيلاء على مال الغير بغير استحقاق .
ولا يُشترط في ضمانه العدوان، فمن لبس ثوب غيره وهو يظنُّه لنفسه ضمنه ضمان الغصب، ولا يتمُّ الاستيلاء إِلا بإِزالة اليد المُحِقَّة، وإِحداثِ يد الضمان، فلو حَبَسَ السائق عن دابَّته فضاعت، أو أمر غيره بالغصب فامتثل، أو دلَّ سارقًا على مال خفيٍّ فأخذه، لم يضمن؛ لعدم الاستيلاء.
١٩١٤ - فرع:
لوليِّ الأمر أن ينتزع المغصوب ليردَّه على المالك، وإن نزعه الآحاد لذلك؛ فإِن كان الغاصب حربيًّا جاز، وإِلّا فوجهان، فإِن أجزنا الانتزاع فهو أمانة عند المنتزِع، وإن منعناه لزمه الضمان.
* * *
١٩١٥ - فصل في بيان أسباب الضمان
تُضمن الأموال باليد والإِتلاف، ولا يضمن الأحرار إِلا بالإِتلاف، فمن غصب طفلًا حرًّا ونقله إِلى مظانِّ الحيَّات فنهشته، أو السباعِ فافترسته، فلا ضمان على الناقل، ولا يجب ردُّه إلى المكان الذي أُخذ منه، بل يجب
стр. 1504
على مَن عَلِمَ بمثله أن ينقذه بنقله إِلى مأمَن، وهل يرجع على الطفل بمؤونة النقل؟ فيه خلاف كالخلاف في إِيجار المضطرِّ الطعامَ، ولا فرق في وجوب ردِّه بين المتعدِّي وغيره.
ويتعلَّق ضمان الغصب والإِتلاف بالأعيان والمنافع والأوصاف، ولا تُضمن منافع البضع إِلا بالإِتلاف، ويدخل تحت يد الغاصب كلُّ منفعة تجوز الإِجارة على جنسها.
وإِن أتلف منافع حر ضمنها، وإِن حبسه وعطَّله فوجهان.
ولو استأجر حرًّا، ثم أجَّره؛ فإِن أوجبنا الأجرة بالتعطيل صحَّت الإِجارة، وإِلا فلا.
ولو سلَّم الأجيرُ الحرُّ نفسه مدَّة تتَّسع لاستيفاء المنافع؛ فإِن أوجبنا الأجرة بالتعطيل استقرَّت أجرته، وإِلا فلا.
* * *
١٩١٦ - فصل فيما (١) يُضمن بالإتلاف
من قتل حرًّا ضمنه بديته، ومن أتلف بهيمةً أو رقيقًا قِنًّا أو أمَّ ولد أو مكاتَبًا، ضمنه بقيمته وإِن زادت على دية الحرّ.
ويضمن أطراف البهيمة بما نقص من القيمة، وما ضُمن من الحرّ بالحكومة ضُمِن من العبد بالأرش، وما ضُمن من الحرِّ بالدية فهل يُضمن من العبد بالأرش أو القيمة؟ فيه قولان منصوصان، والجديد: أنَّ جراحه من
стр. 1505
قيمته كجراح الحرِّ من ديته، ففي يده نصف قيمته سواءٌ زادت على الأرش أو نقصت منه، فإذا قطع يدي عبد قيمته ألف، فرجعت قيمته إِلى مئة، فقطع آخرُ رجليه فرجعت إِلى عشرة، ففقأ آخر عينيه، فرجعت إِلى درهم، فقتله آخر، فعلى الجديد: يلزم الأولَ ألفٌ، والثانيَ مئة، والثالثَ عشرةٌ، والرابعَ درهمٌ، وعلى القديم: يلزم الأول تسع مئة، والثانيَ تسعون، والثالثَ تسعةٌ، والرابعَ درهم.
١٩١٧ - فرع:
إِذا اشترى عبدًا، وقطع يديه عند البائع؛ فإِنَّه يُجعل قابضًا لقَدْرِ الأرش وإِن قلنا بالجديد، وأبعدَ مَن جعله قابضًا للجميع، حتى لو تلف العبد الأقطع عند البائع لم يضمنه.
١٩١٨ - فرع:
لو غصب عبدًا، وقطع يده، لزمه الأرش على القديم، وعلى الجديد يلزمه الأكثر من الأرش أو نصف القيمة؛ لأجل يده.
ولو سقطت يده بآفة سماويّة لزمه الأرش على القولين، وأبعد من أوجب المقدَّر إِذا كان أكثر، وهذا لا يصحُّ؛ فإِنَّ التقدير مخصوصٌ بالجنايات.
١٩١٩ - فرع: للقفَّال:
إِذا جنى على بهيمة غير مغصوبة، فماتت بالسراية، لزمه أقصى قيمتِها من حين جرحها إِلى أن ماتت.
* * *
стр. 1506
١٩٢٠ - فصل فيما يُضمن بالمثل أو القيمة
إِذا أتلف الغاصبُ المغصوبَ أو تلف عنده ضمنه بأقصى قيمته من حين الغصب إِلى الفوات، إِلّا أن يكون مثليًّا، فيضمنه بمثله إِلا أن يتعذَّر المثل، فيضمنه بقيمته، وبأيِّ قيمة يعتبر؟ فيه أوجه:
أحدها: بالأكثر من حين الغصب إِلى الإِعواز، ولا نظر إِلى التفاوت بعد الإِعواز، كما لا يُنظر إِليه بعد تلف المغصوب.
والثاني: بالأكثر من الغصب إِلى التلف.
والثالث: بالأكثر من التلف إِلى الإِعواز.
والرابع: بحال الأداء.
والخامس: بوقت الإِعواز.
والسادس: بوقت التلف.
والسابع: بالأكثر من الإِعواز إِلى الطلب.
والثامن: بالأكثر من التلف إِلى الأداء.
والتاسع: بالأكثر من الغصب إِلى الأداء.
والأوَّل أصحُّ، والثلاثة الأخيرة غلط.
١٩٢١ - فرع:
لو أتلف مثليًّا من غير غصب، فأعوزه المثلُ، فالاعتبار بيوم الإِعواز، أو بالأكثر من التلف إِلى الإِعواز؟ فيه وجهان وينقدح اعتباره بحال الأداء، وهو ضعيف.
стр. 1507
١٩٢٢ - فرع:
تُعتبر قيمة الحيلولة بالأكثر من الغصب إِلى الطلب، فإِن رجع المغصوب ردَّها اتِّفاقًا.
ولو ضمن القيمة لإِعواز المثل، ثمَّ وجَده، فهل يردُّ القيمة ويرجع بالمثل؟ فيه وجهان.
ولو أعوز المثل، فلم يطلبه المالك حتى تيسَّر بعين حقِّه فيه، فليس له أخذُ القيمة إِلا بعقد معاوضة.
* * *
١٩٢٣ - فصل في بيان المثليّات
اختلفوا في المثليّ على مذاهبَ:
أضعفُها: أنَّه المقدَّر بالكيل أو الوزن.
والثاني: ما يُقدَّر بأحدهما، وجاز فيه السَّلَم، فالرُّطب والعنب والدقيق من المثليَّات.
والثالث: ما يُقدَّر بأحدهما، وجاز أن يُسْلَم فيه، وأن يُباع بعضه ببعض، وهو منتقضٌ بالقماقم والمغارف والملاعق؛ فإِنَّها موزونة يجوز السلَم فيها، وأن يُباع بعضها ببعض، وليست مثليَّة؛ لاختلاف أجزائها، وندورِ اتِّفاق أوصافها.
واختار العراقيُّون والإِمام: أنَّ المثليَّ ما تساوت أجزاؤه في القيمة والمنفعة.
* * *
стр. 1508
١٩٢٤ - فصل في المطالبة بالمثليِّ في غير محل الالتزام
من لزمه مثليٌّ بغصب أو قرض أو إِتلاف أو غير ذلك من الأسباب، فظفر به المستحِقُّ في غير محلِّ اللزوم، فطريقان:
أظهرهما أنَّه يطالَبُ بقيمته بمحلِّ الالتزام.
والثانية: إِن كان المثليُّ دراهم أو دنانير طُولب بهما؛ إِذ لا يعسر نقلهما، ولا مؤونةَ في تحويلهما، وإِن كان من غيرهما، فإِن استوت قيمة البلدين، أو نقصت قيمة بلد الظفر، طُولب بالمثل، وإِن زادت قيمة بلد الظفر طولب بقيمة بلد الالتزام، وهذه الطريقة ذكرها أبو عليٍّ، وحمل نصَّ الشافعيِّ وإطلاقَ الأصحاب في الطريقة الأولى على هذا التفصيل، وذكر أبو محمد وجهًا منقاسًا: أنَّه يطالب بالمثل بكلِّ حال، إِلا أنَّه لا يُوثَق بما ينفرد بنقله.
١٩٢٥ - فرع:
قال أبو محمد: إِذا لم يكن للمثليِّ قيمة في محلِّ الظفر طُولب بقيمة محلِّ الإتلاف، كمن أتلف ماءً بالبادية، ثم ظفر به المستحِقُّ ببغداد.
١٩٢٦ - فرع:
حيث أوجبنا القيمة فلا خلاف في اعتبارها بمحلِّ الالتزام، ولو طُولب بالمثل لم يلزمه، وإِن بذله لم يلزم المستحِقَّ قبولُه، وإِن أخذ القيمة، ثم اجتمعا بمحلِّ اللزوم، فهل يردُّ القيمة، ويطلب المثل؟ فيه وجهان.
ولو تراضيا بالقيمة جاز اتِّفاقًا، ولا حاجة إِلى عقد عند الإِمام، ولو تراضيا بقيمة الحيلولة بعد عود المغصوب، فلابدَّ من عقد معاوضةٍ.
стр. 1509
١٩٢٧ - فرع:
إِذا لزمه مثليٌّ بالسَّلَم، فظفر به المسلِم في بلد آخر، ففيه الخلاف؛ فإِن منعنا من طلب المثل فقد منع صاحب "التقريب" من طلب القيمة أيضًا؛ لأنَّها عوض، والسَّلَمُ لا يقبل الاعتياض، وهذا منقاسٌ، وفيه إِشكال؛ فإِنَّه قد يأخذ أموال الناس بالسَّلَم، ثم يتحوَّل إِلى مكانٍ آخر، فيمتنع طلبُه، فتفوتُ الأموال، وينقدح في ذلك وجهان:
أحدهما: ثبوت الخيار في فسخ السلم، والرجوعِ إِلى رأس المال، فيُطالَب به إِن كان نقدًا، أو بقيمته إِن كان متقوِّمًا، وإِن كان مثليًّا فعلى الخلاف.
والثاني: أنَّه يأخذ قيمته للحيلولة؛ بناءً على أنَّه لو دفع قيمة المثل، ثم رجعا إِلى محلِّ الالتزام، لَرَدَّها، وطالَبَ بالمثل.
١٩٢٨ - فرع:
إِذا غصب مثليًّا ببلد، وأتلفه ببلد آخر، طُولب بالمثل بمكان الغصب أو بمحل الإِتلاف وإِن ظفر به ببلد ثالث فعلى الخلاف؛ فإِن قلنا: يطالَب بالقيمة، فله طلب الأقصى من قيمتي البلدين.
* * *
١٩٢٩ - فصل فيما يُضمن به الذهب والفضة
التِّبْر مثليٌّ يُضمن بزِنَته تبرًا، وتُضمن الدراهم والدنانير بمثلهما، ولا يختلف بالأماكن والأزمان، وأمَّا المصوغ؛ فإِن حَرُمَ اتِّخاذه -كالصليب والصنم، والأواني على وجه- ضُمن بالتبر دون الدراهم؛ إِذ لا حرمة لصنعته،
стр. 1510
وإِن جاز اتِّخاذه كالحليِّ والآنية على وجه، ضمنه مع صنعته، فلو أتلف صنعته ضمن الصنعة بنقد البلد، فإِن أتلفه بعد ذلك ضمنه مكسورًا بمثله، سواءٌ اتَّخذه الرجل ليلبَسه، أو اتَّخذه لغرضٍ مباحٍ، بخلاف ما ذكرناه في زكاة الحُليِّ.
فلو أتلف حُليًّا زِنَتُه عشرة، وقيمته خمسةَ عشر ففيه أوجه:
أحدها، وهو ظاهر النصِّ: يضمنه بجنسٍ آخر من النقد؛ توقِّيًا لصورة الربا، وعلى هذا لا نقابله إِلا بما تجوز مقابلته به في البيع.
والثاني، وهو الأصحُّ: يضمنه بجنسه، ويضمن الصنعة بنقد البلد سواءٌ جانست الأصل أم خالفته؛ لأنَّ تعبُّدات الربا لا تُعتبر في الغرامات، ولأنَّه لو أتلف الصنعة، ثم أتلفه، لضمن الصنعة بالنقد، وضمنه بمثله، وكذلك إِذا أتلفهما معًا.
والثالث: يضمنه بجنسه، ويضمن الصنعة بنقد يخالفُه، سواءٌ وافق نقدَ البلد أم خالفه.
فإِن قلنا بالثاني أو الثالث، ضمن الأصل بالتبر دون النقد المضروب؛ لأنَّه بالكسر قد صار تبرًا. كذا ذكره الإِمام.
* * *
١٩٣٠ - فصل في زيادة المغصوب ونقصه
يجب ردُّ المغصوب بزيادته، وإِن نَقَص ردَّه مع أرش النقص، ولا يملكه الغاصب بتفاحش النقص، فلو حرق الثوب سلكًا سلكًا، أو ذبح الشاة، أو