ولو ادَّعى الوليُّ ابتداءً على اثنين، فشهد عليهما اثنان، فشهد الأوَّلان على الآخِرَين، فلم يصدِّقهما الوليُّ، ثبت القتلُ على الأوَّلين.
وإن وكِّل من يدَّعي بالقتل، ولم يعيِّن القاتلَ، فادَّعى الوكيل على اثنين، فشهد عليهما آخران، فشهد الأوَّلان على الآخرين، رُوجع الوليُّ، فإن صدَّق الآخِرَين، بطلت عليهما الدعوى (١)، وله الدعوى على الأوَّلين، وشهادةُ الآخرين باطلةٌ إن أُبطلت (٢) شهادة الحسبة، فإن أعاداها بعد الدعوى، ففي قبولها الخلاف.
وإن قبلنا شهادةَ الحسبة؛ فإن جعلنا الآخرين عدوَّين ودافعين، بطلت شهادتُهما، وإن لم ننظر إلى الدفع والعداوة، قُبلت شهادتُهما، ولا حاجة إلى إعادتها.
ولو ادَّعى الوليُّ على اثنين، فشهد عليهما اثنان، فشهد الأوَّلان على أجنبيٍّ بالقتل؛ فإن صَدَّق الأوَّلين، نُظر في شهادتهما هل وقعت حسبةً، أو بعد الدعوى؟ وإن صدَّق الآخرين؛ فإن تقدمت الدعوى على وَفْق شهادة الأَوَّلين، فقد تناقض قولُه؛ فتبطل الشهادتان، وإن شهد الآخران حسبةً، فصدَّق أو كذب، لم يخْفَ حكمه، وإن وكل في ذلك، ولم يعيِّن القاتل، رُجع إليه؛ فإن صدَّق الأوَّلين، ثبت الحقُ، وإن صدَّق الآخِرَين، ورددنا شهادةَ الحسبة، فاستعادها، ففي قَبولها الخلاف؛ لأنَّهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما، وإن قلنا: لا تُرَدُّ، خُرِّج على الخلاف في شهادة الحسبة.
стр. 2627
ولو ادَّعى القتلَ على إنسان، فشهد به اثنان، ثُمَّ شهد أجنبيَّان بالقتل على الشاهدين، بطلت شهادتُهما إن صدَّق الأوَّلين، وإن صدَّق الآخِرَين، بطلت شهادةُ الأربعة.
* * *
٣٤٠٧ - فصل في اختلاف شهود القتل
إذا ادَّعى قتلَ العمد، فشهد أحدُ شاهديه على الإقرار بقتل العمد، وشهد الآخرُ على الإقرار بالقتل من غير تعرُّض لخطأ ولا عمد، ثبت أصلُ القتل، فإن لم يجعل الوليُّ الشهادةَ لَوْثًا، حلف المدَّعى عليه: أنَّه ما قتله عمدًا، فإن نكل حلف الولي، وثبت القصاصُ، وإن جعل شهادةَ أحدهما لوثًا، فله القسامةُ على إثبات العمد.
ولو شهد أحدُهما بالعمد، والآخر بالخطأ، ففي ثبوت أصل القتل وجهان، وإن اختلفا في زمن القتل، أو مكانه، أو آلته، لم يثبت القتلُ اتِّفاقًا، ولا يثبت بذلك لوثٌ عند المراوزة، وحكى العراقيُّون في ثبوت اللوث قولين.
[ولو شهد أحدُهما بالقتل، والآخر على الإقرار بالقتل، ثبت اللوثُ اتِّفاقًا، ولم يثبت القتل] (١).
ولو شهدا أنَّ هذا القتيلَ قتله زيد أو عمرو، لم يثبت القتل، وثبت (٢) اللوثُ شاملًا لهما، فللوليِّ أن يعيِّنَ أحدَهما للدعوى، ولا يلزمه إظهارُ
стр. 2628
لوث يختصُّ بمن يعيِّنه، وعليه في الباطن ألَّا يدَّعيَ إلَّا عن بصيرة، وتردَّد الإمامُ في ثبوت اللوث هاهنا؛ لأنَّه لم يشملهما، ونظيره أن يشهدَ عدلان بعداوة بين القتيل، وبين واحد من رجلين، ولا يبعد ثبوتُ اللوث بالعداوة المبهمة.
* * *
٣٤٠٨ - فصل فيمن قَطَع ملفوفًا بنصفين
وإذا شهد عدلان أنَّه قَطَع ملفوفًا بنصفين، ولم يتعرَّضا لحياته حال القطع، لم يثبت القتلُ بشهادتهما؛ فإنَّ شرطَ الشهادات أن يُشعر بالمقصود، فإن اختلف الوليُّ، والقاطع في حياته حال القطع، ففي المصدَّق منهما بيمينه قولان، وعلى قول بعيد: إن كان ملفَّفًا في رباط على هيئة الأكفان، فالقولُ قول القاطع، وإن كان في ثياب الأحياء، فالقول قول الولي.
٣٤٠٩ - فرع للقاضي:
إذا رأى الشاهدان رجلًا قد تلفَّف، فقطعه قاطعٌ على الفور، جاز لهما أن يشهدا بالقتل، كما يشهدان بالملك؛ [بناءً] (١) على اليد والتصرُّف، وفيه احتمال؛ فإنَّ الملكَ لا يُعرف إلَّا بالظن.
ولو قالا: رأيناه قد تلفَّف بثوب، فقدَّه فلان، لم يجز للحاكم أن يقضي بحياته اتفاقًا، كما لا يحكم بالملك إذا شهدا باليد والتصرُّف، ولم يتعرَّضا للملك.
стр. 2629
٣٤١٠ - فائدةٌ:
ما لا يثبت إلَّا بعدلين ذكرين لم يسقط إلَّا بهما، وما يثبت بالشاهد والمرأتين، فإنَّه يسقط بهما، فلا يثبت العفوُ عن القصاص إلَّا بذكرين، ويثبت العفو عن الدية بشاهد وامرأتين.
* * *
٣٤١١ - فصل في إقرار أحد الورثة بالعفو
إذا أقَرَّ أحدُ الورثة بعفو بعضهم عن القصاص، سقط القصاصُ، وإن لم يعيِّن العافي، وإن ادَّعى الجاني على أحدهم أنَّه عفا، فالقولُ قوله، فإن نكل حلف الجاني، وسقط قصاصُ الجميع.
* * *
٣٤١٢ - فصل في شهادة الوارث بجرح مُورِّثه
كلُّ شهادة تجرُّ نفعًا إلى الشاهد، أو تدفع عنه ضرًا، فهي مردودة، فإذا شهد عدلان من الورثة بجرح المورِّث، وذلك الجرحُ ممكنُ السِّراية في وقت الشهادة، لم تُقبل شهادتهما؛ لأنَّ الجرحَ سببُ إرثهما، فإن اندمل الجرحُ بعد ذلك، أو حدث مَن يحجبهُما، لم تُقبل شهادتهما على الأصحِّ.
وإن شهد الوارثان للمورِّث في مرض موته بعَيْن، أو دَيْن، ففي قَبول شهادتهما وجهان، ولو شهد بالجرح محجوبان، فصارا عند الموت وارثين، فالأصحُّ أنَّهما إن صارا وارثين قبل الحكم، رُدَّت شهادتُهما، وإن صارا وارثين بعد الحكم، لم يُنقض، وأبعد مَنْ نظر إلى المآل في الصورتين،
стр. 2630
وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّهما يُتَّهمان بتوقُّع الإرث، والتهمُ تؤثِّر قبل الحكم، ولا تؤثِّر بعده، ولذلك لا يؤثر الفسقُ بعد الشهادة إلَّا أن يطرأ قبل الحكم، فإنَّه لا يطرأ إلَّا بعد مراودات باطنة، ولذلك لا تُردُّ الشهادةُ بالموت، والعمى، والجنون قبل الحكم؛ لانتفاء الرِّيبة.
٣٤١٣ - فرع:
إذا شهد عدلان بقتل الخطأ، فجرحهما عدلان ممَّن يلزمه حَمْلُ العَقْل، لم يُقبل جرحُهما؛ لأنَّهما دافعان، فإن كانا فقيرين عند شهادتهما بالجرح، أو كانا بعيدين مع استقلال الأقربين بالعَقْل، فالنصُّ قَبولُ شهادة البعيدين، وردُّ شهادة الفقيرين، وقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج، وفرَّق بعضُهم بقرب توقُّع الغنى، وبُعد توقُع موت الأقربين، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ البعيدَ يتوقَّع تحمُّلَ العَقْل بموت القريب، أو بغناه، فلا فرق بين توقُّع الغنى والفقر.
* * *
стр. 2631
٣٤١٤ - باب في الحكم في الساحر والساحرة
السحر ثابتٌ كائن يتعلَّق به الغُرْم والقصاص، وقال أبو جعفر الترمذي (١): هو تخييل لا يتعلَّق به غُرْم، ولا قصاصٌ، ولا يُعدُّ هذا من المذهب، ولا يكفر متعلِّمُ (٢) السحر إن لم يعتقد ما يوجب الكفرَ، والتعلُّم جائز أو مكروه؟ فيه خلاف؛ إذ يُفرَّق بمعرفته بين السحر والمعجزة (٣)، وقد يدفع به مَنْ يعرفه عن نفسه، ولا يُكره تعلُّم مذاهب الكفَّار؛ للردّ عليهم.
٣٤١٥ - فرع:
لا يُعرف القتل بالسحر إلَّا بإقرار الساحر، فإن قال: سحرتُ فلانًا بسحر
стр. 2632
يقتلُ قطعًا، أو غالبًا، وجب القصاصُ، وإن قال: هلك بسحري الذي لا يقتلُ غالبًا، فهذا شبهُ عمد، فعليه الديةُ إلَّا أن تصدِّقه العاقلةُ، فتلزمها، وإن قال: غلطتُ من اسم غيره إلى اسمه، فهذا خطأ يلزمه ديتُه إلَّا أن تصدِّقه العاقلةُ، فتلزمها، وإن قال: أمرضه سحري، ومات بسبب آخر، فالنصُّ أنَّ إقرارَه بذلك لَوْثٌ يوجب القسامةَ، وهذا مشكل؛ فإنَّهما إذا اتَّفقا على الجرح، واختلفا هل مات به، أو بسبب آخر على ما تقدَّم تفصيله، فحيث جعلنا القولَ قول الوليِّ، فينبغي أن تُخرَّج القسامةُ على ترُّدد يجري حيث يتِّفقان على السبب، فيدَّعي الجاني حصولَ الموت بغيره، فإن أثبتنا القسامةَ لم يجب القَوَدُ، وإن لم نثبتها، ففي تعدُّد اليمين قولان، فإن حلف وجب القودُ؛ ولذلك لو وقع مثلُ هذا الاختلاف في موت البهيمة بالجرح، لجعلنا القولَ قولَ المالك حيث نجعل القول قول الوليِّ مع أنَّه لا قسامةَ في البهائم.
٣٤١٦ - فرع للإمام:
إذا أصاب إنسان رجلًا بالعين، فهلك، لم يضمنْه وإن كان ممَّن يتعمَّد ذلك بحيث لا يخطئ؛ فإنَّ ذلك لا يُعدُّ من أسباب الهلاك، فأشبه ما لو صاح على بالغ عاقل، فسقط، أو نظر إلى امرأة - وهو صائم - بشهوة، فأمنى.
* * *
стр. 2633
كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْي
стр. 2634
كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْي
٣٤١٧ - للبغاة أحكامٌ تختصُّ بهم؛ إمَّا لأجل رعيتهم، وإمَّا لأجل فيأتهم إلى طاعة الإمام، والبغاة: طائفة تخرجُ عن طاعة الإمام، وتفارق الجماعة، ولا تثبت أحكامُ البغاة إلَّا بشروط:
أحدُهما: أن يكونَ لهم تأويلٌ مُخَيِّل لا يعرفون بطلانَه، فإن كان مظنونَ البطلان عندنا، تثبت الأحكامُ، وإن علمنا بطلانَه، ففي ثبوت الأحكام خلافٌ بين الأصوليّين.
الثاني: الشوكة، وهي عَددٌ يمكن مقاومتهُ لجند الإمام، ويجب القطع بأنَّ الشوكةَ لا تتحقَّق إلَّا بمقدم يتبع، فإن قلَّ عددُهم، وكانوا من الأبطال المشهورين الذين يقاومون الجمعَ الكثيرَ بقواهم، حصلت الشوكةُ اتِّفاقًا.
الثالث: أن ينصبوا إمامًا يصدر عنه توليةُ الولاة، والحكَّام، وهو شرطٌ عند الجمهور، والأصحُّ عند العراقييِّن أنَّه لا يُشترط، وشرط العراقيُّون أن يكونوا بطرف لا يحيط بهم جندُ الإمام، وهذا يرجع إلى تحقُّق الشوكة، فلو أحاط بهم الجندُ من الجوانب مع إمكان المقاومة، فالشوكةُ حاصلة عند الإمام، وإن قلُّوا بحيث لا يُقاومون، فتحصَّنوا ببعض الحُصون، ففي إقامة ذلك مقام الشوكة وجهان، وقال الإمام: لا يثبت هاهنا حكمُ البغاة إلَّا أن يكونَ الحصنُ على فوهة الطريق بحيث يحيطون بمن وراءهم في القطر من
стр. 2635
لرعايا الكثيرة.
* * *
٣٤١٨ - فصل في تنفيذ أحكام البغاة
إذا ولَّوا قاضيًا، فحكم بما يوافق الشرعَ، أو استوفوا الحدود، أو خُمُسَ الفيء، والغنائم، والزكاةَ، والجزيةَ، والخراجَ، وأموالَ المصالح، صحَّ جميعُ ذلك، فإن صرفوه في جهاته، صحَّ صرفه، وأربعة أخماس الغنائم تختصُّ بأربابها، لا تعلُّق لها بالولاة، وإن صرفوا أربعةَ أخماس الفيء إلى جند الإمام، صحَّ، وإن صرفوها إلى جندهم، ففيه خلافٌ طرده بعض المحققين فيما ينفقونه على أنفسهم؛ لما في تنفيذه من إعانتهم على بغيهم.
فإن وجدت الشوكةُ دون التأويل، أو التأويلُ دون الشوكة، لم يثبت شيءٌ من هذه الأحكام، فإن حكَّم الخصمان مَنْ يحكم بينهما من البغاة، ففي صحَّة التحكيم خلافٌ مشهور، وقال الإمامُ: إذا وُجدت الشوكة وانتفى التأويل، أو قلنا: لا يُشترط نصبُ إمام يصدر عنه توليةُ الولاة، والحكام، فحكم الرعيَّة في ذلك كحكمهم إذا شغَر الزمان عمَّن يصلح للإمامة.
* * *
٣٤١٩ - فصل في كيفية قتال البغاة
يجب رعايةُ التدريج في قتال البغاة، فيبعث إليهم الإمامُ رسولًا عاقلًا فطنًا؛ ليسألَهم ماذا تنقمون، فإن ذكروا شبهةً أزاحها، ولا يألوهم نُصْحًا، ويأمرهم بالعَوْد إلى الطاعة؛ لتتَّحدَ كلمةُ الإسلام، فإن أبوا آذنهم بالحرب،
стр. 2636
ولا يحلُّ أن يفاجئهم؛ فإنَّ قتالهم كدفع الصائل اتِّفاقًا في الاقتصار على الأهون فالأهون، فإن أمكن الدفعُ بالقول، لم يعدل عنه، وإن أمكن باليد، لم يشهر السلاح، ولا يقف على أن يطلبونا، بل نسير إليهم؛ دفعًا لهم عن مكانهم، فإن اندفعوا طلبناهم ردًّا إلى الطاعة، أو فَلًّا لشوكتهم.
* * *
٣٤٢٠ - فصل فيما يتلفه أهل العدل والبغاة
إذا أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى نفسًا أو مالًا؛ فإن أتلفته في حال القتال، ولم يكن من ضرورة القتال، أو أتلفته في غير حال القتال، وجب الضمانُ اتفاقًا، ويجب على كلِّ واحدة منهما أن تردَّ ما حصل بيدها من مال الطائفة الأخرى، وكذلك يضمن البغاةُ ما أتلفوه بالبيات، وشَنِّ الغارات.
وإن كان الإتلافُ من ضرورة القتال، لم يضمنه أهلُ العدل، وكذلك البغاةُ على أصحِّ القولين، فإن قلنا: لا يُضمن المالُ، فلا قصاصَ، ولا ديةَ للنفوس، وفي الكفَّارة وجهان، وإن قلنا: يُضمن المال، وجبت الديةُ، والكفَّارة، وفي القصاص وجهان، فإن أوجبناه، فالديةُ مغلَّظة على الجاني، وإن لم نوجبه، فهل يلزمهُ ديةٌ حالَّة مغلَّظة؟ فيه قولان، فإن قلنا: لا تلزمه، وجبت على العاقلة مؤجَّلة مغلَّظة، وأبعد مَنْ خفَّفها وأجَّلَها.
* * *
٣٤٢١ - فصل فيمَنْ يقاتله الإمامُ من المسلمين
مَن امتنع مِنْ أداء حقٍّ للإمام استيفاؤُه؛ كالحدود، والزكاة، وغيرهما،
стр. 2637
أو لزمه غرمٌ، أو قصاص، فطلبه المستحِقُّ، فامتنع؛ فإن لم تكن له منعةٌ، أُخذ منه قهرًا، فإن منع ذلك طائفة؛ فإن لم يكن لهم شوكةٌ ومَنَعةٌ، ولم يمكن أخذه إلَّا بالقتال، قُوتلوا، ويلزمهم ضمانُ ما يتلفونه بالقتال من الأنفس والأموال بالغُرْم، والكفَّارة، والدية، والقصاصِ سواءٌ كان لهم تأويل، أو لم يكن، وإن كانت لهم شوكةٌ؛ فإن كان لهم تأويلٌ معتَبَر، فهم بغاة؛ إذ لا يُشترط على الأصحِّ أن يكونَ لهم إمامٌ، وإن لم يكن تأويل، ففي الضمان طريقان:
إحداهما: الوجوبُ.
والثانية - وهي ظاهر النصِّ -: فيه القولان.
وإن كان للمرتدِّين شوكة، ففي أضمان، (١) ما يتلفونه بالقتال قولان، رتَّبهما بعضُهم على القولين في البغاة؛ تشبيهًا لهم بأهل الحرب، وهذا لا يصحُّ؛ إذ لا خلافَ أنَّهم يضمنون ما يتلفونه بغير القتال، فينقدح فيهم طريقان.
إحداهما: إيجابُ الضمان.
والثانية: فيه القولان، والحاصل: أنَّا نجوِّز القتالَ بالامتناع من الطاعة، ونثُبت أحكامَ البغاة بالشوكة، والتاويلُ إن كان لهم إمام، وكذا إن لم يكن على الأصحِّ، ويجري الخلافُ في التضمين بمجرَّد الشوكة؛ حثًا لهم على الإذعان، وإن انتفت الشوكةُ، وتحقَّق التأويلُ، قطعنا بوجوب الضمان.
стр. 2638
٣٤٢٢ - فرع:
يحرم التعريضُ بسبِّ الإمام، فمَنْ صرَّح بسَبِّه، عُزِّر بقدر سوء أدبه، وإن عرَّض فوجهان.
٣٤٢٣ - فرع:
الظاهر أنَّ الخوارجَ لا يكفرون، فإذا أظهروا رأيَهم وأكفروا الإمامَ وأتباعَه، فالأصحُّ أنَّهم كالمرتدِّين؛ إذ لا عبرةَ بتأويل الفريقين، وأبعد مَن جعل تأويلَهم كتأويل البغاة، فأثبت لهم أحكامَ البغاة.
* * *
٣٤٢٤ - فصل في حكم قتال البغاة
يقاتل الإمامُ البغاةَ إلى أن يطيعوا أو تَنْفَلَّ شوكتُهم، وتسقط عُدَّتهم، ومتى ظهرت معصيتُهم، واستعدادُهم للقتال سِرْنا إليهم، فإذا صاففناهم؛ بدأناهم بالقتال، وغلط من قال: إذا تصاففنا؛ فإن قصدونا دفعناهم كالصائل، وهذا باطل؛ فإنَّ القصدَ بقتالهم دفعُهم عن العصيان، والاستعداد له بالقتال، ولا يحلُّ لنا القتلُ إن أمكن الأَسْر، ولا التذفيفُ إن أمكن الإثخان، ولا ضبط إذا التحمت الفئتان، وكذلك حكم المكاوحة (١) في الصيال، ولا يُذفَّف على جريحهم، ولا يُتبع أفرادهم إذا انهزموا إلَّا أن يتحرفوا للقتال، وإن انهزم الجمع تحت الراية من غير انفلال، تبعناهم، ولا ننكأ فيهم بالسلاح، وإن تفرَّقوا بحيث لا يُتوقَّع اجتماعُهم تركناهم، وإن تحيَّزوا، أو تحيَّز بعضُهم إلى فئة قريبة اتَّبعناهم؛ فإن كانوا أفرادًا أخذناهم، وأسرناهم، وهل يُتَّبع الآحادُ
стр. 2639
إذا تحيَّزوا إلى فئة بعيدة؟ فيه وجهان يجريان فيما إذا تفرَّقوا مع الانفلال، ولا ننكأ في مُنْهزمٍ بالسلاح؛ إلَّا المتحرِّفَ للقتال.
٣٤٢٥ - فرع:
إذا خرجت طائفةٌ عن الطاعة، وقتلوا والي الإمام، قُتل قاتلُه قصاصًا، وقيل: يتحتَّم قتلُه؛ كقاطع الطريق، وخصَّه الإمامُ على بُعْدِه بمَنْ خرج عن الطاعة، واستعدَّ للخلاف.
* * *
٣٤٢٦ - فصل في حكم الأسرى
ولا يُقتل أسيرُهم صَبْرًا، بل يحبس، فإن تاب أو رجع البغاةُ إلى الطاعة، وهو مصِرٌّ أطلقناه، فإن انقضت نوبة من القتال، ولم تزل شوكتُهم، وكنَّا على اتباعهم وانتظار كرَّتِهم، لم نطلق الأسرى، وأبعد مَنْ قال: يُطلَقون إذا انقضت نوبةٌ من نُوَب القتال، وإن تحيَّزوا إلى فئة قريبة أو بعيدة، لم نطلق الأسرى إن تحيَّزوا تحت الراية مع اتحاد الكلمة، وإن تفلَّلوا أفرادًا، فوجهان.
ولو وقع النساءُ تحت أيدينا، وجب إطلاقهنَّ، وقال أبو إسحاق: يُحبسن؛ كسرًا لقلوب البغاة، وحثًّا لهم على الإذعان، وحكم الخيل، والعبيد والأسلحة حكمُ الأسرى، ونردُّ عليهم ما أخذناه (١) من سائر الأموال، والمراهقون كالعبيد إن قاتلوا، وكالنساء إن لم يبلغوا حدَّ القتال.
* * *
стр. 2640
٣٤٢٧ - فصل في استعانة البغاة بأهل الحرب
إذا استعان البغاةُ علينا بأهل الحرب لم يثبت للكفَّار الأمانُ في حقِّنا؛ لأنَّه مخالف للشرع، وفي ثبوته في حقِّ البغاة وجهان؛ فإن قلنا: لا يثبت، لم يجز لهم اغتيالُهم، وعليهم أن يلحقوهم بمأمنهم؛ لثبوت عُلْقة الأمان، وحكمهم معنا كحكم أهل الحرب إذا انفردوا بقتالنا، فيُتبع المدبِرُ، ويذفَّف على الجريح (١)، وتُغنم الأموال، ولا يضمنون ما يتلفون علينا، وألحقهم القاضي بالبغاة، وهذا غلطٌ؛ إذ لا أمانَ لهم علينا، ولا عُلْقَة أمان؛ فإن أمان الآحاد لا ينفذ إذا خالف الشرعَ، ولا ينفذ من أحكام البغاة إلَّا ما وافق الشرع، وأمانُهم لأهل الحرب على أن يقاتلونا مُحرَّم بالشرع.
٣٤٢٨ - فرع:
إذا أسرنا طائفةً من أهل الحرب، فقالوا: ظننَّاكم بغاةً أو كفَّارًا، وظنَنَّا جواز قتالكم إذا استعان بنا أصحابكم؛ فإن أمكن صدقُهم، فالأظهر أنَّهم يعاملون معاملةَ البغاة، فيُبلَّغون المأمن، ولا يُقتلون في حال الانهزام، وقيل: لا أثر لظنِّهم، فيُقتلون حيث يُثقفون.
* * *
٣٤٢٩ - فصل في استعانة البغاة بأهل الذمَّة
ونقدِّم على ذلك ذكرَ ما تنتقضُ به الذمَّة، وهو أقسام:
стр. 2641
الأوَّل: أن ينبذوا إلينا العهدَ، فينتقض، ولا يُجبرون على الوفاء به اتِّفَاقًا، ويُبلَّغون المأمن، ولا يُتعرَّض للنساء، والذراري، والأموال.
والمأمن: مكانٌ يقطنه أهلُ نجدة من الكفَّار، فإن قاتلونا (١) بعد النبذ، فلا قصاصَ عليهم، ولا يبعد إيجابهُ؛ لأنَّ الأمانَ باقٍ في حقِّنا، فلا يبعدُ إبقاؤه في حقهم.
الثاني: أن يمتنعوا من التزام الأحكام، ويفضي ذلك إلى القتال، فينتقض عهدُهم اتِّقاقًا، والمذهبُ: جوازُ الاغتيال، فإن خافوا الهلاكَ، فطلبوا عقد الذمَّة، وجبت إجابتُهم اتِّفَاقًا.
الثالث: أن يأتوا بجرائمَ عظيمةٍ في حقِّ آحاد المسلمين؛ كالقتل، والجراح، فيؤاخذون بموجب تلك الجرائم اتِّفَاقًا، وفي انتقاض العهد قولان؛ فإن قلنا: ينتقض، ففي تبليغ المأمن قولان، فإذا قاتلونا مع البغاة، فلهم أحوال:
الأول: أن يقولوا: عرفنا أنَّكم على الحقِّ، وأردنا أن ننكأَ فيكم بالقتال، فينتقض العهد، ويصيرون (٢) كأهل الحرب في جميع الأحكام، فلا يبلَّغون المأمن، ولا يضمنون ما يتلفون، وتُغنم نساؤهم، وأموالُهم وأطفالهم.
الثانية: أن يقولوا: أُحضرنا مكرَهين؛ فإن أمكن صدقُهم، لم ينتقض العهدُ، ويقاتلون قتالَ البغاة.
الثالثة: أن يقولوا: ظنَّنا أنَّكم بغاة، أو كفَّار؛ فإن أمكن صدقُهم، ففي
стр. 2642
انتقاض العهد قولان، فإن قلنا: ينتقضُ، ففي تبلُّغ المأمن قولان مرتِّبان على القولين في جنايتهم على أهل الإسلام، وأولى بالتبليغ؛ لعُذْرهم، فإن شرط عليهم الإمامُ في عقد الذمَّة أَلَّا يقاتلوه، فقاتلوه عن جهل، ففي انتفاض العهد وجهان؛ لأنَّ الشَرطَ محمولٌ على العَمْد دون الجهل.
الرابعة: أن يقولوا: عرفنا أنَّكم على الحقِّ، وظنَنَّا أن المسلمين إذا تفرَّقوا، أو استعانت بنا إحدى الطائفتين، لزمنا الذَّبُّ عن الناحية التي نحن ساكنوها، فينتقض العهدُ، وأبعد مَنْ طرد القولين.
ومهما انتقض عهدُهم إذا تعمَّدوا، وانتفى عذرُهم، فلا خلافَ في قتلهم منهزمين، وإسقاطِ الضمان عمَّا يتلفونه بعد إظهار القتال، وأمَّا صُوَرُ العُذْر والجهل؛ فإن قلنا بانتقاض العهد فيهنَّ؛ فإن قلنا: لا يُبلَّغون المأمن، ذُفِّف على جرحاهم (١)، وقُتلوا في الإقبال والإدبار، وإن قلنا: يُبلَّغون المأمن، ففي قتلهم منهزمين وجهان، والمذهب: أنَّهم يضمنون ما يتلفون بالقتال، وفيه وجه لا يصحُّ؛ إذ كيف يبقى الأمانُ في حقِّنا، ولا يبقى في حقهم؛ فإن قلنا: لا ينتقضُ العهدُ في صور العذر والجهل، فالذمَّة بحالها، فيقاتلون قتالَ البغاة، فلا يتبع منهزِمُهم، ولا يذفَّف على جريحهم، ويضمنون ما يتلفونه بالقتال اتِّفَاقًا، ويجب عليهم القصاصُ إن أوجبناه على البغاة، وإن لم نوجبه، فوجهان.
* * *
стр. 2643
٣٤٣٠ - فصل فيمَنْ يستعين بهم الإمامُ
إذا رأى الإمامُ رأيَ الشافعيِّ، فلا يستعينُ على البغاة بمَنْ يخالفه في كيفيَّة القتال، ولا بمَنْ يرى قتلَ مُدْبرهم؛ كالحنفَيَّة، ولا بأحد من الكفَّار، كما لا يحلُّ له أن يتَّخذ جلَّادًا كافرًا؛ ليحدَّ المسلمين، ولا يقاتلهم بالأسباب المصطلمة؛ كالسيل، والمجانيق، وإضرام النار، فإن قاتلونا بذلك قاتلناهم، فإن أحاطوا بنا، وعلمنا أنَّهم يمَعون بنا؛ إن لم نفعل ذلك، فعلناه، كما يجوز مثلُ ذلك في الصائل إذا لم يندفع إلَّا به، فإن تحصَّنوا بحصن لا يمكن أخذُه إلَّا بالأسباب المُصطلمة، لم يجز إن كان فيهم رعايا تصيبهم هذه الأسبابُ، وإن لم يكن سوى الجندِ، ولا يمكن فتحُ السُّور؛ لأنَّهم يقاتلون عنه، لم يجز نصبُها عند الإمام، بل يُحاصَرون، ويُضيَّقَ عليهم؛ لأنَّ إبقاءَهم مع العصيان أصلحُ من الاستئصال.
٣٤٣١ - فروعٌ شتى:
الأوَّل: ينفذ حكمُ قاضيهم إذا وافىَ إجماعًا، أو محلًّا يسوغُ فيه الاجتهادُ، فإن ورد علينا كتابُه بما حكم به، لزمنا إمضاؤه، واستيفاء الحقِّ لصاحبه، وإن سمع البيِّنة، ولم يحكم، ففي العمل به قولان طردهما بعضُهم فيما حكم به؛ لما فيه من إعانتهم على بَغْيهم؛ إذ ليس لنا إعانتهم على إقامة مناصب القضاة، والولاة، ولو فُرِّقَ بين ما يتعلَّق بالرعايا والأجناد، لكان متَّجهًا.
الثاني: تُقبل شهادةُ البغاة، ولا تُقبل شهادةُ الخطِّابيَّة الذين يكفِّرون بالكذب، ويجيزون الشهادةَ بما يخبرهم به أحدُهم.
стр. 2644
الثالث: إذا قُتل الباغي غُسِّل، وصُلِّي عليه، وفي العادل قولان.
الرابع: يُكره للعادل أن يتعمَّد قتلَ قريبه الباغي، وتشتدُّ الكراهة إذا كان مَحْرَمًا، وليس لنا أن نستعملَ ما نظفر به من دوابِّ البغاة، وسلاحهم.
* * *
стр. 2645
٣٤٣٢ - باب حكم المرتدِّ
إذا صدرت كلمةُ الردَّة من غير المكلَّف؛ كالصبيِّ، والمجنون فلا حكمَ لها، وإن صدرت من مكلَّف، أُجبر على الإسلام بالسيف، فإن أصرَّ، ضُربت عنقُه وإن كان عبدًا، أو امرأة.
وفي ردَّة السَّكران وعَوْده إلى الإسلام قولان، ومن يَعُدُّ ما عليه دون ماله صحَّح ردَّته، ولم يصحِّح عَوْدَه إلى الإسلام.
٣٤٣٣ - فرع:
قال الشافعيُّ: إذا صحَّحنا ردَّة السكران، فينبغي ألَّا يُقتل حتَّى يفيق، ثمَّ يُعرض عليه الإسلامُ؛ فإن أسلم وهو سكران، فإن قلنا: لا يصحُّ، فلا أثرَ له، وإن قلنا: يصحُّ، عُرض عليه الإسلامُ بعد الإفاقة، فإن قتله قاتل، ضَمِنه؛ فإنَّه مستقلٌّ بالإسلام، وأبعد مَنْ خرَّجه على القولين فيمَنْ قتل اللقيطَ المحكومَ بإسلامه بأحد أبويه بعد ولادته؛ تعليلًا بأنَّ إسلامَه حُكْمِيٌّ كإسلام اللقيط، ويقرب هذا في الصاحي إذا ارتدَّ ثمَّ أسلم في السكر، وهو بعيد بكلِّ حال؛ لأنَّا قد حكمنا بالإسلام.
٣٤٣٤ - فرع:
يُقتل الساحرُ إن كان ما سَحَر به كفرًا، والأفعالُ الدالَّة على الكفر ردَّة
стр. 2646
بمثابة الأقوال، فمن تواضَعَ للصنم تواضعَ العبادةِ، كفر، والحق الأصوليُّون بذلك ما يتضَمَّن استهانةً عظيمةً؛ كطرح المصحف في الأماكن القَذِرة، وغلط مَنْ قال: لا يكفر بمجرَّد الأفعال.
* * *
٣٤٣٥ - فصل في توبة المرتدِّ
تصحُّ التوبة من كلِّ كفر (١)، وتصحُّ التوبةُ وإن تكرَّرت الردَّة مرارًا كثيرة، وغلط أبو إسحاق فقال: لا تصحُّ إلَّا في الكَرَّة الأولى.
وتصحُّ توبة الزنديق البائح بمذهب الباطنية، وبوجوب التقيَّة وإن حُمل عليها بالسيف، كما يصحُّ إسلامُ الحربيِّ والمرتدِّ تحت السيف مع غلبة الظنِّ بأنَّ إسلامَهُما للتقيَّة.
وقال أبو إسحاق: إن حُمل عليها، لم تصحَّ، وإن وُجد في الخلوة متندِّمًا معظِّمًا للإسلام، وظهر بالقرائن أنَّ غرضَه الرجوعُ إلى الحقِّ، صحَّت توبتُه.
وينبغي أن تُعرضَ التوبةُ على المرتدِّ، وفي إمهاله ثلاثةَ أيَّام قولان؛ فإن قلنا: يُمهل، لم يُمنع الطعامَ والشراب، وقال الإمامُ: القولان في وجوب الاستتابة، فإن قلنا: لا يجبُ، فالإمهال حرامٌ أو مستحبٌّ؟ فيه وجهان، وإن قلنا: لا يُمهل، ففي وجوب الاستتابة تردُّد للإمام، وعلى كلِّ مذهبٍ: لو قُتل عَقيب الردَّة، أو في مدَّة الإمهال، فهو هدر، ويُعزَّر القاتل؛ لافتئاتِه على الإمام، ومتى وجب قتلهُ، فطلب المناظرة؛ لإزالة ما عَرَض له من الشبهة،
стр. 2647
ففي وجوب إجابته وجهان، فإن قلنا: لا يجب، فطريقه أن يظهرَ الإسلام، ثم يباحث العلماء.
* * *
٣٤٣٦ - فصل في مال المرتدِّ
من ارتدَّ وله مال، ففي زوال ملكه عنه أقوالٌ، ثالثها: الوقفُ، فإن أصرَّ حتَّى مات، تبيَّن زوالُه بالردِّة، وإن أسلم، تبيَّن أنَّه لم يزل؛ فإن قلنا: يزول بنفس الردَّة، لم تنفذ تصرُّفاته المفتقرة إلى ثبوت الملك، لكن تُقضى الديون التي وجبت قبل الردَّة اتِّفاقًا، ولا تنفك رهونُه ونفقتُه من ذلك المال اتِّفاقًا، وكذلك نفقةُ أقاربه، خلافًا للإصطخري، فإن أتلف شيئًا، احتُمل تخريجه على الخلاف في نفقة الأقارب، وإن اكتسب شيئًا من المباح؛ كالصيد، والحطب، ثبت الملكُ، والقياس: أن يثبتَ في الابتداء لأهل الفَيْء، كما تثبت اكسابُ العبد لسيِّده، ويجب أن يُخرَّج شراؤه واتِّهابه، على شراء العبد واتِّهابه بغير إذن السيد.
ومتى أسلم عاد ملكُه، كما يعود الملكُ بانقلاب الخمر خَلًّا، وملكُ البيضة المَذِرة بمصيرها فَرْخًا، والجلدِ النجس بالدباغ.
وإن قلنا: لا يزول ملكُه، فللحاكم أن يحجرَ عليه، وهل يصير محجورًا عليه بنفس الردَّة، أو يقف الحجرُ على ضرب الحاكم؟ فيه خلاف كما في السَّفَه الطارئ، فإن أثبتناه بنفس الردَّة، أو ضربه السلطانُ، فهو كحجر السفه، أو الفَلَس؟ فيه وجهان؛ وإن قلنا: لا يثبت بالردَّة، فالمذهب تنفيذ تصرُّفه قبل
стр. 2648
الحجر، وأبعد مَنْ ألحقه بتصرُّف المريض، فإنَّه بالإشراف على القتل كمن قُدِّم للقصاص، فإن قلنا: لا ينفذ، لم يختصَّ ذلك بالثلث، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّه يقدر على دفع القتل بالإسلام، بخلاف من قُدِّمَ للقصاص.
وإن قلنا بالوقف، فالحجرُ على ما تقدَّم، فإن تصرَّف قبل الحجر، لم ينفذ منه ما لا يقبل الوقفَ، ويُوقف ما يقبل الوقفَ على الإسلام، فإن أسلم تبيَّن صحَّةُ تصرُّفه، وإن هلك على الردَّة تبيَّن البطلان، وما اختُلف في قبوله للوقف خُرِّج هاهنا على الخلاف.
٣٤٣٧ - فرع:
لا يرث المرتدُّ مرتدًّا، ولا مسلمًا، ولا كافرًا، ولا يرثه أحدٌ من الناس.
* * *
٣٤٣٨ - فصل في الشهادة بالردَّة
إذا شهد عدلان بالردَّة، فكذبهما المشهودُ عليه، وقال: لم أرتدَّ، لم يُسمع منه، وانقطع نكاحهُ قبل الدخول، وأُلزم بتجديد الإسلام، ثمَّ لا يعود نكاحُه بإسلامه.
وإن قال: كنت (١) مكرهًا، فللشاهدين حالان:
إحداهما: أن يشهدا بالردَّة، ولا يتعرَّضا للفظه، فالقول قولُه مع يمينه إن صدَّقته قرائنُ الأحوال، والقرائنُ مثلُ أن يحيطَ به جمعٌ من الكفَّار يظهر من مثلهم الاستشعار، وإن لم تصدِّقه القرائنُ، لم يُقبل قولُه على المذهب،
стр. 2649
وعليه أن يجدِّدَ الإسلام.
الثانية: أن يقولا: لفظ بالردَّة، فيُقبل قولُه في الإكراه عند أبي محمَّد؛ لأنَّه لم يكذبهما، والحزم: أن يجدِّد الإسلام، فإن قُتل قبل أن يجدِّده، ففي إهداره قولان، فإن قلنا: لا يُهدر، ضُمن بالدية والقصاص، وقال الإمام: إن حلف على الإكراه، وجب الضمانُ، وإن لم يدَّعِ الإكراهَ، ولم يحلف، ففيه القولان.
٣٤٣٩ - فرع:
تثبت الردَّة بالشهادة المفصلة، وكذا المُطْلَقة على الأصحِّ.
٣٤٤٠ - فرع:
مات مسلمٌ عن ابنين، فقال أحدُهما: مات كافرًا، وقال الآخر: بل مات مسلمًا، فلمدَّعي الإسلام نصفُ الميراث، والنصفُ الآخر لأهل الفَيْء إن فصل الولدُ كفرًا لا شكَّ فيه، وإن لم يَزِدْ على قوله: مات كافرًا، فهل يكون نصيبُه له، أو لأهل الفيء، أو يوقف؟ فيه أقوالٌ أقيسُها آخرها، فإن قلنا بالوقف، ففصل ما يكون مثلُه كفرًا، صُرف نصيبه إلى أهل الفَيْء، وإن لم يفصل استمرَّ الوقف إلى أن يفصل.
٣٤٤١ - فرع:
قال العراقيُّون، وصاحب "التقريب": إذا أكره الكفرةُ (١) الأسيرَ على الردَّة، فلفظ بها، لم نحكم بكفره، ولا ينقطعُ الإرثُ بينه وبين أهل الإسلام،
стр. 2650
فإن رجع إلينا، عُرض عليه الإسلامُ، فإن لم يلفظ به، حُكم بردَّته من حين تلفظ بها؛ فإنَّ المكرهَ إذا خطر له اختيارُ ما أُكْره عليه، سقط عنه حكمُ الإكراه، ويُحتمل ألَّا يُحكمَ بكفره، كما لا يكفر المسلمُ إذا امتنع من تجديد كلمة الإسلام.
٣٤٤٢ - فرع:
قال العراقيُّون: إذا ارتدَّ الأسيرُ مختارًا، ثمَّ صلَّى في دار الحرب، كانت صلاتُه إسلامًا، وقياسُ المراوزة أَلَّا يُحكمَ بإسلامه، كما لو صلَّى في دار الإسلام؛ فإنَّ الكافرَ إذا صلَّى في ديارنا، لم تكن صلاتُه إسلامًا، ويلزم العراقيِّين طردُ ما ذكروه في الحربيِّ إذا صلَّى في دار الحرب.
* * *
٣٤٤٣ - فصل في أولاد المرتدِّين
لا يتغيَّر حكم المرتدِّ باللحوق بدار الحرب وإن كان امرأةً، فإن ظفرنا به، ضربنا عنقَه، ولا تُسبى نساؤُهم المرتدَّات، وأمَّا أولادهم، وأحفادهم: فمن حَصَل العلوقُ به في الإسلام، أو ارتدَّ أحدُ أبويه وهو جنين، فهو مسلم، ومن علقت به مرتدَّة من مرتد، فهو مرتدٌّ أو كافر أَصْليٌّ، أو مسلم؟ فيه ثلاثةُ أقوال؛ فإن جعلناه مسلمًا، أو مرتدًّا، لم يجز سَبْيُه كآبائه، وإن جعلناه كالكافر الأصلى، ألحق به في جميع الأحكام، فيُسبى، ويُسْتَرَق، ويُقَرُّ بالجزية إذا بلغ.
٣٤٤٤ - فرع:
إذا نبذ الذمِّيُّ ذمَّته والمعاهدُ عهدَه، وتركا أولادهما في دار الإسلام،
стр. 2651
ولحقا بدار الحرب، فحكمُ العهد باقٍ على الأولاد، فإذا بلغوا؛ فإن بذلوا الجزية، قُبلت، وإن أبوا، أُلحقوا بالمأمن، ولا يُلزمون بالجزية.
* * *
стр. 2652
كِتَابُ الحُدُودِ
стр. 2653
كِتَابُ الحُدُودِ
٣٤٤٥ - حدودُ الشرع: بالجَلْد، والقطع، والقتل؛ ويُجلد العبدُ شطرَ الجلد، ويساوي الحرَّ في القَطْع، والقتل .
فالجَلْد في زنا البكر، والقَذْفِ، وشُربِ الخمر، والقطعُ في السرقة، والمحاربةِ، والقتلُ في المحاربة والإصرار على الردَّة، ويجب في زنا الثيِّب الرجمُ.
ولا يجب شيءٌ من الحدود إلَّا على بالغ عاقل.
* * *
стр. 2654
٣٤٤٦ - باب حدِّ الزنا
يجب بزنا البكر جلدُ مئة، وتغريبُ عام إلى مسافة تُقصر فيها الصلاةُ.
والبكرُ: هو الحرُّ البالغ العاقل الذي لم يطأ في نكاح صحيح، فإن كان رقيقًا، جُلد خمسين، وفي التغريب قولان، فإن قلنا: يُغرَّب، غُرِّب إلى مسافة القصر اتِّفَاقًا، وفي مدَّة التغريب قولان:
أحدُهما: سنةٌ.
والثاني - وهو الأصحُّ -: نصفُ سنة.
وتُغرَّب المرأةُ إن ساعدها زوجٌ أو مَحْرم، فإن طلب أجرةً، فهي عليها، أو على بيت المال؛ فيه وجهان، فإن امتنع، ففي إجباره بالأجرة وجهان، فإنَّ الإمامَ إذا استعان ببعض الآحاد، لزمه الانقيادُ، فإن لم يكن زوجٌ، ولا مَحْرم، ففي تغريبها مع أمن الطريق وجهان.
ويُغرَّب الغريبُ إلى غير وطنه، والأصحُّ أنَّ للمُغرَّب مفارقةَ البلد الذي غُرِّب إليه، فإن اختلف الزاني والإمامُ في جهة التغريب، فاختار الإمامُ المشرِقَ، واختار الزاني المَغرِبَ، فالأصحُّ اتِّباع الزاني، فإن عاد المغرَّبُ في أثناء السنة، وأقام مدَّة، وجب تغريبهُ، وفي بطلان ما مضى من التغريب احتمال.
* * *
стр. 2655
٣٤٤٧ - فصل في رجم الزاني
يُرجم الزاني المُحْصَن إلى أن يموتَ، ثم يُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، وهو: البالغُ العاقل الحرُّ الذي وطئ في نكاحٍ صحيح، فإن وطئ أمتَه، لم يحصل التحصُّن اتِّفَاقًا، وإن وطئ بشبهة، أو نكاح فاسد، فليس بمُحْصَن في أصحِّ القولين، ولا ترتُّب بين الحرِّيَّة، والعقل، والبلوغ، وفي ترتيب الإصابة على هذه الصفات وجهان، فإذا وطئ العبدُ، أو المجنون، أو الصبيُّ في نكاح صحيح، ثمَّ بلغ الصبيُّ، وأفاق المجنون، وعتق العبد، ففي حصول التحصين بذلك الوطء الوجهان، وإن اجتمعت هذه الصفاتُ في أحد الزوجين عند الإصابة، وانتفت عن الآخر، حصل التحصُّن (١) لمَنْ يثبت له دون صاحبه (٢)، وذكر في "التقريب" في إصابة الصغيرة (٣) والصغير وجهين، خصَّهما الإمامُ بالصغير الذي لا يشتهي، وبالصغيرة التي لا تُشتهى، وإن كان أحدُ الزانيين بكرًا، والآخر مُحْصَنًا، رجم المحصنُ اتِّفَاقًا.
* * *
٣٤٤٨ - فصل في الإقرار بالزنا والرجوع عنه
إذا أقرَّ بالزنا مرَّةً، أو أقرَّ بالسرقة، وجب الحَدُّ، فإن رجع، وذكر سببَ
стр. 2656
الرجوع والإقرار، أو لم يذكره، سقط حدُّ الزنا، وفي قطع السرقة قولان، وإن أقرَّ الأخرسُ بالإشارة، أو قامت بذلك بيِّنةٌ، لزمه الحدُّ.
والرجوع أن يقولَ: كذبتُ في الإقرار، أو رجعتُ عمَّا قلت، وهو يريدُ التكذيبَ، فإن لم يصرِّح بالرجوع، والتمس تركَ الحدِّ، لم يسقط على أظهر الوجهين، وإن هرب من الحدِّ، أو امتنع من الانقياد له؛ فإن ثبت زناه بالإقرار، ففي سقوط الحدِّ وجهان، وإن ثبت بالبيِّنة، فطريقان، وقيل: لا يسقط في الصورتين، والخلافُ في اتباعه لإقامة الحدِّ، وإذا ثبت الحدُّ بالبيِّنة لم يسقط بالتوبة على أصحِّ القولين، وإن تاب المحاربُ قبل الظفَر، سقط الحدُّ اتِّفاقًا، وإن تاب بعد الظفر، لم يسقط على الأصحِّ.
* * *
٣٤٤٩ - فصل في صفة الجلد والرجم
السلطانُ والشهودُ بالخيار بين أن يحضروا محلَّ الجلد والرجم، وبين ألَّا يحضروا، ويُستحبُّ للشهود بالحدِّ أن يحضروا.
ويجب الرجمُ بأحجار يُرجم بمثلها للقتل، ولا يجوز ضربُ عنقه، ولا رميهُ بصخرة مذفِّفة، ولا بمثل حصا الخَذْف، فإن فُعل ذلك، فمات به، حصل الحدُّ، وُيرجم المريضُ المُدْنِف في الحَرِّ المفرط، والبرد الشديد، وأمَّا الجَلْد؛ فإن ثبت بإقرار (١)، أُخر إلى اعتدال الزمان؛ فإن كان مريضًا؛ فإن رجونا بُرْأَه، أُخِّر حتَى يبرأ، وإن لم يُرجَ برؤه، أو كان ضعيفًا مخدَّج
стр. 2657
الخلق لا يحتمل الجَلْد أصلًا، ضرب بعِثْكال عليه مئة شِمْراخ (١)، فإن كان عليه خمسون، ضرب به مرَّتين، قال الصيدلانيُّ: ولا يُشترط أن تمسَّه جميعُ الشماريخ، ويكفي انكباسُ (٢) بعضها على بعض بحيثُ يحصل ألمُ التثقيل، وقيل: لا يُشترط الإيلامُ، ولا يكفي الوضعُ اتِّفَاقًا، ولا بدَّ ممَّا يُسمَّى ضربًا، وشرط الإمامُ إيلامًا يكون وَقْعُه منه كوَقْع السياط من جسد الأيد، وطرد هذه النسبة فيما يحتمله كلُّ مجلود، ولو احتمل المخدَّجُ سياطًا دون سياط الحدِّ، فقد دلَّ كلامُ الأصحاب على العدول إلى العِثْكال، وخالفهم الإمامُ، وإن احتمل المريضُ سياطًا مفرَّقة على الأيَّام، لم يجب ذلك عند أحد من الأصحاب، ويجب أن يُقامَ عليه ما يحتمله، ثمَّ يُخلَّى سبيله.
٣٤٥٠ - فرع:
إذا كان المرضُ مرجوَّ الزوال؛ فإن ثبت الحدُّ بالإقرار، ففي حبسه إلى البرء احتمال، وإن ثبت بالبيِّنة، فالذي تلقيته من كلام الأصحاب أنَّه يُحبس إلى الزوال.
٣٤٥١ - فرع:
إذا غلب على الظنِّ أنَّ المرضَ مأيوسُ الزوال، فجلدناه بالعثكال، ثمَّ
стр. 2658
برئ، فلا يُعاد الحدُّ اتِّفَاقًا.
٣٤٥٢ - فرع:
مَنْ حدَّه الإمامُ في شدَّة الحرِّ أو البرد، فهلك، لم يضمنه، ومن امتنع من الختان، فختنه الإمامُ في حرٍّ أو برد، فمات، وجب الضمانُ، وقيل: فيهما قولان، وفرَّق بعضُهم بأنَّ الحدودَ مفوَّضة إلى الأئمَّة، بخلاف الختان.
وقال الإمامُ: إذا لم نوجب الضمانَ، كان التأخيرُ إلى الاعتدال مستحبًّا، وإن أوجبنا الضمانَ انقدح في وجوب التأخير وجهان.
٣٤٥٣ - فائدة:
الضعيفُ: هو الذي يُهلكه الجَلْدُ (١) لا محالة، والقويُّ: هو الذي تغلب سلامتُه منه، والتعزيرُ مشروط بغلبة السلامة، ويحتمل أن تُشترطَ غلبةُ السلامة في الحدِّ، ويحتمل ألَّا تُشترط؛ فإنَّ جَلْدَ مئة على صفة الحدِّ قد يجب بمثلها القصاصُ؛ إذ لا ينقص عن قطع أَنْمَلة، ويُحتمل أن يكون الحدُّ بحيث لو وقع عدوانًا، لما أوجب القصاصَ.
* * *
٣٤٥٤ - فصل في حدِّ اللواط وإتيان البهائم
في حدِّ اللواط أقوال:
أحدُها: أنَّه الرجم.
والثاني: ضربُ الحنث.
стр. 2659
والثالث: يُجلد البكرُ، ويُرجَم المُحْصَن.
والرابع: التعزيرُ، وهو بعيدٌ مخرَّج.
ووطء الأجنبيَّة في الدُّبُر كالزنا، أو اللواط؟ فيه طريقان، ووطءُ الزوجة والمملوكة في الدُّبُر موجبٌ للتعزير، وأبعد مَنْ ألحقه باللواط.
ومن لاط بمملوكه، ففي حدِّه الأقوالُ الأربعة، وأبعد مَنْ خرَّجه على القولين فيمَنْ وطئ أمتَه المحرَّمة عليه بنسب، أو رضاع؛ فإنَّ الملكَ لا يبيحُ إلَّا في الإناث.
وإذا جعلنا اللائطَ كالزاني، اعتُبرت شرائطُ الإحصان في الفاعل، ويحتمل أن تُعتبرَ في المفعول به، ويحتمل أن يجلدَ ويُغرَّب، ويحتمل أن يُقتلَ بكلِّ حال.
وإتيان البهائم موجبٌ للتعزير، وعلى قول بعيد هو كاللواط؛ فإن جُعل كاللواط، ففي قتل البهيمة أوجهٌ، ثالثها: يُذبح ما يُؤكل لحمه، ويحرم قتل ما لا يُؤكل لحمه، فإن أوجبنا قتلَ ما لا يُؤكل، وجبت قيمتُه على الأصحِّ، وهل يجب على الزاني، أو بيت المال؛ فيه وجهان، وإن قلنا بذبح المكول، لم يحرم لحمُه على الأصحِّ، بل يجب أرشُ الذبح، وفي محلِّه الوجهان، وإن قلنا: يحرم لحمُه، أُلحق بما لا يُؤكل.
٣٤٥٥ - فرع:
كلُّ إتيان يوجب الحدَّ، فلا يثبتُ إلَّا بأربعة شهود، وكل إتيان يوجب التعزيرَ، ففي ثبوته بشاهدين وجهان، وظاهر النصِّ: أنَّه لا يثبت إلَّا باربعة.
* * *
стр. 2660
٣٤٥٦ - فصل في نقصان شهود الزنا وخروجهم عن أهليَّة الشهادة
إذا شهد بالزنا أقلُّ من أربعة، فهل يُحدُّون للقذف؟ فيه قولان.
وإن شهد أربعةٌ عادلة، ثمَّ رجع أحدُهم، حُدَّ الراجع وحدَه، وأبعد من خرَّج الثلاثةَ على القولين، وينبغي أن يختصَّ ذلك بما قبل الحكم، وإن لم يرجعوا، ولكن ظهر كفرُهم، أو رِقُّهم، لزمهم حدَّ القذف عند المحقِّقين؛ لخروجهم عن أهليَّة الشهادة، وإن ظهر فسقُهم؛ فإن كان فسقًا مجتَهَدًا فيه، فرآه الحاكمُ، فلا حدَّ عليهم اتِّفاقًا، ولا يبعد إسقاطُ حدِّ الزنا أيضًا، وإن كان فسقُهم معلومًا؛ فإن كانوا متظاهرين به، ففي وجوب الحدِّ عليهم قولان، وإن كانوا مستخفين به، لم يُحدُّوا على المذهب، وفيه وجه.
ولو شهد عدلان أنَّ زيذا زنى بفلانةَ مطاوِعةً، وشهد آخر أنَّه زَنىَ بها مكرَهة، فلا حدَّ عليها، وفي وجوب الحدِّ على شاهدي المطاوعة لأجل المرأة القولان، فإن قلنا: يُحدَّان، فلا حدَّ على زيد، ولا يُحدَّان لأجْلِه عند المحقِّقين، وإن قلنا: لا يُحدَّان، وجب الحدُّ على زيد عند الأكثرين، وفيه وجه.
وإن شهد أربعةٌ بالزنا، وشهد أربعُ نسوة ببقاء العُذْرة، فلا حدَّ عليها، ولا على الشهود؛ فإنَّ العذرةَ قد تزول، ثمَّ تعود.
ولو شهد أربعة أنَّه زنى بها مكرهةً، فشهد أربعُ نسوة بالبكارة، فلا حدَّ على واحد منهما، وفي حدِّ الشهود القولان.
* * *
стр. 2661
٣٤٥٧ - فصل في بيان الشُّبهات
الشُّبهاتُ ثلاث:
الأول: شبهةٌ في الموطوء؛ كمن وطئ جاريةً يملك بعضَها، أو يملك جميعَها، ولكنَّها محرَّمة عليه بنسب، أو رضاع، أو بمعنى تختصُّ به؛ كالزوجيَّة، والعدَّة، فلا حدَّ عليه في أصحِّ القولين، واستبعد الإمامُ الخلافَ في المزوَّجة والمعتدَّة؛ لأنَّ تحريمَهما عُرْضة للزوال، بخلاف المَحْرميَّة، والرضاع.
ولو أحبل الأبُ جاريةَ الابن، لم يحدَّ اتِّفَاقًا، وأبعد مَنْ أجرى القولين إذا لم يثبت الاستيلادُ.
الثانية: شبهةٌ في الواطئ، وهي جهلُه بتحريم الوطء؛ كمَنْ وطئ في نكاح فاسد يعتقد صحَّتَه، أو زُفَّت إليه أجنبيَّة يظنُّها (١) زوجته، أو وجد امرأةً في (٢) فراشه، فظنَّها زوجتَه أو أمتَه، فلا حدَّ عليه، وإن ظنَّها أمةً يملك بعضَها، وقلنا بالأصحِّ، لم يُحدَّ على أظهر الاحتمالين؛ فإنَّه ظنَّ ظنًّا لو تحقَّق لدُفع الحدُّ.
الثالثة: شبهةٌ في السبب المبيح؛ كالعقود المختلَف في صحَّتها؛ مثل نكاح المتعة، والنكاح بغير وليٍّ، أو بغير شهود، فلا حدَّ فيه على المذهب وإن كان الواطئُ معتقدًا للتحريم، وللشافعيِّ قول في وجوب الحدِّ على من يعتقد تحريمَ نكاح المتعة، وطرده الإمام في كلِّ عَقْد يُعلم بطلانُه مع اختلاف
стр. 2662
العلماء فيه، بخلاف النكاح بلا وفي، أو بغير شهود؛ إذ لا يُعلم بطلانُهما، وقال أبو بكر الصيرفيُّ: يُحَدُّ الشافعيُّ والحنفيُّ في النكاح بلا وليٍّ.
٣٤٥٨ - فرع:
إذا عقد النكاحَ على بعض محارمه، أو استأجر امرأةً للزنا، أو زَنىَ عاقلٌ بمجنونة، أو مجنونٌ بعاقلة، فليس ذلك شبهةً في دَرْء الحدِّ.
* * *
٣٤٥٩ - فصل في حدِّ السيد رقيقَه
إذا أقرَّ العبدُ أو الأمةُ بما يوجب الحدَّ فللسيِّد أن يحدَّهما، وهل يملك ذلك بطريق الولاية، أو بإصلاحه لمُلْكه؟ فيه خلاف، وكذلك حكمُ المدبَّر، وأمِّ الولد، وليس له ذلك في المكاتب، ولا فيمن بعضُه حرٌّ، وغلط مَنْ أجازه فيمَنْ بعضُه حرٌّ، فإن كان السيِّد فاسقًا، أو امرأة، أو مكاتبًا، فهل له إقامةُ الحدِّ؟ فيه وجهان مأخذُهما المعنيان، فإن قلنا: ليس له ذلك، تولَّاه الإمامُ، وأبعد مَنْ قال: يتولَّاه في رقيق المرأة من يتولَّى تزويجَها، وإن أقرَّ العبدُ بما يوجب حدَّ القطع، أو القتل، ففيه أوجهٌ، ثالثها: له ذلك في القطع دون القتل، فإنَّ القتل فيه تفويت للملك، وليس بإصلاح له.
٣٤٦٠ - فرع:
إذا قامت البيِّنةُ عند السيد بما يوجب الحدَّ؛ فإن علَّلنا بالإصلاح، لم يسمعها، وإن علَّلنا بالولاية فوجهان، فإن قلنا: لا يسمعها، سمعها الحاكمُ، وتولَّى السيِّدُ الحدَّ، ولا يُشترط أن يكونَ مجتهدًا، وقال الصيدلانيُّ: إن جوَّزنا له سماعَ البينة، فلا بد أن يكونَ عالمًا، ولا يتَّجه قولُه إلَّا في العلم
стр. 2663
المختصِّ بهذا الباب.
٣٤٦١ - فرع:
إذا قلنا بتغريب العبد، فالأصحُّ أنَّ للسيد تغريبَهُ.
٣٤٦٢ - فرع:
للسلطان أن يحدَّ الأرقَّاء، فإذا ثبت الحدُّ، فابتدره، وقع الموقعَ، وللسيِّد إقامتُه بغير إذن السلطان، فإن اجتمعا، وتنازعا فأيُّهُما أولى؟ فيه احتمال، ويتجه أن يُجعلَ السيِّد أولى بالجَلْد، والإمامُ أولى بالقطع والقتل.
٣٤٦٣ - فرع:
إذا ترافع إلينا أهلُ الذِّمة في الحدود، جاز الحكمُ بينهم، وفي وجوبه قولان؛ فإن رضي الذمِّيُّ بحكمنا في حدِّ الخمر، لم نحدَّه على المذهب، ويُحدُّ الحنفيُّ بشرب النبيذ، فقيل: فيهما قولان بالنقل والتخريج، والأصحِّ الفرقُ؛ فإنَّا أمرنا بمتاركة الذمِّيُّ، وإصلاح أهل الإسلام.
* * *
стр. 2664
٣٤٦٤ - باب حدِّ القذف
حدُّ القذف حقٌّ للمقذوف يتوقَّف على طلبه اتِّفَاقًا، ويسقط بعفوه، ويُورث عنه اتِّفَاقًا، وفي المعاوضة عنه وجهان، ولا يستبدُّ المستحِقُّ باستيفائه اتِّفَاقًا؛ كالقصاص في النفس، والأطراف، فإن استبدَّ بالحدِّ، والقصاص، حصل القصاصُ، ولم يحصل الحدُّ، ولا يبعد حصولُه [لا] سيَّما إذا تراضيا به.
وإن قتل بعضُ الآحاد الزانيَ المُحْصَنَ، أو جلد البكرَ، حصل الحدُّ بالقتل، ولم يحصل بالجَلْد.
ويُحدُّ الحرُّ ثمانين، والعبد أربعين، ولا يسقط الحدُّ بإذن المقذوف في القذف، خلافًا لأبي حامد، وفيمن يرث حدَّ القذف أوجه:
أحدها: يرثه مَنْ يرث المالَ.
والثاني: يختصُّ به مَنْ يرثُ بالقرابة فرضًا كان أو تعصيبًا.
والثالث: تختصُّ به العصبات، وفي المعتق وجهان، وأبعد مَنْ طرد هذا الخلافَ فيمَنْ يرث القصاصَ، ومَنْ قذف ميتًا لزمه الحدُّ، وفيمن يرثه الخلافُ، فإن جعلناه لمن يرث المالَ، دخل فيه الزوجان على الأصحِّ، كما يرثانه إذا ثبت في حال الحياة، وإذا ماتت الأمةُ المقذوفة، ففي انتقال التعزير
стр. 2665
إلى السيد وجهان؛ فإنَّه ملتزم لتجهيزها، وله أن يعيِّن مدفنَها.
٣٤٦٥ - فرع:
إذا عفا بعضُ الورثة عن نصيبه من الحدِّ، ففي سقوطه أوجه:
أحدُها: يسقط كالقصاص.
والثاني: يسقط نصيبهُ، وتبقى حصصُ الباقين، ويُجبر الكسرُ في الإسقاط.
والثالث - وهو قول الجمهور -: لا يسقط منه شيءٌ، ولمن بقي استيفاءُ الجميع.
* * *
٣٤٦٦ - فصل في تعدُّد المقذوف والقذف
إذا قذف شخصًا مرَّتين بزنيتين؛ فإذا لم يُحدَّ بين القذفين، وجب حدٌّ واحد، وإن حُدَّ بينهما، وجب حد آخرُ في أصحِّ القولين، وإن أعاد القذفَ الذي حُدَّ فيه، أو أطلق، عُزِّر، ولم يُحدَّ اتِّفَاقًا.
وإن قذف أجنبيَّة، ثمّ تزوَّجها، وقذفها بزنًا على فراشه، فطريقان:
إحداهما: يجب حدَّان.
والثانية: فيه القولان، فإن لاعنَ، طُولب بالحدِّ السابق.
وإن قذف اثنين فما زاد؛ فإن أفرد كلَّ واحد بكلمة، تعدَّد الحدُّ اتِّفاقًا، وإن اتَّحدت الكلمةُ؛ مثل أن قال: زنيتما، أو: أنتما زانيان، وجب حدَّان في أصحِّ القولين، وإن قال لزوجته وأجنبيَّة: زنيتما، فطريقان: