٣٥٠٤ - فرع:
إذا تعذر على ربِّ الدين استيفاءُ دينه، فسرق من مال الغريم قدْرَ دينه؛ فإن كان المسروقُ من جنس الدَّيْن، لم يُقطع، وكذا إن كان من غير جنسه على المذهب، وأبعد مَنْ خرَّجه على الخلاف في جواز أخذه.
* * *
٣٥٠٥ - فصل في سرقة الملاهي
لا قطعَ في سرقة ما لا يُتموَّل؛ كالخمر والخنزير.
وإن سرق ما يجب كسرُه؛ كالأصنام والملاهي؛ فإن كان رُضَاضُه بعد الكسر المشروع لا يبلغ نصابًا، لم يُقطع اتفاقا، وكذا إن بلغ النصابَ على الأصحِّ؛ إذ يجوزُ الهجومُ على الدور لأجل كسرها، فلا يتحقَّق الحِرزُ فيها، وقيل: يجب القطعُ؛ إذ يجب كسرُها في الدار من غير إخراج، ويتَّجه أن يقال: إذا قصد بالإخراج أن يشهرَ كسرَها, لم يقطع، وإن قصد السرقةَ، ففيه الخلاف، ويُرجع في هذا القصد إليه، وكذا حكمُ كلّ ما يجب كسره؛ كالصنم وإن كان من ذهب أو فضَّة، وكذلك أواني الذهب والفضَّة إذا قلنا بتكسيرها، وفي هذا بُعْدٌ.
* * *
٣٥٠٦ - فصل في سرقة الشركاء والسرقة من بيت المال
إذا سرق أحدُ الشريكين المالَ المشترك، ففي قطعه طرقٌ:
إحداهنَّ قالها الجمهورُ: لا يُقطع وإن قلَّ نصيبهُ، وبلغ نصيبُ الشريك
стр. 2697
نُصُبًا كثيرة.
والثانية: إن أخذ من حصَّة الشريك نصابًا، قطع.
والثالثة: إن أخذ نصابًا من حصَّة الشريك، فإن كان المالُ متقوِّمًا، لا يُجبر على قسمته؛ كالثياب وغيرها، قُطع، وإن كان مثليًّا؛ فإن أخذ من الحصَّتين قدْرَ حقِّه، لم يُقطع، وإن زاد على حقِّه بنصاب، قُطع، فإذا كان له نصفُ دينارين، فسرق أحدَهما لم يُقطع؛ لأنَّ سرقتَه قسمةٌ فاسدة، وإن سرق دينارًا وربعًا، قُطع.
ومَنْ سرق من بيت المال، ففي قطعه طريقان:
إحداهما: لا يُقطع بسرقة شيء من الأموال، حتَّى لو سرق من مال الزكاة مَنْ لا يستحقُّها, لم يُقطع؛ لأنَّها مُرْصَدةٌ لما يُتَوَّقع من حاجته، فأشبه سرقةَ الوالد الغنيِّ من مال ولده.
وإذا جعلنا أربعةَ أخماس الفيء للمرتزقة، فسرقه مَنْ ليس منهم، أو سرق ما أُفرز لليتامى، أو ذوي القربة مَنْ ليس منهم، فالوجهُ: القطعُ بوجوب القطع.
والطريقةُ الثانية: إن سرق من الصدقات مَنْ لا يستحقُّها، قُطع؛ لأنَّه لم يتعيَّن، ولأنَّه ليس له قوة البعضيّة التي بين الولد والوالد.
وإن سرق من (١) مال المصالح؛ فإن كان محتاجًا، لم يُقطع، وإن كان غنيًّا، فوجهان؛ إذ يجوز صرفُه في الرُّبُط والخانات التي ينتفع بها الأغنياءُ والفقراء، فعلى هذا: لو سرق الذمِّيُّ من مال المصالح، قُطع عند الجمهور؛
стр. 2698
لأنَّ انتفاعَه بالخانات تابعٌ لانتفاع المسلمين، وأبعد مَنْ أجراه على الخلاف.
* * *
٣٥٠٧ - فصل في سرقة أبنية المساجد والأوقاف
مَنْ سرق وقفا، قُطع على الأصحِّ، وأبعد مَنْ قال: إن جعلنا الملكَ فيه لله، قُطع، وإن جعلناه للواقف، أو الموقوف عليه، فوجهان، وإن سرق ثمرةَ بستان موقوف على غيره، ولا حقَّ له فيه بطريق العُموم أو الخُصوص، أو سرق شيئًا من مغلِّه، قُطع؛ لأن الملكَ فيه (١) تامٌّ، وإن سرق أمَ ولد، قُطع على الأصحِّ، وقيل: لا يُقطع؛ لضعف المُلْك، وإن سرق بابَ المسجد الموقوف (٢) ونقله، قُطع اتِّفاقا؛ لأنَّه مضمون باليد والإتلاف، وهذا يوجب أن يقطعَ بسرقة أمِّ الولد اتِّفاقًا، أو أن تُخرَّج سرقةُ أجزاء المسجد على الخلاف في سرقة مال بيت المال؛ لانتفاع المسلمين بالمساجد، وإن سرق ما يُقصد به زينةُ المساجد؛ كقناديل الزينة، أو ما يظهر منه الانتفاعُ؛ كالحُصُر، والفرش المُحْرزة، ففي قطعه أوجهٌ: ثالثُها: يُقطع في آلات الزينة دون ما يُقصد منه (٣) الانتفاع، والأظهر: أنَّه لا يُقطع فيما يظهر منه الانتفاعُ.
٣٥٠٨ - فروعٌ مُفرَّقة:
الأوَّل: إذا أُفرزت أربعةُ أخماس الغنيمة، فسرقها بعضُ الغانمين،
стр. 2699
فهو كسرقة المال المشترك، وإن سرقها أجنبيٌّ، قُطع، والسرقةُ من الخُمُس بعد إفرازه كالسرقة من (١) بيت المال، ومن سرق منه قبل إفرازه؛ فإن قلنا: لا يُقطع بسرقة مال بيت المال، كان كسرقة أحد الشريكين من المال المشترك.
الثاني: إذا قلنا: لا يُقطع بسرقة مال بيت المال، فوطئ جاريةً لبيت المال، حُدَّ على المذهب كما يُحدُّ الابنُ بوطئه جاريةً أبيه، وأبعد مَنْ أسقط الحدَّ.
الثالث: إذا سرق مصحفًا، أو جمع في السرقة بين ما يقطع فيه، وما لا يقطع؛ كالشاة والخنزير، أو جهل جنسَ المسروق أو قيمته؛ بأن ظنَّه فلوسًا، فظهر دنانير، أو جهل كونَه نصابًا، [فظهر نصابًا] (٢) وجب القطعُ، وإن سرق قميصًا لا يبلغ نصابًا، فلمَّا أخرجه وجد في جيبه دينارًا، قُطع على أظهر الوجهين.
الرابع: إذا شهد شاهدٌ أنَّه سرق كبشًا أسودَ، وشهد آخرُ أنَّه سرق كبشًا أبيضَ، لم يُقطع، وللمدَّعي أن يحلفَ مع الشاهد الموافق لدعواه، ولو شهد أحدُهما أنَّ قيمةَ المسروق ربعُ دينار، وشهد الآخرُ أن القيمة سدسٌ، لم يُقطع، ولا يَغْرم (٣) سوى السُّدس.
* * *
стр. 2700
٣٥٠٩ - باب قطاع الطريق
القُطَّاع: طائفةٌ يترصَّدون في المكامن للرفاق؛ ليقتلوهم قَهْرًا، أو يأخذوا أموالَهم قَهْرًا مع بُعْد الغَوْث، ولهم أحكامٌ تختصُّ بهم.
فإن لم يكن لهم قوَّة، بل كانوا يخطفون المالَ، ثمَّ يهربون ركضًا، أو عَدْوًا، أو كانت لهم قوَّة، ولم يبعدوا عن الغَوْث؛ بأن كانوا بقُرْب العمارة؛ بحيث يغلبُ أن يلحقَهم أعوانُ السلطان، فلا يثبت لهم أحكامُ القُطَّاع، فيلزمهم القصاصُ، ويضمنون الأموالَ، فإن فترت قوَّةُ السلطان، فثاروا من البلاد؛ [فلا يثبت لهم أحكام القطاع] (١)، فإن بَعُدَ الغوثُ، وتحقَّق القهرُ على القتل، أو أَخْذِ المال، ثبتت أحكامُ القطَّاع.
ولا يُشترط فيهم الذكورةُ، ولا شَهْرُ السلاح، فإن أخذوا المالَ باللكم، أو بضرب الكفِّ، أو الوكز، أو الصراع، أو كان فيهم نساء، أُقِيم على الجميع حدودُ القطَّاع كما تُقطع المرأة بالسرقة.
٣٥١٠ - فرع:
إذا خرج الرجلُ وحده، أو في شِرْذمة قليلة ضعاف لا تُقاوم القطَّاع، فأخذوهم حيث يبعد الغوثُ ثبتت أحكامُ القطَّاع، خلافًا للإمام، فإنَّه جعل
стр. 2701
الأخذَ ها هنا كسرقة مال غير مُحْرز، وشرط أن يكون الرفاقُ جمعًا يُعدُّ اجتماعُهم مَنَعةً عن آحاد الرجال كمنع الإحراز.
٣٥١١ - فرع:
إذا دخل اللصوصُ دارًا في طرف البلد ليلًا بالمشاعل، وقد شهروا السلاح، ومنعوا أهلَ الدار من الاستغاثة حتَّى أخذوهم، ففي كونهم قطَّاعًا وجهان، فإن قلنا: ليسوا بقطَّاع، فهم سُرَّاق عند الأصحاب، ويُحتمل ألَّا يُلحقوا بالسرَّاق؛ لأنَّهم مجاهرون.
٣٥١٢ - فرع:
إذا كان في الرفاق قوَّة يقاومون بها القطَّاع، فاستسلموا للقتل، [وأَخْذِ المال] (١)؛ فإن قدروا على الدفع، فلم يدفعوا، لم تثبت (٢) أحكامُ القطَّاع اتِّفاقًا، وإن بذلوا الجهدَ في الدفاع، ونال كلُّ فريق من صاحبه، ففي ثبوت أحكام القطَّاع تردُّد، واحتمال، ويظهر ألَّا تثبت، فإنَّهم لعدم القَهْر كرجلين يلتقيان؛ أحدُهما قاصد، والآخر دافع.
* * *
٣٥١٣ - فصل في عقوبات القطَّاع
إذا أخذ أحدُهم بالحرابة أقل من ربع دينار، لم يُقطع، خلافًا لابن خيران.
стр. 2702
وإن أخذ ربعًا، قُطعت يدُه اليمنى، ورجلُه اليسرى اتِّفاقًا، فإن لم نجدهما، قُطعت اليدُ اليسرى، والرجلُ اليمنى، وإن وجدنا يدَه اليمنى، ولم نجد الرجلَ اليسرى، اكتُفي بيده اليمنى؛ لأنَّهما كعضو واحد، فأشبهتا يد السارق إذا كانت ناقصةَ الأصابع.
وإن اقتصر أحدُهم على القتل؛ تحتَّم قتلُه، وإن قتل وأخذ المالَ، فالمذهب: أنَّه يُقتل للقتل، ويُصلبُ لأخذ المال، وفيه وجهان آخران لا أصل لهما:
أحدُهما؛ تُقطع يده ورجله، ثمَّ يُقتل ويصلب.
والثاني: إن أخذ دون النصاب، قُتل وصُلب، وإن أخذ نصابًا، قُطع وقتل، ولم يُصلب، [وإذا وجب الصلبُ، فالمذهب: أنَّه يُقتل على الأرض، ثم يصلب] (١)، وذكر الشافعيُّ أنَّه يُصلب، ثمَّ يُقتل، فقيل: أنَّه قول له، والأصح أنَّه حكاه عن بعض العلماء؛ فإن قلنا: يُقتل بعد الصَّلْب، فالأصحُّ أنا نضربه في بعض المَقاتل بحديدة موحِية، وقيل: يُمنع من الطعام، والشراب حتَّى يموت بذلك.
٣٥١٤ - فرع:
إذا قُتل مصلوبًا، أو صُلب مقتولًا، ففي مدَّة الصلب وجهان:
[أحدُهما: ثلاثة أيَّام، فإن انتثر في أثنائها، ففي إنزاله وجهان] (٢)، وإذا
стр. 2703
أنزل، سُلِّم إلى أهله، فيُغسَّل، ويكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين.
والوجه الثاني: يُترك إلى أن يسيلَ ودكُه، وانفرد الصيدلانيُّ بأن قال: يُترك حتَّى ينتثر، ويتساقط، وإن قلنا: يُقتل على الأرض، غُسِّل، وصُلِّي عليه، ثمَّ يُصلب، وإن قلنا: يُقتل مصلوبًا، فقد يعسُر الغسلُ، والصلاةُ، ويبعد أن تُجمعَ عظامه، ويُصلَّى عليها.
٣٥١٥ - فرع:
نفيُ القطَّاع: أن يجِدَّ الإمامُ في طلبهم بجنده إلى أن يظفرَ بهم، فيقيمَ عليهم الحدودَ إن استوجبوها، أو يعزِّرهم إن اقتصروا على إخافة السبيل، وأبعد مَنْ قال: يغرِّبهم إلى بلد بعينه، ويمنعُهم من الانطلاق حيث شاؤوا، وهل يُكتفى بذلك؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يُكتفى به، عزَّرهم في بلد النفي، أو حبسهم فيه، فإن لم يحبسهم، فينبغي أن يكونَ بلدُ النفي محفوفًا بأهل النجدة؛ لئلَّا يعودوا إلى الإخافة، واستبعد الإمامُ ذلك من جهة أنَّ التعزير لا يتعيَّن، ولا يتحتَّم.
٣٥١٦ - فرع:
قال أبو محمد: لا يسقط حدُّ الحرابة بهرب المحارب، وفي سائر الحدود خلاف، فإنَّه لو سقط، لجرَّ فسادًا عظيمًا قد يُعْجَز عن تداركه.
* * *
٣٥١٧ - فصل في حكم القتل في المحاربة
إذا قَتَلَ المحاربُ في الحرابة خطأً أو شبهَ عمد، لم يجز قتلُه اتِّفاقًا،
стр. 2704
وإن قتل مَنْ يكافئه عمدًا، تحتَّم قتلُه، ولم يسقط بعفو الوليِّ اتِّفاقًا، وقتْلُه حقٌّ متمحِّض لله تعالى، أو فيه حقٌّ للآدميِّ؟ فيه قولان مأخوذان من أصول المذهب.
وقال الإمامُ: القتل في مقابلة حقِّ الآدميِّ، والتحتُّم حقٌّ لله، فإن العقوبتين إذا اجتمعتا في محلٍّ واحد، غلبت العقوبةُ الواجبة للآدميِّ، فإن مات قبل أن يُقتل، ففي وجوب الدية القولان، وإن عفا الوليُّ على مال، لم يسقط القتلُ، وفي ثبوت المال القولان.
وإن قتل مَنْ لا يكافئه؛ مثل أن قتل ولدَه، أو كان مسلمًا، فقتل ذمِّيًّا، أو حرا فقتل عبدًا، ففي قتله القولان، وإن قتل عبدَ نفسِه، لم يُقتل عند الصيدلانيِّ، وإن كان العبدُ مكاتَبًا، أو أجيرًا مع الرفاق، وقال القاضي: في قتله به القولان، فعلى هذا يُشترط أن يكونَ العبدُ مختصًّا بالرفاق بإجارة، أو إذن في تجارة، فإن لم يكن ذلك، كان متحيِّزًا إلى السيِّد دون الرفاق.
٣٥١٨ - فرع:
إذا قتَلَ جماعةً؛ فإن محَّضْنا حقَّ الله تعالى، قُتل بهم، وإن لم نمحِّضْه؛ فإن قتلهم معًا، أُقرع بينهم، فمَنْ خرجت له القرعةُ قتله، وللباقين الديات، وإن قتلهم على الترتيب، قُتل بالأوَّل، وللباقين الديات.
٣٥١٩ - فرع:
إذا تاب قَبْل الظفر [به] (١)؛ فإن أثبتنا حقَّ الآدمي؛ سقط انحتامُ القتل، وبقي القصاصُ، وكذلك إن لم نثبت حقَّ الآدميِّ على الأصحِّ، وهذا دليلٌ
стр. 2705
على ثبوت الحقَّين، وأنَّ القتلَ مُعلَّل بعلَّتين؛ كقتل المرتدّ لزمه القصاصُ في النفس.
* * *
٣٥٢٠ - فصل في حكم الجرح في المحاربة
إذا جرح في المحاربة جرحًا لا قصاصَ فيه؛ كالجائفة، لم يُجرح به، وإن تعلق بمثله القصاصُ، وجب القَوَدُ، وفي التحتُّم أقوالٌ، ثالثُها: لا يتحتَّم إلَّا في اليدين والرجلين، والأكثرون على طرد القولين في الجميع، فإن بقي الجريحُ أيَّامًا، ثمَّ مات بالجرح، تحتَم القتل، وإن تاب قبل الظفر، ثمَّ مات بالجرح بعد الظفرِ، فالأظهرُ سقوط التحتُّم؛ نظرًا إلى حال الجرح، وفيه احتمال.
* * *
٣٥٢١ - فصل في توبة المحاربين
إذا تاب المحاربُ قبل الظفر به، سقطت خواصُّ المحاربة، وهي الصَّلْبُ، وتحتَّم القتلُ، وقطع الرجل، [وفي قطع اليد وجهان؛ فإنَّها مع اليد كعضو واحد، وإن تاب بعد الظفر، ففي سقوط ما يختصُّ بالحرابة من الحدود، وما لا يختصُّ قولان يجريان في حدود الله تعالى؛ كقطع السارق، وحدِّ الزاني، والأصحُّ أنَّها لا تسقط.
٣٥٢٢ - فرع:
إذا تاب قبل الظفر، كفاه إظهارُ التوبة اتِّفاقًا، وإن تاب بعد الظفر، أو
стр. 2706
تاب مَنْ وجب عليه حدٌّ لله، كفاه إظهارُ التوبة باتّفاق الأصحاب، وخالفهم القاضي، وقال: يُستبرأ سرًّا وجَهْرًا، فإن ظهر صلاحُه، سقط الحدُّ، وإن ظهر خلافُ الصلاح لم يسقط، ولا أدري هل يشترط الصلاحُ فيما تاب عنه، أو في جميع الأعمال؟ !
* * *
٣٥٢٣ - فصل في شهادة الرفاق على المحاربين
إذا شهد عدلان من الرفاق على المحاربين؛ فإن قالا: تعرَّضوا لنا ولرفاقنا، لم تُقبل شهادتُهما للرفاق؛ لأنَّه صدَّروها بإظهار العداوة، بخلاف مَنْ شهد لنفسه ولشريكه، وإن قالا: تعرَّضوا لهؤلاء، فقتلوا منهم وأخذوا المالَ، وفصلا ما يجب تفصيلُه، قُبلت الشهادةُ، ولا يلزم القاضيَ أن يسألهما: هل أنتما من الرفاق؟ وإن سأل، لم يلزمهما إجابتُه، فإن ألحَّ عليهما قالا: قد أدَّينا ما علينا من الشهادة، ولا يلزمنا إجابتُك.
* * *
٣٥٢٤ - فصل في اجتماع عقوبات للعباد
إذا وجب على إنسان حدُّ القذف لواحد، وقطْعُ الطرف لثانٍ، وقصاصُ النفس لثالث، وازدحموا على الطلب، بُدئ بحدِّ القذف، وأُمهل حتَّى يبرأ، ثمَّ يُقطع، ويُقتل عقيبَ القطع، فإنَّا لو والينا بين الجَلْد والقطع، لخِفْنا أن يموتَ، فيفوتَ قصاصُ النفس.
وقال الإمامُ: إن كان مستحِقُّ النفس غائبًا، وجب الإمهالُ بين الجلد
стр. 2707
والقطع، وإن حضر وطلبوا تعجيلَ حقوقهم على الولاء؛ فإن أمكن هلاكُه عقيبَ القطع المتَّصل بالجَلْد، فالظاهرُ وجوبُ الإمهال، وإن علمنا أنَّه لا يموتُ عقيبَ القطع، فلا وجهَ للإمهال؛ إذ لا يجوز تأخيرُ الحقِّ؛ لتوقُّع عفو المستحِقِّ.
٣٥٢٥ - فرع:
إذا حضر مستحِقُّ النفس، ومستحقُّ الطرَف، قُدِّم مستحِقُّ الطرف وإن تأخَّر قطعُ طرفه عن الجناية على النفس؛ لأنَّ الغرضَ في هذا الباب ألَّا نفوِّت حقًّا على مستحِقِّه، ولذلك نقدِّم [حدَّ الله] (١) على قصاص النفس وإن كانت عقوبةُ الآدميِّ مقدَّمةَ على الحدِّ، فإن اقتُصَّ في الطرف، أو عُفي عن قصاصه، وجب القصاصُ في النفس، وإن لم يُعفَ، ولم يُقتصَّ، لم يُجبر على العفو، ولا على تعجيل القصاص، فيتأخَّر بذلك قصاصُ النفس وإن كان الطرف أَنْمَلةَ واحدة، ولو بادر مستحِقُّ النفس بالقتل، حصل القصاصُ، ووجب ديةُ الطرف في تركة الجاني؛ لفوات محلِّه.
* * *
٣٥٢٦ - فصل في اجتماع عقوبات لله تعالى
إذا اجتمعت حدودٌ لله؛ كجلد الزنا، والشرب، وقتل المحاربة، وقطع اليد والرجل، وجبت البدايةُ بالأخفِّ فالأخف؛ حفظًا لحدود الله تعالى، وتسهيلًا لإقامتها، فيُحدُّ للشرب، ويُمهل حتَّى يبرأ، ثمَّ يُجلد للزنا، ويُمهل
стр. 2708
حتَّى يبرأ، ثمّ يقطع، ويُقتل عقيبَ القطع، ويُوالى بين يد المحارب، ورجله إذا قُطعتا؛ فإنَّهما كعضو واحد.
* * *
٣٥٢٧ - فصل في اجتماع حدود الله، وحدود العباد
إذا اجتمع حدُّ الشرب وحدُّ القذف، أو جلد الزنا (١)، [وقصاصُ الطرف] (٢)، فأيّهما يُقدَّم؟ فيه وجهان، فإن قدَّمنا حقَّ الآدميِّ، تُرك حتَّى يندمل، ثمَّ نقيم حدَّ الله.
وإن وجب قطعُ يده اليمنى بالسرقة، ورجلهِ في القصاص، قُطعت رجلُه، وتُرك حتَّى يندمل، ثُمَّ يُقطع للسَّرقة.
وإن وجب القصاصُ في اليد اليسرى، [والرجل اليمنى] (٣)، ثمَّ استُحِقَّت يدُه اليمنى، ورجلُه اليسرى بالمُحاربة، بُدئ بالقصاص في يده ورجله، وتُرك حتَّى يندمل، ثمَّ تُقطع يدُه ورجله للمحاربة.
وإن وجب قطعُ يده اليمنى بالقصاص، ثمَّ سرق سرقةً توجب قطعَها، فلا خلافَ في تقديم القصاص.
ولو اقتُصَّ منه في بعض أطرافه، ثمَّ وجب الحدُّ في طرف آخر، لم يُقطع حتَّى يندملَ قطعُ القصاص.
стр. 2709
ولو قُطع طرفه في حدٍّ، ثمَّ وجب القصاصُ في طرف آخر، أو كان واجبًا قبل ذلك؛ لم يجب تأخيرُ القصاص، وإنما يجب تأخيرُ القطع عن الجَلْد إذا كان بعده قَتْلٌ يُخشى فواتُه، وإن وجب القصاصُ في اليد اليمنى، فحارب، قُطعت يدُه؛ للحدِّ والقصاص، وتُقطع رجله عن المحاربة، ولا يُمهل على أقيس الوجهين.
ولو وجب القصاصُ في طرَف، والحدُّ في آخر، استُوفي القصاص، ووجب الإمهالُ.
ولو وجب القصاصُ في اليد اليمنى، والرجل اليسرى، ثمَّ حارب، قُطع العضوان قصاصًا، وسقط الحدُّ، لفوات محلِّه.
٣٥٢٨ - فرع:
إذا تكرَّر الزنا, ولم يتخلَّل حدٌّ، وجب حدٌّ واحد؛ تنزيلًا للزنْيات منزلةَ حركات الوطء الواحد، ولا يتقسط الحدُّ على الزنيات.
وإن تعدَّد الوطء مع اتِّحاد الشبهة، وجب مهر واحد؛ تنزيلًا للوطآت منزلةَ حركة الوطء الواحد، وإن زنى وهو بكر، ثمَّ زنى، وهو ثيِّب فالمذهب: الاقتصارُ على رَجْمه، وأبعد مَنْ قال: يُجلد، وُيرجم.
* * *
стр. 2710
كتاب الأشربة والحد فيها
стр. 2711
كتاب الأشربة والحد فيها
٣٥٢٩ - مَنْ شرب الخمرَ المتَّخَذ من عصير العنب، أو الرطب وهو نِيْءٌ مشتدٌّ قد غلى، وقذف بالزَّبَد، لزمه الحدُّ إجماعًا، فإن استحلَّها مع علمه بتحريمها، كفر، وكذلك من صدَّق المُجْمعين فيما نسبوه إلى الشرع، ثمَّ كذَّب به .
وكلُّ ما أسكر كثيرُه، فقليلُه نجسٌ محرَّم موجب للحدِّ، والسكر عبارةٌ عن الطرب، وتخبُّل العقل.
ومن جهل تحريمَ الخمر؛ لقرب عهده بالإِسلام، أو شربها وهو يظنُّها خلًّا، فبانت خمرًا، فلا حدَّ عليه، وإن علم التحريم (١)، وجهل وجوبَ الحدِّ، لم يسقط الحدُّ، وإن شرب شرابًا يظنُّه غيرَ مسكر، فسَكِر؛ فإن جهل جنسَه، لم يقضِ الصلواتِ الفائتةَ في السُّكْر، وإن علم أنَّه مسكر، وظنَّ أنَّ ذلك القدرَ لا يُسكر، لزمه القضاءُ.
* * *
٣٥٣٠ - فصل في التداوي بالخمر والنجاسات
لا يجوز التداوي بالخمر، ويجوز بسائر النجاسات؛ كالترياق الذي
стр. 2712
فيه لحومُ الحيَّات، ومَنْ أُكره على شرب الخمر، فخاف على نفسه، أو غصَّ بلقمة، فلم يجد ما يُسِيْغُها سوى الخمرِ، لزمه شربُها اتِّفاقًا، وأشار القاضي وبعضُ المتأخرين إلى جواز شُربها للتداوي، وإسقاط الحدِّ عمن شربها لذلك.
وقال أبو محمد: إذا كانت الخمرةُ في المعاجين، فحكمها حكمُ الأعيان النجسة؛ لسقوط خاصِّيتها.
ومَنْ شرب ما وقعت فيه قطرةُ خمر، فانغمرت صفاتُها, لم يُحَّد، وسوَّى الإمامُ بين الخمر وسائر النجاسات، وقال: إذا تحقَّقت الحاجةُ، وعُلم أنّه ينتفع بالخمر، أو بغيرها، جاز التداوي بذلك، كما يجوز إساغةُ اللقمة، وإن لم نقطع بأنَّ ذلك دواؤهُ، أو لم نعلمْه عِلْمَ مثله (١)، لم يجز بالخمر ولا بغيرها، وإن علم أنَّ ذلك دواؤه، وكان الانتفاعُ به مغيَّبًا؛ كلحم السرطان في بداية الدقِّ (٢)، ففي التداوي بذلك تردُّد واحتمال.
* * *
٣٥٣١ - فصل فيما يثبت به الحدُّ
من وُجد سكرانَ، أو وُجد منه ريحُ الخمر، لم يُحدَّ؛ لاحتمال أنَّه أُوجِرَها، أو أُكره على شُربها, ولا يُسأل عن ذلك، ولا يُلَحُّ في البحث، وإن أقرَّ بشربها، أو شهد اثنان على إقراره بشُربها، أو على أنَّه شربها، أو شرب
стр. 2713
من شراب في قدح شَرِب منه غيرُه، فسكر، وجب الحدُ، وخرَّجه الإمامُ على الخلاف في تفصيل الإقرار بالزنا، وهذا أولى بوجوب التفصيل؛ فإنَّ شربَ الخمر ينقسم إلى محرَّم ومحلَّل، والزنا محرَّم بكلّ حال.
* * *
стр. 2714
٣٥٣٢ - باب حدِّ الخمر ومَنْ يموت مِن ضرب الإِمام
ضرب رسولُ الله ﷺ في الخمر بالأيدي والنعال وأطراف الثياب (١)، فلما استُخلف أبو بكر أحضر مَنْ شهد ذلك، فعدَّلوه بأربعين جلدةً، فجلد بها أيَّامَ حياته، وجلد بها عمرُ صدرًا من خلافته، ثمَّ جلد ثمانين، وجلد عثمانُ ثمانين، وعليٌّ أربعين، وروي عنه ﵇: أنّه جلد أربعين (٢).
واتَّفق الأصحابُ على أنَّه يُجلد بالسوط أربعين، ولا تجوز الزيادةُ على ثمانين اتِّفاقًا، وفي الثمانين إن رآها الإمامُ وجهان، وإن رأى الجلدَ بالنعال، وأطراف الثياب كما فعله ﵇، جاز، وأبعد مَنْ منع ذلك؛ تعليلًا بعُسْر الضبط.
* * *
стр. 2715
٣٥٣٣ - فصل في موت الشارب بالحدِّ
إذا (١) ضربه الإمامُ بالنِّعال، وأطراف الثياب ضربًا يُعدَل بأربعين جلدة، فمات، لم يُضمن إلَّا على الوجه البعيد، وإن جلده أربعين سوطًا، فمات؛ فإن صحَّ أنّه ﵇ جلده (٢) بالسوط، لم يُضمن، وكذا إن لم يصحَّ على أظهر القولين، فإن ضمَّنَّاه، [وجب كمال الدِّيَة، وأبعد مَنْ أوجب ما بين ضرب النعال والجلد بالسوط؛ تقريبًا بالاجتهاد، وإن جلده ثمانين، فإن ضمّنَّاه] (٣) بالأربعين، ضُمِّن بالثمانين، وإن لم نضمِّنه بالأربعين، وجب نصفُ الدية اتِّفاقًا.
٣٥٣٤ - فرع:
إذا زاد الجلَّاد سوطًا في حدٍّ قدَّره الشرعُ؛ كحدِّ القذف، فهل يوزَّع الضمان على عدد الجلدات، أو يتشطَّرُ؟ فيه قولان.
وإن أمر الإِمام الجلَّادَ أن يضربَ الشاربَ ثمانين، فضربه مختارًا، فلا ضمان على الجلَّاد، وهل يتشطَّر على الإِمام، أو يتوزَّع على الجلدات؟ فيه القولان، فإن زاد الجلاد سوطًا على الثمانين، ففيه أوجه:
أحدُها: يُهدر ثلث الدية، ويتعلَّق ثلثها بالجلَّاد، والثلث الآخر بالإمام.
والثاني: يُهدر نصفُها، ويجب الربع على الجلَّاد، والربع الآخر على
стр. 2716
الإِمام، وهو بعيدٌ.
والثالثُ: يتعلّق بالجلَّاد جزءٌ من أحد وثمانين، ويُهدر أربعون، ويتعلَّق أربعون بالإمام.
والرابع: يُهدر نصفُها، ويوزَّع النصفُ الآخر على أحد وأربعين، جزءٌ منها على الجلَّاد، وأربعون على الإِمام، وما يتعلَّق بالإمام فهو على عاقلته، أو بيت المال؛ فيه قولان.
* * *
٣٥٣٥ - فصل في محلِّ ما يضمنه الإِمام
إذا أتلف الإمامُ شيئًا فيما لا يتعلَّق بمصالح الأنام، فهو كسائر الناس يُقتصُّ منه إن عمد، وإن رمى صيدًا، فأصاب إنسانًا، فالديةُ على عاقلته اتِّفاقًا، وإن أخطأ في الحدود والسياسات؛ فإن قصَّر؛ مثل أن جلد الحاملَ مع علمه بالحمل، فأجهضت، فالغرَّة على عاقلته اتِّفاقًا، وإن بذل الجهدَ، ولم يقصِّر؛ فإن كان المتلَف مالًا، فضمانه في ماله، أو في مال المصالح؛ فيه قولان، وإن كان نفسًا، فالديةُ على عاقلته، أو مال المصالح؟ فيه القولان، فإن جعلنا الديةَ على عاقلته، فالكفَّارة في ماله، وإن جعلناها في مال المصالح، ففي الكفَّارة وجهان.
وإذا مات الشاربُ من جلد أربعين، وأوجبنا الضمانَ، أو من جلد الثمانين، وجوَّزنا ذلك، ففي محلِّه القولان.
стр. 2717
٣٥٣٦ - فرع:
إذا عزَّر إنسانًا، فمات بالتعزير، وجب الضمانُ، فإن ظهر سَرَفُه فيه، ومجاوزتُه للحد، تعلَّق به الضمانُ، وإن لم يظهر ذلك، ففي محلِّه القولان.
* * *
٣٥٣٧ - فصل فيما يضمنه الإمام إذا تبيَّن بطلان الشهادة
إذا عاقب الإمامُ رجلًا بشهادة اثنين، فهلك، ثُمَّ بان أنَّهما فاسقان أو مراهقان، أو كافران أو رقيقان؛ فإن لم يبحث عن حالهما، لزمه الضمانُ اتفاقا، وكذا القصاصُ على الأظهر، ويُحتمل أن يُخرَّج على الخلاف فيمن قتل مسلما على زيِّ الكفار وهو يظنُه كافرًا، وإن بالغ في البحث عن حالهما، وجب الضمانُ، وفي محلِّه القولان، والمذهبُ: أنّه يرجع على العبدين والكافرين؛ لأنَّهما كالغارِّ في النكاح، وقيل: لا يرجع؛ فإنّه يلزمه البحثُ، ولا يلزم المغرورَ، فإن قلنا: يرجع على العبدين، فهل يتعلَّق [الضمان] (١) بذمَّتهما، أو رقبتهما؟ فيه وجهان.
ولا يرجع على المراهقين؛ إذ لا قولَ لهما، ويُحتمل أن يرجعَ إذا علَّقنا الضمانَ برقبة العبدين؛ فإنَّا جعلناه كالجناية.
ولا يرجع على الفاسقين إن قلنا: لا يرجع على الكافرين، وإن قلنا: يرجع عليهما؛ فإن كان الفسقُ مُجَتَهدًا فيه، لم يرجع على الفاسقين اتفاقا، وإن كان الفسقُ مُجْمَعًا عليه، لم يرجع على ما أطلقه الأصحابُ؛ لأنَّهما أهلٌ للشهادة عند بعض العلماء، ويَحتمِل ذلك أوجهًا:
стр. 2718
أحدُها: الرجوعُ؛ كظهور الرقِّ؛ فإنَّ الرقيقَ من أهل الشهادة عند شطر العلماء.
والثاني: لا يرجع؛ لأنهما مأموران بكتمان الفسق، والكافر والرقيق مأموران بإظهار الكفر والرقِّ.
والثالث: إن كانا متظاهرين بالفسق، رجع، وإلَّا فلا.
* * *
٣٥٣٨ - فصل في حكم الجلَّاد
ليس للجلَّاد أن يمتثلَ أمرَ الإِمام إلَّا فيما يعلم أنّه حق، أو يظنُّه حقًّا، وإذا أمره الإمامُ العادل بقطع أو قتل أو جَلْد، فامتثل مختارًا، والإمامُ ظالم في الباطن؛ فإن جهل ظلمَه، فالدية والكفَّارة والقصاص على الإِمام دونه؛ إذ لا يلزمه البحثُ عن ذلك، وإن علم بظلمه؛ فإن كان القتلُ محرَّمًا بالإجماع، فامتثل مختارًا، فالضمانُ والقصاصُ عليه دون الإِمام؛ لانتفاء الإكراه، وإن كان القتلُ مختلَفًا في حقه، فقال: كنت أعتقدُ تحريمَه، فقلت: لعلَّ الإمامَ يرى جوازَه عند بعض العلماء؛ كقتل الحُرِّ بالعبد، فهل يجب عليه القصاصُ والضمان، أو لا يجب شيء؟ فيه وجهان، ولا يبعد أن تجبَ الديةُ دون القصاصِ، وينشأ من هذا خلافٌ في أنَّ الجلَّادَ هل له مخالفةُ ما يعتقده لأجل اعتقاد الإِمام؛ كالخلاف فيما يأخذه الشافعيُّ من الإرث بالرحم، أو الشفعة بالجوار إذا حكم له بذلك الحنفيُّ، وها هنا أولى بالجواز؛ فإنَّه لا يستوفي الحدَّ لنفسه، وقطع الإمامُ بتحريم الإرث والشُّفْعة في الباطن، وخصَّ الخلافَ بالظاهر، بخلاف قتل الجلَّاد؛ فإنَّه ممتثل ومعاون.
стр. 2719
فإن اعتقد الإمامُ أنَّ الحرَّ لا يُقتل بالعبد، واعتقد الجلَّاد أنّه يُقتل به، وأمره الإمامُ بالقتل من غير بحث عن الحريَّة، فقتله؛ بناءً على اعتقاد نفسه؛ فإن قلنا: العبرةُ في المسألة السابقة باعتقاد الإمام، وجب القصاصُ على الجلاد، وإن قلنا: العبرةُ بعقيدة الجلَّاد، لم يضمن ها هنا عند العراقيين، وقال الإِمام: يضمن؛ لأنَّه مسخَّر مؤتمَن لم يُفوَّض إليه العمل برأيه، فهذا عمل برأيه، صار مستقلًّا بالقتل، وإن أخبره الإمامُ بأنَّه ظالم بالأمر بالقتل، فإن كان مُكرَهًا، فالضمانُ عليهما، وإن كان مختارًا، فلا ضمانَ على الإِمام.
* * *
٣٥٣٩ - فصل في ضمان مَنْ مات بالتأديب أو التعزير
للوالد تأديبُ ولده، وللمعلِّم تأديبُ الصبيِّ، وللزوج تأديبُ الزوجة الناشزة؛ بشرط الاقتصار على ما يحصّل التأدُّبَ مشروطًا بالسلامة، فإن لم يَحْصُلِ التأدُّبُ إلَّا بضرب مُبَرِّح يُخشى منه التلفُ، لم يحلَّ المبرح؛ لأنه قاتل، ولا ما دونه؛ إذ لا فائدةَ فيه (١)، فإن أدَّى التأديبُ إلى التلف؛ فإن
стр. 2720
اقتصد فيه، وجب الضمانُ، وإن أسرف؛ فإن فعل ما لا يُقصد به القتلُ، فهو شبه عمد، وإن فعل ما يُقصد به القتل غالبًا، وجب القصاصُ.
وأمَّا التعزيرُ: فلا يتخيَّر فيه الإمامُ، بل لو كانت المصلحةُ في العفو، وجب العفوُ، وحَرُم التعزير، وإن كانت المصلحةُ في التعزير، وجب، وكان كتأديب المعلِّم والزوج في جميع ما ذكرناه، فإن تعلَّق بالتعزير حقٌّ لآدمي؛ مثل أن قذف إنسانًا بزنًا قد حُدَّ في قذفه به، أو قذف غيرَ مُحْصَن، أو عرَّض بقَذْف مُحْصَن، فإن طلبه المستحقُّ، فرأى الإمامُ المصلحةَ في العفو والإصلاح، فهل له ذلك؛ فيه وجهان، فإن قلنا: له ذلك، فلا بدَّ من التغليظ له في القول، والتوبيخ، فإن عفا المستحقُّ عن ذلك، أو عفا عن حدٍّ أو قصاص، فرأى الإمامُ المصلحةَ في التعزير، فهل له ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثُها: المنعُ في الحدّ، والجوازُ في التعزير.
* * *
٣٥٤٠ - فصل في قطع السِّلَع والأيدي المتآكلة
إذا نبت للرجل سِلْعةٌ يخاف من بقائها, ولا يخاف من قطعها، جاز قطعُها اتِّفاقًا, ولمن يأمره بقطعها أن يقطعَها كما يجوزُ ذلك في الفَصْد والحجامة ونحوهما، وإن خاف من قطعها, ولم يكن في بقائها سوى الشَّيْن، حَرُم قطعُها؛ إذ لا يجوز التعرُّض للتلف لأجل الشَّيْن، وإن خاف من القطع والإبقاء؛ فإن استوى الخوفان، ففي جواز القطع وجهان، وإن غلب خوفُ القطع حَرُم القطعُ اتِّفاقًا، وإن غلب خوفُ الإبقاء؛ جاز القطعُ على الأصحِّ، ومتى أجزنا القطعَ، فقُطعت بإذنه فمات، فلا ضمانَ على القاطع اتِّفاقًا, ولو
стр. 2721
أذن بقطع لا غرضَ فيه، فهلك بذلك، ففي وجوب دية نفسه قولان.
٣٥٤١ - فرع:
من نزلت به علَّة مزمنة لا يتخلَّص منها، أو عظمت به آلامٌ لا يستقلُّ بحملها، فليس له أن يهلكَ نفسه ليستريحَ.
وإن وقع فيه نارٌ لا يتخلَّص منها, ولا صبر له عليها، فأغرق نفسه، أو أهلكها بسبب آخر، جاز عند أبي محمد؛ لأنَّ الاحتراق (١) والإغراق مذفِّفَان، وفيه احتمال.
وما جاز للإنسان أن يقطعَه من نفسه في محلِّ الوفاق والخلاف، فله أن يقطعَه من ولده وولد ولده إذا كان تحتَ حَجْره بصِبىً أو جنون؛ لكمال شفقته، والأظهر المنعُ ها هنا إذا استوى الخوفان، فإن قطعهما حيث يجوز ذلك، فهلك الصبيُّ والمجنون بالقطع، لم يضمن اتِّفاقًا، وقال القاضي: يضمن؛ لأنه أخطأ فيما ظنَّه، فأشبه خطأَ التعزير، وهذا لا يصحُّ؛ فإنَّ القطعَ جائز مع ما فيه من الخطر، فلا يجوزُ أن يتعلَّق به الضمان، ومِن أبعد البعيد أن نجوِّز فصْدَ المجنون، ثمَّ نوجب ضمانَه.
فإن كان الصبيُّ أوالمجنون تحت نظر الإِمام، فله أن يأمر بفَصْدهما وحجامتهما، وقطع سِلعتهما إن كانت كالفَصْد والحجامة، وإن كان الخوفُ في قطع السّلعة واليد المتآكلة، وفي الابقاء، وافتقر إلى نظر يغلب به أحدُ الظنَّين، فقد قال الشافعيُّ: ليس له قطعُهما؛ لافتقار ذلك إلى نظر دقيق
стр. 2722
لا يصدر إلَّا من شفيق؛ كما في إجبار البكر، فإن قطعهما فماتا، وجبت الديةُ، وفي القود قولان، والمذهب؛ أنَّ الديةَ في ماله كما ذكرناه فيمن قتل مسلمًا في دار الإِسلام، وهو يظنُّه كافرًا, وليس للسلطان (١) أن يقطعَ من المستقلِّ سلعةً، ولا يدًا متآكلة، ولا أن يأمرَ بفَصْدِه وإن حكم به الأطبَّاء، فإن قطعهما منه كرهًا، وجب القصاصُ.
* * *
٣٥٤٢ - فصل في الختان
يجب الختانُ على الرجال والنساء، ومؤونته على المختون، ويكفي في النِّساء ما يقعُ عليه الاسمُ، وتقليله أَوْلى، ويجب أن يقطعَ من الرجل ما يُبرِز جميعَ الحشفة، فإن بقي على الكَمَرَة من الغُلْفة شيءٌ لانبسط على الحشفة، وجب قطعُه بحيث لايبقى منه شيءٌ متدلٍّ متجافٍ.
ومَنْ خِيف عليه من الختان؛ لضعفه، حَرُم ختانه حتَّى ينتهيَ إلى حال يغلب على الظنّ سلامتُه من الختان.
ومن بلغ لزمه الختانُ على الفور، ولا يجب قبل البلوغ، فإن امتنع بعد الوجوب، أمره به الإمامُ، فإن أبي، أجبره، فإن هلك بذلك، لم يضمنه الإمامُ؛ فإنّه أجبره على إقامة شعار الدين.
وإذا رأى الأبُ أوالجدُّ ختانَ الصبيِّ، أو رآه الإمامُ عند عدمهما، فهلك به الصبيُّ؛ فإن وقع الختانُ في اعتدال الهواء، لم يجب الضمانُ، خلافًا
стр. 2723
للقاضي، وإن وقع في حَرٍّ شديد، أو بردٍ مفرط، فلا ضمانَ على الأصحِّ، ونفيُ الضمان عن الأب أوْلى من نفيه عن الإِمام؛ فإنَّ الختانَ في حقه كالحدِّ في حق الإِمام.
* * *
стр. 2724
٣٥٤٣ - باب صفة السَّوْط
القصدُ بالحدود الإيلام الناجع مع رعاية حفظ النفس، فلا يجوز الاقتصارُ على أقلِّ درجات الإيلام، ويجب أن يُضربَ ضربًا متوسِّطًا بسوط متوسِّط، وهو السوطُ المعتاد، والقضيبُ إن زاد على السوط المعتاد فهو عصًا، وإن نقص عنه، لم يجز، وينبغي ألَّا يكون رطبًا قريبَ العهد، والقضيبُ اليابس لا ينعطف انعطافَ السوط، فلا يحصلُ به الإيلامُ المطلوب، وقد أُتي ﵇ بخشبة يابسة، فردَّها، فأُتي برطبة فردَّها، فأُتي بخشبة لا خلقة ولا جديدة، فجلد بها (١).
ويجب رفعُ اليد إلى حدٍّ يحصلُ به الإيلامُ، ولا يرفعها حتَّى يُرى بياضُ
стр. 2725
إبطه، ويتَّقي الوجهَ والمَقَاتل؛ كالقُرْط، والأخدع، وثغرة النحر، والفرج، ولا بأس بضرب الرأس.
ويجلد الرجلُ قائمًا، والمرأةُ جالسةً، ويشدُّ عليها ثيابها؛ لئلَّا تنكشف، وتُترك يداه؛ ليتَّقي بهما, ولا يجلد في حَرٍّ شديد، ولا برد مُفْرِط، فإن فعل ذلك، فمات، لم يضمن على النصِّ، وإن جاوز الحدَّ في الضرب، أو في السوط، ضمن عند الإِمام؛ لتعدِّيه.
ويجب الموالاةُ في الجلدات، فإن فرَّقها على كلِّ يوم سوطًا، لم يجزئه، وإن جلد في كل يوم خمسين، أجزأه على ما ذكره القاضي.
وقال الإمامُ: إن بقي ألمُ الضرب الأول، وكان الضربُ الثاني مؤلمًا، أجزأه على الظاهر، وإن سقط ألمُ الضرب الأوَّل، لم يجزئه وإن كان الضربُ الثاني مؤلمًا؛ لأنَّه كإسقاط بعض الحدِّ، وظاهرُ كلام القاضي أنَّه يجزئه.
ولو حلف: ليضربنَّه مئةَ سوط، ففرَّقها على الأيَّام، برَّت يمينهُ؛ فإنَّا نعتبر الألفاظَ في الأيمان، والمقاصدَ في الأحكام، والقصدُ بالحدِّ النكاية، فصار تركُ الولاء كترك بعض الحدِّ.
* * *
٣٥٤٤ - فصل في بيان قدر التعزيرات
يجب حطُّ التعزير عن الحدِّ، وفي كيفيَّة حطِّه طريقان:
إحداهما: يُحطُّ تعزير الحرِّ عن أربعين، وهل يُحطّ تعزير العبد عن
стр. 2726
أربعين، أو عن (١) عشرين؟ فيه وجهان، والثاني: يُحط تعزير مقدِّمات كلِّ حدِّ عن ذلك الحدِّ، فيُحطُّ تعزيرُ مقدِّمات الزنا عن مئة في الحرِّ، [وعن خمسين في العبد، ويُحطُّ مقدِّمات الشرب عن أربعين في الحرِّ] (٢)، وعن عشرين في العبد، وإن عرَّض بقَذْفِ مُحْصَن، أو قذف غير محصن، حُطَّ الحرُّ عن ثمانين، والعبد عن أربعين، وينبغي أن يُعتبرَ تعزيرُ أسباب السرقة بجلد مئة؛ فإنَّها أيسرُ من القطع.
وقال في "التقريب": صحَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يُجلدُ فوق العَشَرة إلَّا في حدٍّ" (٣)، ومذهب الشافعيِّ متابعةُ الحديث الصحيح؛ فإنّه قيَّد كلَّ ما ذهب إليه بألَّا يصحَّ حديثٌ يخالفه، وأمر بترك مذهبه، واتِّباع الحديث.
٣٥٤٥ - فرع:
قال الأئمَّة: ليس للإمام أن يبتدر الضربَ في التعزير، بل يرعى في التأديب ما يرعى في دفع الصائل؛ من الاقتصار على قدر الحاجة، فإن علم أنَّه ينزجر بالتوبيخ، اقتصر عليه، وإلا رقى إلى التعنيف، ثمَّ إلى ما يراه من حبس أو دفع في الصدر، إلى أن ينتهيَ رأيهُ.
ومن أدب الإِمام في ذلك إضمارُ الشفقة على المؤدَّب قاصدًا لإصلاحه، متحرِّزًا من الهيج والغضب، فقد رفع عمرُ الدِّرةَ على شخص كان يؤذي
стр. 2727
صاحبَهُ، فأطلق لسانَه في عمر، فتركه، فقيل له في ذلك، فقال: أما إنِّي رفعتها لله، فمن ابن أمَّ عمرَ حتَّى يُنَتقَم له مع الانتقام لله؟ !
* * *
٣٥٤٦ - فصل في دفع الصائل
يجب قتلُ البهائم الضارية؛ لما يتوقَّع من صيالها، وإن صال على المسلم حربيٌّ أو مرتدٌّ أو بهيمة، لزمه الدفعُ، وإن صال عليه مسلمٌ، ففي وجوب دفعه قولان؛ فإن قلنا: لا يجبُ، ففي استحباب الاستسلام وجهانِ، والصبيُّ والمجنونُ كالبهيمة، أو كالمسلم المكلَّف؟ فيه طريقان؛ فإنَّهما لا يأثمان.
ويُستحبُّ للمضطرِّ أن يؤثرَ على نفسه مضطرًّا آخر اتِّفاقًا، وكذلك الحكم في كل سبب يحفظ به المُهَج، ولا يحلُّ له إيثارُ البهائم اتفاقًا، بل يلزمه ذبحُها؛ ليحفظ بها مُهْجتَه.
ولو قُصِد قريبُه أو أجنبي بقتل أو فاحشة، كان دفعه عنهما كدفعه عن نفسه في الوجوب وغيره، وقال أربابُ الأصول: لا يجب ذلك إلَّا على الولاة.
واختلفوا في جواز شَهْر السلاح لذلك في حقِّ الآحاد، ومَنْ رأى مرتكبًا لمحرَّم؛ كشرب الخمر، وغيره من أنواع المحرَّمات، وافتقر في إزالته إلى شَهْر السلاح، فقد منعه الأصوليُّون اتِّفاقًا، وأجازه طوائفُ من الفقهاء.
٣٥٤٧ - فرع:
إذا قدر المَصُول عليه على الهرب؛ فإن أوجبنا الدفعَ، ففي جواز المكاوحة وجهان، وإن لم نوجبه، ففي وجوب الهرب وجهان، والأوجه:
стр. 2728
الوجوبُ؛ حفظًا للمهجتين.
٣٥٤٨ - فرع:
للرجل أن يذبَّ عن ماله بما يذبُّ به عن روحه، وقيل في القديم قولٌ أنَّه إن أدَّى إلى قتل الصائل، أو إتلاف بعض أعضائه، لم يجز، وعلى المذهب: لو أخذ المالَ وهرب، فاتبعه المالكُ؛ فإن طرح المتاع، لم يتبعه، فإن اتبعه، وضربه، ضمن، وإن لم يطرحه، فتجاذباه حتَّى كانت بينهما مكاوحةٌ، كان ذلك بمثابة دفعه عن المال.
* * *
٣٥٤٩ - فصل في كيفيَّة دفع الصائل
قال الأئمَّة: يُدفع الصائل بالأيسر فالأيسر، فيُدفع بالكلام، ثمَّ باللكم، ثمَّ بالسوط، ثمَّ بالعصا والمثقَّلات، ثمَّ بالسلاح مع الاقتصار على الأهون فالأهون، فمهما أمكن الدفعُ بشيء ممَّا ذكرناه، لم يجز العدولُ إلى ما فوقه، فإن أمكن الدفعُ بالسوط، فلم يجد سوى سكِّين لو حذفه بها لقتله، ففي جواز حذفه بها تردُّد؛ إذ لا يجبُ استصحابُ السوط، وكذلك يدفع الماهر بوجوه من الدفع لا يعرفها الأخرقُ، ولا يلزم الأخرقَ الضمانُ؛ لجهله بها.
* * *
٣٥٥٠ - فصل فيمن عضَّ يد إنسان
من عُضَّ عضو من أعضائه، فله أن يسلَّه، وإن انتثرت أسنانُ العاضِّ، فإن لم يمكن سلُّه إلَّا بفكِّ لحييه، فله فكُّهما، وإن لم يمكن إلَّا باستعمال السلاح في العضو الجاني، فله ذلك، وإن لم يمكن إلَّا باستعماله في غير
стр. 2729
العضو الجاني؛ مثل أن عضَّ قفاه بحيث لا تناله يدُه، ويمكنه وضعُ السكين في بطنه، فالأصحُّ أنَّ له ذلك، كما يجوز قتلُه دفعًا عن فَلْس واحد.
وقال الإِمام: إذا لم يخف المعضوضُ على نفسه أو بعض أعضائه، ففيه الخلاف، وإن خاف على ذلك، وجب القطعُ بالجواز.
٣٥٥١ - فرع:
إذا رأى الرجلُ من يزني بامرأته، فله أن يدفعَه بتدريج دفع الصائل، فإن هلك بالدفع، فهو مهدر، ديان قتله بعد فراغه من الزنا؛ فإن كان مُحْصَنًا أُهدر، وإن كان بكرًا، لزمه القَوَدُ، فإن أكذبه الوليُّ في زنا الثيِّب، فأقام البيِّنة أُهدر، وإن لم يُقِمْها لزمه القصاصُ.
* * *
٣٥٥٢ - فصل فيمَنْ نظر إلى حرم إنسان في داره
من نظر إلى حرم إنسان في دار، فلصاحب الحرم رميُ عينه بشرط أن يتعمَّدَ النظر، وألَّا يكونَ له حرمٌ في الدار، وألَّا يُفرطَ ربُّ الدار بفتح الباب، وسواء نظر من الشارع، أو من مُلْكه، أو من سكَّةٍ مُنْسدَّة، فإن كان البابُ مفتوحًا، فنظر منه، أو من ثُلْمة في الجدار، أو كان له حرمٌ في الدار، لم يجز رميُ عينه، ولا يجوز الرميُ إلَّا أن ينظرَ من كوَّة يُعتاد مثلها، أو من صِير الباب.
وإذا جاز الرميُ، فأعماه به، أُهدرت عيناه، ولا يرميه إلَّا بما يقصد بمثله العين؛ كالمِدْرى والبندقة والحصاة، فإن رماه بنشَّابة، فقتله، وجب القصاصُ.
وإن نظر، فلم ير الحرم؛ لاستتارهنَّ ببيت أو غيره، جاز رميهُ على
стр. 2730
الأظهر، وإن خلت الدارُ من الحرم، وكان فيها المالكُ وحدَه، أو مع رجال، ففي جواز الرمي وجهان.
٣٥٥٣ - فرع:
إذا تعذَّر قصدُ عينه، فأصرَّ على النظر، استغاث عليه، وقطع بصرَه عن نفسه، فإن أبى، فله دفعه وإن أتى الدفعُ على نفسه.
ولو وقف بالباب، فاسترق السمعَ، لم يجز قصدُ أذنه، وأبعد من أجازه.
وإن دخل الدار، فلربها إخراجُه، فإن أبي، فله دفعه بالتدريج الذي يدفع به عن المال، وغلط من خصَّ الدفعَ برجله، وأبعدُ منه مَنْ أجاز قصدَ عينه.
ويجوز الرميُ بغير إنذار، خلافًا للقاضي، فإنَّه أوجب الإنذار، والتدريج المذكور في الصِّيال، وقال في "التقريب": لا يجبُ الإنذار في النظر، وفيما عداه من كلِّ ما يجوز الذَّبُّ عنه قولان مأخوذان من القولين في استتابة المرتدِّ، وهذا ممَّا تفرَّد به؛ فان الصائلَ إذا اندفع بالتخويف والصياح، لم يُعدل عنه، ولعلَّه أراد بالإنذار ما لا يكونُ مثلُه دفعًا؛ كالوعظ وغيره، فإن أوجبنا الإنذارَ، فقتل الصائلَ بغير إنذار، ضمنه؛ كما لو قتله تاركًا لتدريج الدفع.
* * *
стр. 2731
٣٥٥٤ - باب ضمان البهائم
إذا أرسل دابَّته للرعي، فأفسدت زرعًا لغيره؛ فإن كان معها، أو كان معها راع بأجرة أو تبرُّع، وجب ضمانُ الزرع، وإن لم يكن معها أحدٌ؛ فإن قصَّر صاحبُ الزرع في حفظه، ولم يقصِّر ربُّ البهيمة في إرسالها, لم يجب الضمانُ، فإن أرسلها بقرب المزارع، وجب الضمانُ عند الإِمام؛ لتفريطه، وإن قصَّر في الإرسال، ولم يقصِّر صاحبُ الزرع في حفظه، وجب الضمانُ، ويُرجع في تقصيرهما إلى العادة الغالبة، وهي جارية بحفظ البهائم بالليل، وإرسالها بالنهار، وبحفظ المَزارع نهارًا، وإهمالها بالليل، فإن انعكست العادةُ في بعض البلاد، انعكس الحكمُ، وقيل: لا ينعكس، فيجب ضمانُ ما تتلفه بالليل دون النهار.
٣٥٥٥ - فرع:
قال الأئمَّة: إذا كان للمَزارع أو البساتين أبوابٌ وأغلاق، ففرَّط صاحبُ البهيمة بإرسالها ليلًا، وفرَّط المالكُ بترك التوثُّق بالأغلاق؛ لم يجب الضمانُ؛ لتفريط ربِّ البستان، حتَّى لو لم يكن في ذلك المكان سوى البساتين، فلا تفريطَ في إرسال البهائم بالليل، وإن كان فيه مزارعُ وبساتينُ، كان الإرسالُ بالليل تفريطًا في المزارع دون البساتين.
стр. 2732
٣٥٥٦ - فرع:
إذا وجب الضمانُ، لم يتعلَّق برقبة البهيمة، ولو ربطها ليلًا على الاحتياط المعتاد، فانفلتت وأفسدت، فالضمان على ما تقدَّم في غلبة الدابة في الاصطدام.
٣٥٥٧ - فرع:
إذا أخرج البهيمةَ من زرعه، فوقعت في زرع غيره، لم يلزمه الضمانُ، فإن تبعها بعد خروجها من زرعه، فوقعت في زرع غيره، لزمه الضمانُ، فإن لم يمكن إخراجُها إلَّا بإدخالها مزارعَ الناس، لم يجز له إخراجُها؛ إذ ليس له وقايةُ ماله بمال غيره، فإن أخرجها, لزمه الضمانُ عند الإِمام؛ فإنَّه مباشِر، وربُّ الدابّة متسِّبب، وعلى هذا لو تمكَّن من طردها من زرعه، فتركها, لم يُضمن زرعه.
* * *
٣٥٥٨ - فصل فيما تتلفه البهيمة (١) ومعها راكبٌ أو قائد أو سائق
إذا كان مع الدابّة راكبٌ أو قائد أو سائق، فأتلفت شيئًا ببعض أعضائها؛ كفمها أو يدها أو رجلها، فَلِما يصدر منها أحوالٌ:
أحدُها: ألَّا يمكنَ التحرُّزُ منه، ولو مُنع لانسدَّ رفق الطروق (٢)؛ كإثارة الغبار بالاستطراق المقتصد، والرشاش الحاصل في الشتاء، وكثرة الوحول،
стр. 2733
والإيذاء، فإذا فسد بذلك متاعٌ أو غيره، لم يجب الضمان، وعلى صاحب المتاع حفظُ متاعه، وعلى الراكب بذلُ الجهد (١) في الاقتصاد.
الثاني: ما يزيد على ذلك، ويمكن التحرُّز منه، فيوجب الضمان.
الثالث: ما يوجب فسادًا لا يمكن دفعُه، ولكنَّه غيرُ معتاد؛ كركوب دابّة نَزِقة لا يضبطها الكبح باللجام، وإرسالِ الإبل غيرَ مقطَّرة في الأسواق، فيوجب الضمانَ؛ إذ العادةُ تقطيرُ الإبل في الأسواق، وأنَّ الدوابَّ النزقةَ لا تركب إلَّا في الصحراء.
٣٥٥٩ - فرع:
إذا ساق بهيمةً عليها حطبٌ، فتخرَّق به ثوبُ إنسان؛ فإن كان بصيرًا مقابلًا للدابة، وأخذ المنحرف، لم يجب الضمان، وإن كان مستدبرًا للدابّة؛ فإن أنذره السائقُ بذلك؛ ليتحرَّز، لم يجب الضمانُ، وإن لم ينذره، وجب الضمانُ.
٣٥٦٠ - فرع:
إذا راثت الدابَّة في الطريق، أو بالت، لم يتعلَّق بذلك ضمانٌ؛ لتعذُّر دفعه، فإن أوقفها، فزاد الانتشارُ بسبب وقفها؛ فإن كان الطريقُ ضيّقًا، لزمه الضمانُ بوقفها؛ لأنَّه عدوان، وإن كان واسعًا، لم يضمن؛ لأنَّه بمثابة مَشْيها، وخرَّجه الإمامُ على الخلاف في اصطدام الماشي والواقف.
٣٥٦١ - فرع:
إذا انتشرت هرَّة إنسان، فقتلت طيورًا، أو قلبت قدورًا، ففي الضمان
стр. 2734
وجهان، فإن أوجبناه، فهل يضمن ما تتلفه بالليل دون النهار، أو بالعكس؟ فيه وجهان.
* * *
٣٥٦٢ - فصل في قتل المؤذيات
تُقتل الفواسق في حال سكونها، وكذلك ما يؤذي بطبعه؛ كالأُسُود والنمور، ولا تُملك بالاقتناء، كما لا تملك الحشرات، ولا يمنع اقتناؤها من قتلها؛ فإنَّه ﵇ أمر بقتلها في الحِلِّ والحرم (١).
وإذا ضرِيَت الهرَّةُ بالفساد وقتل الطيور؛ فإن كانت مربوطةً، لم تُقتل، وإن كانت مطْلَقة، فوجهان، فإن قلنا: يجوز، ففي قتل المربوطة تردُّد.
والفواسق: الحيَّة، والعقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب، والكلب العقور، وأبعد مَنْ ألحق الكلبَ العقور بالهرَّة الضارية، فحصل أنَّ الفواسق، وما يؤذي بالطبع مقتولٌ بكلِّ حال، وما لا يؤذي بالطبع، ولكنَّه يؤذي عن وِفاق، فإنّه يُدفع في حال الصِّيال، فإن ظهر تولُّعُه وضَراوتُه، كالهرة الضارية، ففي قتله في حال سكونه الخلافُ.
* * *