ينعقد، وإن قبله بلفظ أو إشارة، أو ظهرت منه مخايلُ القَبول، انعقد، فإن قال للمسلم بعد القَبول: خُذْ حذرك؛ فإنِّي لا أؤمِّنك، كان ذلك ردًّا للأمان، فإنَّه لا يصحُّ من أحد الطرفين، وإن علم بالأمان، فلم يقبله، ولم يردُّه، ففي انعقاده تردُّد، والظاهر: أنَّه لا ينعقد.
وإذا صحَّ، كان جائزًا في حقِّ الكافر، لازمًا في حقِّ المسلم، إلَّا أن يخافَ خيانة الكافر، فله نبذُه إليه.
ولو أشار مسلمٌ من الصفِّ إلى كافر، فانحاز إلى المسلمين؛ بناءً على الإشارة؛ فإن قال المسلمُ: أردت الأمانَ، وقال الكافر: [فهمت الأمانَ، انعقد، وإن قال المسلم: ما أردت الأمان، وقال الكافر] (١): ما فهمته، جاز قتلُه وإرقاقه، وإن قال المسلم: ما أردت الأمانَ، وقال الكافر: فهمتُ الأمان، لم نتعرض له حتَّى يبلغ مأمنَه، وإن قال المسلم: أردت الأمان، وقال الكافر: ما فهمتُه، فحكمه حكمُ الأسير في القتل والإرقاق وغيرهما.
ولا يصحُّ أمانُ الآحاد إلَّا لعدد محصور لا يتعطَّل بمثله الغزوُ في بعض الجهات، فلو أمَّن أهلَ ناحية لم يصحَّ، لما فيه من تعطيل شعار الدين، وكسب المسلمين، فمتى ظهر بسبب الأمان نقصٌ محسوس، لم يصحَّ، فلو أمَّن مئةُ ألف مسلم مئةَ ألف كافر؛ كلُّ واحد لواحد، فإن ظهر بذلك نقصٌ محسوس، لم يصحَّ، وقد يختلف ذلك بأن يكونوا في قطر أو أقطار.
٣٦٠٣ - فرع:
إذا قُتل الكافر بعد الأمان، فالوجه القطعُ بأنَّه يُضمن بما يُضمن به
стр. 2767
المعاهد، ولا ضمانَ بقتل النساء والصبيان، وليس للآحاد المنُّ على الأسرى؛ لتعلُّق الحقوق بهم، ولو دخلت طائفةٌ دارَ الحرب، فأسروا منها رجالًا، لم يكن لهم المَنُّ عليهم؛ لأنَّ الإمامَ قد يرى إرقاقَهم، فيجب فيهم الخمس.
٣٦٠٤ - فرع:
إذا صحَّ الأمانُ، ثبت من الطرفين، فيصير المسلمُ آمنًا من الكافر، والكافرُ آمنًا من أهل الإِسلام، فإن خصَّ الأمان برقبته، صحَّ اتِّفاقًا، وامتنع قتلهُ وإرقاقه، ولا يتعدَّى الأمان إلى ماله ونسائه وأطفاله، بخلاف عَقْد الذمَّة.
وإن أطلق الأمان، لم يدخل فيه ما غاب من أمواله، وأمَّا ما حضر منها (١)؛ فإن شرط دخولُه في الأمان، دخل فيه، وإن لم يُشرط، لم يدخل على الأصحِّ، وقيل: يدخل؛ إذ يبعدُ سلبُ ثيابه التي هو لابسُها، فكذلك ما حضر معه من المال، وكذلك الحكمُ في الزوجات، والأطفال.
* * *
٣٦٠٥ - فصل في الجُعالة لمن يدلُّ على القلاع
يُشترط في جُعالة المسلمين أن يكونَ الجُعْلُ معلومًا مقدورًا على تسليمه، مملوكًا للجاعل، فإن عُقدت على خلاف ذلك، لم تصحَّ اتِّفاقًا، فإن عمل استحقَّ أجرةَ المثل، ومتى صحَّ المسمَّى، لم يُستَحقَّ إلَّا بإكمال العمل، فإن تلف الجعلُ قبل العمل؛ فإن علم بالتلف، لم يستحقَّ شيئًا، وإن لم يعلم، رجع بأُجرة المِثْل، وإن تلف بعد العمل؛ فإن تلف قبل أن يطلبَه، فهل يرجعُ
стр. 2768
بالقيمة أو أجرة المثل؟ فيه قولان؛ كالصَّدَاق، ولا يبعد القطعُ بإيجاب الأجرة؛ فإنَّ الجعلَ ركنٌ في الجعالة، بخلاف الصداق، وإن طلبه، فمنعه الجاعلُ منه؛ فإن قلنا بضمان اليد، وجبت القيمةُ، وإن قلنا بضمان العَقْد، فقد جعل القاضي المنعَ كالإتلاف، فإن ألحقنا الإتلافَ بالآفة السماوية، رجع بأجرة المثل، وإن جعلناه كإتلاف الأجنبيِّ، يُخيَّر بين الإجازة والفسخ.
ولو قبض البائعُ الثمنَ، فطُولب بالمبيع، فمنعه تعدِّيًّا، فتلف، ففي إلحاقه بإتلافه احتمال.
وإذا قال الحربيُّ في دار الحرب: أدلكم على قلعة فيها أموالٌ على أن تعطوني منها الجاريةَ الفلانية إذا فُتحت، صحَّ اتّفاقًا، وإن جرت هذه الجعالةُ مع مسلم؛ فإن منعنا استئجارَه على الجهاد، لم تصحَّ؛ لأنَّ دلالته ضَرْبٌ من الجهاد، فلا يستحقُّ الجاريةَ، ولا أجرةَ المثل، وإن أجزنا استئجارَه على الجهاد، لم تصحَّ الجعالةُ على الأصحِّ؛ فإن الجاريةَ غيرُ مملوكة، ولا مقدور عليها, ولا معلومة، وقيل: تصحُّ كما في الكافر.
وإذا حضرنا القلعةَ بدلالة الكافر، فلم يتَّفق الفتحُ؛ فإن كان قد قال: إن فتحتموها، فلي الجاريةُ الفلانيَّة، فلا شيءَ له، وكذا إن أطلق على الأصحِّ، وقيل: يستحق أجرةَ المثل.
وقال الإِمام: إن تعذَّر القتالُ في الصورتين بحيث لا يمكن فتحُها إلَّا نادرًا، فلا شيءَ له؛ فإنه لم يدلَّ على ممكن، وإن كان الفتحُ ممكنًا؛ فإن لم نقاتل، ففي وجوب الأجرة احتمال، وإن قاتلنا؛ فإن قلنا: لا أجرةَ له إذا لم
стр. 2769
نقاتل، فلا أجرةَ له إذا قاتلنا، وإن أوجبنا الأجرةَ من غير قتال؛ فإن (١) يئسنا بعد بَذْل الجهد في القتال، فلا شيءَ له، وإن لم نيئس، فتركنا القتالَ تبرُّمًا، أو لأمر ينزعجُ له الجندُ، فهذا موضع الخلاف.
وإن وقع الفتحُ سُلِّمت إليه الجارية، فإن لم يجدها؛ لكونها ماتت عند الجعالة، أو لم يخلقها الله، أو لأنَّه أخطأ في ظنِّه أنَّها في القلعة، فلا شيءَ له عند الأئمّة، وإن ماتت بعد الجعالة، ففي الغُرْم أقوال، ثالثُها: إن ماتت بعد الظفَر، وجب الغرمُ، وإلَّا فلا.
وقال الإِمام: إن تمكَّنَّا من تسلِّيمها بعد الفتح، فلم نسلِّمها حتَّى ماتت، وجب الغرمُ، وإن لم يمكن التسليمُ، ففي الغرم تردُّد، فإن أوجبنا الغرمَ إذا ماتت قبل الظفَر، فالواجبُ قيمتها، أو أجرةُ المثل؟ فيه القولان، وإن طلبها بعد التمكُّن من التسليم، فلم نسلِّمها حتَّى ماتت، فهو كتلف الجُعْل بعد المطالبة والمنع، وإن أسلمت قبل الظفَر، أو بعده، وجب الغرمُ عند المحقِّقين، وأبعد مَنْ ألحق الإِسلامَ بالموت.
وإذا وجبت الأجرةُ، أو القيمةُ، فهي من رأس الغنيمة، أو من (٢) مال المصالح؟ فيه وجهان، وإذا لم نجد في القلعة سوى الجارية، فهل تُسلَّم إليه؟ فيه وجهان، وقال الإِمام: إن تملَّكنا القلعةَ، واستمَّرت عليها أيدينا، سلَّمناها، وإن لم يمكن ذلك؛ لإحاطة الكفَّار بها، وتعذُّر تخليف جماعة يحفظونها، ففيه الخلاف؛ لأنَّ فائدةَ الفتح تعودُ على العِلْج خاصَّة، وإن حاولنا الفتحَ،
стр. 2770
فلم يتَّفق، أو استنفرنا أمرٌ، وقلنا: يبطل حقُّه منها، فاتَّفق رجوعنا إلى القلعة، وفتحها، ففي استحقاقه الجارية وجهان، وقال الإمام: إن وقع ذلك بناءً على دلالته، [ظهر استحقاقُه للجارية، وإن لم يبتنِ على دلالته] (١)، ففيه الخلاف، ولعلَّ الأصحِّ أنّه لا يستحقُّها؛ لأنَّ العرفَ يقيِّد الإطلاقَ بالفتح المتَّصل بالدلالة، وإن فتحها طائفةٌ لم يكونوا في المعاملة، لم يستحقها اتِّفاقًا، وإِن فتحوها بدلالتنا المبنيَّة على دلالته، وإن جاوزنا القلعةَ، ثمَّ رددنا إليها بعضَ من كان معنا وقت الجعالة؛ فإن فتحوها على القُرْب، كان كما لو أقمنا عليها، ففتحناها، وإن بَعُدْنا عنها بحيث يبعدُ الرجوعُ إليها (٢) بدون الدلالة، فدلَّ العِلْجُ عليها، فهو كما لو رجعنا إليها.
٣٦٠٦ - فرع:
إذا صالحنا أهلَ القلعة على أمان صاحبها، وأمان أهله، فظهر أنَّ الجاريةَ من أهله، قلنا له: قد شرطنا هذه الجاريةَ لفلان، فإن سلَّمتها، أعطيناك قيمتَها، فإن أبى، قلنا للعلج: قد صالحناه على أمان أهله، والجاريةُ منهم، فإن رضيتَ بالقيمة، أعطيناكها، فإن أبى قيل لصاحب القلعة: إمَّا أن تسلِّمها، أو تعود حربًا، فنردَّك إلى القلعة، ونغلق بابها، وتعود حربًا، [ثمَّ نقاتله] (٣)؛ فإن فتحنا القلعةَ، سُلِّمت الجاريةُ إلى العلج، وإِن لم نفتح، فعلى التفاصيل السابقة.
стр. 2771
واستنبط الأصحابُ من هذه المسألة صحَّةَ الجعالة مع الجهالة بالجعل، والعجز عن تسليمه، وصحَّة الأمان مع الجهل بعدد الآمنين، وأنَّ الصلحَ إذا عارضه ما يمنع من إمضائه، جاز نَبْذُه، وقالوا: لو أمَّن عددًا معلومًا من جماعة، وجُعل التعيينُ إلى إنسان، جاز.
صالح عمرُ أهل قلعة (١) على أمان مئة، فعيَّنهم صاحبُ القلعة، فعرض عليه الإسلام، فأبى (٢)، فضرب عنقَه (٣).
* * *
٣٦٠٧ - فصل في إجراء أحكام الإسلام في دار الحرب
الأدب ألَّا يغزوَ أحدٌ إلا بإذن الإمام؛ فإن دخل جماعةٌ دارَ الحرب بغير إذنه، وجب تخميسُ ما يغنمونه وإِن لم تكن لهم شوكةٌ، وإن دخلوا خُفيةً، فسرقوا شيئًا فهو لهم، وأبعد مَنْ أوجب تخميسَه؛ فإنَّه مقصودٌ لا يسقط بالإعراض، بخلاف الغنائم.
وأحكامُ الإسلام كلُّها جاريةٌ على المسلمين في دار الحرب، فمن فعل فيها ما يوجب حدًّا أو غُرْمًا أو قَوَدًا، لزمه ذلك، وإن قتل مسلمًا لم يهاجر، وجبت الديةُ، أو القصاصُ.
стр. 2772
ولا تحرم إقامةُ الحدود في دار الحرب، وفي الكراهة نصَّان جعلهما بعضُهم قولين، وقال آخرون: لا يُكره إلَّا أن يُخافَ فتنة؛ مثل أن يكون المحدودُ سيِّدًا يُخاف انفلالُه، وانفلالُ قومه، فإن غلب ذلك على الظنِّ، فالظاهرُ عند الإمام التحريم.
* * *
стр. 2773
٣٦٠٨ - باب ما أحرزه المشركون من أموال المسلمين
إذا استولى الكفار على أموالنا، وأحرزوها بدار الحرب، [لم يملكوها] (١)، فإن استرددناها وجب ردُّها على مُلَّاكها، فإن ظهر أمرُها بعد القسمة، نُقضت القسمةُ، فإن تعذَّر نقضها، عُوِّض مَنْ وقعت في حصَّته من مال المصالح، ولا يُخرَّج على الخلاف في الرَّضْخ.
* * *
٣٦٠٩ - فصل في الحربيِّ يُوْدعنا مالَه لمَّ ينقض العهدَ
إذا دخل إلينا (٢) حربيٌّ، فأودعنا مالَه، أو ثبت له في ذممنا قروضٌ وأثمان، فلحقَ بدار الحرب؛ فإن لم ينقض العهدَ، وخرج بإذن الإمام؛ ليقضي شغلًا، ثمَّ يعود، فالأمانُ باقٍ على أمواله ما دام حيًّا، وإِن خرج ناقضًا للأمان، ففي انتقاضه في أمواله أوجهٌ، ثالثها: إن ثبت مقصودًا لم ينتقض، وإِن ثبت غيرَ مقصود، انتقض، فإن قلنا بالانتقاض، صار فيئًا، وإن قلنا: لا ينتقض، فرجع؛ ليأخذَه بغير أمان، جاز؛ كما يجوزُ الدخولُ للسفارة، أو سماع الذكر
стр. 2774
من غير أمان بشرط أن يعجِّلَ أغراضَه، ولا يزيدَ على ما يقع به الاستردادُ، ولا يأخذ البعضَ؛ ليعود بسبب الباقي من غير أمان، فإن خالف شيئًا من ذلك، جاز قتلُه وإرقاقه، وإِن تعذَّر عليه أخذُه، فانقلب، وعاد بغير أمان، جاز.
ولو نبذ المستأمنُ العهدَ، وأخذ أموالَه فالأمانُ باقٍ عليها حتَّى يبلغ المأمن، ويُحتمل تخريجُها على الأوجه الثلاثة؛ فإنَّه في نفسه كالخارج عن الأمان، ولذلك لا يجوز له العودُ إلَّا لإذن، فإذا لحق بدار الحرب، ففي ماله الخلاف، فإن مات في دار الحرب؛ فإن جُعل مالُه فيئًا في الحياة، فهو فيءٌ في الممات، وإِن رُدَّ عليه في الحياة، فهو بعد الموت فيءٌ، أو لورثته؟ فيه قولان.
وإِن مات على العهد في دار الحرب، فالمذهبُ أنَّ مالَه لورثته، وقيل فيه القولان.
ولو أُسر، أو استرقَّ؛ فإن قلنا: لا ينتقضُ الأمان إذا لم يسترقَّ، فهاهنا قولان:
أقيسهما: أنَّه يصير فيئًا.
والثاني: يُوقَف؛ فإن عتق، أخذه، وإِن مات رقيقًا، فقولان:
أحدُهما: يُردُّ إلى ورثته، ولا يُدفع إليهم ما دام حيًّا؛ لتوقُّع عتقِه، فإذا مات، فهل يستندُ الإرثُ إلى ما قبيل الرق؟ فيه احتمالان منقدحان؛ فإنَّ الرقَّ يزيلُ الملكَ، ويقطع النكاحَ، فيشبه الموتَ، ويُحتمل ألَّا يُحكم بكونه إرثًا، بل يُصرف إلى الأخصِّ به يوم الموت، كما ينتقل ما يستحقُّه العبدُ من التعزير إلى سيِّده بموته، وقال أبو محمَّد: إذا أرققنا عبد الذمِّيِّ، فمات رقيقًا، فلا
стр. 2775
حقَّ (١) لسيِّده في ولاء مواليه كما لا حقَّ له في ماله.
ولو جَرح الذمِّيُّ أو المسلمُ ذمِّيًّا، فلحق الجريحُ بدار الحرب ناقضًا للعهد، فأرققناه، وتعيَّن مالكُه مثلًا، ثمَّ مات بالسراية، فما يلزم الجانيَ لورثته أو فيء؟ فيه قولان، وفيما يلزم الجانيَ أقوالٌ:
أحدُها: القيمةُ بالغةً ما بلغت؛ نظرًا إلى المال.
والثاني: الأقلُّ من القيمة، أو أَرْش الجناية؛ لأنَّه صار هدرًا بعد الجناية.
والثالث: جميعُ الأرش بالغًا ما بلغ، وهو ضعيفٌ يشبه قولَ الإصطخريِّ فيمن قُطعت يداه ورجلاه، فارتدَّ ومات؛ فإنَّه أوجب فيه ديتين؛ لتعذُّر الإدراج، وهذا الخلاف مبنيٌّ على أنَّ مَنْ جرح مسلمًا، فارتدَّ، ثمَّ أسلم، ومات بالسراية، فهل تلزمه الديةُ أو نصفُها أو ثلثاها؟ فيه خلاف، فإن أوجبنا الديةَ، ففيما يجب هاهنا الأقوالُ المذكورة، وإِن لم نوجب الديةَ؛ لوقوع السراية في الردَّة، وجب أن يُهدرَ هاهنا ما وقع من السراية بعد انتقاض العهد، فإن اعتبرنا الأرشَ، وجب، وإِن اعتبرنا القيمةَ، فهل يجب نصفُها أو ثلثاها؟ فيه الوجهان، وإِن اعتبرنا الأقلَّ، فهل يجب الأقلُّ من الأرش ونصف القيمة، أو من الأرش وثلثيها؟ فيه الوجهان، فإن حكمنا بالأرش فإن أوجبنا الأقلَّ، صُرف إلى الوارث، وإِن أوجبنا القيمةَ؛ فإن كانت بقَدْر الأرش، أو أقلَّ، فهي للوارث، وإِن زادت على الأرش، صُرف الأرشُ إلى الوارث، والباقي للمالك، وإِن أوجبنا الأرشَ بالغًا ما بلغ، صُرف إلى الوارث، وقال القاضي:
стр. 2776
يُصرف قدرُ القيمة إلى السيِّد، فإن فضل شيءٌ، صُرف إلى الوارث، وهذا غلط؛ فإنَّا إذا اعتبرنا الأرشَ، لم ننظر إلى القيمة.
* * *
٣٦١٠ - فصل في فتح مكَّة ومَنْ يسلم قبل الظفَر
إذا حصرنا قلعةً، فخرج بعضُ أهلها مسلمًا قبل الظفَر، عُصم مالُه ودمه وصغاره وعقاره، ولم يُعصم مَنْ بلغ من أبنائه، وبناته، وفي زوجاته وجهان، فإن كان له جنين في بطن حربيَّة، لم يُسترقَّ بحال، وتُسترقُّ الأمُّ إن لم تكن في نكاح الأب، وإِن كانت في نكاحه، فوجهان.
ولا يُغنم عقارٌ اشتراه المسلمُ في دار الحرب.
ودخل ﵇ مكَّةَ مستعدًّا للقتال، فلم يقاتلوه، فأمَّنهم إلَّا طائفةً استثناهم، فهذا معنى دخوله عَنْوةً، وعقارُها ورِباعُها المُحْيَاةُ ملكٌ لملَّاكها، فينفذ فيها البيعُ والهبةُ، وسائر التصرُّفات كغيرها من البلاد.
стр. 2777
٣٦١١ - باب وقوع الرجل على الجارية قبل القَسْم
إذا حُزْنا الغنائم، فهل نملكها قبل القسمة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: تُملك.
وأضعفها: أنَّها لا تُملك.
وثالثها: الوقفُ.
فإن تلفت قبل القسمة، أو أعرض بعضُهم عن سهمه، تبيَّن انتفاءُ الملك، وإن قُسمت تبيَّن أنَّ كلَّ واحد ملك نصيبَه شائعًا إلى أن تعيَّن بالقسمة، وأبعد مَنْ قال: تبيَّن أنَّه ملك ما تعيَّن بالقسمة من حين الحيازة؛ فإنَّه يسقط لو أعرض، بخلاف سائر المشتركات، وأيُّهم أعرض عن سهمه قبل القسمة، سقط؛ فإنَّ مقصودَ الجهاد إعلاءُ كلمة الله تعالى، دون الغنائم.
ومن أعرض بعد إفراز الخمس، والسلَب، لم يسقط سهمُه إلَّا على قول بعيد.
وقال الإمام: إن استبدَّ الإمامُ بالإفراز، لم يسقط، وإن أفرزه بطلب الغانمين، تأكَّدت حقوقُهم، فإن قلنا بالمذهب، صار المُعْرِض كمَنْ لم يكن، فيُخمَّس سهمه مع الغنائم، وتُصرف أربعةُ الأخماس إلى الغانمين، وإِن قلنا بالقول البعيد، ظهر أن يُصرف سهمُه مصرفَ الخمس.
стр. 2778
وإِن قالوا: اخترنا الغنيمةَ، ثمَّ أعرض بعضُهم، ففي سقوط سهمه وجهان، وإِن أعرض جميعُ الغانمين عن سُهمانهم، سقطت عند الأكثرين، وصُرفت مصرفَ الخمس، ولا يسقط سهمُ ذوي القربى بإعراضهم على الظاهر؛ لأنَّه يثبت مقصودًا، بخلاف الغنائم، وفي سقوط السلَب، والرضخ بالإعراض خلافٌ؛ لأنَّ مستحقَّه متعيِّن، فأشبه إعراضَ الغانمين، وإن أعرض العبدُ عن رضخه، لم يسقط، وإِن أعرض عنه السيِّد، فوجهان.
* * *
٣٦١٢ - فصل فيمن وطئ أمَةً من الغنائم
إذا وطئ الغازي أمةً مغنومةً قبل القسمة، لم يُحدَّ على الجديد، فإن لم تحبل، فلها حالان:
إحداهما: أن تحصلَ بالقسمة لغيره، فإن انحصر الغزاةُ بحيث يتيسَّر ضبطُهم؛ فإن قلنا: لا يملك قبل القَسْم وجب المهرُ، وقسم على جميع الغانمين، وإِن أثبتنا الملكَ، فعلى المذهب: يلزمه المهرُ إلَّا قدرَ نصيبه، وعلى الوجه البعيد: يلزمه جميعُ المهر لمَنْ وقعت الجاريةُ في نصيبه.
الحال الثانية: أن تحصلَ للواطئ، فالمذهبُ في المهر كالمذهب فيه إذا حصلت لغيره، وعلى الوجه البعيد: لا يلزمه شيءٌ من المهر، ولا عودَ إلى التفريع عليه، وإِن عَسُرَ ضبطُ الجند؛ لكثرتهم، فحيث يجب المهرُ إذا تيسَّر الضبطُ، يجب جميعُه هاهنا، ويُقسم مع الغنائم، فيرجع إليه منه، أو من بدله قدرُ حقِّه.
وقال الإمام: إن طابت نفسُه ببذل الجميع، فذاك، وإِن طلب أن نتركَ
стр. 2779
عليه قدرَ نصيبه، أجبناه، فإن عَسُرَ ضبطُ الجند؛ لتفرُّقهم، حططنا المستيقَن، وتوقَّفنا فيما بقي.
وإِن حبلت الأمةُ، وقلنا: لا يُحدُّ فالمهرُ على ما سبق، وللواطئ حالان:
إحداهما: أن يكون موسرًا، فإن قلنا بتعجيل سراية الاستيلاد قبل دفع القيمة، انعقد الولدُ حرًّا نسيبًا، وفي الاستيلاد طريقان مبنيَّان على الخلاف في ثبوت الملك:
إحداهما: إن قلنا: لا يُملك، لم يئبت الاستيلادُ في شيء منها، فإن ملكها بعد ذلك، ففي ثبوته قولان، وإِن قلنا: يُملك، فوجهان كالوجهين في استيلاد المشتري في مدَّة الخيار؛ لضعف الملك في الصورتين.
والطريقةُ الثانية: إن قلنا: يُملك، ثبت الاستيلادُ، وإن قلنا: لا يُملك، فوجهان، والمذهبُ: ثبوتُ الاستيلاد، فإن انحصر الجندُ، غرم قيمتَها إلَّا ما يخصُّه، وإِن لم ينحصروا، غرم القيمةَ، وقُسمت مع (١) الغنائم، فيرجع إليه منها، أو من بدلها ما يخصُّه، وفي قيمة الولد قولان مبنيَّان على أنَّ الملكَ هل ينتقل قُبيل العُلوق، أو معه، أو بعده؛ كما في إحبال أحد الشريكين إذا أثبتنا الاستيلاد؟
فإن أوجبنا القيمةَ؛ فإن انحصر الجندُ غرم القيمةَ إلَّا ما يخصُّه، وإِن لم ينحصروا، جُعلت القيمةُ في الغنائم، وقُسمت معها.
الحال الثانية: أن يكون معسرًا، فإن لم نثبت استيلادَ الموسر، لم يثبت
стр. 2780
استيلاده؛ وإن أثبتنا استيلادَ الموسر؛ فإن كانت الجاريةُ جميعَ الغنيمة، أو كان معها شيءٌ آخر، فأعرض عن نصيبه منه ثبت الاستيلادُ في حصَّته، ولا يلزمه أن يختارَ التملُّكَ في غيرها؛ فإنَّ الكسبَ لا يجب لأجل السراية، فإن اختار التملُّكَ، سرى الاستيلادُ بقدر ما ملك من غيرها، وهل ينعقد الولد حرًّا، أو يناسب أمَّه في رقِّها وحرِّيتها؟ فيه وجهان؛ فإنَّ الشبهة شاملة لجميع الأمة، فأشبه مَنْ أولد جاريةَ أجنبيٍّ يظنُّها زوجتَه الحرَّة، فإنَّ جميعَ الولد ينعقدُ حرًّا.
ولو تبعَّض الرقُّ والحرِّيَّة في امرأة، فولدت من نكاح أو سفاح، انعقد الولدُ على صفتها؛ إذ لا شبهةَ حتَّى يُحكم بشمولها، بخلاف الجارية المشتركة؛ فإنَّ الاشتراكَ يشملها.
وإذا لم يثبت الاستيلادُ في حقِّ الموسر، انعقد الولدُ كلُّه حرًّا؛ لشمول شبهة الملك واليسار؛ كمن وطئ جارية أجنبيٍّ يظنُّها جاريةَ نفسه، ولو وطئ أمةً يظنُّها زوجتَه الرقيقة، فالولد رقيق، فإنَّ ظنَّه لو تحقَّق، لما اقتضى حرِّيَّة الولد، وأبعد مَنْ حكم بالحرِّيَّة؛ كما لو وطئ المغرور زوجتَه التي غُرَّ بها؛ ظنًّا أنَّها أمة لغيره، وأنَّه زانٍ بها، وهذا لا يصحُّ؛ فإن ظنَّ المغرور فاسد، والولد حرٌّ في نكاح المغرور.
٣٦١٣ - فرع:
إذا وطئ الأجنبيُّ جاريةً مغنومة؛ فإن وطئها بعد إفراز الخمس، وانتفاء الشبهات، فهو زانٍ وإِن كان أبوه من الغانمين؛ فإنَّ وطءَ الابن جاريةَ الأب زنًا، وإن كان ابنُه من الغانمين، كان وطؤه كوطء أحدِهم، وإن وطئها قبل
стр. 2781
إفراز الخمس، أو وطئ جاريةَ بيت المال؛ فإن قلنا: يُقطع بالسرقة من بيت المال، وجب الحدُّ هاهنا، وإِن قلنا: لا يُقطع بالسرقة -وهو المذهب- ففي الحدِّ هاهنا وجهان.
٣٦١٤ - فرع:
إذا حُجر على الغانم بالفَلَس، فله أن يعرضَ عن نصيبه، وإِن أعرض السفيهُ، ففيه (١) تردُّد، ولعلَّ الظاهرَ البطلانُ، وإِن قلنا: لا يملك، ففي الإعراض تردُّد، فإن بان رشدُه قبل القسمة، فأعرض، نفذ إعراضُه وإِن كان سفيهًا عند حيازة الغنائم (٢).
وإذا بلغ الطفلُ قبل القسمة، فأعرض عن الرَّضخ، نفذ، وإن أخذ الوليُّ رضخَ الصبي، أو سهمَ السفيه، فأعرضا عنه بعد الإطلاق؛ لم ينفذ الإعراض.
٣٦١٥ - فرع:
إذا وقع في الغنائم مَنْ يعتق على بعض الغانمين؛ كالأب والابن، فالنصُّ أنَّه لا يعتق قبل القسمة، ونصَّ في الإحبال على ثبوت الاستيلاد، فقيل قولان بالنقل والتخريج، وفرَّق بعضُهم بقوَّة الاستيلاد؛ فإنَّه يثبت حيث لا يثبت العتق؛ كإحبال الأب جاريةَ الابن، وقيل: إن اختار الملك، عتق، وإلَّا فلا.
٣٦١٦ - فرع:
إذا أوجبنا القطعَ بالسرقة من المال المشترك، ففي قطع الغانم بالسرقة من الغنائم وجهان؛ لتعلُّق حقِّه بالكلِّ، ولو أعرض أصحابُه لمَلَكَ جميعَ
стр. 2782
الغنائم، وإذا أوجبنا الحدَّ بوطء أحد الشريكين، ففي وطء الغانم جاريةَ المغانم وجهان، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ اعتمادَ القول القديم (١) على مَحْض التحريم.
* * *
٣٦١٧ - فصل فيمن أُرِقَّ وله دينٌ أو عليه دين
إذا أُرقَّ الحربيُّ، وله دينٌ على مسلم أو ذمِّيٍّ، فهو كما لو أودع المستأمن مالًا، ثمَّ استُرقَّ بعد اللحوق بدار الحرب، وإن كان عليه دين؛ فإن كان لحربيٍّ، سقط على الظاهر عند القاضي؛ إذ لا حرمةَ له، وفيه احتمال، وإِن كان لمسلم، أو ذمِّيٍّ لم يسقط اتفاقًا، وفي حلوله إن كان مؤجَّلًا وجهان مرتَّبان على الخلاف في الحُلول بحَجْر الفَلَس، وهذا أولى بالحُلول؛ فإنَّ الرقَّ يقطعُ الملكَ والنكاحَ، فيشبه الموتَ، وشبَّب بعضُ الخلافيِّين بسقوط دين المسلم، والذمِّيِّ، ولا يُعدُّ ذلك من المذهب.
فإن أرققناه، ثمَّ غنمنا مالَه، قُضي الدينُ من ماله، وإِن غنمنا المالَ، ثمَّ أرققناه، قُسم مالُه بين الغانمين، وبقي الدينُ في ذمَّته؛ لأن حقَّ الغانمين متعلِّق بالعين، وكذلك إن وقع الإرقاقُ والاغتنام معًا، وفيه احتمال؛ فإنَّ الرقَّ يشبه الموتَ.
ولو نكح حربيَّة بمهر صحيح، أو اقترض حربيٌّ من حربيٍّ شيئًا، أو اشتراه بثمن صحيح، ثمَّ أسلم، وأسلم المستحقُّ، أو أسلم، ثمَّ أسلم
стр. 2783
المستحقُّ، فله طلب (١) ذلك اتِّفاقًا، وإِن أسلم، وتخلَّف المستحقُّ، فهل له طلبه ما دام حربيًّا؟ فيه قولان.
ولو أتلف على حربيٍّ شيئًا، ثمَّ أسلم، لم يلزمه شيء؛ فإنَّه لو قهره على ماله ملكه، والإتلافُ ضَرْبٌ من القهر.
ولو أتلف مالَ مسلم، أو جنى عليه، ثمَّ أسلم، أو عُقدت له ذمَّة أو أمان، فلا شيءَ عليه، وغلط من قال: لا يلزمه ذلك إذا أسلم، ويلزمه إذا عُقدت له ذمَّة أو أمان، وإِن أُرقَّ، لم يلزمه شيء، وغلط مَنْ أوجب الضمانَ في ذمَّته؛ فإنَّ الإتلافَ لا يقدر بقاؤه إلى الإسلام، بخلاف المعاملات.
* * *
٣٦١٨ - فصل في التفريق بين الطفل وأبويه
إذا فُرِّق بين الوالدة وطفلها، حَرُم اتِّفاقًا وإِن كانا كافِرَيْن، أو أحدُهما مسلمًا، والآخرُ كافرًا، ويحرم التفريقُ بكلِّ سبب ينقل الملكَ؛ كالوصية والهبة والبيع، والوالد كالوالدة في أظهر القولين، فإن جعلناه كالوالدة، ففي جميع محارم الأقارب قولان؛ فإن حرَّمنا نقلَ الملك، ففي انتقاله قولان، أصحُّهما: أنّه لا ينتقل، والجدَّة عند عدم الأمِّ بمثابة الأمِّ، ولا عبرةَ بها مع رقِّ الأمِّ، فإن كان له أمٌّ وجدَّة، فبيع مع الأمِّ وحدها، جاز، وإِن بيع مع الجدَّة وحدها، فقولان، ويسمرُّ التحريمُ إلى سنِّ التمييز، وهو سبع أو ثمان، وعلى قول يمتدُّ إلى البلوغ، ويجوز التفريقُ للضرورة؛ بأن تكون الأمُّ حرَّة، أو ملكًا
стр. 2784
لغير مالك الطفل، ويجوز رهنُها وحدها، ثمَّ تباع مع الطفل، ويوزَّع الثمنُ عليهما.
٣٦١٩ - فرع:
إذا ولدت الجاريةُ المبيعةُ عند المشتري، ثمَّ حُجر عليه بالفلس، فهل للبائع أن يرجعَ فيها دون الولد؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يرجعُ، فله أن يبذل قيمةَ الولد، ويأخذه، فإن أبى ضاربَ الغرماء، ولو لم يحجر عليه، فوجد بها عيبًا قديمًا، فليس له ردُّها، ولا إلزامُ البائع بملك الولد، ولا يبعد تجويزُ إفرادها بالردِّ ما لم يكن بها عيبٌ حادث؛ كنقص الولادة، أو غير ذلك.
* * *
стр. 2785
٣٦٢٠ - باب المبارزة
لا ينبغي لأحد أن يبارزَ بغير إذن أمير الجيش، فإن بارز بغير إذنه، فوجهان ترجع حقيقتُهما إلى صحَّه أمانه لقِرْنه، أو بطلان ذلك؛ إذ لا تحرم المكاوحةُ في القتال، ولا يجوزُ لمَنْ لم يعرف من نفسه شجاعةً وبلاء أن يبرزَ لأحد من الأبطال.
وإذا تبارز مسلمٌ وكافر، جاز لنا قتلُ الكافر إلَّا أن يتشارطا أن لا يعين كلَّ واحد أصحابُه، فيجب الوفاء بالشرط، فإن قُيِّد الشرطُ بالإثخان، فقتل الكافرُ المسلم، جاز قتلهُ قبل رجوعه إلى الصفِّ، إلَّا أن يُقيَّدَ الأمان بالرجوع إلى الصفِّ، فيجب الوفاء به، فإن أُثخن المسلم، فلم يبق فيه قتالٌ، لم يُمَكَّن من التذفيف عليه، فإنَّ الأمانَ إن قُيِّد بالقتال، فقد انتهى بالإثخان، وإن مدَّه إلى القتل، فهو باطل، وإذا تقيَّد الأمانُ بالقتال، فهرب أحدُهما، جاز لنا قتلُ الكافر؛ لانتهاء القتال، وإن استعان على المسلم بجماعة من أصحابه، قتلناه معهم، وإِن أعانوه بغير طلب منه، قُتلوا دونه.
ومَنْ بارز بغير إذن، وشرط للكافر الأمانَ حتَّى يرجعَ إلى الصف؛ فإن أجزنا المبارزةَ بغير إذن، صحَّ الأمان، وإن منعناها، لم يصحَّ، وجاز لنا قتلُ الكافر؛ فإنَّ الأمانَ الخاصَّ لا يصحُّ لمَنْ يقف في صفِّ الكفَرة، أو يُقْبِل
стр. 2786
على القتال؛ لما فيه من الأضرار.
* * *
стр. 2787
٣٦٢١ - باب فتح السواد
أصحُّ الروايات أنَّ جميعَ أراضي العراق فُتحت عَنْوةً، وقسمها عمرُ بين الغانمين، فاستغلُّوها ثلاثَ سنين، فشغلهم حَرْثُها وزرعُها عن الجهاد، فخشي عمر من تعطُّل الجهاد، فاستطاب أنفسَهم عنها، فنزل بعضُهم عنها مجَّانًا، ونزل بعضُهم بعِوَض، وامتنع بلالٌ من ذلك، وأغلظ لعمرَ في القول، فاحتمله، وقال: اللهمَّ خلِّصني من بلال وذويه، فما مضى الحولُ (١) حتّى هلكوا (٢).
فلما صارت للمسلمين، وقفها عمرُ على المصالح العامَّة، وأجَّرها لسكَّان العراق من الكفَّار بأجرة مؤبَّدة مقسَّطة على السنين؛ لتُصرفَ في مصالح المسلمين العامَّة، ولا تسقط بإسلامهم، [فمن أخذ] (٣) منها شيئًا عن آبائه، أو أجداده، لم يكن لغيره أخذُه منه بما عليها؛ لأنَّ الإجارةَ لا تنفسخُ بموت العاقد، وليس لأحدهم بيعُها، وله الإيجارُ مدَّة معلومةً بأجرة معلومة، فإن أجَّرها مؤبَّدةً بما يتَّفق التراضي عليه، لم يجز على الأصحِّ؛ لأنَّ ما جاز
стр. 2788
للمصالح العامَّة لا يجوز للخاصَّة، وقال ابن سُريج: باعها عمرُ منهم بثمن مؤجَّل.
٣٦٢٢ - فرع:
إذا وقع مثلُ ذلك في زمننا، فاستطاب الإمامُ أنفسَ الغانمين، فأبوا، قهرهم على الجهاد، ولم يجز له أخذُ الأرض.
* * *
стр. 2789
٣٦٢٣ - باب الأسير يؤخذ عليه العهدُ ألَّا يهربَ، أو على الفداء
إذا أطلق الكفَّارُ الأسيرَ على ألَّا يخرج إلى دارنا؛ فإن لم يخش الفتنةَ، وتمكَّن من إقامة شعائر الإسلام، لم تلزمه الهجرةُ على الأصحِّ، وإِن خاف الفتنةَ؛ فإن أمكنته الهجرةُ لزمته، فإن لم يؤمِّنوه لمَّا أطلقوه، فله اغتيالُهم، وإِن أمَّنوه حرم الاغتيالُ في الأنفس والأموال والأطفال؛ فإنَّ الأمانَ إذا وقع بشرط، عمَّ الجانبين، فإن تبعه مَنْ يردُّه فله قتلُه واغتيالُه دون غيره.
وإِن أُطلق؛ ليزورَ أهلَه، ثمَّ يعود، حرم عليه العَوْدُ، فإن عزم على العَوْد، منعه الإمامُ، فإن حلَّفوه ألَّا يخرجَ بالله، أو بالطلاق، أو العتاق؛ فإن أُكره، لم ينعقد اليمينُ، وإِن اختار اليمينَ؛ فإن حلف بالله تعالى، وجبت الهجرةُ والكفَّارة، وإِن حلف بالطلاق والعتاق، فالظاهر وجوبُ الهجرة، فإن هاجر، وقع الطلاقُ والعتاق.
وإِن اشترى منهم شيئًا، وخرج به إلينا، لزمه الثمنُ إن اختار الشراء، وإن أُكره عليه، لم يصحَّ، ويجب ردُّ المبيع؛ فإن جوَّزنا وقفَ العقود، فله أن يردَّ المبيعَ أو الثمن؛ فإنَّ المكرهَ على البيع له أن يجيزه إذا جوَّزنا وقفَ العقود، وإِن فادوه بمال، حرم العَوْدُ، ولم يجب المال، وقيل: يلزمه العودُ أو المالُ على قول قديم لا يُعدُّ من المذهب.
стр. 2790
٣٦٢٤ - فصل في كلاب الغنائم، ونقل رؤوس الكفَّار
إذا كان في الغنائم كلابٌ لا تنفع، أطلقناها، وقتلنا عَقُورَها، وإِن جاز اقتناؤها لنفعها، فخصَّ الإمامُ بها مَنْ يحتاج إليها من الغانمين، جاز عند العراقيِّين، ولا يُحسب على مَنْ يأخذها، ولا يبعد أن تختصَّ بالجميع بحقِّ اليد؛ كمن مات عن كلاب، فليس للحاكم أن يخصَّ بها بعضَ الورثة.
ويُكره حملُ رؤوس الكفَّار إلى بلادنا على قياس المذهب؛ لأنَّ ذلك لم يُعهد في زمن الصحابة، ولا نصَّ للشافعيِّ في ذلك، فإن رآه الإمامُ ناجعًا في الكفَّار، لم يُكره عند أبي محمَّد.
* * *
٣٦٢٥ - فصل في نزول الكفَّار على حكم حاكم
إذا نزل أهلُ القلعة المحصورة على حكم حاكم عيَّنوه، جاز لنا إجابتُهم إلى ذلك إن كان الحاكمُ عدلًا عارفًا بطلب الحظِّ للمسلمين، فإن حكم عليهم بشيء، فللإمام أن يَعْدِلَ إلى ما دونه، ولا يعدل إلى ما فوقه، فإن حكم بالأَسْر أو القتل، جاز المنُّ والفداء، وإِن حكم بالقتل، ففي جواز الإرقاق وجهان، فإن أسلموا أسقط القتل، وفي الإرقاق الوجهان، وإِن حكم بالجزية؛ فإن قبلوها، فللإمام أن يَمُنَّ عليهم، وله أن يعقدَها معهم، وهل يلزمهم بغير عقد؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يلزمهم، أبلغناهم المأمن، ولم نغتلْهم اتِّفاقًا، وإِن قلنا: يلزمهم، فامتنعوا، ففي الاغتيال قولان.
٣٦٢٦ - فائدتان:
الأولى: مَنْ غصب عبدًا، فأذن له سيِّدُه في قتله، فقتله، أو قطع يدَه،
стр. 2791
لم يضمن ذلك، فإن مات في يده بغير جنايته (١) لزمه الضمان، وإِن غصب عبدًا مرتدًّا، فقتله افتئاتًا، أو قطع يدَه، فاندملت، ثمَّ أسلم، لم يضمن، وإن مات في يده، وجب الضمانُ.
الثانية: يمينُ الكافر منعقدةٌ موجبة للكفَّارة، فإن أسلم، لم تسقط على الأصحِّ؛ كالديون، فإن قلنا: يسقط، انقطع إيلاؤه بالإسلام، ويتَّجه أن يبقى تحريمُ الظهار إلى أن يكفِّر.
* * *
стр. 2792
٣٦٢٧ - باب إظهار دين الله
قال الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩] قيل: في جزيرة العرب، وقيل: بالاستيلاء على المشارق والمغارب، وقيل: إذا نزل المسيحُ، وقيل: بالحجَّة والبرهان، وقال ﷺ : "إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده"، فكان كما قال، وقال: "إذا هلك قيصرَ، فلا قيصر بعده" (١)، وأراد بالشام.
* * *
стр. 2793
كِتَابُ الْجِزْية
стр. 2794
كتاب الجزية
٣٦٢٨ - الجزية مُجْمَعٌ عليها، وهي عوضٌ عن سُكْناهم بلادَنا، أو عن حَقْنِنا دماءَهم، أو عن تركنا القتال؟ فيه أوجه، والوجه: أن تجعلَ عوضًا عن جميع مقاصد الكفَّار .
ثمَّ الكفَّار أقسام:
الأوَّل: أهلُ الكتاب، وهم اليهودُ والنصارى، فتحِلُّ ذبائحهم ونساؤهم، ويقاتَلون حتَّى يُسْلموا، أو يبذلوا الجزيةَ.
الثاني: مَنْ له شبهةُ كتاب، وهم المَجُوس، فنقرُّهم بالجزية، والمذهبُ: تحريمُ ذبائحهم ونسائهم.
الثالث: مَنْ لا كتابَ له، ولا شبهةَ كتاب؛ كَعَبَدة الأصنام والنار والصُّوَر الحِسان، فلا تؤخذُ منهم الجزيةُ، ويقاتَلون حتَّى يُسلموا، أو يُستأصلوا، ولا فرقَ بين العرب والعجم في هذه الأقسام.
الرابع: من يزعم أنَّه متمسِّك [بكتاب منزل كصُحف إبراهيم، وزَبور داود؛ فتحرم ذبائحُهم ونساؤهم] (١)، وفي أخذ جزيتهم وجهان؛ إذ لا ثقةَ بقولهم، فإن قلنا: تُؤخذُ جزيتُهم، لم تحلَّ ذبائحُهم، ولا مناكحتُهم، ولو
стр. 2795
انتهينا إلى طائفة من الكفرة (١)، فقاتلناهم، فزعموا أنَّهم يهود أو نصارى، وبذلوا الجزيةَ، لزمنا قَبولُ جزيتهم، ولا نكلِّفهم البيِّنة اتِّفاقًا.
٣٦٢٩ - فرع:
مَنْ دخل جدُّه العالي في اليهوديَّة؛ فإن دخل فيها بعد مَبْعث نبيِّنا ﷺ ، لم تُؤخذ جزيتُه، وإن دخل قبل المبعث، أو شككنا؛ هل دخل قبل [المبعث، أو بعده] (٢)، أُخذت جزيتُه، وذكر بعضُ المصنِّفين أنَّ من دخل قبل المبعث؛ فإن دخل قبل تبديل التوراة، أُخذت جزيتُه، وإن دخل بعد تبديلها؛ فإن لم يتمسَّك بالمبدَّل، أخذت جزيتُه، وكذا إن تمسَّك به على المذهب، وقيل: إن أدركه الإسلامُ، لم تؤخذ جزيتُه، وهل تُؤخذ الجزية من أولاده؟ فيه خلاف كأولاد المرتدِّين.
الخامس: السامرة والصابئة، وكان الشافعيُّ متردِّدًا في اعتقادهم، ثمَّ تبيَّن له تمسُّكهم بالكتاب، فقطع بأخذ جزيتهم، وخالفه الإصطخريُّ في ذلك.
وقال الإمام: إن ثبت تعطيلُهم، لم تُؤخذ جزيتُهم، وإِن أشكل، حرمت ذبائحُهم ونساؤهم، وفي الجزية احتمال؛ لما نُقل عنهم من أنَّ (٣) الكواكبَ السبعةَ مدبِّرة للعالم، بخلاف المجوس، فإنَّهم تمسَّكوا بنبوَّة زرادشت، ويزعمون أنَّه إبراهيم.
واختلف الأصحابُ في كيفيّة تردُّد الشافعيِّ قبل رجوعه، فقيل: إنَّه
стр. 2796
تردَّد في أنَّهم هل خالفوا الملَّةَ بما يوجب التكفيرَ أم لا، فإن لم يخالفوا بما يوجب التكفيرَ، حلَّت ذبائحُهم ونساؤُهم، وإلَّا فلا يحلُّ ذلك، ولا تُؤخذ جزيتُهم، وألحقهم الإمامُ بالمجوس؛ لأنَّ تمسُّكَهم بالكتابين لا ينحطُّ عن شبهة الكتاب.
وقيل: تردَّد بين تمسُّكِهم بالكتابين، وبين التعطيل؛ إذ نقل عنهم أنَّ الأنجمَ السبعة تدبِّر العالمَ، [ويدبرها الفلك] (١) الأعلى، وهو حيٌّ ناطق، وقال بعضُهم بقدم النور والظلمة، ومن يقول هذا، فلا معنى للكتب والنبوَّات عنده.
٣٦٣٠ - فرع:
إذا تهوَّد وثنيٌّ قبل المبعث، وله ابنٌ صغير، فبلغ بعد المبعث، وتمسَّك باليهوديَّة، أُخذت جزيتُه؛ إذ ثبت له حكمُ تهوُّد أبيه.
٣٦٣١ - فرع:
إذا توثَّن نصرانيٌّ في زماننا، فالأظهرُ أنَّه يُلحق بمأمنه، وقيل: يُغتال، فإن كان له أولادٌ صغار؛ فإن كانت أمُّهم نصرانيَّة، أقررناهم في دارنا تبعًا لأمِّهم، وإِن كانت وثنيَّةً، لم يتبعوا الأبَ في التوثُّن على أقيس القولين؛ لأنَّ أدنى الدِّينين لا يستتبعُ أعلاهما، فإن قلنا: يتبعونه، فالوجهُ القطعُ بأنَّهم لا يُغتالون في الصغر.
ولو كان للطفل أبوان وثنيَّان، فتهوَّد أبوه في زماننا، لم يثبت للطفل
стр. 2797
حكمُ التهوُّد؛ لوقوعه بعد المبعث.
٣٦٣٢ - فرع:
إذا زعمت طائفةٌ أنَّهم من أهل الكتاب، فأخذنا جزيتَهم، فأسلم اثنان منهم، وعُدِّلا، فشهدا بأنَّهم من عبدة الأوثان، تبيَّن بطلانُ الذمَّة من أصلها، فنحكم لهم بحكم عُبَّاد الأوثان، والظاهر أنَّهم يُغتالون؛ لتدليسهم.
٣٦٣٣ - فرع:
إذا تهوَّد مسلمٌ أو تنصَّر، فعلقت منه كافرةٌ بولد؛ فإن جعلنا الولدَ مرتدًّا، لم تُؤخذ (١) جزيتُه، وإِن جعلناه مسلمًا، طُولب بالإسلام، فإن امتنع، قُتل قَتْل المرتدِّ، وإِن جعلناه كافرًا أصليًّا، لم نأخذ جزيتَه على المذهب؛ لأنه لم يَدِنْ بالدين قبل المبعث، وفيه وجهٌ بعيد، وفي إرقاقه خلاف؛ إذ يجوز إرقاقُ الوثنيِّ على المذهب.
٣٦٣٤ - فرع:
من تهوَّد بعد المبعث، لم تنُكح بناتُه اتِّفاقًا، فلا تُؤخذ جزيةُ أهل غَوْر (٢)، ولا يُناكَحون؛ لأنّهم ارتدُّوا بعد الإسلام، وغلط مَنْ أجاز نكاحهم.
٣٦٣٥ - فرع:
مَنْ تولَّد من وثنيٍّ وكتابيَّة، لم تحلَّ مناكحتُه، ولا ذبيحتُه اتِّفاقًا، وفيمن تولَّد من كتابيٍّ ووثنيَّة قولان، وأخذُ الجزية منه تابعٌ لجواز المناكحة والذبيحة
٣٦٣٦ - باب الجزية على أهل الكتاب
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فالإعطاء هاهنا: الالتزام، واليدُ: القهرُ، والصَّغار: عند الشافعيِّ التزامُهم أحكامَ الاسلام، وقيل: الصَّغار أن يضعَ الجزية في كفَّة الميزان، ويأخذ القابض بلحيته، ويضرب في لَهازمه، وفي تحتُّم ذلك وجهان.
فإن وكَّل مسلمًا في عقد الذمَّة، جاز، وإن وكَّله في أداء الجزية أو ضمنها عنه مسلم، فوجهان (١) مأخوذان من الخلاف في تحتُّم الصَّغَار، والضمانُ أولى بالصحَّة؛ لإمكان مطالبة الأصيل.
* * *
٣٦٣٧ - فصل في بيان قدر الجزية
أقلُّ ما يُؤخذ من الغنيِّ، والمكتسب الفقير والمتوسِّط دينارٌ، أو اثنا عشر درهمًا فضَّة خالصة، وفي كلامهم ما يدلُّ على أنَّا نأخذُ من الدراهم بقدر قيمة الدينار؛ كما في نصاب السرقة، وينبغي للإمام أن يماكسَهم؛ ليزيدوا على الدينار، فإن أبوا ألزمهم قبولَ الدينار، ولا يلزمه تعريفُ الجاهل بأقلِّ
стр. 2800
الجزية، وإِن أحضر المسلمُ الجاهل أكثرَ مما يلزمه من الزكاة وجب تعريفُه بقدر الزكاة.
وإذا التزموا أكثرَ من الدينار، وجب القيامُ به، فإن نبذوا العهدَ، ثمَّ بذلوا الدينار وجب قبولُه، فإن نبذوه بعد الحَوْل، طُولبوا بما التزموه في ذلك الحول، فإن مات أحدُهم قبل تمام ذلك الحول، وقلنا: يجب قسطٌ من الجزية، لزمه ذلك باعتبار ما التزمه من الزيادة على الدينار.
والفقير إذا قدر على اكتساب الدينار، أقررناه في دارنا، وطُولب على رأس الحول بالدينار؛ فإن ترك الكسبَ؛ فإن كان قادرًا عليه، لم يُقَرَّ في الدار اتِّفاقًا، وإن عجز، ففي إقراره قولان؛ فإن قلنا: يُقرُّ فالأصحُّ: ثبوتُ الجزية في ذمَّته إلى أن يوسرَ، وعلى قول بعيد: لا يلزمه شيءٌ، فعلى هذا: لو استغنى في أثناء الحول، لم يجب شيءٌ لما مضى، وهل يُؤخذ الدينار عمَّا بقي من الحول، أو يُستأنف الحول من حين الغنى؟ فيه احتمال، والأصحُّ: أنَّه يُمنع من دخول الدار، وإقامتُه بها سنة.
* * *
٣٦٣٨ - فصل في شرط الضيافة على أهل الذمَّة
للإمام أن يشترطَ عليهم ضيافةَ مَنْ يمرُّ بهم من [أبناء] (١) السبيل بشرط أن تكونَ الضيافةُ زائدةً على الدينار، فإن جعلها من الدينار، فوجهان:
أحدُهما: يجوز، فإن كانت بقدر الدينار، أو أكثر، جاز، وإِن نقصت،
стр. 2801
طُولب كلُّ واحد منهم بإكمال الدينار.
والثاني: لا يجوز، فيطالَبون بها، وبالدينار، ولا يلزمهم إلَّا أن يقبلوها، فإن قبلوها، وجبت، كما لو قبلوا الزيادةَ على الدينار، وينبغي أن يبيِّنَ لهم جنسَ العلف والطعام والإدام، وقدرَ ذلك، ويبيِّن منازلَ الضيِّفان، ويبيِّن لكلِّ واحد عددَ ضيفانه في السنة، أو في شهر منها، أو شهرين، ويفاوت بين الفقراء والأغنياء والمتوسِّطين في عدد الضيفان باجتهاده، ويبيِّن مدَّة ضيافة كلِّ واحد، ولعلَّ الأشبهَ ألَّا يزيدَ على ثلاث ليال، فإن زاد، جاز، ولا تختصُّ الضيافةُ بالمرتزقة، وفي أهل الذمَّة تردُّد إن كانت الضيافةُ مطلقةً.
٣٦٣٩ - فرع:
إذا أراد الإمامُ أن يردَّ الضيافةَ إلى الدينار، جاز إن رضوا، وإِن لم يرضوا، فوجهان، وقال الإمامُ: إن حُسِبت من الدينار، فالأصحُّ: جوازُ الإبدال بغير رضاهم، وإن لم تُحسب منه، لم يجز إلَّا برضاهم، وإِن جوَّزنا الإبدالَ، فهل يختصُّ الدينار بالمرتزقة، أو يبقى للمصالح العامَّة كالضيافة؟ فيه وجهان.
* * *
٣٦٤٠ - فصل فيمن لا جزية عليه
لا جزيةَ على مَنْ يُرَقُّ بنفس السَّبْي؛ كالنساء، والمجانين، والصبيان، فإن بذلت المرأةُ الجزيةَ، وجب إعلامُها بأنَّها لا تلزمها، وإِن دخل إلينا كافرٌ بغير ذمَّة، ولا أمان، جرت عليه أحكامُ أهل الحرب، فيُغتال الرجال، وترقُّ النساء والصبيان، وإِن دخل الفقراءُ، اغتلناهم، ولا يُمَكَّنون من المقام باتِّفاق
стр. 2802
المحقِّقين، والخلاف مختصٌّ بمَنْ عقد الذمَّة مع القدرة، ثمَّ أعسر.
* * *
٣٦٤١ - فصل فيمن يتبع الذمِّيَّ من النساء والصبيان
إذا عُقدت الذمَّة تبع الذمِّيَّ رقيقُه وأموالُه وإن لم يشرط ذلك، وإِن شرط أن يتبعه نساء وأطفال؛ فإن كانوا أجانبَ، لم يتبعوه، وإن كانوا أطفالَه، تبعوه إن شرط، وإن لم يشرط، فوجهان، ولا تتبعه النساءُ الخارجات عن عمود النسب؛ كالأخوات، وبنات العمَّات إن لم يشرط، وإِن شرط، وجب إسعافُه بذلك عند الإمام، وزوجاتُه كأطفاله أو كأخواته؟ فيه وجهان، ولا يتبعه الأحماءُ والأصهارُ إن لم يشرط، وإِن شرط، فوجهان، ولا يتبعه من يستقلُّ من أبنائه وآبائه وأجداده اتِّفاقًا، وإذا قلنا: لا يُقَرُّ الفقير إلَّا بجزية، فلا يتبعه أحدٌ من قراباته الأغنياء اتِّفاقًا.
٣٦٤٢ - فرع:
إذا فتحنا قلعةً ليس فيها إلَّا النساء، فبذلن الجزيةَ؛ دفعًا للرقِّ؛ لم تُقبل على الأصحِّ؛ إذ يلزم طردُ ذلك في كلِّ حربية تبذل الجزيةَ لدفع الرقِّ، فإن قبلناها، فقد قال القاضي: لا تؤخذ على رأس كلِّ سنة، وهذا باطل، فإن كان ما يبذلنه فداءً، فالفداءُ لا يجب قَبولُه، ولا يمكن تأبيدُ الأمان من غير تكرير مال، وعلى ما قال لا فائدةَ لأخذ المال منهنَّ سوى الإعراض عنهنَّ في هذه الكرَّة.
وقال الأصحابُ: لو كان معهنَّ رجلٌ واحد، فبذل الجزيةَ، عصم
стр. 2803
الجميع، وهذا لا يصحُّ في الأجنبيَّات.
ولو بذلن المالَ قبل الظفر، فلا فرق بينهنَّ وبين الرجال في أنَّ الخيرةَ للإمام، وليس له أن يؤبِّد العصمةَ بما يبذل في الحال.
٣٦٤٣ - فرع:
إذا تبع الطفل (١) أباه في الذمَّة، ثمَّ بلغ رشيدًا، أو سفيهًا، فهل نعقد له الذمَّة؟ فيه وجهان:
أقيسهما: أنا نعقدها بما يقع التراضي به، ولا يلزمه غيره، فإن قال الأب: قد التزمت في حقِّ ابني إذا بلغ مثلَ ما التزمته لنفسي، فلا أثر لقوله.
الثاني -وهو النصُّ-: يُؤخذ منه مثلُ جزية أبيه وإِن زادت على الدينار، وإِن امتنع من الزيادة، كان كامتناع أبيه منها بعد قَبولها.
ولا يدخل عقدُ الذمَّة، ولا نبذُها في حَجْر السفيه، فإن التزم السفيهُ أكثرَ من الدينار، لزمته عند القاضي، وخالفه الإمامُ؛ لأنَّ المالَ مختصٌّ بالحَجْر دون عقد الذمَّة، وإن وجب على السفيه قصاصٌ، فلم يصالحه المستحِقُّ إلَّا على أكثرَ من الدية، فله بذلُه؛ حفظًا لمُهْجته، والأولى أن يُراجعَ الوليُّ، فإن امتنع أو عسرت المراجعةُ، فعله السفيهُ وإِن بلغ ديات، وإِن امتنع السفيهُ من ذلك، بذله الوليُّ، وإن نهاه السفيهُ؛ كما يسدُّ رمقَه بطعام يستوعب أموالَه؛ فإن المُهَج أولى بالحفظ من الأموال.
стр. 2804
٣٦٤٤ - فرع:
من اختلف القولُ في قتلهم؛ كالزَّمنى، والشيوخ، والرُّهبان، ففي أخذ جزيتهم طريقان:
إحداهما: تؤخذ.
والثانية: إن جوَّزنا قتلَهم، أخذت، وإلَّا فلا.
* * *
٣٦٤٥ - فصل فيمن يُجَنُّ ويفيق
لا تجب الجزية على من بعضُه رقيق، وفيمن يُجنُّ ويفيق أوجه:
أحدُها: تجب؛ إلحاقًا للجنون بالغشي.
والثاني: لا تجب؛ إلَّا أن يكونَ مفيقًا مع (١) آخر الحَوْل.
والثالث: يُلفَّق حولٌ من أيَّام الإفاقة، وتُؤخذ جزيته.
والرابع: إن غلبت أوقاتُ الجنون، لم تجب، وإِن تساوت الأوقاتُ، أو غلبت أوقاتُ الإفاقة، وجبت.
والخامسُ: لا تجب وإِن غلبت أوقاتُ الإفاقة إذا تتابع الجنونُ والإفاقة؛ مثل أن يفيقَ يومين أو ثلاثة، ويُجنَّ يومًا، فإن لم يتعاقبا؛ بأن كان يُجنُّ يومًا، ويفيق بقيَّة الشهر، فالاعتبار بالإفاقة.
وضبط الإمامُ أوقات الإفاقة على هذا الوجه الضعيف بما لا يُتَوقَّع فيه
стр. 2805
آثار الجنون، وإذا جُعل الجنونُ كالغشي، فطال بحيث يُخشى بوادرُه في أيَّام الإفاقة، بعُد إلحاقُه بالغشي، وإِن خلت أيَّام الإفاقة من بوادره، فلا ينبغي أن يُجعلَ كالجنون إلَّا أن يشابهَ اغتلام الرجل الصفراوي في هيج النفس، وثوران الغضب؛ فإنَّه إن لم يكن كذلك، كان جنونًا محقَّقًا، وأقصَدُ الوجوه: القولُ بالتلفيق، أو اعتبار آخر الحول.
وأمَّا غير الجزية من الأحكام: فلا يجري فيها التلفيق، ولا اعتبار آخر الحول، بل يجري في ذلك إمَّا تغليبُ الجنون، أو تغليبُ الإفاقة، أو إفراد كلِّ واحد منهما بحكمه.
فإن أسرنا من يُجنَّ ويفيق؛ فإن غلَّبنا الجنونَ، رَقَّ، وإِن غلَّبنا الإفاقة، لم يرقَّ، ويتَّجه أن يُعتبرَ بيوم السبي؛ فإن رأى الإمامُ قتلَه؛ فإن غلَّبنا الجنون، لم يجز، وإِن غلَّبنا الإفاقةَ، فالظاهر: أنَّه لا يجوز، ويُحتمل أن يُنظرَ إلى يوم السَّبْي.
* * *
٣٦٤٦ - فصل في موت الذمِّيِّ بعد الحَوْل وفي أثنائه
إذا وجبت الجزية، فهي دَين مقدَّم على الوصايا والميراث، ولا يسقط بموت الذمِّيِّ، ولا بإسلامه، ولا تتداخل بتداخل السنين، وهل هي حقٌّ للعباد؟ فيه وجهان:
أحدُهما: أنَّها حقٌّ لهم، فيضارب بها أرباب الديون.
والثاني: أنَّها حقٌّ لله تعالى، فإذا اجتمعت مع ديون العباد، ففي المقدَّم