بسهميهما، أو كلبيهما، لم يحلَّ اتفاقًا، وإِن سبق كلبُ المسلم أو سهمُه، فترك الصيدَ على حركة مذبوح، فلحقه كلبُ المجوسيِّ أو سهمُه، حلَّ، وإِن انعكس الأمرُ، لم يحلَّ.
ولو حاشه كلبُ المجوسيِّ، وردَّه على كلب المسلم، فقتله، حلَّ، وحيث يُحْكم بالحلِّ، فالملك للمسلم، فإن أثبته كلبُ المسلم، ثمَّ عقره كلبُ المجوسيِّ، [ومات بالجرحين، فعلى المجوسيِّ الضمان، كما لو ذبح شاةَ مسلم.
وإِن أرسل المسلمُ كلبَ المجوسيِّ] (١)، أو المجوسيُّ كلبَ المسلم، فالاعتبارُ بالمرسل.
* * *
٣٦٨٤ - فصل في الإنماء
إذا رمى صيدًا، فهرب، فوجده ميتًا؛ فإن شك في إصابته، لم يحلَّ اتِّفاقًا، وإِن جرحه؛ فإن لم يغب عن عينه، حلَّ اتِّفاقًا، وإِن غاب، فوجد به خَدْشًا آخرَ يمكن أن يُحال على عَثْرة، أو وثبة سبع، ويمكن أن يموتَ بالجرحين، حرم، وإِن لم يجد سوى جرحِه، ففي حلِّه قولان؛ فإنَّا قد نوجب القصاصَ بالجرح إذا دام أثرُه إلى الموت، وكذلك يحلُّ الجنينُ بذكاة أمِّه؛ إحالةً على السبب الظاهر.
стр. 2837
٣٦٨٥ - فصل في إدراك الصيد قبل موت
إذا أرسل كلبًا أو سلاحًا، فأصاب مذبحَ الصيد، فقتله، حلَّ، وإن أصاب غيرَ المذبح؛ فإن تركه على حركة المذبوح، فأدركه كذلك، لم يتعرَّض له حتَّى يبرد، وإِن تركه على حياة مستقرَّة، فأدركه ميتًا؛ فإن قصَّر في طلبه، لم يحلَّ، وإِن لم يقصِّر؛ حلَّ، وهل يُشترط في الطلب عدْو لا يبهر، ولا يظهر ضرره؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: لا يُشترط، فلا يخرج عن عادته في المشي، بل يمشي كمشيه إلى الجمعة مع ظهور علامات التحرُّم بها.
وقال الإمام: ينبغي أن يسرعَ قليلًا.
وإن أدركه على حياة مستقرَّة، ففقد السكِّين، أو نشَبَتْ (١) في غمدها، أو كانت متقلقلة (٢) فيه، فسقطت، أو كانت كآلة لا تقطع، فمات الصيدُ، حرم.
وإِن شرع في الذبح، فمات في أثنائه، حلَّ، وإِن بقي متردِّدًا في حاله، أتمَّ الذبح، وإِن سُلبت منه السكين في حال الطلب؛ فإن لم يشعر بذلك، لم يحلَّ، وإِن شعر به، وكان السالبُ قويًّا، فوجهان، وقطع الإمامُ بالتحريم.
وإِن وجد الصيد متنكسًا، فقلبه؛ ليذبحه، فلم يصل إلى المذبح
стр. 2838
حتَّى مات، حلَّ.
* * *
٣٦٨٦ - فصل في اعتبار الفعل والقصد في الذبح والاصطياد
لا يحلُّ الصيد إلَّا بفعل الصائد وقصده، فإن سقط من يده سيفٌ بغير اختياره، فقتل صيدًا، أو سقط على شاة، فقطع حلقومها ومريئها، أو رمى سهمًا، ولم يخطر له صيذ، فأصاب صيدًا، لم يحلَّ.
وإِن رمى ليلًا (١) غيرَ متخيِّل الصيد؛ بناءً على أنَّه قد يصيبُ صيدًا، فأصابه، ففي الحلِّ ثلاثةُ أوجه؛ ثالثُها: إن كان بمكان يغلب على ظنِّه وجودُ الصيد فيه، حلَّ، وإلَّا فلا.
وإِن رمى إلى سرب ظباء، ولم يقصد واحدةً معيَّنة، فأصاب واحدةً منه، حلَّت، وإِن قصد إحداهن، فأصاب غيرَها، فأوجهٌ:
أصحُّها: الحِلُّ. والثاني: التحريمُ.
والثالثُ: إن رآها، وهي في السرب، حلَّت (٢)، وإِن لم يرها، أو ثارت بعد مروق السهم، لم تحلَّ.
وإِن قصد شجرةً، فأصاب صيدًا، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالحرمة؛ لأنَّه لم يقصد الصيدَ، وإِن قصد صيدًا يظنُّه شجرةً، فأصاب صيدًا آخرَ، فوجهان مرتَّبان على قصد الشجرة، وأولى بالحلِّ.
стр. 2839
وإن رمى شيئًا يظنُّه حجرًا، فبان أنَّه صيد، حلَّ، وإن ظنَّه خنزيرًا أو حيوانًا محرَّمًا، فظهر صيدًا، فأوجهٌ:
أصحُّها: الحِلُّ.
والثاني: الحرمةُ.
والثالث: إن كان من جنس يجوز رميُه حلَّ، وإلَّا فلا.
وإن رمى شيئًا لا يدري ما هو، ولم يظنَّ شيئًا، فظهر صيدًا، حلَّ عند الإمام، ورتَّبه أبو محمَّد على الخلاف في الخنزير.
وإن ظنَّ أنَّ المرميَّ خنزير، فأخطأ ظنُّه، وأصاب غيرَه، ففيه خلاف مرتَّب.
وإن أرسل الكلبَ على صيد، فأخذ غيره؛ فإن مال عن صَوْبه، وظهر أنَّه ترك الإغراءَ، ومال اليه بالطبع، لم يحلَّ، وإن لم يمل عن صَوْبه، فوجهان مرتَّبان على ما لو قصد ظبية، فأصاب غيرَها، وأولى بالحرمة عند الأكثرين؛ لاختيار الكلب، وقيل: أولى بالحِلِّ؛ إذ لا يمكن إغراؤُه بطلب ظبية معينَّة من سرب، ولو أصاب السهمُ حجرًا، فارتدَّ إلى الصيد، ففي حلِّه وجهان، وإِن نزع في القوس، فأفلت الوتر، وصدم الفُوقَ، فأصاب السهمُ الصيدَ، فوجهان، وإن رمى سهمًا يقصر عن الصيد، فوصل إليه بالريح، فقد قيل: يحلُّ، وفيه أحتمال.
٣٦٨٧ - فرع:
قال الشافعيُّ: إذا قطع شيئًا ليِّنًا يظنُّه خشبة، فإذا هو رقبة شاة، حلَّ، وإن حسبه خنزيرًا، أو حيوانًا محرَّمًا، فقد قطع الإمامُ بالحلِّ؛ لقوَّة
стр. 2840
الفعل، بخلاف الرمي.
* * *
٣٦٨٨ - فصل في إغراء الكلب بعدما استرسل بنفسه
إذا استرسل الكلبُ المعلَّم بنفسه، وقتل الصيدَ، لم يحلَّ؛ فإن أكل منه، وتكرَّر ذلك مرارًا، لم يبطل تعلُّمه؛ إذ لا يشترطُ تركُ الأكل إلَّا عند الإغراء، ولو انطلق بنفسه، فزجره، فلم ينزجر، فأغراه، [فلم يزد عَدْوُه، ثمَّ قتل الصيدَ، لم يحلَّ، وإِن زجره فانزجر، فأغراه، فطلب الصيدَ، وقتله، حلَّ، وإِن زجره، فلم ينزجر، فأغراه] (١)، فزاد عَدْوُه، فوجهان، فإن قلنا: يحلُّ، فأكل منه، وقلنا بتحليل ما أكل منه، ففي التحريم هاهنا احتمالٌ، وإِن لم يزجره، بل أغراه، فزاد عدوُه، فوجهان مرتَّبان، وأولى بالحلِّ.
ولو أرسل كلبه، فزجره أجنبيٌّ، فانزجر، فأغراه على الصيد، فقتله؛ فإن جعل صيد المغصوب للغاصب -وهو الأصحُّ- فالصيدُ هاهنا للأجنبيِّ، [وإن جُعل للمالك، فهو هاهنا لصاحب الكلب، فإن جعلناه للأجنبيِّ] (٢)، فزجره، فلم ينزجر، فأغراه، فزاد عَدْوُه، فالصيد له، أو لصاحب الكلب؟ فيه وجهان، وإِن لم يزجره، فأغراه، فزاد عدوُه، فوجهان مرتَّبان، ولا يبعد الحكمُ باشتراكهما، وإِن أرسله مجوسيٌّ، فأغراه مسلمٌ قبل الزجر، أو بعده، أو أرسله مسلم، فأغراه مجوسيٌّ، ففي حلِّه الخلاف.
стр. 2841
٣٦٨٩ - فصل فيمن رمى صيدًا، فأبان بعضَ أعضائه
إذا ضرب صيدًا بسيف أو غيره، فأبان بعضَ أعضائه؛ فإن صيَّرته الإبانةُ إلى حركة مذبوح، حلَّ الصيدُ والعضو، وإِن بقي على حياة مستقرَّة، فذبحه، حلَّ، وحرم العضوُ، وإن مات قبل الإدراك، حلَّ، والأصحُّ: تحريم العضو، وإِن رماه بعد الإبانة بسهم؛ فإن ذَفَّفه، حلَّ، وحرم العضوُ، وإن بقي على حياة مستقرة، فمات بالجرحين قبل الإدراك، والإبانة غير مزمنة، ففي حلِّه خلاف مرتَّب على ما إذا مات بالإبانة وحدها، وأولى بالتحريم؛ لأنَّ الإبانةَ ثَمَّ تجرَّدت للذكاة، وهنا لم يمت بمجرَّد الابانة، فإن قلنا بالتحليل، فالوجهُ أن يُحكمَ به عند موت الصيد.
* * *
٣٦٩٠ - فصل فيمن تحلُّ ذبيحتُه
مَنْ حلَّ نكاحه حلَّت ذبيحته، ومن لا يحلُّ نكاحه لا تحلُّ ذبيحته إلَّا الأمةَ الكتابيَّة، ومن تولَّد من وثنيٍّ وكتابيَّة لم تحلَّ مناكحتُه، ولا ذبيحتُه، وفيمن تولَّد من كتابي ووثنيَّة قولان، ومن توئَد من وثنيٍّ وكتابيَّة، فله حكم أبيه اتِّفاقًا، فإن دان بعد البلوغ بدين أمِّه لم يُقَرَّ على الأصحِّ، وقيل: يُحكم له بدين أمِّه، ويُوقف أمرُه قبل البلوغ.
وتحلُّ ذكاة الصبيِّ المميِّز على الأصحِّ، وإِن لم يميِّز، فالأصحُّ تحريمُ ذكاته، وذكاةُ المجنون الذي لا قصد له.
* * *
стр. 2842
٣٦٩١ - فصل في ذكاة المقدور عليه والمعجوز عنه
ذكاةُ المقدور عليه من البهائم والصيد بقَطْع الحُلْقوم والمَرِيء، وذكاةُ الصيد بجرح الأسلحة، أو بجرح الجوارح المعلَّمة في المذبح وغيره.
وإِن شردت بهيمةٌ إنسية؛ فإن انتهت إلى مَسْبَعة أو مهلكة، وتعذَّر إدراكها بالعَدْو، والاستعانة [بمن يستقل] (١) على العادة في مثله، فحكمها حكمُ الصيد، وإِن لم تصل إلى هذا الحذ، فلا يثبت لها حكمُ الصيد عند الإمام، ودلَّ كلامُ غيره على إلحاقها بالصيد.
ولا يحلُّ بأدنى إفلات، وعلى قول الإمام: إن انتهت إلى موضع فيه لُصوص وسرَّاق، فوجهان.
ولو تنكَّست بهيمة في بئر، فعَسُر إخراجُها، والوصولُ إلى مذبحها، فجرحت فيما ظهر من جسدها جرحًا يمكن حصولُ الموت به (٢)؛ فإن كان الجرحُ مذفِّفًا، حلَّت، وإلَّا فوجهان، والمحقِّقون على التحريم.
وإن رمى صيدًا، فلم يتمكَّن من طلبه، وأمكنه أن يواليَ الرميَ إلى أن يُذَفِّفه، أو يعجزه، ففي اشتراط ذلك خلافٌ مرتَّب، وأولى بألَّا يُشرط؛ لعسره مع إفلات الصيد.
٣٦٩٢ - فرع:
قال الأئمَّة: إذا ذبحت الشاةُ نفسَها بسكين في يد إنسان، لم تحلَّ؛ إذ
стр. 2843
لا قصدَ، ولا فعلَ، فإن حرَّك يده مع احتكاك الشاة، فالوجه التحريمُ؛ لاشتراكهما في الذبح، فإن اضطربت الشاةُ في حال الذبح؛ (فإن كان) (١) اضطرابًا يؤثِّر في الذبح، فليحترز منه؛ فإن ظهر فعلُه في الذبح، وقدِّر لها فعل خفيٌّ يُتوسوس بمثله، فلا أثرَ لذلك؛ اعتمادًا على فعل الذابح، ولو نصب في الأحبولة منجلًّا، فعقر الصيدَ، فمات به، لم يحلَّ اتّفاقًا.
٣٦٩٣ - فرع:
للصيد امتناعٌ بالعَدْو أو الطيران، فمن رماه، فأزال امتناعَه، ملكه اتِّفاقًا، وإن لم يضع يدَه عليه، فإن صار على حركة المذبوح، فرماه آخرُ، لزمه أَرْشُ تمزيق الجلد، وتقطيع اللحم، دىأن بقي على حياة مستقرَّة، فرماه أجنبيٌّ فله حالان:
إحداهما: أن يصيبَ المذبحَ، فيذبحه، فيحلُّ، ويجب ما بين قيمته لحمًا، وحيوانًا مثبتًا، وخصَّ الإمامُ ذلك بما إذا قصد قطعَ الحلقوم والمريء، وقال: لو رمى شاةً رَبِيطة، أو صيدًا مثبتًا، فاتَّفق أنَّه ذبحه، ففي حلِّه تردُّد، وينبغي أن يُفرَّق بين أن يقصدَ المذبح، أو يقصد الحيوان، فيصيب المذبحَ.
الثانية: أن يصيبه في غير المذبح، فإن قتله، حرم، ولزمته قيمتُه مثبتًا، وإِن لم يقتله، فمات بالجرحين، حرم، وفي قدر الضمان خلافٌ مبنيٌّ على أنَّ من جرح بهيمةً، أو عبدًا قيمتُه عشرة، فنقص بالجرح درهمًا، ثمَّ جرحه آخر، فنقص درهمًا، ومات بالجرحين، ففيما يضمنانه خمسةُ أوجه:
أحدُها: يضمن كلُّ واحد خمسةً.
стр. 2844
والثاني: على الأوَّل خمسة، وعلى الثاني أربعة ونصف؛ فإنَّ القاعدةَ في ضمان العبيد والبهائم والأحرار ألَّا ينظر إلى الأرش مع وقوع السراية.
والثالث: على الأوَّل خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة؛ إدراجًا لنصف الأرش في النفس، وإبقاءً للنصف الآخر.
والرابع: يُقدَّر على الأوَّل خمسة ونصف، وعلى الثاني خمسة، ونبسط الجميعَ أنصافًا، فتبلغ أحدًا وعشرين جزءًا؛ عشرة منها على الثاني، وأحدَ عشر على الأوَّل.
والخامس: اختاره الأمام والمحقّقون: على الأوَّل خمسة ونصف، وعلى الثاني أربعة ونصف؛ فإنَّهما قاتلان، فصار كما لو جرحاه معًا جرحين مختلفي الأرش؛ فإنَّهما يضمنانه نصفين، والجرح إذا صار قتلًا، لم ينظر الشرعُ إلى الأرش، ولو صار جرحُ الأوَّل قتلًا، لزمه جميعُ القيمة، فاذا جرحه الثاني، لم يلزمه أكثرُ من نصف قيمته حالَ الجرح، فكان الأوَّل متَسَبِّبًا إلى القتل إلَّا فيما يلزم الثاني، وأبعد بعضُ العراقيِّين، فقال: يرجع الأوَّل على الثاني بنصف الأرش بعد تقديره بكماله عليه، ولا وجهَ لهذا، والأوَّل باطل؛ لما فيه من التسوية، والنظر إلى الأرش، والثاني ضعيفٌ؛ لإسقاط بعض القيمة، وكَذا الثالث والرابع؛ للنظر إلى الأرش.
ولو جرح عبدَ نفسه، وجرحه أجنبيٌّ ففيما يجب على الجاني الأوجهُ الخمسة، وأمَّا مسألةُ الصيد: ففيها ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: يجب كمالُ قيمته مثبتًا؛ لأنَّ جرحَ الأوَّل مفيد للملك، بخلاف الجرحين المُفْسدين، فيجب عليه تسعةٌ، فإنَّ الجرحَ المثبت لو سرى، لم
стр. 2845
يَفُت الصيد به على الجملة، والغرم يتبعُ الافسادَ، والإفاتةَ، واستدرك صاحبُ "التقريب"، فقال: إن كان المثبتُ يساوي تسعةً لو لم يمت، ولو مات بالجرح المثبت ذكيًّا فربما يساوي ثمانية، فعلى الجارح ثمانيةٌ ونصف؛ فإنَّ الدرهمَ العاشر سقط بالموت، وهو مضافٌ إليهما، فيُوزَّع عليهما، والذي ذكره واضحٌ، وفيه احتمال.
والثاني: فيه الأوجهُ الخمسة.
والثالث -وهو الأصحُّ-: إن جدَّ في طلبه، فلم يتمكَّن من ذبحه، فعلى الثاني قيمتُه مثبتًا، وإن قصَّر في الذبح، أو انتهى إليه، فلم يذبحه، ففيه الأوجه الخمسة.
* * *
٣٦٩٤ - فصل في الاشتراك في الاصطياد
إذا رمى اثنان صيدًا، فلهما حالان:
إحداهما: أن يصيباه معًا، فإن كان جرحُ أحدهما مذفِّفًا ملكه، ولا أرشَ على الآخر، وإِن كانا مذفِّفين، أو مزمنين، فلم يدركا ذكاته، أو أدركاها، فذكَّياه، أو كان جرحُ أحدهما مذفِّفًا، وجرح الآخر مزمنًا؛ ككسر الجناح، فالصيدُ بينهما، ومتى حصل الإثباتُ بهما، كان الصيدُ بينهما، فإن شككنا هل حصل بهما أو بأحدهما، أو علمنا حصولَه بأحدهما، وأشكل علينا، فالصيدُ بينهما في ظاهر الحكم، وقد يطرأ في مثل ذلك أن يتحرَّجَ في كلِّ واحد منهما، ثمّ يجرُّ ذلك وقفا واصطلاحًا بعد ذلك، واستحلالًا، وإِن علمنا
стр. 2846
تذفيفَ أحدهما، وشككنا في تذفيفِ الآخر وإزمانه، أو جرح اثنان رجلًا جرحين يعلم تذفيفُ أحدهما، ويُشكُّ في تذفيف الآخر، فقد جعل القفَّال الصيد للراميين، وأوجب القصاصَ على الجارحين، ويبعد إيجابُ القصاص بالشكِّ، وفي الصيد تردُّد، فيحتمل أن يُجعلَ نصفهُ للمذفِّف، ويُجعل النصف الآخر بينهما، [والوجه: أن يُجعل النصفُ للمذفِّف، ويُوقف النصفُ الآخر بينهما] (١).
الحال الثانية: أن يتعاقبَ الجرحان، فالعبرةُ بتعاقبهما دون تعاقب الرمي، فإن أزمنه الأوَّل، ثمَّ أصابه الثاني، ففيه الأوجه الثلاثة، وإِن ذفَّفه الأوَّل، فعلى الثاني أَرْشُ قطع الجلد واللحم، وإِن لم يزمنه الأوَّل ولم يذفِّفه؛ فإن أزمنه الثاني أو ذفَّفه، ملكه، ولا أرشَ على الأوَّل، وإن تردَّد الصيدُ بين احتمالين يحل بأحدهما، ويحرم بالآخر؛ بأن شككنا هل أزمنه الأوَّلُ، وذففه الثاني، أو كان الثاني مزمنًا، والأوَّل غير مزمن، ففي حلِّه طريقان:
إحداهما: التخريجُ على قولي الإنماء؛ فإنَّ الأصلَ عدمُ إزمان الأوَّل.
والثانية: القطعُ بالتحريم؛ فإنَّ في مسألة الإنماء أصلًا يُستصحب، وهاهنا قد تعارض المبيحُ والحاظر.
وإِن أزمنه الجرحان، وكلُّ واحد منهما لا يذفِّف على انفراده، فالمذهبُ: أنَّه للثاني، وعلى قول مُخرَّج يُجعل بينهما، فان قلنا بالمذهب، فعاد الأوَّل فجرحه جرحًا آخر، فمات بالجراحات، لزمه ضمانُه، وهل يضمنه مجروحًا
стр. 2847
بالجرحين، أو بأحدهما؟ فيه خلاف، فإن قلنا: لا يضمنه بالجرحين، فهل يلزمه ربعُ القيمة؛ توزيعًا على الجارحين، وعلى الجرح المحرَّم والمباح، أو ثلثُ القيمة؛ توزيعًا على الجراحات؟ فيه وجهان، فإن أوجبنا الثلثَ أو الربعَ، فهل يُضمُّ إليه اعتبارُ الأرش؟ فيه الخلافُ المذكور في كسر الصيد.
وإِن رمياه، وذكَّياه، وادَّعى كلُّ واحد (منهما) (١) أنَّه المزمن، كان كتنازعهما دارًا في أيديهما.
* * *
٣٦٩٥ - فصل فيمن رمى صيدًا، فسقط في ماء أو غيره
إذا رمى الطائرَ، فذبحه السهمُ، أو ذفَّفه، حل، وإِن لم يذفِّفه، فسقط على الأرض، وظهر أنَّه مات بالجرح، وصدمة الأرض، حلَّ؛ لغلبة ذلك.
وإِن سقط في ماء، أو على جبل، فتدحرج من صخرة إلى أخرى إلى أن مات، لم يحلَّ؛ لندرة ذلك، وفي مسألة الجبل احتمالٌ يجري فيمن توسَّط بحرًا، أو رمى طيرَ الماء؛ فإن الصيدَ في الجبال والبحار ليس بنادر.
وإِن رماه على شجرة، فسقط من غصن إلى غصن إلى أن مات، لم يحلَّ، وفيه احتمال؛ لغلبة إصابة الطيور على الأشجار، وإِن رماه في الهواء، فكسر جناحَه من غير جرح، فسقط، ومات، لم يحلَّ.
وإن جرحه جرحًا خفيفًا لا يؤثِّر في الموت، فتعطَّل جناحه، فسقط ومات، لم يحلَّ عند الإمام.
стр. 2848
وإن رمى صيدًا، ولم يجرحه، فمات بثقل الآلة، أو صيَّره الثقلُ إلى حركة المذبوح، لم يحلَّ، ولو أصابه بطرف النصل، وثقل عليه النصل عرضًا في ممرِّه، أو جرحه بسهم، ورماه آخرُ ببندقة، فمات بهما، أو شككنا في موته بهما، لم يحلَّ.
* * *
٣٦٩٦ - فصل فيما يملك به الصيد
إذا زال امتناعُ الصيد من الانطلاق بسبب مضاف إلى فعل إنسان، فللسبب أحوال:
أحدُها: أن يكون ممَّا يُقصد به ذلك غالبًا؛ مثل أن يرميَه، أو ينصبَ له شبكة، أو يحوشه، فيدخله بيتًا، أو تدخل بيته ظبيةٌ، فيغلق عليها البابَ مع علمه بها، أو يسقي أرضَه، فيتوحَّل فيها صيدٌ، وكان السقيُ ممَّا يُقصد به ذلك، فإنَّه يملكه بهذه الأسباب، ولو حاشه إلى مضيق عليه راصدٌ، فأخذه الراصد، [ملكه الراصدُ] (١).
الثانية: ما لا يقصدُ به إثباتُ الصيد؛ كبناء دار عشعش فيها طائر، فباض وفرَّخ، فلا يَملك البيضَ والفرخَ على الأصحِّ؛ لأنَّ الدورَ لا تُبنى لذلك، فإن قلنا: يُملك الفرخُ، فطار، لم يزل ملكُه عنه، وهذا يضغف القولَ بإثبات الملك؛ فإنَّ الطيورَ تحلِّق في البساتين، ولا يخطرُ لأحد أنَّها ملك لربِّ البستان.
стр. 2849
الثالث: ما يُقصد بمثله الإثبات، ولكن يحصل الإثباتُ بغير قصد؛ مثل أن يسقطَ من يده شبكةٌ، فيتعقَّل بها صيد، أو يسقي أرضَه، أو يحصل فيها ماء بغير قصده، فيتوحَّل فيها صيدٌ، أو يغلق البابَ على ظبية من غير شُعور بها، ففيه خلافٌ مرتَّب على ما لا يُقصد بمثله الإثبات.
الرابع: أن يُقصدَ الإثبات بسبب لا يُقصد بمثله الإثبات، ففيه خلاف مرتَّب على اتِّفاق الثبوت نادرًا.
٣٦٩٧ - فرع:
إذا قلنا: لا يُملك ما حصل في الدار والأرض، فإنَّه يصير أخصَّ به، فإن أخذه غيرُه، فهل يملكه بالأخذ؟ فيه تردُّد.
وإِن دخلت سمكةٌ إلى بركة له ضيِّقة، فعلم بها، فسدَّ منافذَ البركة؛ فإن صارت في مضيق يسهل عليه أخذُها ملكها، وإن تعسَّر أخذُها؛ لاتِّساع البركة، كان كمتحجِّر الموات.
٣٦٩٨ - فرع:
إذا دخل بستان غيره، وأخذ منه طائرًا ممتنعًا، ملكه اتِّفاقًا، وإن أفلت منه طائر، لم يزل ملكُه بالإفلات، وإِن قصد تحريرَه، وردَّه إلى الإباحة، لم يزل الملكُ على الأصحِّ، وأبعد مَنْ أزاله، وردَّه إلى الإباحة.
ولو ألقى كسرةَ خبز، وأعرض عنها، كان ذلك إباحةً على ظاهر المذهب؛ فإن القرائنَ كافيةٌ في الإباحات، وفي زوال الملك خلافٌ مرتَّب على الطائر، وأولى بألَّا يزول؛ لأنَّ سببَ ملك الطائر اليدُ، وقد زالت.
وإِن طرح إهابَ ميتة، وأعرض عنه، فدبغه آخرُ، ففيه خلافٌ مرتَّب
стр. 2850
على الكسرة، وأولى بحصول الملك للدابغ؛ لعدم الملك في الإهاب.
* * *
٣٦٩٩ - فصل في اختلاط الحمام المباح بالمملوك
إذا اختلط حمامُ رجل بحمام آخر، وعَسُرَ التمييزُ، لم يصحَّ تصرُّفهما في ذلك، فإن باع أحدُهما حمامةً من صاحبه، أو وهبه منه، ففي الصحَّة وجهان، فإن باعه من ثالث؛ فإن تساوت القيمُ، وعُلم ما يختصُّ به كلُّ واحد منهما، صحَّ البيع اتِّفاقًا، وإن جهل العدد، فإن قالا: بعناها منك لم يصحَّ؛ لجهالة الثمن، وإِن قال كلُّ واحد منهما: بعتك حمامي بكذا، فالوجه إبطالُ البيع، ويُحتمل التصحيح؛ لأجل الحاجة، وتعذُّر زوال الجهالة.
وإِن اختلط حمامٌ مملوك منحصر بحمام مباح غير منحصر، لم يحرم الاصطيادُ بذلك؛ كاختلاط الأخت بأجنبيَّات لا ينحصرن، والمعنيُّ بما لا ينحصر: ما يبعد حَصْرُه.
وإِن اختلط حمامٌ مملوك لا ينحصر بمباح لا ينحصر، جاز الاصطيادُ عند المعظم، وقيل: يحرم، وهو القياسُ؛ لأنَّ نسبةَ ما لا ينحصر إلى ما لا ينحصر كنسبة المنحصر إلى المنحصر.
٣٧٠٠ - فرع:
إذا وُجدت فريسةٌ على حياة مستقرَّة، فذُبحت، حلَّت.
стр. 2851
٣٧٠١ - فصل في صيد البحر
السمك والجراد حلالٌ وإِن ماتا بغير سبب، وسواء كان السمكُ راسبًا، أو طافيًا، ولا يحلُّ (١) اقتطاعُ جزء من سمكة حيَّة؛ لما فيه من الإيلام، فإن قطعه، وأكله، لم يحرم على المذهب.
وإِن بلع سمكةً حيَّة، لم يحرم على المذهب، وأبعد من حرَّمها، وجعل موتَها ذكاتَها، فإن قلنا: لا تحرم، فبلعها لحاجة، لم يأثم، وإِن بلعها لغير حاجة، أثم على الأصحِّ، وفي نجاسة خُرْئها ودمها خلاف.
وما عدا السمكَ من الحيوان المائيِّ ضربان:
أحدُهما: ما يعيش في البرِّ والبحر؛ كالضفدع والسرطان، فالمذهبُ تحريمُه؛ لأنَّ العربَ تستخبثه، وقيل: للشافعيِّ قول في تحليله.
الثاني: ما لا يعيشُ في البرِّ، وفيه قولان:
أحدُهما: التحريمُ، وهو غريبٌ مرجوع عنه.
والثاني: إن لم يكن له نظيرٌ في البرِّ، أو كان نظيرُه في البرِّ حلالًا؛ فإن ذُبح، فهو حلال، وإِن لم يُذبح، فقولان، وإِن كان نظيرُه في البرِّ محرَّمًا؛ ككلب الماء وخنزيره، ففي حفه قولان، فإن أحللناه، ففي اشتراط ذبحه قولان.
стр. 2852
كِتَابُ الضَّحَايَا
стр. 2853
كتاب الضحايا
٣٧٠٢ - الضحيَّة سنَّة مؤكَّدة لا تجبُ إلَّا بالنذر، وهي من شعائر الإسلام بإجماع العلماء، فمَنْ عزم عليها، فدخل عليه عشرُ ذي الحجَّة، فينبغي ألَّا يأخذَ من شعره وظفره، ولا يُؤمر باجتناب الطِّيب، ولبس المَخِيط .
ولا يصحُّ التضحية إلَّا بالنَّعَم ذكورِها، وإناثها، ولا يجزئ منها إلا جذعٌ من الضأن، أو ثنيٌّ من المعز والإبل والبقر.
فجَذَعُ الضأن: ما دخل في السنة الثانية، وثنيُّ (البقر و) (١) المعز: ما دخل في الثالثة، وثني الإبل: ما دخل في السادسة، فإن الحيوان يتهيَّأ في هذا السنِّ للحمل والركوب والطروق والنزوان، فأشبه بلوغَ الإنسان.
* * *
٣٧٠٣ - فصل في صفة الضحيَّة وما لا يجزئ فيها (٢)
قال ﵇: "أربعٌ لا تجزئُ في الضحايا: العوراء البيِّنُ عَوَرُها،
стр. 2854
والعرجاء البيِّن عرجُها، والمريضة البيِّن مرضُها، والعجفاء التي لا تُنْقي" (١)، ونهى عليٌّ عن المُقابَلة، والمُدابَرة، والخرقاء، والشرقاء، وقال علي: "أُمرنا أن نستشرف العينَ والأذن" (٢)، وجاء نهيٌ عن المصلومة (٣)، والمُستَأصَلة (٤)، والثولاء، والجرباء.
فالشَّرقاء: المشقوقةُ الأذن، والخَرْقاء: المخروقة الأذن، والمُقابَلة: التي قطع من قِبَل أذنها قطعة، وتُركت متدلِّية، والمُدابَرة: ما قطعت كذلك من دبر الأذن، والثَّولاء: المجنونة التي تستدبر المرعى، والعجفاء: الهزيلة (٥) التي لا نقيَّ لها، والنِقيُّ: المخُّ.
ولا بأس بمبادئ المرض والعجف، فإن ظهر المرضُ، ولم يؤثّر في الهزال بحيث لا ينقي، فالوجه القطعُ [بأنَّها لا تجزئ] (٦)، ولعلَّ ضبط العجفاء بما لا يرغب في لحمها طبقة غالبة من طلَّاب اللحم في سنيِّ الرخاء، وأبعد
стр. 2855
مَنْ ألحق العجفاءَ بالخرقاء والشرقاء.
والجربُ إن عمَّ البدنَ أو تفاحش ظهورُه حتَّى يهزل إهزالَ المرض، منع الإجزاءَ، ولا تمنع مباديه عند الإمام، وقال أبو محمَّد: تمنع؛ لأنَّها تفسد اللحمَ، فيشبه المرض البيِّن.
والعرج البيِّن هو الذي يظهر تأثيرُه في التردُّد للرعي (١)، ولا تجزئ العوراء، فإن ضعف البصرُ؛ لنكتة على العين لا تمنع الرؤية، فلا بأس.
٣٧٠٤ - فرع:
قال الأصحابُ: إذا هجم المرضُ البيِّن على الحيوان، فذُبح على الفور، أو انكسرت رجلُه، فذُبح على الفور، وهو على غاية السمن، لم يُجْزِ؛ لغلبة التعبُّد على هذه الصفات وإِن لم يؤثِّر [في اللحم] (٢)، ولذلك يمنع العرجُ البيِّن وإِن لم يؤثر في تنقيص اللحم، وغلط من قال بإجزاء المريضة في هذه الصورة؛ لاتِّفاقهم على أنَّ الكسيرة لا تجزئ.
٣٧٠٥ - فرع:
إذا زال بصرُ إحدى العينين مع بقاء الحدقة، لم تُجْزِ، خلافًا لأبي الطيِّب بن سلمة.
٣٧٠٦ - فرع:
إذا تغيَّر لحمُ الذكر بكثرة النزوان، أو لحمُ الأنثى بكثرة الولادة؛ فإن
стр. 2856
لم يُفْضِ إلى مرض بيِّن، أو عجف بيِّن، أجزأ اتِّفاقًا.
٣٧٠٧ - فرع:
لا بأس بذهاب القليل من الأسنان، وإن ذهب الجميعُ بغير مرض بيِّن، أو عجف ظاهر، أجزأ على الأصحِّ، فإن قلنا: لا يجزئ، فالاعتبار بذهاب ما يمتنع معه الرعيُ والاعتلاف.
* * *
٣٧٠٨ - فصل في استحسان الضحايا
لا خلافَ في إجزاء المعز، والخصيِّ الذي أُبينت أنثياه، وفي الشاة العديمة الألية طريقان:
إحداهما: إن كانت من جنسٍ لا أليةَ له، أجزأت، وإن سقطت الألية بجناية، أو آفة، فوجهان.
والثاني: إن سقطت أليتها، لم تُجْزِ، وإن كانت من جنسٍ لا أليةَ له، فوجهان، وقطع الإمامُ بإجزاء ما لا أليةَ له؛ اعتبارًا بالمعز، والضرعُ كالألية [أو الخصية؟ فيه طريقان؛ فإنَّه غير مستطاب.
ولا أثر لقطع القرن، ولا لصغر الألية والضرع] (١)، فإن أُبين جميعُ الأذن، لم يجز اتِّفاقًا، وإِن أبين بعضُها، أو شُقَّ؛ كالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة، فطريقان:
أحداهما: إن أُبين البعضُ لم يجز، وإنْ قلَّ المُبان، وإِن شُقَّت،
стр. 2857
فوجهان، والأكثرون على الإجزاء.
والثاني: تجزئ المشقوقةُ الأذن، وإِن أُبين بعضُها؛ فإن كان كثيرًا بالإضافة إلى تلك الأذن، لم يُجْز، وإِن كان قليلًا، فوجهاد، والكبيرُ ما يلوح تنقيصُه على البعد، والقليل ما لا يلوحُ على البعد، وفي التي لا أذنَ لها نصَّان، فقال المحصِّلون: إن كانت الأذنُ صغيرة على شكل الأذن، أجزأت، وإِن كان على موضع الصِّماخ فلقة نابتة (١) لا تشبه هيئةَ الأذن، لم تجزئ، وحملوا النصَّين على هاتين الحالين.
* * *
٣٧٠٩ - فصل في بيان أفضل الضحايا
الضأن أفضل من المعز، وقيل: السُّبُع من الغنم أفضلُ من البدنة والبقرة، وقال الإمام: البدنةُ أفضل، فإنَّها (٢) قُدِّمت على السبع في كفَّارات النسك على رأي.
وقال الشافعيُّ: الأنثى أفضل من الذكر، فقيل: أراد الأنثى التي لم تتكرَّر ولادتها؛ فإنَّ لحمَها أرطبُ، وقيل: أراد جزاءَ الصيد إذا قُوِّم ليخرج عنه الطعام، فإنَّ قيمتها أكثرُ.
وقال الإمام: إن قُوبل الذكر الذي كثر نزوانُه بالأنثى التي لم تلد، فهي أفضل منه، وإِن تكرَّرت ولادتها ونزوانه، أو لم تلد ولم يَنْزُ، أو تكرَّرت
стр. 2858
ولادتُها ولم ينزُ، فالذكرُ أفضل، وليست رطوبةُ لحمها ممَّا يُحسُّ، ويُكتَرث به.
واستسمانُ الضحايا واستحسانُها محبوبان، والأعفرُ أَوْلى من الأسود، وضحَّى ﵇ بكبشين أملحين (١)، والأملحُ: الأبيض، وضحَّى مرَّةً بكبشين يمشيان في سواد، ويأكلان في سواد، وينظران في سواد (٢)؛ أراد بذلك سوادَ القوائم والمشافر والمحاجر، ولا يتعلَّق بذلك استحسان.
* * *
٣٧١٠ - فصل في بيان (٣) وقت الضحيَّة
إذا طلعت الشمسُ يومَ النحر، وزال وقتُ كراهة الصلاة، ومضى ما يتَّسع لصلاة العيد وخطبته، دخل وقتُ التضحية (٤)، ويمتدُّ إلى الغروب آخرَ أيَّام التشريق ليلًا ونهارًا، والذبحُ بالنهار أفضل، وأبعد مَنْ لم يعتبر وقت الخطبتين، فإن اعتبرناه، ففي قدر الصلاة والخطبتين أوجهٌ:
أحدُها: الاعتبارُ بخطبتين طويلتين، وركعتين يقرأ في إحداهما بـ (قاف)، وفي الثانية بـ (اقتربت الساعة)، وهذا بعيدٌ في الخطبتين.
стр. 2859
والثاني: الاعتبارُ بركعتين خفيفتين، وخطبتين خفيفتين، ولا ينبغي أن يقتصرَ على أقلِّ ما يجزئ، وأن يترك شعارَ صلاة العيد.
والثالث -وهو قول المراوزة-: القطعُ بتخفيف الخطبتين، وفي الركعتين وجهان.
٣٧١١ - فرع للإمام:
إذا ترك التضحيةَ في وقتها، فضحَّى في السنة القابلة بنيَّة القضاء وقع عن الأداء، وكذلك لو اعتاد صوم أيَّام، فترك شيئًا منها، أو أفسده، ثمَّ نوى القضاءَ، فإن ترك صومَ الأيَّام المندوبات (١)، ثمَّ نوى قضاءَها، لم يقع عن القضاء، ولو أفسد صومًا مندوبًا، فصامه بنيَّة القضاء، ففيه احتمال.
* * *
٣٧١٢ - فصل فيمن يذبح الضحيَّة
يُستحبُّ للقويِّ أن يذبحَ أضحيتَه بنفسه، فإن عجز، وَكَّل في الذبح، والأَوْلى أن يَحْضرَه.
وكلُّ من حلَّت ذبيحته جاز توكيلُه في ذبح الأضاحي، وهو كلُّ مسلم قاصد، أو كتابيٍّ قاصد، وكذا الصبيُّ المميِّز على الأصحِّ، وفي المجنون قولان لعلَّ أصحَّهما: المنعُ، وإن جُعل السكرانُ كالصَّاحي، حلَّت ذبيحتُه، وإِن جُعل كالمجنون، ففيه القولان، وتحلُّ ذبيحة الأعمى في الحيوان المقدور عليه اتِّفاقًا.
стр. 2860
فإن أرسل كلبًا أو سهمًا، فاتَّفق أنَّه أصاب صيدًا، ففي حلِّه خلافٌ خصَّه الإمامُ بأن يكون قد استشعر وجودَه أو سمع حِسَّه.
وإن وكَّل ذمِّيًّا بذبح الأضحية، أو تفرقة الزكاة؛ فإن نوى بنفسه، جاز، وإن فوَّض إليه النيَّة، لم يجز.
* * *
٣٧١٣ - فصل فيما يُشترط في الذكاة
يُشترط في الذكاة قطعُ الحلقوم والمريء، ولا يُشترط قطعُ الأوداج، فإن اقتلع رأسَ عصفور، أو اختطفه ببندقة، لم يحلَّ؛ لعدم القطع، وإن بقي من الحلقوم (أو) (١) المريء شيءٌ يسير، لم يحلَّ، فإن بقي من المريء شيء يسير، وانتهى الحيوان إلى حركة مذبوح، فلا بدَّ من قطعه.
ولو ألصق السكينَ باللحيين، وأبان الرأسَ من غير قطع الحلقوم والمريء، لم يحلَّ، وتحلُّ الذكاة بكل آلة حادَّة تفري الحلقومَ والمريء إلَّا السنَّ والظفر وسائرَ العظام المتَّصلة والمنفصلة، فإن قتل صيدًا بسهم نَصْلُه عَظْمٌ، لم يحلَّ.
* * *
٣٧١٤ - فصل في ذكاة الحيوان المشرف على الموت
إذا أشرف الحيوانُ على الهلاك بسبب من الأسباب؛ كافتراس السبع،
стр. 2861
والتردِّي، وسقوط شيء عليه، فقطع حلقومُه، ومريئه؛ فإن كان على حياة مستقرَّة حلَّ، وإلَّا فلا.
ولو أبان رأسَ الحيوان من قفاه؛ فإن وصلت السكِّينُ إلى الحلقوم والمريء -وفيه حياةٌ مستقرَّة- حلَّ، وإِن وصلت إليهما -وهو على حركة مذبوح- لم يحلَّ.
٣٧١٥ - فرع:
إذا تيقَّنَّا الحياةَ المستقرَّة، أو حركة المذبوح، فلهما حكمُهما، وإِن شككنا في ذلك، فقد قال الجمهورُ: إن تحرَّك بعد إكمال الذبح، حل، وإلَّا فلا.
وقال في "التقريب": لا عبرةَ بالحركة؛ فإنَّ المنتهيَ إلى حركة المذبوح قد يصيبه سببٌ مُذَفِّف، فيتحرَّك بعده، وهذا هو الحقُّ، والتعويلُ على العلامات التي لا تضبطها العباراتُ، ومن جملتها الحركةُ الشديدة، فإنْ غلب على الظنِّ استقرارُ الحياة قبل الشروع في الذبح، حلَّ، وتردَّد فيه صاحبُ "التقريب"؛ التفاتًا إلى مسألة الإنماء، وإِن دلَّت العلاماتُ على الوصول إلى حركة المذبوح، أو استوى الأمران، لم يحلَّ.
* * *
٣٧١٦ - فصل فيما يقارن الذكاةَ من أسباب الهلاك
إذا قطع الحلقومَ والمريءَ على أناة خارجة عن العادة، فانتهى الحيوانُ إلى حركة مذبوح، فأتمَّ القطعَ، لم يحلَّ، وعلى الذابح أن يسرع بالقطع بحيث
стр. 2862
لا يحسُّ بانتهاء الذبح إلى ما ذكرناه.
وإِن اقترن بالذبح سببٌ مُهْلك؛ فإن علم أنَّه لم يؤثِّر في التذفيف، حلَّ الذبح، وإِن علمنا أو ظننَّا أنَّ له أثرًا في التذفيف، لم يحلَّ، فإذا أخذ في الذبح، وأخذ غيرُه في إخراج الحُشْوة (١)، أو في جرح يغلب على الظنِّ تأثيرُه في التذفيف، أو أخذ في الذبح، وأخذ آخرُ في القطع من القفا، فالتقت المُدْيتان، لم يحلَّ، ولو تقدَّم على الذبح جرح يؤثِّر في التذفيف، فذبح على حياة مستقرَّة، حلَّ، بخلاف المقترن بالذبح.
* * *
٣٧١٧ - فصل فيما يُسنُّ في الذبح
الأدبُ أن يتوجَّه الذابحُ والذَّبيح إلى القبلة، وأن يُحِدَّ الشفرةَ، ويتحاملَ عليها بقوَّة.
والتسميةُ سنَّة مؤكَّدة، والصلاة على النبيِّ مستحبَّة، فإن قال: باسم محمَّد، لم يجز.
وتُذبح البقر والغنمُ، وتُنحر الإبل في اللبَّة بقطع الحُلقوم والمريء، فإن ذبحها، كُره، وحلَّ لحمُها، ويُستحبُّ للمضحِّي، والمهدي أن يقول: اللهمَّ هذا منك وإليك، فتقبَّل منِّي.
стр. 2863
٣٧١٨ - فصل في نذر الأضاحي
إذا علَّق نذرَ الأضحية على جَلْب نفع أو دَفْع ضرٍّ، صحَّ النذرُ، وإِن أطلق، فقولان، فإن عيَّن شاةً للتضحية، فله أحوال:
الأولى: أن يقولَ: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فتصير أضحيةً اتِّفاقًا، ولا يُتصوَّر انفكاكُها عن ذلك؛ كالوقف والإعتاق، وإِن قال: جعلت هذه الدراهمَ صدقةً، فوجهان.
الثانية: أن ينذر العتقَ أو التضحية بشاة، ثمَّ يقول: عيَّنت هذا العبدَ عن نذري، أو عيَّنت هذه الشاةَ عن نذري، أو جعلتهما عن نذري، ففي تعيينهما وجهان، ولو عيَّن دراهمَ عن زكاة، أو نذر في الذمَّة، لم تتعين اتِّفاقًا، وفيه احتمال.
الثالثة: أن يقول ابتداءً: لله عليَّ أن أعتقَ هذا العبدَ، أو أضحِّيَ بهذه الشاة، فتجب التضحيةُ (١) والإعتاق، وفي التعيُّن وجهان مرتَّبان، وأولى بالتعيُّن، والعبدُ أولى من الشاة؛ لما له من الحقِّ في الإعتاق، ولو قال: لله عليَّ أن أتصدَّقَ بهذه الدراهم، فوجهان مرتَّبان، وأولى بألَّا يتعيَّن، فللتعيين في الأضاحي والدراهم وغيرهما ثلاثةُ أحوال.
* * *
٣٧١٩ - فصل في نيَّة التضحية
النيَّة واجبةٌ في الأضحية المسنونة والمنذورة في الذمَّة، فإن قدَّم النيَّة
стр. 2864
على الذبح، أو وكَّل فيها، كان كمن وكَّل في تفريق الزكاة، أو قدَّم نيَّتها من غير فرق، وإِن قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فلا حاجةَ إلى النيَّة على المذهب؛ كما لو قال لعبده: أعتقتك، وقيل: تجب النيَّةُ مع الذبح، أو قبله، وإِن قال: لله على أن أضحِّي بهذه، أو عيَّنها عن نذر في الذمَّه؛ فإن قلنا: لا يتعيّن، وجبت النيَّةُ، وإِن قلنا: يتعيَّن، فهو كما لو قال: جعلت هذه أضحيةً.
* * *
٣٧٢٠ - فصل في تلف الأضحية المعينة
إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فتلفت، لم يضمنها، وإِن أتلفها، لزمته قيمتُها، فإن بلغت القيمةُ ثمنَ أضحية، لزمه شراؤُها، وإِن نقصت عن ثمن أضحية، فهل يلزمُه شراءُ أضحية؟ فيه وجهان، فإن قلنا: لا يلزمُه، فهل يشتري بالقيمة شِقْصًا من شاة، أو يصرفها مصرفَ الضحايا؟ فيه وجهان، وإِن زادت القيمةُ على ثمن أضحية، ولم يجد أضحيةً كريمة، اشترى أضحية، وهل يشتري بالفاضل شِقْصًا من شاة، أو يصرفه مصرفَ الضحايا؟ فيه الوجهان، فإن قلنا: يُصرف مصرفَ الضحايا، فاشترى به خاتمًا يقتنيه، ولا يبيعه، جاز، وإِن أتلفها أجنبيٌّ، لزمته القيمةُ، فان لم توجد بها أضحيةٌ، فهل يُشترى بها شِقْصٌ من شاة، أو تُصرف مصرفَ الضحايا؟ فيه الوجهان.
ولو ذبحها أجنبيٌّ في أيَّام النحر؛ فإن شرطنا النيَّةَ، لم تصحَّ التضحيةُ، ويلزمه أَرْشُ ما نقص بالذبح، وإِن لم نشرط النيَّة؛ فإن لم يفرِّق اللحمَ، لم يلزمه أرشُ النقص على أقيس القولين؛ لأنَّه ذبح مستحَقٌّ، وإِن فرَّق اللحمَ،
стр. 2865
لم يقع الموقعَ، ولا يحلُّ لأحد أخذُه؛ لأنَّ تعيينَ الأخذ [إلى المالك] (١)، ويلزمه قيمةُ اللحم، وكذلك يلزمه أرشُ النقص اتِّفاقًا، وفيه احتمال، وفي كيفيَّة تغريمه قولان، أجراهما الإمامُ في غير الضحايا من سائر الحيوان:
أحدهما: يغرم قيمتَها حيَّةً.
والثاني: يغرم الأرشَ، ثمَّ يغرم قيمةَ اللحم.
ولو قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بهذه، أو عيَّنها عن (٢) نذر في الذمَّة؛ فإن قلنا: لا يتعيَّن، فمِلْكه باقٍ عليها، وإن قلنا: يتعيَّن، فتلِفَتْ، ففي براءته وجهان، فإن قلنا: لا يبرأ، لزمه الوفاءُ بما نذر، وإن قلنا: يتعيَّن، فأتلفها، [أو أتلفها] (٣) أجنبيٌّ، كان كما لو أتلفا شاة قال: جعلتها أضحيةً.
* * *
٣٧٢١ - فصل في تعيُّب الأضحية المعيَّنة
إذا قال: جعلتُ هذه أضحيةً، فتعيَّبت عيبًا يمنع الإجزاءَ، لزمه أن يصرفَها مصرفَ الضحايا، ولا شيءَ عليه، وإن عيَّنها عن نذر؛ فإن قلنا: لا تتعيَّن، فلا أثرَ لتعيُّنه، وإن قلنا: تتعيَّن فتعيَّبت، ففي وجوب إبدالها وجهان:
أحدهما: لا يجبُ، فتجزئه المعيبةُ.
والثاني: يجب، وفي انفكاك الاستحقاق عن المعيبة وجهان.
стр. 2866
٣٧٢٢ - فرع:
إذا أُضجعت الضحيَّة لتُذبحَ، فانكسرت رجلُها باضطرابها، ففي إجزائها وجهان، خصَّهما أبو محمَّد بما قبل الشروع في قطع الحلقوم، وخصَّهما الإمامُ بما إذا اتَّصل الذبحُ بالانكسار.
وإن بعث هَدْيًا إلى الحرم، فعاب قبل بلوغ الحرم، لم يجزه، وإن عاب في الحرم، لم يجزه، خلافًا للقَّفال، وخصَّ الإمامُ الخلافَ في تعيُّب الهدي، وانكسار الرجل عند الإضجاع بالحيوان المتعيِّب الذي لا يمنع عيبُه من إجزائه، وقال: إن كان تطوُّعًا مَنْويًّا قبل بلوغ الحرم، أو عند الإضجاع، فلا يجزئ؛ لجواز بيعه في هذه الحال، فكيف يصير قربة مع جواز البيع، ولهذا شرط أن يتَّصل الذبحُ بالانكسار.
* * *
٣٧٢٣ - فصل فيمن نذر التضحية بحيوان لا يجزئ في الضحايا
إذا قال لشاة لا تجزئ في الضحيَّة؛ لعيبها: جعلت هذه الشاةَ أضحيةً، وجب صرفُها مصرفَ الضحايا على المذهب، ولا شيء عليه؛ كما لو قال لعبد لا يجزئ في الكفَّارة: أنت حرٌّ عن كفَّارتي، فإنَّه يعتق، ولا يبرأ عن الكفَّارة، وإن قال لظبية: جعلت (١) هذه أضحيةً، لغا كلامه، ولا تُصرف مصرفَ الضحايا، وإن قال ذلك لفَصِيل، أو حُوارٍ، فوجهان.
ولو عَيَّن شاة معيبةً عن نذر في الذمَّة، لم يبرأ، وهل يجب صرفُها
стр. 2867
مصرفَ الضحايا؟ فيه وجهان، فإن قلنا: يجب، فزال العيبُ قبل ذبحها، لم يبرأ بها عند الأصحاب، وخرَّج الإمامُ البراءةَ بها على الخلاف فيمن عيَّن سليمةً عن نذر، فعابت، فإنَّه لا يبرأ بها على الأصحِّ.
وإن قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بعرجاء، أو عجفاء لا تُنْقي، فهل يلزمه ذلك، أو يلزمه صحيحة، أو لا يلزمه شيء؟ فيه ثلاثةُ أوجه.
ولو قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بهذه، فكانت معيبة، فهي مردَّدة بين قوله: جعلتها أضحيةً، وبين تعيينها عن نذر في الذمَّة، والتعيُّن هاهنا أصحُّ.
* * *
٣٧٢٤ - فصل في ضلال الأضحية المعيَّنة
إذا ضلَّت الشاة المعيَّنة؛ فإن كان قد (١) قال: جعلتها أضحيةً، لم يلزمه شيءٌ، فإن عيَّنها عن نذر، ففي وجوب البدل وجهان، فإن أوجبناه، فضحَّى به، ثمَّ وجد الأصلَ، [ففي وجوب التضحية به قولان، وإن عيَّن عن البدل شاةً، فوجد الأصلَ] (٢) قبل ذبح البدل، فهل يلزمه ذبحُ الأصل، أو البدلُ، أو ذبحُهما، أو ذبح أيِّهما شاء؟ فيه أربعةُ أوجه.
ولو عيَّن شاةً عن نذر، وقلنا: يتعيَّن، فذبح عن النذر شاةً أخرى؛ فإن قلنا: لا يجب البدلُ إذا ماتت المعيَّنة، لم يبرأ بالذبيحة عن النذر، وإن
стр. 2868
قلنا: يجب البدلُ -وهو الأصحُّ- ففي إجزاء الذبيحة وجهان، فإن قلنا: تجزئ، ففي انفكاك الاستحقاق عن المعيَّنة خلافٌ مشهور.
ولو عيَّن عبدًا عن عتق الكفَّارة، ففي تعيُّنه خلاف، فإن مات، لم يبرأ من الكفَّارة اتِّفاقًا؛ لوجوبها بأصل الشرع، فإن أعتق عن الكفَّارة عبدًا غير المعيَّن، برئ على الظاهر.
* * *
٣٧٢٥ - فصل في أوقات الدماء
إذا وجب دمُ الجُبْران، فلا وقتَ له، وله إخراجُه متى شاء، والضحيَّة المسنونة مؤقَّتة بالأيّام الأربعة، وإن قال: جعلت هذه أضحيةً، تأقَّتت بالأيام الأربعة، وإن قال: لله عليَّ أن أضحِّيَ بشاة، ففي التأقيت بالأيام الأربعة وجهان؛ لأنَّها وجبت في الذمَّة، فأشبهت الجُبْران، فإن قلنا: لا تتأقَّت، فعيَّن شاة عن نذره، ففي تأقُّتها وجهان.
* * *
٣٧٢٦ - فصل في جواز الأكل من الأضحية
لا خلافَ في تحريم الأكل من دم الجُبْران، وجوازه في الأضاحي المسنونة، وفي المنذورة وجهان أقيسُهما الجوازُ، فإن قال: جعلتُ هذه أضحيةً، جاز الأكلُ منها إن أجزناه من المنذورة، وإن منعناه في المنذورة، جاز هاهنا على الأصحِّ؛ لأنَّها تعيَّنت باللفظ كما تعيَّنت المسنونة بالنيَّة، وإن عيَّنها عن نذر، ففي الأكل منها خلافٌ؛ لتردُّده بين الترتيبين.
стр. 2869
والتصدُّق بجميع المسنونة أفضلُ، وكلَّما أكثر (١) التصدُّق، كان أفضلَ، ومن شعار الصالحين الأكلُ منها، وهل يحصل شعارُ الصدقة بالنصف أو الثلث؟ فيه وجهان، فإن أكل الجميعَ، ففي جوازه وجهان، فإن منعناه، فتصدَّق على مسكين واحد بأقل ما يقع عليه الاسمُ، أجزأه اتفاقًا.
وما جاز أكله جاز [أن يطعمَه] (٢) الأغنياءَ، ولا يجوز بيعُه، وكذلك إتلافه عند الإمام، وله تمليك الفقراء اتفاقًا، ويلزمه ذلك عند الإمام فيما يجب التصدُّق به، ومنع أن يُملَّك الأغنياءُ شيئًا من ذلك، وقال: إن طبخ ما يجب التصدُّق به، وأطعمه الفقراءَ، لم يجزئه، بل يلزمه تمليكُ اللحم، كما في طعام الكفارة.
٣٧٢٧ - فرع:
إذا أوجبنا التصدُّق، فأكل الجميعَ، ضمن أقل ما يقع عليه الاسمُ، وأبعد مَنْ أوجب النصفَ أو الثلث.
٣٧٢٨ - فرع:
ليس للمتطوِّع بيعُ شيء من الأضحية، ولا أن يبادلَ به، ولا أن يجعلَ الجلدَ أجرة للقصَّاب، ولا يجوز بيعُ الجلد إلَّا على قول بعيد بشرط أن يصرفَ الثمنَ مصرفَ اللحم، فإذا أوجبنا التصدُّقَ، فتصدَّق بالجلد، لم يجزئه على الظاهر، وفيه احتمال.
* * *
стр. 2870
٣٧٢٩ - فصل في ولد الأضحية
إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ أضحيةً، فولدت، فلولدها حكمُها، ثمَّ فيه وجهان:
أحدُهما: يُجعل كبعض أعضائها، فيجوز أكلُه إذا تصدَّق بجزء من الأمِّ.
والثاني: يُجعل أضحيةً منفردة، ففي جواز أكله الوجهان، ولا يجوز التضحيةُ ابتداءً بالحمل، ولبنُ الأضحية المعينة كلحمها، ولعلَّ الظاهرَ جوازُ (١) استيعابه بالأكل إذا جوَّزنا الأكلَ من لحمها.
٣٧٣٠ - فروع:
الأوَّل: إذا مَلَّكَ عبدَه شاةً، وأذن له في التضحية بها (٢)؛ فإن قلنا: يملكها، وقعت عنه، وإلَّا فلا، وإن أذن للمكاتب في التضحية، ففي وقوعها عنه قولان.
الثاني: تجزئ البدنةُ عن سبعة، والبقرةُ عن سبعة، ولا تجزئ شاةٌ عن اثنين، فإن ضحَّيا بشاتين يملكانهما نصفين، فوجهان؛ كمن أعتق عن الكفَّارة نصفي عبدين.
الثالث: إذا اشترى شاةً بنيَّة التضحية، لم يزُل ملكهُ بذلك، فإن نوى عند الذبح حصلت القربةُ، وإن نوى قبله، فوجهان، وأبعد مَنْ شرط أن يقولَ: جعلتها أضحيةً، ومن شرط أن يقلِّدها أو يقولَ: جعلتها أضحيةً، فإن أجزنا
стр. 2871
تقديمَ النيّة، فنوى بين الإيجاب والقَبول، لم يجزئه، وإن نوى عقيب القَبول، لم يجزئه على ظاهر كلام العراقييّن، وقال الإمام: إن بقَّينا الملكَ للبائع، لم يجزئه، وإن نقلناه للمشتري، وقع الكلامُ في الملك الجائز.
الرابع: إذا لزم ملكُ المشتري، فقال: جعلت هذه الشاةَ أضحية، [ثمَّ وجد] (١) بها عينًا لا يمنع إجزاءَها، فله الأرشُ دون الرد، ويُصرف الأرشُ في مصرف الضحيَّة عند العراقييِّن، وقياسُ المراوزة ألَّا يلزمَه ذلك؛ إذ لم يتناوله التعيين.
* * *
стр. 2872
٣٧٣١ - باب العقيقة
وهي سنَّة مؤكَّدة يدخل وقتُها بالولادة، والأفضل أن يذبحَ عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتين، فإن ذبح عن الذكر شاة، أجزأته اتِّفاقًا، وينبغي أن يفصل الشاةَ، ولا يكسر شيئًا من عظامها؛ تفاؤلًا بسلامة أعضاء الولد، ويُكره أن يلطِّخ رأسَ الولد بدمها.
ويُستحبُّ أن يُسمَّى الولدُ في اليوم السابع، ويُحلق شعره، ويُتصدَّق بزنته ذهبًا أو فضَّة، ويجب القطعُ إثبات أحكام الضحية للعقيقة إلَّا الوقت؛ فإنَّ العقيقةَ كدم الجُبْران، فيكون الأكل منها والصدقة، والسلامة من العيب، والسنُّ، والبيع، والاستبدال على ما تقدَّم في الضحيَّة من غير فرق، وكلُّ عيب يؤثِّر في الضحايا فإنَّه يؤثِّر في دم الجُبْران إلا جزاءَ الصيد إذا قُوبل المعيبُ بمثله.
وإذا أوجبنا التصدُّق وجب تفرقةُ اللحم نِيْئًا، وقال الصيدلانيُّ: تفرقةُ اللحم أَوْلى من دعاء الناس إليه، وهذا متِّجه إذا لم نوجب التصدُّقَ به، وفيما لا يجب التصدُّق به، ولا يتَّجه فيما يجب التصدُّق به.
٣٧٣٢ - فائدة:
قال ﵇: "أقرُّوا الطيرَ على مَكِناتِها" (١)، فقيل: أراد كراهةَ الصيد
стр. 2873
ليلًا، وقيل: كان العربيُّ إذا أراد سفرًا بكَّر إلى عشَّ طائر، فأهاجه، فإن طار يمنةً، تفاءل، وإن طار شآمة، تطيَّر، فنهى عن التطيُّر والتفاؤل.
* * *
стр. 2874
كتاب الأطعمة
стр. 2875
كتاب الأطعمة
٣٧٣٣ - يرجع في حلِّ الطعام وحُرمته إلى الكتاب والسنَّة، وكلُّ ما ورد النصُّ بإحلاله، أو استطابتْه العربُ، فهو حلال، وكلُّ ما نُصَّ على تحريمه، أو استخبثه العربُ، أو أمر رسولُ الله ﷺ بقتله، أو نهى عن قتله، فهو حرام، وقد أمر بقتل الفواسق (١)، ونهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والخطَّاف (٢)، فيُعرض الحيوانُ على هذه الأصول، فإن لم نجد له أصلًا فيها، فهو حلال إلى أن يظهر المحرَّم (٣)، فالبهائمُ أقسامٌ:
الأوَّل: الأهليَّة، ولا يحلُّ منها سوى الخيلِ والأنعام.
الثاني: الوحشُ، ويحرم منه كلُّ ذي ناب يعدو به؛ كالسَّبُع والفهد والدبِّ والفيل، ويحل الضبعُ والثعلبُ، وكذا اليَربوعُ على ظاهر المذهب، وفي السمُّور والسنجاب وابن عُرس، ونظائرها وجهان، والأكثرون على الإباحة، وابن آوى حرام عند المراوزة، وفيه للعراقيين وجهان، والهزَّة الوحشيَّة