قال قتادة ﵀ في معنى قوله تعالى: ﴿فُرُطًا﴾: "أضاع أكبر الضيعة، أضاع نفسه، [وغبن] (١) مع ذلك .. تجده حافظًا لماله، مضيعًا لدينه" (٢).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحُاسِبوا أنفسَكم اليومَ، وَتَزَيّنوا للعرض الأكبر؛ يومئذٍ تُعرَضون لا تخفى منكم خافية" (٣).
ومما نقله ابن الدنيا ﵀ في محاسبة النفس عن الحسن البصري ﵀ الأقوال الآتية: "إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همته" (٤).
قال (٥): "المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما صلة إليك هيهات، حيل بيني وبينك.
ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: هيهات .. وما لي ولهذا؟! والله ما أعذر بهذا، والله لا أعود إلى هذا أبدًا إن شاء الله.
إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم.
إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله" (٦).
وهنا أحب أن أختصر كلاماً رائعاً نافعاً لابن القيم ﵀ وهو يتحدث عن فوائد محاسبة النفس، فيقول: "وفى محاسبة النفس عدة مصالح:
стр. 107
منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مَقَتها في ذات الله.
وقال مُطرِّفٌ في دعائه بعرفة: «اللهم لا تَرُدَّ الناس لأجلي» (١).
وقال أيوب السختياني: «إذا ذُكر الصالحون كنتُ عنهم بمعْزِل» (٢).
وقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير؛ ما أعلم أن في نفسي منها واحدةً» (٣).
وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قَدَرَ أحد أن يجلس إليّ» (٤).
فالنفس داعية إلى المهالك، مُعينةٌ للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متَّبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.
فالنعمة التي لا خَطَر لها: الخروج منها، والتخلصُ من رِقِّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرفُ الناس بها أشدُّهم إزراءً عليها، ومقتًا لها.
و مَقْتُ النفس في ذات الله من صفات الصدِّيقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل.
ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار، قال: «إن قومًا من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله إلى نبيهم أنّ فلانًا صدِّيق» (٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أَتَش، حدثنا منذر، عن وهب: «أن رجلًا سائحًا عبد الله سبعين سنة، ثم خرج يومًا، فقلّل عمله، وشكا إلى الله منه، واعترف
стр. 108
بذنبه، فأتاه آتٍ من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إليّ من عملك فيما مضى من عمرك» (١).
وفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلًا من بني إسرائيل تعبَّد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيكَ خير لظفرتَ بحاجتك، فأُتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسِك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين» (٢).
ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله عليه. ومن لم يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تُجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدًّا.
فمِن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد؛ فإن ذلك يُورِثه مقتَ نفسِه، والإزراء عليها، ويُخلِّصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.
فمَن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه عَلِم عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍّ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أُحيل على عمله هلك.
فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسَهم من أنفسهم، وعلَّق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
стр. 109
وإذا تأمَّلت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحُجبت قلوبهم عن معرفته ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.
فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولًا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيًا؟ وأفضل الفكر الفكرُ في ذلك؛ فإنه يسيِّر القلب إلى الله، ويطرحه بين يديه ذليلًا خاضعًا، منكسرًا كَسْرًا فيه جَبْرُهُ، ومفتقرًا فقرًا فيه غناه، وذليلًا ذلًّا فيه عِزُّه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل، فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى به.
ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه: أنه لا يتركه ذلك يُدِلُّ (١) بعمل أصلًا، كائنًا ما كان،
ومَنْ أدلّ بعمله لم يصعد إلى الله، كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله، أنه قال له رجل: إني لأقوم في صلاتي؛ فأبكي حتى يكاد ينبت البَقْل من دموعي، فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك، خيرٌ من أن تبكي وأنت تُدِلُّ بعملك؛ فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه، فقال له: أوصني، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلَها، وأن تكون كالنّحلة، إن أكلت أكلت طيِّبًا، وإن وضعت وضعت طيبًا، وإن وقعت على عود لم تضرَّه ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله نُصْح الكلب لأهله؛ فإنهم يُجِيعونه ويطردونه؛ ويأبى إلا أن يحوطَهم وينصحهم» (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا الجريرى، قال: «بلغني أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له إلى الله تعالى حاجة، فتعبد واجتهد، ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات ليلةً مُزريًا على نفسه، وقال: يا نفس! مالك لا تُقضَى حاجتك؟ فبات محزونًا قد أزرى على نفسه، وألزم الملامةَ نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أُتِيتُ، ولكن من قِبَل نفسي
стр. 110
أُتيتُ، فبات ليلةً مزريًا على نفسه، وألزم الملامة نفسه، فقُضِيت حاجته» " (١). انتهى ما اختصرته من كتاب إغاثة اللهفان (٢).
المطلب الرابع: تعلق القلب بالله وأثره على عبادة الذكر والدعاء.
من أبرز آثار محبة الله والخوف منه ورجائه ومعرفته حق المعرفة تعلق القلب به ، وإذا تعلق القلب بالله ظهرت آثار ذلك على المؤمن، ومن تلك الآثار كثرة ذكره لله، مع كثرة إلحاحه على الله في دعاء خاشع مستمر لا يتوقف العبد عنه في كل الأحوال، وسيأتي مزيد بيان لهذا، ولتعلق القلب بالله علامات كثيرة، ودونك أبرزها في المسائل الآتية:
المسألة الأولى: شدة محبته لله تعالى.
ومن العلامات الدالة على تعلق قلب المؤمن بربه شدة حبه له، قال تعالى عن المؤمنين بالله حقًّا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: "ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه" (٣).
стр. 111
المسألة الثانية: عدم خشيته وخوفه من غير الله:
إن القلب الذي تعلق بربه لا يخشى أحدًا سواه، ولا يرهب من صولة الباطل، بل يزيده ذلك ثباتًا وصدقًا مع الله، قال الله تعالى عن الصادقين الذين حاول الأعداء أن يخوفوِّهم بقوة أهل الكفر وإمكاناتهم وعدتهم وعددهم، فقال المؤمنون الصادقون كما ذكر الله عنهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٥].
المسألة الثالثة: كثرة ذكره لله تعالى:
ومما يدل على تعلق القلب بالله كثرة ذكر الله على كل الأحوال، كما قال تعالى عن القلوب التي أحبت الله وتعلقت به: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
والآية تدل على حال أولي الألباب المحبين لله، في صلاتهم، وفي سائر أحوالهم؛ يدامون على ذكر الله بالقلب واللسان في جميع الأحوال؛ لأن الإنسان قلَّ أن يخلو عن واحد من هذه الحالات الثلاث (١).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» (٢).
والحديث يدل على جواز ذكر الله على كل الأحوال وفي كل الأحيان: متطهرًا، ومحدثًا، وجنبًا، وقائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، وماشيًا، إلا أنه يستثنى من ذلك حال الجلوس على البول
стр. 112
والغائط، وحالة الجماع، فإنه يكره ذكر الله في هذه الحالات، والصحيح أن الكراهة كراهة تنزيه وليست كراهة تحريم، فلو ذكر الله في هذه الحالات، فلا إثم عليه (١)، والله أعلم.
وكثرة ذكر الله على كل الأحوال وفي كل الأحيان، لها أثرها على نفس المؤمن، فيجد من طمأنينة القلب والقوة والنشاط ما يعينه على القيام بعبادته خير قيام.
وذكر ابن القيم ﵀ من فوائد الذكر: "أنه قُوتُ القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته.
وحضرتُ شيخ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي، أو كلامًا قريبًا من هذا، وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها؛ لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر، أو كلامًا هذا معناه" (٢).
والمؤمن المتعلق بالله تجده ذاكرًا لله بقلبه ولسانه في كل أحواله، قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، يجد فيه لذته، وطمأنينة قلبه، وما يعينه على أعباء طريقه إلى الله، ويجعله بإذن الله ثابتًا على مبدئه، صابرًا على ما يلقاه في ذات الله؛ لأنه يشعر بقرب الله منه ورعايته له وحفظه وحمايته، وكما في الحديث القدسي يقول الله تعالى: «وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» (٣).
المسألة الرابعة: كثرة دعاء الله والالتجاء إليه في جميع الأحوال:
ومن آثار تعلق القلب بالله: كثرة الدعاء والالتجاء إلى الله في جميع الأحوال، والمؤمن صاحب القلب الحي يدرك مكانة الدعاء وأثره على حياته وعلى عبادته، فقلبه موصول بالله، يشعر بقربه منه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
стр. 113
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
فهو يشعر بحاجته الماسة لربه، فيقبل على الدعاء والتضرع والابتهال أن يعينه على عبادة ربه، وأن يوفقه ويسدده في كل تصرف يقوم به، وأن يفتح له أبواب الخير والتوفيق، ويسأل ربه أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وهو يعلم أثر الدعاء ومكانته العظيمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ» (١)، وقال ﷺ : «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» (٢)، وقال ﷺ : «وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاء» الحديث (٣).
وكثرة الدعاء والالتجاء إلى الله مرتبط كذلك بقضية عظيمة التي سيكون الحديث عنها في علامة تعلق القلب بالله الآتية:
المسألة الخامسة: يخاف على قلبه من التقلب، فلا يأمن مكر الله:
من العلامات الدالة على تعلق القلب بربه: خوفه على قلبه من التقلب، وعدم أمنه من مكر الله؛ لأن الأمن من مكر الله من صفات أهل الخسارة الذين غفلوا عن الله، ونسوا يوم الحساب، وتمادوا في غيهم وضلالهم، يقول تعالى محذرًا منهم ومنذرًا: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ
стр. 114
يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
ومكر الله هو بأسه ونقمته وقدرته عليهم، فيستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويأخذهم في حال غفلتهم وسهوهم (١)، ولا يأمن ذلك إلا أهل الغفلة أصحاب القلوب المريضة، قال الحسن البصري ﵀: "المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن" (٢).
وقال أيضًا ﵀ في مقارنة بين حال عباد الله المؤمنين وحال المنافقين، فذكر أن المؤمنين عملوا لله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم: "إن المؤمن جمع إيمانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا" (٣).
وقال السعدي ﵀ عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]: "وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان" (٤).
بل لا يزال خائفًا وجلًا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا أن يثبت قلبه على دينه إلى أن يلقاه غير مغير ولا مبدل، دائمًا يلهج بالدعاء الذي كان يكثر منه النبي ﷺ ، فعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟! قَالَ: «نَعَمْ؛
стр. 115
إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» (١). تجد المؤمن يعمل ويسعى في كل سبب يخلصه من الشر عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة (٢).
ولذا يخاف المؤمن على قلبه من الزيغ، فهو دائم الدعاء بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
المسألة السادسة: المسارعة والمسابقة إلى أسباب رضوان الله:
ومما يدل على تعلق القلب بالله المسارعة والمسابقة إلى أسباب مرضاة الله من الفرائض والنوافل، ولا شك أن العبد الذي يريد حياة قلبه لا بد أن يضرب في هذه الغنائم بسهم وافر ويجتهد في ذلك؛ ليكون هذا الزاد من أعظم الأسباب المعينة على القيام بمهمته في الحياة الدنيا والآخرة.
المسألة السابعة: كثرة تلاوة القرآن الكريم مع التدبُّر:
ومن العلامات الدالة على تعلق القلب بالله تعالى: كثرة تلاوة القرآن الكريم مع تدبره وحضور القلب والتأثر بآياته ونزولها إلى القلب، وهكذا الداعية صاحب القلب الحي يكون حاله مع القرآن الكريم كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩].
стр. 116
وقد نالوا بركة القرآن الكريم بتدبرهم لآياته كما قال تعالى، وهو يحث عباده على تدبر كتابه الذي أنزله من أجل ذلك، فقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وكيف لا يتأثرون بالقرآن وهو الذي لو نزل على الجبال لتصدعت من خشية الله؟! كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
فإذا تعلق القلب بالله أقبل على تلاوة كتابه متدبرًا له، يجد فيه طمأنينة قلبه وخشوعه، وزيادة إيمانه وثباته.
المسألة الثامنة: كثرة التوبة والاستغفار:
ومن علامات تعلق القلب بالله تعالى: كثرة التوبة والاستغفار، فقلب العبد الموصول بربه يشعر بتقصيره في حق ربه، ويشعر بأثر الذنب، فهو دائم الاستغفار والتوبة، كما قال تعالى عن عباده المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وها هو سيد المرسلين وإمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، يستغفر في المجلس الواحد ويطلب من ربه أن يتوب عليه مائة مرة، كما في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ
стр. 117
لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ، اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (١).
وهو الذي قال الله له: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ومع هذا يستغفر ربه ويطلب منه أن يتوب عليه بهذا العدد في مجلس واحد، فكيف بمن عداه من أهل الذنوب؟!
فإذا أراد المؤمن أن يفتح الله عليه في عبادته والاقبال على ذكره ودعائه، ويزيده قوة إلى قوته، فليكثر من التوبة والاستغفار الذي يواطئ فيه القلب اللسان، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية [هود: ٥٢].
وقد سبق الكلام على الاستغفار والتوبة.
المطلب الخامس: تعلق القلب بالدار الآخرة.
تعلق القلب بالدار الآخرة من الأعمال القلبية التي لها زيادة أثر كبير على العبد في الإقبال على كثرة ذكر الله تعالى والدعاء، وهي كذلك لها ارتباط وثيق بتعلق القلب بالله تعالى.
وتعلق القلب بالآخرة يجمع شمل القلب فلا يتفرق في أودية وشعابها، فيستحوذ عليه الشيطان، ويشغله عن ذكر الله وعن توجه القلب إليه في الدعاء، ولذا نجد القرآن يحذر من الاغترار بالحياة الدنيا قبل الاغترار بالشيطان في أكثر من آية، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٥ إِنَّ
стр. 118
الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦].
وفي هذا والله أعلم إشارة إلى خطر الاغترار بالدنيا فهي مركب الشيطان الذي يخدع به الناس، فيسهل عليه أن يستحوذ على قلوبهم فينسيهم ذكر الله، ويطبق على قلوبهم، فتصيبها الغفل، وتنسى الله والدار والآخرة، وتتعلق بالدنيا ويحدث من آثار ذلك ما ورد في قول النبي ﷺ : " … وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» الحديث (١).
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بيان خطر التعلق بالدنيا على الأمة: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا (٢)»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟! قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ (٣)، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ
المبحث الرابع: أحكام تخص عبادة الذكر أو الدعاء ولها تعلق بعمل القلب، وفيه عدة مطالب.
المطلب الأول: أهمية ذكر القلب.
والذكر بالقلب واللسان هو أعظم الذكر وسيأتي الكلام عنه، ويليه في المرتبة ذكر القلب كما يقول ابن القيم ﵀: " وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده؛ لأن ذكر القلب يثمر المعرفة، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويردع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من ذلك الإثمار، وإن أثمر شيئاً منها فثمرته ضعيفة" (١).
وذكر القلب نوعان (٢):
الأول: وهو أرفع الأذكار وأجلها الفكر في عظمة الله وجلاله وملكه وتدبيره وآياته في سمواته وأرضه.
والثاني: ذكره بالقلب عند أمره بالامتثال، وعند نهيه بالاجتناب، ويتوقف عما أشكل عليه.
المطلب الثاني: أعظم الذكر ما اجتمع فيه القلب واللسان.
وأعظم الذكر ما اجتمع فيه القلب مع اللسان لأنه بهذا يحدث أثر هذه العبادة العظيمة على حياة المسلم، فينتفع بذكره ويرتفع به عند الله؛ ولأن" المراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبر ما يذكر، ويتعقل معناه، فالتدبر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود" (٣).
стр. 121
ويربط الله في القرآن بين ذكره ووجل القلوب بسبب تدبرها لما تقول، فيقول تعالى في أول صفات المؤمنين حقاٌ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
وقال تعالى في أول صفات المخبتين: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥].
وذكر سبحانه أن المؤمنين تطمئن قلوبهم بذكره، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وكل هذه الآثار تحدث إذا حضر القلب مع اللسان، فحدث تدبر القلب لذكر الله باللسان، وعند ذلك تظهر هذه الآثار من وجل القلب وخوفه من الله وطمأنينته واستقراره وسعادته وبهجته العظيمة وانشراحه، وكل هذه وغيرها من ثمرات تواطئ القلب واللسان على ذكر الله تعالى.
المطلب الثالث: ذكر اللسان والدعاء بدون حضور القلب.
وأقل أنواع الذكر أثراً على صاحبه ذكر اللسان فقط بدون حضور القلب، وإن كان فيه الأجر العظيم والثواب الجزيل المترتب على ذكر الله، لكنه أقل ممن حضر فيه القلب، يقول ابن القيم ﵀: " والله تعالى لا يضيع أجر ذكر اللسان المجرد، بل يثيب الذاكر وإن كان قلبه غافلاً، ولكن ثواب دون ثواب" (١).
ويقول ابن علان في شرحه لأذكار النووي: " وأما ذكر اللسان مجرداً فهو أضعف الأذكار وفيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث" (٢).
стр. 122
وقد سبق الكلام عن فوائد الذكر، وكما ورد في الحديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ " (١).
стр. 123
المطلب الرابع: التضرع في الدعاء وعلاقته بالقلب.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
يقول الشنقيطي ﵀ في معنى التضرع: " (التضرع): التذلل والخضوع لله، وكثيراً ما يظهر أثر ذلك في الدعاء بأن يبتهل ذلك الذليل الخائف من الله يبتهل متضرعاً يناجي ربه (جل وعلا). و (الضارع): هو الذليل الخائف، و (الضراعة): الذل والخشوع والخوف" (١).
وعلى هذا فهناك ارتباط وثيق بين القلب والتضرع، فلا يكون العبد متضرعاً إلى ربه إذا كان القلب متوجهاً إلى الله ومتعلقاً به؛ لأن التضرع خضوع وتذلل لله في القلب يظهر أثره على الجوارح في شدة رفع اليدين والإلحاح على الله والإخلاص لله وسلامة القلب عند ذلك من التعلق بغير الله.
والله يحب من عباده أن يسمع تضرعهم ليرفع عنهم ما نزل بهم من بلاء، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].
ودونك هذه الأمثلة من القرآن العظيم لقوم هم أعداء لله ويعبدون غيره لكن في حالة الشدة تضرعوا إلى الله بإخلاص له، فاستجاب دعاءهم مع علمه سبحانه أنهم سيعودون إلى ما كانوا عليه؛ لكن لما حصل في الدعاء التضرع والإخلاص لم يرد الله دعوتهم، فكيف بك يا أخي
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ٦٣ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].
وتأمل في هذه الأمثلة ترى مظاهر التضرع فيها واضحة وتعلق القلب بالله، مع الإخلاص لله تعالى، وهم مع ذلك في بعد عن الله ولكن من رحمته أنه إذا أخلص العبد في دعائه وتضرعه فمن رحمته أنه لا يرده، فافرح أيها المسلم بهذا الباب العظيم الذي فتح فادخل منه على ربك وعلق قلبك به ترى العجب من فضله وبركاته عليك.
المطلب الخامس: الخوف والطمع عند الدعاء.
وهذه حقيقة عظيمة ترتبط بهذه العبادة، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
"﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أي: خوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه، طمعاً في قبولها، وخوفاً من ردها، لا دعاء عبد مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل لاهٍ" (١).
وفي هذه الحال حين يقع الدعاء على هاتين الصفتين العظيمتين ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ فلا بد أن يكون هناك توافق بين القلب واللسان حتى يحصل هذا العمل القلبي الخوف من الله والرجاء.
ولهذا وصف الله الأنبياء ومن سار على طريقهم من عباده الصالحين بما يأتي:
стр. 126
فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى عنهم: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ١٥ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
قال السعدي ﵀ في معنى الآيات: "لما ذكر تعالى الكافرين بآياته، وما أعد لهم من العذاب، ذكر المؤمنين بها، ووصفهم، وما أعد لهم من الثواب، فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِئَايَاتِنَا﴾ أي: إيمانًا حقيقيًا، من يوجد منه شواهد الإيمان، وهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ بآيات ربهم فتليت عليهم آيات القرآن، وأتتهم النصائح على أيدي رسل الله، ودُعُوا إلى التذكر، سمعوها فقبلوها، وانقادوا، و ﴿خَرُّوا سُجَّدا﴾ أي: خاضعين لها، خضوع ذكر لله، وفرح بمعرفته.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا بقلوبهم، ولا بأبدانهم، فيمتنعون من الانقياد لها، بل متواضعون لها، قد تلقوها بالقبول، والتسليم، وقابلوها بالانشراح والتسليم، وتوصلوا بها إلى مرضاة الرب الرحيم، واهتدوا بها إلى الصراط المستقيم.
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ أي: ترتفع جنوبهم، وتنزعج عن مضاجعها اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل، ومناجاة الله تعالى.
ولهذا قال: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، ودفع مضارهما. ﴿خَوْفًا وَطَمَعا﴾ أي: جامعين بين الوصفين، خوفًا أن ترد أعمالهم، وطمعًا في قبولها، خوفًا من عذاب الله، وطمعًا في ثوابه.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من الرزق، قليلًا كان أو كثيرًا ﴿يُنفِقُونَ﴾ ولم يذكر قيد النفقة، ولا المنفق عليه، ليدل على العموم، فإنه يدخل فيه، النفقة الواجبة، كالزكوات، والكفارات، ونفقة
стр. 127
الزوجات والأقارب، والنفقة المستحبة في وجوه الخير، والنفقة والإحسان المالي، خير مطلقًا، سواء وافق غنيًا أو فقيرًا، قريبًا أو بعيدًا، ولكن الأجر يتفاوت، بتفاوت النفع، فهذا عملهم.
وأما جزاؤهم، فقال: ﴿١٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ يدخل فيه جميع نفوس الخلق، لكونها نكرة في سياق النفي. أي: فلا يعلم أحد ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ من الخير الكثير، والنعيم الغزير، والفرح والسرور، واللذة والحبور، كما قال تعالى على لسان رسوله: "أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"
فكما صلوا في الليل، ودعوا، وأخفوا العمل، جازاهم من جنس عملهم، فأخفى أجرهم، ولهذا قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ " (١).
стр. 128
المبحث الخامس: من فوائد وثمرات تحقيق عمل القلب في عبادة الذكر والدعاء، وفيه عدة مطالب.
المطلب الأول: الشعور بمعية الله لعبده.
ومعية الله هنا هي: المعية الخاصة التي تقتضي المحبة، والنصرة والتأييد، والمعونة والهداية، والحفظ والحماية، والقرب من عبده (١)، فذكر الله ودعاؤه، فبذلك تستجلب معية الله الخاصة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَاءٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَاءٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» الحديث (٢).
وأما الدعاء فقد قال الله تعالى عن قربه من عبده الذي يدعوه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ويقولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي» (٣).
وللشعور بهذه المعية الخاصة من الله تعالى لعبده المؤمن الذاكر له والداعي، يظهر أثرها على حياته في زيادة إقباله على كثرة الذكر والدعاء الخاشع مع حضور القلب، وذلك يجعله يذوق حلاوة العبادة ولذتها، وهذه بعض آثار المعية الخاصة على العبد المؤمن، وسيأتي مزيد تفصيل لبعضها:
١. توفيق الله وإعانته له.
٢. رعاية الله وعنايته وحفظه لعبده.
٣. نصر الله وتأييده.
стр. 129
٤. طمأنينة القلب، وانشراح الصدر، والثقة في وعد الله، وأوضح ما يكون عند الشدائد.
ودونك على سبيل المثال هذين الموقفين:
الموقف الأول: قال تعالى عن نبيه ﷺ وهو في الغار يطارده أعداؤه: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا! فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ -يَا أَبَا بَكْرٍ- بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟!» (١).
وفي حديث الهجرة الطويل، في آخره قال النبي ﷺ لأبي بكر ﵁: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟»، قال: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُتِينَا، فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللهَ مَعَنَا» فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا، أُرَى فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ فَدَعَا اللهَ، فَنَجَا، فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا (٢).
الموقف الثاني: قال تعالى عن موسى ﵇ في ثقته بربه لما لحق بهم فرعون وجنوده، فصار العدو من خلفهم والبحر أمامهم، وليس معهم مراكب يجتازون بها البحر، فحصلت هزة قوية جعلت أصحاب القلوب التي ضعف تعلقها بالله تضطرب وتشعر بالهلاك، فقال الله عنهم وعن موسى الواثق بربه الذي تعلق قلبه به، وهو يشعر بقربه منه ومعيته له: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ
стр. 130
قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٨] ..
٥ - تثبيت الله للمؤمن عند لقاء العدو في ساحات الوغى:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
وهذا النصر والثبات مشروط بنصرتهم لدين الله، فإذا فعلوا ونصروا دينه، وقاموا به في أنفسهم، ودعوا إليه وجاهدوا أعداءه مخلصين لله، كان الله معهم بالنصر والتثبيت.
قال السعدي ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: "هذا أمر منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره" (١).
بل ويسخر الله الملائكة تقف معه بالتثبيت والتأييد، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، وهذا ما حصل لأصحاب رسول الله ﷺ في بدر.
٦. الثبات على الحق إذا هبّت أعاصير الفتن:
ومن أسباب الثبات على الحق شعوره بمعية الله له، ولذا تجد العبد المؤمن يجتهد في إصلاح قلبه، و يتفقده وينقيه من الشوائب حتى يثبته الله على الحق إذا هبت أعاصير الفتن.
стр. 131
ومن آثار هذه المعية أنه يجد إعانة الله تجلي له طريق الحق فلا يلتبس عليه بطريق الباطل، وذلك بنور الوحي الذي يقذفه الله في قلبه، فيفتح الله له بنوره باب الحق، ويثبته الله عليه إلى أن يلقاه على الحق غير مغير ولا مبدل، قال تعالى عن آثار هذا النور: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ١٧٤ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيما﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥].
وقال تعالى في بيان هداية الوحيين: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٢ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
٧. القوة في الحق وعدم الخوف من غير الله:
وهذه ثمرة من ثمرات معية الله الخاصة لعبده، وهو أحوج ما يكون لذلك؛ لأنه يواجه شياطين الإنس والجن، الذين يسعون في الأرض فسادًا، فهو بحاجة ماسة لرعاية الله وعنايته به، فإذا حصل ذلك وجد أثره قوة في قلبه، ولا يكون في قلبه خوف من أحد غير الله، قال الله تعالى لنبيه وكليمه موسى ووزيره هارون لما أرسلهما دعاة إلى الله تعالى إلى فرعون الطاغية المتجبر المتكبر: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٦].
стр. 132
ولما يشعر العبد المؤمن بقرب ربه منه، فيقبل عليه، ويزداد خشوعًا، وذلًّا وخضوعًا لربه، فيسارع ويسابق إلى مرضاته: قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وهذه من أعظم فوائد الذكر والدعاء التي تجعل العبد يلتذذ بخلوته بربه ويسعد بها ويجد فيها أنسه وراحة قلبه، ودونك هذه الآثار عن السلف في هذ المعنى التي أوردها ابن رجب ﵀ في كتابه العظيم جامع العلوم والحكم:
"قال بكرٌ المزنيُّ: مَنْ مثلُك يا ابنَ آدم: خُلِّي بينَك وبينَ المحراب والماء، كلَّما شئتَ، دخلتَ على اللهِ ، ليس بينَكَ وبينَه تَرجُمان.
ومن وصل إلى استحضارِ هذا في حال ذكره لله وعبادته، استأنسَ بالله، واستوحش مِنْ خلقه ضرورةً.
قال ثور بن يزيد: قرأتُ في بعضِ الكُتب أن عيسى ﵇ قال: يا معشر الحواريِّين، كلِّموا الله كثيرًا، وكلِّموا الناسَ قليلًا، قالوا: كيف نكلِّمُ الله كثيرًا؟ قال: اخلُوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه. خرجه أبو نعيم.
وخرَّج أيضًا بإسناده عن رياح، قال: كان عندنا رجلٌ يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ ألفَ ركعة، حتَّى أُقعِدَ من رجليه، فكان يصلِّي جالسًا ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى، فاستقبل القبلةَ، ويقول: عجبتُ للخليقةِ كيف أَنسَت بسواك، بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكرِ سواكَ.
وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النَّضر الحارثيِّ، فرأيتُه كأنه منقبضٌ، فقلت: كأنَّك تكره أن تُؤتى؟ قال: أجل، فقلت: أوَ ما تستوحشُ؟ فقال: كيف أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ مَنْ ذكرني.
وقيل لمالك بن مِغول وهو جالسٌ في بيته وحده: ألا تستوحشُ؟ فقال: ويستوحشُ مع اللهِ أحدٌ؟.
стр. 133
وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقولُ: من لم تَقرَّ عينُه بكَ، فلا قرَّت عينُه، ومن لم يأنس بكَ، فلا أنِسَ.
وقال غزوان: إنِّي أصبتُ راحةَ قلبي في مُجالسة مَنْ لديه حاجتي.
وقال مسلم بنُ يسار: ما تلذَّذ المتلذِّذونَ بمثلِ الخَلْوة بمناجاةِ اللهِ .
وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجتُ من بابي أبدًا حتى أموت، وقال: ما يجدُ المطيعونَ لله لذَّةً في الدُّنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيِّدهم، ولا أحسب لهم في الآخرة مِنْ عظيم الثَّواب أكبرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم مِنَ النَّظر إليه، ثم غُشي عليه.
وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى الدَّرجات أن تنقطعَ إلى ربِّك، وتستأنِسَ إليه بقلبك، وعقلك، وجميع جوارحك حتَّى لا ترجُو إلَّا ربَّك، ولا تخاف الَّا ذنبكَ، وترسخ محبته في قلبك حتَّى لا تُؤثِرَ عليها شيئًا، فإذا كنت كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنت، أو في بحر، أو في سهلٍ، أو في جبلٍ، وكان شوقُك إلى لقاء الحبيب شوقَ الظَّمآن إلى الماء البارد، وشوقَ الجائعِ إلى الطَّعام الطيب، ويكونُ ذكر الله عندكَ أحلى مِنَ العسل، وأحلى من المَاء العذبِ الصَّافي عند العطشان في اليوم الصَّائف.
وقال معروف لرجلٍ: توكَّل على الله حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ.
وقال ذو النون: مِنْ علامة المحبِّين لله أن لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه، ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى، أَنِسَ بالله، لأنَّ الله تعالى أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه" والى هنا انتهى المنقول من جامع العلوم والحكم (١).
стр. 134
المطلب الثاني: تحقيق التوحيد.
وقد سبق الكلام عن هذه الفائدة العظيمة، وأضيف هنا أن الإخلاص لله تعالى والمتابعة لهدي النبي في عبادة الذكر والدعاء يثمر صفاء العقيدة من شوائب الشرك في هذا المجال، وتحقيق التوحيد والحرص على حماية جنابه من كل وسيلة وذريعة تؤثر عليه وتكدر صفوه.
المطلب الثالث: ذكر الله لعبده.
وفي الذكر فائدة عظيمة جليلة المقدار، وهي أن الله بجلاله وعظمته وكماله يتفضل على العبد الذي يذكره بذكره له، وهذا والله هو أعظم الشرف، وأي شرف يداني هذا الشرف؟ وأية عزة ورفعة تداني هذا الأمر؟ وقال الله تعالى في بيان ذلك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وكما سبق في الحديث: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: … فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَاءٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَاءٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» الحديث.
وعَن النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ ، أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ " (١).
ويقول ابن القيم ﵀ عن هذه الفائدة العظيمة لذكر الله: "ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا" (٢).
وإذا أستشعر العبد هذا المعنى العظيم بقلبه زاد إقباله على كثرة ذكر الله؛ لأنه يريد الزيادة من هذا الشرف العظيم بذكر الله له في نفسه أو في الملأ الأعلى، وما يترتب عليه من خير عظيم جليل المقدار في الدنيا والآخرة.
стр. 135
المطلب الرابع: يطرد الشيطان ويقمعه، ويكون العبد في حصن حصين منه.
وهذه من أعظم فوائد الذكر، فإن الذاكر لله تعالى في حصن حصين من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧].
وقال ﷺ : «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ» (١).
ويقول ابن القيم ﵀ معلقاً على هذا الحديث: " فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لَهِجًا بذكره؛ فإنّه لا يُحْرِزُ نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يَدْخُل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يَرْصُدُه، فإذا غفل وثَبَ عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله وتصاغر وانقمع، حتى يكون كالوصْع (٢) وكالذباب، ولهذا سُمِّي الوسواس الخناس، أي: يوسوس في الصدور؛ فإذا ذُكِر الله تعالى خَنَس، أي: كف وانقبض.
وقال ابن عباس: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفلَ وَسْوَسَ، فإذا ذكر الله تعالى خَنَس" (٣) " (٤).
стр. 136
المطلب الخامس: خشوع القلب وطمأنينة التي تؤثر على الروح والجسد.
وللذكر أثر عظيم على طمأنينة القلب وخشوعه، وكذلك الدعاء له أثره الكبير على القلب والروح والجسد، وعلى حياة العبد في حصول المطالب وقضاء الحاجات، ودفع المصاعب والأخطار.
ودعاء الله على رأس الذكر لله تعالى، وقال تعالى في بيان أثر الذكر على القلب: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
دلت الآية على أثر ذكر الله على قلب المؤمن، فهو يأنس ويطيب ويسكن بذكر الله تعالى (١).
وهو يجلب لقلب الذاكر الفرح والسرور والراحة والطمأنينة والاستقرار واللذة والخشوع، ويزيل ما في القلوب من اضطراب وقلق وهم وحزن، ويبدل ذلك بالأنس والراحة والفرح، وحقيق بالقلوب وحري بها ألا تطمئن لشيء سوى ذكره ﵎ (٢).
بل إن الذكر هو حياة القلب حقيقة، وهو قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته، فلا حياة للقلب حقيقة إلا بذكر الله، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء" (٣).
ومن أسباب الطمأنينة والسكينة والراحة النفسية مجالس الذكر، كما في الحديث يقول ﷺ : «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (٤).
стр. 137
المطلب السادس: زيادة تعلق القلب بالله والدار الآخرة.
إن القلب المقبل على ذكر الله ودعائه، يزيد فيه تعلقه بربه والدار الآخرة، ولا يلتفت إلى الدنيا ولا تغره ولا تخدعه، بل هو يعرف الدنيا على حقيقتها، ويعرف الآخرة على حقيقتها، ويزن الدنيا بميزان العدل، فيسخرها من أجل مرضاة ربه والفوز بجنته، فلا تشغله وتلهيه الدنيا عن كثرة ذكر الله والإقبال على الدعاء مع حضور القلب، بل قلبه متعلق بربه والدار الآخرة، كما قال تعالى عنهم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ٣٦ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].
بل جاء التحذير من ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].
المطلب السابع: كثرة الذكر والدعاء أمان من النفاق.
قال ابن القيم ﵀ عن هذه الفائدة العظيمة من فوائد كثرة الذكر: " أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله .
قال الله في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق (١).
ولهذا -والله أعلم- ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 138
الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]؛ فإن في ذلك تحذيراً من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله ، فوقعوا في النفاق.
وسئل بعض الصحابة ﵃ عن الخوارج: أمنافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً (١).
فهذا من علامة النفاق: قلة ذكر الله ، وكثرة ذكره أمان من النفاق، والله أكرم من أن يبتلي قلباً ذاكراً بالنفاق، وإنما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله " (٢).
المطلب الثامن: من أسباب زيادة الإيمان.
وكثرة ذكر الله ودعاؤه من الأعمال الجليلة التي لها أثر كبير في زيادة إيمان العبد.
أجمع أئمة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص (٣)، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ولا شك أن الذكر والدعاء من أعظم الطاعات التي بها يزيد الإيمان ولاسيّما إذا اتفق القلب واللسان.
قال تعالى في بيان ذلك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
стр. 139
المطلب التاسع: الحفظ والحماية ورعاية الله له.
وإن كان هذا الأمر مرتبطاً بمعية الله الخاصة للذاكر والداعي التي سبق الكلام، إلا أن هناك أذكار وأدعية لها أثر كبير في حفظ الله وحمايته لعبده ورعايته له، وقد جعلها الله أسباباً لذلك، ومنها:
أذكار الصباح والمساء وبقية الأذكار المقيدة بزمان أو مكان.
الدعاء وأثره العظيم في جلب المنافع ودفع المكروه، ومن ذلك قوله ﷺ : «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» (١)، وقال ﷺ : «وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاء» الحديث (٢).
أدعية لها أثر في الحفظ ورعاية الله لعبده كدعاء السفر ونحوه.
المطلب العاشر: وجل القلب والخوف من الله.
وقال تعالى في أول صفات المؤمنين حقاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآيات.
وهذه صفة عظيمة من صفات المؤمنين حقاً أنهم إذا ذُكِرَ الله خافت قلوبهم من خشية الله وتعظيمه، وذلك حين يسمع العبد المؤمن بقلبه وإذنه ويذكر الله ويتذكره بقلبه ولسانه، فيوجب ذلك له خشية الله التي تجعله ينكف عن المحارم، فإن الخوف من الله من أعظم علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب (٣).
стр. 140
وقال تعالى في أول صفات المخبتين: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ٣٤ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥] الآية.
والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده، ومن أول صفاته أنه إذا ذكر الله وجل قلبه بمعنى خاف من الله تعظيماً له، فترك لذلك المحرمات لخوفه ووجله من الله وحده (١).
المطلب الحادي عشر: الثقة بالله وحسن الظن به.
ومن أقبل على ذكر الله ودعائه بقلب حاضر قويت ثقته بالله، وتعلق قلبه به، وحَسُنَ ظنه بربه ، وقد وربط الله بين حسن الظن به والذكر والدعاء، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي .. " الحديث.
ويقولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي».
وقال تعالى عن قربه من عبده إذا دعاه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ومما يدل على أهمية حسن الظن بالله وعظيم الثقة به، أن يعزم العبد في دعائه ويلح على ربه ويعظم الرغبة مع حضور القلب واستشعار عظمة الله وقدرته على كل شيء وأنه لا يعجزه شيء ، قال ﷺ : «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (٢).
وقال ﷺ : «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (٣).
وهذه المعاني العظيمة التي يدل عليها الحديث، تقوي ثقة العبد بربه وحسن ظنه به، فيتعلق قلبه به، ولا يلتفت إلى أحد غيره في الرغبة والرهبة.
стр. 141
المطلب الثاني عشر: الثبات في المعركة والنصر والتأييد (١).
لقد جاءت النصوص الكثيرة في بيان أن كثرة الذكر والتضرع إلى الله؛ من أعظم أسباب النصر والتأييد والتمكين والثبات في المعارك، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وقال تعالى يصف دعاء المؤمنين في يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩].
لقد كانت مشاعر المؤمنين قبل المعركة متوجهة إلى مالك النصر في لهفة واضطرار تطلب الغوث منه والنجدة، بنصر من عنده، فكان المدد بالملائكة والنصر من الله - سبحانه -، واستجابة الدعاء من الله، حتى لقد علم المؤمنون أنهم إنما نصروا بنصر الله، لا بعددهم ولا بسالتهم، ووصلوا إلى النصر بسهولة ودون عظيم خسارة هناك.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
أما الحال في حنين، فيصوره القرآن كذلك ويذكر حال الجماعة المؤمنة، فلا يذكر عنهم أنهم تضرعوا ولا دعوا، فقلت لديهم الضراعة، بل اضمحلت فيهم اضمحلالًا ظاهرًا، بل بالعكس وقع في النفوس العجب بكثرة العدد والركون إليها والتعويل عليها، وهنا يأتي سياق القرآن بذكر ما استكن في قلوب المؤمنين وهم يسيرون إلى عدوهم فلا يذكر إقبالًا على دعاء الله منها، ولا طلب نصر منه، ولا استغاثة بربهم كما كان الحال في بدر، بل يذكر ما استكن فيها من العجب بالكثرة والالتفات إليها أكثر من الالتفات إلى دعاء واهب النصر، حتى كانت الكلمة الرائجة في الجيش "لن نغلب اليوم عن قلة" (٢)، فكانت الهزيمة الفاضحة في أول الأمر حتى أثبتت للمؤمنين أن الاعتماد يجب أن لا ينصرف إلى كثرة عدد ولا قوة مدد، ولا وفرة العتاد
стр. 142
والآلة؛ وإنما الاعتماد إلى واهب النصر وحده، الذي نصرهم وهم أذلة في بدر حين قصدوه، ووجهوا القلوب متضرعة إليه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ٢٥ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
وبعد أن تلقى أهل الإيمان درسًا فريدًا، وعلموا أن الكثرة ما أغنت ولا أجدت؛ شاء الله - سبحانه - أن يكمل لهم بقية الدرس ويريهم كيف ينزل النصر؟ وإذا أرادوه فمن أي باب يطرقونه؟ فهذا هو رسول الله ﷺ يثبت في رجال معه، وينزل عن بغلته ويقول: "اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ" (١)، ويستنصر الله ويدعوه فينزل الله سكينته عليه وعلى المؤمنين، وينزل سبحانه جنودًا لم يروها، فيكون النصر المبين من الله، والذي صنعه الله لنبيه ﷺ والمؤمنين حين دعوه وتضرعوا إليه وثبتوا على ذلك يدعون ويتضرعون، وهكذا نرى رسول الله ﷺ يثبت ويدعو الله ويستنزله نصره حتى كان النصر من الله الموصوف في الآية: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].
إن الضراعة والابتهال إلى الله بإنزال النصر لم تكن شأن النبي ﷺ في حنين فقط، بل "كان ﷺ إذا لقي عدوه، وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله" (٢).
وهذا هو القرآن الكريم لا يكاد يذكر نصرًا وتمكينًا لدعوة الحق إلا ويذكر قبله أنه استنزل من خزائن مالك الملك بالضراعة والدعاء فهذا نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام
стр. 143
وضراعته إلى ربه، فقال تعالى في شأنه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ١٠ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ١١ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ١٢ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ١٣ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ١٤ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٥ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٠ - ١٦].
وقال تعالى في شأنه كذلك: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ١١٦ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ١١٧ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ١١٨ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ١١٩ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ١٢٠ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦ - ١٢١].
وقال تعالى في بيان أثر الدعاء والضراعة فيه: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ١٤٦ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ١٤٧ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨].
والأدلة على إثبات ضراعة الأنبياء ﵈ في دعائهم ربهم لطلب النصر كثيرة جداً.
المطلب الثالث عشر: صلاح الظاهر والباطن.
الإقبال على كثرة ذكر الله تعالى وكثرة دعائه يؤدي إلى صلاح باطن العبد؛ لما في الذكر والدعاء من الأثر العظيم على صلاح القلب، الذي يترتب عليه صلاح ظاهر العبد، كما في الحديث الذي سبق مراراً، قال ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
ومن علامات صلاح باطن العبد صلاح ظاهره للتلازم الكبير بين الظاهر والباطن، وكما يقول شيخ الإسلام ﵀: " العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل
стр. 144
انتفاء الباطن" (١)، وعليه فكثرة ذكر الله على المنهج الذي يحبه الله كما كان الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ علامة صادقة على صلاح القلب وسلامته، وقال ابن القيم ﵀: " ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلا بمن يَدُلُّهُ عليه، ويُذكِّره به، ويذاكره بهذا الأمر" (٢)، وذكر الله تعالى في كتابه، حال عباده المؤمنين أولي الألباب الذين يذكرون الله على كل أحوالهم، وهذا يدل على سلامة قلوبهم وصلاحها، فقال تعالى عنهم في بيان ذلك: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
وقال سبحانه في أول صفة للمؤمنين حقاً تدل على ارتباط الظاهر بالباطن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] الآيات.
وقال تعالى في أول صفات المخبتين: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥] الآية.
стр. 145
المطلب الرابع عشر: الثبات حتى الممات وحسن الخاتمة.
ومن أعظم أسباب الثبات الإكثار من ذكر الله تعالى ومنه الدعاء والتضرع، فقال تعالى في بيان ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، فرتب سبحانه الثبات عند مواجهة العدو على كثرة ذكر الله.
والثبات من الله عزوجل كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
قال السعدي ﵀: "يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها.
وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب الصحيح، إذا قيل للميت: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ هداهم للجواب الصحيح بأن يقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي. ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عن الصواب في الدنيا والآخرة، وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم" (١).
وقال ﵀ في موطن آخر: "وأصل الثبات: ثبات القلب وصبره، ويقينه عند ورود كل فتنة، فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، فأهل الإيمان أهدى الناس قلوبًا، وأثبتهم عند المزعجات والمقلقات، وذلك لما معهم من الإيمان" (٢).
ومما يبرز أهمية توفيق الله للعبد للثبات على الدين الحق إلى الممات والتوفيق لحسن الخاتمة تكرار الدعاء العظيم في كل ركعة من الصلاة لطلب الهداية من الله والثبات عليها، قال تعالى: