← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1277

أثر عمل القلب على عبادة الذكر والدعاء

إبراهيم بن حسن الحضريتي

Полный текст (204 стр.). Показаны 176–204 · переход к 181.

стр. 176

وفى هذا إبطالُ قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ ، وهو باطل من عِدّة أوجه: منها: أن الأحاديث كلَّها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعلِّلون بالنجاسة. ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة؛ فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، ليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طرِيُّون. ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها. ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرةَ والحمامَ، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحُشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور. ومنها: أن موضع مسجده ﷺ كان مقبرة للمشركين، فنَبَش قبورَهم وسَوّاها واتخذه مسجدًا، ولم ينقل ذلك الترابَ، بل سوى الأرض ومهّدها وصلى فيه. كما ثبت في «الصحيحين» عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، فنزل بأعلى المدينة في حَيٍّ يقال لهم: بنو عمرو بن عَوْف، فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا مُتَقَلِّدين السيوفَ، وكأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته، وأبو بكر دونه، وملأُ بَنِي النجار حوله، حتى ألْقى بفناء أبي أيوب، وكان يُحبّ أن يصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مَرابِض الغنم، وإنه أمَر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار، فقال: «يا بني النجار! ثامِنُوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله، لا نطلبُ ثمنه إلا إلى الله، فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقبور

стр. 177

المشركين فنُبِشت، ثم بالخَرب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفّوا النخل قِبْلَة المسجد، وجعلوا عِضادَتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يَرْتَجزون. وذكر الحديث (١). ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عُبّاد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر، فإذا نهى عن ذلك سدًّا لذريعة التشبه الذي لا يكاد يخطر ببال المصلي؛ فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرًا ما تدعو صاحبها إلى الشرك، ودعاء الموتى، واستيجابهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد، وغير ذلك، مما هو محادّة ظاهرة لله ورسوله؟ فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة مما يدل على أن النبي ﷺ قصد منع الأمة من الفتنة بالقبور؛ كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم؟ ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا. ومنها: أنه قرن في اللعنة بين متخذي المساجد عليها، وموقدي السُّرُج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفى ارتكاب الكبيرة صِنوان؛ فإن كل ما لَعَن عليه رسول الله ﷺ فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السُّرج عليها إنما لُعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نُصُبًا يُوفِضُ إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها، ولهذا قرن بينهما؛ فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها، وتعريض للفتنة بها، ولهذا حكى الله سبحانه عن المتغلِّبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١].

стр. 178

ومنها: أنه ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فذِكْرُهُ ذلك عَقيبَ قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (١) تنبيه منه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسُّلهم بذلك إلى أن تصير أوثانًا تُعبد. وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفَهِمَ عن الرسول ﷺ مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه واللعن والنهي بصيغتيه صيغة «لا تفعلوا»، وصيغة «إني أنهاكم» ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربَّه ومولاه، وقلّ نصيبه أو عُدِمَ من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانةٌ لحِمَى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريدٌ له وغضب لربِّه أن يُعدَل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابًا لنهيه، وغَرّهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشدَّ لها تعظيمًا، وأشدَّ فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعَمْرُ الله مِنْ هذا الباب بعينه دُخِلَ على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دُخِلَ على عبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهَدَى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم، وإنزالِهِمْ منازَلُهمْ التي أنزلهم الله إياها، من العبودية وسلب

стр. 179

خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. وأمّا المشركون فعصوا أمرهم، وتنقَّصوهم في صورة التعظيم لهم" انتهى بطوله من كتاب إغاثة اللهفان (١).

стр. 180

المطلب الثالث: دور علماء السوء وأئمة الضلال (١). وهذا السبب من أعظم أسباب الانحراف في الأمة، حينما زين لها دعاة السوء وعلماء الضلال طرائق الشرك واجتهدوا في إبعاد الأمة عن الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح ونفروها من العلماء الصالحين المعتصمين بالكتاب والسنة تارة بتشويه سمعتهم وزعمهم انهم يكرهون الأنبياء والأولياء، وتارة بنسبتهم إلى فرق الضلال التي تحارب الله ورسوله، ويزعمون لاتباعهم أن هؤلاء كذلك يحاربون الله ورسوله مثل نبزهم لمن يتبعون مذهب السلف بالحشوية (٢) قديماً وبالوهابية (٣)

стр. 181

حديثاً في سلسلة من التعاون الشيطاني على ذلك، واستغلال الوسائل المتاحة لهم في تنفير الناس من أهل العلم الذين على المنهج الحق، واليوم تمكنوا من وسائل الإعلام بكل أنواعها لصد الناس عن الحق وربطهم بأهل الباطل والضلال، في حركة فكرية لا تكل ولا تمل يمدها شياطين الإنس والجن، وينفخون فيها بقوة لينشروا باطلهم وضلالهم، كما قال الله تعالى عنهم وعن اتباعهم الذين يصغون لهم بأسماعهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١١٢ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. وبعد أن كان العلماء العاملون بعلمهم هم الذين الحكام ويوجهون الشعوب، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، وكانوا يحاربون الشرك والبدع، وهم ولله الحمد يوجدون في تاريخ الأمة في كل الأوقات، إلا أنه تمر بالأمة بعض الازمان يتمكن فيها علماء السوء في بعض بلدان المسلمين، فيتركوا هذا الواجب الديني المنوط بهم ويرضوا بالحياة الدنيا ويركنوا إليها طمعاً في زهرتها، فيتقربوا إلى بعض أئمة الضلال بتحوير نصوص الكتاب والسنة والإفتاء على حسب أهواء العوام والسلاطين لينالوا حظوة وقربى لديهم ويبحثون عن الرخص، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تصنيف كتب لأهل الأهواء، وبعض علماء السوء يتقرب إلى العوام والجهال بتبرير وإجازة ما يفعلونه من بدع وشركيات وخرافات، فتارة يؤولوه بالمجاز، وتارة بالتوسل، وتارة يؤيدوه بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، وتارة بحجج فلسفية، ومنهم من يؤلف في إباحة دعاء الموتى وإنزال الحوائج بهم مؤلفات، وينشرها بين الجهال؛ لينال حظوة عندهم بذلك، وللتقرب لذوي السلطة ليمكنوه من صناديق النذور

стр. 182

والانتفاع بما فيها من الأموال، فهؤلاء الذين ابتليت بهم الأمة في الكثير من ديار المسلمين هم من جملة أسباب انتشار دعاء الموتى والاستعانة بهم. وقد عكسوا القضية من حيث أن الله أمرهم بتبليغ الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما من شك أن أعظم المنكرات الشرك بالله تعالى. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقد خاف الرسول ﷺ على أمته من أئمة الضلال، فقال محذراً منهم: " وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ"الحديث (١). وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (٢). وقد وقع ما خاف منه النبي ﷺ وحذر الأمة منه، فوقع في بعض فترات ضعف الأمة وغفلتها عن الاعتصام بالكتاب والسنة، تسلط بعض أئمة الضلال من الرافضة والباطنية والزنادقة، فنشروا العقائد الضالة والأفكار المنحرفة بكل ما أمكنهم من وسائل، فتسلطت الدولة العبيدية

стр. 183

المسماة زوراً بالفاطمية ونشرت بقوة السلطان المعتقدات الباطلة وبنت المشاهد على القبور ودعت إلى عبادة قادتها، وسهلت للناس عبادة القبور والتعلق بها. وهناك من الفرق الضالة من غلوا في أئمة آل البيت، وبنوا على قبورهم أو الأماكن التي يزعمون أنها قبورهم المشاهد والقباب والأضرحة المزخرفة ولا يزالون إلى يومك هذا ينشرون في بلاد المسلمين ويفسدون عقائد الأمة بشتى الوسائل. وكذلك بعض من نشر دعاء غير الله زنادقة يحاربون الإسلام وأهله ويتخفون تحت مسميات تروج على العامة، ولذلك عدة أمثلة، منها: ٨. ومنها ما ذكره ابن الجوزي عن ابن عقيل الحنبلي أنه ذكر أن الملاحدة لما رأوا انتشار الإسلام ولم يستطيعوا مقاومته اندسوا بين المسلمين فعملوا حيلاً منها ما يقارب المعجزات من ذكر خواص في أحجار وخوارق العادات في بعض البلاد وأخبار عن المغيبات عن كثير من الكهنة والمنجمين، وبالغوا في تقرير ذلك، وذلك ليقول من رأى ذلك مع عدم علمه لقصدهم وهل ما جاء به الأنبياء إلا مقارب هذا (١). ٩. ومن ذلك ما ذكره ابن حزم أن بعض الفرس لما عجزوا عن مقاومة انتشار الإسلام أظهروا التشيع، وذلك لكيد الإسلام وأهله (٢). ١٠. وذكر ابن الجوزي في تاريخه أن اتباع القرامطة والعبيدين طائفة انقطعت دولة أسلافهم بدولة الإسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس فهؤلاء حاقدون على الإسلام كما ذكر أن منهم من قصد إبطال الإسلام ورد الدولة الفارسية وأظهر مذهب الإمامية (٣).

стр. 184

١١. وكذلك كان للصوفية دور كبير في نشر دعاء غير الله من الأولياء المقبورين، وكان منهم زنادقة تخفوا تحت مسمى التصوف ليتمكنوا من هدم الدين الحق في قلوب اتباعهم (١)، وكان لهم دور كبير في إبعاد الأمة عن عقيدة التوحيد وتزيين عقائد الشرك والتلبيس على الناس بأن ذلك هو الحق الذي جاء به الكتاب والسنة، وتزهيد الناس في العلم الصحيح الذي يرفع الجهل عنهم، وتنفيرهم من العلماء الصالحين العاملين، وإبعاد الناس عن الفهم الصحيح للقرآن والسنة بحجة صعوبة فهم القرآن والسنة، وأنه لا يستطيع فهمهما إلا من درس كل العلوم من نحو وصرف وبيان ومعان ولغة والفقه وأصوله والمنطق، وغير ذلك مما يضعونه من عوائق في طريق تدبر القرآن وفهمه وفهم أحاديث الرسول ﷺ الثابتة عنه في الصحيحين وفي غيرهما، وقل ربط القرآن بواقع الناس ولبس عليهم أن آيات الشرك إنما هي في كفار قريش، وأن ما يفعله الناس عند القبور لا يدخل تحت الشرك بل عملهم هذا من الدين وتقدير الأنبياء والصالحين وهكذا يلبس على الناس الباطل، حتى يتمكن دعاته من صد الناس عن الحق، والله المستعان.

стр. 185

المطلب الرابع: تزيين دعاة الباطل للأدعية المحدثة، واشغال اتباعهم بها عن الذكر الشرعي. وقد مر معنا الكلام على أنه ينبغي على المسلم أن يحرص على الأدعية الثابتة بنصوص الشرع، ولا يحيد عنها إلا إذا احتاج إلى دعاء خاص في رغبته وحينها لا بأس أن يدعو بمطلبه الخاص بأسلوبه الخاص؛ ولكن لا بد أن يراعي الضوابط الشرعية في ذلك الدعاء الذي ينشؤه من نفسه، وقد سبق الكلام عليها. ولقد زين أهل الضلال ودعاة الباطل لاتباعهم بأن يلتزموا بأدعية محدثة ويواظبوا عليها كأنها جاء بها النص الشرعي، وهي أدعية لا تخلوا من المحاذير الشرعية، لأن الدعاء عبادة كما نعرف والعبادة لا تأخذ إلا من الكتاب والسنة، ومن تلك الأدعية ما يرتبه أصحاب الطرق الصوفية لاتباعهم من أوراد بدعية محدثة ليس عليها دليل من كتاب أو سنة، وإنما اخترعها من يسمونهم الأولياء، وصار الاتباع يلتزمون بها أكثر من الأوراد الشرعية التي جاء بها الكتاب والسنة، بل أنهم يهجرون لأجلها ما جاء به الكتاب والسنة رغبة عنه لما زين لهم أهل الباطل من أن تلك الأوراد أفضل مما ورد في الكتاب والسنة، والله المستعان. وذلك لأن القلوب خلت من تعظيم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وتعلقت بغير الله، وترتب على ذلك الكثير من الآثار السئية على أصحاب هذه الأوراد المحدثة، ومن ذلك: يقول الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله: " وما من ريب أن هذه الأدعية المبتدعة لها نتائجها المؤسفة وآثارها السيئة على المسلم في عقيدته وأعماله التعبدية، وهي آثار كثيرة يطول حصرها، لكن قد أوجزها ولخصها الشيخ جيلان بن خضر العروسي في كتابه القيم: " الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية " (١)، في النقاط التالية: أولاً: أن الأدعية المبتدعة لا تفي بالغرض المطلوب من العبادات من تزكية النفوس وتطهيرها من الرعونات، وتقريبها إلى باريها، وتعلقها بربها رجاء ورغبة ورهبة، فهي لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ولا تهدي سبيلاً.

стр. 186

وأما الأدعية المشروعة فهي الدواء الناجع والبلسم الشافي للأدواء النفسية والأمراض القلبية والأهواء الشيطانية، فمن استبدل بها الأدعية المبتدعة فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. ثانياً: أن الأدعية المبتدعة تفوت على العبد الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي يحصل لمن التزم بالأدعية الواردة وحافظ عليها وطبقها كما وردت، فإنه يحوز السبق، ويتعرض لنفحات الرب وجوده، بخلاف من يدعو بالأدعية المبتدعة، فإنه يفوت على نفسه الأجر والثواب ويعرضها لسخط الله وغضبه. ثالثاً: عدم إجابة الأدعية المبتدعة مع أن الهدف والأساس للداعي في الغالب هو إجابة مطلوبه، ونيل مرغوبه، ودفع مرهوبه، والأدعية المبتدعة لا يجاب الداعي بها، ولا تكون متقبلة منه، وفي الحديث: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "١. رابعاً: أن الأدعية المبتدعة تشتمل غالبا على محذور شرعي، وقد يكون ذلك المحذور من وسائل الشرك وذرائعه؛ إذ البدعة تجر إلى الشرك والضلال، فمن الأدعية البدعية التي تجر إلى الشرك: التوسل البدعي، فهو الذي فتح الباب لدعاء غير الله والاستغاثة والاستمداد بغيره، وقد يكون ذلك المحذور اعتداء في الدعاء ومجاوزة للحد، وسوء أدب في خطاب الرب ومناجاته، وقد يكون ذلك المحذور ما يصحب تلك الأدعية من بدع أخرى من تحديدها بأوقات معينة وبصفات خاصة، ورفع الأصوات على نغمات معينة، وإيقاعات خاصة وأسجاع مصطنعة، وتراكيب ركيكة تمجها الأسماع، وتستقبحها القريحة السليمة. خامساً: أن الأدعية المبتدعة من التزم بها واعتادها قلما يرجع عنها إلى الأدعية المشروعة، إلا إذا وفقه الله وأعانه وهداه إلى الخير، وذلك لأن القلوب متى اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، حيث إن الملتزم بتلك الأدعية المبتدعة يعتقدها مشروعة ويدافع عنها، ولا يسمع إلى حجة ولا برهان. سادساً: أن استعمال الأدعية البدعية، وترك الأدعية المشروعة من باب استبدال الخبيث بالطيب، والضاربالنافع، والشر بالخير، وهذا ولا ريب غبن فاحش، وتهور ظاهر، وخسارة فادحة.

стр. 187

سابعاً: أن في الأدعية المبتدعة المخترعة تشبها بأهل الكتاب في اختراعهم للأدعية المخالفة لما جاءت به رسلهم، وفيها أيضا تشبه بهم في النغمات والإيقاعات والتمايلات وغير ذلك. ثامناً: أن الذي يلازم الأدعية المبتدعة المخترعة لا سيما التي هي مؤلفة من أحزاب وأوراد يكون في الغالب جاهلاً لمعناها، وتنصرف همته إلى ألفاظها، وإلى سردها سرداً بدون تدبر، مع أن المطلوب في الدعاء إحضار القلب والإخلاص في السؤال، ولا سيما أن كثيراً من هذه الأدعية عبارة عن كلمات مرصوصة خفية المعنى غامضة الدلالة، وهذا الداعي بمثل هذه الأدعية غير سائل ولا داع، بل هو حاك لكلام غيره، ثم إن اختياره ذلك الدعاء على غيره من الأدعية لأجل الذي نظمه وإعجابه به، ففي ذلك تقديس لهذا الذي جمعها، ورفع له فوق منزلته من حيث يعتقد الداعي أن لأدعيته خاصية لا توجد في غيرها، وإلا لما داوم عليها ليل نهار، بل بعضهم يصرح أن ورد شيخه أفضل الأوراد وأتمها وأكملها. وبهذا يعلم مدى جناية هذه الأدعية المخترعة على المسلمين وعظم خطورتها عليهم، وأن الواجب على كل مسلم الحذر منها والبعد عنها ومجانبتها، وأن يقتصر على الوارد والمأثور عن الرسول الكريم ﷺ ، فإنه أقوم قيلاً، وأهدى سبيلاً" (١).

стр. 188

المطلب الخامس: التعصب، والتقليد الأعمى، والتشبه بأهل الكفر. ومن مصائد الشيطان التي اصطاد بها جبلاً كثيراً من الناس وأوقعهم في الضلال ومنه الشرك في الدعاء وفي غيره، تزيينه لما عليه الآباء والأجداد والمشايخ من الضلال والعادات المخالفة لشرع الله وما يقومون به من أمور وعقائد يعتقدها الآباء والأجداد في أهل القبور ودعائهم من دون الله، فيتعصب الأبناء والاتباع لذلك ويقلدون تلقيداً أعمى حتى لا يوصمون بأنهم يعادون الآباء والأجداد والمشايخ، وهذه طريقة أبليسية قديمة متجددة في إضلال الناس وإيقاعهم في شراك الشرك بمثل هذه الوسائل، وقد جاءت النصوص ببيان ذلك، فقال تعالى عن حال المشركين وبيان السبب الذي صدهم عن الحق المبين: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٧٠ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ٧١ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠ - ٧٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ٦١ قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦١ - ٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].

стр. 189

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة في كتاب الله. أما السنة فقد ورد فيها ما يدل على خطورة التقليد الأعمى، ومن ذلك: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ فَمَنْ؟» (١). ومن أعظم الأمثلة على خطورة التعلق بما عليه الآباء والأجداد ما حصل مع عم النبي ﷺ أبي طالب، فعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]» (٢). ويدخل في هذا التشبه بأمم الكفر وعلى رأسهم اليهود والنصارى كما سبق في الأحاديث، وقال ﷺ في تحذير أمته من التشبه بالكافرين:

стр. 190

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١). وعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (٢).

стр. 191

المطلب الخامس: اتباع الهوى ومجالسة أهل البدع والأهواء. اتباع الهوى من الأبواب التي يحصل من خلالها الانحراف عن العقيدة الصحيحة، وحصول الشرك من دعاء غير الله والأذكار المحدثة، وكذلك مما يلحق باتباع الهوى مجالسة أهله الذين يزينون للناس الباطل واتباع الأهواء، قال الله تعالى محذراً من اتباع الهوى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. وذكر الله في كتابه ثمرة الخوف من الله ونهي النفس عن الهوى، فقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٤٠ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]. أما مجالسة أهل الاهواء فهي الداء الدوي والسم القوي الذي يسري إلى القلوب فيدمر ما فيها من خير ويجذبها إلى أهل الباطل ويزين مجالسهم، فحينئذ يصاب من يجالسهم بقسوة القلب وظلمته وتنفذ إلى قلبه وتتخطفه الشبه، ويصير القلب مثل الإسفنجة التي تتشرب بما حولها من القذى والقذر، فيحدث الهلاك والخسارة، ولهذا لا تستغرب تحذير السلف من مجالسة أهل الأهواء، والتنفير الشديد عن ذلك، مع قوة علمهم وقوة إيمانهم إلا أنهم كانوا يحذرون ويجذّرون من مجالسة أهل الأهواء؛ لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة. لإن مجالسة أهل الأهواء تفسد القلب وتمرضه، فلا يجد لذة في العبادة، وتذهب منه حلاوتها، وتجعله يفهم القرآن والسنة على منهج أهل البدع الذين يجالسهم فيتشرب فهمهم المنحرف للقرآن والسنة، ويصبح من دعاة الباطل المدافعين عنه وهو لا يشعر، ولذا ينبغي الحذر من مجالستهم لمن أراد السلامة لقلبه، وقد حذر النبي ﷺ أمته من هؤلاء، وبين خوفهم على أمته منهم، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ

стр. 192

تَأْوِيلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ» (١). وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ» (٢). كان من منهج السلف ﵏ الحذر من مجالسة أهل البدع والأهواء والتحذير من ذلك أشد التحذير؛ لأن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، من تعرض لها تعلقت بقلبه وأفسدته. وقبل ذكر أمثلة من حياة السلف تبين شدة تحرزهم وتحذيرهم من أهل والأهواء، أود أن أقدم بهذا التنبيه المهم. تنبيه مهم: وهذه المجالسة في زمننا لا يلزم منها حضور مجالسهم أو قراءة كتبهم؛ لأن مفهوم المجالسة تغير في زمننا بسبب ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة نتاجهم الفكري الموجود على شبكة الإنترنت، أو المتابعة التي تتم من خلال البث الفضائي. فيستطيع الواحد في هذا الزمن أن يجالس أهل البدع والأهواء ويرى ويسمع دروسهم وخطبهم ومحاضرتهم ويقرأ كتبهم وهو في بيته، وبينه وبينهم المسافات الشاسعة، وأضف إلى هذا ضعف العلم الشرعي وضعف التمسك بالدين عند المتلقين، وقدرة أصحاب الباطل على المحاجة وتلبيس الحق بالباطل؛ ولذا كان الخطر عظيمًا والخطب جليلًا، وحينها نعرف لماذا يحذر السلف من مجالسة أهل الأهواء، ويحرصون على عدم سماع كلامهم مع قوتهم العلمية، وتمكن

стр. 193

الدين من قلوبهم، وقدرتهم على المحاجة والمجادلة، إلا أن السلامة لا يعدلها شيء، والقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والشياطين حاضرة تمد أصحابها بزخرف القول الذي قال الله عنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. قال إبراهيم النخعي ﵀: "لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البِغْضَة في قلوب المؤمنين" (١). وذكر الذهبي ﵀: "عن سفيان الثوري عليه رحمة الله: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرج من عصمة الله، ووكل إلى نفسه. وعنه: من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم. قلت (٢): أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة" (٣). ومعنى كلام الإمام الذهبي ﵀: أن السلف يحذرون من سماع كلام أهل البدع؛ لأن القلوب ضعيفة سريعة التأثر بما تسمع، والشبه تخطف القلوب، وتميل بها عن طريق الهدى، ويزينها الشيطان فتزل القدم بعد ثبوتها.

стр. 194

وذكر العلماء ﵏ (١) آثارًا عن السلف في التحذير من مجالسة أهل الأهواء لخطورتها على القلوب، ومن ذلك: "قال أبو قلابة ﵀: لا تجالسوا أهل الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات-؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر، نحدثك بحديث؟ قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومان عني، أو لأقومنَّهْ، فقاما. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأ عليك آية؟! … وقال: خشيت أن يقرآ آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي. وقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة. وكان الحسن يقول: شر داء خالط قلبًا -يعني: الأهواء-. وقال حذيفة: اتقوا الله، وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا -أو قال: مبينًا-" (٢). قال رجل لابن سيرين: "إن فلانًا يريد أن يأتيك، ولا يتكلم بشيء، قال: قل لفلان: لا، ما يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع منه كلمة، فلا يرجع قلبي إلى ما كان" (٣).

стр. 195

ويروي الآجري بسنده عن مهدي بن ميمون قال: "سمعت محمدًا -يعني ابن سيرين- وماراه (١) رجل في شيء، فقال محمد: إني أعلم ما تريد، وأنا أعلم بالمراء منك، ولكني لا أماريك" (٢). وانظر إلى هذا الإمام العظيم من أكابر أهل السنة علماً وعملاً، ومع هذا العلم العظيم والقدرة على المجادلة خاف على قلبه من أن تنفذ إليه شبهة فلا يعود كما كان، وتذهب رقته وخشوعه وتلذذه بالعبادة بسبب سماع كلام أهل الباطل، فإنه يمرض القلوب ولو كانت صحيحة، ويفسدها ولو كانت سليمة فالحذر الحذر فإن سماع أو رؤية أهل الباطل تعد عقوبة عند أهل القلوب الحية، فقد دعت أم جريج الراهب على ابنها -لما انشغل بصلاة النافلة عنها- بأن يعاقبه الله برؤية وجوه العصاة من المومسات أي الزانيات، وقد عاقبه الله بذلك لأن رؤية الوجوه المظلمة يسري أثرها على القلب بشيء من الغبش في رؤية الحق، فمن سرح طرفه في تلك الوجوه وسمع لكلامها أصابت بقدر القرب ظلمة في قلبه ينعكس أثرها على نفوره من القرآن وأصحابه، وتؤثر كذلك على صفاء القلب، فتصيبه الكدورة التي تضعف فهمه للقرآن ويعجز عن تدبره، ويضيق الصدر بتلاوته، فلا يجد لذة في تدبره وفهمه، ولا ينتفع بمواعظه وزواجره ووعده ووعيده، وقد يصل الحال بقلبه أن يتلذذ بالشهوة الحرام من سماع المعازف ما لا يجده عند تلاوته أو سماعه، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 196

المبحث السابع: من آثار عدم تحقيق عمل القلب في الذكر والدعاء، وفيه تمهيد وعدة مطالب. التمهيد: كما سبق معنا مراراً ارتباط عبادة الذكر والدعاء بعمل القلب وبالأخص محبة الله والخوف منه ورجاؤه، ولهذا إذا حصل الخلل في هذه العبادات القلبية، أدى ذلك إلى الانحراف في هذه العبادة، وإليك بعض التفصيل في ذلك، في هذه المطالب: المطلب الأول: الوقوع في الشرك (١). إذا حصل خلل في العبادات القلبية من الحب والخوف والرجاء والتوكل ونحو ذلك انعكس أثرها على عمل الجوارح لأن القلب هو المحرك لها كما مر معنا مراراً حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ». فيقع في القلوب تعلق بغير الله في عبادة الدعاء التي هي من أعظم العبادات بنص الحديث «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، فيقع الإنسان في الشرك بدعاء غير الله والاستغاثة والاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله كسؤال الأموات والغائبين من الجن والملائكة والاستغاثة بهم، وطلب كشف الضر منهم ويجعلونهم وسائط بينهم وبين الله في قضاء الحوائج. ويدخل في ذلك طلب قضاء الحوائج من شخص حاضر مما لا يقدر عليه إلا الله، كسؤالهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات ونحوه، وسبق الكلام عن أن الدعاء حق خالص لله، فمن دعا غيره فقد وقع في الشرك.

стр. 197

و"سؤال الميت والغائب نبيًاً كان أو غيره من المحرمات المنكرة؛ باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحسنه أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين، فإن أحدًا منهم ما كان يقول إذا نزلت به تِرة أو عرضت له حاجة لميت يا: سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته؛ ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال، ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين" (١). "فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله كما تقدم، فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء - هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة، ويتقربون إليهم ليشفعوا لهم عند الله" (٢). المطلب الثاني: الوقوع في البدعة. وقد مر معنا أن الذكر والدعاء عبادة لا تقبل إلا بتحقيق شروط قبول العبادة، والتي منها متابعة النبي ﷺ في هذه العبادة وعدم الخروج عن سنته ﷺ ، وإلا وقع الإنسان في البدعة. وسبق توضيح ذلك فيما سبق.

стр. 198

المطلب الثالث: حصول الرياء والسمعة والعجب. إذا ضعف عمل القلب من الإخلاص والصدق ومراقبة الله في السر والعلن دبت أمراض القلوب المفسدة للعبادة والمؤدية إلى وقوع العبد في أمراض الرياء والسمعة والعجب، بسبب تعلق القلب بغير الله، ونحو ذلك من أمراض القلوب، ومظاهر ذلك كثيرة منها على سبيل المثال: ١ - أنه يريد بعمله من ذكر ودعاء مدح الناس وثناؤهم عليه. ٢ - كثرة ذكره ودعائه إذا علم أن الناس يرونه، وهو بخلاف ذلك إذا علم أنه لا يراه أحد. ٣ - يحرص على أذكار وأدعية مبتدعة لم ترد في الكتاب والسنة من أجل التقرب من الناس كمثل مشايخ الطرق الصوفية، فإن من يتبعهم يردد ما يعلمونه من أذكار مبتدعة لأجل إرضائهم، وهو يعلم أن فيها مخالفة للسنة، وهكذا أصحاب البدع يرهبون اتباعهم حتى لا يفارقوا طريقهم. ومن أعظم ما يخيف المؤمن من هذه الآفات ما يحدث من خطر عظيم على من يقع فيها وما يحدث له يوم القيامة من موقف مخيف تنخلع منه القلوب من شدة هوله، وتأمل معي في هذا الحديث العظيم الذي ينقل هذا المشهد من يوم القيامة، هذا المشهد الذي أبكى الصالحين بكاء عظيماً وهم قد بلغوا في الصلاح مبلغاً عظيماً من أصحاب النبي ﷺ بكى منه أبو هريرة ﵁ واغمي عليه، وبكى منه معاوية ﵁ بكاء شديداً، فكيف بمن عداهم؟ دَخَلَ شُفيٌ الأصبحي المَدِينَةَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقٍّ وَبِحَقٍّ لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَهُ وَعَلِمْتَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتُهُ وَعَلِمْتُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً فَمَكَثْنَا قَلِيلًا ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا البَيْتِ مَا مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ، لَأُحَدِّثَنَّكَ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا وَهُوَ فِي هَذَا البَيْتِ مَا

стр. 199

مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُهُ، ثُمَّ نَشَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَشْغَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ مَالَ خَارًّا عَلَى وَجْهِهِ فَأَسْنَدْتُهُ عَلَيَّ طَوِيلًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ المَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ المَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ "، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» وَقَالَ الوَلِيدُ أَبُو عُثْمَانَ: فَأَخْبَرَنِي عُقْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ «أَنَّ شُفَيًّا، هُوَ الَّذِي دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا» قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: وَحَدَّثَنِي العَلَاءُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، أَنَّهُ كَانَ سَيَّافًا لِمُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: " قَدْ فُعِلَ بِهَؤُلَاءِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ؟ ثُمَّ بَكَى مُعَاوِيَةُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ هَالِكٌ، وَقُلْنَا قَدْ جَاءَنَا هَذَا الرَّجُلُ بِشَرٍّ، ثُمَّ أَفَاقَ مُعَاوِيَةُ وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ

стр. 200

فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] " (١). وعن أبي هريرة ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ" (٢). قال سفيان الثوري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]: "ويل لأهل الرياء! ويل لأهل الرياء! هذه آيتهم وقصتهم" (٣). وقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» (٤).

стр. 201

وذكر الخطابي رحمة الله في معني الحديث: أن من عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جزاه الله على ذلك بأن يشهره ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه (١). وأضاف ابن حجر إلى ما ذكره الخطابي، فقال: "وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله، فإن الله يجعله حديثًا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة ومعنى «يرائي»: يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه" (٢). وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ؛ إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟!» (٣). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٤).

стр. 202

وكان عبد الله بن عمرو ﵄ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ»، قَالَ: فَذَرَفَتْ عَيْنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (١). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ» (٢).

стр. 203

المطلب الرابع: تسلط الشيطان عليه، وتمكنه منه. وحين يضعف تعلق القلب بالله تعالى، ويضعف حب الله في القلب، حينها يعاقب بالغفلة عن ذكر الله الذي يحبه ويرضاه فتتسلط عليه الشياطين بسبب ذلك، قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ٣٧ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ٣٨ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٩]. وهذا التسليط للشياطين عليهم عقوبة لهم لأنهم أعرضوا عن ذكر الله وعميت قلوبهم عنه. وقد سبق في فوائد الذكر ما يغني عن اعادته هنا. وكما سبق الحديث حيث يقول ﷺ : «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ». المطلب الخامس: الغفلة عن الآخرة. إذا مرض القلب وتسلطت على صاحبه الشياطين فأنسته ذكر الله غفل ولا شك عن الاستعداد لآخرته، وركن إلى هذه الحياة الدنيا وتعلق قلبه بها، فغرته عن آخرته، ونسي الله والدار الآخرة، فنسيه ربه وتركه للهوى والشياطين، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]. "والحرمان كل الحرمان، أن يغفل العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا، لا يمكنهم تداركه، ولا يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن

стр. 204

طاعة ربهم وأوضعوا في معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون" (١). وقال تعالى لمن غفل عن الآخرة: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤]. "أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: إنا سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئاً ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] " (٢).