← Акыда

Акыда · id 12812

الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية

محماس الجلعود

Полный текст (908 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثالثًا: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «كل مسلم على مسلم حرام، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك بعد ما أسلم عملاً، أو يفارق المشركين إلى المسلمين» (١). رابعا: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢). خامسا: قال رسول الله ﷺ «إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب فلا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد: فأقول: هكذا وهكذا لها، وأعرض في كلا عطفيه» (٣). سادسا: قال رسول الله ﷺ «إن أولى الناس لي المتقون من كانوا وحيث كانوا» (٤). هذا مجمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة في موضوع الموالاة والمعاداة سوى ما تقدم ذكره سلفًا، وفيما يلي بعض الأحاديث التي يستأنس بها وقد يكون في سند بعضها مقال وهي كما يلي:

стр. 107

أولاً: روي أبو نعيم في الحلية من حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع ﵁ مرفوعًا قال: «يؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له ذنبًا فيقول له هل كنت توالي أوليائي؟ قال: كنت من الناس سلما، قال فهل كنت تعادي أعدائي؟ قال: رب لم يكن بيني وبين أحد شيء، فيقول الله : لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي» (١)، فهذا الحديث تنبيه للذين يظنون أنهم في سلامة من أمرهم وهم يقفون موقف المتفرج في صراع الإسلام وأهله مع قوى الكفر والضلال، وهو كذلك تحذير للذين يفعلون أكثر مما يفعله المتفرجون، تحذير للذين يداهنون الكفار ويوالونهم، ولا يرون بذلك بأسًا أو غضاضة ففي الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» (٢). ثانيا: روي عن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن أبيه عن جده عمرو أن رسول الله ﷺ كتب لعامر بن الأسود (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لعامر بن الأسود المسلم أن له ولقومه من طيء ما أسلموا عليه من بلادهم ومياههم ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وفارقوا المشركين) كتبه المغيرة، أخرجه أبو موسى (٣). ثالثا: ما روى أبو ياسر بن أبي حبة بإسناده عن عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل حدثنا سعيد الحريري عن أبي العلاء بن الشخير

стр. 108

قال: كنا مع مطرف في سوق الإبل بالربذة فجاء أعرابي معه قطعة أديم وجراب فقال: من يقرأ أو فيكم من يقرأ؟ قلت: نعم، فأخذته فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفارقوا المشركين، وأعطوا الخمس مما غنمتم، وأقروا بسهم النبي ﷺ وصفيه فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله (١). رابعا: ما روي عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي في مرضه نعوده فقال له النبي ﷺ «قد كنت نهيتك عن حب يهود، فقال عبد الله: فقد أبغضهم سعد بن زرارة فمات» (٢). خامسًا: ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «اعتبروا الناس بإخوانهم» (٣). سادسا: جاء في كتاب كتبه النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه اليهود وعاهدهم، ما يدل على تناصر المؤمنين وأنهم يد واحدة على من خالفهم جاء فيه وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٤) ظلم أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإنَّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس (٥).

стр. 109

سابعًا: ما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (١). ثامنا: روي الإمام أحمد في مسنده أن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: فخياركم الذين إذا رءوا ذُكر الله تعالى ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى، قال فشراركم المفسدون بين الأحبة المشاءون بالنميمة الباغون للبراء العنت» (٢). ومن خلال الأحاديث المتقدمة يتأكد لدي أن المسلم مأمور بمفاصلة المشركين وعداوتهم، وعدم إظهار التقدير والتكريم لهم، ولا يجوز احترامهم إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا أراد المسلم تأليف قلوبهم للدعوة إلى الإسلام، فيجوز له البر بهم، والتظاهر بحسن المعاشرة لهم، ولا تدخل محبتهم قلبه إلا بعد إسلامهم، ودخولهم في عداد المسلمين. أما فيما يتعلق بمحبة المؤمنين والمسلمين ووجوب مناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، فإنَّ السنة قد دلَّت على ما دلَّ عليه القرآن الكريم، من أن الموالاة في الله والمعاداة فيه، أصل من أصول الإسلام لا يصحُّ إسلام المرء إلا بهما فمن خالف ذلك فقد خالف ما قرره الله ورسوله في الكتاب والسنة من وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.

стр. 110

المبحث الثالث: أقوال السلف الصالح في الموالاة في الله والمعاداة فيه أولاً: يروى عن ابن مسعود (١) ﵁ أنه قال: تقرَّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضى الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالبعد منهم (٢). وروى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود أنه قال: لا يقلدن أحدكم

стр. 111

دينه رجلا، فإن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لا بد مقتدين، فاقتدوا بالميت فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة (١) اهـ. ثانيا: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: كل إخاء منقطع إلا إخاءً كان على غير طمع (٢) اهـ. ثالثا: أخرج أبو نعيم عن حسان بن عطية أن أبا الدرداء (٣) ﵁ كان يقول: لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه، فإن عارف الحق كعامله (٤) اهـ. رابعا: قال ابن مسعود ﵁: لو أنَّ رجلاً قام يعبد الله بين الركن والمقام سبعين سنة لبعثه الله مع من يحب يوم القيامة (٥) اهـ، وهذا الأثر موافق لمعنى الحديث الصحيح المرء مع من أحب (٦) وقال الحسن ﵁ مصارمة الفاسق قربان إلى الله (٧) اهـ. خامسا: ما يصوره لنا موقف خالد بن الوليد ﵁ مع مجاعة

стр. 112

ابن مرار الحنفي اليمامي، أن الميل إلى أصحاب الباطل وموادعتهم، موالاة لهم فقد كان مجاعة بن المرار الحنفي من أهل اليمامة قد وفد هو وأبوه على النبي ﷺ وكان من رؤساء بني حنيفة وأقطعهما النبي ﷺ العودة وعوانة والجبل، ثم لما حصلت الردة مال مجاعة إلى تأييد قومه من أصحاب مسيلمة، ولما سار خالد إلى اليمامة حين ارتدوا قدَّم مائتي فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فأخذوا (مجاعة) في ثلاثة وعشرين رجلا من قومه، فلما وصلوا إلى خالد قال مجاعة يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله ﷺ في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه، أمس فإن يك كذابا قد خرج فينا فإن الله يقول: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤] فقال خالد: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه، أنت أعز أهل اليمامة وقد بلغك مسيري إقرارًا له ورضاء بما جاء به، فهلا أبيت عذرا، وتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت أخاف قومي، فهلا عمدت إلي أو بعثت إلى رسولا، فقال: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله، فقال قد عفوت عن رمك (١) ولكن في نفسي حرج من تركك (٢) اهـ. سادسًا: في سنة ١٣٨ هـ من الهجرة نشأ خلاف كبير بين الأخوين، سلطان الشام، الملك الصالح إسماعيل، وسلطان مصر، الملك الصالح نجم الدين أيوب، كان من نتيجته أن استعان الملك.

стр. 113

إسماعيل بالصليبيين أعداء الإسلام والمسلمين، وتحالف معهم على قتال أخيه نجم الدين، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا، على رواية السبكي (١) وكذلك قلعة صفد وغيرها على رواية المقريزي (٢) وأمعن إسماعيل في هذه الخيانة، فسمح للصليبين أن يدخلوا دمشق، ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب، وما يريدون. فأثار هذا الصنيع المنكر استياء عامة المسلمين وعلمائهم فهب الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام وصعد على منبر الجامع الأموي بدمشق في يوم الجمعة، وخطب الناس وأفتى بتحريم بيع السلاح للأعداء، وأنكر بشدة على الملك إسماعيل خيانته وفعلته النكراء، وألغى من الخطبة الدعاء المتعارف عليه للسلطان إسماعيل وهذا بمثابة الإعلان بنزع البيعة منه، وأبدل ذلك بقوله: (اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر) (٣) اهـ. ولم يكن السلطان حاضرًا تلك الخطبة، فلما علم أمر بعزل الشيخ واعتقاله، مع صاحبه الشيخ ابن الحاجب المالكي لاشتراكه معه في هذا الإنكار (٤). سابعا: قال ابن جرير الطبري في قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: ٢٨] يعني: فقد برئ من الله وبرئ الله منه لارتداده عن دينه (٥) اهـ.

стр. 114

ثامنًا: يفهم من كلام ابن تيمية ﵀ قوله: إن ظاهر النصوص يدل على كفر من تولى الكفار، نقل ذلك عنه حمد بن عتيق في بعض ما كتبه (١) وقد سئل شيخ الإسلام ﵀ عن المعاون لأعداء الله فقال حكمه حكم المباشر وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد (٢). تاسعًا: يقول ابن كثير (٣) في تفسيره، إن من يوال الكفار من دون المؤمنين ويسر إليهم بالمودة فهو كافر مرتد، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: ٢٨] إلا ما استثنى الله ممن يكره إكراها ملجئا (٤) اهـ. عاشرًا: يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (لو أن رجلاً أقرَّ بأن الإسلام نهى عن الشرك، ولم يفعل الشرك بنفسه، ولكنه زينه للناس، ورغبهم فيه، أليس هذا كافرا مرتدا) (٥). وعلى هذا القول يحكم بكفر الذين يدعون إلى الأحزاب الكافرة من شيوعية، أو اشتراكية، أو بعثية، أو ماسونية، أو علمانية، أو نحو

стр. 115

ذلك، وإن لم يكونوا من المعتنقين لها والمنضمين إليها، ويلحق بذلك أيضا دعاة الدعارة والفساد في وسائل الإعلام، الذين يزِّينون الفاحشة، وهتك القيم والأخلاق الإسلامية، وإن لم يمارسوا الفساد بأنفسهم، ويطبقوه على أهليهم، لأن من كره ما أحل الله، ودعا إلى ما حرم الله، فقد استحق غضب الله عليه. ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (لو أن إنسانا كره ما أنزل الله أو أمر الرسول ﷺ به أمر استحباب، وصد الناس عن ذلك كركعتي الفجر مع علمه بما قال الرسول ﷺ أليس هذا كافرًا مرتدًّا؟ فكيف بمن سب دين الله الذي بعث الله به جميع أنبيائه، مع إقراره ومعرفته به، ومدح دين المشركين، الذي بعث الله أنبياءه بإنكاره، وبيان بطلانه (١). وقال الفضيل بن عياض (٢): من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها: ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض صاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له (٣) اهـ. فإذا كان هذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله، فما بالك بمن يوالي من يدعون خصائص الألوهية في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحلَّ الله؟ ومع ذلك كله يقرهم على هذا الإدعاء، ويواليهم ويناصرهم عليه، فهذه ليست موالاة مبتدع على بدعته بل هي موالاة كافر على كفره، أو مشرك على شركه ويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه

стр. 116

لا يحكم بالكفر إلا على من عرف التوحيد ثم عاداه، وعادى من يلتزمونه، وصد الناس عنه فيقول: (ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصدَّ الناس عنه، فهذا الذي أكفره، وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجلا معاندًا، أو جاهلاً بأحكام الإسلام) (١). ثم يقول: (نكفر من أشرك بالله، بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسَّن الشرك للناس، وأقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون مشاهد الشرك، وقاتل بسيفه دونها، وأنكر وقاتل من يسعى في إزالتها) (٢). وفي رسالة بعث بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى محمد بن عيد، ذكر فيها أنه يحكم بكفر من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه ونفر الناس عنه، وجاهد من صدق الرسول فيه، وكذلك من عرف الشرك وأن رسول الله ﷺ بعث بإنكاره، وأقر بذلك ليلاً ونهارًا، ثم مدحه وحسَّنه للناس، زعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم فحكمه الكفر (٣). ثم يقول: وإني لا أكفر أحدا بالظن، أو بالموالاة للكفار، أو بالجهل ما لم تقم عليه حجة البلاغ (٤) اهـ. ومفهوم كلام الشيخ ﵀ أن من قامت عليه حجة البلاغ بشأن موالاة الكفار ثم والاهم بعد ذلك فهو كافر. ويرى قتال من أبغض التوحيد، ونفَّر الناس عنه، ومدحه وحسَّنه.

стр. 117

ووالى أعداء التوحيد وخصوم الإسلام، بعد معرفته له، وذلك عملاً بقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [الأنفال: ٣٩]. ثم يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: وقد أجمع العلماء على أن من سب الشرع، أو سبَّ الأذان، أو سبَّ شيئًا من أحكام الإسلام الثابتة أنه كافر مرتد (١). وهذا يدل والكلام للشيخ، على أن الإنسان قد يكفر بكلمة أو عقيدة قلب أو فعل من أفعال الشرك. فكيف بمن جاهد بنفسه وماله ورأيه، أهل التوحيد، وأطاع أهل الشرك والضلال؟. أليس ذلك أولى بوصف الكفر والردة عن الإسلام (٢). ثم يقول: لو قدرنا فرضًا أن السلطان المسلم في المغرب ظلم أهل المغرب ظلمًا عظيمًا، في أموالهم وأنفسهم ورأوا أنه لا مخرج لهم بذلك إلا بالاستنجاد بالفرنج، وعلموا يقينا أنهم لا يوافقونهم إلا أن يقولوا: نحن معكم على دينكم ودنياكم، وأنكم على حق، والسلطان على باطل، وتظاهروا معهم بذلك مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج حقيقة، ولم يتركوا دين الإسلام بالفعل، لكن تظاهروا بما ذكرنا، ومرادهم في ذلك دفع الظلم عنهم فلا يشك أحد أنهم مرتدون. حيث صرحوا أن دين الكفار هو الحق، ودين السلطان الذي هو الإسلام هو الباطل، مع علمهم أن الحق والصواب عكس ما قالوا، ولكنهم قالوا ذلك كراهية للسلطان ولما فيه من ظلم (٣) اهـ. وهذا المثال ينطبق على كثير ممن يدعون الإسلام اليوم فقد انحرف

стр. 118

كثير من الناس وارتدوا عن الإسلام، ووالوا أعداء المسلمين، بحجة فساد العلماء والحكام المسلمين، فانضموا إلى الأحزاب الكافرة، واعتنقوا المبادئ الضالة كوسيلة من وسائل التخلص من حكم الحكام الظالمين وتسلط العلماء النفعيين، وهؤلاء أخطئوا الطريق، فهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، فكراهيتهم لبعض المسلمين الذين يمثلون الإسلام تمثيلاً زائفًا جعلتهم يكرهون الإسلام نفسه، وينفرون منه، وينفرون الناس عنه، لاعتقادهم الخاطئ أن الدعوة إلى الإسلام، تخدم مصالح هؤلاء الذين يتاجرون باسم الإسلام، وهذا التصور والفهم، هو غاية الجهل والسطحية والسذاجة حيث إن الإسلام حجة على الناس، وليست أعمال الناس حجة على الإسلام ولأن الإسلام يحكم على الأشخاص من خلال قيمه وتصوراته، ولا يحكم على الإسلام من خلال أفعال الناس وتصرفاتهم فسوء التطبيق للإسلام من بعض المسلمين، يجب أن لا نُحمِّل ذلك الخطأ مبدأ الإسلام نفسه، حيث إن نظرية الإسلام الأساسية قائمة على العدل والإنصاف فإذا سرق الحاكم أو ظلم، أو ارتشى القاضي وجار في حكمه، أو نافق العالم وداهن، فالإسلام برئ من كل هذه السيئات والتصرفات، لأن أحكامه تأبى مثل هذه الأعمال وتنكرها ويعتبر الأفراد مسئولين عن هذا التصرف ومجزيين عليه في الدنيا والآخرة، والإسلام برئ منهم ومن تصرفاتهم التي لا تمثله في قليل أو كثير. ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: ومن اعتقد أن لأحد من الناس طريقًا غير متابعة محمد ﷺ أو أنه لا يجب عليه اتباعه أو أن له أو لغيره الخروج عن اتباعه، أو قال: إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعة الله كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فقد كفر في هذا كله (١).

стр. 119

ثم يقول الشيخ في موضع آخر: «إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام». كيف لا .. وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله ويسعون في الأرض فسادا بقولهم، وفعلهم وتأييدهم؟ ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفَّرهم، أوزعم أن فعلهم هذا ولو كان باطلاً، فلا يخرجهم إلى الكفر فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لأنه لا يصح دين الإسلام، إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم (١). قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٥٦]. وقد نهى الله نبيه وعباده المؤمنين عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب في قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) [النساء: ١٠٧] فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين (٢) اهـ. إن في تلك الآية إدانة صريحة للذين يظاهرون الكفار ويوالونهم من دون المؤمنين أن المسلم الحقيقي هو الذي لا يطلق لسانه في تمجيد الكفار وتصويب باطلهم، وهو يعلم أنهم يفعلون بالمسلمين الأفاعيل النكراء، من قتل للنفوس البريئة، ونهب للثروات الطائلة، ومتاجرة بأعراض المسلمات، فلا يتعاون مع الكفار ويمجدهم ويتعاطف معهم، ويدافع عنهم، إلا كافر مثلهم. إن المسلم المخلص الغيور، وهو الذي ينطلق في تعامله مع الناس

стр. 120

من قاعدة الحب في الله والبغض في الله، فيحب أهل الإسلام وإن كانوا بعيدين عنه نسبا ووطنا، ويبغض أهل الكفر وإن كانوا قريبين منه نسبًا ووطنًا. إن هناك فئة من الناس هي بمثابة إمعات (١) تردد ما تردده وسائل الإعلام المعادية للإسلام، فليحذر المسلم من أن يكون ببغاء يردد ما يتفوه به الأعداء، ويكون صدًى لهم في أقوالهم وأفعالهم فيخذل المؤمنين، وينصر الكافرين على المؤمنين، ومن فعل ذلك فقد استحق غضب رب العالمين فيا أهل الإسلام ويا حماة العقيدة الإسلامية، لا تغتروا بمن يتمسح بالإسلام وهو من أشد أعدائه، وألد خصومه، فتبرروا لهم أخطاءهم وتتستروا على جرائمهم فإنكم مسئولون عن ذلك أمام الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وقد لخص الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعض مقالات لابن تيمية ﵀ قال في أحدها: إن من أعظم الفروق بين أهل محبة الله، وبين من يدعي محبة الله: هو اتباع الشريعة والقيام بواجب الجهاد (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن هؤلاء الذين يقولون التوحيد دين الله ورسوله، ثم يبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى ويسبونه ويصدون الناس عنه، ويجاهدون في زواله وتثبيت الكفر بالنفس والمال والرأي، هؤلاء يجب جهادهم وقتالهم، بكل مستطاع حيث إنهم أشد من اليهود والنصارى، وهم مصدر فتنة على هذا

стр. 121

الدين وقد أمر الله بقتال أهل الفتنة قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [البقرة: ١٩٣]. ثم يقول كيف لا يكفر من جاء إلى أهل الشرك يحثهم عليه وعلى لزومه، ويزينه لهم ويستشيرهم على قتل المؤمنين الموحدين، وأخذ مالهم ومصادرة حقوقهم؟ (١) إن الأدلة على كفر المسلم، إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على المسلمين، ولو لم يشرك، أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم المعتمدين (٢). (الحادي عشر: سئل الشيخان حسين وعبد الله (٣)) (٤) ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعا عمن عاهد على السمع والطاعة والموالاة في الله والمعاداة فيه، ولم يف بما عاهد عليه من الموالاة والمعاداة ولا تبرأ من دين الكفار. فأجابا بأن حكمه الكفر والردة عن الإسلام (٥) وحول هذا المعنى يقول الشاعر سليمان بن سحمان الدوسري.

стр. 122

ففرض على كل امرئ نصرة الهدى ... وقمع ذوي الإلحاد من كل ذي صد (١) الثاني عشر: يقول الشيخ حمد بن علي بن عتيق: إن الأمور التي يصير بها المسلم مرتدا، أمران. ١ - الأمر الأول الشرك. ٢ - الأمر الثاني مظاهرة المشركين على دينهم الباطل وطاعتهم في ذلك ولم يستثن من حالات المظاهرة والطاعة إلا حالة واحدة وهي الموافقة لهم في الظاهر مع مخالفتهم في الباطن، وذلك إذا كان في سلطانهم، مع مباشرة تعذيبهم وتهديدهم له (٢) اهـ. الثالث عشر: قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀ إن كل من استسلم للكفار، ودخل في طاعتهم وأظهر موالاتهم فقد حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام، ووجب جهاده، ولزمت معاداته (٣) اهـ وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلا أنه يكفر، كما في قصة المنافقين في غزوة تبوك، فكيف بمن أظهر الكفر وساعد على إظهاره ودعا إليه خوفًا وطمعًا في ملذات الدنيا؟ ألا يكون أولى وأحق بالكفر والردة ممن قال بضع كلمات معدودة في مناسبة محدودة؟ (٤).

стр. 123

المبحث الرابع: ارتباط الموالاة والمعاداة بالشهادتين إن مما يجب أن يعلمه كل مسلم، أن الله افترض علينا جميعًا عداوة المشركين، وعدم موالاتهم وأوجب علينا جميعا محبة المؤمنين ومناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان ومن مستلزماته العظام، فنفى الإيمان عمن يواد من حادَّ الله ورسوله، ولو كانت هذه الموادة لأقرب قريب كافر، ولذلك فمن العلماء من عدَّ الموالاة والمعاداة داخلة في معنى لا إله إلا الله، ومنهم من توقف في ذلك فيكون في هذه المسألة قولان: القول الأول: إن المولاة والمعاداة من معاني لا إله إلا الله فقد سئل الشيخ عبد الله (١) بن عبد الرحمن أبابطين عن معنى لا إله إلا الله وعن

стр. 124

معنى الطاغوت الذي أمرنا الله باجتنابه والكفر به، فأجاب بأن معنى الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه، وقد دلَّ صريح القرآن على معنى الإله وأنه المعبود كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلهُمْ يَرْجِعُونَ) [الزخرف: ٢٨]. قال المفسرون هي كلمة التوحيد (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده، والمعنى جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) فتبين أن موالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه، هو معنى لا إله إلا الله (١) اهـ. وعلى ذلك فمن أباح الشرك، أو تولى المشركين، وذب عنهم، أو عادى الموحدين، وتبرأ منهم فهو ممن أسقط حرمة (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) ولم يعظمها ولا قام بحقها، ولو زعم أنه مسلم، وأنه من أهلها القائمين بحرمتها (٢). ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٣) في الآية المتقدمة إن

стр. 125

الله عبَّر على لسان إبراهيم في قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) عن معنى (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) وعبر عن معنى قول (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) بقوله: (إِلا الَّذِي فَطَرَنِي) فتبين أن معنى لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى (١). ومثل ذلك ما ذكر الله عن أصحاب الكهف في قوله تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ) [الكهف: ١٦] ففي قوله: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ) معنى (لا إِلَهَ) وفي قوله: (إِلا اللهُ) هو المستثني في كلمة الإخلاص (٢). ومثل ذلك أيضا قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا

стр. 126

أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤] ففي قوله (أَلا نَعْبُدَ) معنى (لا إِلَهَ) وفي قوله: (إِلا اللهُ) هو المستثنى في كلمة الإخلاص، فالولاء لله يتضمن البراءة من كل ما سواه (١) اهـ. وفي رسالة أخرى من عبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين (٢) وإبراهيم (٣) بن سيف، إلى بعض الإخوان قالوا فيها: إن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا كما ذكر الله عن إمام الحنفاء ﵇ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) [الزخرف: ٢٦، ٢٧] ومن الأدلة على هذا المعنى قول الله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٧٨، ٧٩] وقال تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: ١٣٥] وقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ

стр. 127

الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٦٧] وقال تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٩٥] وقال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤] وقال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٦١]. وقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: ١٢٠] وقال تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: ١٢٣] وقال تعالى: (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [القصص: ٨٧] وقال تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الروم: ٣١] وقال تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يونس: ١٠٥]. فتأمل تلك الآيات، ثم انظر كيف أكد الباري جل وعلا على رسله والمؤمنين بأثنتي عشرة آية في البراءة من المشركين ومدحهم بتلك الصفة، وهذا كله يدل بلا ريب على أن الله أوجب على المؤمنين البراءة من كل مشرك، وأمر بإظهار العداوة، والبغضاء للكفار عامة، وللمحاربين خاصة وحرم على المؤمنين موالاتهم والركون إليهم (١).

стр. 128

وهذه البراءة من الكفار هي حقيقة معنى «لا إله إلا الله» ومدلولها، لا مجرد قولها باللسان، من غير نفي لما نفته من صلة بالمشركين، ومن غير إثبات لما أثبتته من موالاة رب العالمين (١) فمعنى شهادة أن لا إله الا الله، نفي استحقاق العبادة -والولاء جزء منها- لغير الله ، مع إثبات هذا الاستحقاق لله وحده وهو ما دل عليه قول الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦]. فلا يكفي في تحقيق معنى الشهادة أن يعبد الإنسان ربه حتى يجتنب عبادة غير الله من جهة، وينفي استحقاق أي مخلوق لأي نوع من أنواع العبادة من دون الله، وهذا أمر متفق عليه ولا جدال فيه (٢). فمن والى الكفار أو تولاهم فقد كفر، لأنه لم يحقق معنى لا إله إلا الله (٣). وبناء على ذلك فإن الذين يتولون الكفار، ولا يعادونهم، لا يعبدون الله حق عبادته، وأنهم يشركون معه في العبادة غيره، إذ لو كانوا يعبدون الله حق عبادته لما أظهروا الرضا والمودة والمناصرة لأعداء الله وأعداء دينه من الكفار المشركين والمرتدين، فإن المسلم إذا دخل في طاعة الكفار، وأظهر المودة والموافقة لهم على الكفر، وأعانهم عليه بالمال أو السلاح أو الرجال، أو الرأي وأيدهم على ذلك، وقطع علاقته مع المسلمين، أو جعل صلته بالكفار تربو على صلته بالمسلمين، فقد خرج عن معنى لا إله إلا الله، وارتد عن الإسلام وكان حكمه الكفر، لأنه

стр. 129

حينئذ يكون في عداد المشركين حكمًا وفعلاً، وهو لم يحقق معنى لا إله إلا الله، فينفي ما نفته، ويفعل ما أثبتته، وإن كان يقولها عشرات المرات، لأن القول الصادق يدل عليه العمل (١). وقد سئل مؤلف رسالة «أسباب نجاة المسئول من السيف المسلول» من قبل شخص ما قال في سؤاله: نحن نقول لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ولا تكفون عن قتالنا، والكفار والأولون، إذا قالوها كف عنهم وأنتم تقولون: إنكم تقولونها وتشركون فماذا نقول حتى تكفوا عنا، أفتونا مأجورين؟ فأجاب الشيخ بقوله: إن كلمة الإخلاص هذه قيدت بقيود ثقال حيث كان «إمام» الحنفاء ﵇ لم يحصل له قول «لا إله إلا الله»، ولم تتم له المحبة والمولاة وهو إمام المحبين إلا بالمعاداة كما قال تعالى مخبرا عنه: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] فإنه لا ولاء إلا ببراءة ولا ولاء لله إلا بالبراءة من كل معبود سواه (٢). وهذا هو معنى لا إله إلا الله كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلهُمْ يَرْجِعُونَ) [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] فأورثها إمام الحنفاء ﵇ لأتباعه يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض فلما بعث نبينا محمد ﷺ أمره الله بقولها كما قالها أبونا إبراهيم ﵇ فأنزل الله بها سورة كاملة هي سورة الكافرون فأمره أن يقول: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ .. إلى قوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ

стр. 130

دِينِ) وقد عرف المشركون ذلك حين دعاهم إلى قول لا إله إلا الله، قالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص: ٥]. فإن لا إله إلا الله، معناها النفي والإثبات، وحقيقتها الموالاة والمعاداة في الله (١) اهـ. القول الثاني: قول من توقف: هل الموالاة والمعاداة من معنى «لا إله إلا الله» أم لا؟ يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: إنه يجب على المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفي الإيمان عمن يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب في النسب، وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو من لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض علينا ذلك وأوجبه وأوجب العمل به، فهذا هو الغرض الحتم الذي لا شك فيه، ومن عرف أن ذلك من معناها ولوازمها فهو حسن وزيادة خير (٢) اهـ. وعلى هذا فالقول الثاني موافق للقول الأول من حيث المبدأ إلا أن الشيخ سليمان يرى أن البحث في هذا الموضوع لا يضيف شيئا جديدًا طالما الأمر ثابت وجوبه شرعًا، والذي يبدو لي أن كلا القولين صواب إلا أن في القول الأول زيادة توضيح للأدلة، وتأكيد لها وبيان لأهمية هذا الأمر ومقامه في الإسلام، والزيادة في توضيح النصوص الشرعية مقيدة عقلا وشرعا والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 131

المبحث الخامس: الموالاة والمعاداة في الله قولاً وعملاً سبق أن ذكرنا أن الموالاة والمعاداة يقصد بهما إظهار الحب والبغض في الأقوال والأفعال والنوايا وهما بهذا الاعتبار ينقسمان إلى قسمين: القسم الأول: ما يتعلق بالقلب والوجدان كالمحبة والمودة (١) في الموالاة، والعداوة (٢) والبغض في المعاداة. القسم الثاني: ما يتعلق بالفعل والقول، كالنصرة بالقوة، أو بالنفس أو بالمال أو بالرأي، في الموالاة، أو بذل القول والنفس والمال في المعاداة. ومن أجل ذلك فأساس هذه الرسالة يدور ويستند إلى عاطفة المحبة

стр. 132

والمودة، والعداوة والبغضاء، وما يترتب على تلك الأمور من أقوال وأفعال، حيث إن الأقوال والأفعال مبينة على العواطف ومترتبة عليها، ونابعة منها، سواء كانت العواطف حسنة أم سيئة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة ورغبة، ولكنها قد تكون محبة محمودة أو محبة مذمومة والمرجع في ذلك كله إلى عرف الشرح لا إلى عرف الناس» (١) اهـ. وقد يأخذ علينا بعض النقاد أن من سمات هذا البحث الظاهرة غلبة الناحية العاطفية فيه، وأنه يقل فيه الجدل المنطقي المبني على المقدمات والنتائج. وللإجابة على هذا التساؤل نقول: بأن الموالاة والمعاداة تنطلق في أساسها من عاطفة المحبة والمودة، أو البغض والعداوة ثم يترتبت على ذلك وينبني عليه أمور قولية وفعلية، فالأقوال والأفعال، مرتبطة بالعواطف ارتباط الفرع بالأصل. فمبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإرادات والإرادات تقتضي وقوع الفعل والقول، فصلاح الأقوال والأفعال مرتبط بصلاح الخواطر والأفكار وفساد الأقوال والأفعال مرتبط بهما (٢) قال ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (٣). ولذلك عرف العلماء الإيمان بأنه «اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل

стр. 133

بالأركان» (١) فبين هذه الجوانب ارتباط وتلازم لا يتحقق وصف الإيمان للمؤمن إلا بتحقق هذه الجوانب الثلاث. ذلك أن العبادة في الإسلام ليست كلمة تقال باللسان، وليست هي فقط الشعائر التعبدية وحدها من صلاة وصوم وزكاة، وحج كما يظن بعض الناس. إن النطق بالشهادتين، يقتضي العمل بموجبهما ليكون موحدًا من نطق بهما توحيدًا حقيقيًا، ومن مقتضيات شهادة التوحيد، الموالاة في الله والمعاداة فيه، فمن توجه بالولاء والمحبة والنصرة للكفار أينما كانوا فإن هذا نقض لشهادة التوحيد ولو ظل ينطقها مئات المرات. إن التوحيد يشمل كل حياة الإنسان وعمله وكل فكره ومشاعره وحتى خلجات النفس الداخلية التي قد يخفيها الإنسان داخل نفسه، ولا يبينها ولكنها لا تخفي على الله تعالى قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: ١٩] ويقول الله: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. إن التوحيد لا يتم في حقيقة الواقع حتى تكون كل أعمال الإنسان وفكره ومشاعره مستقيمة على منهج الله مستمدة من وحي الله، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يكون معصوما من الخطأ ولكن الأخطاء تتفاوت فمنها ما يكون سهوا وخطأ ومنها ما يكون عمدًا وتهاونًا، ومنها ما هو من صغائر الذنوب، ومنها ما يكون كبيرًا من كبائر الذنوب، وقد يكون منها ما هو ردة وكفر، وذلك يختلف باختلاف الأفعال والنيات، ولكن التوجه بالمحبةوالمودة إلى الكفار والمشركين، وإقامة منهج الحياة والسلوك

стр. 134

على هذا الأساس، ردة كاملة لا شبهة فيها ولا غبار عليها، حيث إن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تمنع موالاة الكفار جملة وتفصيلا. فمحبة هوى النفس بغير التقيد بحب ما يحبه الله، أو بغض ما يبغضه الله، يعتبر شركا وكفرا بواحا، قال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) [المائدة: ٤٨]. وقال تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) [المائدة: ٧٧] وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: ٢٨]. وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) [الفرقان: ٤٣]. فالموالاة الحقيقية لله، والمعاداة فيه، يجب أن تدور عليهما الأعمال الظاهرة، وتنتج عنهما، فالإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان (١). والحب في الله والبغض في الله من أسس الإيمان وركائزه العظام، والأعمال الظاهرة تصدق ذلك أو تكذبه، وقد ربط الله المحبة بآثارها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [المائدة: ٥٤] فصفة المحبين لله المحبوبين عند الله أنهم يكونون (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

стр. 135

وهي صفة مترتبة على المحبة في الله، فالمؤمن مع أخيه المؤمن، سمح، ودود، هين، لين، معين، مستجيب، فهي الأخوة التي ترفع الحواجز، وتزيل التكلف، وتختلط فيها النفس بالنفس، على محبة الله ومن أجل الحب في الله، وهذا الموقف مع المؤمنين على نقيضه موقف آخر مع الكفار، فالمؤمن فيه على الكفار شماس (١) وإباء (٢) واستعلاء (٣) وغلظة، فهي ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقف المؤمنون تحتها جميعا في مواجهة الكافرين في كل زمان ومكان (٤) فعندما تصل المحبة في الله إلى ذروتها يصبح الجهاد في سبيله، والتضحية بالنفس والمال والأهل والعشيرة، من نتائج ذلك الحب وآثاره المشرقة. وقد شذ بعض أهل الكلام، في مسألة الإيمان هل هو قول وعمل أم لا؟ فقالت جماعة: بأن الإيمان هو تصديق القلب فقط، وقال الجمهور: بأن الإيمان قول وعمل وعلى هذا ففي المسألة قولان: القول الأول: قول الكرامية والجهمية، وأبي الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية أن الإيمان هو الإقرار باللسان أو التصديق بالجنان، وهذا القول ظاهر الفساد حيث إن المنافقين عند هؤلاء كاملي الإيمان ولازم قولهم أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فقول يترتب عليه مثل ذلك يعتبر ظاهر البطلان فلا يحتاج فيه إلى مناقشة أو جدل كلامي مع هؤلاء (٥). القول الثاني: أما القول الثاني: وهو قول الجمهور، وهو أن الإيمان هو ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، وقد قال بذلك الإمام مالك

стр. 136

والشافعي وأحمد والأوزاعي (١) وإسحاق (٢) بن راهوية وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين، حيث قالوا إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان (٣). وقد شذ بعض المعاصرين في هذا فقال لا يخرج من الملة إلا الكفر الاعتقادي (٤) ثم يقول: (الأصل إنه لم يوجد دليل على أن المسلم قد نقض إيمانه فتظل القاعدة العامة بالحكم له بالإسلام بمجرد النطق باللسان أي الشهادة) (٥) وعلى هذا القول: فإن الحكام الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويحكمون بغير ما أنزل أنهم من المسلمين الذين تجب طاعتهم وموالاتهم ونصرتهم وعلى هذا القول أيضًا: إن الذين يلهبون ظهور المؤمنين بالسياط ويمزقون أجسادهم بوسائل التعذيب ويفرغون ما بجعبة بنادقهم في أجسامهم الطاهرة إن هؤلاء من عموم المسلمين وإنه يكفي لتكفير تلك السيئات مجرد النطق بالشهادتين دون العمل بمضمونها، إنه لا بد أن يفهم كل مسلم ويدرك كل مؤمن، أن هناك فرقا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بين المؤمنين الأبرار، والكافرين الفجار، بين أهل الطاعة وأهل المعصية، في المعاملة والتعامل معهم، فهذا أصل عظيم من أعظم ما يجب الاعتناء به على المسلم فردا كان أو جماعة، أو دولة.

стр. 137

لأنه قد دخل بسبب المساواة في التعامل بين الأخيار والأشرار، من الكفر والفسوق والعصيان ما يعلمه إلا الله في بلاد المسلمين، حتى صار منهم معاونين لأهل البغي والفساد، ظنا منهم أنهم إذا كانت لهم أحوال من الصلاح في تأدية بعض شعائر العبادة فإن ذلك يكفي عن أعمال القلب والجوارح في مسألة الحب في الله والبغض فيه، وما علم أولئك أن الله قد فرق بين أهل طاعته وأهل معصيته، على أساس أعمالهم، قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١] وقال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: ٣٦] وقال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: ٢٨] فقرن تعالى في الآية الأولى والأخيرة بين الإيمان والعمل وبين اختلاف العمل بينهما ثم بين نتيجة كل عمل ومآله. والإيمان يزيد وينقص، والعمل تابع له في ذلك، فمن الأعمال ما يزيد الإيمان بها، ومنها ما تنقصه حتى ينتهي الإنسان إلى الكفر والردة أعاذنا الله من ذلك. فإيذاء المسلم بالقول والعمل سبب في نقص الإسلام أو نفيه بالكلية قال رسول الله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١). وقد سأل الشيخ حسين والشيخ عبد الله أبناء الشيخ محمد ﵏ عمن قال: لا أتعرض لمن قال: لا إله إلا الله ولو فعل الكفر والشرك وعادى دين الله.

стр. 138

فأجابا: بأن هذا وأمثاله لا يكون مسلما (١) بل هو ممن قال الله فيهم: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [النساء: ١٥١]. وقال الحسن البصري (٢) ﵀: «ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» (٣) وذلك أن الله تعالى يقول: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠] اهـ. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ليس المراد بقول لا إله إلا الله قولها باللسان مع الجهل بمعناها، وترك العمل بمقتضاها فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع أنهم يصلون ويتصدقون. ولكن المراد بقولها مع معرفة القلب لمعناها ومحبته لها، ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته (٤) اهـ.

стр. 139

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إنه لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى: «لا إله إلا الله ومقتضاها» (١) اهـ. ويقول الشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن المسلم ليقول في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٦، ٧] ولكنه مع ذلك قد يكون من المغضوب عليهم ومن الضالين بلسان حاله وفعاله (٢) اهـ. ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إن الناس ثلاثة أصناف، منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون). فالمغضوب عليهم، أهل علم ليس معه عمل، والضالون أهل عبادة ليس معها علم، والآيات وإن كان سبب نزولها في شأن اليهود والنصارى فهي عامة لكل من اتصف بذلك الوصف، ما عدا صفة المؤمنين، وهي الجمع بين العلم والعمل (٣) اهـ. وقال الشيخ إسحاق (٤) بن عبد الرحمن بن حسن ﵀: إن مجرد الإتيان بالشهادتين من غير علم بمعناهما، ولا عمل بمقتضاهما لا يكون به المكلف مسلما، بل هو حجة عليه، خلافا لمن زعم أن مجرد الإقرار كاف بذلك، كالكرامية، أو مجرد التصديق كاف في دخول الإنسان

стр. 140

في مسمى الإسلام، كالجهمية ونحوهم، وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وأكد على كذبهم مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات (١). قال تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: ١] وقال تعالى في عاقبتهم رغم نطقهم وادعائهم الإيمان: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: ١٤٥]. ومن هذا يتضح أن مسمى الإيمان لا بد فيه من التصديق والعمل وأن من شهد أن لا إله إلا الله، وعبد غيره، لا شهادة له، وإن صلى وزكى، وصام وزعم أنه مسلم. لأن الكفر نوعان: ١ - كفر مطلق. ٢ - كفر مقيد. فالكفر المطلق: هو الكفر بجميع ما جاء به الرسول ﷺ . والكفر المقيد: هو أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول ﷺ حتى أن بعض العلماء كفروا من أنكر فرعا مجمعا عليه كتوريث الجد أو الأخت، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم (٢)، فكيف بمن يبيح الحرمات، أو يقر بوجودها مع علمه بها، كالربا، أوالزنا، أو الخمر؟ ثم كيف حال من يستبيح لنفسه أو لغيره قتل النفوس المؤمنة

стр. 141

البريئة ويسعى في محاربة الله ورسوله والمؤمنين، عبر وسائل متعددة وأجهزة مختلفة، يعادي أولياء الله ويطاردهم، ويوالي أعداء الله ويقربهم، ثم يضحك على البسطاء بالتمسح بظاهر الإسلام، وهو من أشد وألد الأعداء للإسلام والمسلمين. ولقد أجمعت الأمة الإسلامية على كفر (بني عبيد الله المهدي) المسمين ببني عبيد القداح، مع أنهم يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد في قاهرة مصر، وغيرها من المدن المصرية، وقد ذكر أن ابن الجوزي (١) صنف كتابا في وجوب غزوهم، وقتالهم سماه النصر على مصر نظرا لما ارتكبه هؤلاء من بدع وضلالات (٢). وقد أجمع الصحابة ﵁ أن من أقر بنبوة مسيلمة الكذاب أنه مرتد، ولو بقي ينطلق الشهادتين، وأن من يشك في ردته فهو كافر (٣). وقد عدوا من أصناف المرتدين الفجأة السلمي حيث وفد على أبي بكر ﵁ وذكر أنه يريد قتال المرتدين فأمده أبو بكر بالسلاح والرواحل، فاستعرض السلمي المسلم والكافر، يقتل من لقى منهم ويأخذ ماله، فوصل الخبر إلى أبي بكر ﵁ فجهز جيشا لقتاله، فلما أحس السلمي بالجيش قال لأمير الجيش: أنت أمير أبي بكر وأنا أميره

стр. 142

ولم أكفر، فقال أمير الجيش إن كنت صادقا فألق السلاح فألقاه فبعث به قائد الجيش إلى أبي بكر فأمر بتحريقه بالنار وهو حي (١). فإذا كان هذا حكم الصحابة ﵃ في هذا الرجل مع إقراره بأركان الإسلام، فما ظنك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة سوى قول لا إله إلا الله بلسانه في بعض المناسبات، مع تكذيبه لها بأفعاله (٢) وقد قال أحد رجال البادية عندما قدم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فسمع منه التوحيد، وعرف ما كان عليه قومه من الشرك، قال: أشهد أن قومي كفار، وأن مطوعهم الذي يسميهم أهل الإسلام أنه كافر (٣) فأطلق على قومه وعلى إمامهم الكفر رغم أنهم يؤدون الشهادتين مع ثباتهم على لفظها، ولكنه أدرك بالفطرة السليمة أنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وهو الشرك، فقال فيهم ما قال، وقد أقره على ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ نظرا لما كانوا متمسكين به من بدع وانحرافات تؤدي بالمتمسك بها إلى الشرك. والنطق بالشهادتين لا يكفي للكف عن قتال من لم يمتثل ببقية أركان الإسلام وواجباته بدليل قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [البقرة: ١٩٣] وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) [الأنفال: ٣٩] قال المفسرون في معنى فتنة كفر وشرك (٤) ومعنى قوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) أي: يكون

стр. 143

دين الله هو الظاهر العالي على سائر الشرائع والأنظمة، في كافة وجوه الحياة (١). وقد أطلق الله ، على تارك الحج بدون عذر الكفر، قال تعالى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧] وقد قاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة وهم يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم حين امتنعوا عن دفع الزكاة أصبح نطقهم لها لا تأثير له عليهم، في عصمة الدم والمال، ولا في اعتبارهم من أهل الإسلام (٢) قال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى قوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] فبين أنه لا يخلى سبيلهم حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولم يكتف بالنطق بالشهادتين، ووافق ما دلت عليه هذه الآية، الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (٣). ومما تقدم يتبين أن المسلم إذا حدث منه قول أو فعل أو اعتقاد يناقض أركان الإسلام وأصوله، لم ينفعه مجرد النطق بالشهادتين، كما قال تعالى للذين تكلموا بالكلام السيئ في غزوة تبوك: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٦]، وقال تعالى عن المنافقين: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) [التوبة: ٧٤].

стр. 144

فدلت الآية على أن المنافقين كفار في الواقع وإن كانوا في الظاهر يتظاهرون بالإسلام، ودلت أيضا على أن الكفر يكون بكل ما ينقض التصديق والمعرفة بلا إله إلا الله، إلا ما ورد التخصيص بكونه لا يخرج من الإسلام كبعض الذنوب، ما لم يستبح الإنسان فعل ما حرم الله، فمن أباح المحرم أو حرم المباح، فقد كفر بما أنزل الله على رسوله، حيث يعد فعله هذا استدراك على الله وتجهيل للبارئ فيما شرع وأنزل، وهذا من أشد أنواع الكفر وأقبحها (١). فإذا كان في هاتين الآيتين المتقدمتين تكفير لأناس ينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام، ويخرجون للجهاد فيه، وبمجرد قولهم لكلمات قليلة في الباطل، حكم الله عليهم بالكفر، فأين موقع أهل زماننا الذين جعلوا السخرية بالدين وأهله مادة لهم في صحفهم، وإذاعاتهم، ووسائل أعلامهم عامة، ولم يكتفوا بذلك، بل شنوا حرب الإبادة والتنكيل على كل مسلم غيور، وحاصروه في كل صقع من أصقاع الأرض، إن تلك الأدلة المتقدمة سقناها إلى الذين يحسبون الإسلام تمتمات جوفاء وهمهمات خاوية ناسين أو متناسين أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقة العمل (٢). وحول هذا المعنى يقول الشاعر سليمان بن سحمان الدوسري ما يلي: أو ما ترى أن القلوب إذا امتلت ... حبا وإيمانا لها أنوار ولها بذلك غيرة فتغار من ... رؤيا المعاصي والسعيد يغار إظهار هذا الدين تصريح لهم ... بالكفر إذ هم معشر كفار وعداوة تبدو وبغض ظاهر ... يا للعقول أما لكم أفكار

стр. 145

هذا وليس القلب كافٍ بغضه ... والحب منه وما هو المعيار لكنما المعيار أن تأتي به ... جهرا وتصريحا لهم وجهار (١)
следующие страницы →