الإسلام في إظهارهم الموافقة للكفار خوفًا منهم من غير إكراه فعلي على الموافقة، أو طمعًا في مال أو منصب أو جاه وهم يظنون أنهم لا يكفرون بذلك، إذا كان القلب كارهًا لهم، ويستدلون على ذلك بدعوى الإكراه وبقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (١) ولكن الصحيح أن للتقية عند العلماء شروطًا منها:
١ - أن يكون الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه وأهله فيجوز له أن يظهر المحبة والموالاة بشرط أن يضمر خلاف ما يظهر لهم وبأن يعرض في كلامه ما أمكن وعلى هذا فالتقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.
٢ - أن التقية رخصة فلو تركها وصبر على ما يناله في سبيل الله كان أفضل مثل ما حصل من بعض الصحابة (٢) ﵃ فيما فصلنا في موضوع الإكراه سابقًا.
والقول بكفر من والى الكفار أو رضي عنهم أو أعانهم على كفرهم ليس جدلاً كلاميًا دخل على المسلمين في وقت عزهم وازدهار دولتهم كما يعتقد البعض، ولكن ذلك أصل من أصول الإسلام ومبانيه العظام، وقد ذكرنا من الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ما فيه الكفاية لمن وفقه الله
وهداه، وبهذا الأصل تحدث أئمة الدعوة وشيوخ الإسلام فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يرى عدم تكفير المعين للكفار والراضي عنهم والموالي لهم
ابتداء بل لا بد من إقامة الحجة عليه، نظرًا لغلبة الجهل وقلة العلم
بأوامر الرسالة في كثير من المتأخرين ولذلك لا يجوز تكفيرهم بذلك
حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالف أقوالهم وأعمالهم، وهذا ما سار
стр. 632
عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ابتداء دعوته فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب ﵁ قال: (الله خير من زيد) تمرينًا لهم على نفي الشرك بلين الكلام نظرًا إلى المصلحة وعدم التنفير لهم (١).
وعلى هذا إذا قامت عليهم حجة التبليغ ثم استمروا في إعانتهم لأهل الباطل وموالاتهم المطلقة للكفار ومناصرتهم لهم والرضى عنهم وعن أفعالهم المختصة بكفرهم فإنه يحكم بكفر وردة هؤلاء، لأنهم صاروا معاندين، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) (٢).
ومن المعلوم أن قيام الحجة عليهم ليس معناه أن يفهموا كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر وعمر ﵄ بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به ثم ترك العمل بما أمره الله به ورسوله مستهترًا أو مستبيحًا لفعل ما حرم الله أو تاركًا ما أوجب الله فهو كافر مرتد وشأنه في ذلك شأن الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (٣).
إن ما حدث للمسلمين من إضاعة للإسلام ومقدساته وديار المسلمين واعتداء على الأنفس والأعراض والأموال إنما كان بسبب جهل بعض المسلمين بحقائق الإسلام وواجباته ومن أهم تلك الأمور التي جهلها المسلمون المعاصرون احتضان أعداء الله ومسايرتهم في خط انحرافهم،
стр. 633
وما علموا أن المتابعة الجزئية للكفار المقرونة بالمحبة والمودة لهم كفر مخرج من الملة (١).
لأن الحكم يتعلق بنوع العمل لا بكثرته، فقطرة البول ناقضة للوضوء، ولا حد لأكثره، وما أسكر كثيره فقليله حرام وكذلك شأن الموالاة مع الكفار إذا ارتبطت الموالاة القولية أو الفعلية بالمحبة والمودة.
وقبل أن نبدأ في استعراض الأمثلة التفصيلية على موالاة الكفار نود أن نبين بعض الشروط التي يقتضيها عقد الذمة والعهد في حق أهل الذمة والمستأمنين في دار الإسلام حتى يكون الناظر إلى معاملتهم مدركًا للأساس الذي ينطلق منه المسلمون الحقيقيون في التعامل مع الكفار في دار الإسلام، وهذه الشروط مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل الصحابة الكرام، وما اتفق عليه فقهاء الإسلام وملخص تلك الشروط كما يلي:
١ - أن لا يحدثوا كنيسة (٢) ولا ديرًا (٣)، ولا قلاية (٤)، ولا صومعة (٥) ولا يجددون ما خرب منها، إلا في حالة واحدة، وهي إذا فتحت البلاد صلحًا واشترط أهلها ذلك لأنفسهم في الصلح، فإن المؤمنين يجب عليهم الوفاء بهذا الشرط.
٢ - أن لا يمنع أهل الذمة وأهل العهد أحدًا من أقربائهم من الدخول في الإسلام إذا اختاروا ذلك.
стр. 634
٣ - أن لا يذكروا الله أو كتابه أو رسوله بطعن أو انتقاص.
٤ - أن لا يتعرضوا لصحابة رسول الله ﷺ بذم أو ازدراء وأن لا يؤذوا مسلمًا، ولا يفتنوه عن دينه، ولا يعتدوا على أحد من المسلمين في نفس أو مال أو عرض.
٥ - أن لا يعينوا أعداء الإسلام، ولا ينصروهم على المسلمين بأي وسيلة من الوسائل الممكنة.
٦ - أن لا يجاهروا بأي نوع من أنواع المنكرات كشرب الخمر وأكل الخنزير، وإظهار الصلبان، وندب الموتى والنياحة عليهم.
٧ - أن لا يظهروا أي نوع من أنواع العبادة الخاصة بهم مثل أصوات النواقيس وتلاوة كتبهم المقدسة لديهم، والشعائر الخاصة بكفرهم.
٨ - أن يتميزوا في هيئتهم بما يميزون به عن غيرهم، من غير كشف عورة ولا إحداث فتنة (١).
وبعد هذا التقديم الموجز نبدأ بذكر بعض الأمثلة على موالاة الكفار.
стр. 635
المبحث الأول: موالاة الكفار في الحقول العامة
وتحت هذا المبحث ستة أمثلة.
(١) المثال الأول: إطلاق حرية الدعوة إلى الكفر بين المسلمين.
(٢) المثال الثاني: السماح بتعلم الكفر وتعليمه بين المسلمين.
(٣) المثال الثالث: إباحة ظهور المحرمات بين المسلمين.
(٤) المثال الرابع: إطلاق يد الكفار في بناء المعابد لهم في بلاد الإسلام.
(٥) المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة في بلاد المسلمين.
(٦) المثال السادس: تمليك الكفار لما يتخذونه موضعًا لمعصية الله.
(٧) المثال السابع: تأجير الأماكن والذوات لمن يتخذها غرضًا لمعصية الله.
стр. 636
المثال الأول: إطلاق حرية الدعوة إلى الكفر بين المسلمين
الأصل أن لا يسمع في دار الإسلام إلا صوت الحق ورأي المسلمين في قضايا الإسلام، والذي يطلع على نصوص المعاهدات والوثائق في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة (رضوان الله عليهم) يرى ذلك جليًا وقد بنى الفقهاء على ذلك قاعدة فيما يتعلق بحقوق غير المسلمين في دار الإسلام (١).
ولذا فإنه لا يجوز لغير المسلمين أن يدعوا إلى الكفر والضلال في وسط المجتمع المسلم حيث إن مقتضى عقد الذمة والعهد يلزم الكفار بإخفاء شعائر الكفر وعدم إظهارها في مجتمع المسلمين أما لو دعا الكفار بعضهم بعضًا على جهة الخفاء فلا نتبعهم في ذلك وقد ذكر شمس الدين بن قدامة (٢)
стр. 637
المقدسي وجوب إخفاء كفرهم بقوله: «ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم» (١).
فإذا أظهروا الدعوة إلى الكفر بالخطب في أماكن تجمع الناس واستعملوا مكبرات الصوت أو استخدموا الصحف والمجلات والكتب والإذاعات والنشرات وغير ذلك من وسائل البلاغ والإعلام فإنه والحالة هذه يجب على الدولة الإسلامية إذا وُجدت وقامت في مثل تلك الأوضاع أن تضرب بيد من حديد على هؤلاء وأذنابهم من ضعاف الإيمان، وأن تلزم أهل الذمة والعهد بالذلة والصغار، فدار الإسلام هي موضع لإظهار الدين الإسلامي. وشعائر الإسلام من شعائر التعبد ووسائل الدعوة الأخرى التي يجب أن تنطلق إلى كل بيت وكل إنسان في دار الإسلام ولذلك يجب أن لا يظهر في دار الإسلام إلا صوت الحق ودعوة الله أكبر، ولا إله إلا الله، وأن تقبع الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة في سراديب الظلام والكهوف المهجورة، حتى يسموا الناس إلى صفاء الإيمان وعزة الإسلام بلا كدر يخبث صفوه ويعكر نقاءه.
وقد ذهب الدكتور/ عبد الكريم زيدان إلى القول بأن لأهل الذمة إبداء محاسن دينهم، وقد قال إن ذلك من الأمور المباحة للذميين وهو ما تجري عليه البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر، ففي العراق نصت المادة الثانية عشرة من الدستور المؤقت على أن «حرية الأديان مصونة ويجب احترام الشعائر الدينية» وكان دستور مصر لسنة (١٩٥٦م) ينص في مادته
стр. 638
الثالثة والأربعين على أن «حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة شعائر الأديان» (١).
ونحن نقول للذين يرون إطلاق ألسنة الكفار في دار الإسلام للنيل من الإسلام وأهله، لقد جنيتم بهذه الدعوة على أمتكم من حيث تشعرون أو لا تشعرون، وخالفتم أمر الله ورسوله وسيرة خلفائه، وأقوال الفقهاء من أهل الإسلام، والرد على هذا الأمر يتلخص بالنقاط التالية:
١ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٢)، فإن هذه الآية وإن قيل إنها نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا عن الإسلام ثم أسلم بعضهم بعد ذلك (٣). ولكن الآية أعم من ذلك، فكل من قصد أو أعان على إظهار الكفر بشعائره المختلفة فقد ابتغى غير الإسلام دينًا، وإن كل من يرى إمكانية تعايش الإسلام والمسلمين مع الكفر والكفار جنبًا إلى جنب على قدم المساواة فقد سلب الإسلام أهم خصائصه في كونه منهج الحياة الفريد الوحيد الذي لا يزاحم في دار الإسلام، إن الإسلام بمشاركته مناهج الكفر والضلال في مجتمع - ما - وتحت قيادة واحدة يعتبر معطلاً حيث لا يستطيع التأثير في حياة البشر، ما لم تنصب آثاره في نظام اجتماعي كامل يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء دون مزاحمة من خَبَثٍ الجاهلية وكدرها (٤).
٢ - قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
стр. 639
مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (١).
(فالمهيمن) اسم من أسماء الله تعالى بمعنى الرقيب المسيطر على كل شيء الحافظ له (٢). وفي الآية المتقدمة (مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) أي عاليًا ومرتفعًا على جنس الكتب السابقة (٣). ومن ثم يجب أن يكون هذا الكتاب هو الفيصل في كل قضية سواء كان الاختلاف في التصور الاعتقادي بين المسلمين وغيرهم، أو كان الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فهو المرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياة كلها، ولا قيمة لآراء الرجال ودعوى المدعين ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير (٤).
٣ - قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (٥). فهذه الآية تدل على أن الله جعل شأن الإسلام عاليًا غالبًا قاهرًا لغيره من الشرائع السابقة وكذلك يجب أن يكون المسلمون (٦). وإذا وجد من يزاحم الإسلام في دار الإسلام بالدعوة إلى غير الإسلام فمعنى ذلك عدم إظهار دين الله على غيره من العقائد الباطلة ومعنى ذلك أن الدار التي تسمح بالدعوة إلى غير الله دار كفر لا دار إسلام.
٤ - روى البخاري عن ابن عباس ﵂ قال: أوصى رسول
стр. 640
الله ﷺ عند موته بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة» (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: آخر ما عهد رسول الله ﷺ أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (٢). فهذا الحديث والذي قبله يدلان دلالة صريحة على عدم إباحة بقاء المشرك أو الكافر في جزيرة العرب حتى ولو كانوا يخفون كفرهم واعتقادهم ولذلك رُوي أن عمر بن الخطاب ﵁ أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز إلى تيماء وأريحاء وأطراف الشام (٣). تنفيذًا لأمر الرسول ﷺ فإذا كان مقام الكافر غير مقبول في داخل الجزيرة فمن باب أولى أن لا يقبل إظهاره الكفر في عموم بلاد المسلمين، فإن الإسلام وإن تسامح مع غير المسلمين في تركهم على عقيدتهم ودياناتهم الضالة يزاولونها بخفية وحذر فإنه لا يمكن أن يتسامح معهم في أن يطلق لهم حرية الدعوة إلى الكفر والضلال بالوسائل الظاهرة.
٥ - إن الغرض من الجهاد في سبيل الله أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (٤).
وتمكين الكفار من إظهار كفرهم والدعوة إليه بحرية تامة يجعل الدين له ولغيره وهذا مناقض لمبدأ الجهاد وغايته (٥).
٦ - ورد من ضمن شروط عمر ﵁ قولهم: «ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدًا» (٦).
стр. 641
لأن الدعوة إلى الباطل مستلزمة ولا بد في الطعن بالحق، وقد قال تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١).
وقد ذكر الماوردي هذا الشرط ضمن الشروط الواجبة على أهل الذمة نحو جماعة المسلمين (٢).
٧ - إن أئمة المذاهب الفقهية في الإسلام، أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأتباعهم قالوا بوجوب إخفاء شعائر الكفار التعبدية إلا في الأماكن النائية والقرى الصغيرة الخاصة بهم (٣).
٨ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعائر دينهم في ديار الإسلام، فيمنعون من إظهار التوراة ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة، والصلاة، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك» (٤). اهـ.
وهذه الأدلة جميعًا تدل على عدم تمكين أهل الذمة من إظهار كفرهم بدار الإسلام، وهم اليوم قد آذوا المسلمين عن طريق التسلل والاحتيال فكيف لو تملكوا وسائل الدعوة والإعلام وصرح لهم بذلك في ديار المسلمين؟ لحصل بذلك ردة وفتنة تجعل الحليم حيرانًا، وهذا هو الحاصل في عصرنا الحاضر حيث أسلم الأوباش زمام القيادة والتوجيه لهم في معظم البلاد الإسلامية فنشروا فيها الإلحاد وأكثروا فيها الفساد وأصبح المسلم غريبًا.
إن القوانين المطبقة في العراق ومصر في حق أهل الذمة هي قوانين
стр. 642
جاهلية لا تمثل رأي الإسلام في قليل أو كثير بل إن ما ورد في المادة الثانية عشرة من الدستور العراقي المؤقت من قولهم (حرية الأديان مصونة) وما ورد في دستور مصر لسنة (١٩٥٦م) في مادته الثالثة والأربعين «على أن حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة شعائر الأديان» (١). كل هذه النصوص دعوة إلى إباحة الردة عن الإسلام بطريقة لبقة والخروج على منهج الله لكل من تسول له نفسه ذلك، وكذلك تدل هذه النصوص بمساواة الإسلام بغيره من العقائد والمعتقدات الباطلة حيث جعلت الإسلام على قدم المساواة مع المحرفة التي لا يعتنقها إلا واحد أو اثنان في المائة في بعض المجتمعات الإسلامية.
لقد مكن أعداء الإسلام لأنفسهم في بلاد المسلمين عن طريق صنائعهم من ضعاف الإيمان إلى أن يكون لهم منبر يدعون به إلى باطلهم بجميع الوسائل المغرية وحسب مبدئهم القذر الغاية تبرر الوسيلة، فأقاموا مدارس التنصير والتكفير وأسسوا الصحف والمجلات، وتملكوها ووضعوا الخطط لمناهجها ومنطلقاتها، ولو رجعنا إلى أقدم الصحف والمجلات في مصر والشام لرأينا أن الذي أشرف عليها وقام بتأسيسها هم النصارى وأعوانهم مثل جريدة الأهرام وأخبار اليوم وغيرها من الصحف والمجلات (٢).
وقد تعدى الأمر أهل الذمة إلى الشيوعيين الذين ينكرون وجود الله ويكذبون بجميع الرسل والكتب السماوية وينكرون البعث والجزاء، فقد أصبح لبعضهم في بعض البلاد التي كانت إسلامية صحف تتحدث باسمهم
стр. 643
وتحمل شعارهم، فقد أصدر الحزب الشيوعي التونسي صحيفته الرسمية المرخص لها بعد أن كان يعمل في الظل وتحمل هذه الصحيفة اسم "الطريق الجديد" وتحت العنوان صورة المطرقة والمنجل شعار الشيوعية الرسمي (١).
وهذا يدلنا على أن تونس تسير على نفس طريق أفغانستان حين سمح ظاهر شاه للشيوعيين بالوجود فكان ما كان من أمر أفغانستان فهل يراد لتونس أن تتحول إلى بلد لا يذكر اسم الله فيه.
ولم يكتف الأعداء بذلك. بل قاموا بنشر المجلات والكتب الهدامة وتسخير الأقلام المأجورة لصالحهم، وشوهوا كتب التاريخ وخاصة التاريخ الإسلامي عن طريق كتابهم الحاقدين على الإسلام والمسلمين، وترجموا الكتب التي تهدم العقيدة والأخلاق بحجة أنه يقرأها غير المسلمين ونحن بدعوتنا إلى تجفيف منابع الكفر والضلال وردمها، لا نقصد من ذلك الحجر على عقول الناس من أن ينظروا أو يقرأوا ما هو موجود في العالم من حولهم، ولكننا نريد أن لا يوضع الشر في طبق من ذهب بين أيدي أناس لا يميزون بين الغث والسمين، ثم إن عمر الإنسان قصير لا يستطيع أن يقرأ كل ما كتب عن الخير والشر ليعقد مقارنة حول ذلك ثم يتخذ موقفًا معينًا من ذلك، فنريد أن لا نشغله بالشر ونعلمه إياه، وهو لم يعرف الخير ولم يتعمق فيه فالطفل الصغير ألزم الإسلام والديه أو من يتكفل بحضانته بأن يرعاه عن الأخطار التي يبلغ الحلم فيميز بين الخير والشر وكذلك الجاهل يجب أن تمنع عنه وسائل الشر حتى يدرك من العلم الشرعي ما يستطيع التمييز به بين الحق والباطل.
ولذلك نقول أن ترك الكفار يدعون إلى كفرهم بالوسائل المختلفة
стр. 644
داخل البلاد الإسلامية أمر يمنعه الإسلام حماية لعقيدة الأمة وأخلاقها من التضليل والتحريف.
أما حرية الرأي فليس لأهل الذمة أو غيرهم من الكفار حق اختيار الحاكم الشرعي أو انتخاب رئيس الدولة الإسلامية أو حق المشاركة في عزله وتنحيته، لأن ذلك يتم وفق مقاييس الإسلام وموازينه، وهم لا يؤمنون بها ولذلك لا يحتسبون في هذا المجال سلبًا ولا إيجابًا ولذلك جعل الماوردي حق اختيار الحاكم المسلم مشروطًا بثلاثة شروط هي:
أولاً: العدالة الجامعة لشروطها، وهذا الشرط منتف في الكافر.
ثانيًا: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، وهذا أيضًا منتف بحق الكافر.
ثالثًا: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف (١).
وبعبارة مختصرة يشترط في حق من ينتخب الحاكم المسلم مثل ما يشترط في حق الحاكم نفسه، من كونه مسلمًا عاقلاً مكلفًا، وعلى هذا فلا يجوز للمسلمين أخذ رأي غير المسلمين في مسألة انتخاب الخليفة المسلم ولا في مسألة إدارة الشئون العامة في الأمة (٢).
ولكن نظرًا لموالاة الكفار والتبعية الذليلة لهم من قبل بعض الحكام ومن قبل بعض المرتدين والمنافقين في بلاد الإسلام فقد تجرأ هؤلاء على الدعوة إلى الكفر في داخل البلاد الإسلامية، وذلك بتوجيه المؤسسات الإعلامية، والتعليمية، وغيرها من الوسائل، لنشر الكفر وتزيينه للناس ومحاربة الحق وتشويه معالمه في أذهان الناس حتى نشأت أجيال من
стр. 645
المسلمين لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، بل لقد أصبح العكس هو الحاصل فقد أصبح في أذهان الكثير من المنتمين إلى الإسلام المنكر معروفًا والمعروف منكرًا والباطل حقًا والحق باطلاً فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 646
المثال الثاني: السماح بتعليم الكفر وتعليمه بين المسلمين
الأصل في منهج الإسلام أن لا يتعلم الناس في دار الإسلام إلا الحق، ولذلك نجد الإسلام يلزم أهل الذمة والعهد بعدم إظهار وسائل تعليم الكفر بين المسلمين كما هو واضح في شروط عقد الذمة والعهد عند الفقهاء، حيث قد اتفق الفقهاء على منع أهل الذمة وأهل العهد من إقامة مدارس لهم في دار الإسلام (١).
إلا أن الدكتور/ عبد الكريم زيدان، يرى أن لأهل الذمة ومن في حكمهم التمتع بإقامة مدارس خاصة بهم، يعلمون فيها أولادهم وفق
стр. 647
ديانتهم، ويستدل على ذلك بأن المسلمين بعد فتح خيبر وانتصارهم على اليهود جمعوا الغنائم وكان فيها نسخ من التوراة فأمر النبي ﷺ بردها إلى اليهود (١).
والذي أراه وأرجحه في هذا الموضوع هو عدم جواز إقامة مدارس أو مناهج دينية خاصة بهم سواء كان ذلك بتمويل منهم أو من بيت مال المسلمين وذلك لعدة أسباب هي كما يلي:
أولاً: أن ما استدل به الدكتور عبد الكريم زيدان من إرجاع نسخ التوراة إلى اليهود على جواز إنشاء المدارس فهو غير صحيح وذلك أنه نقل عن المقريزي هذا الأثر وهو حديث ضعيف (٢). لأن من الفقهاء من أجاز أخذ كتبهم، حيث قالوا إن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة، وإن لم يمكن الانتفاع بها كأن تكون من التوراة أو الإنجيل فإن أمكن الانتفاع بجلودها وأوراقها بعد غسلها غسلت وهي غنيمة، وإن لم يمكن فلا تدخل في الغنيمة ولا يجوز بيعها (٣). ولم يذكروا ردها إليهم، مما يدل على ضعف القول بردها إليهم.
ثانيًا: على فرض صحة رواية الرد عليهم، فإنها لا تكون دليلاً على جواز إقامة المدارس الخاصة بأهل الذمة لتعليم ديانتهم فإنهم إنما يقرون على قراءة كتبهم في بيوتهم وكنائسهم على جهة الخفاء مع عدم رفع الصوت بها وإقامة المدارس لذلك إظهارًا لديانتهم وإعلانًا لها، والإسلام والمسلمون أقروهم على حرية العقيدة وحرية التعليم الفردي على جهة الصغار والاستخفاء لا أن يصبحوا دولة داخل الدولة الإسلامية (٤). يقول العلامة أبو الأعلى المودوي في موضوع تعليم أهل الذمة إنه يجب عليهم أن
стр. 648
يقبلوا النظام التعليمي العام الذي تقرره الدولة الإسلامية لجميع أفراد الأمة ولكنهم لا يكرهون على نيل التعليم الإسلامي، ويكون لهم الحق في تعلم دينهم في أماكنهم الخاصة بهم (١). فإقامة المدارس لهم والاعتراف بتدريس عقائدهم الباطلة لا يجوز لأن ذلك لو حصل من الدولة المسلمة كان اعترافًا منها بصحة تلك العقائد الباطلة وهذا أمر لا يجوز لأن التعليم الجماعي حق وولاية من ولايات الدولة المسلمة، ولا يمكن للدولة والأمة الإسلامية أن تنفق أو تقرر الإنفاق بشكل ظهر على باطل معروف بطلانه سلفًا، لأن التعليم يقام لهدف الإصلاح، وتعليم الكفر لا يحقق إلا الفساد، ومن أهداف عقد الذمة مع غير المسلمين هو اختلاط هؤلاء مع المسلمين وإشعارهم بالأمن والطمأنينة على حياتهم وأموالهم بين المسلمين، وكل هذا رجاء أن ينفذ شعاع الإيمان إلى نفوسهم فيبدد ظلمات الجهل التي حجبت عنهم نور اليقين وأبعدتهم عن الصراط المستقيم (٢).
ثالثًا: يقول أحد كتاب الغرب أنفسهم: «لقد كان الخوارج أشد ميلاً إلى الذميين من أهل السنة ولذلك خالفوا ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ فأباحوا للذميين الجهر بدينهم» (٣).
فكان مقتضى مذهب أهل السنة والجماعة عدم تمكين أهل الذمة والمستأمنين من باب أولى من الجهر بدينهم.
وهذا الأمر قد أكد عليه ابن قدامة المقدسي حيث يقول: «ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم» (٤). وهل إقامة المدارس لتعليم التوراة والإنجيل لا تدخل تحت الجهر بكتابهم؟ وهذا لا
стр. 649
يعني حرمانهم من التعليم في بلاد الإسلام، فالإسلام قد تكفل بتعليم أبناء أهل الذمة مع أبناء المسلمين جنبًا إلى جنب وهو يعلمهم الحق وما ينفعهم في الحياة ولا يلزمهم بدراسة العقيدة الإسلامية دراسة إلزامية وقد كانت جامعات الأندلس التي أنشأها المسلمون في قربطة وغرناطة وغيرها من المدن تعلم آلاف الشباب من غير المسلمين سواء كانوا من أهل الذمة أو من المستأمنين القادمين من أوروبا كلها (١).
يقول الدكتور/ أحمد شلبي: «إن مما أخذ على هشام بن عبد الرحمن الداخل في الأندلس هو إذنه لليهود والنصارى بإنشاء المدارس والمعابد لهم واستعمال عدد منهم في وظائف الدولة» (٢).
رابعًا: ينطلق أكثر الكتاب والمحدثين في معاملة أهل الكتاب من النص التالي: «اتركوهم وما يدينون» (٣). وهذا الأثر على فرض صحته وعدم ضعفه، فإنه لا يمكن حمله على العموم في كل شيء وإلا لما كان لعقد الذمة أي معنى، فالمقصود من عقد الذمة والأمان للمستأمنين هو نفع المسلمين بإيصال الدعوة إلى هؤلاء بدون قتال وأخذ الجزية والخراج منهم وتبادل السلع معهم مما يتكون منه قوة اقتصادية ومعنوية للإسلام والمسلمين، كما أن في ذلك إتاحة الفرصة للكفار عندما يعيشون في وسط المسلمين ويشاهدون منهج الإسلام والمسلمين في صورة واقعية مما يغريهم بالدخول في الإسلام، وإن اعتراف الشريعة الإسلامية بأهل الذمة وأهل العهد لا يعني أبدًا إقرارهم على جميع ما انطوت عليه حياتهم من زيغ وانحراف وتصورات فاسدة لأن هذا الإقرار المطلق ينافي طبيعة الإسلام
стр. 650
الذي أخذ على عاتقه تصحيح الأوضاع الخاطئة في العالم كله فضلاً عن أناس يعيشون بداخله.
إن هدف الإسلام من مرونة التعامل مع الكفار إلى حد معقول يقصد به إخراج هؤلاء من الظلام إلى النور، ومن دركات الجهل إلى بحبوحة النور المبين.
فعندما يسمح الإسلام أن يعيش الكفار في وسط مجتمعه إنما يعتبر ذلك وسيلة من وسائل الدعوة، وأن هذا الأسلوب ألطف وأحب من قتلهم عند امتناعهم عن الإسلام (١).
خامسًا: إن من الأدلة التي يمكن الاستناد إليها والاستئناس بها في منع الكفار من تعلم الكفر في دار الإسلام بشكل ظاهر، ما ورد في كتب بعض المؤرخين من أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب ﵄ أن هناك مكتبة عظيمة في الإسكندرية يستشيره في أمرها فرد عليه عمر كتابا يقول فيه: «وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله غنى عن ذلك وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فلا حاجة إليه».
فتقدم عمرو بن العاص ﵁ وأمر بإحراقها.
وقد ذكر هذه الرواية عبد اللطيف البغدادي (٢).
стр. 651
وأشار إلى ذلك أيضًا ابن القفطي (١)، وأبو الفرج (٢)، والملطي (٣).
وقد حصل نزاع كبير بين المثبتين لهذه الرواية والنافين لها وعلى كل حال فإن المسلمين لديهم رغبة عظيمة في محو كل آثار الشرك ومحو كل كتاب يصرف أو يمنع قارئه عن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم وقد أحرق المسلمون مكاتب الفرس عند فتح بلادهم كما ذكر ذلك حاجي (٤)
стр. 652
خليفة في كتابه كشف الظنون (١).
وإحراق الكتب أمر كان معروفًا في القديم والحديث وشائعًا ولكن هناك فرق بين عمل المسلمين وعمل غيرهم، فغير المسلمين يكون إحراقهم للكتب التي هي مصدر الفكر والرأي تشفيًا من أعدائهم كما فعل التتار بقيادة هولاكو التتري سنة (٦٥٦هـ) بإلقاء خزائن الكتب في نهر دجلة حتى تغير ماؤه من كثرة المداد الذي تحلل من الكتب التي ألقيت به (٢).
أما المسلمون فلا يفعلون ذلك تشفيًا من أعدائهم أو حقدًا عليهم وإنما يفعلون ذلك حرصًا على سلامتهم، واجتهادًا في وقايتهم من استمرار التلقي من تلك المصادر الملوثة والاجتهادات الخاطئة، والأفكار الضالة الفاسدة.
إن الحفاظ على التصور السليم والفهم المستقيم والأخلاق الكريمة أهم من المحافظة على الصحة الجسدية.
إن إدارات الطب الوقائي في العالم أجمع تحرص على منع أسباب المرض قبل وقوعه وذلك بالقضاء على الأسباب المكونة له وكذلك أمراض القلب يجب منع أسبابها قبل وقوعها وقد فعل ذلك عبد الله بن طاهر (٣) حيث
стр. 653
أتلف في سنة (٢١٣هـ) كتبًا فارسية من مؤلفات المجوس (١).
فإذا ترجح لدينا منع الكتب والمجلات ووسائل التعليم المختلفة التي لا تعلم الناس الخير وإنما تنقلهم إلى الكفر وعلومه فمن باب أولى منع المدارس والمعاهد التي تقام لتدريس الكفر بكل أنواعه ولا يقصر ذلك على أبناء أهل الذمة والمستأمنين بل يجب منع كافة اليهود والنصارى والشيوعيين، وإرساليات التكفير من أن يدخلوا بكتاب أو كتب تنضح بالكفر والانحراف إلا إذا كان ذلك على جهة الاستعمال الخاص لأهل الذمة والمستأمنين خاصة إذا كانت هذه الكتب من كتبهم المقدسة لديهم، بعد أخذ الطرق الكفيلة والضمانات الواجبة في عدم تسرب تلك الكتب إلى أيدي البسطاء من المسلمين.
وإذا تقرر منع تداول الكتب المعتبرة عند أهل الكتاب بشكل علني وواضح، فمن باب أولى منع افتتاح المدارس التي تدرس تلك العقائد التافهة الهزيلة.
ولكن كيف حالنا وقد خرج فينا هذه الأيام جماعة من المنافقين الموالين للكفار حذو القذة بالقذة؟!!
فقد أمرت بعض الحكومات وزراء التعليم فيها بوضع مناهج تعليمية مشتركة بين المسلمين وغير المسلمين، وذلك بتأليف كتب تضم جزءًا من تعاليم الإسلام وجزءًا من تعاليم النصرانية أو غيرها، وقد سبق إلى هذه الخيانة العظمى (مصطفى كمال حلمي) وزير التعليم في مصر يتقدم على رئيسه السادات في موالاة اليهود والنصارى، وكسب ثقتهم ومودتهم ولا شك أن مثل هذا العمل مخالف للصواب من عدة وجوه:
стр. 654
أولاً: إن هذا العمل فيه مساواة بين العقيدة الإسلامية واعتقادات أهل الكفر التي لا يجوز النظر فيها لغير أهل العلم وأهل الدراية عند الحاجة إلى نقدها وكشف عورها، فكيف تُدرّس هذه العقائد الباطلة لأطفال لا يفقهون من العلم شيئًا؟
ثانيًا: أنه لو كان تعلم التوراة والإنجيل ونحوهما من معتقدات الكفار جائزًا أو أمرًا مرغوبًا فيه لما غضب رسول الله ﷺ عندما رأى في يد عمر بن الخطاب ﵁ صحيفة من التوراة فقال: «إنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» (١) فإذا كان الرسول ﷺ قد نهى عمر مع مكانته في الإسلام فكيف تُقرر على من لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه.
ثالثًا: لو كان هذا العمل مباحًا في نظر علماء الإسلام وحكامهم السابقين لسبقونا إلى ذلك وطبقوه عمليا.
رابعًا: إن المدارس التي فتحت في البلاد الإسلامية بغير وجه شرعي لتعليم النصرانية، قد تعمدت في مناهجها الطعن في الإسلام وفي شخص رسول الله ﷺ .
فقد نشرت جريدة القبس الكويتية أن كتابًا يدرس في المدرسة الفرنسية بالكويت: يحتوي على إساءة بالغة للإسلام، ويطعن في شخص رسول الله ﷺ (٢).
فهذه واحدة من تلك المؤسسات التنصيرية المنتشرة في معظم البلاد الإسلامية.
وقد عمدت بعض الدول المنتسبة إلى الإسلام في موالاتها لأعداء الله
стр. 655
في مجال التعليم إلى استبعاد تدريس العلوم الشرعية استبعادًا كليًا والبعض الآخر من الدول جعلت دراسة العلوم الشرعية دراسة غير أساسية في مناهج تعليمها فلا يترتب على المواد الشرعية نجاح أو رسوب وهذا العمل كفر لأن حال الفاعل لذلك كحال من لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه، فهو يريد أن لا يكون مع المسلمين ولا مع الكفار، فهذا الموقف بحد ذاته كفر لأن واجب المسلم أن يكون مع المسلمين قولاً وفعلاً واعتقادًا (١)، ومن لم يكن كذلك يكون داخلاً تحت مفهوم قول الله تعالى: (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (٢).
فإلغاء تدريس العلوم الشرعية كفر وردة عن الإسلام، لأن الدافع إلى ذلك هو استجلاب مودة اليهود والنصارى وأعداء الإسلام واستصغار شأن الإسلام والعلوم الإسلامية في نظر أولئك الأنذال.
والذين لا يوجد لديهم أقليات من غير المسلمين من اليهود والنصارى نجد أنهم أحلوا دراسة مبادئ الكفر محل دراسة علوم الإسلام، فأصبحت بعض الأقطار المسلمة يدرس أبناؤها مبادئ الشيوعية الماركسية التي وضع بعض ملامحها اليهودي الألماني ماركس وأتباعه من أهل الإجرام كما يدرس أولئك أبناء المسلمين الاشتراكية التي هي فرع من الشيوعية وكل من الاشتراكيات المتعددة والبرامج الشيوعية المختلفة كلها تقوم على إنكار وجود الله وإنكار التقيد بالنظام الإسلامي عقيدة ونظامًا اقتصاديًا للحياة.
وبناء على ذلك فإن الذين يسمحون بتدريس مبادئ الكفر وعقائد الضلال في دار الإسلام والمسلمين أو يلزمون المسلمين بدراستها في
стр. 656
الخارج (١) هؤلاء ليسوا من المسلمين وأهل الإسلام لأنهم اختاروا موالاة الكفار على موالاة الله ورسوله والذين آمنوا ولأنهم فضلوا أو نزلوا تعليم الكفر إلى منزلة تعليم الإسلام وهذا مخالف لما يجب أن يكون عليه المسلم الحق بل إن من يفعل ذلك الفعل قد شابه اليهود الذين فضلوا دين المشركين على دين المسلمين. قال تعالى: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) (٢). فالذين يفضلون دراسة وتدريس مبادئ الكفر والضلال بأنواعها المختلفة على منهج الإسلام وعلومه القيمة داخلون تحت من تعنيهم هذه الآية.
ولم يقتصر الأمر على السماح بتدريس الكفر للكفار وأشباه الكفار في بلاد المسلمين بل لقد وصل الأمر إلى وضع المؤسسات التعليمية التي تحتضن أبناء المسلمين في أيدي الكفار لكي ينشؤهم على وفق أهوائهم ومخططاتهم الإجرامية في الوقت الذي يمكن جعل هذه المؤسسات التعليمية في أيد مسلمة. لقد أقام المكفرون المضللون - أي المبشرون حسب زعمهم - جامعات ومدارس تضلل المسلمين عن دينهم في بلاد الإسلام مثل الجامعة الأمريكية في بيروت، وكلية في بغداد، وجامعة بالسند، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وغيرها من الجامعات الأمريكية المنثورة هنا وهناك (٣). والتي تستقبل كل عام عشرات الآلاف من أبناء المسلمين ليتخرجوا منها بعد بضع سنوات وقد محيت آثار الإسلام من أذهانهم، إلا ما شاء الله منهم. ولم يقتصر الأمر على السماح بإقامة
стр. 657
مؤسسات تعليمية تعلم أبناء المسلمين الكفر بتمويل من الخارج بل لقد وصل الأمر إلى أن تقام مؤسسات تعليمية في بلاد المسلمين ولأبناء المسلمين وتمول من أموال المسلمين وتدار من قبل أُناس ليسوا بمسلمين ليحققوا من خلالها عزل أبناء المسلمين عن دينهم، فقد نشرت جريدة الجزيرة في عددها (٣١٧٤) في ٢٠ جمادى الآخرة (١٤٠١هـ) إعلانًا من كلية البحرين الجامعية تطلب فيه عددًا من الموظفين بتوقيع عميد كلية البحرين الجامعية د/ وليم - أ - ستيوارت فهل عجزت البحرين أن تجد من بين (١٠٠٠) مليون مسلم شخصًا قديرًا على إدارة كليتها تلك غير هذا؟
إن الجواب على ذلك معروف، ولكن التبعية العمياء لأعداء الإسلام هي التي أوصلتنا إلى مثل هذه الحال، وإلى فقدان الثقة بأنفسنا وبإخواننا في الإسلام، الأمر الذي جعلنا نرتمي في أحضان أعدائنا بلا حدود.
إن أي شخص منصف لو نظر إلى آثار المؤسسات التعليمية التي يقيمها أعداء الإسلام في بلاد المسلمين وإلى ما قاله أعداء الإسلام أنفسهم عن تلك الآثار (١)، لقال بوجوب إنهاء تلك المدارس وتصفيتها، فكيف يحصل ممن يُعَوَّل عليهم بإدانة تلك المؤسسات ومحاربتها القول بجواز ذلك أو إقراره.
وخلاصة القول في هذا الموضوع أنه لا يجوز للدولة المسلمة أن تسمح بإقامة المدارس لأصحاب الديانات المخالفة للإسلام لأن ذلك من الجهر بدينهم وهو الأمر الذي منعه جمهور الفقهاء (٢). ولكن لا يعني ذلك أن تلزمهم الدولة الإسلامية بدراسة العلوم الإسلامية (٣).
وقد ذهب الأستاذ/ سعيد حوى إلى القول بجواز إنشاء المدارس
стр. 658
الخاصة بغير المسلمين بعد حصولهم على إذن مسبق من الدولة الإسلامية - الملتزمة بالإسلام قولاً وفعلاً - وتحت إشرافها الدائم (١).
وهذا القول موافق فيما يؤدي إليه إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء حيث إن اشتراك إذن الدولة الإسلامية وإشرافها التام والدائم يعني أن لا تتضمن مناهج الدراسة أي إساءة إلى الإسلام والمسلمين.
стр. 659
المثال الثالث: إباحة ظهور المحرمات بين المسلمين إرضاء للكفار وأشباههم
إن من واجبات صاحب الولاية الشرعية واختصاصاته الأساسية أن يمنع انتشار أي محرم بين المسلمين وفي داخل المجتمع المسلم، ولذلك فإن الإسلام وإن ترك لأهل الذمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والإفطار في نهار رمضان في داخل المجتمع المسلم إلا أن ذلك مشروط بأن لا يتعداهم إلى سواهم بأي شكل من الأشكال فليس لأهل الذمة أن يبيعوا الخمر للمسلمين، ولا يهدوها لهم، ولا يعاونوهم على صنعها ولا يعصروها لمسلم ولا يحملوها إليه. ولا يبيعها ذمي إلى ذمي آخر جهارًا، وإذا شربها الذمي فسكر، ثم ظهر بين المسلمين وجب تعزيره على إظهاره للشرب
أما ما يختفون به في بيوتهم من غير ضرر بالمسلمين بوجه من الوجوه، فلا يتعرض لهم، أما إذا كانوا لا ينتهون عن إظهار الخمر، أو عن معاونة المسلمين عليها، فإنهم يعاقبون بما يكفل عدم إظهار هذا المنكر ووصوله إلى أيدي المسلمين (١). ويجوز دخولهم دار الإسلام بالخمر والخنزير وذلك
стр. 660
عندما يتحقق الحاكم المسلم العدل أنه اشتروها لاستعمالهم الخاص لأنفسهم أو فيما بينهم بعد أن يضع القيود والشروط الكفيلة بعدم تعدي هؤلاء وأضرارهم بالمسلمين (١).
أما إذا خِيْفَ بيعها إلى مسلم وإفساد دينه بذلك أو ضبط حالات من ذلك وجب منع دخول الخمر والخنزير، لأن من القواعد الشرعية المقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولو اتجر غير المسلم بالخمر والخنزير أو ما هو محرم بين المسلمين، أو في مكان لا يوجد فيه أحد من أهل الذمة فقال بعض الفقهاء بوجوب إراقة الخمر وقتل الخنزير ونفيه إن كان غير ذمي. وتعزيره إن كان ذميًا على ذلك (٢). ونظرًا لموالاة أكثر الحكام في عصرنا الحاضر لأعداء الإسلام والمسلمين فقد أباحت هذه الحكومات بيع الخمر وترويجها في داخل المجتمع المسلم وبخاصة على الخطوط الجوية والفنادق الخاصة والعامة كما أباحت الفطر في نهار رمضان لعامة الناس بحجة أن هذه الأمكنة يرتادها أناس من غير المسلمين، وهم في عملهم هذا لم يسألوا أنفسهم عن موقف الإسلام في ذلك، ولم يضعوا للمجتمع المسلم الذي يحكمونه أي حساب في السؤال عن هذا التصرف الطائش، لأنهم يعلمون أن المجتمع لم يسألهم عما هو أكبر من ذلك فمن باب أولى أن لا يسألهم عن هذه الجريمة التي تضاف إلى غيرها من أنواع الجرائم التي تزاحمت في أذهان الناس وعقولهم حتى بدأ بعضها ينسي البعض الآخر.
ومن موالاة الكفار ترك نسائهم ورجالهم عراة بين المسلمين، حيث قد ابتليت هذه الأمة فيما ابتليت به هجرة كثيرة من الكفار إليها لمقاصد متعددة وأغراض متنوعة وقد استقبلهم المسلمون في أول الأمر بحسن نية
стр. 661
وبسذاجة وسطحية متناهية وقد خدعهم حسن المظهر ولطف التعامل وما أدركوا أن ذلك أسلوب من أساليب المكر ووسيلة من وسائل الخداع، ثم توالى الكفار وبدأوا يظهرون على حقيقتهم رويدًا رويدًا فبدأت نساؤهم تنتشر في الأسواق والأمكنة العامة بصورة مثيرة للفحشاء والمنكر فتهافت ضعاف النفوس على تلك المناظر تهافت الذباب على الفضلات وقد رأت بعض نساء المسلمين أن تلك المظاهر تدعو إلى الشهرة ومتابعة الأنظار لها فحاولت عن جهل وغباء أن تقلد تلك النساء الكافرات فخلعت رداء العفة والطهارة وخرجت تحاكي المرأة الكافرة حذو القذة بالقذة حتى عم معظم البلاد الإسلامية ردة أخلاقية ومظاهر إباحية يندى لها الجبين.
وما كان ذلك يحصل لو وقف المسلمون مع الكفار موقفًا جادًا وتعاملوا معهم وفق ما يقتضيه شرع الله الذي يحمي المجتمع من كل رذيلة ويحفظ له كل فضيلة.
وقد يسأل إنسان عن موقف الإسلام من لباس الكفار في دار الإسلام؟
والجواب أن الإسلام يحرم على الناس كافة إظهار عوراتهم سواء كانوا مسلمين أو كافرين رجالاً أو نساء وهذا هو الأصل في دار الإسلام، حيث إن النظر إلى شعر المرأة ومفاتنها محرم لغير ضرورة شرعية تلجئ إلى ذلك سواء كانت المرأة مسلمة، أو كتابية فحكمها سواء (١).
ولم يكن للكفار لباس خاص بهم في عهد رسول الله ﷺ والسبب والله أعلم أنه حتى الكفار الذين كانوا في ذلك الوقت لم يكن لديهم الدياثة والتهتك والعرى مثل ما هو موجود في الأزمنة المتأخرة التي ظهرت معظم النساء الكافرات وأشباه الكافرات كاشفات عن عوراتهن.
فالمرأة الكافرة في المجتمع المسلم لا تطالب بالحجاب الشرعي
стр. 662
الذي فرضه الإسلام على المسلمة، وإنما تطالب بستر عورتها وهي ما عدا الوجه والكفين. أي بما لا يجوز أن ينظر إليه المسلم من ذوات المحارم عدا الزوجة فإنها مستثناة من ذلك (١).
وبدأ وجوب الغيار بين المسلمين والكفار في عهد عمر بن الخطاب ﵁ حيث إن خالد بن عرفطة (٢) أمير الكوفة جاءت إليه امرأة نصرانية فأسلمت، وذكرت أن زوجها يضربها على النصرانية وأقامت على ذلك البينة، فضربه خالد وحلق ناصيته، وفرق بينه وبينها.
فشكاه النصراني إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فأشخصه وسأله عن ذلك، فقص عليه القصة فقال: الحكم ما حكمت به.
وكتب إلى الأمصار أن يجزوا نواصيهم، ولا يلبسوا لبسة المسلمين، حتى يعرفوا من بينهم (٣).
ومن شروط عمر ﵁ على أهل الذمة التزامهم بزي مغاير للمسلمين وخاصة الرجال منهم فقد ورد في الشروط العمرية «وأن نلزم زينًا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في المركب واللباس ونحوه» (٤). فهذه سنة سنها من أمر الرسول ﷺ باتباع سنته في قوله
стр. 663
- ﷺ من حديث طويل «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ... » الحديث (١).
فالمسلم ذكرًا كان أو أنثى يتشبه ويتأسى بمن أمرنا الله بالاقتداء بهم وهم رسول الله ﷺ وأصحابه وأمهات المؤمنين وأما الكافر الذي يعيش بين المسلمين فيجب عليه أن يلبس لباس أمثاله من الكفار بشرط أن لا يظهر شيئًا من عورته، وأن يغاير لباس المسلمين حتى يعلم أنه كافر فلا يطالب بما يطالب به المسلم ولا يقتدي به من يراه في أفعاله لعلمه أنه كافر.
أما المرأة الكافرة في دار الإسلام، فإنه يجب عليها من الستر مثل ما يجب على المرأة المسلمة، فلا يصح أن تتبرج، ولا أن تختلط بالرجال الأجانب اختلاطًا يدعو إلى الفحشاء والمنكر (٢).
ولذلك لم يذكر ابن قيم الجوزية في موضوع الغيار بين المسلمين وأهل الذمة صفة غيار النساء بل إن كل ما ذكره غالبًا متعلق بغيار الرجال (٣). وإن كان أشار بعض الكتاب إلى غيار النساء بارتداء الثوب الأصفر وشد المنطقة حول الوسط (٤). ولكن شروط عمر ﵁ على أهل الذمة لم تتناول شيئًا من ذلك (٥).
стр. 664
والسبب والله أعلم أن النساء لا يخرجن إلا نادرًا وذلك لا يقتضي تمييزًا ولا غيارًا، وقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز ﵁ نهى النسوة النصرانيات عن زيارة الحمامات في الأسواق (١) وهذا يدل على أن نساء أهل الذمة ملزمات في المجتمع المسلم بعدم إظهار الزينة وبستر كل ما يدعو إلى إثارة الشهوة وإيقاظ الفتنة من جسدها، ولا يجوز الاحتجاج على هذا بقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) لأن الزامهن بستر سؤاتهن وصدورهن وما إلى ذلك ليس إكراهًا على الدخول في الإسلام بل هو خضوع لنظامه العام في الحياة، وإن بقيت على الكفر.
وقد ذكر الطبري أنه في عهد المتوكل قد ألزم نساء أهل الذمة إذا أرادت إحداهن الخروج أن تتدثر بالدثار الأصفر حين تغادر بيتها إلى الخارج وتضع المنطقة حول وسطها (٢). وفي سنة (٧٣٤هـ) ألزم الخليفة (٣) في بغداد والقاهرة وما حولهما الذميين بلبس الإزار الأصفر والأزرق، وفي سنة (٧٥٥هـ) ألزم الخليفة (٤) النصرانيات بلبس الإزار الأزرق، واليهوديات بلبس الإزار الأحمر (٥). وإقرارهم على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير،
стр. 665
لا يبيح لهم إظهار ذلك في بلاد المسلمين علانية، أو إدخالها على وجه الشهرة لأن ذلك من إظهار شعائر الكفر في دار الإسلام وهو أمر ممنوع في الشرع الإسلامي كما تقدم إيضاح ذلك (١). فإذا كان هذا ممنوعًا فمن باب أولى منع النساء الكافرات الكاسيات العاريات من الخروج في وسط المجتمع المسلم لأن خطرهن أشد من خطر ظهور الخمر والخنزير، وقد قال رسول الله ﷺ «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» (٢).
وإذا كان الإسلام قد ألزم المسلمات المؤمنات المحصنات بحصانة الإيمان فمن باب أولى أن يلزم الكافرات اللاتي هن أقرب إلى كل رذيلة وأبعد عن كل فضيلة وقد ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان أنه يُمنع أهل الذمة ومن في حكمهم من أهل العهد من إظهار الفسق فيما يعتقدون حرمته كالفواحش ونحوها كما يمنع المسلم منها سواء بسواء (٣).
وقد ورد في الحديث «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» (٤).
فهذا الحديث عام في لعن كل من يتشبه من النساء بالرجال أو العكس سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ولما كان هذا الشيء أمرًا منكرًا وإظهاره في المجتمع الإسلامي إظهارًا للمنكر، فإنه يلزم بمقتضى عقد الذمة والعهد أن لا يُظْهِرَ هؤلاء منكرًا أيا كان نوع هذا المنكر إذا أرادوا أن يعيشوا مع المجتمع الإسلامي بصدق وأمان. وخروج النساء الكافرات في وسط المجتمع المسلم بلباس يدعو إلى الإثارة والفتنة إما أن يكون داخلاً ضمن حدود القانون المدني أو ضمن دائرة الحقوق الشخصية، وفي كلا الحالين فإنه غير جائز تكشف النساء الكافرات في المجتمع المسلم.
стр. 666
فالقانون المدني مبني على وجوب احترام مشاعر الناس جميعًا ولا يجوز أن يعترض أحد لمشاعرهم وغرائزهم بالإثارة وإحداث الألم فيها وهذه المظاهر التي تظهر بها النساء الكافرات في دار الإسلام اعتداء على مشاعر الناس وإيذاء لأرواحهم سواء كان الناظر في ذلك مسلمًا أو كافرًا وذلك لأمرين:
الأمر الأول: إذا كان الناظر إلى تلك النساء الكافرات العاريات من لباس العفة والفضيلة، مسلمًا فإنه يجد في تلك المظاهر ما يثير غيرته الدينية على هذا المنكر الظاهر وهذه الصور التي تتنافى مع أحكام الإسلام، وإن كان من ضعاف الإيمان فقد يجد من الإثارة الجنسية ما يسبب له الألم والحرج والضيق، فهو مهما يكن إنسانًا حساسًا ذا لحم ودم يحس بما يرى ويسمع فيتأثر بذلك سلبًا أو إيجابًا.
الأمر الثاني: لو فرضنا أن المسلمين غضوا أبصارهم عن تلك المناظر العارية والصور الخليعة فإن الذكور من الكفار سيصيبهم من تلك المظاهر ما يشعل نار الفاقة والشعور بالحرمان في أنفسهم مما يدفعهم إلى ارتكاب جرائم متعددة الأنواع والأشكال كي يطفئوا تلك النار الملتهبة في أنفسهم والتي لا تجد ما يحد من قوتها أو يوجهها التوجيه السليم نظرًا لبعدهم عن الإيمان والإسلام.
ففي القانون المدني المبني على الشريعة الإسلامية نص يدل على تساوي المسلمين وأهل الذمة في التكاليف الظاهرة في الجانب الأخلاقي ولم يستثن من ذلك في حق الذميين سوى الخمر والخنزير، فلهم أن يصنعوا الخمر ويشربوها خفية دون أن يخرج منها أو من أذاها شيء إلى المسلمين ولهم أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها بينهم (١).
стр. 667
هذا إذا قلنا إن عدم خروج النساء الكافرات بمظاهر العري والتكشف من الحقوق المدنية.
أما إذا قال شخص إن خروج المرأة باللباس الذي تريده من حقوقها الشخصية.
فنقول إنه رغم ضعف هذا القول للأسباب التي تقدم ذكرها فإن قانون الأحوال الشخصية، لليهود والنصارى مستمد من التوراة والإنجيل رغم تحريفهما، وليس فيهما ما يبيح هذا العري الفاضح والتبرج الجاهلي وفي المجتمع المسلم يعامل أهل الذمة في قانون الأحوال الشخصية بما يبيحه لهم دينهم، أما ما ثبت تحريمه عليهم وعلى المسلمين فيمنع عنه الجميع على حد سواء (١).
والنصوص الموجودة في الإنجيل بهذا الخصوص تأمر المرأة بارتداء البرقع وتذكر قياسات مختلفة له (٢).
كما أن التوراة قد ذكر فيها أن (ربيكار) قد ارتدت ذات البرقع لأنها كانت محترمة (٣).
ويمكن الاستدلال على وجوب ستر عورة المرأة الكافرة وإخفائها للزينة في المجتمع المسلم هو أن المسلم إذا تزوج الكتابية على رأي من يرى جواز ذلك، يلزمها بالحجاب لأن ترك الحجاب ليس من دينها ولا من دين الإسلام.
وعلة النهي عند من يرى كراهية نكاح الكتابيات هو أن الكتابية تتناول ما يحرم على المسلم من خمر أو خنزير، ولم يذكروا أن من علة النهي
стр. 668
كونها تخرج سافرة متبرجة بزينتها (١). ويضاف إلى تلك الأدلة ما روي أن طلحة بن عبيد الله تزوج بيهودية، وحذيفة بن اليمان تزوج نصرانية فغضب عمر ﵁ غضبًا شديدًا للزواج من هؤلاء النسوة الكافرات (٢) ومعلوم يقينًا أن طلحة وحذيفة لن يتزوجا بنساء متبرجات مبتذلات مائلات مميلات غير ملتزمات بمظهر العفة والفضيلة، حتى ولو كن غير مسلمات، لأن من عادة العرب في الجزيرة فيما سبق المحافظة على العرض والعفة والابتعاد عن أسباب الرذيلة واستعظامهم لهذا الأمر حتى وصلت بهم الغيرة على العرض إلى وأد بناتهم قبل بلوغهن سن الرشد.
وبناء على ذلك فليس لأولئك المرتدين أخلاقيًا أي عذر في ترك النساء كاسيات عاريات مائلات مميلات في بلاد المسلمين.
إنه لو كانت هناك دولة إسلامية حقة لما سمحت بانتشار تلك الردة الأخلاقية في ديار المسلمين. ولو كان هناك جمهور مسلم يوالي الإسلام ويعادي أعداءه لما رضي بتلك الردة الأخلاقية ولما استكان بذلة وهوان تحت أقدام المتسلطين، من الكفرة الصرحاء والمنافقين العملاء. إن ما تعج به بلاد المسلمين من تفسخ وعرى وتهتك ومجون أمر لا مبرر له سواء كان الفاعل لذلك كافرة أو مسلمة أو كافرًا أو مسلمًا، لأن الإسلام يحارب الفحشاء والمنكر في دار الإسلام أيا كان مصدرها مسلمًا أو كافرًا، ولكن نظرًا لموالاة كثير من السلطات للكفار بما فيها الموالاة الأخلاقية فقد أصبح المسلم في داره كأنه في دار الكفار لما يرى من مظاهر الكفر التي يندى لها جبين كل مسلم غيور.
فأحكام أهل الكفر تجري بسفحها ... وقانونهم يعلو بها ظاهرًا يبدو (٣)
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 669
المثال الرابع: إطلاق يد الكفار في بناء المعابد لهم في بلاد المسلمين
قبل أن نستعرض ما يقوم به سماسرة اليهود والنصارى في إطلاق يد الكفار في بناء الكنائس وتعميرها في أرض الإسلام والمسلمين، ننظر إلى أقوال فقهاء الإسلام في هذا الشأن حتى يكون القارئ على بينة بما يجوز وما لا يجوز في ذلك فلا ينخدع بما يقوله المضللون في هذا الشأن فيعرف أعداءه وأعداء دينه من خلال ما يقومون به من أعمال تدل على موالاتهم وتبعيتهم للكفار.
ومن خلال نظرتي في هذا الموضوع يظهر لي أن حكم بناء الكنائس وتجديدها في ديار المسلمين على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: البلاد التي أحدثها المسلمون وأقاموها مثل الكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والمعادي وحلوان والقيروان ونحوها من المدن والقرى التي نشأت بعد الفتح الإسلامي لا يجوز فيها إحداث كنيسة (١) ولا
стр. 670
بيعة (١) ولا دير (٢) ولا صومعة (٣)، لأنها أنشأت في العهد الإسلامي وهي تمثل الإسلام وأهله (٤).
القسم الثاني: البلاد التي فتحها المسلمون عنوة مثل الإسكندرية بمصر والقسطنطينية في تركيا ونحو ذلك من المدن والقرى، فلا يجوز إحداث شيء من البيع والكنائس فيها، وإن كان يجوز ترك ما هو موجود فيها على الرأي الراجح من أقوال الفقهاء، وقال بعضهم بوجوب الهدم لأنها بلاد مملوكة للمسلمين، ولكن الأولى إبقاؤها وعدم تجديد ما خرب منها (٥).
القسم الثالث: ما فتح صلحًا بين المسلمين وبين سكانها. والمختار في ذلك هو ترك ما كان موجودًا بها من كنائس وبيع على ما هي عليه وقت الفتح، ومنع بناء وإعادة ما هدم منها وهو رأي الإمام الشافعي وأحمد (رحمهما الله) إلا إذا اشترط أهل الذمة في عقد الصلح مع الإمام إقامتها فعهدهم يجب الوفاء به (٦). وحين يتعدى أهل الذمة شروط الصلح فحينئذ يجوز هدم ما بقي منها بناء على نقض العهد من قبلهم، ويظهر من الآثار