Полный текст (895 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ويميناً ألا مددتُ يميناً ... ما دجا الليلُ، واستنار الضّياءُ
غيرَ أنّي أغارُ للمجد أنْ لا ... تُدرِكَ المالَ غارةٌ شَعْواءُ
وإذا القصدُ أخطأَ ابن عليّ ... فعلى الشّعر والعُفاةِ العَفاءُ
هذه القصيدة، من حقها أن تكتب بسويداء القلوب على بياض الأحداق، وقد أحدقت بها حدائق من التجنيس والتطبيق والترصيع أحسن إحداق. ما يخلو بيت من تجنيس ومعنى نفيس، تخجل من نسجها صناع تونسة وتنيس. بكر مالها كفء فرضيت بالتعنيس. وعلى الحقيقة، لم أر كهذه الحديقة، ولم أسمع قبلها، في صنعتها مثلها، فهي غراء، عذراء حسناء، بل روضة غناء، أو غانية رعناء، خدرها الحياء. فلله در جالب درها، وحالب درها وأنشدني الشريف أبو القاسم، علي، بن محمد، بن يحيى، بن عمر، الزيدي، الحسيني، الكوفي ب بغداد، في ديوان الوزير عون الدين، بن هبيرة، ثامن عشر صفر سنة ست وخمسين وخمس مئة، ل ابن عمار الكوفي:
وشادِنٍ، في الشّرب قد اُشرِبت ... وَجْنَتُه ما مَجَّ راوُوقُهُ
ما شُبِهّت يوماً أبارِيقُهُ ... بريِقه، إلا أبى رِيقُهُ
وقال لي الشريف الجليل: وله في عمك العزيز، رحمه الله تعالى، قصيدة، منها:
إذا هاجه الأعداء، أو هزَّه النَّدَى ... فأيُّ حَيا نادٍ، وحيَّة وادِ
وله في التجنيس، من قصيدة:
في جَحْفَل متعاضد متعاقد ... في قَسْطَل متراكب متراكمِ
ورأى العلى بلحاظ عاشٍ عاشقٍ ... ورمى العدا بشُوّاظ غاشٍ غاشمِ
وله:
يدٌ، لو تُباريها الرِّياحُ لغاية ... لَبَذَّ نسيمَ العاصفاتِ وَئيدُها
إذا ما غَوادي المُزنِ أخلف جَوْدُها ... وصوَّحَ نبتُ الأرضِ، أخلف جُودُها
ومنها:
كتائبُ، لكنَّ الرَّزايا نِبالُها. ... كواكبُ، لكنّ العطايا سُعودُها
وله:
محمّد ودُبَيْس أوْرَيا لهما ... زَنْدَ المَنوُنِ، ونَقْعُ الليلِ معتكرُ
برأي هذا وغيبُ الخَطْب مشتبه ... وبأسِ ذاك وغاب الخَطِّ مشتجرُ
غدا عليهم وفي قلب الوَغَى غَرَرٌ ... وراح عنهم وفي وجه العلى غُرَرُ
ولقيت ولده ب بغداد، في سنة تسع وخمسين وخمس مئة، وهو شمس الشرف، عمار، بن أحمد، بن عمار، وهو كهل، فروى لي عن والده ما سبق ذكره، وأنشدني ما نظمه والده في مدح عمي العزيز، رحمه الله تعالى، وكتبه لي بخطه:
إليك، فما خَطْبِي بهَيْن من الأَمْرِ ... وعنك، فما فتكي ببِدْع من الإِمْرِ
لَبِئْسَ الفتى مَن يردَعُ البؤسُ بأسَهُ ... وغَمْرُ الرِّجال مَنْ يبيت على غِمْرِ
ألست حصَبْتَ القلب يومَ مُحَصَّبٍ ... وأوطأته ب الجَمْرَتَيْنِ على الجمرِ
شنَنْت عليه ب الغُوَيْر إِغارةً ... سنَنْت بها سَبْيَ النُّفوسِ إلى الحشرِ
وثنَّيْت في يوم الثَّنِيِّ بنظرة ... ثَنَت حِلمه لولا التَّمَسُّكُ بالصَّبْرِ
حوادث، تُسليني عن الهجر والنَّوَى ... وأبرحُ شيءٍ ما جنته يدُ الهجرِ
شكور على النُّعْمى، صبور على البَلا، ... ذلول على الحسنى، جموح على القسرِ
وعُدْنا إلى القُربى، وعُذْنا من القِلى، ... وعُجْنا عن العُتبى، ومِلْنا إلى العُذرِ
وما أنا بالسّالي الجَمُوحِ على الهوى ... ولا أنا بالغالي الطَّمُوحِ إلى الوِزْرِ
ومثليَ مَن هبَّتْ به أَرْيَحِيَّة ... إلى اللهو، لكنّي أَغارُ على الفخرِ
ولا أقتضي بردَ الرُّضاب، وإِنْ ورى ... شُواظَ الثَّنايا الغُرِّ في قلبيَ الغِرِّ
ولي في ظُبَيّات العَقِيق وحسنِها ... مآربُ أُخرى غيرُ نُكْدٍ ولا نُكْرِ
تذكّرني ألحاظُها وقُدودُها ... عِناقَ الصِّفاحِ البِيضِ والأَسَل السُّمْرِ
وتُلهمني ألفاظُها وعُقودها ... بنظم القوافي في معاليك والشّعرِ
стр. 107
إليك عزيزَ الدِّينِ قسراً تعَسَّفت ... بنا البِيدَ أَنْضاءٌ مِراحٌ على الضَّمْرِ
مردَّدة بين الجَدِيل وشَدْقَمٍ ... كرائم يبدي سرّها كرم النَّجْرِ
تطيرُ بأيدٍ، في الفضاء، خوافقٍ ... كما خفَقَت في الجوّ قادمِتا نَسْرِ
مَرَقْنَ بنا من أرض كُوفانَ بُدَّناً ... خِفافاً، تَبارَى في الأَزِمَّة والضَّفْرِ
ورُحْنَ عن الزَّوْراء زُوراً نَوافراً ... كما مَرَّتِ النَّكْباء بالبلد القَفْرِ
ونكَّبْنَ أعلام العِراق ضَوارباً ... بأخفافها ما بينَ شِجْنَةَ والقصرِ
تلاعب أيديها كَلالاً، كأنَّها ... كواسرُ طيرٍ، رائحات إلى وَكزِ
تَتَبَّعُ آثار المكارم، مثلَما ... تَتَبَّعُ رُوّادُ الحَيا أثَرَ القَطْرِ
إلى أن أنَخْناها بعَرْصَة ماجدٍ ... أخي يَقَظات، لا ينامُ على وِتْرِ
طليقِ الغنى والوجه والكفّ والنَّدَى ... رَحيبِ الحِمى والحِلم والباع والصَّدْرِ
وَصُولٍ قَطُوعٍ، باسمٍ باسرٍ، نَدٍ ... صَليبٍ، مُبيحٍ مانعٍ، سَهِلٍ وَعْرِ
رقيقِ حواشي الحِلم، يعدو على الغِنى ... إذا ما سألناه، ويُعدِي على الفَقرِ
بكيدٍ خفّيٍ، حُوَّلِ الرّأيِ قلَّبٍ ... يروح على سرّ، ويغدو على جهرِ
وخَطْبٍ كجري السَّيْل، نَهْنَهْت غَرْبَه ... بعزمي، وأسبابُ القضاء به تجري
دعوت له وُدَّ الأخِلاّء مرّةً ... وبأسَ الكُماة الصِّيد والعَدَد الدَّثْرِ
فلمّا أبى نصري الزَّمان وأهلُه ... دعوت، على رُغْم الزَّمانِ، أبا نصرِ
دعوت فتى، لم يُسْلمِ الدَّهْرَ جارَه ... ولا رمَقَ الأضيافَ بالنّظر الشَّزْرِ
ولا حكَمت في قلبه سَوْرَة الهوى ... ولا رنّحت من عِطْفه نشوة الكِبرِ
يروح ويغدو عند الجارُ آمناً ... وتُمسي خطوبُ الدَّهر منه على ذُعْرِ
إذا انقبضت فوقَ اليَراعِ بَنانُه ... أرتك انبساطَ الجُودِ في سَعَة الوَفْرِ
بَنانٌ. إذا جالت على الطَّرس، خِلْتَها ... بُحوراً ومُزناً جُدْنَ بالدُّرّ والدَّرِّ
وما أنت إلا الشَّمسُ، تبسطُ نورَهانهاراً، وتُلقيه ظلاماً على البدر
وكم ليَ في عَلْياك غُرَّة مدحة ... تَكَشَّفُ عن أوضاحها بُهَمُ الفكرِ
غرائب. لو يُلْقَى الظَّلامُ بذكرها، ... لأَغنت قوافيها عن الأنجم الزُّهْرِ
ولو فُصِّلت بالدُّرّ غُرُّ عقودِها ... وخُيِّرْت، لاخترت القَريض إلى الدُّرِ
ومثليَ من أهدى لمثلك مثلَها ... فإِنّي رأيتُ الحمد أنْفَسَ للذُّخْرِ
وأنشدني أيضاً لوالده، رحمه الله تعالى، في عمي الصدر والشهيد عزيز الدين رحمه الله تعالى:
إِلامَ تَلَقّانا النَّوَى بعِنادِ؟ ... وترمي الليالي قُربنا بِبِعادِ؟
وحَتّامَ يَقضي البينُ فيَّ مرادَه ... وتمنَعُني الأيّامُ كلَّ مُرادِ؟
وما أشتكي إلا فراقَك، إِنَّه ... وَهَى جَلَدي عنه وقلَّ جِلادي
ومثلُك مَن يَشْجَى الخليلُ ببَيْنِه ... وأكثرُ إخوانِ الزَّمان أعادي
وأنت الفتى كلُّ الفتى، لا مضيِّعٌ ... لعهد، ولا ناسٍ لحفظ وِدادِ
ولا شامخٌ إن زادك الدَّهرُ رتبةً ... ولا ضاربٌ دونَ النَّدَى بسِدادِ
كريمٌ وأخلاقُ الزَّمانِ لئيمةٌ ... رَوِيٌّ وأخلافُ الغَمامِ صوادي
وإن هاجك الأعداءُ، أو هزَّك النَّدَى ... فأيّ حَيا نادٍ، وحَيَّةِ وادِ
وأنشدني أيضاً لوالده، كتبها إلى عمي العزيز: عز الدين، أحمد، بن حامد يستهدي منه فرساً، فنفذ له فرساً، يساوي خمسين ديناراً:
стр. 108
يا مَنْ ترى الغيب فينا أَلْمَعِيَّتُهُ ... فالبعدُ في وَهْمه أدنى من الكَثَبِ
أما رأيت يدَ الدَّهْماء قاصرةً ... قد ناوشتْها فنالتها يدُ العَطَبِ
كأنّما يَدُها، عن رجلها خلَف، ... فكلَّما أقدمت، عادت على العَقِبِ
فما تَسير ببَرْحٍ غيرِ منقلِب ... فسيرُها راجع في كلّ منقَلَبِ
حتّى إذا هملجتْ بالقوم خيلُهُمُ ... عدلت عجزاً إلى التَّقريب والخَبَبِ
سارت بهم أنجم تنقضُّ مسرعةً ... وسار تحتيَ ليل العاشق الوَصبِ
فجُدْ بأشهبَ، مثلِ النّجم مُتَّقداً ... أو أشقرٍ، كأُوار النّار، ملتهبِ
أو أحمرٍ، كارعٍ في ماء غُرَّته ... كأنَّ كُمْتَتَهُ الإحراقُ في الذَّهَبِ
يبدو فيَكسِفُ من أنوار شُهْبِهِمُ ... والشَّمسُ إِن طلَعت غطَّت على الشُّهُبِ
مُجَنَّسٍ، مُعْلَمِ الجَدَّيْنِ، مفترع ... عالي المَناسِب بين التُّرْك والعربِ
لا خالصٍ عربيٍّ في أَرُومَتِهِ ... ولا بليدٍ، لئيمِ النَّجْرِ، مُؤْتَشِبِ
قد أخلصته بنو ذُهْل، وهذَّبه ... أبناءُ ساسانَ، فاستولى على الأدبِ
تظَلُّ في حسنه الأبصارُ حائرةً ... فليس ينفكّ من عُجْب ومن عَجبِ
يَزِين راكبه يوماً ومهديه ... كالرّوض يُثني على الأَنواء والسُّحًبِ
هذا الجوادُ، الَّذي مَنَّ الجواد به، ... فافخَرْ بما شئت من مجد ومن حسبِ
وأنشدني لوالده أيضاً في مرثية الوزير السميرمي، وهو علي، بن أحمد، والاستطراد بمدح عمي العزيز، أحمد، بن حامد رحمه الله تعالى:
لقد هدَّ ركن الأرض فَقْدُ ابن أحمدٍ ... وهيهاتَ ما خَلقٌ عليها بخالدِ
وما تُخْلف الأيّامُ مثلَ ابن أحمد ... على النّاس، إلا أن يكونَ ابن حامد
وهَبْنِيَ طال الدَّهرُ واعتضتُ غيرَه ... أليس من المعروف نشرُ المحامدِ
وأنشدني أيضاً لوالده، في التجنيس:
قالوا: نرى قوتة مصفَّرة، ... وما دَرَوْا ما بك يا قُوتَهْ
قد كنت بالأمس لنا دُرَّةً ... فصِرتِ فينا اليومَ ياقُوتَهْ
أنتِ حياةُ القلب، بل قُوتُه ... فكيف يسلو عنكِ يا قُوتَهْ
وأنشدني لوالده أيضاً:
ورُبَّ إِشارةٍ عُدَّت كلاماً ... وصوتٍ لا يُعَدّ من الكلامِ
وأنشدني له أيضاً:
لَئِن بسَطَ الزَّمانُ يَدَيْ لئيمٍ ... فصبراً للذَّي صنَعَ الزَّمانُ
فكم في الأرض من عبدٍ هَجِينٍ ... يقبِّل كفَّه حُرٌّ هِجانُ
وقد يعلو على الرّأس الذُّنابى ... كما يعلو على النّار الدُّخَانُ
وأنشدني لوالده أيضاً:
لَئِن غدوتُ مقيماً في رُبوعكمُ ... وقد دعتني رُبوعُ المجد والشَّرَفِ
فالماءُ في حجر، والتِّبْرُ في تُرُب، ... والبدرُ في سَدَف، والدُّرُّ في صَدَفِ
وله:
ولقد نظَرت إلى الزَّمان بمُقْلَة ... نظري إلى أهل الزَّمان قَذاتُها
وعجِبت من أكل الحوادث للورى ... وهمُ بنو الدُّنيا، وهُنَّ بناتُها
تنشو جُسومُهمُ بلحم أخيهِمُ ... مثل الرِّئال: غِذاؤها أخواتها
أبو العز نصر بن محمد بن مبادر النحوي النيلي ذكره السمعاني وقال: كان شيخاً فاضلاً، عارفاً بالنحو واللغة.
وأنشدني لنفسه على باب داره ب النيل:
هل الوَجدُ إلا أن ترى العين منزلا ... تحمَّملَ عنه أهلُه فتبدَّلا؟
عَقَلْنا به غُزْرَ الدُّموعِ، وطالما ... عهِدناه للغِيد الأَوانس مُعْقِلا
إذا نحن أَلمْمَنْا له، انبعث الجَوى ... يحمّلنا داءً من الهمّ مُعْضِلا
أقول لمسلوب الجَلادة، لم يَقُلْ: ... خلا قلبُه من لاعج الشَّوْق، أولا:
أظُنّك لو أشرفت ب النِّيل مائلا ... على سُبُل، أضحى بها الدّمع مُسْبَلا
стр. 109
وآنست من آثار آل مُعَيَّة ... معاهدَ، كانت للمكارم منزلا،
لأَلْفيتَ ما بين الجوانح والحَشا ... فؤاداً، بأسباب الغرام موكَّلا
وغاديتَ يوماً بالكآبة أَيْوَماً، ... وساريتَ ليلاً بالصَّبابة أَلْيَلا
ألا أيُّها اللاحي على ما أُجِنُّه ... هل أنْتَ مُعيِرِي ناظراً متأمِّلا؟
أُريك محلاً، ما أحاطت رُبوعُه ... من القوم إلا مُفْضِلاً أو مُفَضَّلا
من الفاطميّين الَّذينَ وَلاؤهم ... عُراً لذوي التَّقْوى، نَجاءً ومَوْئِلا
إلى الحسن، بن المصطفى طوَّحَتْ بهم ... عُلىً، شرُفت من أن تقاس بها عُلَى
ابن الشريف الجليل أبو القاسم، علي، بن محمد، بن يحيى بن عمر، الزيدي، الحسيني، الكوفي.
شيخ طويل، شريف جليل، نبيه نبيل.
كأن نظمه نسيم عليل، أو تسنيم وسلسبيل. أرق عبارةً من عبرة من أرقه الشوق، وأحسن حليةً من جيد ورقاء حلاها الطوق.
وفد على الديوان العزيز في صفر، سنة ست وخمسين وخمس مئة، يخاطب على ملك له قد انتزع، ورسمٍ له قد قطع.
وكنا نجتمع في دار المولى الوزير عون الدين بن هبيرة كل غدوة، وننتظر إذنه للخواص في اللقاء، وجلوسه لأهل الفضل وأبناء الرجاء. فاستأنس الشريف بمحاورتي، استئناسي بمحاورته، وأتحفني من رقيق عبارته، بيتين له في عمي العزيز ﵀، في نكبته. وهما:
بني حامد إن جارَ دهرٌ أو اعتدى ... عليكم، فكم للدّهر عندكمُ وِتْرُ
أجرتم عليه مَنْ أخافت صُروفُه ... فأصبح يستقضيكُمُ وله العذرُ
وذكر بعد ذلك أيادي عمي ونعماه، وما أولاه إليه وأسداه. ورق لفضلي وضياعه، وأشفق من اتضاعه، فذكرت له التفات الوزير إلي، وتحدثت بإنعامه علي. لولاه ذل أهل الفضل، وعز أولو الجهل، فهو الناقد البصير، العارف الخبير. عاش الفضلاء في ذراه، فيا ضيعة ذوي الأدب وأولي الحسب لولاه. رمقهم بعين القبول فحفظ رمقهم، وإن كان مقامهم - لولاه - ب العراق عرقهم، وخذل أهل الباطل بنصرة الحق وفرق فرقهم.
ولم يزل الشريف الجليل لي جليساً، يهدي إلي من أعلاقه نفيساً، إلى أن نجز توقيعاً بما توقعه، واستخلص ملكه ورجعه. فركب إلى الكوفة مطا التنوفة.
وعاد في سنة سبع وخمسين وخمس مئة إلى الوزير متظلماً، شاكياً متألماً، وأنشده - وأنا حاضر - قصيدةً مقتصدة في أسلوبها، مستجيراً به من الليالي وخطوبها، فيها بيتان جعلهما لتلك الكلمة مقطعاً، ما ألطفهما معاً وهما:
أجِرْني على الدَّهرِ فيما بقي ... بَقِيتَ. فما قد مضى، قد مضى
فلست أُبالي بسُخط الزَّمانِ ... وأنت تراني بعين الرِّضَى
فاهتز الوزير لها اهتزاز مثله، وأثنى على الشريف وفضله، ووعده بقضاء شغله. ووددت لو أن لي مكنةً، أو أملك على إجازته وإجارته منةَ، فأتقلد له منةً.
ثم أخذت القصيدة، فاخترت منها هذه الأبيات:
أَمَا والقَنا شُرَّعاً، والظُّبَى ... تجور وقد حُكِّمت في الطُّلَى
وشُعثِ النَّواصي، إذا ما طلَعْنَ ... عوابسَ، قُلْتَ ذِئاب الفلا
وتقصُرُ عنهنَّ هُوج الرِّياح ... إذا ما اصطخَبْنَ وطال المَدَى
عليها المَساعيرُ من هاشم ... تَخالُهم الأُسْدَ أُسْدَ الشَّرَى
لقد خصَّك الله بالمَأْثُرا ... تِ دُونَ البَرِيَّة لمّا برا
فأعطاك، وَهْوَ الجزيلُ العطا ... ءِ، لمّا رآك جزيلَ العطا
وقابلتَ إِحسانَه محسناً، ... فنِلْتَ المُنَى، وأنلتَ المُنَى
ومنها:
وكفُّك في الجود فوقَ الغَمامِ ... وأرضُك في الفخر فوقَ السَّما
ومنها:
أما والعُلَى قَسَماً صادقاً ... لقد أنجبتْ بك أُمُّ العلى
هُمَاماٌ، إذا صالَ صلَّ الحديدُ، ... وإن قال أسمعَ صُمَّ القَنا
ومنها:
فتىً، يُرخصُ النَّفْسَ يومَ الهِياجِ ... ويَشري الثَّناءَ إذا ما غلا
أخو السَّيف والضّيف، من تَدْعُهُ ... ليومِ النِّزالِ ويومِ القِرَى
стр. 110
عظيمٌ، يهونُ عليه العظيمُ ... مُرَجّىً يصدقُ فيه الرَّجا
تقلَّد بالمجد قبلَ النِّجاد، ... وقبلَ بلوغِ الأَشُدِّ استوى
ومنها:
أيا واهبَ الكُومِ تحتَ الرِّحا ... لِ، والمُقْرباتِ عليها الحِلَى
سَوامي النَّواظر، قُبّ البطون، ... قِصار المُتون، طِوال الخُطا
ومُعطي السَّوابغِ موضونةً ... تَرَقْرَقُ مثلَ مُتونِ الأَضا
إلى كلّ مجدولةٍ كالعِنا ... نِ، رَيّا الرَّوادفِ، ظَمْأَى الحَشا
تُرِيك القَضِيبَ إذا ما بدت ... تَميسُ دلالاً، وحِقْفَ النَّقا
ومنها، في صفة القصيدة:
إذا ما تغنَّى رُواة الثَّناءِ ... بها، وسرى نَشْرُها في المَلا
تأَرَّجَ منها رِداءُ النَّسِي ... م طيباً، ورقّت حواشي الصَّبا
وبعدهما البيتان اللذان سبق ذكرهما.
وأنشد له الشريف قطب الدين، بن الأقساسي ابن أخته، رحمه الله تعالى:
حَبَتْهُ نِجادَ السَّيف قبلَ التَّمائمِ ... فشبَّ عميداً بالعلى والمكارمِ
ضَرُوباً إذا حادَ الدَّنِيُّ عن الرَّدَى ... رَكُوباً لأَثْباج الأمور العظائمِ
مُطِلاً على الأعداء، أكثرُ هَمِّه ... وُلُوجُ الثَّنايا واطِّلاعُ المَخارمِ
ومَنْ طلَب العلياءَ، كلَّفَ هَمَّهُ ... صدورَ العَوالي، أو شِفارَ الصَّوارمِ
وخاض الدًُّجَى، ما تَمَّ فيه سِنانُه، ... وقلقل أعناقَ المَطِّيِ الرَّواسمِ
إذا ما بناها النّيّ غِبَّ كَلالِها ... قصوراً، رماها من سُراه بهادِمِ
ومنها:
من القوم، يَنْهَلُّ النَّدَى من أكُفّهم ... إذا بخِلت بالقَطْر غُزْرُ الغَمائم
وإن شمَّرُوا في ساحة الحرب، جَدَّعُوا ... بأسيافهم، رُعباً، أُنُوفَ المَظالمِ
فما جارُهم في يوم حرب بمُسْلَمٍ ... ولا مالُهم في يومِ سلَمْ بسالمِ
أُولئك قومي، طأطَؤُوا كلَّ شامخ ... إلى المجد، واعلَوْلَوْا على كلّ ناجمِ
إذا لبِسوا الزَّغْفَ الدِّلاصِ، حسِبتَهم ... أسودَ عَرِينٍ في جلودِ أَراقمِ
ومنها:
وقوم رموني عن قِسِيّ ضَغائنٍ ... بأَسْهُمِ أحقادٍ وأَيْدٍ كَوالمِ
إذا ما رأوني، قطَّعوا اللحظَ، وانثنَوْا ... من الغيظ، فاعتاضُوا بعضّ الأباهِمِ
لهم عَلَمٌ يومَ النَّدَى غيرُ خافق ... وأَطلالُ مجدٍ دارساتُ المَعالمِ
وموقدُ نارٍ لا تُضيء لطارق، ... وبرقُ سَماحٍ لا يلوحُ لشائمِ
ولما أصلد زند رجائه، وأصلى جمر برحائه، وتبدد سلكه، ولم يعد ملكه، سافر إلى مصر، كأنما ساقه القدر بها إلى القبر. لكنه عاش فيها مديدةً قفي ظل الكرامة، وانتقل إلى دار الخلد والبقاء والسلامة.
الشريف الجليل الكامل أبو نزار، عبد الله، بن محمد، بن يحيى، بن عمر، الزيدي، الحسيني الكوفي.
هو أخو الشريف أبي القاسم. وكان كاسمه كاملاً، عالماً، فاضلاً.
أنشدني الشريف قطب الدين، محمد، بن الأقساسي، العلوي، الكوفي ب بغداد، سنة سبع وخمسين وخمس مئة، لخاله الشريف الكامل، أبي نزار ﵀، مما نظمه عند كونه ب الجبل في أيام السلطان مغيث الدين، محمود، بن محمد، بن ملك شاه، وهو:
وأرَّقَني بالدَّوْح نَوْحُ حمامةٍ ... مفجَّعَةٍ محزونةٍ، بهَدِيلِها
تذكّرني داراً ب هَمْدانِ ناعطٍ ... تَقِرُّ بعيني وقفةٌ بطُلولها
وقال رفيقي يومَ جُزْنا ب سَحْنَة ... وكان يرِجّي العَوْدَ عندَ وصولِها:
أما آنَ للرَّكْب المُغذِّيِن أَنْ تَنِي ... قَلائصُهم من نَصِهّا وذَميِلها؟
أرى الأَرضَ قد بُدِّلتُ ضَيْقاً بِفيحها ... وبالوعر من بَطْحائها وسُهولها
واللُكَناءِ الغُتْمِ من فصحائها ... وبالدُّلْبِ من رُمّانها ونخيلها
стр. 111
وأنشدني أيضاً الشريف ابن الأقساسي لخاله الشريف أبي نزار:
قَوِّض خِيامى عن ديار الهُونِ ... فلست ممن يرتضي بالدُّونِ
واشدُدْ على ظهر الهَجِين رَحْلَه ... فقد شكاني غاربُ الهَجيِنِ
وقرِّبَنْ من الحِصان زُلْفَةً ... فالحُصْنُ أولى بي من الحُصونِ
فإِنْ أنا قصّرتُ عن شَأْو العلى ... فلا أقلَّتْ صارمي يمَيني
ولا أهَلَّتْ بالسُّعود أنجمُي ... ولا أهَلَّتْ بالسُّعود أنجمي
إِن لم أَنُطْ بالمأثُرات همَّتي ... حتَّى أَحِلَّ رتبةً تُرضيني،
فهمَّتي لا ترتضي لي بعلى ... لأنّها ترى المَعالي دُوني
أحكامَ دهري. ما أراك تُنْصِفي ... قدَّمْتِ غيري وتؤخّريني
أنكرتِ منّي ما عَرَفتِ منهمُ ... ستعرِفيني حينَ تَسْبُرِيني
لانُوا، فنالُوا ما بَغَوْا بلينهم، ... وكنت لا أرضَى على بلِينِ
إِنّي، وإِنْ هان الكِرامُ، باخلٌ ... بماءِ وجهٍ وافرٍ مصونِ
على تصاريفِ الليالي شَرِسٌ ... لم تَزُلِ النَّخْوَةُ من عِرنيني
إنّيَ من قوم، إذا ما ذُكروا ... خَرَّ جميعُ النّاس للجَبِينِ
يُسجَدُ للمولود منهم هيبةً ... ويوضع التّاجُ على الجَنيِنِ
من دَوْحَة ميمونة، طاهرة ال ... أَعراق، تُؤتي الأُكْلَ كلَّ حينِ
محمّد جدّي. وقُربي في العلى ... من النَّبيّ المصطفى يَكفيني
وكان من ذي العرش، جَلَّ ذِكرُه، ... كقابِ قوسِ العَينِ، أو من دُونِ
والمرتضَى أبي. وحسبي عقلة ... موصولة بالأَنْزَع البَطِينِ
وأنشدني له أيضاً:
أُنظُرْ إلى الرَّشَأ الغَرِير وَقِدّهِ ... وسوادِ طُرَّتِه وحمرةِ خدّهِ
رَشأٌ، تكامل دَلُّه ودَلالُه، ... كالبدر أشرق طالعاً في سعدهِ
ألقَى الظّلام على الضّياء فزانه ... والشيء يحسُنُ أَنْ يقاسَ بضدّهِ
لم أدرِ حينَ بدا، وبهجةُ خِدِّهِ ... تُوفِي على لهب المُدامِ وحَدّهِ،
هل خدُّهُ متجسّمٌ في كأسه؟ ... أم كأسُه متجسّمٌ في خدّهِ؟
لم يُبق من بُرْد الجمال بقيَّة ... للمكتسي فَضَلاتِه من بَعدِه
قال: وكان قد خرج يوماً إلى أراضي خفان للصيد، فأمسى وقد أوغل في البرية، فعدل إلى جانب ونزل، وأمر أصحابه فأوقدوا النار، وشووا لحم الصيد، ليأكلوه، فارتفعت نارهم لقوم من عرينة، فوافوها، فأضافهم، وسألهم عن مقصدهم، فذكروا أنهم سفرٌ يمتارون، فحملهم معه إلى الكوفة، ورفدهم، وقال في ذلك:
ومُدْلجِينّ مَقاوي، لا دليلَ لهم ... إلى مكان القِرى شيءٌ سِوى ناري
باتت تُضيءُ، وباتُوا عامدينَ لها، ... وإِنّما رُفِعت للمُدْلِجِ السّاري
لمّا أناخُوا بها، وَلَّى سُغُوبُهُمُ ... وبُدِّلوا بعدَ إعسارٍ بإيسارِ
وأنشدني له أيضاً من قصيدته السينية السنية، التي هي في الذم على من هجاهم أمر من المنية، وفوت الأمنية، يعرض بسادات بني عمه من الكوفة والحلة. وهي في فنها مطبوعة، باللطف مشفوعة، مطلعها:
نادى عقيلُ بأعلنِ الجَرْسِ: ... كم ذا يلينُ لِلامسٍ لَمْسِي
مَنْ ذا يُناكحني، فينكحُنِي؟ ... وَيْلاهُ من. . . ومن. . .؟
ومخلّصي من كلّ بائقة ... سَمْجِ الخلائق ناقصِ الحِسِّ
وله أَبٌّ. لو جاز بيعُ أَبٍ، ... لتركته في حُجرة النَّخْسِ
مَلآْنُ من أكل الحرام، فما ... للخير في ناديه من حسِّ
والشَّيخ عزّ الدِّين حجَّتُهُ ... ضاعت ضَياعَ الشَّمعِ في الشَّمسِ
стр. 112
قلَعَ الرَّواسيَ من عَشيرته ... حرصاً على التَّحويل والغرسِ
وفتى المُعَمَّرِ لا يجود لمَنْ ... يرجو نَدَى كفَّيْه بالفَلْسِ
يعني نقيب الطالبيين، والد النقيب الآن.
ولهِ خُوَانٌ، ما عليه من ال ... إِدامِ غيرُ الخَلِّ والدِّبْسِ
والشَّنْفقيّ، ثَكِلْت طلعته، ... في غاية الإِدبار والنَّحْسِ
هو النقيب العمري ب سوراء.
فكأنَّه، في لبس مِمْطَرِه ... والعِمَّةِ الصَّفراءِ كالوَرْسِ،
شيخُ الْمَثِيبة في اليهود، وما ... بين النَّصارى موضع القَسِّ
وفتى مُعَيَّةَ لو بَصُرتَ به ... لوجدتَه ذئباً من الطُّلْسِ
هو الشريف أبو منصور بن معية، وزير دبيس المزيدي.
هو في التَّذلُّل من سَلُولَ، وفي ال ... أَطماع والغارات من عَبْسِ
متفنِّنٌ في الخُبث منه، فما ... كذَب الَّذي سمّاه بالنِّمْسِ
والأَنكدُ المشؤومُ طلعتُه ... أدهى من الضًّرَبان في الضّرِسِ
وأبو الحسين فكلُّه مَلَقٌ ... مَبْنَى عقيدتهِ بلا أُسِّ
هو جال الدين، بن عز الدين بن أبي نزار.
فكأنَّه دارٌ مجصَّصَةٌ، ... بيضاءُ، خاليةٌ من الإِنسِ
وأنشدني له في جارية، كانت تسكن في جوار الجامع، بديها:
نشَدْتُكِ يا جارةَ الجامعِ ... أهَلْ من قِرىً للفتى القانعِ؟
بعيشِكِ لا تَحْرِميهِ القِرى، ... فما دُونَ وصلكِ من مانعِ
وَعَدْتِ ثلاثاً فأخْلَفْتِها، ... وحاشاكِ من موعد رابعِ
يجوز الخلاف لرَبِّ الخلاف، ... فما العُذرُ للسّامع الطّائعِ؟
الشريف علم الدين بن الأقساسي من الكوفة.
أبو محمد، الحسن، بن علي، بن حمزة أبي الحسين، بن أبي يعلى محمد، بن أبي القاسم الحسن، بن كمال الشرف أبي الحسن محمد، بن الحسن بن محمد، بن علي، بن محمد، بن يحيى، بن الحسين، بن زيد، بن علي، بن الحسين، بن علي، بن أبي طالب ﵈.
استكتبت هذا النسب من أخيه الأكبر قطب الدين، أبي يعلى، محمد، بن الأقساسي. وكانا قد وصلا، في سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، من الكوفة إلى ديوان الخلافة، يسألان إعادة الأملاك التي أخذت.
وسمعت ابن الأقساسي الأصغر، وهو كهل، ينشد الوزير عون الدين بن هبيرة، غير مرة، من قصائده التي نظم فيه.
وهو شاعر مجيد، حسن الأسلوب، متين النظم، سليم المغزى، قويم اللفظ والمعنى. ينطق شعره بحسبه، وشرف نسبه، وتعبر ألفاظه عن غزارة علمه وكمال أدبه.
وللشريف أبي محمد، بن الأقساسي، العلوي، الكوفي يرثي الإمام المستنجد بالله، ويهنىء الإمام المستضيء بالله بالخلافة:
رُزءٌ، تعاظمَ عن حدّ وعن أَمَدِ ... كادت تزول له الأفلاك من زُؤُدِ
عمَّ الورى، فوَهَى حِلمُ الحليم به، ... وظلَّ مستضعَفاً عنه أخو الجَلَدِ
ومارَتِ الأرضُ، إِعظاماً لموقعه، ... مَوْراً غدا راجفاً بالسَّهْل والجَلَدِ
وأضحت الشَّمسُ منه وَهْيَ كاسفةٌ ... كأنّما طَرْفها مُغْضٍ على رمدِ
بيومِ أعظمِ خلقِ اللهِ منزلةً، ... وخيرِ منفردٍ، بالعزّ مُتَّحِدِ
من الرِّعان التّي لولا شوامخُها ... ما كان للأرض من صدف ولا وَتِدِ
القائمين بأمر الله، دَأْبُهُمُ ... حياطةُ الدّين، كالحاني على الولدِ
الآخذين من الأيّام ما احتكموا ... والنّائلي أَمَداً يُغنيك عن أَمَدِ
هم الأئمَّةُ، ما إنْ زال مدحُهمُ ... دَأْبي، وحبُّهمُ ديني ومعتَقَدي
آهاً لِداعي الرَّدَى، لو أَمَّ عَقْوَتَه ... في جَحْفَل حَرِجِ الأحشاء محتشدِ،
له وَجِيفٌ على الثَّرْيا، يُظَلِّلُها ... بمثلها من صَفِيق النَّقْع منعقدِ،
إِذَنْ لَلاَقى طِعاناً دُونَ بِغْيتِهِ ... مُواشِكاً، وضِراباً هاتِكَ الزَّرَدِ
стр. 113
وكلَّ ذِمْرٍ غَداةَ الرَّوْع تُعْظِمه ... إذا تنكَّر للأقران عن أسد
يرى الحِمام حياةً في مُنازَلة ... بينَ الرِّقاق المَواضي والقَنا القِصَدِ
لكنّه القَدَرُ الحتمُ الَّذي خَنَعَت ... له الملوك أُولوا الأَعدادِ والعُدَدِ
فإِنْ تعاظمَ رُزْءاً يومُ مصرعهِ ... فقد أتانا من النُّعمى بأيّ غدِ
وما نقولُ، وقد قامت سعادتُه ... لنا عن الوالد المحمود بالوَلَدِ؟
المستضيء الَّذي قد قام معتمداً ... على إِبالته بالواحد الصَّمَدِ
هو الإمام الَّذي مَدَّت لبيعته ... قلوبُنا طاعةً من قبلِ مِدّ يَدِ
مؤَيَّدٌ، ملَكَ الأهواءَ، فَهْيَ له ... تسعَى إليه، إذا نادَى، على جَدَدِ
صحَّت عزائم أهل الأرض، واجتمعت ... على إِمامته في القُرب والبُعُدِ
فما يقوم له داعٍ على بلد ... إلا وقد سبقته طاعة البلدِ
وكيف لا تمِلكُ الدُّنيا، وأنت لها ... يا ابن الخلائفِ مثلُ الرُّوحِ في الجسدِ
فقُم بها، يا أميرَ المؤمنينَ، ونَلْ ... ما شئتَ، وابْقَ على الأيّامِ والأَبَدِ
وله فيه من قصيدة، يهنئه بالخلافة، ويطلب الشريف:
تبسَّمَ الدَّهرُ عن ثَغْر الرِّضَى جَذِلا ... طَلْقاً، وأهدى إلينا السُّول والأَمَلا
فقم لنفرحَ، وأعلم أَنَّ فرحتَنا ... ما قام يوماً بها أمرٌ ولا عَدَلا
وجاءنا بالأمَاني غَضَّةً جُدُداً ... بِيضاً، وجادَ بها من بعدِ أَنْ مَطَلا
وقام معتذراً ممّا أَلَمَّ به ... يُبدي حياءً، ويُخفي تارةً خَجَلا
وأقبل الجودُ والإحسانُ في طرب ... بادٍ، وقد نَبُها من بعدِ ما خَمَلا
واهتزّت الأرضُ، واخضرَّت هَوامدُها ... وأصبح الرَّوضُ فيها نابهاً خَضِلا
واستبشر المجدُ والعلياء، فابتهجا ... حُسناً، وقد حَلِيا من بعدِما عَطِلا
وحالَ لونُ الليالي فَهْيَ مشرقةٌ ... كأنَّما صِبغُها المعهود قد نَصَلا
وأقشع الظُّلمُ عنّا والظَّلامُ، كما ... وَلَّى جَهامٌ، حَدَتْه الرِّيحُ فانجفلا
ب المستضيء بأمر الله إِنّ به ... تُجلى الخطوب إذا ما ليلها اتَّصلا
الكاشف الكُرَب الجُلَّى وقد عظُمت ... والفاعل الفعلَ في الأيّام ما فُعِلا
خليفة، قيَّدَ الأَلحاظ يومَ بدا ... إلى مُنير، يضمّ البدر قد كمَلا
أي: قيد نوره الألحظا عن النظر إليه.
كأنّما قابل الرّاؤون غُرَّتَه ... شمساً، بدت طلعةً تستوقف المُقَلا
يَوَدُّ مَنْ غاب عن مرهوب موقفه ... لو أنّه بالثَّرَى من تُربه اكتحلا
ثَرىً، ترى بثُغور النّاس كلهِمُ ممّا تقبّله أفواهُهم بلَلا
مَدَّت إليه قلوب النّاس طاعتها ... قبلَ الأَكُفّ، ومَدَّتْها له نَفَلا
إلى يدٍ سَبْطَةٍ بالجود، مُنعِمةٍ ... تُعطي، فيخجَلُ منها الغيثُ إن هطَلا
وما سمِعنا بغيث قبلَ نائلِه ... جادَ البلادَ، فأحيا السَّهلَ والجبلا
سيلٌ، طما، فوُجوهُ الأرضِ سائرُها ... قَرارةٌ، ما علا منها وما سَفَلا
وكيف يَسْقِي حَيا الأمطارِ حيث سقى ... حَياه، أو يصِلُ المَغْنَى الَّذي وصَلا؟
أم كيف يُحسن وصلاً كل مقتدر ... له، وقد غمرَ الأقطارَ والمِلَلا؟
أدنى وإن كان لا أدنى نوافله ... يستغرقُ القولَ، أو يستنفدُ المَثَلا
قد بثَّ عدلاً وجوداً، يُوضحانِ لنا ... قصورَ مَن جادَ في الأزمان، أو عدَلا
نكاد نظلِمُ ما يأتيه من حسَن ... بقولنا: زاد عمّن كان، أو فضَلا
وأبلج من بني العبّاس أوسعَنا ... جوداً، زَوَى وصفُه التَّشبيبَ والغَزَلا
стр. 114
فكلَّما خطَرت في خاطر كِلفٍ ... حسناءُ، حايدَ عنها الشِّعرَ، فانعزلا
وكلَّما جاوز المنطيقُ غايته ... في القول، أيقن بالتَّقصير، فانخزلا
معظَّم، جازت الأهواءُ دولتَه، ... وأوضحت، لاِنقيادِ الأنفُس، السُّبُلا
فالأرض تعنو ومَن فيها لطاعته ... وكلُّ جودٍ، يُلبّيه، وما حملا
لو استطاعت أقاصيها، إِذَنْ جمعت ... لوطئه خدَّها فخراً إذا انتعلا
يسنتشق التُّرْبَ ملذوذاً لعَقْوَتِه ... كأنَّما فُتَّ فيه المسكُ أو قُتِلا
إليك يا خيرَ مَنْ مُدَّت إِليه يَدٌ، ... يداً، لها شرف في مدّها وعُلَى
رأك باسطها الأَوْلَى بدعوته ... حقّاً، فلم يَأْلُ إِذْ ناداك أو سألا
قد جُدتَ بالمال من قبلِ السُّؤال بلا ... مَنٍ، فسنَّ عليه الفخر والحُلَلا
مَلابسٌ، تُبهجُ الدُّنيا، وسابغُها ... عليه يبقى جديدَ الفخرِ لا سَمَلا
تظَلّ تعلو على الأعناق، من شرف ... بها، ويسمو إليه الطَّرْف إِنْ رَفَلا
من الحِسان اللواتي لا يفوزُ بها ... إِلا الأفاضلُ، من جَدْواك، والنُّبَلا
ودُمْ، نهنّيك بالنًّعمى التّي سبغت ... على الورى، وتَلَقَّ العيشَ مقتبلا
فأنت للأرض ممَّنْ فاتَها بدلٌ، ... فلا رأتْ منك يا خيرَ الورى بدلا
وله مما أنشدني أخوه الشريف قطب الدين، أبو يعلى، بن الأقساسي رحمهما الله تعالى:
جاد الزمان، فلولا ما ابتدأتَ به ... كنّا حِسبنا الَّذي جاؤوا هو الكرمُ
حتّى أتيتَ بمعنى غيرِ مُنْتَحَلٍ ... في الجود، لم يأتهِ عُربٌ ولا عجَمُ
لولا اقتفاؤك فيما جئتَ من كرم ... لمَا علِمنا المعاني كيف تنتظم
ابن الناقة الكوفي أبو العباس، أحمد، بن يحيى، بن أحمد، بن زيد، بن الناقة. من أصحاب الحديث العالي. من أهل الكوفة. عاش من بعد سنة خمسين وخمس مئة.
وله شعر، قرأته من تاريخ السمعاني بخطه، قال: أنشدنا لنفسه ب الكوفة:
إِذا ما انتسبت إلى دِرْهَم ... فأنت المعظَّمُ بينَ الورى
وإِمّا فخَرتْ على معشرفبالمال إِن وهو علم العلم وعلامة الدهر، وذكاء الذكاء وذكي النشر. كنا نظمأ إلى سماع نظمه، ونؤثر تيمم مشرعه من يمه، إلى أن سمعنا مجد العرب، العامري يقول لقيته ب الأنبار في عنفوان شبابي، ولا يمكن أن يلحق أحد بطبقته. وأنشد لنفسه
أظما، وغُدرانُ المَواردِ جَمَّةٌ ... حولي، وأسغَبُ، والمطاعمُ دوُني
وأعافُ أدوانَ الرِّجالِ، فإِنّه ... لا يرتضي بالدُّون غيرُ الدُّونِ
لا الفقرُ يَخفِضُ من تسامي ناظري ... فيَغُضُّ منه، ولا الغِنَى يُطغيني
هذا البيت، أنشدنيه ب بغداد الرئيس أبو الفتح، نصر الله، ابن أبي الفضل، بن الخازن.
وأنشدني الأديب مفلح، بن علي، وذكر أنه مطلع هذه القصيدة:
وهواكِ حِلفةَ مغرمٍ مفتونِ ... وجفاك أصدق حالف ويمينِ
َلأُكَلِفَنَّ الوجدَ نقضَ جوانحي ... وأُكَلِّفَنَّ الدَّمعَ نفضَ جُفوني
ول أبي سعيد، أحمد، بن واثق، الأنباري، وقد أبدع فيهما:
شكَرَتْك عنّي كلُّ قافية ... تختالُ بينَ المدحِ والغَزَلِ
فلقد ملأتَ بكلّ عارفة ... كفَّ الرِّجاءِ وناظرَ الأمَلِ
وله:
إِما ترى غَرْبي سِجالاً في الصِّبا ... فِرشاؤها بيد العقاب متينُ
ولقد أُفلُّ الخَطْبَ وَهْوَ مُصَمِّم ... وأُلِينَ عِطفَ الدَّهرِ وَهْوَ حَرُونُ
بمُسَلَّطِ السَّطَوات، حيثُ دعوته ... خفَّتْ به العَزَماتُ وَهْوَ حَرُونُ
عرَّفْتَني عِزَّ الغِنى، فكأنَّني ... لم أدرِ ذُلَّ الفقر كيف يكونُ
وله:
وقد زعَمُوا أَنّي وعدت بزَوْرة ... من الطَّيْف تأتي والصَّباحَ على قَدْرِ
стр. 115
فقلت لهم: ما ذاك إلا بأَنْ نمى ... إلى علم لَيْلَى أَنَّ لَيْلِي بلا فجرِ
وله:
في كلّ مضطَرَب، للمرء مكتَسَبٌ ... وللمطالب بابٌ غيرُ مسدودِ
ومنها:
جاورتُه، فازدريتُ الليثَ ممتنعاً ... ببأسه، وذمَمْتُ الغيثَ في الجودِ
خلائقٌ منه، ما تنفكُّ طيّبةً، ... إِنَّ الخلائقَ عُنوانُ المواليدِ
وأنشدني الرئيس أبو القاسم، عبد الله، بن علي، بن ياسر، الأنباري قال: أنشدني ابن واثق لنفسه:
يُهدي الكَرى لعيون النّاس ليلُهمُ ... والليلُ يَنْفي الكَرى عنّي ويطرُدُهُ
إذا سُهادُ جُفوني باتَ يَبْعَثُه ... إلَيَّ ليلي، فقل لي كيف أرقُدُهُ؟
وأنشدني له:
لو كان غيرُ رُضابِه خمري ... يا عاذِلي لصحوتُ من سُكري
أبو طاهر بن أبي الصقر الأنباري من الطبقة الأولى في العصر: شيخ من أصحاب الحديث. روى عنه الحافظ أبو الفضل، بن ناصر. ومات سنة ست وسبعين وأربع مئة.
وله:
نفسُ، كوني ذات خوفٍ ... واتِّقاءٍ واجتناب
لا تظُنّي النّاسَ ناساً ... أَيُّ أُسْدٍ في الثَّيابِ
أبو نصر مواهب بن يحيى بن المقلد الربعي الهيتي فاضل فقيه، نبيل نبيه، معروف وجيه.
ذكره السمعاني في تاريخه، وقال: كتب عنه رفيقنا أبو القاسم الدمشقي أبياتاً من شعره وقت انحداره إلى بغداد، ورواها لنا، وهي:
إذا ما هبَّ هِيتَ النَّسِيمُ ... تذكَّر مغرم بكمُ يَهيمُ
وإنْ برقٌ تألَّق من ذَراها ... تجدَّد عندَه العهدُ القديمُ
على مَنْ ب الفُرات أقام، منّي ... سلامٌ، ما تلألأت النُّجومُ
وما فارقتُها لِقِلىّ، ولكنْ ... تأَوَّبَني بها الزَّمنُ الغَشُومُ
ولم أطلُب بها عِوَضاً، ولكنْ ... إذا عُدِم الكَلا رُعِي الهَشيِمُ
سقى الله الفُراتَ وساكنيه ... وطيبَ ثَراه وَبْلاً لا يَرِيمُ
وحيّا حَيَّ بِسطامِ بْنِ قَيس ... ففي أبياته قلبي مقيمُ
أَحِنُّ إلى التّي أَصْمَت فؤادي ... فأَصبحَ والغرامُ له غَرِيمُ
رمتني من لواحظها بسهم ... أُصيبَ به من لقلب الصَّميمُ
فما أنا، ما حَيِيتُ، لها بسالٍ ... ولا في التُّرْب إذْ عظمي رَميمُ
الأديب أبو الفرج محمد بن الحسين بن خليل الهيتي لقيته بباب دكان أبي المعالي الكتبي، في سنة خمسين وخمس مئة، وكان كهلاً، للثناء أهلاً. وذكر أنه أكثر من خمسة وعشرين ألف بيت، وأنه صنف مقاماتٍ. واستنبطته، فوجدت فيه أدباً وفضلا، وأنشدني مما نظمه أبياتاً، ومما نثره فصلا.
أنشدني لنفسه من قصيدة:
أمُغْرىً بالمَلال، دَعِ المًلالا ... فمَنْ يُدِمِ السُّرَى يَجِدِ الكَلالا
وإن تَكُ غيرَ مَنّانٍ بوصل ... فزُرْ بخَيالك الدَّنِفَ الخَيالا
وله:
وحُرِمْتُ طِيبَ العيش يومَ سرت بهم ... خيلُ الصُّدورِ بنِيَّة الهجرِ
ولبِست ثوبَ تجلُّدي زمناً ... خوفَ الوُشاةِ، فخانني صبري
وله:
يا راقداً أَسهرَ لي مُقلةً ... عزيزةً عندي وأبكاها
ما آنَ للهِجْرانِ أن ينقضي ... من مُهجةٍ هجرُك أضناها
إِن كنت لا ترحَمُني، فارتقبْ ... ، يا قاتلي، في قتليَ، الله
وله:
إِذَنْ عَوِّضِي حُسنَ الثَّناء وأَجْمِلي ... فذاك لَعَمْرِي فُرصةُ المتعوّضِ
وجُودي بموجود، فإنَّ قُصَارَهُ ... إلى اَجَل يُفضي إليَّ وينقضي
أبو الخير المبارك بن نصر بن مسافر الحديثي أورده السمعاني في تاريخه، وقال: شيخ من أهل الحديثة. له معرفة بالأدب واللغة. ويقول الشعر. ورد علينا بغداد، وأنشدني لنفسه من قصيدة:
أنارَ نهارُ الشَّيب ليلَ شبابي ... وطيَّرَ بازيُّ المشيبِ غُرابي
وزايَلَني شَرْخُ الشَّباب وطِيبُه، ... وطاوعتُ عُذّال، وقلَّ عتابي
стр. 116
ومنها:
فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ بغادة ... منعَّمةٍ، غَرْثَى الوِشاحِ، كَعابِ
أَناةٍ، يُضيءُ البيتَ لألاءُ وجهِها ... ولو سترت من دونه بنِقابِ
لها جِيدُ أَدْماءِ المُقَبَّلِ مُغْزِلٍ ... ووجهٌ كبدر التَّمِّ غيرُ مَعابِ
فيا لكَ لهواً في عَفاف لَهَوْتُه ... ولم تُدنس الفحشاءُ طِيبَ ثيابي
ويا رُبَّ خَرْقٍ قد قطَعْتُ نِياطَه ... بوَغْلٍ جِيادٍ أو بِنَصِّ رِكابِ
وما شِبْت من عمر طويل، فهذه ... سِنِيَّ، وهذا إن شككتَ حسابي
ولكنْ رماني الدَّهرُ منه بأَسْهُم ... شقَقْنَ فؤادي قبل شَقِّ إِهابي
فقلتُ، وقد أَصْمَيْنَ رَشْقاً مَقاتلي: ... أَهذاك دابُ النّائباتِ ودابي؟
قال: وتوفي في شعبان سنة ثلاثين وخمس مئة، بعد أن كتبت عنه الأبيات بيسير.
ابن زكرويه الأنباري هو الحسن، بن محمد، بن زكرويه. من شعراء الأيام المقتدية.
قرأت في ذيل التاريخ ل ابن الهمذاني، في حوادث سنة ثمانين وأربع مئة، ل ابن زكرويه، الأنباري، يمدح نظام الملك، ويهنئه عند عوده في السنة المذكورة من زيارة المشهدين ب الكوفة والحائر على ساكنيهما السلام، قصيدة، منها:
زُرتَ المَشاهدَ زورةً مشهورةً ... أرضت مَضاجعَ مَنْ بها مدفونُ
فكأنّك الغيثُ استمدَّ بتُرْبها ... وكأنّها بك روضةٌ ومَعِينُ
فازت قِداحُك بالثَّواب، وأنجحت ... ولك الإِلهُ على النَّجاح ضَمينُ
وله في هذه السنة، وقد خلع الإمام المقتدي على السلطان ملك شاه، وتوجه للإمامة:
هنيئاً للإمامة ما أرتنا ... من الآيات في السُّوَر الفِصاحِ
وحسبُ جلالِ دولِتها جلالاً ... وشائحُ هذه الرُّتَبِ الفِساحِ
لقد توَّجْتَ مَفْرِقه بتاج ... يُقيم على الزَّمان بلا بَراحِ
فحلَّ نهايةَ الشَّرَف المُعَلَّى ... ومازجَ صفوةَ الفخر الصُّراحِ
وقرأت في مجموع شعراء عميد الدولة، أبي منصور، محمد، بن محمد، بن جهير فيه، ويهنئه بالعود إلى الوزارة:
أبى الله إلا أن يُعِينَ بك الهدى ... وإنْ رُغم الحُسّادُ أو كرِه العِدا
سعدت، عميدَ الدَّوْلَتينِ، بأَوبة ... إلى رتبة، مَدَّتْ إلى يدك اليدا
ولو لم تكن موعودةً بك، غالَها ال ... لإِراقُ، وأبلاخا الحنينُ وأكمدا
فدُونَكَها مسرورةً بك، أقبلت ... تَهادَى جلالاً لا يُبارَى وسوددا
وها هيَ قد ألقتْ مَقاليدَ أمرِها ... إلى أمرك الأعلى، هَوىً وتَوَدُّدا
وكم كُلِّفتْ عنك السُّلُوَّ، فزادها اشْ ... تِياقاً، وأذكى وجدَها فتوَقَّدا
ومنها:
ولمّا تبدَّت همّة تَغْلِبِيَّة، ... وعزم أقام الحادثات وأقعدا،
تشوّفتِ الأخبار عنك، مَشُوقةً ... إليك اشتياقَ الرَّوْضِ حَنَّ إلى النَّدَى
ومادت ب زَوْراء العِراقِ مَخاوِفٌ ... إذا ما رآها الثّابتُ الجَأْشِ عَرَّدا
فلو لم تَصِلْها عائداً، لم تَجِدْ بها ... سريعاً إلى الدّاعي ولا متأيّدا
قدِمتَ عليها، مستهّلاً بنائل ... نفى بنَدِاه جَدْبَها المتوقّدا
أبو الحسن علي بن جد الهيتي ﵀.
له في مدح الإمام المستضيء بأمر الله، ويصف هيت، ويشكو أهلها، ويذمهم:
مَنازلُ هِيتٍ لا يوافقُها العدلُ ... إذا عدَل السُّلطانُ، جار بها الأهلُ
وما هيَ إلا بلدةٌ جاهليّة ... أَمَرَّت على مَرّ الزَّمانِ فما تحلو
تجمَّع أهلوها على الخُلْف والجَفا ... وبينَهما أخذُ الحرائبِ والقتلُ
قلوبُهمُ من جَنْدَلٍ وصفائحٍ ... خُلِقن، وما في العالمين لهم شَكْلُ
وأَيمانُهمْ غدرٌ إذا حلفوا بها، ... وقولُهمُ نُكْرٌ، ووعدُهُمُ مَطْلُ
стр. 117
وإِن عُوتبوا فالعتبُ فيهم مضيَّعٌ ... وإِن عُذِلوا يوماً فما ينفَعُ العَذْلُ
أرى شيمتي تأبى بلادي وأهلَها ... فيا ليتَ أَنّا لم يكن بينَنا وصلُ
وأُقسِمُ لولا بِنتُ عمٍّ شفيقةٌ ... إذا غِبتْ عنها، نالها منهم ثِقْلُ،
لأَبْعدتُ أسفاري، وفارقتُ منزلي، ... ولم يَثْنِني كَرْمٌ بأرضي ولا نخلُ
وخُذْ بيميني، إِنّنا شَرُّ جَِبْلَةٍ ... وما إِنْ لنا دِينٌ يَزينُ ولا عقلُ
خُلِقنا بلا حِلم، ولا علمَ عندَنا، ... وإِنّا أناسٌ قد أضَرَّ بنا الجهلُ
ولولا أميرُ المؤمنينَ وحلمُهُ ... لَحَلَّ بنا من قبحِ أفعالِنا نكْلُ
ولكنّه عمَّ البَرايا بعدله ... فأمسى له في كلّ مَكْرُمَة فعلُ
وأحيا به الأرضَ المَواتَ، وقد غدا ... لكلّ أَخي عُدو بأرجائها أُكْلُ
وإنَّ الإِمامَ المستضيءَ فتى العلى ... هو الرُّكنُ للإسلام والفرعُ والأصلُ
إِمامٌ، به دَسْتُ الخِلافة مُشرقٌ ... أضاءت به الآفاقُ والمُدْنُ والسُّبْلُ
مطيعٌ لأمر الله في الجهر والخَفا ... سميعٌ إذا ناداه عانٍ به كَبْلُ
تواضع للرَّحْمن خوفاً وخَشيةً ... وتابعَ ما قال النَّبِيُّونَ من قبلُ
حمى حَوْزَة الإسلامِ من كلّ ظالم ... فلا ناصرٌ يُجْبَى بأرض ولا جَفْلُ
هو العَلَمُ الفردُ الَّذي يُقْتَدى به ... إذا اختلف الأقوامُ في الأمر أو ضَلُّوا
وقد سار فينا سِيرةً عُمَرِيَّةً ... فأربى على كِسرى، فسيرتُه عدلُ
وفاق على كلّ البَرِيَّة فعلُه ... فليس له فيهم نظيرٌ ولا مِثلُ
جَبَرْتَ البَرايا يا ابنَ عمِّ محمَّد ... وسِرت بإِنصاف كما سارت الرُّسْلُ
وكنتَ على الإسلام وجهاً مُبارَكاً ... وأضحى بأرضٍ أنت مالكها الوَبْلُ
الرئيس أبو علي يحيى بن محمد بن الشاطر الأنباري أنباريٌّ: أنبأ رائيه، أنه عز في زمانه من يباريه. إن باراه سحبان، قال: سبحان باريه.
مقصد مقصده سليم، ومنهجه قويم. مقطع كأنه مقطع ديوان المعاني، بل ناظم لعقود هي قلائد المعالي لا الغواني.
أسلوبه مطلوب، بالأرواح مسلوب. ومذهبه محبوب، بالقلوب منهوب. معناه شائق، ولفظه رائق، ونظمه فائق، ولفظه بالمعنى لائق.
أنشدني الرئيس أبو القاسم، عبد الله، بن علي، بن أبي ياسر، الأنباري، في الديوان العزيز - مجده الله - ب بغداد، في شهور سنة سبع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني ابن الشاطر لنفسه، وهي كلمة خالية من النقط غير معجمة، مطرزة بالحكم حالية معلمة، سلمت من التكلف، وخلصت من التعسف، لا يتفق لأحد مثلها في فنها، وسلامتها وحسنها. وهي:
صارِمْ ملولاً كَدِراً وُدًّهُ ... ودُمْ لأهل الوُدِّ ما دامُوا
وأَعطِ أموالَك سُؤّالَها ... ولو لَحى الحُسّادُ أو لامُوا
وحَصِّل الحمدَ. ألا، كلُّ ماحُصِّل إلاّ الحمدَ، إِعدامُ
السُّؤدَدُ المالُ، ولولاه ما ... رامَ أُولُو الأحوالِ ما رامُوا
أولادُ حَوّاءَ وِهادٌ، ولو ... سادُوا، وأهلُ العلمِ أَعلامُ
ما أمدح المرءَ، ولم أَدرِ ما ... أسرارُه، واللهُ علاّمُ
ما مَسَّ حُرَّ الأصلِ عارٌ، ولو ... علاه أَسْمالٌ وأَهْدامُ
كم صارمٍ، محمُله دارسٌ ... وهو حُسامُ الحدّ صَمْصامُ
كم وَرِعٍ، حَسَّر أَكمامَه ... للمكر، وَهْوَ الصّادُ واللام
وأنشدني له:
إذا ما ألَمَّتْ شِدَّة، فاصطبِرْ لها ... فخيرُ سلاحِ المرء في الشِّدَّة الصَّبْرُ
وإِنّي لأَستحيي من الله أَنْ أُرَى ... إلى غيره أشكو وإِنْ مَسَّني الضُّرُّ
стр. 118
عسى فَرَجٌ به الله. إِنَّه ... له كلَّ يوم في خَلِيقته أمرُ
قال: وتوفي رجل من بلده، فكتب على تربته:
يا واقفين بنا، ألم تتَيقَّنُوا ... أَنَّ الحِمامَ بكم علينا قادمُ؟
لا تستغرُّوا بالحياة، فإِنَّكم ... تبنونَ، والموتُ المفرِّقُ هادمُ
لو تَنزِلونَ بشِعبنا، لَعَرَفْتُمُ ... أَنَّ المفرِّطَ في التَّزَوُّد نادمُ
ساوَى الرَّدَى ما بينَنا، فأحَلَّنا ... حيثُ المُخَدَّمُ واحدٌ والخادمُ
الأديب أبو المظفر مفلح بن علي بن يحيى بن عباد الأنباري من شعراء الدولة المستنجدية. وقد مدح المقتفي أيضاً، رحمه الله تعالى.
ذكر أنه من كلاب، بن ربيعة، بن عامر، بن صعصعة، بن معاوية، بن بكر، بن هوازن.
وكان خصيصاً بالوزير عون الدين، بن هبيرة: يصلي به في السفر والحضر، ويتولى له أخذ الزكاة من غنم الخالدية، وهو عامل المنثر، وأكثر شعره فيه.
فلما توفي الوزير، ونكب جماعته، رقي عنه أنه نظم شعراً يعرض فيه ببعض الصدور، فأخذ وحبس في حبس الجرائم، وعوقب مراراً، وأخرج ميتاً بعد سنة من حبسه يوم الاثنين ثاني عشر شعبان سنة إحدى وستين وخمس مئة.
كان أديباً فصيح اللهجة، مليح العبارة، يتبادى في إنشاده وإيراده، ويسلك أسلوب العرب.
ذكر أنه كان معلماً للأدب قبل اختصاصه بالوزير.
فمما أنشدنيه لنفسه، من قصيدة يمدح فيها الوزير عون الدين، سمعته ينشد الوزير ثانياً سنة سبع وخمسين وخمس مئة:
أثَغْرُكِ ثغرُ الأُقْحُوانةِ، أم دُرّ؟ ُ؟ ... وأَرْيٌ بفِيكِ الباردِ العَذْبِ، أم خمرُ؟
وصبحٌ بدا في جنْح ليلِ ذَوائبٍ، ... أمِ الشَّمسُ من تحت السِّجاف، أمِ البدرُ؟
وماذا الَّذي أدمى صحيفةَ خدِّها؟ ... أَلَحِظْي بها، أم دَبَّ من فوقِها الذَّرُّ؟
وما أثَرٌ فوقَ التَّرائبِ بَيِّنٌ؟ ... أَلِعقد لَمّا جال من فوقها إِثْرُ؟
أَناة من البِيض العِفاف، نِجارُها ... من العُرب يَنْمِيها غَزِيَّةُ أو عَمْروُ
إذا الحَضَريّاتُ النَّواعمُ أشرقتبهِنّ وقد مِسْنَ الرُّصافةُ والحَسْرُ،
سَنَحْنَ لنا ما بينَ فَيْدَ وحاجِر ... ظِباءَ نَقاً، يُزْهَى بها الضّالُ والسِّدْرُ
يَمِسْنَ كأغصان من البان هَزَّها ... نسيمُ الصَّباحِ فَهْيَ مَجّاجةٌ خُضْرُ
تقسَّم قلبي ب العُذَيْب وبانِهِ ... كواعبُ، لا نهيٌ عليها ولا أمرُ
فلا أجرَ إلا في مُعاناة هَجرها ... ولا وِزْرَ إلاّ في الَّذي ضَمَّت الأزْرَ
ومنها:
ومَرْت، كظهر التُّرْس، زِيَزْاء مَجْهَل ... تَتِيهُ به، من دَرْس أعلامِها، السَّفْرُ
ومنها:
وليل، عَطَطْنا ثوبَه بقَلائص ... هِجانٍ، يُنَزِيّها التَّحَلْحُلُ والزَّجْرُ
إذا انقضَّ فيه النّجمُ، آنسَ قلبُه ... من الفجر قُرباً، فاستطارَ به الذُّعْرُ
أكان له بالفجر أقربُ نسبةٍ ... فصالَ عليه؟ أم له عندَه وِتْرُ؟
فلمّا نَزَلْ نَفْرِي حُشاشةَ قلبِه ... إذا ما خلا قفرٌ يعارضُنا قفرُ
إِلى أنْ سمت خيلُ الصَّباحِ، فكشَفت ... أَدانيه عن قُطر، ورِيعَ لها قُطرُ
كأنَّ ابيِضاضَ الفجرِ في أُخْرَياته ... مواهبُ يَحْيى، أو خلائقُه الزُّهْرُ
فتى، أَنْشَرَ العلياءَ من بعدِ موتِها ... فعادَ لها من بعدِ ما طُوِيت نَشْرُ
وجدَّد أيّاماً من العدل أخلقت ... فعادَ لها من بعدِ نسيانها ذِكرُ
بطلعته تَثْني الخطوبُ نواكصاً، ... وتستبشرُ الدُّنيا، ويستنزلُ القَطْرُ
أغَرُّ، تخالُ البِشرَ في قَسَماته ... وَمِيضَ حُسامٍ راق قي مَتْنه أَثْرُ
وأعنقَ في سُبْل العلى وأخافَها ... فمسلكها صعبٌ على غيره وَعْرُ
ومنها:
стр. 119
يجودُ بما تَحوِي يداه لوَفْده ... ويطلُبُ منهم أن يُقامَ له العذرُ
وما وَفَرت يوماً مَحامدُ سيّدٍ ... من النّاس حتى لا يكونَ له وَفْرُ
ومنها:
يَزِيدُ على كُثْر الوفودِ سماحةً ... فتىً، عُذرُه قُلٌّ، وأنعُمه كُثْرُ
يَبِيتُ، إذا ما نامَ ماليءُ بطنِه، ... أخا هِمَم يَسْري وصَيْقَلُها الفكرُ
لإِعمالِ رأيٍ صائبٍ غيرِ فائلٍ ... فيُفْتَحُ فتح، أو يُسَدّ به ثَغْرُ.
وإِمّا نَحَتْ أبناءُ فارِسَ أرضَنا ... كتائبَ للهيجاء ضاق بها البَرُّ،
رماهم بآسادٍ، مَعاقلُها القَنا، ... وأَغيالُها البِيضُ اليَمانِيَةُ البُتْرُ
نَضاهُنَّ بِيضاً، أخلصتها قُيُونها ... صِقالاً، وشِيمت وَهْيَ من عَلَق حُمْرُ
إذا ذمَّها قومٌ، لسوء صنيعِها ... بهم، فسِباعُ الوحشِ تَحْمَدُ والنَّسْرُ
وكانت طُلوعَ الشّمس بِيضاً وجوهُهم ... فما غَرَبَتْ إلا وأوجُههم صُفْرُ
فما انتظمت أشتاتُ عدل تفرَّقت ... إلى أن غدوا قَسْراً ونظمهمُ نثرُ
وما ابيضَّ وجهُ الحقّ بعدَ اسوِدادِه ... فأشرق، حتّى احمرَّتِ البِيضُ والسُّمْرُ
وما صحَّتِ العلياءُ بعد اعتلالِها ... حَنانَيْكَ حتّى صارَ في الزَّمنِ الكسرُ
وما افترَّ ثَغْرُ الدِّين بعدَ بكائه ... إلى أن بكى من وجه أعدائه ثَغْرُ
وما مَلأَت أيدي الوفودِ رغائباً ... يمينُك إلا وَهْيَ ممّا حوت صِفرُ
أرى البحرَ ذا مَدٍّ وجزرٍ يَشِينُه ... فلِلّهِ بحرٌ لا يكونُ له جَزْرُ
فتىً، لو أصاب السَّدَّ صائبُ عَزْمِه ... دَحَاه، فلم يمنَع حديدٌ ولا قِطرُ
إذا ما جرى في حَلْبَة الفخر مُعْنِقٌ ... جريتَ الهُوَيْنَى واقفاً ولك الفخرُ
فكان لك الباعُ الطَّويلُ إلى العلى ... بأيسرِ ما تسعى، وكان له شِبرُ
وأنشدني له من قصيدة فيه:
سُقم أجفانِك، والسِّحرُ الَّذي ... صحَّ منها، زادَ شَجْوِي وسَقامي
وفُتورُ العين، لمّا نظرت ... عَرَضاً، زادَ فتوراً في عِظامي
سارَ قلبي معها إذْ وَدَّعَت ... فعليها وعلى قلبي سلامي
ظَلَم الكاعبَ مَنْ قال لها، ... وَهْيَ بَرْدُ العيش: يا بدرَ التَّمامِ
كالَّذي قاسَ نَدَى يحيى، وقد ... شَمَلَ الخَلْقَ، بمُنْهَلِّ الغَمامِ
ملك. لوا هُداه في الورى ... خَبَط النّاسُ عَشاءً في ظلامِ
وأنشدني له قصيدة، نظمها فيه، وأنشده إياها في شوال سنة سبع وخمسين وخمس مئة. وهي:
أُخادعُ نفسيَ عن دارها ... وقد عرفتْ بعدَ إِنكارِها
مخافةَ ذِكر النَّوَى فَجْأَةً ... فيَبْهَضُها حَمْلُ آصارِها
مضى الشَّكُّ، فاعترفي باليقين ... وعينَك سحّي بمِدرارها
فقد غلَبت سابقاتُ الدُّموع ... وجاشت غَواربُ تَيّارِها
فذَرْها، تَبُحْ بهَناتٍ لها ... وتُبْدِ لهم بعضَ أسرارِها
أَأُبْدي التَّجَلُّدَ من بعدِ ما ... رأيتُ مَعالمَ آثارِها؟
وما إِنْ أَرَى إِرَماً ماثلاً ... بها غيرَ موقدِ أحجارِها
وأقنَعُ بالعَرْف من بانِها ... وسَوْفٍ، وبالسَّوْف من غارِها
وقوليَ: يا سعدُ عَلِّلْ بها، ... وزِدْنيَ من طِيب أخبارِها
ومَنْ لي بغفلة حُرّاسِها؟ ... ومَنْ لي بهَجْعَة سُمّارِها؟
إذا ما بدت بينَ أَتْرابِها ... ويَعْقِدْنَ مُنْحَلَّ أَزْرارِها،
بدت شمسَ صحوٍ، سَنا نورِها ... رقيبٌ على هتك أَستارِها
كأنَّ لَطِيمةَ مِسكٍ، غدت ... تقلّبُها يدُ عَطّارِها
стр. 120
كأنَّ بِفيها، بُعَيْدَ المنام، ... خَلِيَّةَ شُهْدٍ لمُشتارِها
فيا عجبا من قُوَى قلبِها ... ومن ضَعفِ مَعْقِدِ زُنّارِها
تَحِلُّ ب فَيْد، وكم للنّوَى ... تقاضي الخطوبَ على ثارِها
وجاور أهلك أهل العِراق ... وشَتّانَ دارُك من دارِها
تقضَّى الشّبابُ وأَيّامُه ... وقلبي مُعَنّىً بتَذْكارِها
وإِنّي لأَرْجو، على نَأْيِها ... وما فاتَ من رَجْع أَسمارِها،
أَمُرُّ طليقاً بوادي الحِمى ... وترمُقُ ناري سَنا نارِها.
وكم من طروبٍ ب نجد. وما ... جَنَى من جَناها وأشجارِها،
ولا شمَّ نفحة جَثْجاثِها، ... ولا راقَه حسنُ أزهارِها،
فكيف بمَنْ قد قضَت نفسُه ... بأَرْبُعِها بعضَ أوطارِها؟
وكيف بمَنْ لم يَزَلْ قومُه ... حُماةَ رُباها وأَغوارِها؟
يظُنُّ الهَزار بأرض العِراق ... مُجاوبَ صوتِ خشنشارِها
قَمارِي النَّخيلِ وأَطيارُه ... يرنّحُها بَرْدُ أسحارِها
كأنَّ البلابلَ شَرْبٌ، حَسَتْ ... دِهاقاً بكاساتِ خَمّارِها
إذا لم تكن زينب في زَرُودَ ... فلا سُقِيَتْ صَوْبَ أَقطارِها
ولا عَمَرتْ أربُعٌ بالحِمى ... إذا فارقتُ أمُّ عمّارِها.
ويَهْماءَ، ليس بها مَعْلَمٌ، ... يَتِيهُ الدَّليلُ بسُفّارِها
تجاوزتُها، ومعي فِتيةٌ ... تُراعي النُّجومَ بأَبصارِها،
على ناجياتٍ، كمثل القِسِّيِ، ... يباشرُها طول تَسْيارِها
تُسابقُ فُرّاطَ كُدْرِيّهِا ... فتحسو بقيَّة أسآرِها
تُخالُ، وقد طال إِسآدُنا ... بها سُجَّداً فوقَ أكوارِها،
حَنايا، ونحن لها أسهمٌ ... ونجدٌ رَمِيَّةُ أوتارِها
فآضت وجوهٌ كمثل الوَذِيلِ، ... تُحاكي الحُلُوكةَ من قارِها
فآوت إلى ظِلّ مأوى الضَّرِيكِ ... وحطَّتْ به ثِقْلَ أَوزارِها
باب في ذكر محاسن أهل واسط والبصرة
وما يتخللها ويجاورهما من البلاد والنواحي
واسط
أبو الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر الشافعي الواسطي كان من شعراء الدولة القائمية والمقتدية والمستظهرية. وكان من شهود واسط وأعيانها. عاش تسعين سنةً، إلا شهوراً.
قرأت في الذيل ل ابن الهمذاني: أنه توفي ب واسط يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وأربع مئة. ومولده ذو الحجة سنة تسع وأربع مئة. وكان الرجل الذي لا يرى مثله في كمال فضله، وبلاغته، وحسن خطه، وجودة شعره.
وله أبيات، قالها قبل موته. إن حصل رويها ضاداً معجمة، أو صاداً غير معجمة، لم يستحل معناها. وهي:
خليلي الَّذي يُحصي عليَّ محاسني ... فأكرِمْ بذاك الخِلِّ من ماجد مَحْضِ محصِ
وإن لامَه في خُلَّتي ذو عداوة ... فأَجْدِرْ به في ذلك الوقتِ أن يُغضِي يَعْصِي
يَزيدُ على الأيّام حفظَ مَودَّةٍ ... به أَمِنت، والحمدُ لله، من نقضٍ نقصِ
ومن شعره القديم، وهو مما يتغنى به، قوله:
وحُرمةِ الوُدِّ مالي عنكمُ عِوَضُ ... لأنَّني ليس لي في غيركم غَرَضُ
أشتاقُكم وبوُدّي أن يواصلَني ... لكم خَيالٌ، ولكن لست أغتمضُ
وقد شرَطْتُ على قوم صحِبتُهُمُ ... بأنَّ قلبي لكم من دونهم، ورَضُوا
ومن حديثي بكم، قالوا: به مرض، ... فقلت: لا زال عنّي ذلك المرضُ
وله مما يكتب على فص عقيقٍ أحمر:
ما كان قبلَ بكائي، يومَ بَيْنِكمُ، ... فَصِّي عَقيقاً، ولا دمعي استحال دما
وإِنَّما من دُموعي الآن حمرتُه ... فانظُرْ إلى لونه والدَّمعِ كيف هُما
وله في فص أصفر:
стр. 121
أظُنُّ بفَصّي، حينَ زاد اصفرارُه ... وعوداً لها بالوصل، طال انتظارُهُ
وإن تَكُ هذي حاله، فَهْيَ حالتي ... بوعد حبيب عَزَّ منه مَزارُهُ
وله في فص أزرق:
أبدى الحبيبُ تغيُّراً وتنكُّراً ... من خاتمي وعليه فَصُّ أَزْرَقُ
قلت: التَّفاؤلُ منه في تصحيفه ... عَلِيّ لوعدٍ منك، يوماً، أُرْزَقُ
وله:
عليك بحسن الصَّبْرِ في كلّ ما يَطْرا ... وقِفْ وِقفةَ المظلومِ، وانتظرِ الدَّهْرا
وإن لم تنَلْ، في هذه الليلة، المُنَى ... سريعاً، فبِتْها، وانتظرْ ليلةً أُخرى
فلو أَنَّ في النَّاس امرَأَيْنِ، تَمَنَّيا ... جميعاً مُنىً، لم تَعْدُ مَنْ أحسن الصَّبرا
وله مرثية:
كفانيَ إنذاراً وفاةُ قرِيني ... فكيف الّذي في السِّنّ أصبح دُوني؟
فكيف تراني أصحَب الدَّهرَ آمناً ... إذا هو أضحى فيك غيرَ أمينِ؟
وكنت أُناجي اللهَ، ﷻ ، ... بأَنْ فيك مكروهَ القضاءِ يَقيني
فبلبلتِ الأقدار قلبي، وولَّدت ... وساوسَ، أخشى أن تبلبلَ دِيني
وإنَّك لم تبلُغْ من العمر غايةً ... تكون بها في النّائبات مُعيني
فليت المَنايا نفَّستْ من خِناقها ... إلى أَمَد، أرجوه فيك، وحِينِ
لئن صان منك الدَّمع حالاً تغيَّرَتْ ... ففائضُ دمعي فيك غير مصونِ
ويأمُرني بالصَّبر عنك ذوو الحِجا، ... فقلت لهم: من ذا المقالِ دًعُوني
فلي لَهْفُ مغصوبٍ، وحَيرةُ مُكْرَهٍ ... وأنفاسُ مكروب، ووَجْدُ حزينِ
فلا قلت يوماً للكآبة: أَقْصِري، ... ولا لجُفوني: دمعَ عينِك صُوني
وأستذنبُ الأيّامُ فيك جهالةً، ... وكم أهلكتْ من أُمَّة وقرينِ
هو الموتُ، لم يَحْفِلْ بصاحبِ معقلٍ ... ولم يخشَ من حِصن عليه حصينِ
ولا فاتَه سارٍ، يواصلُ سيرَه ... على ظهر سُرْحُوبٍ ومَتْنِ أَمُونِ
وإِن تَكُ هذي الأرضُ غيرَكَ تبتغي ... كريماً، فما ترضَى إذَنْ بدفينِ
عليك سلام. كم إليك جوارحٌ ... تَحِنُّ، ولكن ما لها كحنيني
هذا ما علقته من كتاب التاريخ ل ابن الهمذاني.
وأنشدني الشيخ أبو المجد، الواعظ، الواسطي بها، سلخ رمضان سنة أربع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني الشيخ أبو الحسن، بن أبي الصقر لنفسه، زعم أنه قصد نظام الملك، فمنعه البواب، فكتب إليه:
لِلهِ دَرُّك إِنَّ دارَك جنَّةٌ ... لكِنَّ خلفَ البابِ منها مالكا
هذا نظامُ الملك ضدُّ المقتضى ... إذْ كان يَرْوِي عن جَهَنَّمَ ذالِكا
أنعِمْ بتيسير الحجاب، فإِنَّني ... لاقيتُ أنواعَ النَّكالِ هُنالِكا
مالي أُصادفُ بابَ دارِك جفوةً ... وأنا غنيٌّ، راغبٌ عن مالكا؟
فأذن له نظام الملك، وقال: إذا كنت غنياً عن مالنا، فانكفئ فقال: كلانا شافعي المذهب، وقد جئتك لمذهبك لا لذهبك.
وأنشدني له بعض الشهود المشايخ، وهو الصائن، بن الأعلاقي ب واسط، وقد لقيته:
بعدَ ثمان وثمانينا ... في مسكني قد صرت مسكينا
لا أسمَعُ الصَّوتَ، ولا أُثْبِت الش ... خْصَ، فلا بُلّغِتُ تسعينا
ويرحَمُ اللهُ تعالى امْرَءاً ... يسمَعُ قولي، قالَ: آمينا
وقد استجيب دعاؤه، حيث توفي - رحمه الله تعالى - قبل أن يتم التسعين.
وأنشدني له أيضاً، يعتذر عن ترك القيام لأصدقائه لكبره:
علَّة، سُمِيّت ثمانين عاماً، ... منعتني للأصدقاءِ القياما
فإِذا عُمِّرُوا تمهَّدَ عذري ... عندَهم بالَّذي ذكرتُ، وقاما
وله في العذار:
عِذارُ الحبيب على خدّه ... طِرازٌ، وزَيْنُ اللباسِ الطِّرازُ
أرَدتُ سلوكاً إلى هجره، ... فسَدَّ طريقي، فما لي مَجازُ
وله:
стр. 122
إذا ما مَرَّ يومٌ بعدَ يومٍ، ... ووجهي ماؤُه فيه مَصُونُ،
وقُوتي قُرْصَتانِ إلى ثلاث ... بها مِلْحٌ يكونُ ولا يكونُ،
وسِرْ بِي آمنِ، وأنا مُعَافىً، ... وليس عَلَيَّ في الدُّنيا دُيونُ،
فما أَشكو الزَّمان، فإنْ شكوتُ ال ... زَّمانَ، فإِنّه منّي جُنونُ.
وله:
أَسُوق نفسي بعصاً في يدي ... تُبصرُ قُدّاميَ، لا خلفي
يا رَبِّ. حتّى الشَّيخُ في سَوْقه ... مخالفُ العادةِ والعُرفِ
وله في تفاحة حمراء:
أَهدى لقلبي قمَرٌ، ... طالَ إليه قَرَمي،
تُفّاحةً، أُحيي بها ... قلبي وكفّي وفمي
فلستُ أدري، إذْ بدت ... ولونُها كالعَنْدَمِ،
مِن نَفَسي تورَّدت؟ ... أم حَمَلَتْ وِزْرَ دمي؟
وله:
لا تعجبَنَّ من الزَّما ... نِ، فهكذا قد كانَ يفعَلْ
ما راسَ فيه سِفْلَةٌ ... إلا أصارَ الرَّأسَ أسفلْ
فانظُرْ إلى النُّظّار في ... هـ آخِراً من بعدِ أوَّلْ
مَنْ ليس من أهل الرِّئا ... سة، للرِّئاسة قد تأهَّلْ
لا تَغْبِطَنَّ مُقَدَّماً ... تأخيرُهُ أَولى وأَجملْ
منْ ليس ذا أهلٍ، فلي ... س على ولايته مُعَوَّلْ
كمُؤَمَّرِ النَّيْرُوز، يَن ... ظُرُ بعضَ يوم ثُمَّ يُعْزَلْ
وله:
واللهِ، لولا بولةٌ ... تُحرِقُني وقتَ السَّحَرْ
لمّا علِمتُ أَنَّ لي ... ما بينَ فَخْذَيَّ ذَكَرْ
وأخبرني الشيخ كثير بن سماليق إجازةً، قال: أنشدني ابن أبي الصقر لنفسه، ب بغداد:
مَنْ قال: لِي جاهٌ، ولي حِشمةٌ، ... ولي قبولٌ عندَ مولانا،
ولم يَعُدْ ذاك بنفع على ... صديقه، لا كانَ ما كانا
هذان البيتان، أوردهما أبو سعد، السمعاني في المذيل عن كثير، عنه، وأنا لي إجازة من كثير، وسمعت عليه الحديث أيضاً.
وذكر ابن السمعاني في المذيل: أنه أنشده عبد السميع العباسي قال: أنشدني ابن أبي الصقر لنفسه:
كلُّ أمر، إذا تفكّرت فيه ... وتأمَّلْته، رأيت طريفا
كنتُ أَمشي على اثنتينِ قويّاً ... صرتُ أَمشي على ثلاثٍ ضعيفا
وله:
كلُّ رزقٍ، ترجوه من مرزوقِ، ... يعتريهِ ضربٌ من التَّعويقِ
وأنا قائلٌ، وأستغفرُ الل ... هَ، مقالَ المجازِ لا التَّحقيقِ:
لست أرضى من فعلِ إبليسَ شيئاً ... غيرَ تركِ السُّجودِ للمخلوقِ
وله:
أبَداً ما يقاسُ بالكلب إلاّ ال ... بُخَلاءُ الأراذلُ السُّفَهاءُ
ومتى قلت: أنت كلبٌ؟ فللكل ... بِ وفاءٌ، وليس فيك وفاءُ
وله - وقد دخل على سيف الدولة، صدقة واسطاً في سنة ست وتسعين وأربع مئة، وظفر بأعدائه، منهم القيصري، وعفا عنهم - فقال فيه، ودخل إليه وسنه سبع وثمانون سنة، وأنشده:
ظفَّرَ اللهُ بالعُداة الأميرا ... مثلَما ظفَّرَ البشيرَ النَّذيرا
يومَ بَدْرٍ، فإِنّه كان يوماً ... قَمْطَريراً على عداه عسيرا
أيُّها المنعمُ الّذي واسط تَس ... كُرُ إِنعامَه عليه الكثيرا
حين وافيتَها بفِتيانِ صِدقٍ ... لا يولُّونَ في اللقاء الظُّهورا
طال للقيصريّ غَمٌّ بعفوٍ ... عنه، لم يرجُهُ، وكان قصيرا
ولقد قال ناصحوه ب بَغْدا ... دَ وفيها يأوِي حريماً وسُورا:
إنْ أردت الأمانَ من سيفِ سيفِ ال ... دَّوْلةِ اسكَنْ ب الجامِعَيْنِ وسُورا
يا بني مَزْيَدٍ، لأِيّامِنا دُم ... تُمْ شموساً، ولليالي بدورا
يا بني مَزْيَدٍ غُيوثاً بَقِيتُمْ ... ولُيوثَ الثَّرَى أميراً أميرا
стр. 123
وكتب إلى نظام الملك عند وقوع الفتنة ب بغداد، وقصد العامة سوق المدرسة النظامية، وقتل جماعة. وكان السبب في ذلك أن أبا نصر، بن القشيري لما جلس للوعظ في المدرسة النظامية، كثر أتباعه من الأشعرية، وأزرى على غيرهم، وأدت إلى الفتنة من العوام، فنسب نظام الملك ما جرى إلى الوزير فخر الدولة، ابن جهير، في سنة سبعين وأربع مئة:
يا نِظامَ المُلك قد خَ ... لَّ ب بغدادَ النِّظامُ
وابنُك القاطنُ فيها ... مُستهانٌ مستضامُ
وبها أودى له قَب ... لاً غلام وغلامُ
والّذي منهم تَبَقَّى ... سالماً، فيه سِهامُ
يا قوام الدِّين لم يَب ... قَ ب بغداد مقامُ
عظُم الخَطْبُ، وللحر ... ب اتّصالٌ ودوامُ.
فمتى لم يَحْسِمِ الّدا ... ءَ بكفَّيْك الحُسامُ،
ويكفَّ القوم في بغ ... دادَ فتكٌ وانتقامُ،
فعلى مدرسةٍ في ... ها، ومَنْ فيها، السَّلامُ.
وكتب إلى الوزير أبي شجاع ﵀ قصيدةً، يمدحه فيها، ويطلب شيئاً من شعره، يقول فيها:
يا ماجداً، لو رُمْتُ مدحَ سِواه لم ... أَقْدِر على بيتٍ ولا مِصراعِ
أُمْنُنْ عليَّ بشعرك الدُّرِّ الّذي ... شعرُ الرَّضيّ له من الأَتباعِ
فأجابه الوزير:
لو كنتُ أرضَى ما جمعت شَتِيتَه ... لَضَمِنت معرضه على الأَسماعِ
لكنّ شعري شبه شَوْهاءَ اتَّقَتْ ... عيباً لها، فتستّرت بِقناعِ
ومن قصيدة له في مدح عميد الدولة، ابن جهير، يطالب برسمه على الديوان، ويعرض ب ابن يعيش:
يا مَن نلوذُ الزَّمان بظلّه ... أبداً، ونطرُدُ باسمه إِبليسا
رسمي على الدِّيوان حُوشِيَ قدرُه ... أن يُسْتَقَلَّ وأن يكون خسيسا
وعليَّ آخُذ شَطره من واسط ... دَيناً، أُؤَدِّي عينه محروسا
وإذا شكا الدَّيْنَ الأديبُ، فإِنّه ... لم يَشْكُ إلا حظَّه المنحوسا
والكلُّ في بغدادَ آكِلُهُ، وكم ... فرَّغت في بغدادَ كيساً كيسا
ولَكم رفَعتُ لأجله من قِصَّة، ... أنفَدْتُ فيها كاغداً ونفوسا
وبه توقّعُ لي، وكم مستخدماً ... يَدَهُ لَثَمْتُ، وحاجباً، ورئيسا
قد صار إطلاقاً على ابن يعيش، لا ... ذاقَ الرَّدَى حتّى يقرَّ تعيسا
فكأنَّما ابنُ يعيشَ صار لأِكله ... مالَ الخليفة مستبيحاً سُوسا
وكأنّه، كَدّاً، حمارُ عُزَيْرَ لا، ... وتلقُّفاً للمال، حَيَّةُ موسى
فأنا على وَجَل، لأجل إِحالتي، ... لو أَنّها كانت عليه فلوسا
صَيِّرْ لك العمّالَ أقلاماً، إذا است ... تخدمتَها، طأطاتَ منها الرُّوسا
وأنشدني الشيخ الفقيه العالم هبة الله، بن يحيى، بن الحسن، البوقي، الشافعي ل ابن أبي الصقر، روايةً عنه، كتبه إلى قادم من بغداد:
من هدايا بغدادَ في ألف حِلٍّ ... أنت، إلا من باقَتَيْ كِبْريتِ
إنَّه عندَ ربَّة البيتِ، ممّا ... ليس منه بُدٌّ، كشُرب الفَتيتِ
وأنشدني القاضي يحيى، بن هبة الله، بن فضل الله، بن محمد ب بغداد في الديوان، سنة ستين وخمس مئة، قال: أنشدني والدي القاضي هبة الله قاضي الغراف لخاله أبي الحسن، بن أبي الصقر لما أخذ العكاز بيده عند الكبر:
لو حُوِّلَتْ هذي عصايَ، الَّتي ... أحمِلُها في الكفّ، ثُعبانا
تَلَقَّفُ الأَعداءَ، مثلَ الَّذي ... في مثلها من قبلُ قد كانا،
كرِهتُ حَمْلِيها، ولو أَنَّني ... صرتُ بها موسى بن عِمْرانا
وأنشدني له بالإسناد، فيها أيضاً:
صرتُ لمّا كِبْرتُ ثُمَّ تعكَّزْ ... تُ، وما بي شيخوخةٌ، من حَراكِ
كجِدارٍ واهٍ، أراد انقضاضاً ... فتلافاه أهلُه بسِماكِ
وله أيضاً فيها:
стр. 124
مرض، صيّر اسمه الكبراثا ... قد أعاد الرِّجلينِ منّ؟ ي ثلاثا
وَهْوَ داء، له دواءٌ: يُسَمَّى ... في الكَنانيش كلِّها القبراثا
وبهذا الدُّعاءِ كم قد شفى الل ... هُ مريضاً منه إليه استغاثا
وذكر أيضاً القاضي رضي الدين، هبة الله، بن فضل الله، بن محمد، النحاس، وكتبه بخطه، قال: أنشدني خالي أبو الحسن، محمد، بن علي، بن أبي الصقر، قال: كنت إذا ترقيت إلى سن، أعمل أبياتاً. فلما بلغت الستين، قلت:
بعدَ سِتّينَ وسِتٍّ ... كلَّما زِدتُ، نَقَصْتُ
أيُّ فخرٍ في حياة ... بَعناءِ؟ لَيْتَ مِتُّ
ولما بلغ السبعين، قال:
إِنَّ ابنَ سبعينَ عاماً ... ما بينَ سَبْعينِ يمشي
للصُّبح منه غَداء ... وللعَشاء تَعَشِّي
ولما بلغ الثمانين، قال:
وقائلةٍ، لما عَمَرْتُ وصارَ لي ... ثمانونَ حَوْلاً: عِشْ كذا وابْقَ واسْلَمِ
ودُمْ، وانتشقْ رَوْحَ الحياةِ، فإِنَّه ... لأَطَيبُ من بيتٍ ب صَعْدَةَ مُظلِمِ
فما لم تكن كَلاًّ على ابْنٍ وغيرِه ... فلا تَكُ في الدُّنيا كثيرَ التَّبَرُّمِ.
فقلتُ لها: عذري لَدَيْكِ مُمَهَّدٌ ... ببيت زُهَيْرٍ، فاعلَمي وتعلَّمي:
سئِمتُ تكاليفَ الحياةِ. ومَنْ يَعِشْ ... ثمانينَ حَوْلاً، لا أبالَكَ، يَسْأَمِ
وذكر القاضي يحيى عن والده: أنه كتب خاله ابن أبي الصقر إلى والده رقعة، يعرضها على مهذب الدولة، سعيد، بن أبي الجبر على يدي، فيها:
يموتُ ولا تدري ويحيا ولا تدري ... مُؤَمِّلُكَ الدّاعي لك ابنُ أبي الصَّقْرِ
وما لم تَزُرْ داري، وأنت ب واسِطٍ ... لِتُبْصِرَني مُضْنىً بها، لم تَزُرْ قبري
فإِن أنت لم تُصلِحْ أموري ملاحظاً ... فسَلْ للأمير النّافذِ الأمر في أمري
وخاطبْ كمال الدِّينِ فيَّ، فإِنَّ في ... يد ابن أبي الجبر السَّعيد أرى جبري
قال: فوصله مذهب الدولة بصلة سنيةٍ، وعمره حينئذٍ ست وثمانون سنة.
قال: ووجدت بخط خالي من شعره لغزاً، لم يفسره. فكتبت من ذلك ب البصرة إلى الأمير حسام الدولة أبي الغيث سنة تسع وثلاثين وخمس مئة، فكتب جوابها: فمن ذلك قول ابن أبي الصقر:
وأيُ شيءٍ طولُه عَرضُه ... أضحى له عندَك مقدارُ؟
دلَّ عليه حسنُ طبعٍ له، ... ففيه للعالم أوطارُ
تُمسكه الكفّ، ولا تشتكي ... منه احتراقاً، وبه نارُ
وجواب الأمير أبي الغيث البصري، رحمه الله تعالى:
يا مَنْ أتانا مُلغِزاً فكرَهُ ... لِلُّغْز يستفتي ويمتارُ
أَلْغَزْتَ في الّدينار، فامتَرْ به ... إِنْ كنتَ مَنْ للعلم يمتار
ومن ذلك قول ابن أبي الصقر:
ما ذو عيونٍ سُودٍ مفتَّحةٍ ... أصمُّ أعمى إذا لَقِي بطلا؟
تَبْيَضُّ تلك العيونُ منه، إذا اس ... تكَدَّهُ مَنْ يسومُه العملا
وما قضى منه حاجةً أحدٌ ... إلا ومِن بعد ذلك اغتسلا
وبطشُه كلّ؟ ُه بفردِ يَدٍ ... وفردِ رجلٍ، كُفِيتَ كلَّ بَلا
وجواب الأمير أبي الغيث:
يا مَن أتى مُلْغِزاً ليُعجِزَنا ... وأعملَ الفكرَ منه والحِيَلا
وزفَّ من نظم خالهِ طُرفَاً ... لم يلقَ خَلْقٌ لحسنها مثَلا
وما درى أَنَّ سحرَ فطنتِه ... إذا رأى نفثَ سورتي بَطَلا
عيَّن في لُغْزه على حَجَر الرِّ ... جْل، فأعيا، ولم يَرُزْ بَطَلا
وقول ابن أبي الصقر عفا الله عنه:
وما شيءٌ له رأسٌ وسنُّ ... وفي أسنانه قَلَحٌ ونَتْنُ؟
وقد كُسِيَ البياضَ، وليس فيما ... يُلابسُهَ دِبيقيٌّ وقُطنُ
يُعَرِّيهِ ويَنْظِمهُ لأجلِ الث ... ياب، فمنه تَمَّ لهنَّ حسنُ
يُقَلقَلُ منه سنٌّ بعدَ سنٍّ، ... ولا يبكي لذاك، ولا يَئِنُّ
стр. 125
وما هو عنبرٌ، وبه دَعاهُ ... ذوو فهمٍ كما لَهُمُ يَعِنُّ؟
وجواب أبي الغيث:
ألا يا أيُّها الحَبْرُ المُوافِي ... بألغازِ لها في الحسن فَنُّ
ظننتَ بأنَّ خالَك ليس يُلْفَى ... له نِدٌّ، وليس كما يُظَنُّ
له زمنٌ مضى، ولنا زمانٌ ... وكلٌّ في صِناعته مُرِنٌّ
برأس الثُّوم والأسنان منه ... عَنَيْتَ، فخُذْ وقلبُك مطمئنُّ
فهاتِ اللُغْزَ ممتحناً، فقلبي ... إلى ما صاغَه منه يَحِنُّ
وقوله:
ومستعملٍ متساوي العملْ ... يضافُ إلى ما عليه اشتملْ
ترى العينُ ما بينَ أعماله ... وما تتفاضل قدراً جَلَلْ
إذا ما استقرَّت به بُقعةٌ ... من الأرض، حاصرها وارتحلْ
ويأكلُ بالعَشْر والرّاحتينِ ... ويَخْرَى لموضعه ما أكَلْ
وجواب الأمير أبي الغيث ﵀:
أيا مَنْ على حذقِه يَتَّكِلْ ... إذا غامضٌ في العَوِيص اشتكلْ
أتيتَ بلُغزٍ عسيرٍ، فما ... يكادُ يَبيِّنُه مَنْ عَقَلْ
بقالب لَبْنٍ له قد عني ... تَ. أحسنتَ لمّا ضرَبْتَ المَثَلْ
وقوله:
ما ذاتُ أَنفاسٍ يصعِّدها، بها ... يبدو ويظهَرُ ما تُجِنّ وتستُرُ؟
معسولة، تُردي النُّفوسَ، ضئيلة ... ممشوقة، بقَوامها مُسْتَهْتَرُ
مالت إلى حكم السَّفاهِ، ولم تَمِلْ ... نحوَ البلاغةِ، وَهْيَ لا تتصوَّرُ
تبدي، بحال تأمُّلٍ في نفسها، ... عيناً تغمِّضُها، وأُخرى تُبصرُ
وجواب أبي الغيث:
يا مَن غدا بذكائه ملِكاً على ... أدباء أهلِ زمانِه يتبختَرُ
وإذا رآه المُلغزونَ، بدا له ... كبراؤهم، فاستعظموه وقصَّروا
للزَّرْ بَطانةِ قد عنيتَ، وإِنَّها ... لَغريبةٌ، معروفةٌ لا تُنكَرُ
كم من يدٍ طَلَّتْ، وكم رأسٍ رمتْ ... بيد السَّفيهِ، وكم جَناحٍ تَكْسِرُ
ولقد أجَدْتَ لها القَريضَ، وأعجزت ... فيها صفاتُك كلَّ حَبْرٍ يشعُرُ
وقوله:
ما ذاتُ رأسٍ وفمٍ واسعٍ ... بغير أَضراسٍ وأسنانِ؟
لا تلقُطُ الحَبَّ، ومِنقارُها ... أطولُ من مِنقارِ حَصّانيّ
كأنَّها الهُدهُدُ، مِنقارُها ... فيه كتابٌ من سَلَيْمانِ
ترضَعُ كالطّفل، ولو أَنّها ... مضى لها عُمرٌ وعُمرانِ
لا تكتُمُ السِّرَّ، وسِرُّ الَّذي ... يُودعُها السِّرَّ كإِعلانِ
والجواب عنه ل أبي الغيث:
قَريضُك المهدى لنا لُغْزُهُ ... لم يَخْلُ من حسن وإحسانِ
لو رامَ حَسّانُ جواباً له، ... قَصَّرَ عنه نظم حَسّانِ
عَنَيْتَ فيه غيرَ مستشعِرٍأَنْ يعتريها فهمُ إِنسانِ
مِحْجَمَةً، تُرْضِعُ حَجّامَها ... بالمَصّ شَخْباً من دمٍ قانِ
وقوله:
وما نائمٌ مُلْقىً، إذا ما أقمتَه ... بَلَلْتَ بأطراف الأصابع راسَهُ؟
يَصُبُّ، إذا استعملتَه، فضلَ مائِه ... ويعتادُ من بعد الفَراغِ نُعاسَهُ
يحبُّ، إذا ما كان صُلْباً مدوَّراً ... طويلاً غليظاً، مِلكَه والْتِماسَهُ
ويُمسي ويُضحي في الأنام مسوَّداً ... نرجِّي نَداهُ، أو نُخَوَّفُ باسَهُ
وجواب أبي الغيث:
لقد جئتَنا، يا مَنْ أجاد قياسَهُ، ... فخافَ ذَوُو الآداب في اللُغْز باسَهُ
يُقِرّ؟ ُ له الرُّمْحُ الأَصَمُّ إذا جرى ... على الطِّرْس حتّى لا تُطيقُ مِراسَهُ
وقوله:
ومحبوس لضرب بعدَ ضرب ... تكرَّرَ منه، راعَ به القلوبا
إذا أحرجتَه بعدَ احتياط ... عليه باليمين ترى عجيبا
ترى فعلاً، يشُدُّ عليه منه ... حَنيفٌ مسلمٌ وَرِعٌ، صليبا
وجواب الأمير أبي الغيث على غير وزنه:
стр. 126
أيا مَنْ إذا اللُغْزُ كان السَّقا ... مَ، أضحى له بذكاءٍ طبيبا
عنيتَ بمحبوسك المِبْضَعَ ال ... ذي يَفْصِدُ العِرقَ لفظاً غريبا
وذاك الصَّليب الَّذي قد عَنَيْ ... تَ، شَدُّ العصابة، فاخْشَ المجيبا
وقوله:
وشيء له بطنٌ ورأسٌ ومَخْرَجٌ ... ووجهٌ، تراه العينُ أبيضَ أحمرا
يُحَلَّى ببِيضٍ كالدَّراهم، وجهُهُ ... فيجعَلُها مثلَ الدّ؟ َنانيرِ أصفرا
وجوابه:
أيا مُلغزاً في نظمه أعجزَ الورى ... وأخجلَ مَنْ جاراه في الفضل إذْ جرى
تأمّلت في التَّنُّور والخبز فِضّة ... أتيتَ بها، ما البدر أبْهَى وأنورا
ومن ذلك قوله:
وأُنثى لها ذَكَرٌ، قَلَّما ... تغافلَ عن وطئها أو وَنَى
وليس يُحَدُّ، إذا ما علا ... عليها وجهراً بها قد زَنى
ومنه ومن غيره، بالذُّكو ... رِ قد صَيَّرَتْ حَمْلَها دَيْدَنا
ومن شأنها أَنَّها قد تُضافُ ... وما دخَلت لاِمْرِئٍ مسكنا
وليس يحرّكُها باليَدَيْنِ ... أشد؟ ُّ الرِّجالِ، وفيها منَى
وجواب الأمير أبي الغيث عنه:
أيا مَنْ أتى مُلغزاً بالعَوِيصِ ... وأخفى بقدرته ما عنى
ولم يَدْرِ أَنَّ ضميري، متى ... يُسِرُّ امْرُؤٌ غامضاً، أعلنا
عنيتَ منارةَ بيتِ الإِلهِ ... ومَنْ كان رأسها أذَّنا
فخُذْها، وهاتِ العَوِيصَ الخَفِيَّ ... تَجِدْه لأفكارنا مُذْعِنا
ومن ذلك، قول ابن أبي الصقر:
وما شيءٌ، بفَلْس تشتريه ال ... كِرامُ أُولو المروءة، والشِّحاحُ؟
وفي باب الخليفة كلَّ وقتٍ ... تراه، وما له عِللٌ تُزاحُ
وسائرُ جسمِه، ذَنَبٌ ورأسٌ ... وهذا وصفُه المَحْضُ الصُّراحُ
وجواب أبي الغيث عنه:
أيا جبلاً، لأهل العلم أضحى ... منيعاً، لا تزعزعُهُ الرِّياحُ
أتيتَ بمعجِز، فلِقيتَ طَبّاً ... لَدَيْه الجِدُّ يحسُنُ والمُزاحُ
يطير إلى الغوامض بافتكار ... له في كلّ ناحيةٍ جَناحُ
عنيتَ بلُغْزك المِسمارَ، فاعلم ... وهاتِ المشكلاتِ، ولا بَراحُ
وقوله:
وما خِلٌّ يخونُ، ولم تخُنْهُ، ... يكلِّفُك الهَوانَ، ولم تُهِنْهُ؟
ذكيٌّ، هَمُّه الإِصغاءُ، حتّى ... يقومَ ببعض ما تبغيهِ منهُ
يَسُرُّكَ أَنْ يغيبَ فلا تراه ... ويسألُ عنك حين تغيبُ عنهُ
وجوابه:
لقد أودعتَ منك الشِّعرَ لُغْزاً ... عجيباً، لَمْ تُذِلْهُ، ولم تُهِنْهُ
وخِلُّك ذَبْذَبٌ، للبول منه ... خروجٌ والْمَنِيّ ولا يشنهُ
إذا كان الأديبُ به عفيفاً، ... بخوف الله يَخْطِمُه، فكُنْهُ
الرئيس أبو الجوائز بن بازي واسمه: هبة الله، بن بازي، بن حمزة، الواسطي.
من شعراء الدولة القائمية. وأوردته، لكوني لقيت من روى عنه، وذكر لي أنه الشيخ الحافظ محمد، بن ناصر، ﵀، كان روى من شعره، ولي عن الشيخ محمد، بن ناصر إجازة.
وقرأت من تاريخ ابن الهمذاني أنه توفي سنة ستين وأربع مئة.
وله شعر مستحسن جيد، ونظم رائق رائع، بديع الصنعة، مليح العبارة، سهل الكلام ممتنعه، حلو المنطق مستعذبه.
فمن ذلك، ما أنشدني أبو المعالي الكتبي قال: أنشدني له ابن أفلح:
برى جسدي طول الضَّنَى، وأذابني ... صدودُك، حتّى صرت أمحلَ من أمسِ
فلست أُرَى حتَّى أَراك، وإنّما ... يَبِينُ هَباءُ الذَّرّ في أَلَق الشَّمسِ
وله في غلام، اسمه راح:
بنفسي أفتدي ممّا ... يحاذرُ مالكي راحا: اسمه
غزالاً، زَفَّ لي عَذْرا ... ءَ، صيَّرَ خِدْرَها راحا: الرّاحة
شَمُولاً، ما غدتْ إلا ... رأينا الهَمَّ قد راحا: من الرَّواح
стр. 127
وما سكَنت حَشا سالٍ ... وإلا اشتاق أو راحا: من الارتياح
لها ريح إذا بُزِلَتْ ... كعَرْف المسكِ إذْ راحا: من الرّيح
إذا ما جَنَّ ليلٌ من ... هموم، فاقتبِسْ راحا: خمرة
وله في غلام ألثغ:
لِشقْوَتي بِتُّ مُسْتَهاماً ... بفاتر المُقْلَتَيْنِ لاثِغْ
باكَرَني زائراً، ونادَى: ... ها أنا ذا قد أتيتُ زايغْ
أي: زائر وهي لغة أهل بغداد.
قلت له: قد صدقت، كرهاً ... فارفُقْ بقلبي، ولا تبالغْ
يا مَنْ إذا سِرُّه صفا لي ... أصبحَ من لفظه مُراوِغْ
وله في سوداء:
سوداء، تَحكي المسكَ في ... إحراقِهِ ومثالِهِ
لمّا رنتْ وتعطَّفتْ ... للمُسْتَهام الوالِهِ،
رأت الظَّلامَ أبَرَّ من ... رَأْدِ الضُّحى بوصالِهِ
فتلفَّعَتْ بأَدِيمه ... وتلثَّمتْ بهِلالهِ
وله في غلام أصفر:
وظبي أصفر، تُدْمِي ... لحاظُ محِبّه بَدَنَهْ
تخالُ الَثّمَ في خَدَّيْ ... هِ ياقوتاً على بَدَنَهْ
وله من التجنيس المطبوع المصنوع:
أَرْدَتِ الصَّبرَ غادةٌ، وَجْنتاها ... لي وَرْدٌ، وثغرُها لي وِرْدُ
كالقَضيب الرَّطيب حينَ تَصَدَّى ... والقضيبِ الرَّطيبِ حينَ تَصُدُّ
تتجنَّى إذا جَنَتْ، وتَعَدَّى ... ثمَّ تنسى ذنوبَها وتَعُدُّ
ذلَّ قلبي، وقلَّ صحبيَ، إِنْ لم ... يُمْسِ سهمي وَهْوَ الأسدُّ الأشَدُّ
ليس يَحْظَى بصحبتي ووفائي ... من رِفاقي إلاّ المُغِذُّ المُعِدُّ
ونجيبٌ، كأنَّه في ظهور الن ... جْب، من شدّة التوقُّد وَقْدُ
وله:
يا خليلاً صفا، ويا سيّداً أَص ... فَى، فأضحى به صفائي مَنُوطا
وأرانا ابن مُقْلَة حائرَ المُق ... لَة غُفْلاً، وخَطَّهُ تخطيطا
وله:
بدرٌ، هواه مضلِّلٌ رائي. ... يدنو، ولكنْ وِصالُه ناءِ
تفاوت في صفاته بِدَعٌ ... قد فتنتْ في رِضاه أهوائي
لفظٌ وقلبٌ كالصَّخر، ضَمَّهما ... رِيقٌ وصدرٌ في رِقَّة الماءِ
يُرِيك ناراً قد أُودِعت بَرَداً ... وشمسَ دَجْنٍ خِلالَ ظَلْماءِ
وله:
عَذيرِيَ من مالكٍ جائرٍ ... كثيرِ التَّفَنُّن في ظلمِهِ
وداوِ محبّاً، ثَناهُ ضَناهُ ... إلى أن غدا جشمُه كاسمهِ
فقال: أَرُوه طبيباً، عَسَى ... يرى النَّفْعَ فيه وفي علمهِ.
فلو كنت بالطِّبّ ذا خِبرة ... لَدارَيْتُ طَرْفيَ من سُقمهِ
وله:
أذكت مِياهُ الصِّبا في خدّه نارا ... تَهْدي إلى وصله من ضَلَّ أو جارا
ظبيٌ، تسافرُ في أردافه مُقَلٌ، ... أقلُّ أجفانِها تَكفيه زُنّارا
وله:
أقول، وجَرْسُ الحَلْيِ يمنَعُ وصلَها ... وقد عاد ذاك القُربُ وَهْوَ بِعادُ:
هَبِي كلَّ نطقٍ يَغارُ عليكُمُ، ... فكيف يَغارُ الحَلْيُ وَهْوَ جَمادُ؟
وله من قصيدة:
خَضَّبْنَ بالشَّفَقِ الأظافِرْ ... ومَشَطْنَ بالغَسَقِ الغَدائِرْ
وتأوَّدتْ أغصانُهُ ... نَّ، فأغضتِ القُضُب النواظِرْ
سِرب المَهاةِ العامريّ ... ة بينَ يَبْرِينٍ وحاجِرْ
سودُ القُرونِ من النِّطا ... ح بها لحبّاتِ الضَّمائِرْ
وضعائف يملِكن بال ... أَبصار أربابَ البصائرْ
بِيض، شَهَرْنَ البِيضَ من ... أَجفانِ أَجفانٍ فَواتِرْ
عَجَباً لجارية تَج ... رُّ على قبائلنا الجرائِرْ
زانت يمينَ الحسنِ من ... أَلحاظها بأَغَرَّ باتِرْ
ومثقَّف من قَدّها ... قد نَصَّلُوه بالنَّواظِرْ
стр. 128
واهاً أذكُرها، ولم ... أَكُ ناسياً، فأكونَ ذاكِرْ
أَبَداً تشّخِصها الوسا ... وِسُ لي، وتُشْخِصها الخواطِرْ
فأظَلُّ حاضرَ لذّةٍ ... وإِذا سُئِلْتُ، فغير حاضِرْ
وله:
لا هَجَعتْ أجفانُ أجفانا ... ولا رَقا إِنْسانُ أَنْسانا
يا جافياً، يزعُم أَنّي له ... جافٍ، أَما تذكُرُ ما كانا؟
واللهِ ما أظهرتُ غدراً، كما ... قلتَ، ولا أضمرتُ سُلْوانا
لكن وَشَى الواشونَ ما بينَنا ... فغيَّرُوا ألوانَ أَلْوانا
وله:
إِنّي لَتُعجبُني الفتاةُ إذا رأت ... أّنَّ المروءةَ في الهوى سلطانُ
لا كالتَّي وَصَلت، وأكبرُ هِمّها ... في خِدرها النُّقصانُ والرُّجحانُ
فكذاك شمسُ الدَّجْنِ، في اَبراجها ... تعلو، وبُرْجُ هبوطِها المِيزانُ
وله في غلام هندي:
أيحسَبُ أَنَّني ناجِ ... وبدرُ الهندِ لي شاجِ؟
بشَعرٍ آبِنُوِسيٍّ ... له، ومُقَبَّلٍ عاجي
يُريك، إذا بدا، شمسَ ال ... ضُّحَى في الحِنْدِسِ الدّاجي
كأنَّ القَرْصَ في خَدَّيْ ... هِ ياقوتٌ على تاجِ
وله في غلام معذر:
يا عاذلَ العاشقِ في حُبّ مَنْ ... عِذارُه يَعِذرُه في المِقَهْ
إن كان قِدْماً فِضَّةً ... فقد غدا كالفِضَّة المُحْرَقَهْ
أو كان غصناً أجردَ اللمس، مِن ... قبلُ، فسُبْحانَ الَّذي أَوْرَقَهْ
وله في الأصداغ:
ما زِلتُ أحسَبُ أَنَّ وجهَك مُشْبِهٌ ... يا فاترَ اللَحَظاتِ، بدرَ الغَيْهَبِ
حتّى بدا، وعقاربُ الأصداغِ قد ... أذكت شعاعَ جمالِه المتلهِّبِ
فعلِمت أَنَّ البدرَ يقصُرُ دُونَه ... لمّا وَجَدْتُ هبوطَه في العَقْرَبِ
الشيخ أبو العز القلانسي المقرئ
واسمه: محمد، بن الحسين، بن بندار.
من أهل سط. هو الذي تفرد في زمانه بالقراءات العالية. ورحل الناس إليه من الأقطار.
وقد لقيت ب واسط من مشايخ القراء من قرأ عليه.
وكان مولده سنة ست وثلاثين وأربع مئة، وتوفي سنة إحدى وعشرين وخمس مئة.
ولي إجازة من مشايخ، رووا عنه.
وأورده السمعاني في المذيل، مسنداً إليه، مدح الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين:
إِنَّ مَنْ لم يقدِّمِ الصِّدِّيقا ... لم يكن لي، حتَّى يموتَ، صَدِيقا
والَّذي لا يقول قوليَ في الفا ... رُوق، أَنْوِي لشخصِه تفريقا
ولِنار الجحيم باغِضُ ذي النُّو ... رَيْنِ يَهْوِي منها مكاناً سَحيقا
مَنْ يوالي عندي عَلِيّاً، وعادَى ال ... قومَ طُرّاً، عَدَدْتُهُ زِنْدِيقا
العدل أبو علي بن بختيار الواسطي
وقيل: أبو السعادات، علي، بن بختيار، بن علي.
قرأت في كتابه: أنه قدم بغداد سنة ثمان وخمس مئة.
وكان شاعراً، كاتباً، له معرفة بالأدب، رقيق الطبع، حسن النظم.
كان من المعدلين ب واسط.
أنشدني المؤدب أبو سعيد، بن سالم بها، في شهر رمضان سنة خمس وستين وخمس مئة، قال: أنشدني القاضي العدل أبو علي، بن بختيار لنفسه في البرغوث والبق، وقد اقترح عليه بمحضر من الفضلاء:
ولمّا انتحى البُرْغُوثُ والبَقُّ مَضْجَعي ... ولم يَكُ من أيدهِما ليَ مَخْلَصُ،
زَفَنْتُ بكفّي، إِذْ مُدامُهما دمي، ... فزمَّرَ هذا، وابتدا ذاك يرقُصُ
وكان قد أنشدني هذين البيتين القاضي عبد المنعم، بن مقبل، الواسطي، روايةً عن ابن أسلم، عنه. وذلك حين أنشدته أبياتاً لي عملتها في البق والبرغوث ارتجالاً، ليلة بت فيها ب نهر دقلى، وكنت قد فارقت أصفهان على طريق عسكر مكرم والحويزة، إلى واسط، عيد النحر الواقع في سنة تسع وأربعين وخمس مئة:
يا لَحى اللهُ ليلةً قرَصَتْني ... في دياجيرِها البراغيثُ قَرْصا
стр. 129
شرِبت بَقُّها دمي فتغنَّت ... وبراغيثُها تَواجَدْنَ رَقْصا
قد تعرَّيْتُ من ثيابي لكربي ... غيرَ أَنّي لبِست منهنَّ قُمصْا
كلَّما ازددت منعَهُنَّ بحرص ... عن فِراشي، شَرِهْن فازْدَدْنَ حِرْصا
من براغيثَ، خِلْتُها طافراتٍ ... طائراتٍ، جَناحُها قد حُصّا
عرَضَتْ جيشَها الفريقان حولي ... وَهْيَ أوفَى من أَنْ تُعَدَّ وتُحصى
لو غزا سنجرٌ بها الغزَّ يوماً ... لم يَدَعْ منهمُ على الأرض شخصا
وكنت أظن أن المعنى لم أسبق إليه، حتى أنشدني البيتين اللذين سبقا للعدل أبي علي، فأقررت له بالفضل.
وأنشدني الشيخ الأفضل أبو الفضل، عبد الرحيم، بن الأخوة قال: أنشدني أبو السعادات، علي، بن بختيار، الواسطي، ﵀، لنفسه:
لم يَتَعالَ المرءُ إلا نَزَلْ ... ولا تَناهَى المرءُ إلا اضمحلْ
وكلُّ شيءِ يقتضي ضدَّه ... فانتظِرِ العطلةَ بعد العملْ
وأنتِ، يا زُهْرَةُ لا تَبْذُخِي ... فبعدَ بُرج الحُوتِ يأتي الحَملْ
وذلك أن المنجمين يزعمون أن شرف الزهرة في سبع وعشرين درجةً من الحوت، ووبالها في الحمل.
وأنشدني أيضاً عبد الرحيم، بن الأخوة قال: أنشدني علي، بن بختيار لنفسه:
لا تَلُمْني على تألُّم قلبي ... لِنَوَى مَنْ إليه قلبي يَحِنُّ
فالحَنايا، وما لَها من نفوس، ... هي من فُرْقة السِّهام تُرِنُّ
وأنشدني أيضاً عبد الرحيم، بن الأخوة قال: أنشدني علي، بن بختيار لنفسه:
لا تَغْترِرْ بوِداد مَنْ ... لك وُدُّه أهلاً وسهلا
يلقاك منه بُكلِّهِ ... ملقىً، ويمنَعُك الأَقَلاَ
عبد السيد بن جكر الواسطي
رحمه الله تعالى.
كان أنشدني له ب أصفهان صديقي وأخي فخر الدين، أبو المعالي، بن القسام، وذكر أنه أنشده عبد الخالق، بن أسد، بن ثابت، الدمشقي ل عبد السيد الواسطي، رحمه الله تعالى:
لو كان أمري إليَّ أو بيدي ... أعددتُ لي قبلَ بَيْنِك العُدَدا
طَرفُك يَرْمي قلبي بأسهمه ... فما لِخَدَّيْك تلبَس الزَّرَدا؟
ريقتُك الشُّهْدُ، والدَّليلُ على ... ذلك نملٌ بخدِّهِ صَعِدا
وكنت أسأل - لما جئت بغداد - عنه، فما يعرفه أحد، حتى أنشدني بعض النصارى العطارين ب بغداد يقال له ابن تومه، وكنت جالساً بباب دكانه، وذكر أنه كان شيخاً إسكافاً ب بغداد من واسط:
قُمْ، نَصرِفِ الهمَّ بالصَّبُوحِ ... مَعْ كلِّ مستحسَنٍ مليحِ
ظبيٍ من التُّرْك ذي معانٍ ... وِصالُه مَرْهَمُ الجروحِ
أَشْرَبُها من يَدَيْهِ صِرْفاً ... كأنّها من دمِ الذَّبيحِ
اعتُصرتْ قلَ عصرِ شِيثٍ ... وغُيِبّت قبلَ قومِ نُوحِ
فبدّلتْها يهودُ موسى ... وصانَها أُمَّةُ المَسِيحِ
ابنة كَرْمٍ، على كريم ... زِفافُها، لا على شَحيحِ
وسألت عنه، في سنة خمس وخمسين وخمس مئة، ب واسط، فذكر لي أبو سعيد، المؤدب: أنه كان شيخاً حلاوياً، فترك الحلاوة، واشتغل بالشعر والتطايب. وكان خفيفاً على القلوب، مطبوعاً. وقرب من الأمير فاتن. وله مذ توفي أربع أو خمس سنين.
وحكى لي بعضهم: أنه دخل على الأمير شمس الدين، فاتن يوم عيد، فقال:
أَما في الجماعة من يَنْتَبِهْ ... يهنّي بك العيدَ، لا أنت بِهْ؟
وإن وقَعت شُبهة في الهلال ... فأنت على العين لا تشتَبِهْ
وأظن أنه ذكر عن غيره: أنه أنشد في الأمير شمس الدين، فاتن هذين البيتين.
ابن دواس القنا
شهاب الأمراء علي بن محمد العنبري أبو الحسن
توفي في آخر الأيام المسترشدية.
أصله من البصرة، وسكن واسطاً.
وله شعر كثير، متين. ولم يكن ب واسط من يجري مجراه في نظم الشعر.
لم يمتع بفضله، ولا أسعف بأمله، واخترمته قبل الاكتهال يد أجله.
أنشدني له ب واسط القاضي عبد المنعم، بن مقبل من قصيدة مشهورة له، يغنى بها:
стр. 130
هل أنتِ مُنجزةٌ بالوصل ميعادي؟ ... أم أنت مُشمِتةٌ بالهَجر حُسّادي؟
سألت طيفَكِ إِلماماً، فضَنَّ به، ... ولو أَلَمَّ، لأَرْوَى غُلَّةَ الصّادي
يا ظبيةَ الحيّ، ما جِيدي بمنعطف ... إلى سِواكِ، ولا حبلي بمنقادِ
لولا هواكِ، لمَا اسْتَلْمَعْتُ بارقةً ... ولا سألتُ حمام الدَّوْحِ إِسعادي
ولا وقَفْتُ على الوادي أَسائلُه ... بالدَّمع، إلا رثَى لي ذلك الوادي
رحَلْتُمُ، وفؤادي في رِحالكمُ ... موزَّعٌ بينَ اِتهام وإِنجادِ
واللهِ، لو لم تَصيدوا يومَ كاظمةٍ ... قلبي، لَما عَلِقْتني كفُّ مُصطادِ
إن تأسروا، فذَوُو عزٍّ ومقدرةٍ ... أو تُطلِقوا، فذَوُو مَنٍّ وإِرفادِ
لا تُوهِنُوا زجرةَ الحادي بِعيسِكمُ ... فما الفجيعةُ إلا زجرةُ الحادي
إذا سمَحْتُم بتقريبي، ولم تَصِلُوا ... حبلي، فسِيّانِ تقريبي وإبعادي
وله:
فاق الكرامَ، وأعطى غيرَ مكترثٍبالمال إِعطاءَ لا وانٍ، ولا بَرِمِ
تكَّرمُوا، وهمى معروفُه كرماً، ... وما التكَرُّمُ في الإنسان كالكرمِ
سمتْ به ذُرا العلياء همَّتُهُ ... والمجدُ أرفعُه ما شِيدَ بالهِمَمِ
إذا الصِّفاحُ نَبَتْ عن قطعِ نائبةٍ ... سطا فقلَّمَ ظُفرَ الخَطْب بالقلمِ
وله:
ببابك يُغْلَقُ بابُ الرَّجاءِ ... وينكسرُ البالُ أَيَّ انكسارِ
حجابٌ يَعُطُّ حجابَ القلوبِ ... وسِترٌ يمّزِق سِتْرَ اصطباري
ولده أحمد بن علي بن دواس القنا لقيته ب واسط.
وله، أيضاً، شعر صالح حسن.
وسمعته كثيراً ينشد قصائده في الأكابر. وما اتفق لي إثبات شيء من شعره، لوثوقي بالزمان وامتداده، وأني ب واسط، ولا يفوت ذلك؛ ولم أدر أن الليالي في قصد المرء وتعويق مراده.
وهو، إلى الآن - وهو سنة تسع وخمسين وخمس مئة - حي ب الكوفة.
وسمعت له هذين البيتين في الخمر:
أَدِرْ عليَّ مُداماً، كلَّما مُزِجت ... صاغ المِزاجُ لها تاجاً من الشُّهُبِ
حمراءَ، بي شَغَفٌ منها؛ لأِنَّ لها ... رُوحاً من الطِّيب في جسم من الذَّهَبِ
شمس الرؤساء أبو الفرج بن الدهان الواسطي
مهياري النظم رقيقه، جليل المعنى دقيقه.
لما انحدرت، في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، إلى معاملة ديوانيات واسط، كان حياً، وتوفي بعد ذلك بسنيات.
وأنشدت له من قصيدة، يغنى بها:
عادَ عيدُ الهوى بقلبي، فأبدى ... زَفَراتٍ، تُعْيي الحليمَ الجَلْدا
ما يُريدُ الهوى؟ كأنَّ له عن ... دَ فؤادي المَشُومِ ثأراً وحِقدا
أحمَدُ الصَّدَّ بالوِصال، ولولا ... لَذَّةُ الوصلِ ما حَمِدْتُ الصَّدّا
يا طليقَ الفؤاد، حاجة مَأْسُو ... رٍ أبَى من وَثاقه أن يفَدَّى
أينَ أيّامُنا ب سَلْعٍ؟ أعاد ال ... لّهُ أيّامَنا ب سَلْعٍ ورَدّا
يا لَها نفحةً ب ذي البانِ يَزْدا ... دُ فؤادي لِبَرْدِها الدَّهْرَ وَقْدا
وليالٍ بجوٍّ ضارِجَ صَيَّرْ ... نَ لحُزني أيّاميَ البِيضَ رُبْدا
لا عدا الغيثُ من تِهامةَ رَبْعاً ... هامَ قلبي به غراماً ووَجْدا
أتمنّى نجداً، ومن أينَ تُعطي ... ني الليالي بأرض نعمانَ نجدا؟
حَبَّذا رفقتي بوادي الأُثَيْلا ... تِ، وأظعانُهم مع الليل تُحْدَى
ومُناخاً ب الأَبْرَقَيْنِ توَسَّدْ ... تُ بحَرّاتِه، فأحْسَسْتُ بَرْدا
وثرى، نالتِ المَناسمُ، عَفَّرْ ... تُ عليه في ساعة البَيْن خدّا
وكأنّا لمّا عَقَدْنا يميناً، ورَهَنّا رهائناً لن تُرَدّا
كان رهني قلبي لَدَيْهِم على الوُدّ مقيماً، ورهنُهم طيفَ سُعْدَى
يا لُوَاتي دَيْنَ الغرامِ، أَما آ ... نَ لِدَيْني عليكمُ أن يُؤَدَّى؟
стр. 131
يا ظِباءَ الصَّرِيمِ، لي فيكِ ظبيٌ ... صادَ قلبي يومَ الغَميِم وصَدّا
لم أكُن عالماً، ب وَجْرَةَ يوماً، ... أَنَّ غِزلانَها يَصِدْنَ الأُسدا
أخلقتْ جِدَّتي صُروفُ الليالي ... وأَرتني هَزْلَ المُلِمّات جِدّا
مَلأَتْني يدُ الخطوب كُلُوماً ... أَنْ رأتني لصَرْفها مستعدّا
رُبَّ ليلٍ، نَضَوْتُ فيه، وأنضي ... تُ به في الفَلاة سيراً وسُهْدا
والدُّجَى روضةٌ، إِذِ الزُّهْرُ ظَلَّتْ ... زَهَراً في مُتونها ممتدّا
وكأنَّ البدرَ المنيرَ كمالُ ال ... دِّينِ إذْ لاح وجهُه وتبَدَّى
ملَكَ الأحسنَيْنِ: خَلْقاً وخُلْقاً، ... ورقا الأكرمينِ: جَدّاً ومَجْدا
الرئيس أبو الفرج
العلاء، بن علي، بن محمد، بن علي، بن أحمد، بن عبد الله، بن السوادي، الواسطي.
للعلاء بن السوادي في الفضل والسؤدد العلاء، ولنفائس أعلاق شعره في سوق الأدب النفاق والغلاء.
من بيت الكتابة، ومن غاب الرئاسة.
شعره مقصور على هوى قلبه، ومذهب حبه. غنيٌّ بنفسه عن مدح ذوي الغنى للاجتداء، منقبض عن لقائهم طلباً للراحة والارتواء، مستوحش بالفضل مستأنس، بكر شعره في خدر عزة نفسه عانس.
لم أسمع له مدحاً، إلا أن يكون في صديق له صدوق، أو شقيق له شفيق.
هجوه موجع مؤلم، فهو ممن يجفوه بالثلب منتقم. لا يغضي على قذى، ولا يصبر على أذى.
بيني وبينه في النظم والنثر مداعبات ومكاتبات، وما حضرت ب واسط إلا وجدته سابقاً إلى الزيارة، شائقاً بحسن العبارة، ولطيف الاستعارة.
فهو في سن المشيب، شاب التشبب. فشيبٌ ثوب طربه، وإن أخلق برد عمره. وطريٌّ غصن وطره، وإن ذوى عوده لكبره. أمضى حداً من شبا سنان طرير، وأبهر بهاءً من بدرٍ ضياؤه منير. إن شاب شعره فشعره شابٌّ، وإن كهم حده فخاطره في القريض قرضاب. مغرىً بالحسان مغرم، يظن أنه متيم.
ذكر لي في سنة ستين وخمس مئة: أن مولده في ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وأربع مئة.
أنشدني لنفسه ب واسط، في أوائل محرم سنة خمس وخمسين وخمس مئة، في الزهد ومدح أهل البيت، ﵈، على مذهب التشيع:
ما بقِي لي عذرٌ إلى الله فيما ... كان منّي ومنه في دُنْيائي
عمَّ إحسانُه، وأمعنتُ في التَّقْ ... صير في شكره على النَّعْماء
فبذاك الإحسانِ أرجو مع التَّقْ ... صير منّي النَّجاةَ في أُخْرائي
هو عفوٌ، والعفوُ عن ذنب مثلي ... عندَهُ مثلُ ذَرَّة في هَباءِ
وشفيعي مُحَمَّدٌ وعليٌّ ... والشّهيدانِ لي مع الزَّهْراءِ
أهلُ بيتٍ، ما خاب فيهم رجاءٌ ... وكذا لا يَخِيبُ فيهِمْ رَجائي
وأنشدني أيضاً ب العراق لنفسه:
يا مَنْ أُباثِثُهُ شُجوني ... يَكْفيك جمعُ الشَّمْل دُوني
لا زِل، ممّا غالَ قل ... بي البينُ، في دَعَة ولِينِ
أنا للبِعاد، خُلقتُ عن ... سَكَنٍ أَلِفْتُ وعن خَديِنِ
في كلّ يوم، للفِرا ... قِ علَيَّ دَيْنٌ يَقْتَضيني
فأنا الطَّريدُ عن المُصا ... حِب والمُناسِب والقَرِينِ
ولو استَنَمْتُ إلى يَمي ... ني، لم تُصاحبني يَميِني
وَيْحَ الليالي كم تُنَقِّ ... صُ قيمةَ العِلْق الثَّميِنِ
وإلامَ يُرْدِفُني زما ... ني غاربَ الحظّ الحَرُونِ؟
وإلى متى دهري بصب ... ري في النَّوائب يبتليني؟
ب عَسَى وليت وعَلَّنِي ... سَفَهاً تخادِعُني ظُنوني
وأرى اللياليَ تقتضي ... عُمُري، وتُلْوِيني دُيوني
وأنشدني لنفسه في توديعه ثلاثة أصدقاء إلى ثلاث أسفار في يوم واحد:
يَفْدِيك مغلوبُ التَّجَلُّد، صبرُه ... عما يكابدُهُ قصيرُ الباعِ
علم بتوديع الأحبّة، طَرْفُه ... يرعى الحُمولَ، وسمعُه للدّاعي
وأنشدني لنفسه:
стр. 132
لو جازَ أن تتجسَّدَ الأشواقُ ... ضاقت بشوقي نحوَك الآفاقُ
فأنا اللَدِيغُ، لَدِيغُ بَيْنِك، ليس لي ... إلا دُنُوُّ مَزارِك الدِّرياقُ
وأنشدني أيضاً:
ما أحدث البَيْنُ لي وَجْداً على سَكَنٍ ... خلوت منه، كأنّي لستُ أَعرِفُهُ
فلو تجمَّعَ شَمْلِي، بعدَ فُرقتِه، ... وَلَهْتُ للبَيْنِ ممّا صِرتُ آلَفُهُ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
ولمّا صفا وُدُّنا بينَنا، ... وكِدنا نحوزُ ثِمارَ المُنَى،
وصِرنا جميعاً إلى غاية، ... لنا ما لَكُمْ ولَكُمْ ما لَنا،
أثارَ بنا الدَّهرُ أَحقادَه ... فعاقب بالبَيْن مَنْ ماجَنا
كأنّي خُلِقتُ ليوم الوَداع، ... وداعي الفِراقِ لقلبي عَنا
ألم يَأْنِ للدّهر أن يستفيقَ ... فيَنْهَى التَّفَرُّقَ عن شَمْلنا
فسِيّانِ عنديَ، بعدَ الفِراقِ: ... أساء بيَ الدَّهر أم أحسنا
وأنشدني لنفسه، مما يغنى به:
الوُشاةُ، قد صَدَقُوا ... في الَّذي به نطقوا
إِنني، بكم كلِفٌ، ... مُدْنَفُ الحَشا، قَلِقُ
بِنْتُمُ، ففارقَني ... قلبيَ الشَّجِي الفَرِقُ
والرَّفيقُ، بعدَكمُ، ... لي السُّهادُ والأَرَقُ
ناظرٌ، به دُفَعٌ ... من حَشاً، به حُرَقُ
هل عليكُمُ حَرَجٌ؟ ... أو ينالكُمْ فَرَقُ؟
لو وَصَلْتُمُ كَمِداً ... قلبُه به عُلَقُ
فاعطٍفُوا على دَنِف ... ما بَقِي به رَمَقُ
ليس يستوي نظراً ... مُوثَقٌ، ومُنْطَلِقُ
كلُّ مَنْ تقدَّمَني ... في الهوى وإن صدقوا،
ما صَبَوْا، وحقِّكُمُ، ... صَبْوَتي، ولا عَشِقُوا
وأنشدني لنفسه، وقد تكرر وداع صديق لصديقه، في مدح الفراق:
مَن كان ذَمَّ الفراقَ، إِنّي ... مِن بعدِها أمدَحُ الفِراقا
حظِيتُ فيه بوصلِ خِلٍّ ... سارقتُهُ لذَّتي استراقا
أباحَنِي صدرَهُ وفاهُ، ... فذاك لَثْماً، وذا اعتناقا
يا ليتَ كانت أيّامُ وصلي ... بقربه كلُّها فِراقا
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
بكرَتْ تحُضُّ على الخلاعة زينبُ ... وتلومُ في ترك الصَّبُوح وتَعْتِبُ
والليلُ طفلٌ في أَوانِ مَشِيبِه ... والصُّبحُ في عصر الشَّبِيبة أَشْيَبُ
والجوُّ لابسُ حُلَّةٍ مِسكيّةٍ ... كادت، بلَمْعِ بُروقِها، تتلَهَّبُ
والشّمسُ من خلف السَّحابِ كجذْوَة ... تطفو على طامي العُبابِ وترسُبُ
لو قال: " من خلل السحاب "، كان أحسن:
والأرضُ تبسِمُ عن ثُغور رياضِها ... والأُفقُ يَسْفِرُ تارةً، ويقطّبُ
وكأنَّ مخضرَّ الرِّياضِ مُلاءَةٌ ... والياسمينُ لها طِرازٌ مُذْهَبُ
ومحِدّق من نَرْجس، متوِجّس ... يرنو إِليك كخائف يترقَّبُ
وأنشدني لنفسه في صفة الخمر، وقد أحسن فيها:
أُبرِزت كالفتاة، وَهْيَ عجوزٌ ... تُجتلى بالأفراح في الأَكوابِ
حُجبت في الزُّجاج عنا، كشمس ... حُجبت في ضَبابة من ضَبابِ
وأنشدني لنفسه، وذكر: أنه عملها على أسلوب ابن حجاج في قوله:
في ليالٍ، لو أنّها دفعتني ... بيديها، وقعتُ في رَمَضانِ
فقال:
الصَّبُوحَ الصَّبُوحَ في شعبانِ ... لا تُخِلُّوا به مع الإِمكانِ
طمئِنوا بالمُدام جأشَ نفوسٍ ... رُوِّعت بالصِّيام في رَمضانِ
إِدْهَقُوها بالطّاس والكاس حتّى ... لا يُحَقّ الصّاحي من السَّكرانِ
واجْتلُوها بِكْراً، نَشَتْ ب أَوانَى ... حُجِبت عن خُطّا بها في أواني
زفَّها القَسّ عامداً، بعدَما استظ ... هَرَ في مَهْرها على المُطرانِ
стр. 133
عُصِرت، والزَّمانُ بعدُ دخانٌ، ... ما تجلَّتْ كواكبُ الميزانِ
خَفِيت أَنْ تُرَى بعين، فيما تُدْ ... رَكُ يوماً بمنظر وعيانِ
ليس إلا نَسيمُها وهو يا صاحِ دليلٌ منها على العِرفانِ
أنحلت جسمَها الليالي، فما تف ... تقُ لوناً إلا بلونِ القَناني
واسْقِنِيها من بعدِ تسعٍ وعشري ... نَ صباحاً، خَلَوْنَ من شعبانِ
واسقِنِيها يومَ الثَّلاثينَ، في الشَّ ... كِّ، وبعدَ السُّحورِ، قبلَ الأذانِ
وارصُدِ الوقتَ، لا تفرّط في سك ... ري، حتَّى يبيَّنَ الخيطانِ
وأقمني إلى الصَّلاة، ولا تس ... رف في يقظة الفتى الوَسْنانِ
أتصدَّى لها، وأسعى إلى المس ... جد جَهْدي، إِنْ كان لي رُكْبَتانِ
نِيَّتِي غيرُ ما سمِعتَ، وما كا ... ن لساني عن نِيَّتِي تُرْجُماني
وَيْحَ نفسي إِنْ لم يكن لي وَلاءٌ ... كان منّي في طاعة الرَّحْمنِ
فعِمادي وعُدَّتي في مَعادِي ... عندَ حشري، إذا جثا الخَصْمانِ،
يومَ عَرْضِي: مُحَمَّدٌ وعليٌّ ... والبَتُول الزَّهْراء والحَسَنانِ
خمسةٌ في العَبا، استجار بهم جِبْ ... رِيلُ، يَبْغي الزُّلْفَى إلى المَنّانِ
وأنشدني لنفسه:
أقولُ اضطرامُ النّارِ وَهْيَ خُدودُ ... وهِيفُ غصونِ البانِ وَهْيَ قُدودُ
وهم ألبسوا النّيرانَ ثوبَ احمرارِها ... وهْمُ علَّمُوا الأغصانَ كيف تَمِيدُ
تنوبُ العُيونُ النُّجْل فيهم عن الظّ؟ ُبَى ... فكلٌّ صريعٌ باللحاظ شهيدُ
وما المنعُ إلا ما أَبَتْه روادفٌ ... وما الرَّدْعُ إِلاّ ما نَهَتْهُ نُهودُ
لَئِنْ نَزَلُوا حَبْلَيْ زَرُودَ وعالجٍ ... فما القلبُ إلا عالجٌ وزَرُودُ
وأنشدني لنفسه:
يوم، أظلَّ بحُلّة دَكناءِ ... فسماؤه حجوبةٌ بسماءِ
ظلَّت ثُغورُ بُروقِه مفترَّةً ... لمّا استهلَّت سُحبُه ببكاءِ
وأنت تحاكي الشَّمسَ فيه قَيْنَةٌ ... صفراءُ، في دِيباجة صفراءِ
والكأسُ تُرضعني حُمَيّا، كلَّما ... نَوَتِ الفِطامَ، عَقَقْتُها بالماءِ
راحاً، إذا ما الليلُ أظلم بينَنا ... أمست أَدِلَّتَنا على النُّدَماءِ
يسعى بها في الشَّرْبِ أَلْمى، لو يَشَا ... لأَمَدَّها من وجهه بسَناءِ
أغرى بنا أقداحَها، فكأنّه ... قمرٌ يُديرُ كواكبَ الجَوْزاءِ
فشرِبتُها من كأسه، وشرِبتُها ... من لحظه رَشْفاً بغير إِناءِ
وازدانَ مجلسُنا بكلّ مُسَوَّدٍ ... يُنْمَى إلى ذي سُؤْدَدٍ ونَماءِ
يوماً، حَبانِيهِ الزَّمانُ، فيا لَها ... من مِنَّة وصَنيعة بيضاءِ
وأنشدني لنفسه:
النّاسُ، مشتقُّون من دهرهم ... طبعاً. فمَنْ مَيَّزَ أو قاسا
يمتحن الدَهْرَ وأحوالَه ... إِنْ شاءَ أَنْ يمتحنَ النّاسا
وأنشدني لنفسه:
يميناً بما ضمَّ المُصَلّى وما حوت ... رِحابُ مِنَى إِنّي إليك مَشُوقُ
وإِنّي متى فتّشتَ منّي طَوِيَّتي ... ومعتَقَدي في وُدّكم لَصديقُ
وإنّي متى استنجَدْتَني لِمُلِمَّة ... أجابك مأمونٌ عليك شفيقُ
وأنشدني لنفسه أيضاً، في الشوق:
لي يروعُ الفراقُ بالافتراقِ ... ثمَّ يقضي عليَّ بالأشواقِ
بي يسمَّى الفراقَ، لمّا تصَدَّى ... لي، وأبلى الأحبابَ بالافتراقِ
وسلوه عنّي، خلوت من الشَّوْ ... ق، وهل ذُقتُ قَطُّ طعمَ التَّلاقي؟
وكذاك الأشواقُ، تأخُذُ من شو ... قي، وتُبلي الأُلاّفَ بالاشتياقِ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
стр. 134
تعيّرُني أَنّي جُنِنتُ ب عَزَّةٍ ... وما علِمتْ أَنّ الجنونَ بها عقلُ
لَئِنْ كان حبُّ المالكيَّة مُورِثي ... خَبالاً، فلا أَنْفَكُّ يعتادني الخَبْلُ
وإن شغَلَ النّاسَ الأماني ونيلُها ... فعندي عن نيل الأماني بها شغلُ
وإن عافَ غيري المنعَ والبخلَ، إِنَّني ... يقرّبُها من قلبيَ المنعُ والبخلُ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
تمنّ لعيني أَنْ تملَّتْ بنظرة ... وذاك لعيني من سلامَ كثيرُ
غرامي بها مستحكم ومحكّم ... على مُهْجَتي، فيما تشاءُ، قديرُ
لها، إِن تجنَّتْ، من فؤاديَ عاذرٌ ... وعندَ الرِّضا والٍ عليَّ أميرُ
فقلبي على قرب المَزارِ وبُعدِه، ... إلى حبّها دونَ الأَنام يُشيِرُ
هوىً، غارَ في قلبي، وإن انتزاعه ... عليَّ، وقد حكّمته، لَعَسيِرُ
وأنشدني لنفسه إلى صديق، له جاريتان: تسمى إحداهما عوضاً، والأخرى نظاماً، من أبيات:
قل لقلبينا ومَن عقَّهما: ... كيف يَبْرا الدّاءُ، والدّاءُ عُقامُ؟
هل لِما أتلفت إلا عِوَضٌ؟ ... ولشَمْلٍ بَدَدٍ إلا نِظام؟
وأنشدني لنفسه في المعنى:
كَمَدِي عجيبٌ، ما سمِعتُ بمثله ... في يقظتي أبداً، ولا أحلامي
تشتيتُ شملي في نِظامَ، وهل رُئِي ... جمعٌ تشتَّتَ شملُه بنِظامِ؟
وأنشدني لنفسه:
قضى الدَّهرُ منّيَ أوطارَهُ ... وطاحت بقلبيَ أَخطارُهُ
وغُودرتُ من بَعْد بَيْنِ الخَلِيطِ ... تَأَجَّجُ في كبِدي نارُهُ
وأقدمَ بالبُعد أعوانُه ... وغابَ عن القرب أنصارُهُ
وحقَّتْ من الهجر آياتُه ... ومَحَّتْ من الوصل آثارُهُ
ومَن كان يُؤمنُني قربُه ... من البُعد شَطَّتْ به دارُهُ
ولم يبقَ لي غيرُ تَذْكار مَنْ ... يهيِّج شوقيَ تَذْكارُهُ
وعُدت أعاتبُ دهراً، يَزيدُ ... على الذَّنْب بالعتب إِصرارُهُ
سقى الله ليلاً، تراخت على ... بلوغ الأمانيّ أستارُهُ
نُفدَّى أوائلُه بالسُّرور ... وتُحَمدُ بالوصل أَسحارُهُ
وتغبَطُ أقمارنا في الدُّجَى ... إذا سَفَرت فيه أَقمارُهُ
وكلُّ شجي الصَّوت حلوِ الغِنا ... تحدّث باللحن أَوتارُهُ
وراحٍ، ترِفّعُ ثوبَ الظَّلامِ ... إذا احلولكتْ فيه أَقطارُهُ
عصاني النَّديمُ على شُربها ... وفي مثلها حلَّ إِجبارُهُ
وزارَ على رِقْبَة الكاشِحِي ... نَ، تجلو الدَّياجيَ أنوارُهُ،
غَرِيرٌ، حوى مُهْجَتي في يديه ... إذا ما حوى الخَصْرَ زُنّارُهُ
أُفِيضت على الغُصن أَثوابُهُ ... وزُرَّتْ على البدر أَزرارُهُ
تَجَلَّى لنا الشَّمسُ من وجهه، ... وِن رِيقه الشُّهْدُ نَشْتارُهُ
ونقتطفُ الوردَ من خدّه، ... ومن طَرْفه الخَمرُ نَمتْارُهُ
فما مالَ قلبيَ في رِيبة ... إليه، ولا عمَّني عارُهُ
إلى أن طوى الليلُ أثوابَهُ ... ونَمَّت على الصُّبح أسرارُهُ
وأنشدني لنفسه فيمن ينتحل الشعر ولا يحسنه:
ينغّصُ الشَعِرَ في صدري أخو كذب ... يقولُ ما قاله من قبله النّاسُ
ويدّعيه بلا فهم، يليم به، ... يعتلُّ منه على العِّلات أو ياسُو
هو الغنيُّ ولكن في معيشته، ... وفي بصيرته فقر وإفلاسُ
وله يهجو، أنشدنيه:
بأيِّ جُرمٍ وذنبِ ... عرَفْتُ سعدَ بْنَ وَهْبِ؟
أنكرتُ فضل عليٍّ؟ ... أم قلتُ: فرعونُ ربّي؟
شخصٌ، يَعِزُّ على الكل ... ب أَنْ يقاسَ بكلبِ
وأنشدني لنفسه أيضاً، في الهجو:
رأيت النَّهْشَليَّ أخا مِحالٍ ... وتمويهٍ، يَزيدُ، ولا يَبيدُ
стр. 135
نلقّبُهُ ب محمود مَجازاً ... وما يُلفَى له فعلٌ حميدُ
بعيدٌ من ذوي الحسنَى، فقيرٌ ... من المعروف، مَنّاعٌ، شديدُ
تعرَّضَ بي، ِلأَهْجُوَه، وبيني ... وبين هجائه أَحَدٌ بعيدُ
وهَجْوِي، لا أُعرّضُه لقردٍ، ... مخافةَ أن تدنّسَهُ القرودُ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
لو كان لله بابُ جنّتِهِ ... كما على بابكم من الرَّدّ،
تكبَّرَ الخَلْقُ عن عبادته ... وجاهَرُوه بالكفر والجَحْدِ
واقترَحُوا النّارَ والخلودَ بها ... على النَّعيم الباقي، من الدَّرْدِ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
ما بِهِمُ، مَعْ سوءِ أخلاقِهمْ، ... إلى ارتتاج الباب من حاجِ
وُجوهُهم أمنعُ من بابهمْ ... أين الصَّفا الصَّلْدُ من السّاجِ؟
لِلّؤم شرعٌ، وهُمُ رُسْلُهُ، ... وعنهُمُ جاء بمِنْهاجِ
وأنشدني لنفسه، في الإلغاز في حكة الجرب:
وما شيءٌ، نعوّذُ منه؟ حتّى ... إذا باشرتَه، استكثرتَ منه
أَلَذُّ به، سِوى عيني وسمعي، ... فإِنّهما لَمُلْتَفِتانِ عنه
وأنشدني أيضاً لنفسه، يلغز بالبرغوث:
ما نائمٌ، إذا وَثَبْ ... يرقُصُ من غير طرَبْ؟
وإنّما رقصتُهُ ... تُظهرُ للغير الحَرَبْ
مُعاشرٌ، لكنَّه ... يُكثر من سوء الأدبْ
يُؤخَذُ في تهمته ... مَنْ لم يكن له الطَّلَبْ
وعينُه إذا أَصا ... بَ قِرْنَه ينوي الهربْ
يُقْدِمُ، والشَّمسُ لها ... صُبَابةٌ من اللهبْ
يرحَلُ، والكَيّالُ يَهْ ... دِي، والقَفِيرُ ينقلِبْ
في بغداد يكون أوان البراغيث من أول الربيع إلى حين وقوع قسمة الغلات.
وأنشدني أيضاً لنفسه، يلغز بالكتاب:
وذي غربةٍ، يُلْهيك عندَ قدومِه ... ويُلْقي إليه سِرَّه ويُذيعُهُ
خفيفٌ، إذا استعبرتَه، وَهْو راجحٌ ... من الفضل، محبوبٌ إليه صَنِيعُهُ
ويجفوه من بَعدِ البشاشةِ مُعرِضاً ... كأنّك لم يُبْهِجْك يوماً طلوعُهُ
وأنشدني لنفسه:
يا صاحِبَيَّ، إليكما عن شاني ... لا تُكْثرا عَذْلي، ولا تَسَلاني
ما لي على البَيْن المُشِتّ سَلْمِتُمتا جَلَدٌ، ومالي بالفراق يدانِ
فإِليكما عن مفرد، أَلِفَ النَّوَى ... تِرْبِ الهموم، مولَّدِ الأَحزانِ
ضرَبَ البِعادُ عليه عُمْدَ قِبابِه، ... فطواه عن سَكَنٍ وعن إِخوانِ
فإذا صبا، ولوى عِنانَ رحيلهِ ... بالقرب، مبتجهاً، إلى الأوطانِ
ففراقُه المحتومُ موتٌ أوّلٌ، ... وصدوفُ نِيَّتِه حِمامٌ ثانِ
ما لي وللبَيْنِ المصرّف صَرْفه ... من بعدِ أحبابي وهجر مكاني؟
كيف السَّبيلُ عليه، وهو محمِّلي ... ما لا أُطيقُ، وفي يديه عِناني؟
إلى هذا الموضع، أملاه علي في تلك السنة ب، واسط.
وأنشدني لنفسه ب واسط في صفر سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة:
كم ذا الوقوف بنا على الإِبْلِ؟ ... أَوْرِدْ قَلُوصي ماءَ ذي الأَثْلِ
واعدِلْ إلى ذات اليمين بنا ... واحطُطْ بربع بريكة رَحْلِي
مَغنّىً، عَفَت آيات مَلُعَبِهِ ... ومحت مَعالمَه يَدُ المَحْلِ
أودعتُ قلبي في رَبائبه ... وعقَلْتُ في عَرَصاته عقلي
وبكَيْتُ حينَ رأيتُ ما صنَعت ... أيدي النَّوَى بالرَّبْعِ والشَّمْلِ
أكبرته، فوَطِئْتُ تُربتَه ... بحَشايَ، لا بمَناسِمِ الإِبْلِ
وطَفِقْت أُنشِدُ فيه، حينَ خلا ... منهم، بما يُغري، ولا يُسْلِي
لا لبيضَّ لي، في الدَّهر بعدَهُمُ، ... يومٌ. وهل دارٌ بلا أهلِ؟
هذا البيت، ل مهيار. وهو، ها هنا، تضمين.
стр. 136
أنا ذو المروءةِ والوفاءِ إِذا ... جُوزِي أَسيرُ الوعدِ بالمَطْلِ
منّي استعار الحبُّ صبغتَه ... بالصَّبرِ، والكِتمانِ، والبذلِ
أهلُ الهوى، عرَفُوا مقاصدَه ... بَعدي، وما عرَفُوه من قبلي
أحلى شبابي، بعدَ بَيْنِهِمُ، ... شيبٌ يحُلًّ مَعاقِدَ الوصلِ
وظلِلت أبكي صحبتي لهمُ ... وعلى الشَّباب الزّائل الظِّلِّ
ورجَعْتُ أُخْلدِ بالعزاء إلى ... قلب، يرى نصحي سوى عذلي
لي أُسْوَة فيمن تقدَّمَني ... وجرى على المِنهاج والشَّكْلِ
قد مات مَنْ سُلِبَ الشَّبيبةَ، واس ... تَوْلى عليه تشتُّتُ الأهلِ
كان الشَّبابُ أخا مَوَدَّتِهم ... فأُصِبت بالأَخَوينِ بالثُّكْلِ
هذا البيت، تضمين أيضاً.
وأنشدني لنفسه أيضاً:
علامَ أُقالِسُ الأَيّامَ عَتْباً؟ ... وفيمَ أَلُوم دهري؟ لَيْتَ شعري
وقد كثُرت إِساءتُه، فمالي ... سبيلٌ أَنْ أطالبَهُ بعُذرِ
أُجِيلُ الفكرَ فيه، ولا أرى لي ... سِوى صبري عليه. وكيف صبري؟
يقدِّمُ مَنْ تقدُّمُه حرامٌ. ... على الإِطلاق لم يَغْلَطْ بُحرِّ
ويصدُقُ في مُعاندتي، كأنّي ... أخو ذَحْلٍ، يطالبُني بوِتْرِ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
ألا يا حماماتٍ تَجاوَبْنَ بالضُّحَى، ... كشَفتُنَّ مكنوني، فأعلنتُ بالشَّكوى
إليكُنَّ عنّي، يا حماماتِ ضارجٍ ... عَداكُنَّ أَشجاني وما بي من البلوى
ترفَّقْنَ بي فيما بِكُنَّ من الهوى ... كما بي، لا وَجْدٌ كوَجْدِي بمن أهوى
تقضَّتْ ليالينا بِ لَيْتَ وعَلَّما ... وسوفَ، وما أَجْدَت عليَّ المُنَى جَدْوَى
فلا اليأسُ يُسلي لو تعهّدت سلوةً، ... ولا الصَّبرُ تُلْفَى دونَه الغايةُ القُصْوَى
وكان عند رباط قراجة ب واسط، يأوي إلى غرفة علي شاطىء دجلة، فجرت بينه وبين الصوفية منافرة، وخلى الغرفة. ثم أرادها، لإلفه بها، ولقربها من قلبه وحبه. فكتب إلي بأن آخذها له، وعاتبني في رقعته نظماً، فأجبته على وزن شعره بهذه الكلمة:
يا مُهدِياً، بكتابه وعتابه، ... كَلِماً شَفَتْ، وكُلومَ لَوْمٍ شَفَّتِ
حمَّلْتَني أثقالَ عِبْءٍ خِفْتُها ... لكن على قلبي، لِوُدِّك، خَفَّتِ
وأراك لا يُؤويك إلا غرفةٌ ... تشتاقُها، أَطْيِبْ بها من غرفةِ
وقَنِعتِ من طَيْف الخَيال بزورة ... ورَضِيتَ من برق الوِصال بخطفةِ
فاكفُفْ، كُفِيتَ الذَّمَّ، كفَّ مَلامتي ... فالعذرُ مُتَّضِحٌ إذا م كُفَّتِ
في غُرفةٍ، أنهارُها من تحتها ... تجري، ففُزْ منها، هُدِيتَ، بغَرْفَةِ
هيَ جنّةٌ ِلأُولي المكارم هُيِّئت ... وكما تراها بالمَكاره حُفَّتِ
لكن تُزَفّ إلى الكرام لحسنها ... وَلأَنْت أولى مَنْ إليه زُفَّتِ
بالَغْتَ في عتبي، فهل من أَوْبَة؟ ... وعدَلْتَ عن وُدّي، فهل من عطفةِ؟
أنا مَنْ صفت لصديقه نِيّاتُه ... فحكى الّذي أبدته عمّا أخْفَتِ
وعَفَت رُسومُ مطامعي إذْ عِفْتُها، ... فمطالبي عزَّت، ونفسي عَفَّتِ
فاقبَلْ مَعاذِيري، وعُدْ نحو الرِّضا ... والحمدِ، واشْفِ مَوَدَّةً قد أشْفَتِ
ولي إليه في المعنى، جواب قطعة مثلها:
يا حاكياً فضلَ الخَلِي ... لِ، وناشراً عِلمَ المُبَرِّدْ
وتجمّعتْ فيه الفضا ... ئلُ كلُّها، وبها تَفرَّدْ،
أهديتَ لي شعراً، هُدِي ... تُ بنجمه لمّا تَوَقَّدْ
نظم كدُّرِ الثَّغْر، أو ... زَرَدِ العِذار، أتى مُزَرَّدْ
يُنْبِي عن الوجد الشَّدِي ... دِ لَدَيْك والصَّبرَ المُشَرَّدْ
стр. 137
أَقبِلْ، ولا تَحْرَدْ. ومُ ... رُّ القول منه المرءُ يَحْرَدْ
أترومُ بالشِّعر المُنَى؟ ... هَلاّ وكان الشَّعْرُ أسوَدْ
الشِّعرُ، لا تُصْغي له ... خَوْدٌ، ولا ينقادُ أمرَدْ
اسمَعْ، هُدِيتَ، نَصيحتي ... فالنُّصحُ، لي بالصّدق يَشْهَدْ
عُدْ، وارْضَ عن أهل الرِّبا ... طِ، وأَرْضِهِمْ، فالعَوْدُ أحمدْ
لاطِفْهُمُ، فالمرءُ يب ... لُغُ بالتَّلَطُّف كلَّ مَقْصِدْ
إِنْ كلَّفُوك غرامةً، ... فابْتَعْ لشيخ القوم مِقْوَدْ
واطلُبْ جِوارَ بريكة ... فالدّارُ بالجِيران تُحْمَدْ
ولِجِ الغُرَيْفَةَ، وارْقَ في ... ها حَسْبَ ما تختار، واصعَدْ
قد أُكْرِيَتْ، فاقْعُدْ إلى ... وقت الفراغ، لها بمَرْصَدْ
وهذه، كتبتها أنموذجاً لما كان بيننا من المكاتبات. ولم أثبت مكاتبته، فإني كنت أردها إليه في الجواب.
وله:
يا أُسرتي، إِن تَلِفَتْ مُهْجَتي ... لا تَهْزِلُوا بالنّاس في جِدِّها
ودونَكم، يا قوم، معشوقةً ... يخجَلُ غصن البانِ من قَدِّها
فإنْ خَفِي أمري، فلا تيأسوا ... واقتبِسوا الأَنباءَ من عندِها
وفتِّشوها، تَجِدُوا من دمي ... وشاهدٌ منه على خدِّها
وله:
ما قَرَنْت المديحَ في ابن طِرادٍ ... مستطيعاً، بل كان في المسطورِ
سوَّلَت لي نفسي ارتكابَ غرور ... فتورَّطْت في ارتكاب الغرورِ
لستُ بِدعاً في الخَلْق، حتّى تشكَّرْ ... تُ ضلالاً عند اشتباه الأُمورِ
قيل لي: ذا كان الوزيرَ، فما أَدْ ... رَكَ سمعي: ذا كان غيرَ الوزيرِ
لست أدعو عليه بالموت، والمو ... تُ مَصِيرُ الأنامِ ثُمَّ مَصِيري
بل دعائي دوامُ ما هو فيه ... من جُنوح في أمره وفُتورِ
والتفاتُ السُّلطانِ عنه بطبع ... وانكماش في باعه وقُصورِ
وانتفاءُ الدِّينار منه، إلى أن ... يتوارى في بيته بحَصِيرِ
وأنشدت قصيدةً، على أنها ل ابن المندائي قاضي واسط. فلما أنشدتها ل السوادي، قال: هي لي، لا له.
فمنها ما أنشدنيه:
يا لائمي، خفِّضْ عليَّ مَلامي ... هيَّجْتَ وَجْدي، واستثرتَ غرامي
لو سُغْتَ ما اسأرتُ من كأس النَّوَى ... لأَقَمْتَ عذري، واطَّرحتَ ملامي
الشَّوْقُ أيسرُ ما تُجِنّ جَوانحي، ... والوَجْدُ أهونُ ما تُكِنُّ عِظامي
ساهمت أيّامي، فأُبْتُ من النَّوى ... عمَّن أُحِبُّ بأوفر الأَقسامِ
يا راكباً، يَسرِي على عَيْرانة ... يجتابُ ذاتَ سَباسِبٍ وإِكامِ
عَرِّجْ على غربيّ واسِطَ، إنَّها ... دائي الدَّوِيُّ بها وبُرْءُ سَقامي
أَهْدِ السَّلام إلى أُناس، عَرَّهُمْ ... بُعدي، إذا ما استرفدوك سلامي
من عُصبة، ونَسابة، وصَحابة، ... وقرابة بِيضِ الوجوه كِرامِ
واخصُصْ بمَحض تحيَّتي وطني الذي ... فيه مُنَى نفسي وجُلُّ مَرامي
وطني الَّذي لم اَقضِ منه لُبانَةً ... ونزَحْتُ عنه وما شفيتُ أُوامي
خلَّفتُ قلبي في ذَراه مقسَّماً ... ما بين جاريةٍ وبينَ غُلامِ
وأشرَحْ لهم حالاً، متى نَصَتُوا لها ... سَتَرُوا رَشاشَ الدَّمع بالأَكمامِ
وتأوَّهُوا، متوجعّينَ لِوامقٍ ... حَصَّتْ قَوادِمَه يدُ الأَيّامِ
إن ناحَ خفَّضَتِ الحَمامُ، وإن بكى ... أزرى بعينَيْ عُروة بن حِزامِ
لي عندَ دارِهِمُ فؤادٌ والِهٌ، ... وحَشاً بلَوْعات الصَّبابة حامِ
وأضالعٌ، تَحوِي بقيَّةَ مُهجةٍ، ... تنهالُ من جَفْنٍ قَريحٍ دامِ
стр. 138
وإذا استنمتُ إلى الكَرَى، مسترفِداً ... رُؤياكُمُ صِلةً من الأَحلامِ،
ناجتنيَ الأحلامُ ضِدَّ نَشِيدَتي ... فتَزِيدُني أَلَماً إلى آلامي
ونَذَرْتُ إِن حُمَّ اللِقاءُ، وأثمرت ... دَوْحُ لمُنى لي منكمُ بمرامِ،
لأُقَطِّعَنَّ على النَّوَى أَمراسَها ... ولأُسقِيَنَّ البَيْنَ كأسَ حِمامِ
وأنشدني لنفسه، وقد عدت إلى واسط في سنة ستين وخمس مئة، في الولاية الوزيرية، فحضر عندي، فعرضت عليه هذه الأبيات التي أثبتها له، فقال: إن كنت تثبت لي شعراً، فاكتب لي هذه القطعة في استزادة الزمان:
يا دهرُ، أَوْجِفْ في صُرُو ... فِك بي وبطشتِك القَوِيَّهْ
واجْلُبْ عليَّ بما استطع ... تَ موافقاً حتمَ القضيَّهْ
أَوْفِضْ سِهامَك راشقاً ... غَرَضَيْ حِفاظي والحَمِيَّهْ
واغمِزْ على عُودي ثِقا ... فَك ما يَلينُ إلى الدَّنِيَّهْ
تأبى الدَّنِيَّةَ لي، إِذا ... كلَّفْتَنِي، نفسٌ أَبِيَّهْ
أتخالُني أَخشى المَنِيَّ ... ةَ؟ كلُّ أوقاتي مَنِيَّهْ
ما عارَ سهمٌ من أذىً ... إلا وخاطريَ الرَّمِيَّهْ
وإذا اتّخذتُك آسِياً، ... آسيت بالأَدْوا الدَّويَّهْ
في كلّ يومٍ، طالع ... لي في خُطوبك من ثَنِيَّهْ
ومجرّد من جيش صَرْ ... فِك، لافحِاً كَمَدِي، سَرِيَّهْ
وجعَلْت قلبي للنَّوا ... ئب، في مقاصده، دَرِيَّهْ
أترى لِمَنْ أسعفت حَتَّ ... ى أستزيدَك في العطيَّهْ
ومن البليَّة أنْ يكو ... نَ عزايَ من نفس البليَّهْ
هذا، وما لَكَ قبلَها ... عندي يَدٌ أبداً سَنِيَّهْ
وغَصَبْتَ من حقّي، وأن ... ت على نِزاعي في البقيَّهْ
ومنها:
فعَلَوْتُ غاربَ وحدتي ... فوجدتُها نِعمَ المَطِيَّهْ
واعتضت عن طمعي بيأ ... سي من مكاسبيَ الزَّرِيَّهْ
ورِكبت ظهرَ الصّبرِ، مُدَّ ... رِعاً جلابيبَ التَّقِيَّهْ
فوجدتُ ذِمَّتَهُ، على ال ... عُقْبَى، من الذِّمَمِ الوَفِيَّهْ
وحمِدتُ فقري فيك، مَعْ ... نفسٍ بعِفَّتها غَنِيَّهْ
وأنشدني لنفسه في سنة ستين وخمس مئة:
قد وَصَّلُوا أَشراكَ حُبِّهِمُ ... وتعرَّضُوا في ذاك لِلتُّهَمِ
ستَرت فُروعُهمُ بُدورَهمُ ... وقد استكنَّ الدُّرّ في العَنَمِ
الدُّرُّ لا يخفى لجوهره ... وكذا البدورُ تُنير في الظُّلَمِ
واستَرْهَفُوا أَسيافَ لَحْظِهِمُ ... وتعمَّدُوا قتلي من القسمِ
فغدا فؤادي يشتكي نظري ... والحربُ بينَهما على قَدَمِ
وأنا الأَخِيذُ بما جنَى بَصَري ... وَيْلاه م نظرٍ، أراق دمي
الحكيم أبو طاهر بن البرخشي
الطبيب موفق الدين، أبو طاهر، أحمد، بن محمد، بن البرخشي. فيلسوف العصر في الحكمة والطب. أوحد الزمان بديعه، قد برعت في العلم صناعته وبهر في الكرم صنيعه. كريم الشمائل، ظريف المخايل، متلطف في تطببه، متطرف لكل علم، عارف بكل فن. عزيز النفس عزوفها، لا يخالط إلا الأكابر، ولا يألف إلا الصدور. محله في صدور الصدور، وموضعه في قلوب ذوي الإقبال بالقبول. وهو مع ذاك مأوى الضعفاء، وملجأ الملهوفين. يبر من ماله وجاهه بما يمكنه، ويحسن إلى قاصديه بإفادة ما يملكه وما يحسنه. محبوب إلى كل قلب، محبوٌّ بكل حسنى.
ومن فضائله أنه تندر له أبيات حكمية، هي في ثوب علمه بمنزلة الطراز المذهب.
أنشدني له ب واسط، ليلة الخميس حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة ستين وخمس مئة، وكنا مجتمعين نتذاكر طرف الأشعار، ونتجاذب أطراف المعاني المستحسنة، في غلام ناوله خلالاً:
وناوَلَني مِن كفّه شبهَ خَصْرِه ... ومثلَ محبٍّ ذابَ من طول هجرِهِ
стр. 139
وقال: خِلالي، قلتُ: كُلٌّ حميدةٌ، ... سِوى قتلِ صَبٍّ حارَ فيك بأمرِهِ
وأنشدني فيمن حج من واسط، وكان ظالماً:
لمّا حَجَجْتَ، استبشرتْ واسِطٌ ... وفولسايا وفتى مَزْيَدِ
ذكر أنه ابن سمكة، وفولسايا في إقطاعه، وابن مزيد رئيسها.
وانتقل الوَيْلُ إلى مكّة ... ورُكنِها والحجرِ الأسودِ
وأنشدني لنفسه في مكاتبة بعض الناس بعضهم ب العالم:
لمّا انمحت سُنَنُ المكارمِ والعلى ... وغدا الأَنامُ بوجهِ جهلٍ قاتمِ
ورَضُوا بأسماء، ولا معنى لها ... مثل الصَّديق، تكاتبوا ب العالِمِ
أخوه: هذا، معروف بالشعر، مجتدٍ به.
شمس القضاة أبو الفتح
هبة الله بن سلمان الشاهد الواسطي
كان من أعيان الشهود، وظرفاء واسط. صاحب حكايات ونوادر، لا تمل مفاكهته، ولا تسأم محاورته.
وله مقطعات، مطبوعة في قوالب القلوب.
صحبني ب واسط عند كوني بها في النيابة الوزيرية العونية، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى في سنة أربع وخمسين وخمس مئة.
وأنشدني من أبياته النوادر، التي هي في العقود جواهر، كثيراً، ومع التذكر أثبتها.
فمنها أنه قال: القصيدة التي منها هذان البيتان، لي، وهما:
كلُّ مَنْ وَلَّتْ سعادتُه ... فإلى الغَرّافِ ينحدرُ
وترى الغَرّافَ عن كَثَبٍ ... سيرةً يأتي بها الخبرُ
وأنشدني لنفسه في القاضي الطيبي:
قلتُ لقاضي الطِّيب في واسط ... مقالةً خِفت بها حَتْفي:
أَمّا دُبَيْسٌ ودُيوني، فقد ... رضِيتُ من أجلك بالنّصفِ
فقال لي، مبتسماً ضاحكاً، ... وكفُّهُ آخذةٌ كفِّي:
لقِيتَ يُمْناً؟، قلتُ: واحسرتا ... من ردّ عطوانَ على ضعفي
هذا يمنٌ كان غلام الطيبي. يشير إلى أنه كان يخدم على يده قبل. وكان قبله القاضي ب واسط الماندائي، وله غلام اسمه عطوان يخدم على يده.
الشريف أبو هاشم
إسماعيل بن المؤمل بن الحسين العباسي الرشيدي الواسطي
من بيت الخطابة والنقابة ب واسط.
سافر إلى كرمان، وكنت ب أصفهان عند عوده منها، وورد أصفهان سنة سبع وأربعين وخمس مئة.
وقد جمع أشعاره التي نظمها ب كرمان في مجلدة، تنيف على ستة آلاف بيت. فطالتها، فلم أختر منها إلا هذه الأبيات؛ ثم أنشدنيها أيضاً ب واسط مع غيرها، سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
مضى الوُدُّ، والأيّامُ ما سَمَحتْ لنا ... بشُربِ مُدامٍ أو بقربِ نديمِ
ونحن عِطاشٌ، والمواردُ جَمَّةٌ ... يوطِّدُها قومٌ لكلّ لئيمِ
على الرّاح والأقداحِ منّي تحيَّةٌ ... إلى أن أراها في بَنان كريمِ
البيت الأول والثالث، لا نظير لهما.
عبد القادر علي بن نومة
الواسطي الأديب
لقيته ب واسط كهلاً، للفضل أهلاً.
وله نظم رائق رقيق، بالتحسين والإحسان حقيق. وأنشدت له، ثم أنشدني لنفسه:
قَسَماً بأغصانِ القُدو ... دِ تَهُزُّ رُمّانَ الصُّدورِ
وبعَضِّ تُفّاحِ الخُدو ... دِ، ورَشْفِ كافورِ الثُّغورِ
إنّي لَيَصْرَعُنِي الهوى ... بينَ الرَّوادفِ والخُصورِ
بسُلافِ أفواهٍ، تسل ... سل في أباريق النُّحورِ
وله في التجنيس:
إنّ ارتشافي للعِذا ... بِ الغُرِّ تمحيصُ العَذابِ
ذهبَ الصِّبا من حيثُ جا ... ءَ، فلا أَقَلَّ من التَّصابي
وغريرةٍ، قلبي بها ... حيثُ انتهى بي، في انتهابِ
ما للهوى بي، لا يرى ... إلا التَّقاذُفَ في الهَوَا بي؟
ولقد سرى بي مَوْهِناً ... طَيْفٌ أَغَرُّ من السَّرابِ
ما زال يسهرُ سُمَّرِي ... حتّى خَلا بي في الخلابِ
لِلهِ برقٌ، ما خفا ... إلا وزاد به الْتِهابي
يبدو كحاشية الرِّدا ... ءِ لناحِلٍ تحتَ الثِّيابِ
أبو شجاع محمد بن القلانسي
من أهل وساط.
стр. 140
شاب مقلنس. ينظم طبعاً، ويرعي الأسماع من منظومه بحسن الإيراد أنضر مرعى.
وفد، وأنا ب البصرة في النيابة الوزيرية العونية، ومدحني فمنحته، واستعدى بي على زمانه فأعديته، واستهدى بثنائه فأهديت له وهديته.
وكان أمير المؤمنين نعتني ب عزيز الدين، نعت عمي، فمن كلمة له في:
سمعاً عزيزَ الدِّينِ إِنّك واحدٌ ... عدِم النّظيرُ له، وعزَّ الثّاني
أعرضتَ عن فعل الدَّنايا، مثلَما ... لم يلقَ فضلك في الزَّمان مُدانِ
فُقتَ ابنَ مُقْلَةَ في الكتابة، مثلَما ... فاق السَّحائبَ منك فيضُ بَنانِ
ورأيت أَنّ الحمدَ زينٌ، والثَّناباقٍ، ومالُك لا مَحالَةَ فانِ
فهدَمْت أَرْوِقة اللُها متعمّداً ... وغدوت للذِّكر المخلَّد بانِ
ورآك عونُ الدِّين أقطعَ مِخْذَمٍ، ... ضافي ظِلالِ الرّأيِ، غيرَ هِدانِ
حسَنَ الطَّوِيّةِ، مُعْرِباً عن حكمة ... مأثورةٍ، تُتْلَى بكلّ لسانِ
ومنها:
فانجَحْ، فلستَ بعاجز عن مُشْكِلٍ ... يعرو، ولا عندَ المكارم وانِ
ومن أخرى له في:
لك الخيرُ، يا مَنْ وجهُه وسَماحُه ... تزولُ به البلوى وينكشفُ الضُّرُّ،
لقد عادتِ الأيّامُ وَهْيَ منيرةٌ ... يقطّبُ فيها الجورُ، والعدلُ يَفْتَرُّ
يوافقُ فيها فعلَك السَّعدُ، مثلَما ... يُلائم عالي مجدِك الحمدُ والشُّكرُ
وله من أخرى، كتبها إلي:
أشكو إليك من الأيّام، حيثُ نَبا ... صبري، وقَلَّ على تصريفها جَلَدِي
ولستُ أَعرِفُ لي دُنيا، سِوى سَعَةٍ ... في الفضل ضاقَ بها صدري وذاتُ يدي
الشريف علي بن أسامة
العلوي الحسيني الضرير
شاب ظريف، حسن الصوت.
كان ينادم الأكابر بإنشاد الأشعار المطربة الغزلة، كأشعار مهيار والرضي ومن يجري مجراهما، ثم ابتدأ يعمل شعراً، ويتكلف الصنعة فيه بالتجنيس والتطبيق. وكثر ذلك منه حتى غلب عليه النظم، ومهر فيه، وتمهر في نظمه، وحسنت ألفاظه وراقت.
فمما أنشدني من شعره، ما نظمه في عند ورودي واسط في عمل الوزير، سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
قدمتَ يا مَنْ رقاه في العلى قدمُ ... وقدمة شادَها التّأييدُ والقِدَمُ
يا مَعدِنَ الحسنِ والإحسانِ، يا ملكاً ... يَعُمُّ منه الورى الإكرامُ والكرمُ
يا عاقرَ البُدْنِ والأبدانِ، دامَ لك الْ ... إِنعام في الدَّهر، يا مَنْ قولُه نَعَمُ
محمّد أنت محمودُ السَّجِيَّةِ، إِذْ ... نفت همومَ الورى عن عزمك الهِمَمُ
وأنت في عالَم الدُّنيا، بفضلك وال ... عِلمِ الغَزيرِ وإدراكِ العلى، عَلَمُ
هذا العزيز الَّذي ذَلَّت لِعزَّته ال ... عِدا، وعزَّ المُوالي فَهْوَ محترمُ
يا مُعرِبَ اللفظِ، يا مَنْ في الورى شَهِدت ... بفضله وعُلاه العُرْب والعجمُ
ومَنْ يقلّم أظفارَ الزَّمانِ، إذا ... أبدت له منه حُسنَ السِّيرة الشِّيَمُ
كم خُلَّةٍ منه سَدَّت خَلَّةً بنَدىً ... ومِنّةٍ من كُلوم طيَّها كَلِمُ
لا يملِكُ الذَّمُّ منه العِرضَ من أحد ... يوماً، ويملِكُه الميثاقُ والذِّمَمُ
حرمانُ راجيهِ جُرمٌ عندَه، ولِمَنْ ... يلجا إلى ظلّه من رَبْعه حَرَمُ
في الجود، سار أَمامَ النّاس عن أَمَم ... إلى مَدىً عجَزَت عن شَأْوه الأُمَمُ
قدِمتَ كالأمن بعدَ الخوفِ، أو كنُزو ... لِ الغيثِ، من بعدِ ما ضَنَّتْ به الدِّيَمُ
لا زِلتَ تبقى قَريراً في بُلَهْنِيَةٍ ... لخادم سَبقَت منه لك الخِدَمُ
ومما أنشدنيه أيضاً لنفسه، وقصدني ب الهمامية، في صفر سنة ستين وخمس مئة:
عَلامَ جَنَّبْتَ من السَّفْحِ العَلَمْوزُلْتَ بي سَلِمْتَ عن وادي سَلَمْ؟
стр. 141
وهذه الكُثبانُ من رمل الحِمى ... أَمامَ عينيك، تلوحُ عن أَمَمْ
أما ترى القلبَ، وقد قام لِقُرْبِ الدّارِ من غرامه على قَدَمْ؟
يا حادِيَ الأَظعانِ، رِفقاً، لا تُطِلْ ... سيراً، أَقِلَّ الحَثَّ، واحبِسِ النَّعَمْ
ففي الخِيامِ مُدْنَفٌ، تحسَبُهٌ ... من النُّحول بعضَ أَطنابِ الخِيَمْ
هذا، أخذه من قول صردر:
وكم ناحلٍ بين تلك الخِيا ... مِ، تحسَبُهُ بعضَ أطنابِها
أصبح بينَ مُغرِقٍ ومُحرِقٍ: ... دمعٍ، ونارٍ في الفؤاد تضطرمْ
كم جحَدَ السَّلْوَى فما أغنى، وكم ... كتَمها، والدَّمعُ يُبدي ما كتَمْ
فلم يُجِبْ قولي، كأنَّ قلبَه ... صُمُّ الصَّفا، أو حشوَ أُذنيه صَمَمْ
وراحَ يشدو، لا أُقِيلت عثرةٌ ... لِعيسِه، ولا سُقِي صَوْبَ الدِّيَمْ
أقسمت بالجمع على جَمْع ومَنْ ... أقامَ في ذاك المَقام واستلَمْ
ومَنْ صفا على الصَّفا وب مِنَى ... نالَ المُنَى، والمُحْرِمِينَ والحَرَمْ
إِنّيَ، مُذْ فارقت سُكّانَ الحِمى، ... فارقَ عينيَّ الكَرى ولم أَنَمْ
وإِنَّ قلبي، مُذْ نأى خُلاّنُه ... عن الحِمى، بينَ ضُلوعي لم يُقِمْ
يا قلبُ، دَعْ عنك الهوى، وارجِعْ إلى ... حُسن التُّقَى، والبَسْ حميداتِ الشِّيَمْ
فهذه الدُّنيا متى دانت نَبَتْ، ... وغيرُ فعلِ الخير يُورثُ النَّدَمْ
كم غادرت بغدوها شَبِيبةً ... أَنيقةً، فبدَّلَتْها بالهَرَمْ
وصرفت بصَرْفها عن ذي قُوَى ... صِحَّتَهُ، وعَوَّضتها بالسَّقَمْ
ومن مديحها:
واللهِ، ما نالَ العلى غيرُ امْرِئٍ ... أضحى وأمسى بالعَلاء ملتهم
حَبْرٌ، فصيحٌ، لَسِنٌ، مُفَوَّهٌ ... أَحكامُه تنطِقُ فينا بالحِكَمْ
سِيرتُه والوجهُ منه، كشَفا ... عن الورى الظُّلْمَ العَمِيمَ والظُّلَمْ
في وجهه بدرٌ، وفي بَنانه ... بحرٌ من الجود، وفي الأنف شَمَمْ
قد فاق قُسّاً في البيان، وشَأَى ... في البأس عَمْراً، والنَّدَى بَذَّ هَرِمْ
يا صاحبَ الإِنعامِ، بل يا عاقرَ الْ ... أَنعامِ، يا ساحبَ أَذيال النِّعَمْ
يا ابنَ العزيزِ، دُمت في العزِّ، فقد ... فاقت يداك بالنَّدَى صَوْبَ الدِّيَمْ
وسمعت، بعد سفري إلى الشام، أنه لحق بالخبير العلام، وضمت عليه أضلاع الرجام.
أبو العز المغني
المعروف ب البقري العواد.
وجدت له في بعض المجاميع هذين البيتين:
ووردةٍ، غَضَّةِ القِطافِ، زَهَتْ ... بمنظر في العُيون مرموقِ
كأَنَّها خدُّ عاشقٍ دَنِفٍ ... حُفَّ بلون من خدّ معشوقِ
стр. 142
/// الأديب الغزي أبو إسحق إبراهيم بن عثمان بن محمد الكلبي ثم الأشهبي المعروف بالغزي .
مولده غزة الشام، وانتقل إلى العراق وإلى خراسان وأصفهان وكرمان وفارس وخوزستان، وطال عمره، وراج سعر شعره، وماج بحر فكره، وأتى بكل معنى مخترع، ونظم مبتدع، وحكمة محكمة النسج، وفقرة واضحة النهج، وكلام أحلى من منطق الحسناء، وأعلى من منطقة الجوزاء. فكم له من قصائد كالفرائد، وقلائد كعقود الخرائد، وغرر حسان، ودرر وجمان.
وله في خطبة ألف بيت جمعها من شعره يصف بها حاله نثراً، ويذكر فضيلة الشعر، ويقول: إن الشعر زبدة الأدب وميدان العرب، كانوا في جاهليتهم يعظمونه تعظيم الشرائع، ويعدونه من أعلى الذرائع. وجاء الإسلام فأجراه على الرسم المعهود في قطع لسان قائله بالجود. وإذا طالعت الأخبار، وصح عندك ما فاض من إحسان النبي ﷺ على حسان، وثابت بن قيس، وخلعه البردة على كعب بن زهير، واهتزازه للشعر الفصيح، وقوله: إن من الشعر لحكماً علمت أن إكرام الشعراء سنة ألغاها الناس لعمى البصائر، وتركيب الشح في الطباع. وقد كنت في عنفوان الصبا، ألم بخزامى الربا، وأنظمه في غرض يستدعيه، لأذن تعيه، فلما دفعت إلى مضايق الغربة جعلته وسيلة تستحلب أخلاف الشيم، وتستخرج درر الأفعال من أصداف الهمم، حتى إذا خلا من راغب في منقبه تحمد، ومأثرة تخلد، وثبت من الانزواء على فريسة لا يزاحمني فيها أسد، ولا يرضى بها أحد. على أن من سالمه الزمان، أجناه ثمر الإحسان، ومن ساعدته الأيام، أعثرته على الكرام..
стр. 143
هذا يقوله الغزي وفي الكرام بقية، والأعراض من اللؤم نقية، وقد ظفر بحاجته من الممدوحين: كعمي العزيز بأصفهان، والصاحب مكرم بكرمان، والقاضي عماد الدين طاهر بشيراز، الذي أمن بجوده طارق الإعواز، وكانت جائزته للغزي وللقاضي الأرجاني وللسيد أبي الرضا وأمثالهم المعتبرين، لكل واحد ألف دينار أحمر على قصيدة واحدة. فما أقول أناف ي زماننا هذا، وقد عدمنا فيه من يفهم، فضلاً عمن ينعم. ولقد صدق الغزي في قوله:
قالوا: هجرتَ الشعر، قلتُ: ضرورةً ... باب الدواعي والبواعث مُغْلَقُ
خَلَتِ الديار فلا كريمٌ يُرتَجى ... منه النوال، ولا مليح يُعْشَق
ومن العجائب أنه لا يُشترى ... ويُخان فيه، مع الكساد، ويُسرق
الغزي حسن المغزى، وما يعز من المعاني الغر معنى إلا يعزى، يعنى بالمعنى ويحكم منه المبنى، ويودعه اللفظ إيداع الدر الصدف، والبدر السدف. فمن أفراد أبياته التي علت بها راياته، وبهرت آياته، ولم تملل منها غاياته، قوله:
مدحتُ الورى قبله كاذباً ... وما صدق الصبح حتى كَذَب
وقوله:
إذا قلّ عقل المرء قَلَّتْ همومه ... ومن لم يكن ذا مُقلةٍ كيف يرمَد
وقوله:
فقد تُصْقَل الضَّبّاتُ وهي كليلةٌ ... ويصدأ حَدُّ السيف وهو مُهَنَّد
وقوله:
تسمَّى بأسماء الشهور، فكَفُّه ... جُمادى، وما ضمّت عليه المحرّم
وردده في معرض أحسن منه، فقال:
أنت جُمادى إذا سُئلت ندىً ... ويوم تُدْعى إلى العلى رجبُ
وقوله:
لعلّ هدوءاً في التقلقل كامنٌ ... لأجل سكون الطفل حُرّكَ مَهْده
أعاد هذا المعنى في قصيدة أخرى:
سُكونٌ بِهزّ اليَعْمَلات اكتسبتُه ... كما سكَّن الأطفالَ هزُّ مُهودها
وقوله:
والناسُ أهدى في القبيح من القَطا ... وأضلُّ في الحُسنى من الغِربان
وهذه وأمثالها كثيرة في شعره، منيرة في تباشير فجره.
وقوله أيضاً في الشمع:
إني لأشكو خطوباً لا أُعيّنها ... ليبرأَ الناس من لومي ومن عَذَلي
كالشمع يبكي ولا يُدْرى أَعبرتُه ... من صحبة النار أم من فُرقة العسل
روى بعضهم من حُرقة النار أو من فرقة العسل محافظة على التجنيس اللفظي، وأنا أرويه صحبة النار للتطبيق المعنوي. وسمعت أكثر أشعاره من جماعة من الفضلاء كابن كاهويه وابن فضلويه وسيدنا عبد الرحيم بن الأخوة وغيرهم.
ومن جملة قصائده قصيدته التي أجاز بها المعري في كلمته:
هاتِ الحديث عن الزَّوْراء أوْ هِيتا ... وموقِدِ النار لا تكرى بِتَكْريتا
وقصيدة الغزي:
أَمِطْ عن الدُّرَرِ الزُّهر اليواقيتا ... واجعلْ لحجّ تلاقينا مواقيتا
فثغرُك اللؤلؤ المبيضّ لا الحجر ال ... مُسْودّ، لاثمه يطوي السَّباريتا
واللثم يُجْحف بالملثوم كرّته ... حاشا ثناياك من وَصْمٍ وَحُوشيتا
قابلتَ بالشَّنَب الأجفانَ مُبتسماً ... فطاح عن ناظريْك السحرُ منكوتا
فكان فوك اليدَ البيضاء جآء بها ... موسى، وجفناك هاروتاً وماروتا
جمعتَ ضدَّين كان الجمع بينهما ... لكلّ جمعٍ من الألباب تَشْتيتا
جسماً من الماء مشروباً بأعيننا ... يَضُمُّ قلباً من الأصلاد منحوتا
مِسْكاً حسبتُ فؤاداً صار فيك دماً ... فلا يغادَر مَسْحوقاً ومَفْتوتا
لو كان كلُّ دمٍ مِسْكاً لصاك بنا ... ما يخضِب السمرَ والبيض المصاليتا
كِباءُ ذكرك أذكى الطيبِ رائحةً ... سنا مُحَيّاكَ ردّ البدر مبهوتا
فَضَحْت بالجَيَدِ الغِزلان مُلْتفِتاً ... ولم تكن عن صِيال الأُسد مَلْفوتا
فهُنّ ينفِرن من خوف ومن وَجَلٍ ... لبعضهن ويسكنّ الأماريتا
عَذَرْتُ طيفك في هجري وقلتُ له ... لو اهتديت سبيلاً في الكرى جيتا
أنّى، ودونك من سمر القنا أَجَمٌ ... مَرَّ الشجاع بها فانصاع مسؤوتا
стр. 144
ومنها في وصف الترك وما سُبق إلى هذا المعنى:
وفتيةٍ من كُماة الترك ما تركت ... للرعد كبّاتهم صَوْتاً ولا صِيتا
قومٌ إذا قُوبلوا كانوا ملائكة ... حُسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
مُدّت إلى النهب أيديهم وأعينهم ... فزادهم قلق الأحداق تثبيتا
بدار قارون لو مرّوا على عجلٍ ... لبات من فاقةٍ لا يملك القوتا
بالحرص فَوَّتني دهري فوائده ... وكلما زدت حرصاً زاد تفويتا
حبلُ المنى مثل حبل الشمس، متصلاً ... يُرى، وإن كان عند اللمس مبتوتا
فلا تقل ليت صرف الدهر ساعدني ... فإنّ في لَيْتَ أَوْماً يقطع اللِيتا
وشاوِرِ السيف فيما أنت مُزْمعُه ... فالله نبّت منه العز تنبيتا
واحرّ قلباه من قوم سواسية ... لما دَعَوْني سُكَيْتاً ظِلْتُ سِكّيتا
والجهل لو كان عوداً يجتني ثمراً ... للعندليب لأمسى فوقه حوتا
دنيا اللئيم يدٌ في كفها بَرَصٌ ... وكل من لمسته صار ممقوتا
كُفْرٌ رجاؤك مَنْ لا فهمَ يَصْحَبُه ... كان الغبيّ لمن يرجوه طاغوتا
ما سامعٌ بيتَ شعرٍ ليس يفهمه ... إلا كطارق بَيْتٍ ما حوى بيتا
لا تفخرنّ بما جاد الزمان به ... ما كلّ من جاب مَرْتاً كان خِرّيتا
كم من بكور إلى إحراز مَنْقَبَةْ ... جَعَلْتَه لعُطاسِ الفجر تسميتا
بعزمة لو غدا كيوان حاسدها ... لبات في الفلك العلوي مكبوتا
يا خاطراً موته بالأمس أخرسني ... أُنْطِقْتَ بالحاجب الكافي وأُحييتا
أغناك عن كل مِنطيق، ولا عجب ... وُرُودُك البحرَ ينسيك الهراميتا
سلمان، سُلِّم، من عَزّت مطالبه ... بُعداً فخاف من الأعداء تبكيتا
مَنْ زيّن الوزراء الشُّمَّ مجتبياً ... وشرّف الرؤساء الغرّ منعوتا
في العلم والجسم لا تخفى زيادته ... فهل أعادت لنا الأيامُ طالوتا
أقلامه الشَمَع المرغوب فيه ضُحىً ... ما صافحتْ نارُه زَنْداً وكبريتا
أما ترى أن قطّ الرأس أصلحها ... فزاد جِرْمُ سناها بعد ما ليتا
وحسبها من ضياء نسجُها حُلَلاً ... من منطق لم يكن بالهُجْر مسحوتا
عبارة كزَليخا بهجةً، لقيت ... خطَّا كيوسف إذ قالت له هِيتا
كن يا أبا الفتح مفتاح النجاح لنا ... وصارماً في خطوب الدهر إصليتا
يا مَنْ هو البحر جوداً والأَضا نسباً ... جُدْلي بما شئت قد أدركت ما شيتا
وله من قصيدة في مدح الصاحب مكرم بكرمان وقد قصد التجنيس في أوله:
وُرود ركايا الدمع يكفي الركائبا ... وشَمُّ تراب الربع يَشْفي الترائبا
إذا شِمتَ من برق العقيق عقيقةً ... فلا تنتجع دون الجفون سحائبا
منازل أُنسٍ من رَبائب مازنٍ ... ألثَّ رَبابُ المزن فيهنّ ساكبا
ومرّتْ عليها البيضً والسود برهةً ... فَبّدَّلْنَها بالبيض أسودَ ناعبا
تفرّد واجتاب السواد فخلتُه ... من الزُّهد فيما يجمع الشمل، راهبا
حملنا من الأيام ما لا نُطيقه ... كما حمل العظمُ الكسيرُ العصائبا
وليلٍ رجونا أن يَدِبَّ عِذارُه ... فما اختط حتى صار بالفجر شائبا
فلا تحمَدِ الأيام فيما تفيده ... فما كان منها كاسياً كان سالبا
ومنها في صفة العيس:
وعيسٍ لها برهان عيسى بن مريمٍ ... إذا قتل الفَجُّ العميق المطالبا
يُرَقِّصهنَّ الآلُ إمّا طوافياً ... تراهُنَّ في آذيَهٍ أو رواسبا
стр. 145
سوابح كالنينان تحسب أنني ... مسخت المطايا إذ مسحت السباسبا
تَنَسَّمْن من كِرمان عَرْفاً عَرَفْنَه ... فهنّ يلاعِبْن المِراح لواغبا
ومنها:
إلى ماجدٍ لم يقبل المجدَ وارثاً ... ولكن سعى حتّى حوى المجد كاسبا
كأنَا بضوء البِشْر فوق جبينه ... نَرى دونه من حاجب الشمس حاجبا
تُصيخُ له الأسماع ما دام قائلاً ... وتعنو له الأبصار ما دام كاتبا
ولم أر ليثاً خادراً قبل مُكرَم ... ينافس في العليا ويعطي الرغائبا
ولو لم يكن لَيْثاً مع الجود لم يكن ... إذا صال بالأقلام صارت مخالبا
فكم قَطَّ رأساً ذا ذوائب، قَطُّهُ ... لهنّ رؤوساً ما حملن ذوائبا
إذا زانَ قوماً بالمناقب واصفٌ ... ذكرنا له فضلاً يزين المناقبا
له الشِّيَمُ الشُمُّ التي لو تجسمت ... لكانت لوجه الدهر عيناً وحاجبا
ثنى نحو شمطاء الوزارة طرفه ... فصارت بأدنى لحظةٍ منه، كاعبا
تناول أُولاها وما مدَ ساعداً ... وأحرز أُخراها وما قام واثبا
وما دافِعُ القوسِ الشديدةِ مَنْزعاً ... برامٍ، ولكن مُخْرِجُ السهم صائبا
غزير الندى، لولا ينابيع سَيبِه ... لأصبح ماء الفضل في الناس ناضبا
عَريتُ من الآمال عِزاً وثروةً ... وكنتُ إلى ثوب المطامع ثائبا
بكفٍ ترى فيْض الندى من بنانها ... على كلِّ مَنْ تحت السماوات واجبا
عوارف من إحسان مذ عرفتها ... نوائب عني يوم أخشى النوائب
ومن حسنات الواردِ البحر أنه ... يرى مُذْنِباً من لا يَعاف المَذَانبا
ومنها:
طلعتَ طُلوع الفجر، والليلُ غُيْهَبٌ ... فحلّيتَ بل جَلَّيْتَ تلك الغَياهبا
وَرُقْتَ كتاباً يوم رُعْتَ كتيبةً ... فواقَعْتَ، مِتلافاً، وَوَقَّعْتَ، واهبا
تَدقّ كعوب الرمح في كلّ دارعٍ ... وتقتضّ أبكار المعالي كواعبا
وكم حَذِرَتْ منك المنيةُ حتفَها ... وقام القنا لما تنمرت هائبا
ومنها يصف وقوعه بالخوارج:
ويوم العُمانيّين، ماجُوا وفوقهم ... سماء قِسِيٍّ ترسل النبل حاصبا
قلوبُهم اسودَّتْ، وصارمُك اشتكى ... مَشيباً، فلم تُعْدِمْهُ منهن خاضبا
فأصبح جسمُ الجامد القلب منهم ... بقلب الحديد الجامد الجسم ذائبا
وَهُمْ ذنبٌ بَتَّ المهلَّبُ رأسه ... فكنت لما أَبْقى المهلب هالبا
رأَوْك ولم تحضر، ومن كان فضله ... محيطاً فما يُسْمى، وإن غاب، غائبا
أشرتَ من التدبير، والبحر بينكم ... بنجمٍ رآه الجيشُ في البرّ ثاقبا
ومِن قبلك الفاروق جاء بمثلها ... وكان على عود المدينة خاطبا
دنت، يوم أَوْمى، من نهاوند، يثربٌ ... فنادى: ألا ميلوا عن الطود جانبا
بدا بك وجه الدين أبيضَ مشرقاً ... ووجه عدوّ الدين أسودَ شاحبا
شفى وصبَ الهيجاء سيفُكَ فلْيدُمْ ... لك العزّ، ما كرّ الجديدان، واصبا
ومن قصيدة له في مدحه أيضاً:
نُسِخَتْ برِفدكَ آيةُ الحرمان ... وعَلَتْ لوفدك رايةُ الإحسان
يا ناصر الدين الذي أمطاه ظ ... هرَ المجد مظْهِرُه على الأديان
يُمناك غيث ما استهلّ غَمامُهُ ... إلاّ غرقتُ بأيسر التَّهْتان
وصِفات مجدِك لا تكلّف عندها ... ألفاظ من وصف الكرام معان
خُلِقت مساعيك الشريفة في العلى ... بمثابة الأرواح في الأبدان
وانقضّ عزمُك فوق كلّ مُلمَةٍ ... كالشهب أو كثواقب الشهبان
أيَّدتَ فضلك بالتفضّل، والعلى ... شطران: خطُّ يدٍ وخطُّ لسان
следующие страницы →