Полный текст (895 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
إشربْ فقد جادتِ الأوقاتُ بالفرح ... وأتحفتنا بأسبابٍ من المِنَح
من كفِّ ظبيٍ تخيّلناهُ حين بدا ... يحثّ في شربنا والديكُ لم يصِحِ
بدراً يُناولنا في الليل من يده ... شمساً من الرّاحِ في صبحٍ من القدحِ
أبو عليّ الفرج بن محمد بن الأخوة
المؤدّب البغدادي. من الشعراء المشهورين، مشهود له بالفضل الوافر، وحدّة الخاطر، واختراع المعاني الأبكار، وافتراع بنات الأفكار. كان أوحد عصره، في نظمه ونثره. سلس اللّفظ، رائق المعنى، سلس الأسلوب، ذو الدُرّ الجَلوب، والبِشر الخَلوب.
توفّي يوم الجمعة، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة ستّ وأربعين وخمس مئة.
أنشدني الشيخ أبو المعالي الورّاق، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه، وقد قصد بعض الرؤساء، فاحتجبه:
شكري لمحتجبٍ عنّي بل سببِ ... خوفاً من المدحِ شكرُ الروضِ للسّحبِ
أعادني والمحيّا ما أُريقَ له ... ماءٌ وخلّصني من كلفةِ الكذبِ
وله في غلام نصراني، علي ثوبٌ أحمر:
ومُزنّر فتنت محاسنُ وجهِه ... إذ زار في ثوب كلون العندمِ
ما زال يجهَد في هلاك حُشاشتي ... متعمّداً حتى تسربلَ من دمي
عاتبتُه يومَ الفِراق فقال لي ... أنا لا أرى رَعْيَ الذِّمامِ لمسلمِ
وله من قصيدة في شرف الدين أبي القاسم عليّ بن طراد الوزير، الزّينبي:
أقولُ لأحبابي وللعيسِ وقفةٌ ... وللبينِ فيما بيننا نظرٌ شزْرُ
هَبوني لعينٍ مات فيكم رُقادُها ... فليس له فيها حياةٌ ولا نشْرُ
لقد بلغتْ منّا النّوى ما تُريده ... وفرّقَ ما بيني وبينَكمُ الدّهرُ
بكيتُ على عصرِ الشباب الذي مضى ... بكاءَ لَبيدٍ ضمّ أرْبدَهُ القبرُ
فأثمر دمعي بالغرام كأنّما ... عليه لسِيما دمعه ورقٌ خُضرُ
ومنها:
إذا شرفُ الدّين استثار مدائحي ... تيقّنتُ أنّ الزّهرَ يُنبتُه القَطرُ
يملّى من الأيامِ والمجدِ والعلى ... مكارمُه شفْعٌ ومحتدُه وِترُ
وأدنيتَني حتى رفعتَ مكانتي ... كذاك بناتُ البحرِ موضعها النّحرُ
إذا ما رجا الإنسانُ عمراً لنفسِه ... رجوتُ لنفسي أن يطولَ لك العمرُ
ومنها:
نوالُهمُ في عاجلِ الحالِ لي غنىً ... وحبُهُمُ في آجلِ الأمرِ لي ذُخرُ
إليك ابنَ أعراقِ الثرى من قلائدي ... فرائدَ لا ينشقّ عن مثلِها البحرُ
قصائدُ تأتيكُم بكلّ غريبةٍ ... وكلّ مديحٍ دون مسموعِها هُجرُ
دقيقُ المعاني فيكمُ غيرُ ضائع ... كذا في دقيقِ السّلك ينتظمُ الدُرُّ
تحيّر فكري في القَريض فما درى ... أشعريَ فيك الوصفُ أم وصفُك البدرُ
وله:
خُذْ من شبابِك نوراً تستضيء به ... فالشّيبُ إصباحُه في اللهوِ إمساءُ
العمرُ عينان عينٌ منه مبصرة ... مع الشّبابِ وعينُ الشّيبِ عمياءُ
وربّ ليلٍ مريضٍ كنتَ صحّتَه ... عزّت أواسيهِ أو عزّتْه أدواءُ
يسيرُ فيه وفي قلبي أذىً وضنىً ... كأنّني دلَجٌ والسّوءُ إسراءُ
والشّهبُ ثغْرٌ وآفاقُ الظّلامِ فمٌ ... والقذْفُ لفظٌ وضوءُ الماءِ سحْناءُ
حتّامَ عينُك ما تنفكّ جاريةً ... ماءً ومُقلتُها بالبرقِ قمْراءُ
تضرّم البرقُ فيها وهي باكيةٌ ... كأنّها قبَسٌ من حولِه ماءُ
وله:
يا حاملَ السّيفِ الصّقيل مجرّداً ... في جَفنِه المعشوقِ لا في جفنِهِ
اللهَ في كلِفِ الفؤادِ كئيبِه ... والنارُ بين ضُلوعِه من حُزنِه
وسجنتَهُ في ناظريك تعمُّداً ... لتُميتَه وحويته في سجنِه
وله:
ولما أسرّتْ بالوَداعِ وقد دنت ... إليّ ودمعي في ثرى الأرضِ واقعُ
هو الدرّ لما أودعته بلفظِه ال ... مسامعَ ألقتها لدَيها المدامعُ
стр. 37
وله في وصف فرس أغرّ محجّل، وقد أجاد:
لبِس الصُبحَ والدُجُنّةَ بُرْدَيْ ... نِ فأرخى بُرْداً وقلّص بُرْدا
هذا البيت أنشدنيهِ غيرُ واحدٍ عنه.
وله:
وإنّ شباباً للغواني مُسالماً ... الى النّفس خيرٌ من مشيبٍ مُصانعِ
تفرّقتِ الألاّفُ والحُبّ واحدٌ ... كما الأذُن أذنٌ وهْي شتّى المسامعِ
وله:
خليليّ صبغُ الليلِ ليس يحولُ ... وما للنّجومِ الطّالعاتِ أفولُ
خليليّ قُوما فانظُرا هل لديكما ... لقلبي الى قلب الصّباحِ رسولُ
لعلّ به مثلَ الذي بي من الهوى ... فتُخفيه عنّي دِقةٌ ونُحولُ
ولما التقينا بين لُبنان فالنّقا ... وقد عزّ صبرٌ يا أميْمُ جميلُ
ولاحت أماراتُ الوداعِ وبيننا ... أحاديثُ لا يشفى بهنّ غليلُ
بكيتُ الى أنْ حنّ نِضْوي صَبابةً ... ورقّ وَجيفٌ للبُكا وذَميلُ
وقال الهوى للبَين فيه بقيةٌ ... وقال الغواني إنّه لقَتيلُ
وأنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه:
أنا الحمامة غنّت في فضائلكم ... فكيفَ أرحلُ عنها وهْيَ بستانُ
أخذه من قول ابن الهبّارية:
المجلسُ التّاجيّ دام جمالُه ... وجلالُه وكمالُه بستانُ
والعبدُ فيه حمامةٌ تغريدُها ... فيه المديحُ وطوقُها الإحسانُ
وله:
وشاعر تخدُمُه الأشعارُ ... له القوافي العونُ والأبكارُ
فُرسانُه قد أنجدوا وغاروا ... في كلّ غارٍ لهمُ مَغارُ
ومنها في غاية اللطف:
أينَ أُهَيلوكِ الألى يا دارُ ... يبقى الأسى وتنفَدُ الأوطارُ
وقرأت بخطّ السّمعاني أبي سعد: أنشدني الفرج بن أحمد لنفسه:
ما لي وللدّهر لزّتْني إساءتُه ... كما تُلزّ الى الجرباءِ جرباءُ
أساوِدٌ من مساويه تُناقشني ... إن فُهْتُ بيضاء فاهت منه سوداءُ
والحظّ يرفعُني طوراً ويخفضُني ... كأنّني من قَوافٍ وهْوَ إقواءُ
وبخطّه: أنشدني لنفسه من قصيدة:
نعم هذه الدارُ والأنعُمُ ... أتُنجدُ يا قلبُ أم تُتهِمُ
وقد يستفيقُ هوىً لا يُفيقُ ... ويشقى الفتى مثلما ينعَمُ
وقفنا وقد ضرعَتْ للنّوى ... مدامعُ لو أنّها ترحَمُ
وفوق الرِّكابِ غُلاميّةٌ ... كما ذُعِر الشّادِن المِرجَمُ
تصابِحُ روضاً كأنّ الحبي ... رَ والوَشْيَ من حوْكه يُرقَمُ
بكت لؤلؤاً كاد لو أنّه ... تماسَك في جيدِها يُنظَمُ
وشتان ما بيننا في البكا ... ودمعُك ماءٌ ودمعي دمُ
فقالَ الهوى لدواعي الغرا ... مِ إنّ بنا هلَكَ المغرَمُ
من الرّكْبِ تلوي سناتُ الكرى ... رقابَهمُ كلّما هوّموا
يناجون بالمُقَل الفاترا ... تِ سماءً مسامعُها الأنجمُ
يقصّون من لفَظاتِ الجفو ... نِ أحاديثَ لو أنّها تفهمُ
وله من قصيدة:
دمي الذي صار مسكاً في نوافجها ... فكيفَ تنفِرُ عنه وهْيَ غِزلانُ
ومنها:
روضاتُ حسنِك في عينيّ مونِقةٌ ... تسقى بماء جفوني وهْيَ صِنْوانُ
مقدار بن بختيار أبو الجوائز المطاميري
شاعر الدولتين: المستظهرية، والمسترشدية. ومدح صدَقة. وكان له قبول عند الأماثل، خاصّة عند جمال الدولة إقبال الخادم المسترشديّ.
أبو الجوائز مقدار ساعده المقدار في الأمور، ورُزق جوائز الأكابر والصدور.
وسمعت أنّه كان يحبّ الخمول، ولم يزل خلَق الثّياب.
شعره رقيق، بالثّناء عليه حقيق.
وقد سارت له هذه القطعة، أنشدنيها، وهي:
ومجدولةٍ مثلِ جدْلِ العِنانِ ... صبوتُ إليها فأصبَيْتُها
إذا لام في حبّها العاذلا ... تُ أسخطتُهُنّ وأرضيتُها
стр. 38
كأنّي إذا ما نهيتُ الجفونَ ... عن الدّمع بالدّمع أغريتُها
فلو أنّني أستمدّ البحورَ ... دموعاً لعينيَ أفنيتُها
ولو كان للنّفسِ غيرُ السّلوّ ... عنكِ دواءٌ لداويتُها
وأخبرنا الشيخ أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الحسين بن اليزْدي فيما أجازه لنا، قال: أنشدني أبو الجوائز:
سرّ هوىً لم يذِعِ ... لولا وُشاةُ أدمُعي
ينشُرن من داءِ الغرا ... مِ ما طوته أضلُعي
قالوا جزِعْتَ والفِرا ... قُ آمري بالجزَعِ
حتى استسرّ آفِلاً ... كلّ منيرِ المطلَعِ
أنجدَتِ الدارُ بهم ... وأتهمَ الوجْدُ معي
لم يكُ عهدي بالحِمى ... أوّلَ عهدٍ ما رُعي
ولا وقوفي سئلاً ... ذاتَ خشوعٍ لا تعي
كم شفَع الوجدُ بها ... من أنّةٍ بمصرعي
لا رام قلبي سَلوةً ... عن ريم ذاك الأجرَعِ
ولا أصاخَ سامعاً ... للعذْلِ فيه مسمعي
لهفي على رُضابِه ... والبرَدِ الممتِّعِ
لهفَ العطاشِ حُوّماً ... على بَرودِ المشرَعِ
يا ليتَ إيماضَ البُرَيْ ... قِ عن يمين لَعْلَعِ
لما بدا اختلاسُه ... لناظري لم يلمَعِ
فلم أشِمْ وميضَهُ ... لمّا أقضّ مضجَعي
وساجعٍ لولا اغترا ... بُ إلفِه لم يسْجَعِ
يدعو فيستدعي الهوى ... لكلّ قلبٍ موجَعِ
وله في غلام أمرد، مجروح الخدّ، وأحسن:
وأغيدٍ تخجلُ شمسُ الضُحى ... من وجهه والغصنُ من قدّهِ
جرّد سيفَ اللّحظِ من جفْنه ... فعادَ بالجرحِ على خدّه
وله في العِذار، وأغرب:
وكأنّ خيطَ عِذارهِ لما بدا ... خيطٌ من الظّلماء فوقَ صباحِ
وكأنّ نملاً قيّدت خُطُواتِه ... في عارضيْهِ فدبّ في الأرواح
هذا في رقّة الماء الزُلال، ودقّة السحر الحلال.
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل بن الخازن لمقدار بن المطاميري:
إنْ حالَ في الحبِّ عما كنتُ أعهدُه ... وباتَ يرقدُ ليلاً لست أرقدُهُ
فلا طويتُ الحشا إلا على حرَقٍ ... يبلى من الصّبرِ عنهُ ما أجدّدُهُ
يا عاذلي إنّ يومَ البيْن ضلّ هوى ... قلبي المُعنّى فقل لي أين أنشدُه
زار الخيالُ طَليحاً طالما أنِسَتْ ... جُفونُه بالكرى أو لانَ مرقدُه
ألاً به زائراً تُدنيه من جسدي ... ضمائري وخُفوقُ القلبِ يُبعدُه
وله في امرأة طويلة الذّوائب:
وفَينانةِ الفرْعِ فتّانةٍ ... تُطيلُ على الهجْرِ إقدامَها
تعجّبَ من مشيِها شعرُها ... فقبّلَ في المشي أقدامَها
وله:
لقد سلبَتْ عقلي الغداةَ وليتَها ... غديّةَ بانَ الحيُّ لم تستلبْ عقلي
أرى العذْلَ يحلو عندَ سمعي لذكرها ... وإن كان لا شيءٌ أمرّ من العذلِ
وله، وقد ألمّ فيم ببيتيْ ابن حيّوس:
قرائنُ لا فَضَّ الزمانُ اجتماعَها ... ولا اخلفتْ ما راعَ أمنَ الدُجى فجرُ
عُفاتُك والجدوى وقدرُك والعلى ... وعدلُك والدنيا ووجهُك والبِشرُ
وبيتا ابن حيّوس، هما:
ثمانيةٌ لم تفترقْ مُذْ جمعتَها ... ولا افترقتْ ما ذبّ عن ناظرٍ شفْرُ
يقينُك والتّقوى وجودُك والغِنى ... وهمّكَ والعليا وعزمُك والنّصرُ
وحكي عنه: أنّه كان واقفاً عند سيف الدولة صدَقة المزْيَدي، والقائد أبو عبد الله السِّنْبِسيّ يُنشده قصيدته التي منها:
فعُدنا وقد روّى السلامُ قلوبَنا ... ولم يجرِ منا في خروقِ المسامعِ
ولم يعلَمِ الواشونَ ما كان بيننا ... من السرِّ لولا ضجرةٌ في المدامعِ
стр. 39
فطرِب لها سيف الدّولة، وما ارتضاها مقدار، فقال سيف الدولة: يا مُقَيدِيرُ، ما تقول؟ قال: أقول خيراً منه. قال: أخرج من عهدة دعواك. فأنشد مقدار في الحال هذه الأبيات على الارتجال، وهو سكران، وهي:
ولمّا تناجَوا للفراق غديّةً ... رمَوا كلّ قلبٍ مطمئنّ برائعِ
وقفنا ومنّا حنّةٌ بعدَ أنّةٍ ... تقوِّمُ بالأنفاسِ عوجَ الأضالعِ
مواقفَ تُدمي كلّ عشواءَ ثرّةٍ ... صَدوفِ الكرى إنسانُها غير هاجعِ
أمِنّا بها الواشينَ أن يلهَجوا بنا ... فلم نتّهم إلا وُشاةَ المدامعِ
وأعطاني سديد الدولة بن الأنباريّ قصيدة لمِقدار فيه، في دَرْج بخطّه، فنقلتها منه. وهي:
أهدى خَيالاً الى خيالِ ... محكِّمُ الهجْرِ في وِصالي
فبات زُورُ الكرى يُريني ... مقتنصَ الأُسدِ في حِبالي
يا ليلةً ساعفتْ مَشوقاً ... فداءُ ساعاتِك الليالي
أعطيتِ كل المُنى فشكراً ... لِما توخّيتِ من فَعالِ
وفي قِباب الرِّكابِ بدرٌ ... تاهَ جمالاً على الجمالِ
هزّ قضيباً على قضيبٍ ... رغّب في الوجْدِ كلّ سالي
كم راعني في الصّباح غدراً ... وفي ظلام الدُجى وفَى لي
إذا رنا من كَحيل طرْفٍ ... أغزلَ من مُقلةِ الغزالِ
أرخصَ قتلَ النّفوسِ عُجبً ... وهي على غيره غَوالي
في خدّه للجمال خالٌ ... قلبي من الصّبر عنه خالي
علّمني حُسنُه خضوعاً ... علّمهُ عِزّةَ الدّلالِ
يا صاحبي والأبيّ منْ لا ... يُخطِرُ خوفَ الرّدى ببالِ
كم يأكلُ الغِمدَ غرْبُ ماضٍ ... يَغْنى بغربَيْه عن صِقالِ
ويشتكي والشّكاةُ مما ... ينوبُ عارٌ على الرّجالِ
الفخرُ في كسبك المعالي ... والمجدَ ما الفخرُ كسبُ مالِ
قد أمِنَتْ من خطوبِ دهري ... جوانحي عائرَ النِّبالِ
أو ينتحيني الزّمانُ كيداً ... يُعيرُ إقدامه احتمالي
واليومَ أعطى الأمانَ سرْبي ... من طُلسِهِ والقُوى حبالي
لما تفيّأتُ ظِلّ عزٍّ ... غيرَ مُصيخٍ الى انتقالِ
وعاد هَضْبي عن اللّيالي ... أمنعَ من أعصم الجِبالِ
تستغرقُ السّهمَ لي حِذاراً ... يا نابلَ الدّهرِ عن نِصالي
إنّ ابنَ عبدِ الكريم أحيا ... بجوده أعظُمي البوالي
خوّلني أنعُماً جِساماً ... تصونُ وجهي عن السُؤالِ
ونائلاً يفضُلُ الغوادي ... فضلُ يمينٍ على شِمالِ
فما أُبالي أضنّ بُخلاً ... أم جاد بذلاً أخو نَوالِ
يا راكباً يقطعُ الفَيافي ... وخْداً بمأمونة الكَلالِ
ناجيةً تقصُرُ الموامي ... ذَرعاً على الأذرُع الطِّوالِ
كأنّها مُعصفٌ طَلوبٌ ... تشرَعُ في عاصفٍ شمالِ
تبغي النّدى والنّدى مُباحٌ ... حيثُ اطمأنّت به المعالي
عندَ أمينِ الملوكِ أمنٌ ... لناشدِ الجودِ من ضلالِ
لاذَ بنُعماهُ حسنُ ظنّي ... فآلَ منه الى مآلِ
فانتاشني ناشطاً عِقالي ... وراشَني مُحسناً لحالي
وعمّني سَيْبُ راحتَيْه ... لأنّه خصّ بالكمالِ
مؤيّدَ الدّين دُمْ لعافٍ ... أشرفَهُ الدهرُ بالزُلالِ
ناجاك عن كاهلٍ طَليحٍ ... عجّ بأعبائه الثِّقالِ
فاستنقذْتهُ من اللّيالي ... يداك بالأنعُم الجِزالِ
واستجلِ غرّاءَ بنتَ فكرٍ ... تُزَفّ معْ غُرّة الهلالِ
تَزينُ ألفاظَها معانٍ ... تُلهي مَلولاً عن المَلالِ
стр. 40
تضوعُ أنفاسُها فيُنسي ... نسيمُ أنفاسِها الغَوالي
كأنّ كلّ القلوبِ قلبٌ ... صَبا الى سحرِها الحلالِ
تسهُلُ ألفاظُها ولكن ... غايتُها صعبةُ المَنالِ
تضمَنُ أمثالُها التّهاني ... لمُعوِزِ الشِّبهِ والمثالِ
ما كرّ عامٌ عَقيبَ عامٍ ... بلا انتقاصٍ ولا زوالِ
ونقلتُ من مجموع قصائد في مدح جمال الدّولة في الأيّام المسترشدية، منها:
أذالَ صونَ أدمعي في الدِّمَنِ ... حبسُ المطيِّ بعدَ بيْنِ السّكَنِ
أنشُدُ قلباً مُتهِماً أضلّه ... مُنجِدُه عنه شموسُ الظّعُنِ
وفي القِباب غادةٌ محجوبةٌ ... بالصّافناتِ والعوالي اللُّدُنِ
إن نظرت أراك رئماً طرْفُها ... أو خطرَتْ أرَتْك قدّ الغُصُنِ
تبسِمُ عن ذي أُشُر رُضابُه ... صهباءُ شُجّتْ بضَريب المُزَنِ
وإن رنت فمُقَلٌ عُذريةٌ ... تُقيمُ في الأحياء سوقَ الفِتنِ
يعذُبُ لي فيها العذابُ والهوى ... يحسُنُ فيه كلّ ما لم يحسُنِ
كم فرّقتْ من جلَد وجمعت ... يومَ النّوى بين حشا وشجَنِ
لِظاعِنِ الصّبرِ حواه قاطنٌ ... مستأنسُ الدمعِ نَفورُ الوسَنِ
ماذا على ذات اللّمى لو نقعَتْ ... ببرده غُلّةَ قلبي الضّمِنِ
آهٍ لإيماض البُرَيْقِ كلّما ... عنّ لعيني موهِناً أرّقني
وللنّسيم الحاجريّ كلّما ... صحّ سُرَى هبوبه أمرضني
هذا اللِّوى وذاك عذبُ مائِه ... إن لم تذُدٌ عنه فرِدْه واسْقِني
يدلّ أنفاسُ الصّبا طَليحَه ... عليه والعاذلُ قد أضلّني
يزعُمُ أنّ لومَه نصيحةٌ ... وهْوَ بها مُناصحاً يغُشّني
يا حاديَ العِيسِ وراءَ عيسِكم ... قلبٌ يُلَزُّ والشّجا في قرَنِ
دُلّوا على جَفني الكَرى لعلّه ... على خَيالٍ منكم يدُلّني
ليتَ حُلولاً باللِّوى تحمّلوا ... من الضّنى ما حمّلوه بدَني
أعذِلُ فيه كبِداً مشعوفةً ... على السُلوّ عنهمُ تعذلُني
يُنكرني الدّهرُ وسوفَ أمتطي ... غاربَ يومِ أيْوَمٍ يعرِفُني
أشرفَ بي حتى إذا تنسّمت ... هضابَهُ أخامِصي أزلّني
كم خفيت عنّي الأسودُ خيفةً ... فاليومَ كلّ أغضَفٍ ينبَحُني
مالي أغالي في الصّديق تائهاً ... وهْو على سوْمِ العِدا يُرخصُني
يفوِّقُ السّهمَ وسهمي أفوقٌ ... غدراً على بِرّي له يعُقّني
فما أُبالي والوفاءُ شيمتي ... كيفَ ثَنى الزمانُ عِطفَ الأخوَنِ
علّقتُ أطماعي فما تُسِفُّ بي ... ولا أمُدّ صفقةً للغبَنِ
وشامَ طَرْفي والبُروقُ خُلّبٌ ... بارقةً وميضُها يصدُقُني
شكراً لمن أنطقني سماحُه ... مُطّرداً والدهرُ قد أجرّني
حسبي ندَى أبي السّعودِ نُجعةً ... فقد كفاني محسناً وكفّني
مفرِّقٌ شملَ النُضارِ جامعٌ ... بين الفروضِ للعُلى والسُنَنِ
يُسرفُ في الجودِ إذا ما حسّنتْ ... عُذْرَ الجوادِ حادثاتُ الزّمن
غيثٌ إذا سُحْبُ الغيوثِ أجدبت ... طوّق أعناقَ الرّدى بالمنَنِ
ذو عاتقٍ يضفو نِجادُ سيفِه ... بأساً على يعرُبَ أو ذي يزَن
أثبتُ والموتُ يُزلُّ خطوَه ... يومَ يخوضُ غَمرةً من حضَنِ
تحمَدُ منه الخيلُ ذا حفيظةٍ ... إذا الجيوشُ جبُنت لم يجبُنِ
يجنُبُها نواصعاً حُجولُها ... وينثني وهي قواني الثُّنَن
стр. 41
لا تحْجِزُ البيضةُ من حُسامه ... ولا تُجِنّ ضافياتُ الجُنَنِ
أقسمتُ بالعِيس تبارى في البُرى ... بين الوِهادِ لُغَّباً والقُنَن
إنّ حُسامَ الدّين يومَ يجتدى ... في لَزْبةٍ أخو الغَمامِ الهتِنِ
تفهَقُ بالعذب الرِّوَى حياضُه ... عامَ يُضَنّ بالأُجاجِ الأسِنِ
الواهبُ النِّيبَ الوِقارَ كلّما ... ضنّ على إفالِها باللّبن
حسبُ جمالِ الدولةِ احتلالُه ... مجداً على مفارقِ الزُهْرِ بُني
وأنّ أنواءَ الغَمامِ تجتدي ... ندىً به عمّ الورى وخصّني
لو أنّ ما تبذُلُه يمينُه ... من لُجّةِ البحر المحيطِ لفَني
يصونُ أعراضَ العلى بربعِه ... مالٌ مباحٌ عرضُه لم يُصَنِ
مُذْ أنزِلَ الدهرُ على أحكامِه ... عوّدَ يومَيْهِ ركوبَ الأخشنِ
يمّمتُه أن عثَرتْ بي نكبةٌ ... لو عثرَتْ بيَذْبُلٍ لم يبِنِ
فردّ كفّي ثرّةً بيُسرِها ... حتى كأنّ عُسْرَها لم يكنِ
يا فارسَ الفيلَقِ أيُّ فارس ... على ظُباك في الوَغى لم يحِنِ
ما كُلّ ذي شقاشقٍ إن هدرَتْ ... يُعرِبُ عن فصاحةٍ ولسَنِ
أصْغِ الى غريبةٍ نظمتُها ... بغير دينِ خاطري لم تدِنِ
يسهُلُ منها الصّعبُ عند خاطري ... ويستقيمُ ميلُها لفِطَني
أسيرُ في السلامِ من نجومه ... إقبالُ إقبالٍ بها أنطقني
وقال يمدحه:
ألِفارطِ العيشِ الرّطيبِ معيدُ ... فيعودَ رثُّ هواك وهو جديدُ
بزَرودَ لا برِحَ السّحابُ مروِّضاً ... أوطان باديةٍ تضمّ زَرودُ
حيٌّ حمت شهُبُ الرماحِ شموسَه ... فشموسُهنّ أسنّةٌ وبُرودُ
قِفْ ناشداً لي في قِبابِ عُرَيبة ... قلباً شجاهُ بها هوىً منشودُ
ومسائلاً أغصونُ أحقافِ اللِّوى ... مرَحاً تَعيسُ أم القُدودُ تميدُ
ومُطارح لي في السّلوّ وحبّهُمْ ... ينمي على جفَواتِهم ويَزيدُ
خفِّضْ ملامَك يا عذولُ فطالما ... أيقظتَ أشجاني وهنّ رُقودُ
كيف الجحودُ لصبوة عُذريّةٍ ... ومن النّحولِ بها عليّ شُهودُ
ماء النُخَيلةِ أيُّ سُمْر ذوابلٍ ... تحمي نِطافَك شُرَّعاً وقُدودُ
وأثَيْلَ نازلةِ الأَجيْرعِ هل وفت ... بعدي لخائنةِ العُهود عُهودُ
حيّا عُهودَك عهدُ كلِّ سحابةٍ ... وطفاءَ مُرزِمُها المُلثُّ رَكودُ
أسَناً تألّقَ في قِبابك موهِناً ... أم لاحَ من فرق الصّباحِ عمودُ
أمثغرُ عَلوةَ شفّ تحتَ لِثامِها ... كالنَّوْر باتَ يرِفُّ وهْوَ مَجودُ
أشتاقُ ظِلّكِ والهواجرُ تلتظي ... وثَراكِ رأدَ ضُحائه فأرودُ
لا زال مطّردَ الهواملِ ماطراً ... دمعٌ إذا بخِلَ الغمامُ يجودُ
تُرْباً إذا استنشى النّسيمَ أصيلُه ... مرِضَ النسيمُ وصحّ فيه صَعيدُ
وإذا سرى طفَلَ العشيّ طليحُه ... أرِجاً تضوّع من سُراه البيدُ
هزّت إليه جوانحي صبَواتُها ... شوقاً وعاودَ كلّ قلبٍ عيدُ
أيُهوِّمُ الغَيرانُ فيك ويتّقي ... يقظان حالف طرْفَه التّسهيدُ
ويحلّ ماء غديرِه لحلوله ... وعليه حائمُ غُلّةٍ مصدودُ
وأغرَّ يبسِمُ عن أغرّ مُجاجُه ... يُذكي الضّلوعَ لَماه وهو بَرودُ
أغفى وأسهرَني هواه تململاً ... وجزِعتُ يومَ نواهُ وهو جليدُ
كالغصن أهيفُ إن تثنّى أو رنا ... فإليه تنتسبُ الظِّباءُ الغيدُ
стр. 42
لو حُمّلت قودُ الجبالِ شوامخاً ... كلِفاً به هوت الجبالُ القودُ
أصبحتُ أمنحُه الوِصالَ ودأبُه ... لمُواصليهِ تجنُّبٌ وصُدودُ
يا موقِداً شُعَلَ الهُوى بجوانحي ... حتّام ليس لما تشُبُّ خُمودُ
شكراً لعارفة الخيالِ فإنّه ... أدنى وصالَك والوصالُ بعيدُ
قالوا المشيبُ طوى الشّبابَ وحبّذا ... ما بان وهْو من الشّباب حميدُ
واسترجعت نُوَبُ الزمان عطاءَه ... مني ولانَ على الثِّقافِ العودُ
فوسائلي عند الحسانِ أمينُها ... كلّ المُريب وشافعي مردودُ
لا راقَ عاتِقيَ النّجادُ ولا ضفت ... كرماً عليّ من العفاف بُرودُ
إن لم يبِت صدرُ القَناة مُضاجعي ... لتُغِبُّ زورتَها الفتاةُ الرّودُ
ما أنصفتْ قِسَمُ الليالي مُفصِحٌ ... صِفرُ اليدين وثروةٌ وبليدُ
حيثُ الفضيلةُ مهبِطٌ وخصاصةُ ... ومع النّقيصة كثرةٌ وصعودُ
سأشيمُ بارقةَ النّدى من مُنعمٍ ... لولا صنائعُه لغاضَ الجودُ
جذلانُ تحمَدُ مُعتَفوه حَياضَه ... وِرداً إذا رُفِضَ الصّرى المثمودُ
لم تخْلُ من نُعمى يديْه مشارقٌ ... ومغاربٌ وتهائمٌ ونُجودُ
خضِلُ الثّرى علِقت مواهبُ كفّه ... حُسنُ الثّناء عليه وهْو شَريدُ
ألفَتْ حُسامَ الدّين حاسمَ خُطّةٍ ... شعواءَ مشهدُ خطبِها مشهودُ
قامت به العَزَماتُ منتصراً لها ... وقيامُها المتناصرونَ قُعودُ
في حيثُ يقصُرُ خطْو كلِّ مُدجّج ... والحربُ عارضُ نقْعِها ممدودُ
فوقَ الجياد يحلّ أوصال الطُّلا ... تحت العَجاج لواؤهُ المعقودُ
فعلا مَنارُ النّصرِ بعدَ هُبوطِه ... بأبي السّعودِ لها وتمّ سُعودُ
وإذا غدا الأسدُ المُدلّ معبّساً ... عن غابِ أشبُلِه توارى السّيدُ
الخائضُ الغمَراتِ غيرَ معرِّدٍ ... عنها غداةَ يُعرِّدُ الصّنديدُ
تشكو مناصلُه الطُّلا وضِرابُه ... يُبدي خِضابَ نُصولِها ويُعيدُ
ويرُدّ قائدَ كلِّ جيشٍ أرعنٍ ... ووريدُه بسِنانه مورودُ
متنصّتٌ في الرّوعِ للدّاعي إذا ... حُطِم القَنا وتصامَمَ الرِّعديدُ
فالبأسُ في لحَظاتِه متردّدٌ ... والبِشرُ في قسَماته معهودُ
متفرّدٌ بطَريف كلّ صنيعةٍ ... شهِدتْ له أنّ الفخارَ تليدُ
يا جامعَ المجدِ البَديدِ بجوده ... ومفيدَ من أعطا عليه مفيدُ
شكرتْ مَقاماتُ النّبوّة موقفاً ... لك لو يقومُ بشكره مجهودُ
هبّت زعازعُه العواصفُ وانتشت ... فيه بُروقُ صوارمٍ ورُعودُ
فمن الكُماة مُعفّرٌ ومضرّجٌ ... بنَجيعِه ومصفّدٌ منجودُ
ومن الصّفيح مفلّلٌ في قوْنَسٍ ... ومن القَنا متأوّدِ مقصود
فحمَيْتَ مُسلمةَ الثّغورِ ولم يكن ... لولاك عن صَرَدِ النّبالِ مَحيدُ
فعروشُه بك لا تُثَلّ وعزُّها ... أبداً تشُدّ بناءهُ وتَشيدُ
شهِدتْ لرمحك يوم هزِّك صدرَه ... للطّعن ثُغرةُ باسلٍ ووريدُ
وجيادُك المتمطّراتُ بأنّها ... للجيش تقتم تارةً وتقودُ
ومُفاضة كالنِّهْي إلا أنّها ... مما تخيّرَ نسجَه داوود
عضْبٌ ومطّرِدُ الكُعوبِ وسابحٌ ... قلِقُ العِنان ومُحكمٌ مسرودُ
وكذاك رأيُك في الوقائع كلِّها ... خطِلُ القنا المهزوزِ وهو سديدُ
стр. 43
لك يا جمالَ الدّولةِ الذّكرُ الذي ... بجميله حقَبُ الزّمانِ خُلودُ
يا واحدَ الآحادِ إني في الذي ... تُصغي إليه من الثّناءِ وحيدُ
لن أجحَدَ النِّعَم التي أوليتَني ... متبرّعاً وبها عليّ شهودُ
وقال يمدحه:
سفرَتْ فقال أدلّةُ السّفْرِ ... أشعاعُ شمسٍ أم سَنا بدرِ
وتبسّمت والليلُ معتكرٌ ... فجلا دُجاهُ تألّقُ الثّغرِ
خصِرُ المَذاقِ كأنّه برَدٌ ... عذْبُ المُجاجةِ طيّبُ النّشرِ
فكأنّما عُلّت مراشفُه ... غِبَّ الكرى بسُلافة الخمرِ
مهزوزةُ الأعطافِ إن خطرت ... فتنت بخوطِ أراكةٍ نضْرِ
للهِ أيُّ عُرَيبِ باديةٍ ... أسَروا الأسودَ بأعيُنِ العُفْرِ
كم باتَ دون قِبابِ غيدِهمُ ... قلبٌ تقلّبُه على الجمرِ
عذراءُ كلّ شجٍ بها كلِفٌ ... رمِضُ الجوانحِ واضحُ العُذرِ
تُصبي الحليمَ بمُقلَتَيْ رشأٍ ... هزأت لواحظُهنّ بالسّحرِ
وتزيدُ قلبَ محبِّها قلَقاً ... قلقَ الوِشاحِ يجولُ في الخصرِ
يلْحى العَذولُ على الوُلوعِ بها ... ويلومُ وهو بحبّها يُغري
كم مُخدِرٍ شَئنٍ براثنُه ... ضرِمِ اللحاظِ يذُبّ عن خِدْرِ
حيثُ الرّياضُ كأنّ زهرتَها ... تسِمُ الصّعيدَ بأنجمٍ زُهرِ
والحيُّ تحميهِ أغيلمةٌ ... بالمُقرَباتِ لواحقِ الضُمْرِ
عقدت سبائبَ كلِّ سلهَبَةٍ ... بذوئبِ الهنديّة البُتْرِ
من كلّ رعّافِ السِّنانِ إذا ... حطم الطِّعانُ مثقّفِ الصّدرِ
شزْرِ اللّحاظِ الى الكميّ إذا ... شرِقَ القَنا بطِعانِه الشّزْرِ
ولقد أقول لركْبِ داجيةٍ ... يُنضينَ كلّ شمِلّةٍ عُبْرِ
ومرنّحينَ من الكَلالِ وقد ... هزَم الظّلامَ طلائعُ الفجرِ
يتناشدون الخِصْبَ حيث حمى ... شوكُ الرِّماح نقائعَ الغُدْرِ
شيموا بُروقَ أبي السّعودِ إذا ... خلَبَتْ بُروقُ سحائب القَطرِ
واستمطروا دُفُعاتِ جودِ فتىً ... غَمْرِ المواهبِ ليس بالغَمْرِ
الأديب أبو طاهر محمد بن حيدر
بن عبد الله بن شعيبان البغدادي الشاعر
كان شاعراً بليغاً مُجيداً، حسن الشّعر، رقيقه.
يسكن سوق الثّلاثاء. أعور.
سمعت شيخنا عبد الرّحيم بن الأخوة البغدادي، بأصفهان، يقول: كان له شعر حسن، وكان من مادحي سيف الدّولة صدقة بن منصور.
قال: أنشدني أكثر أشعاره، فما وجدت فيها أحسن من قوله في الخمر:
ومُدامةٍ كدم الذّبيحِ سخا بها ... للشّرْبِ من لهَواته الإبريقُ
رقّت، فراقَ بها السّرورُ ولم تزلْ ... نُطَفُ السّرورِ ترقّ حين تروقُ
حتى إذا ضحِكَ الزُجاجُ لقربها ... منه بكى لفراقها الرّاووقُ
وقوله:
يا جاحدي فضلي وقد نطقت ... بفضائلي بدَهاتُه عنه
هل أنت إلا البدرُ توضحُه ... شمسُ الضّحى وكسوفُها منه
وقوله:
ما لي إذا أنا لُمْتُ أُسرةَ مزْيَدٍ ... والغُرّ من سرَواتهم لم أُعذَرِ
أم ما لقلبي كلّما كلّفتُه ... صبراً على فعَلاتِهم لم يصبِرِ
وإذا هممتُ ببسط عذرِهمُ على ... منعي وهم سُحُبُ النّدى لم أقدِرِ
وقوله في رقّاصة:
رقّاصتي هذه لخفّتها ... تكادُ تحت الثّيابِ تنسبكُ
خفيفةُ الجسم ما لها كفَلٌ ... يُثقلُها شحمُه ولا وَرِكُ
كأنّما الأرضُ تحتها كُرةٌ ... تحمِلُها وهي فوقَها فلَكُ
وقوله في صفراء:
أنت يا لائمي على شعَفِ النّف ... سِ بحبّ الوليدةِ الصّفراءِ
стр. 44
لا تلُمْني على صبابةِ قلبٍ ... ملكته مولّداتُ الإماءِ
أيما في العيون أحسنُ لوناً ... صفرةُ الرّاحِ أم بياضُ الماءِ
وقوله:
فتى من نَداهُ الغمْرِ يسترسلُ الحَيا ... ومن وجهه الميمونِ يطّلعُ البدرُ
وما سلّ سيفَ العزمِ إلا تجعّدت ... سِباطُ القنا واحمرّتِ الأنصُلُ الخُضرُ
هو البحرُ يحلو في فم الخلقِ طعمُه ... ويصفو وماءُ البحرِ ذو كدرٍ مُرُّ
وقوله:
أراك إذا عددتَ ذوي التّصافي ... وجدتَهُم أقلّ من القليل
كماءِ البحرِ تحسِبُه كثيراً ... وقلّته تبينُ مع الغليلِ
ذكر صديقنا عمر بن الواسطيّ الصّفّار - ببغداد - سة إحدى وستّين، قال: دخلت على ابن حيدر الشاعر في أيام المسترشد، وأنا صغير، وعنده جماعة يعودونه في مرضه الذي مات فيه، وهو يُنشد، فحفظتُه بعد ذلك من بعض الحاضرين:
خليليّ هذا آخرُ العهدِ منكمُ ... ومني فهل من موعدٍ نستجدّهُ
لأنّ أخاكم حلّ في دار غُربةٍ ... يطولُ بها عن هذه الدّارِ عهدُه
فلا تعجَبوا إذْ خفّ للبَينِ رحلُه ... وقد جدّ في إثر الأحبّةِ جِدّهُ
على أنّ في الدّارينِ تلك وهذه ... له صاحبٌ يهْوى وإلفٌ يودّهُ
وقد أزمع المسكينُ عنكم ترحُّلاً ... فهل فيكمُ من صادقٍ يستردّهُ
وأُنشدت له ببغداد:
خفِ الأمرَ وإنْ هان ... ولا يطْغَ بك الشِّبْعُ
ولا تُصْدِ بك الكل ... فةُ ما يصقُلُه الطبْعُ
فقد يُخشى من الفأ ... ر على من عضّهُ السّبْعُ
وله في سيف الدولة:
هواء بغداد أشهى لي ودجلتُها ... أمرا لغلّةِ صدري منك يا نيلُ
لو لم يكن فيك من دودانَ بحرُ ندىً ... إنعامُه في بني الآمالِ مبذولُ
تاجٌ ولكن على العلياءِ منعقدٌ ... سيفٌ ولكن على الأعداءِ مسلولُ
وله من قصيدة في سيف الدولة صدقة، أوّلها:
خُذ بي على قطَنٍ يمينا ... فعسى أريك به القَطينا
حتّى إذا طلَعت به ال ... أقمارُ رنّحتِ الغصونا
يُخلِفْن ميعادَ الوفا ... ءِ لنا ويمطُلْنَ الدّيونا
من كلّ ذاتِ روادفٍ ... كالرّملِ رجرجةً ولِينا
منْطَقْن بالنّحَفِ الخصو ... رَ وصُنّ بالتّرفِ البطونا
وأقَمن من تلك العُيو ... نِ على خواطرِنا عُيونا
ومنها:
يا بانةَ العلَمَين من ... قرَنٍ كفى بكِ لي قرينا
أأمِنتِ داعيةَ الصّبا ... بةِ لي وقولَك لي يمينا
وعليّ أيمانٌ مغلّ ... ظةٌ أُجلُّك أن تَمينا
أنْ لا أعُدّ سوى مَعي ... نِ الدّمعِ بعدَك لي مُعينا
ومنها:
يا من تسمّح للعوا ... ذِل بي وكنتُ به ضَنينا
أحسنتُ ظنّي في هوا ... ك فلِمْ أسأتَ بي الظّنونا
قد كان ما قد كنتُ خِفْ ... تُ من التّجنّبِ أن يكونا
ورأيتُ فيك قبيحَ ما ... ظنّ الوُشاةُ بنا يقينا
حتى كأنّك كنتَ لل ... هِجرانِ للواشي ضَمينا
ولقد دعوتُك قبلَ غد ... رِك بي على قلبي أمينا
جرّدتَ من حدَق القِيا ... نِ ظُباً ذعرْتَ بها القيونا
حدَقاً جعلتَ فتورَ أع ... يُنِها لأنفسنا فُتونا
وجعلْتَ من تلك الجفو ... ن على قواضبها جُفونا
أو لم تخفْ سيفاً تخو ... نَ حدّهُ الزّمنَ الخؤونا
سيفٌ تقُدّ صدورُه ... قمَمَ الفوارسِ والمُتونا
وأنشدني - ببغداد - مَن نسبه إليه في الخمر:
مرحباً بالتي بها قُتِل اله ... مُّ وعاشت مكارمُ الأخلاقِ
وهي في رقّة الصّبابةِ والشّو ... قِ وفي قسوةِ النّوى والفِراقِ
لستُ أدري أمن خُدودِ الغواني ... سلبوها أم أدمعِ العُشّاقِ
стр. 45
ابن الخيّاط البغدادي المعروف بالفاختة
أنشدني له الشيخ محمد الفارقي من قصيدة:
زارتْ وعقْدُ نِطاقِ الليلِ محمولُ ... وناظرُ الصُبحِ بالأنوارِ مكحولُ
وذكر أنّه سافر الى آمِد، ومعظم شعره بها.
وأنشدني له في الكامل بن بكرون بآمِد:
قُل للأجلّ الكاملِ ... بحرِ النّدى والنّائل
أنت الذي في قُمصِه ... مجتَمعُ الفضائلِ
يحيى بن صُعلوك
يلقّب بالحمامة.
شابّ من أولاد حجّاب الديوان العزيز. وكان يتفقّه لأبي حنيفة، ﵀، وتعاطى نظم الشعر مُديدَة. وهو ذكيّ، له حسن إنشاء وإنشاد.
فمما أنشدني لنفسه، بيتان، نظمهما في الوزير عون الدّين بن هُبَيرة لمّا حجبه:
الذّنبُ لي وأنا الجاني على أدبي ... لما قصدتُك دون الخلقِ بالمِدَحِ
رددتَني ووَقاري غيرُ منسرحٍ ... عنّي وماء حيائي غير منسفحِ
وأنشدني لنفسه:
قالوا ابنُ صُعلوكٍ به أُبْنة ... فقلت كلا وعليِّ الرّضا
منزلةٌ ما خِلتُه نالَها ... ولو سعى بين يديهِ القضا
وأنشدني لنفسه:
قد كنتُ أثلِبُ نثراً ... أُلقيه درساً فدرسا
فصرتُ أثلِبُ نظماً ... كيلا يشِذّ ويُنْسى
الشيخ الأديب أبو محمّد
الحسن بن أحمد بن حكينا
من الحريم الطّاهريّ.
ظريف الشّعر، مطبوعه. لم يجُدِ الزمان بمثله في رقّة لفظه وسلاسته. وقد أجمع أهل بغداد على أنّه لم يرزَق أحد من الشعراء لطافةَ طبعه.
وله الأبيات النّادرة، المذهبة، التي من حقّها أن تكتب بماء الذّهب.
أنشدني له بعض الأكابر ببغداد في عمي العزيز، ﵀، من قصيدة، هذا البيت، وهو:
فميلوا بنا نحو العِراقِ ركابَكُمْ ... لنكتالَ من مال العزيزِ بصاعِهِ
وطلبت هذه القصيدة، لأكتبها، فلم أجدها.
وأنشدني بعض الفضلاء ببغداد لابن حِكّينا:
قد كنتُ في أرغدِ ما عيشةٍ ... بمعزِلٍ عن كلّ بَلْبالِ
تيّمني خالٌ على خدِّه ... الويلُ للخالي من الخالِ
وله، وأظنّه في أنوشَروانَ الوزير:
ومُظهِر وُدّهُ لقاصده ... يكُفّ عنه الأطماعَ بالياسِ
يقومُ للنّاس مُكرِماً فإذا ... راموا نَداهُ يقومُ للنّاسِ
وله:
مدحتُهُمُ فازددتُ بُعداً بمدحهم ... فخُيّلَ لي أنّ المديحَ هِجاءُ
يقولون ما لا يفعلون كأنّهم ... إذا سُئِلوا رِفداً هم الشّعراءُ
وله في العذار:
لافتضاحي بعدَ عارِضِه ... سببٌ والناسُ لُوّامُ
كيف يخفَى ما أكتّمُه ... والذي أهواهُ نمّامُ
وله:
يا باعثاً طيفَه مثالاً ... حسنُك قد جلّ عن مثالِ
وإنّما كان ذاك رَشْقاً ... بعثَ خيالٍ الى خيالِ
وأنشدني بعض أصدقائي ببغداد لأبي محمد بن حِكّينا، في مدح عَوَرِ عينِ الحبيب، ولم يسبق إليه:
يا لائمي والمَلومُ متّهمٌ ... حسبُك ما قلتَ فيه من عوَرِ
يرشُقُ عن فردِ مُقلةٍ وله ... ألفُ جريحٍ منها على خطرِ
لُم كيف شئتَ لستُ تاركَه ... الآن صحّ التّشبيهُ بالقمرِ
وأنشدني له ببغداد الشيخ مجد القضاة، في بعض القضاة:
وباردِ التّنميسِ بين الورى ... يفعلُ ما لا يفعلُ اللصُّ
يصطادُ أموالَ الورى كلها ... بطرْحةٍ من تحتِها شِصُّ
وله في قصد ابن التّلميذ، لمرض به. أنشدني مجد الدولة أبو غالب بن الحُصين، قال: أنشدني ابن التّلميذ له:
لمّا تيمّمْتُه وبي مرضٌ ... الى التّداوي والبُرءِ محتاجُ
آسى وواسى فعدت أشكرُهُ ... فعلَ امرئٍ للهمّ فرّاجُ
فقلت إذ برّني وأبرأني ... هذا طبيبٌ عليه زِرباجُ
وكتب الى الشّريف ابن الشّجَريّ النّحوي، وكان له شعر مقارِب:
يا سيّدي والذي يُعيذُك من ... نظمِ قريضٍ يصدا به الفِكرُ
ما فيك من جدِّك النّبيّ سوى ... أنّك ما ينبغي لك الشّعرُ
стр. 46
وأنشدني أبو المعالي الكتبي، قال: ذكر ابن الفضل أنّه كتب الشيخ أبو محمد بنُ حِكّينا الى ابن التّلميذ، وأراد أن يصالحه بعد خصومة، أبياتاً، منها هذا البيت:
وإذا شئتَ أن تُصالحَ بَشّا ... رَ بنَ بُردٍ فاطرَحْ عليه أباهُ
يقال: إطرح فلاناً عليه، حتى يصالحك. فما ألطفَ طلبَه منه بُرداً بهذا البيت المطبوع! وأنشدني له هذا البيت، وهو حسن:
إرضَ لمن غابَ عنك غيبته ... فذاك ذنبٌ عِقابُه فيهِ
وأنشدني له أيضاً:
قسا ثمّ أجرى عبْرَني فكأنّني ... على فقدهِ الخنساءُ تبكي على صخْرِ
وله في أنوشَرْوان الوزير:
سألوني منْ أعظمُ الناسِ قدراً ... قلت مولاهمُ أنوشَرْوان
لست أحوي صفاتِه غيرَ أنّي ... ما رأيتُ الإعسارَ منذُ رآني
وإذا أظهر التّواضُع فينا ... فهو من آيةِ الرّفيعِ الشّانِ
ومتى لاحِ النّجومُ على صف ... حةِ ماءٍ فما النّجومُ دَواني
وله:
ما بالُ أشعاري وقد ضُمّنت ... مدحَكُمُ ترجِعُ بالدّلْقِ
ما فيكُمُ بخلٌ وما بي غنىً ... عن نائلٍ والنّجْحُ في الصّدقِ
ولست أستبطي ولكنّني ... ينقطعُ الغيثُ فأستسقي
وله في أمين الدولة أبي الحسن بن صاعد الطّبيب، ويعرف بابن التّلميذ، وقد نفّذ له شيئاً، وكان مريضاً:
جاد واستنقذ المريضَ وقد كا ... د ضنىً أن يلُفّ ساقاً بساقِ
والذي يدفَعُ المَنونَ عن النّفْ ... سِ جديرٌ بقسمة الأرزاقِ
وله:
ويكتبُ بالبيضِ الصّوارمِ أسطُراً ... على أوجُهِ الفرسان تنقُطُها السُمْرُ
وينظِمُهُم في الرُمحِ نظماً وإنّما ... رؤوسُهُمُ من بعدِ نظمِهِمُ نثرُ
وله:
لو كنتَ أعلمتَني بهجرك لي ... لبِستُ من قبلِ صدِّك العُدَدا
عيناك ترمي قلبي بأسهُمها ... فما لخدّيك تلبَسُ الزّرَدا
ريقتُهُ الشُهْدُ والدّليلُ على ... ذلك نملٌ في خدِّهِ صعِدا
وله في العِذار:
لا تقولوا من بعد عا ... رضه قد تغيّرا
إنّما الحسن حين م ... رّ به الحِبّ مسفرا
رامَ تبخيرَهُ فذ ... رّ على الجمرِ عنبرا
وله في المدح:
أتاني بنو الحاجاتِ من كلّ وجهةٍ ... يقولون لي أينَ الموفَّقُ قاعدُ
فقلتُ لهم فوقَ المجرّة دارُه ... ولكنّني فارقتُه وهْو صاعدُ
فإن شئتُمُ ألا تضِلّوا فيمّموا ... الى حيثُ سارت بالثّناء القصائدُ
وله في تأبين ميت:
ومنتقلٍ بالإثمِ أرساهُ جُرمُه ... فلم يقدِروا من ثِقلِه أن يُقلّوه
رأى أهلُه إبعادَه مَغْنماً لهم ... وكان كثيراً عندَهم فاستقلّوه
ولم يسمعِ الحفّارُ ساعةَ دفنِه ... وتوسيدِه إلا خُذوه فغُلّوه
وله في البخل:
لمّا فشا البخلُ وصار النّدى ... ولا رغيفٌ كلّ أسبوعِ
سرت مصاريعُ هجائي الى ... منْ خبزُه خلفَ المصاريع
فقطّعتْ بالذّمّ أعراضَهُ ... وفرّقتْها في المجاميع
وكتبت من الأجلّ شمس الدين وله سديد الدولة بن الأنباري قصيدة لابن حِكّينا بخطّه، في والده. وهي:
أدِرْها مدعدعة يا نديمي ... بماءِ الكرومِ وبين الكُرومِ
وكن أرفقَ الناس تحت الظلا ... مِ ببزْلِ الدّنان وفضّ الختومِ
الى أن تُريكَ طلوعَ الصّبا ... حِ في حبَب كانقضاض النّجومِ
ووكّلْ مصابيحَها الزاهراتِ ... بإحراقِ شيطانِ همّي الرّجيمِ
وخُذْها على أنها لُقطةٌ ... إذا اشتُريتْ بدُخولِ الجحيمِ
هي الرّوح أو مثلُها في القيا ... س مخلوقةٌ لقوام الجسوم
ومن بعض أفعالِها في النّفو ... سِ عَوْدُ السّرورِ ونفيُ الهمومِ
стр. 47
بَزوغيّةٌ شغلَت فكرتي ... بوصفي لها عن بكاء الرّسومِ
كُميتٌ ولكنّها لا تُردّ ... عن نيل غاياتِها بالشّكيمِ
غذتها السّنون الى أن نشتْ ... بجري الهواءِ ولفْح السّمومِ
أقرّ الشِّهادُ لها والعبي ... رُ بطيبِ المَذاقِ وعطر النّسيمِ
يدورُ بها مستديرُ العِذا ... رِ أسلبَ منها لعقل النّديمِ
يُضلّ البَصيرَ بوجهٍ منير ... ويُبري السّقيمَ بطرْف سقيم
فمن لي بقلبي وقد فرّقَتْه ... يدُ الوجدِ ما بين بدرٍ وريمِ
فيا صاحِ إن ساورتك الخطو ... بُ في كونِها عُدّه من خصومي
ومنها في المخلص، وقد أجاد:
فقل للزّمان اتّئدْ إنّني ... بأفضلِ أبنائه في حَريمِ
وإني فلا تطمَعِ الحادثا ... تُ عبدُ الكريم ابنُ عبد الكريم
ومنها في المدح:
ترى الوفْرَ عند استماعِ المدي ... حِ في مُقعِدٍ من نَداهُ مُقيمِ
يقول إذا ما رأى خلّتي ... لكِ الأمنُ منّي بألاّ تُقيمي
من القومِ لولاهُمُلم تُقمْ ... وجوهُ العطايا وسوقُ العلومِ
كم استعبدوا مُقتِراً بالنّوا ... لِ واصطنعوا جاهلاً بالحُلومِ
وأضحوا يرَوْن تلافي الفقي ... رِ أولى بهم من تلافي العَديم
ومنها:
وأصبحَلا يقتني دِرهماً ... لغير قضاءِ دُيونِ الرّسومِ
ومنها في صفة القلم:
يُجيل غداةَ الوغى مُرهَفاً ... شديدَ الجِلادِ خفيّ الكُلومِ
نحيفاً يردّ بإسهابِه ... وصولَتِه كلّ خطْبٍ جسيمِ
فما يتميّز عبدُ الحمي ... دِ حين يراهُ من ابنِ الخطيم
ومنها:
فيا منْ تغمّدني بِرّه ... ونزّهني عن سؤالِ اللّئيم
وسالت عِهادُ أياديه من ... خُراسان الى منزلي بالحَريمِ
ولم ينسَني يومَ بثّ النّوا ... ل لا في الخوص ولا في العمومِ
تهَنّ فمجدُك فوقَ النّجو ... مِ واسعَدْ فشانيك تحتَ التّخومِ
وعِشْ في السّرورِ نعِش في السّرور ... ودُمْ في النّعيم ندُمْ في النّعيم
وكتبت من مجموع بخطّ أبي الفضل بن الخازن: أنشدني الصبح أبو محمّد بن حِكّينا من قصيدة:
لاقى طريقَ النُسْكِ شاسعةً ... فاستصحب اللّذّاتِ وانحرفا
يهْوى كؤوسَ الراح تُذكِرُه ... قبَساً أضاءَ وبارقاً خطَفا
يُهدي المِزاجُ لجيدِه حبَباً ... مثلَ السّهامِ تعاورت هدَف
وإذا دعاهُ طرْفُ غانيةٍ ... للوصلِ بادره ولو زَحَفا
ومنها:
واسقِ النّديمِ تعُدْ حُشاشتَهُ ... مشمولةٌ لطُفت كما لطُفا
واعقِدْ بطرفِك صُدغَ ذي ترَفٍ ... لمّا ألمّ بخصْرِه انعطفا
كالنّون منحنياً فإنْ عبِثت ... كفّ أحالت شكلَهُ ألِفا
ذهبت بصِرْفِ الرّاحِ نخوتُه ... فطفِقتُ محتضِناً ومرتشفا
ومنها:
لله أيامٌ طرَقْتُ بها ... قبلَ الصّباحِ الدّيرَ والخزَفا
والماءُ تُطرِبُهُ منادمتي ... فلو استبدّ برأيه وقَفا
ومنها في المدح:
أهلاً بمن جُعِلت فضائلُه ... أهلاً لأنْ تستنفدَ الصُحُفا
وخلائق مثل النّسيم جرى ... فإذا تعرّضَ للعِدا عصَفا
ولقد عزمتُ بمن سواك على ... شيطان إعساري فما انصرفا
فكما ذكرتُ له نداك مضى ... وكأنّه بالنّجمِ قد قُذِفا
ومنها:
وتراهُ يرفِدُني وأُنشدُه ... مدحي فيُظهِرُ بيننا الطُّرَفا
ومنها في طلب كُسوة:
إن لم تعاجلْهُ بكُسوتِه ... أودى فمنه الثّلج قد ندفا
لو كان في النّيران مسكنُه ... قيظاً فأنشدَ شعرَهُ رجَفا
فتلقّ بالإحسانِ ممتدحاً ... أعيا عليه الجِدّ فانقصفا
стр. 48
وأنشدني أبو المعالي له في الموجَّه:
أراه لبُغضِه عَمراً ... يصغّرُه ويجلُدُه
وذكر لي عبد الرحيم بن الأخوة: أنّه كان بزّازاً، وكان يمدح أنوشَرْوان بن خالد.
وقال: وجدت له بيتين، وكتبتهما، وهما:
قصدتَ ربْعي وتعالى به ... قدري فدتك النّفسُ من قاصدِ
وما أرى العالم من قدره ... بحراً مشى قطّ الى واردِ
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل بن الخازن لأبي محمد بن حِكّينا، في واعظ:
يُعيد ما قال أمسِ في غدِه ... بلا اختلافِ المعنى ولا اللفظ
حضرتُ بعضَ الأيام مجلسَه ... فكلّ ما قاله على حفظي
وله في أنوشروان الوزير، وقد ردّه:
قد جئتُ بابني فاعرِفوا وجهه ... ليأخُذ النائلَ من بعدي
فليس في التّقدير أني أرى ... قبلَ مماتي ساعةَ الرِفدِ
وله:
ولم أجْنِ ذنباً في مديحِ امرئٍ ... قابلَ شعري بالمواعيدِ
إن قلت بحرٌ فبِما نالني ... من هولِه أيامَ ترديدي
أو قلت ليثٌ فبتكليحه ... إذا أتاه طالبُ الجودِ
وله في ولده:
إبني بلا شكّ ولا خُلفِ ... في غاية الإدبارِ والحُرْفِ
أنّه الحبّالُ في مشيهِ ... يزدادُ إقبالاً الى خلْفِ
وله في أمين الدولة ابن التّلميذ:
لموفّقِ المُلكِ الأجلّ يدٌ ... حسبي بفيض نوالِها وكفى
سكن المجرّة واستهلّ ندىً ... وكذا الغمامُ إذا علا وكفا
لم آتِ أستكفيهِ حادثةً ... إلا تهلّلَ بِشرُه وكفى
ولولده فيه:
إذا افتخر الناسُ في مجلس ... فإني بترك افتخاري خليقُ
لقد جرّ كونُك لي والداً ... عليّ من الذُلّ ما لا أُطيقُ
ولوالده أبي عبد الله أحمد بن حِكّينا قرأت في تاريخ السّمعاني بخطّه: كانت له معرفة بالأدب، وكان شاعراً تلميذاً لأبي علي بن شبل الشاعر، قال: قرأت بخطّ أحمد بن محمد بن الحُصَين، أنشدنا أبو عبد الله بن حِكّينا لنفسه:
إذا جفاك خليلٌ كنتَ تألَفُه ... فاطلُبْ سواهُ فكلّ الناسِ إخوانُ
وإن نبَتْ بك أوطانٌ نشأتَ بها ... فارحَلْ فكلّ بلادِ اللهِ أوطانُ
لا تركَنَنّ الى خِلّ ولا زمنٍ ... إنّ الزّمان مع الإخوانِ خوّانُ
واستَبْقِ سرّكَ إلا عن أخي ثقةٍ ... إنّ الأخِلاّءَ للأسرارِ خُزّانُ
المهذّب بن شاهين
كان ممن خدم عمي العزيز، وكان عاملاً بنهر فروة ونهر رجا، فبانت عليه خيانة، فكتب الى العزيز:
قُل للعزيز أدامَ ربّي عزّه ... وأنالَه من خيره مكنونَهُ
إني جنَيتُ ولم تزلْ نبَلُ الورى ... يهَبون للخُدّام ما يجنونَه
ولقد جمعْتُ من الجنونِ فُنونَه ... فاجمعْ من الصّفْح الجميلِ فُنونَه
من كن يرجو عَفوَ من هو فوقَه ... فليَعْفُ عن جُرْمِ الذي هو دونَه
فعفا عنه، وأعاده الى شغله.
أبو عبد الله محمّد بن جارية القصّار
كتبت من خطّه أنّه: محمد بن المبارك، بن عليّ، بن القصّار.
جارية القصّار: كانت عوّادة مُحسِنة، مستحسَنة، حافظة للأشعار، عارفة بالأدب. وكانت ممن يعقد عليها الخِنصَر في صِناعتها وبراعتها. ورأيتها في آخر عمرها. وكانت تزوّجت بابن حريقا، عاملِ الجوالي ببغداد، وماتت عندَه في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.
وسمعت أبا المعالي الكتبيّ يقول: إنّه كان لها ابن، يكنى أبا عبد الله، ولا ينسب إلا إليها. وبلغ مبلغَ الشّباب، وجمع أدوات ذي الآداب، فاخترمته يدُ الحدثان في العُنفُوان، وهذه عادة الزّمان الخوّان، بعد سنة أربعين وخمس مئة.
وأنشدني أبو المعالي لأبي عبد الله، في أخي البُدَيوي العوّاد، يهجوه، ويصف برد غنائه بأبيت أرقّ من السحر، وهي:
يا بديويُّ قد نشا لك في العو ... دِ أخٌ يستغيثُ منه العودُ
أنت تدري أنّ الشتاءَ على الأش ... جارِ صعبٌ إذا أطلّ شديدُ
стр. 49
لو أرادَ الإلهُ بالأرضِ خِصْباً ... ما تغنّى من فوقِه محمودُ
كلّما أنبتت يسيراً من العُشْ ... بِ وغنّى غطّى عليه الجليدُ
وأنشدني أبو المعالي الكتبيّ، قال: أنشدني محمد ابن جارية القصّار لنفسه، ونقلتهما من خطّه:
وأدهمِ اللّونِ ذي حُجولٍ ... قد عقدَتْ صبحَه بليلِهْ
كأنّما البرقُ خاف منه ... فجاءَ متمسكاً بذيلِهْ
وأتحفني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ بكرّاسة من شعره بخطّه، ورواه لي عنه. فمن ذلك قوله من قصيدة:
وصاحبٍ سُمتُه استرفاقَ مُهلتِه ... بأنْ يدومَ له رِقّي على الزّمنِ
وما تحمّلتُ عِبْأَ من قوارصِه ... على وقوفي إلا ليحملَني
وقوله في كُتّاب الديوان:
الى كم أصون لساني ولا ... تصونونَ أعراضَكم بالجميلِ
وكم تُحفِظوني ولا تحْفَظو ... نَ مكاني وأدرأ عنكم فُضولي
فأقسِم إنْ خفّ حِلمي لكم ... وهمّتْ عواطفُه بالرّحيلِ
لأنتصِفَنْ منكُمُ للقريضِ ... وللآملين ولابْن السّبيلِ
وقوله يستهدي مِداداً:
إليك اشتكائي يا ابنَ الكِرا ... مِ شَيبَ دواتي قبل الهرمْ
وشيبُ الدّويّ كما قد علمْ ... تَ يعدِلُ في القبح شيبَ اللِّمَمْ
فمُرْ بخِضابٍ كفيلٍ بردِّ ... شبابِ ذوائبِه المنعدِمْ
وقوله في ذمّ الشّيب:
أكرهُ فودي أن يشيبَ وإن ... قال جهولٌ في الشّيبِ توقيرُ
المرءُ بدرٌ والشمسُ شيبتُه ... وما له في شُعاعِها نورُ
وقوله في تمني الشيب:
من خاف إن شاب هِجران الحسانِ وإص ... حارَ النّعيمِ ورفْضَ الكأسِ والنّغمِ
فلي الى الشيبِ شوقٌ ما يُنَهنِهُهُ ... سعيٌ للُقْياهُ من عمري على قدَمِ
ما أرغدَ الدّهرُ عيشي في الشباب ولا ... أحلى فأبكي شبابي حالةَ الهرمِ
وقوله من قصيدة:
راجع أناتَك أيها الغِرّيدُ ... هذا الفراقُ وما القلوب حديدُ
واستوقفِ العيس المراسِل تدّخِرْ ... أجراً فما تُعيي عليك البيدُ
إن كنتَ تخشى من ترفّعِ خِمسِها ... ظمأ فمنهَلُ مُقلتي مورودُ
أو كان يُعجلُك المراد فإنّ لي ... نفَساً يُعيدُ الروضَ وهو صَعيدُ
علّ البخيلةَ أنْ تجودَ بنظرة ... ولقد يجودُ بمائه الجُلْمودُ
إن كان موعدنا برامةَ غالَه ... خُلفٌ فهذا موعدٌ وزَرودُ
ومنها:
وأراكةٍ نشرَتْ ذوائبها الصّبا ... حتى تعقّدَ ظلُّها الممدودُ
ومنها في المدح:
سودُ الأثافي وهْو عامٌ أشهبٌ ... بيضُ الأيادي والنّوائبُ سودُ
وله:
الى كم أعلّلُ بالباطلِ ... ولا أستقرّ على حاصلِ
وأُدفَع من باخلٍ لا يَدينُ ... بدين السّماح الى باخِل
يصون بِرضِ جبانِ الفؤادِ ... حِمى عرض بطل باسلِ
أحلّيه بالدُرَرِ المُثْمِنات ... وأرجِعُ بالأملِ العاطلِ
ومنها:
إذا كان حظّ الفتى صاعداً ... فلا بأسَ بالأدبِ النازلِ
أحِذْقاً ورزقاً لقد رُمتَ ما ... يزيدُ على أملِ الآملِ
هما خلفان فهذا المقي ... مُ يُعقَبُ من ذلك الرّاحلِ
لقد ألجأتني صُروف الزّمان ... لحكمِ ضَرورتِها الحاملِ
الى معشرٍ قد أتمّوا الرّضا ... عَ من ضرْع لؤمهمُ الحافلِ
شيوخُهمُ بعدُ لم يُفطَموا ... وعالمُهم ضُحكةُ الجاهلِ
صُدورٌ ولكنّ أعجازهم ... صُدورٌ لوخْزِ القَنا الذّابلِ
وقوم رأوا أنّني شاعرٌ ... فلم يرفعوني عن الخاملِ
ولم يعلَموا ما رُواةُ القري ... ضِ عنديَ من آلةِ الكاملِ
وما غايةُ الفضلِ نظمَ القريض ... ولكنّه نفثةُ الفاضل
стр. 50
وله الي ابن الدّواميّ أبي المعالي، يطلب منه شراب البلَح في مرضه من القيام:
يا سيّداً جملةُ أوصافِه ... تُملي في ممتدحيهِ المِدَحْ
قد سال واديّ بما فيه فاس ... كِرْه بشيء من شراب البلَحْ
الرّبيب أبو المحاسن بن البوشنجيّ
لهج اللهجة، بنظم الرُباعيات، أرِج البهجة، بعرْفِ الحسنات.
كان والده وزيرَ أمير الجيوش نظر أمير الحجّاج. وورث هذا موضعه، ولم يزل وزير أمير الحُجّاج في آخر الدولة المقتفوية والدولة المستنجديّة. ثم ولي بواسط وزارة أميرها، وبقي مدّة بصفو العيش ونَميرها.
وسمعت الآن - في سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة - أنّه موسوم بالعطلة، ممنُوٌّ بالعزلة.
وقد أوردت له، من فنه، ما يسبق إليه من لفظه وحسنه.
فمن ذلك قوله:
رقّت وتأرّجت برَيّا عبَقِ ... صهباءُ تخالُها شُعاعَ الشّفَقِ
يا بدرُ أدِرعها قبَساً في الغسقِ ... تُهدي طرباً وهي ضلالُ الطُرقِ
وقوله:
رقّت وصفت واسترقّت ألبابا ... راحٌ لبِستْ من الضّنى جِلبابا
يا بدرُ أدِر وعدِّ عمّن يابى ... كأساً طُرِد الهمّ بها فانجابا
وقوله:
ما أطيبَ ما زار بلا ميعادِ ... يختالُ كغصنِ بانةٍ ميّادِ
ما طلّ ولا بلّ غليلَ الصّادي ... حتى قرُبَ البينُ ونادى الحادي
وقوله:
بِتنا وضجيعنا عفافٌ وتُقى ... نشكو أرَقاً ونستلذّ الأرَقا
يا بدر دُجنّة ويا غصنَ نَقا ... لولاك لما عرفْتُ هماً وشَقا
أبو علي بن الرئيس خليفة الدّوَوي
كان يخدم شمس الملك بن النِّظام.
كان خليفة الدّوَويّ، ﵀، من الموالين لعمّي العزيز، ﵀، المتعصّبين له.
وهذا ولده أبو علي، حُكي لي عنه أنه برَع في الأدب، وأبرّ على أهله، وأرِجت أرجاء العِراق بنشر فضله.
وله المقطّعات النادرة الدالة على ظَرْفه ولطفه، وحسن معرفته، وطيب عَرفِه.
نضَب ماء شبابه، وأتاه نذير الأجل بكتابه، وعاجله من المنون ما لم يكن في حسابه.
أُنشدت له بيتين يهجو بهما ابن كامل العوّاد، أحلى من نغَمات العود، وألطف من نغمة الرّود، وأطيب من وِجدان الحظّ المنشود، وأحسن من الرّوض المعهود، وهما:
إن وفت لابن كاملٍ صنعةُ العو ... دِ فقد خانه غناءٌ وحلْقُ
هو للضّرب مستحقٌ ولكن ... هو بالضّرب للغناء أحقّ
وله رباعيات في حسن الربيع، بالمعنى البديع، واللفظ الرّصيع، فمنها:
يا من هرَبي منه وفيه أربي ... ضدّان هما عذابُ قلبي التّعِبِ
أحيا وأموتُ وهْو لا يشرُ بي ... كم وا حرَبي فيه، وكم وا حرَبي
ومنها:
يا من أدعو فيستجيبُ الدّعوى ... لا يحسُن بي الى سواك الشّكوى
أنت المُبْلي فكن مُزيل البلوى ... لا مُسعِدَ للضّعيفِ إلا الأقوى
أبو السّمح سعيد بن سمرة الكاتب
من أهل الأدب والفضل، له اليد الطّولى في النثر البديع، والكلام الصّنيع، والتصريع والترصيع. يحذو حذو الحريري في ترسّله، وينسج على منواله.
نظم رسائل على حروف المعجم، كلّ كلمة منها فيها الحرف الذي بنى الرسالة عليه، كرسالتي الحريري: السّينية والشّينية. وسأوردهما في كلام الحريري.
وأبو السَّمْح سمحُ الخاطر، جواد القريحة، مجيب الرّويّة، مصيب المعاني الرائقة، مجيدٌ لنظم الكلِم الفائقة.
أسلم في الدولة المستنجدية، وحسُن إسلامه، وعمل قصيدة في الرّد على اليهود وإظهار معايبهم، ورتّبه الإمام كاتباً بمَنثَره.
فمما أنشدني له في الإمام المستنجد بالله، يهنّيه بعيد الفطر سنة إحدى وستين، أبيات، نظمها غير معجمة، وهي:
ملِكَ الأمر دام أمرُك مسمو ... عاً مُطاعاً ما حال حوْلٌ وحالُ
ورعاك الإلُ ما همَر الرع ... دُ وما دامَ للوَدودِ وِصالُ
وأدام العلاّمُ مُلكَ محرو ... ساً محوطاً ما حُلِّلَ الإحلالُ
عمّ أهلَ الإسلام طوْلُك طُراً ... وعداهم لعدلِك الإمحالُ
стр. 51
ومحا رسمَ كل عادٍ مُعادٍ ... مُلحدٍ همّه الدّها والمِحالُ
سرّ أهلَ الصّلاحِ عصرُ إمامٍ ... ما عراه لردْع روْعٍ مَلالُ
عالمٌ عاملٌ معَمٌّ مُعِمٌّ ... عادلٌ عهدُ عدلِه هطّالُ
ملكٌ راحمٌ لداعٍ ومملو ... ل لداه ردا الولاءِ طُوالُ
حالُه حالكٌ وموردُه م ... رٌّ وأسما دُروعِه أسمالُ
عمّه طَولُه وأعدمه الإع ... دامُ عمداً وما عَرا إهمالُ
أسعدَ الله كلّ دهرٍ وعصرٍ ... سُدّة المُلكِ ما أهلّ هلالُ
حاطها الله ما لحى طالحاً لا ... حٍ وما لاح للحُداة الآلُ
وأنشدني له، وقد سامه بعد الصّدورِ أن يعمل شيئاً على نحو هذا البيت، وهو:
زار داوودَ دار أرْوى وأرْوى ... ذاتُ دلٍّ إذا رأت داوودا
وليس في هذا حرفان متّصلان.
فقال:
وادِدْ دُواداً وراعِ ذا ورَعٍ ... ودرِ دارا إن زاغَ أو زارا
وزُرْ وَدوداً وأدْنِ ذا أدبٍ ... وذَرْ ذَراه إن زارَ أو زارا
وأنشدني له، وقد ضمّنه رسالة:
من الغريبِ المُعنّى ... تبغي غريبَ المعْنى
هيهاتَ هيهاتَ ماذا ... حديثُ مَنْ هو مَعْنا
أبو البقاء بن لُوَيزة الخيّاط
من الحريم الطاهري.
كان أمّياً لا يُحسن الخطّ، ولا يعرف الضّبط.
وكانت أخته عوّادة، محسنة، أقامت عند أتابَك بن زنكي بالشام الى أن قُتل، ثم عادت الى بغداد، وصارت أستاذة بحكم صنعتها.
ومن شعر أبي البقاء:
تخرّصتِ الوُشةُ عليّ زوراً ... لقد كذَبوا وحقّك في المقالِ
وقالوا إنّه سالٍ هواهُ ... وما خطرَ السّلوّ له ببالِ
وله:
من ساعة ساروا وزمّوا عيسَهم ... وخلّفوني في الدّيار وحدي
أقبّلُ الأرض ودمعي ساجمٌ ... معفِّراً فوق التّرابِ خدّي
يا ليت أنّ الراقصاتِ نُحِرَتْ ... وعُطّلتْ عن سيرها والوَخْدِ
ولم تكن ترقِلُ والحِبُّ على ... أكوارِها قاصدةً لنجدِ
لا دَرّ درُّ البيْن ما أظلمَه ... في حكمه بالجورِ والتّعدّي
شتّت شملاً جامعاً مصطحباً ... وبدّلَ القُرْبَ بطول البعْدِ
إنْ عادتِ الأحبابُ من غيبتها ... وواصلوا بعْدَ الجفا بالصّدِّ
فمُهجتي نذْرٌ وما أملِكُه ... لمن أتى مبشّراً بالوفدِ
أبو القاسم هبة الله بن الفضل الشاعر
رأيته شيخاً مسناً، مطبوعاً، حاضرَ النّادرة.
توفي ببغداد في شهور ثمان وخمسين وخمس مئة.
وله شعر كثير، لم يدوّن، والغالب عليه الهجاء والمجون، وما خلا من ذلك لا يكون له طُلاوة. هجا الأكابر، ولم يغادر أحداً من أهل زمانه.
سمعته يُنشد بيتاً له في نفي الخَيال الكرى، وهو:
ما زارني طيفُها إلا مُوافقةً ... على الكرى ثم ينْفيه وينصرفُ
ورأيته كثيراً يُنشد الوزير ابن هبيرة، ويمدحه، ويجتديه. وقال يوماً: إرحَمْ يتيماً في سنّي. وكان يتبرّم به الوزير، حتى حدّثني صديقي مجد الدولة أبو غالب بن الحصين قال: أنشد الوزير:
شعريَ قد بطّ جُيوبَ الورى ... فلو أردتَ المنعَ لم تقدِرِ
وأزهرُ السّمانُ لا ينثني ... ما دام حياً عن أبي جعفر
وحكاية الأزهر السمّان مع المنصور، مشهورة، وهي:
стр. 52
أنّ هذا أزهر السمان رجل من أهل الكوفة، كان يصحب أبا جعفر، ﵁، في زمان بؤسه، قبل الخلافة. فلما فوّضت الخلافة الى المنصور، جاءه أزهر مهنّئاً بذلك، فحجبه. فترصّد له في مجلس حفْل، فسلمَ عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ قال: جئت مهنئاً بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد قضيت وظيفة الهناء، فلا تعُدْ إليّ. فمضى. وعاد في القابل، فحجبه، فسلّم عليه في مثل ذلك المجلس، فقال: ما الذي جاء بك؟ قال: سمعت أنّك مريض، فجئت عائداً، فقال: أعطوه ألف دينار وقولوا له: قد قضيت وظيفة العيادة، فلا تعُدْ إليّ، فإني قليل الأمراض. فمضى. وعاد في القابل، فقال له في مثل ذلك المجلس: ما الذي جاء بك؟ قال: كنت سمعت منك دعاءً مستجاباً، فجئت أتعلّمه منك. فقال: يا هذا، إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله تعالى به أن لا تأتيني، وأنت تأتي! وله القطعة التي يغنّى بها في بغداد، في غاية الحسن والرّونق، الصافي عن القذى والرّنَق:
يا من هجرَتْ ولا تُبالي ... هل ترجعُ دولة الوصال
ما أطمعُ يا عذاب قلبي ... أن ينعَم في هواكِ بالي
الطّرفُ كما عهدتِ باكٍ ... والجسمُ كما تريْن بالِ
ما ضرّكِ أن تعلّليني ... في الموصل بموعدٍ مُحالِ
أهواكِ وأنت حظُّ غيري ... يا قاتلتي فما احتيالي
أيامُ عنايَ فيك سودٌ ... ما أشبههنّ باللّيالي
والعُذّلُ فيك قد نهوْني ... عن حبّك ما لهم ومالي
يا مُلزمي السلوّ عنها ... الصّبّ أنا وأنت سالِ
والقولُ بتركها صوابٌ ... ما أحسنَه لو استوى لي
في طاعتها بلا اختياري ... قد صحّ بعشقها اختلالي
طلّقتُ تجلّدي ثلاثاً ... والصبوةُ بعدُ في حبالي
ذا الحكمُ عليّ من قضاهُ ... من أرخصني لكلِّ غالِ
وقوله في ابن شماليق كَثير:
ابنُ شماليقَ ليس فيه ... نفعُ صغيرٍ ولا كبيرِ
فكيف أثني عليه يوماً ... بمنطِقِ الحامدِ الشّكور
واللهُ قد قال فيه قبلي ... يهجوه لا خيرَ في كَثير
وله في قصيدة يهجو فيها جماعة، منهم بعض الهاشميين، يطعن على نسبه:
يكنى أبا العباس وهْو بصورة ... حكمت عليه وأُسجلت بمُغمِّرِ
في كفِّ والدِه وفي أقدامِه ... آثارُ نيلٍ لا يزالُ وعُصفرِ
وإذا رأى البركيلَ يخفقُ خيفةً ... ذي الهاشميّة أصلُها من خيبرِ
نسَبٌ الى العبّاس ليس نظيرُه ... في الضّعف غير الباقِلاء الأخضرِ
يُنادى، في بغداد، على الباقِلاء الأخضر، بالعبّاسي.
وله:
رنا عن الفاترِ الكحيل ... والحتفُ في سُمّه القَتولِ
كم سلّ من مقلتيْه سيفاً ... تقبيلُه مُنيةُ القتيل
أحورُ حرُّ القلوبِ فيه ... مولِّدٌ حيرةَ العقولِ
لم يسْلُ فيه فؤادُ صبٍّ ... هام على خدّه الأسيلِ
وا ويلتي قولُ مستغيثٍ ... من ظالم واهبٍ بخيلِ
من سُقم جفنيه سُقم جسمي ... ومن ضنى خصرِه نُحولي
وأنشدتُ له في أنوشروان الوزير، في ذمّ التّواضع:
هذا تواضُعك المشهورُ عن ضعَةٍ ... فصرتَ من أجله بالكبر تُتّهَمُ
قعدْت عن أمل الرّاجي وقمت له ... فذا وُثوبٌ على الطُّلاب لا لهُم
وأنشدت له في أبي بكر وعمر ابني السّامري البيّع:
أبو بكر أخو عُمر سباني ... بسهمَي مُقلتيه وحاجبيْهِ
إذا مشَيا معي أبصرتُ أفقاً ... أحاطَ به السّنا من جانبيْهِ
يموت الحاسدون إذا رأونا ... فنخرُج بالنّبيّ وصاحبَيْه
إشارةً الى قول المشيعين للجنائز: النبي وصاحبيه.
ومما أنشد الوزير ابن هبيرة، في آخر عمره، قطعة جيميّة، استحسنتُها، فكتبتها:
أهلاً وسهلاً بمولانا فأوبتُه ... لكلّ شاك بها من ضُرّه فرَجُ
لا أعدَم اللهُ فيك الخلْقَ نافعَهم ... يا من به تفخرُ الدُنيا وتبتهجُ
стр. 53
ودام جُودُك عون الدّين يغمرُنا ... يا مَنْ تعيشُ بما تسخو به المهجُ
إصنَع لهمٍّ أخي همٍ تقلقله ... فصدرُه ضيق من رُعبِه حرِج
ومنها:
مولاي قد قصُرت بها نهضتي كبَراً ... فما عليّ بشكوى فاقةً حرَجُ
يا خيرَ من لاحظَ المضطرّ نائلُه ... وخيرَ ذي كرم في بابه ألِجُ
أنت المؤمّلُ للغمّاء تكشِفُها ... إذا تخطّفتِ المستصرِخ اللُّجَجُ
يا محسناً طرَدت آلاؤه كرماً ... ما في فؤادي من اللأواء يعتلجُ
طيّبْ بقيّة عمري بالتّعهد لي ... يا من له طيبُ ذِكر نشرُه أرِجُ
يا من له حجّة بالعزّ قائمة ... إرحَمْ لك الخيرُ شيخاً ما له حُججُ
فإنّ من جاوزَ العُمريْن قد خرِبتْ ... بالعجزِ منه أعالي القصرِ والأزَجُ
ففيمَ تخدَعُني الدُنيا بزينتها ... والحَينُ قد حان والأحبابُ قد درَجوا
والرّزقُ ما دمتُ حياً أبتغيه كما ... يرومُه يافعٌ في حرصه لهِجُ
ومنها:
آن الأوانُ وأعمالي التي سلَفت ... عِقدٌ يجاورُ فيه دُرّهُ السّبَجُ
وذو الجلال إذا ما شاءَ محّصها ... برحمةٍ منه بالغفران تمتزجُ
إنّ الذّنوب ذُنوبَ العفوِ يغسِلُها ... فطيمئنّ بها في الحشرِ منزعجُ
وأنت واللهِ في علمٍ وفي عملٍ ... من يستقيمُ به في العالم العِوَجُ
أولى بمجدِك أن تحنو على يفَنٍ ... مديحُه بالذي أوليتَ مبتهجُ
فالعدلُ عندك والإحسان سوقُهما ... قامت على قدَمٍ ما شانَها عرَجُ
وما أحاولُ من نَعمءَ تُسبغُها ... فثوبُها لي بما أرضاه ينتسجُ
جنابُك الرّحبُ يا أندى الكرام يداً ... فيه بصنعك عنّي الضّيقُ ينفرجُ
ومنك آمُلُ بعد الله عارفةً ... بها يزيّل عنا الشدةَ الفرَجُ
فانظُرْ إليّ بإحسانٍ تحوزُ به ... حسنَ الثّواب الذي تعلو به الدّرجُ
فليس إلاك مُجدٍ نستجيرُ به ... من الخطوبِ التي تنكيلُها سمِجُ
فالناس بالناس في الأزمان بعضُهُم ... للبعض في ظُلَمٍ تغشاهُمُ سُرُج
وله من قصيدة يشكو فيها قسمة الحظّ، من جملتها:
يُعطي البُغا لابنِ السّمي ... نِ ويحرِمُ الفافا وقَيْلَقْ
ابن السّمين: رجل شيخ، محدّث. والفافا وقيلق: كانا مملوكين لابن الأنباري، موصوفين بالحسن.
وله في أمين الدولة، المعروف بابن التّلميذ:
ليس يُعطي مَن يؤملُه ... غيرَ طلْقِ الوجهِ والقُبلِ
ولُفيظاتٍ ينمّقُها ... خُدعةَ الجمّالِ للجمَلِ
وقياماً ما يُخلّ به ... ذا يكدّي آخرَ العملِ
وسمعت أن ابن التّلميذ نفّذ إليه ثوباً أسود في جوابه، وكتب معه:
أحبّك في السّوداء تسحب ذيلَها ... خطيباً ولكن لا بذكرِ مثالبي
ونقلت من خطّ ابن الفضل الشاعر قطعة، كتبها الى البُرهان عليّ الغزْنَويّ الواعظ، وكان يذكره ويتعرّض به:
الى متى تجْني وتستعدي ... يا سيئَ التّدبيرِ والعهدِ
فحاسبِ النّفسَ على ما كلّ ما ... تأتيه من جورٍ على عمْد
ولا تُغاثثْ بعتابي على ... إغضاءِ وافٍ صالح الوُدِّ
واترُكْ برأيي دسْتَنا قائماً ... واجعلْهُ بالشّطرنْجِ لا النّردِ
ففصُّك المعلولُ في اللّعن لي ... يحرّم القمرَ بلا بُدّ
وسالفُ الصُحبة لا تنسهُ ... ولا تثوّرْ بالأذى حِقدي
ولا تجدّدْ بعتابي من ال ... إوان ما سكّنتَ من وجْدي
دعني أُصادي النّفسَ عن غيظِها ... منك بشكرِ البِرِّ والرِّفدِ
إنّ الأذى والمنّ قد صيّرا ال ... لِباس منه خلَق البُردِ
стр. 54
وعاد واللهِ عُقوقاً به ... تأكُلُ يا سيّدنا كِبْدي
وا عجباً من فطِنٍ كيّسٍ ... إيمانُه يأوي الى زُهدِ
أبعْدَ عشرين خلت وانقضت ... بين العراقَين الى نجْدِ
ما غيّرتْ بغدادُ في هذه ال ... مدّةِ سوءَ الخُلُقِ الجعْدِ
والشّوكُ والثّلجُ على حالةٍ ... يشوبُ حرّ الوخْزِ بالبردِ
كان أبداً يحدّث الغزْنويّ عن طريق غَزْنة، والبرد فيها والشوك، فيقول له: ما فارقتَ بعدُ تلك الطريقة.
وأنت تنهى الناس عن غيبةٍ ... في مثلِها تأمُرُ بالرّدِّ
إما بتخويفٍ من النارِ أو ... بنوعِ تشويقٍ الى الخُلدِ
وبعدَ ذا تفعلُ بي هكذا ... زِنْهار من سالوسِك السّرْدِ
وهذه العجمةُ من عندِك اقْ ... تبستها ما هي من عندي
أنا وأغراضي على تركي ال ... جدالَ بين العكسِ والطّردِ
إرجِعْ الى الله ودعْني ولا ... ترْمِ بسهمِ الطّيشِ من بُعْدِ
منْ قطعَ الوصلَ بلا موجبٍ ... ذاك الذي يصلُحُ للصّدِّ
هبْني كشيءٍ لم يكن أو كمن ... وسّدَه الحفّارُ في اللّحدِ
وفّقنا اللهُ وإيّاكَ يا ... مولايَ للخيرِ وللرُّشْدِ
لا تُصلحِ الفاسدَ منّي بما ... يخرُجُ من خردٍ الى شدِّ
ودَرْدِسَرْ يا نور عيني مكُن ... لضيّقِ الأنفاسِ بالدّرْدِ
ولا تنغّصْ من دِنانٍ خلت ... لبختيَ الأسودِ بالدّرْدي
تُريد منّي بعدَ ويلٍ جرى ... سعياً الى الخدمة بالقصدِ
هيهاتَ يأجوجُك في باطل ... باللّحْسِ للمُحْكَمِ من سَدّي
أنت تُداجيني كذا ساخراً ... أنا الذي أخنَقُ بالزُبدِ
وخاطري بالقدْح في كل ح ... رّاق سحيق واريَ الزّندِ
إبليسُ في كل بلاء به اس ... تغوى بني آدمَ من جندي
أنا الذي أمزِجُ خلّي إذا ... ما شئتُ للمُمْرَضِ بالشُهْدِ
إيارَجي أخلِطُ أخلاطَه ... مُغالطاً للخصمِ بالفَنْدِ
طِبٌ عراقيٌ على صورة الت ... حقيق لا برْخَشةُ الهندِ
عليّ مَن يُقدمُ أن يجتري ... بصولة المولى على العبدِ
عندي وفاءُ الكلب لكنّه ... مركّبٌ من قسوةِ الأسْدِ
أغاضبُ الفيلَ على أنني ... عند الرِّضا أرقُصُ للفردِ
ما لغزالِ السِّرْبِ حظٌ إذا ... ما عزّه المكروهُ بالفهْدِ
وشفةُ الشّهم قبيحٌ بها ال ... لَثْمُ لنعلِ الفرَسِ الورْدِ
يا نفْثةَ المصدور مني قِفي ... دونَ المناواةِ من الحدِّ
فاسلَمْ وسالمْني فهزْلي هو ال ... سُمّ إذا أعربَ عن جِدِّ
وقد أردف هذه القطعة بنثر، من جملته:
إنّ الله تعالى بذل المغفرة رشوةً وبرطيلاً لعباده من عبادته في جزاء العفو والصّفح، بقوله: (ولْيَعْفوا ولْيَصْفَحوا. ألا تحبّونَ أن يغفِرَ اللهُ لكم؟) .
وإذا وزنَ سيّدنا ديناره في قسطاس الإنصاف، موازناً له بصَنْجة الاعتراف، درى بما جنى، وبرئت من المعاتبة أنا. لكنه يدغدغ نفسه ويضحَك، وأسامحُه ويمْحَكُ.
وقد توالى من نزَغات الشيطان أسبابٌ زعزعت أركان المودّة، وزلزلت أرضَ الألفة، ورنّقت مشرَبَ المحافظةِ، وجلّلت آفاق المصافاة بالكدورة، وأفسدت نظام الأخوّة حتى أجلت معانيَها، وأخلَت مغانيه، فعاد الالتفاتُ من الجانبين جميعاً الى المحافظة التفاتاً عنها، فتباعدتِ الضّمائرُ بعد تقاربها، وتناءت عقب تصاقبها، وانطبع في كل مرآة صورة الإيحاش، من غير مِراءٍ فيه ولا تحاش.
وحصلْنا على نِفاق أجازي ... هِ بصبري عليه غصباً ورغْما
والبصير الذي يُحابي بأن يُص ... بحَ عن رؤية المحاباة أعمى
فإلى كم تكونُ حربي بلعني ... كلّما كنت بمالمداراة سِلْما
علم الفضل أبو منصور
стр. 55
المبارك بن سلامة المخلطيّ البغدادي
من أهل الجانب الغربي، من مادحي الوزير جلال الدين بن صدقة.
أنشدني صديقي مجد الدولة أبو غالب بن الحصين، قال: أنشدني خالي وابن عمّ أبي شمس الرؤساء، أبو الحسن، عليّ بن محمد بن الحصين، قال: أنشدني أبو منصور ابن سلامة لنفسه:
وُجودُ الفتى فقدٌ إذا عدِم الشُكرا ... وثروتُه فقرٌ إذا لم تُفِدْ ذِكرا
ثمارُ الثّنا من دوحةِ الجودِ تُجتَنى ... ولولا احتراقُ العود ما اكتسب العطرا
ومن كان يرضى بالخمول مخيِّماً ... وإن كان حياً ميّتٌ ساكنٌ قبرا
تغرّبْ عن الأوطان في طلبِ العلى ... الى نيلِ ما تهواه لا تكرهِ المسْرى
فقد عاف دُرّ البحرِ فيه خمولَه ... ففارقَه حتى ارتقى التاجَ والنّحرا
وإنّ اسوِدادَ المسكِ بعد احمرارِه ... بفُرقته للظّبي أعقبه النّشْرا
ومن كان ذا جهلٍ بأبناء دهرِه ... فإني قد جرّبت أحوالهم خُبْرا
فألفيتُهم أعداءَ من قلّ مالُه ... على غير ما جُرْم وأخلاّء من أثرى
يكذّبني معروفُهم في مديحهم ... فأحتاجُ أن أبني لتقصيرهم عُذرا
وأنشدت له في غلام، عرض عليه أن يشرب فأبى:
وأعرضَ إذ عرَضْتُ عليه خمراً ... يروقُ الشَّرْبَ من شُربِ الظِّرافِ
فيا متحاشياً من شُربِ راحٍ ... مع النّدماء صافيةِ النِّطافِ
إذا ما كنت ذا ورَع ونُسْكٍ ... أرِقْ ما في لحاظِك من سُلافِ
وله:
بأنامل أصمت مَقاتلَنا ... فرؤوسُها بدمائِنا حُمْرُ
محمود بن محمد بن مسلم
الشّروطي البغدادي
كان شاباً، رائق الشّعر، بديع النّظم والنّثر.
أنشدني لنفسه من قطعة يغنّى بها:
يا طُلولُ بعدَهمُ ... كيفَ حالُ ذي شجَنِ
غيّرتْكِ حادثةٌ ... من حوادثِ الزّمنِ
وكان يُنشدني من شعره كثيراً، ولم أثبته.
وآخر عهدي به سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة. وتوفي بعد ذلك، وأنا بواسط.
وله ديوان.
وكان معظم مدحه في نقيب النُقَباء ابن الأتقى الزّينيّ.
وله من قصيدة في مدحه، مستحسنة، أولُها:
في حدّ رأيِك ما يُغْني عن القُضُبِ ... وفي سخائك ما يُرْبي على السُحُبِ
وفي اعتزامِك ما لو شئت تُنفذُه ... أبادَ بالخوف أهلَ الدهرِ والرُعُبِ
دانت لهيبتك الأيام خاضعةً ... وفلّ عزمُك حدّ الموكبِ اللّجِبِ
وقال عنك لسانُ الدهر ما نطقت ... به على كل عودٍ ألسُنُ الخُطَبِ
يا طلحةُ بن عليّ ما لائدِنا ... الى الغنى غيرُ ما توليهِ من سببِ
جابت بنا البيدَ عيسٌ طالما غنِيَتْ ... براحتَيْك عن الأمواه والعُشُبِ
حتى وصلنا الى ملْكٍ مواهبُه ... مقسومةٌ بالنّدى في العُجم والعرَبِ
محجّب برِواق من مَهابته ... يلقى الوفود بمالٍ غيرِ متجِبِ
ومنها:
فجدّه في صعودٍ لم يزَلْ أبداً ... ومالُه بالنّدى المنهَلِّ في صبَبِ
إن ساجَلوك وجاؤوا بانتسابِهم ... ففي السمء مقرّ الرّأسِ والذّنبِ
أو شابهوا عاطفاتٍ منك طيّبةً ... فالعودُ والعودُ معدودانِ في الخشبِ
وكلّه خشبٌ في الأرضِ منبِتُه ... لكنّ شتّان بين النّبعِ والغرَبِ
أو كان أصلُك يا ابنَ المجد أصلهمُ ... فالنّخل لا شكّ أصلُ اللّيف والرُطَبِ
لبّيكَ من منعِمٍ قال الزّمان له ... أنت المُعدّ لصَرْفِ الدهرِ والنّوَبِ
ومنها:
وكيف لا ترتضي الآمالُ رأيَ فتىً ... مذ كان في المهدِ أعطي الحكم وهْو صَبي
وأجدرُ الناس بالعلياء من شهدتْ ... له العلى وعلى حُبِّ الإمام ربي
يا من علت درجاتُ الفضلِ بي وبه ... شعري وجودُك رأسُ المجدِ والأدبِ
стр. 56
لما غدوتَ من الأجوادِ منتخَباً ... أتاك شري بمدحٍ فيك منتخَبِ
فلا مددتَ يداً إلا الى ظفَرٍ ... ولا وطِئْتَ ثرىً إلا على أرَبِ
وله من قصيدة في مدحه:
جرّبتُ أبناءَ هذا الدهرِ كلهمُ ... ولم أجِدْ صاحباً يصفو به الرّنَقُ
إنْ حدّثوا عن جميلٍ من خلائقهم ... مانوا وإن حدّثوا عن ميْنِهم صدقوا
هم العُدوّ فكن منهم على حذَرٍ ... لا يخدعَنْك له خلْقٌ ولا خُلُقُ
تغيّر الدهرُ والإخوانُ كلهمُ ... مالوا عليّ فلا أدري بمن أثِقُ
وله من قصيدة:
أعنِ العَقيقِ سألتَ برقاً أومَضا ... أأقامَ حادٍ بالرّكائب أو مضى
إن جاوز العلمَيْن من سِقْط اللّوى ... بالعيس لا أفضى الى ذاك الفضا
وله:
حيِّ جيراناً لنا رحلوا ... فعلوا بالقلب ما فعلوا
رحلوا عنّا فكم أسَروا ... بالنّوى صبّاً وكم قتَلوا
من لصَبٍّ ذابَ من كمَدٍ ... طرفُه بالدّمعِ منهملُ
فهْو من شدْوِ النّوى طرِبٌ ... وهْوَ من خمرِ الهوى ثمِلُ
واقفٌ بالدّارِ يسألُها ... سفَهاً لو ينطقُ الطّللُ
لو تُجيبُ الدارُ مخبرةً ... أين حلّ القومُ وارتحلوا
لتشاكَيْنا على مضضٍ ... نحن والأوطانُ والإبِلُ
يا صَبا نجدٍ أثرتِ لنا ... حُرَقاً في القلب تشتعلُ
غرّدَ الحادي ببَينِهمُ ... فله يومَ النّوى زجَلُ
يا شُموساً في القِباب ضُحىً ... حجبْتها دوننا الكِلَلُ
عجْن بالصبِّ المشوقِ فقد ... شفّه يومَ النّوى الملَلُ
وله:
ألِفْتُها وللحُدا تغريدُ ... عن رامةٍ إنْ وصلتْ زَرودُ
فلاحَ برقٌ بثنيّاتِ الحِمى ... تُشيمُه للأعينِ الرّعودُ
فمالتِ الأعناقُ منها طرباً ... كما يُميلُ الناشدَ المنشودُ
أسكرها خمرُ السُّرى تحت الدُجى ... لا الخمرُ ما جاء به العُنقودُ
وللنّسيم في الظلام يقظةٌ ... مسامرو الرّكْبِ بها رُقودُ
نوقٌ إذا ما سلِمتْ من الوجى ... أذابَها التّسْآدُ والتّسهيدُ
تبغي زَروداً حاجةً ممنوعةً ... ومقصِداً مرامُه بعيدُ
لو خُلّيتْ نالت ولكنْ عافها ... أنّ امتناعَ ركبِها قُيودُ
أو نطقت قالت كما قلت لها ... آهاً لهذا البينِ ما يُريدُ
في كل يومٍ للفراق روعةٌ ... وللرّكاب سائقٌ غِرّيدُ
دأبُ المحبّين الغرامُ والجوى ... ودأبُها الأنساعُ والقيودُ
قد شابهَ الرّكبُ الرِّكابَ في الهوى ... فكلّهم بوجْدِه عميدُ
ما للغمامِ لا عدا وادي الغضَى ... عليه من خِلاله يجودُ
وهبّ خفّاقُ النّسيم فانثنت ... غصونُه مائسةً تَميدُ
واكتستِ الكُثبانُ زهْراً مثلما ... بصِبغها لُوِّنَتِ البُرودُ
وفاحَ نشْرُ الرّوضِ تحدوهُ الصّبا ... فطاب من ريّاهُما الصّعيدُ
وابتسم النّوْرُ على هامِ الرُبا ... كما وهت عن نظمها عقود
ومالتِ الأغصانُ روّاها النّدى ... كأنّما أوراقُها بُنودُ
فلستُ أدري أغصوناً مِسْنَ لي ... أم خطرَتْ بلينِها القُدودُ
هيهاتَ يُخفي ما به مُتيّمٌ ... دموعُه بوجْدِه شهود
مجتمعُ الأضدادِ من جُفونِه ... بحرٌ ومن أحشائِه وَقودُ
عاد الهوى فليتَ أيامَ الصِّبا ... مثلُ الهوى كما مضت تعودُ
والشّعراتُ البيضُ شُبْنَ مفرِقي ... فليتَها عادت وهنّ سودُ
стр. 57
رُدّوا الصِّبا كردّ طرْفِ لحظةٍ ... إنّ الصِّبا زمانُه حميدُ
وخلّصوني من تكاليفِ الهوى ... إنّ الهوى عذابُه شديدُ
أو لا فنادوا ثم بيعوا مُهجتي ... بنظرةٍ فيمن عسى يَزيدُ
أو فاجمَعوا شيبي وذُلّي في الهوى ... وطول تعذيبي بمن أُريدُ
ما فعلت بالأنفُس البيض الظُّبا ... ما فعلت بنا الظِّباءُ الغيدُ
سنَحْنَ بالوادي فماذا فعلت ... بالأنفُس الأجيادُ والخدودُ
وله من قصيدة:
أسيرُ هوى المحبّةِ ليس يُفْدى ... ومقتولُ التّجنّي لا يُقادُ
ومن قد أمرضته وأتلفته ال ... عيونُ فلا يُفادُ ولا يُعادُ
فقدْتُ الصّبرَ حين وجدْت وجْدي ... وجاد الدّمعُ إذ بخلَتْ سُعادُ
وكنت أخافُ بُعدي يوم قُربي ... فكيف أكون إن قرُب البِعادُ
ديارَهُمُ كساكِ الزّهرُ ثوباً ... وجادَ على معاهدِك العِهادُ
ألا هل لي إلى نجدٍ سبيلٌ ... وأيامي برامةَ هل تُعادُ
أقول وقد تطاول عمرُ ليلي ... أما للّيلِ ويحَكُمُ نفادُ
كأنّ الليلَ دهرٌ ليس يُقضى ... وضوءُ الصُبح موعدُه المَعاد
أعيدوا لي الرّقادَ عسى خيالٌ ... يزورُ الصبّ إن عادَ الرُقادُ
وبيعوني بوصلٍ من حبيي ... وفي سوق الهوانِ عليّ نادوا
فلو أنّ الذي بي من غرامٍ ... يُلاقي الصّخرَ لانفطرَ الجمادُ
وثِقتُ الى التصبّر ثمّ بانوا ... فخان الصّبرُ وانعكس المرادُ
وكان القلبُ يسكنُ في فؤادي ... فضاع القلبُ واختُلِس الفؤادُ
وقالوا قد ضللْت بحبّ سُعدى ... ألا هذا الضّلالُ هو الرّشادُ
وهل يسلو وِدادَهمُ محبٌّ ... له في كل جارحةٍ وِدادُ
وآنفُ من صلاحي في بعادي ... ويُعجبني مع القربِ الفسادُ
وبين الرملِ والأثلاتِ ظبيٌ ... يصيدُ العاشقين ولا يُصادُ
أحمُّ المُقلتيْن غَضيضُ جَفنٍ ... تكِلّ لطرفِه البيضُ الحِدادُ
أقولُ وقد تحجّبَ عن لِحاظي ... حبيٌ بالجَفا عنه أُذادُ
أراك بمقلتي وبعين قلبي ... لأنّك من جميعهما السّوادُ
لمن وأنا المَلومُ ألومُ فيما ... على نفسي جنيتُ أنا المُفادُ
سعى طرْفي بلا سببٍ لقتلي ... كما لدمِ الحسينِ سعى زِيادُ
وله:
سترَ الغرامُ فهتّكته الأدمُعُ ... والدمعُ يُعلنُ ما تُجنّ الأضلع
وأعار في الأغصان كلّ حمامةٍ ... نوحاً فرقّ له الحمامُ السُجّعُ
واستنّ برقٌ بالحِجاز فشاقه ... ذاك الوميضُ وأقلقته الأربُعُ
وكذا المشوقُ إذا تذكّر منزلاً ... هاجت بلابلَهُ البُروقُ اللُّمَّعُ
يا قلبُ هل لك في السّلوِّ طَماعةٌ ... أم ما مضى لك من زمان يرجِعُ
أم هل لمن أسرَ التّجني مُنقذٌ ... إنْ أنّ في قيدِ الصّبابةِ موجَعُ
كيف السّبيلُ الى الحجاز ولعلَعٍ ... من بعدِها بعُدَ الحجازُ ولعْلَعُ
أوطارُ شوقٍ في الفؤادِ مقيمةٌ ... وغليلُ حُبٍّ في الحشا لا ينقَعُ
من للمحبّ ترحّلت أحبابُه ... بلِوى العقيق عن العقيق وودّعوا
خذلَتْه أنصارُ التّصبّر في الهوى ... يومَ الفراقِ وساعدته الأدمعُ
قِفْ وقفةً عنّي ببُرقةِ عاقلٍ ... وسلِ الطّلولَ وهل يُجيك بلقَعُ
واستخبرِ الرّسمَ القديمَ وقل له ... أين الكثيبُ وأين ذاك الأجرعُ
بل أين سكّان الحِمى فلئِنْ سرَوا ... عن مُقلتي فلهم بقلبي مربَعُ
أضحت هوادجُهم لدُرِّ رُبوعهم ... صدَفاً وهنّ على الحدائجِ تُرفَعُ
وله:
стр. 58
هل بعد إقرارِ الدموعِ جُحودُ ... غلبَ الكرى وتمكّن التّسهيدُ
يا للرّجالِ لنازح متغرّب ... كثُر الغرامُ عليه وهو وحيدُ
أنا بين حالَيْ مُقتِرٍ ومبذّرٍ ... مُضْنى الفؤاد متيّمٌ معمودُ
صبرٌ ودمعٌ ليس لي بهما يدٌ ... فالصّبرُ يبخلُ والدموعُ تجودُ
أمذكّري تلك العهودَ برامةٍ ... أنَسيتَ ما أهدت إليّ زَرودُ
لا تثْنِ طرفَك عن ثنيّات اللّوى ... فلنا على تلك العهودِ عهودُ
ولقد وقفنا للوداع وضمّنا ... يومٌ بمنعرجِ اللّوى مشهودُ
جمعاً يفرّقنا الفراقُ ولم يزلْ ... شمْلُ الوداعِ يُبيدُه التّبديدُ
بلّغْ هُديتَ تحيّةً من عاشقٍ ... بالنّفسِ دون لِوى العقيقِ تجودُ
وأقرّ السّلامَ على الكثيبِ وقُلْ له ... هل ماءُ رامةَ بعدَنا مورودُ
يا عاذلَ العُشّاق إنْ هجروا وإنْ ... وصلوا فكلٌ بالجوى مجهودُ
دعهُمْ وما طُبِعوا عليه فإنّهم ... منهم شقيٌ في الهوى وسعيدُ
وله:
عتابٌ منك مقبولُ ... على العينين محمولُ
ترفّقْ أيه الجاني ... فعقلي فيك معقولُ
ويكفيني من الهِجرا ... نِ تعريضٌ وتهويلُ
ألا يا عاذلَ المشتا ... قِ إنّي عنك مشغولُ
وفي العشّاقِ معذورٌ ... وفي العشّاق معذولُ
أسُلْوانٌ ولي قلبٌ ... له في الحبّ تأويلُ
بمَنْ في خدِّه وردٌ ... وفي عينيه تكحيلُ
وجيشُ الوجدِ منصورٌ ... وجيشُ الصّبرِ مخذولُ
وله:
جفْنُ عيني شفّه الأرَقُ ... وفؤادي حشوهُ الحُرَقُ
من لمشتاقٍ حليفٍ ضنىً ... دمعهُ في الرّكبِ منطلقُ
أنا في ضِدّين نارِ هوىً ... ودموعٍ سُحْبُها دُفَقُ
بي حريقٌ في الفؤاد ولي ... مُقلةٌ إنسانُها غرِقُ
وحبيب غابَ عن نظري ... فدموعي فيه تستبقُ
غاب عن عيني فأرّقني ... فجفوني ليس تنطبقُ
قلت إذ لمَ العواذلُ واص ... طلحوا في اللّوْم واتّفقوا
وفؤادي فيه ذو قلقٍ ... ماعلى العُذّال لو رفَقوا
مذ نأت عنّي منازلُه ... ليس لي خلقٌ به أثِقُ
أخوه أبو المعالي ابن مسلم الشّروطي
وكان أصغر من محمود.
أذكره في أوان الصّبا، ودكّانه - في باب النّوبيّ - مجمع الظُرَفاء والأدباء، وهو يعمل شعراً، ويلقّنه صُنّاع الغِناء.
وتوفي بعد سنة خمس وأربغين، وهو شابّ.
ومن نظمه:
جرى دمعُه يوم باتوا دَما ... على إثرهم بعَقيق الحِمى
وصاحوا الرّحيل وزمّوا الرِّحالَ ... وساروا ووجدي بهم خيّما
تولّى الفريقُ أوانَ الفِرا ... قِ واقتسموا مهجتي أسهُما
وعيش علا يومَ صاحوا الرّحي ... ل صارت حلاوتُه علْقَما
وما ضرّ من جرحَتْ مُقلتا ... هـ لو بعثَ الوصلَ لي مرهَما
بلا في الهوى وابتلاني الجَوى ... وكان أساس بلائي هُما
وكم لامني فيهمُ العاذلانِ ... فما سمِعت أذني منهما
وله:
نادى مُنادي البَيْن بالتّرْحالِ ... فلذلك المعنى تغيّر حالي
زُمّتْ ركابُهمُ فلمّا ودّعوا ... رفعوا على الأجمالِ كلّ جَمالِ
فجرت دموعي في خدودٍ خِلتُها ال ... ياقوتَ قد نُثِرت عليه لآلي
وتفرّق الشّملُ المَصونُ وقبلَ ذا ... لم يخطُرِ البيْنُ المُشتُّ ببالي
وله مسمّطة، يغنّى بها:
يا ريمُ كم تجنّىلِمْ قد صددتَ عنّاصِل عاشقاً مُعنّىبالوصلِ ما تهنّا
السّلسبيلُ ريقُوالشّهدُ والرّحيقُوالوردُ والشّقيقُمن وجنتَيْه يُجْنى
стр. 59
حتّامَ يا غزالُذا التّيهُ والدّلالُوالصّدُّ والمَلالُأفنى ولي يَفْنى
عذّبتَني فمهلالم ترْعَ فيّ إلاما كنتُ قطّ إلاأحسنتُ فيك ظنّا
يا فتنةَ الفتونِيا نُزهةَ العيونِإرحَمْ أخا شُجونِما نال ما تمنّى
يا بدرَ كلِّ بدرِفي نصفِ كلِّ شهرِيا منْ أطال فكرييا مَن به فُتِنّا
لم يرْقَ فيك جَفْنيمن عُظم طولِ حُزنيناحَ الحمامُ عنيفي دوحِه وغنّى
قد عيّروا ولاموامن شفّهُ السَّقامُما ينفَعُ الملامُمنْ في هواك جُنّا
صبٌ بكم عميدُأشواقُه تَزيدُقد شفّه الصّدودُأضحى بكم مُعنّى
فخر الدّين أبو شُجاع بن الدّهان
الفرَضي البغدادي
حبرٌ عالم، وبحر في الفضائل متلاطم، فقيه نبيه، نبيل وجيه.
رأيته ببغداد، وهو شابّ، يتوقد ذكاء وفطنة. وله اليدُ الطّولى في النّجوم وحلّ الزّيجات. وله شر حسن جيّد، وخاطر مجيد، ونفَس في النّظم مديد.
أنشدني لنفسه في قطب الدين بن العبّادي، وكان بينه وبين البرهان عليّ الغزْنَويّ الواعظ نوع منافرة، وكانت سوقه انكسرت به:
للهِ دَرّ القطبِ من عالِمِ ... طَبٍّ بأدواءِ الورىآسِ
مُذْ ظهرت حُجّتُه في الورى ... قام به البُرهانُ للنّاسِ
في عرف أهل بغداد: إذا أفلس أحدهم، وأغلق باب دكّانه، قيل: فلان قام للناس.
وأنشدني لنفسه:
أبو سعيدٍ الحكيمُ حبْرٌ ... قد فاق في علمه البرايا
إذا رأى الخطّ مستقيماً ... خرّ له قائمَ الزّوايا
وأنشدني لنفسه في ثقة الدولة، أبي الحسن، عليّ بن الدُرَيْني، وقد مرض:
نذَرُ الناسُ يومَ بُرئِك صوماً ... غيرَ أنّي نذرتُه أنا فِطْرا
عالماً أنّ ذلك اليومَ عيدٌ ... لا أرى صومَه وإنْ كان نَذْرا
وجرى حديثه عند الحكيم أوحد الزمان أبي الفرج بن صفيّة فذكر أنّه يعرف من الهندسة طرفاً صالحاً. وأما شعره، ففي غاية الجودة. وأنشد له من قصيدة في جمال الدين محمد بن عليّ بن أبي منصور بالموصل حين سافر إليه:
قابلتُه فانجبرت كسوري ... وكنتُ في مُربّعِ التّعثيرِ
وله في الوزير عون الدين بن هُبَيرةَ، وقد قرِّب حصانه - ليركب - فجمح، من قصيدة:
وبالأمسِ لما أنْ بدت لطِمِرِّه ... مهابتُه أضحى من الوحش أنفرا
على أنّه ما زال يغشى به الوغى ... ويُوطِيه أطرافَ الوشيجِ مُكسّرا
جوادٌ علت منه الجوادَ مهابةٌ ... فأُرعِد حتى كادَ أن يتأطّرا
وما الطِّرفُ عندي بالمَلومِ وخوفُه ... حقيقٌ به لما اجتلى منه قَسْوَرا
وماجَ لأنّ البحر بعضُ صفاتِه ... فساحَ ولاقى من يمينَيْه أبحرا
وله يهجو أعور:
من عجب البحرِ فحدِّثْ به ... بفرْدِ عينٍ ولسانَيْنِ
الأمير أبو شُجاع بنُ الطّوابيقي
من باب العامّة ببغداد.
له نظم رائق، وشعر فائق. وهو بالموصل. توفّي سنة تسع وستين.
حكى أبو المعالي بن سلمان الذّهبي: أنّه كان صحبه لما قصد أمير قلعة فنَك، وبات ليلتين لم يدخل. فلما عاد الأمير من الصّيد، دخلها، وأنشده من قصيدة:
يا ناصرَ الدّين سمعاً من فتى علِقَتْ ... يداهُ منك بحبلٍ غيرِ مُنبَتِك
لئن غدوتَ لصيدِ الوحشِ في عُدَدٍ ... من النّيازكِ والبتّارةِ البُتُكِ
لَصِدْتُ منك بلُقياك السّماحةَ وال ... إقدامَ والمجدَ في ثِنيَتيْ حِبا ملِك
وعُدّني مدَحٌ تُلهيك عن غُررٍ ... لو ناجتِ الشمسَ لانحطّت من الفلَكِ
أقِلْ وليّك قولَ الكاشحين له ... يا ويحَه عادَ بالحِرمان من فنَكِ
ولا تكِلهُ الى عذرٍ تنمّقُه ... إذ ما عليه بترك العُذرِ من درَكِ
فحسبُه ليلتا سوء غدا بهما ... نزيلُ مُلكك يا مولاي كالملكِ
وأنشدني أبو المعالي الذّهبي، قال: أنشدني لنفس، يستهدي شراباً:
مولايَ قد زارني غلامٌ ... ينظُرُ من مُقلتَيْ غزالِ
يَميسُ كالغصن جاذَبْتُه ... في دَوْحِه نسمةُ الشّمالِ
стр. 60
مزّق بالهجرِ ثوبَ عُمْري ... وعادَ يرفوهُ بالوِصالِ
وهْوَ جليسي في صحنِ دارٍ ... من كلّ ما يشتهيه خالِ
وقد تحيّلتُ في طعامٍ ... يُغني أكيلاً عن الخِلال
والير في دارِه قُدورٌ ... فوق الأثافي بين المقالي
قد أحكمت طبخَها طُهاةٌ ... وصُفِّقَ الخمرُ بالزّلالِ
فانعَمْ بها قهوةً حراماً ... لزاهدِ الدّين في الحلالِ
قال الشّاتاني: وكتب إليّ من قصيدة:
الى حسنٍ نحتثّها لُغّباً حسْرَى ... حواملَ من حُرِّ المديحِ له وِقْرا
ومنها:
تجاوزتَ عن جُرمِ انبساطيَ مرةً ... وعدتَ فعاوِدْ بالنّدى مرةً أرى
ولما سافر الى الموصل، مدح - بديار ربيعةَ وديار بكر - أكابرها، وأشاع أشعاره، وأقام شائرها. وكان له خاطر لأبكار القوافي خاطب غير خاطئ، لكنّما أخمَصُه لذُرا أشرافِها واطئ.
ومن شعره، قوله:
قامت تهزّ قوامَه يومَ النّقا ... فتساقطَتْ خجلاً غصونُ البانِ
وبكت فجاوبَها البكا من مُقلتي ... فتمثّل الإنسانُ في إنساني
ومنها:
وأحبّكم وأحبّ حبي فيكمُ ... وأُجِلّ قدرَكمُ على إنساني
وإذا نظرتكمُ بعينِ خيانةٍ ... قام الغرامُ بشافعٍ عُريانِ
إنْ لم يخلّصني الوصالُ بجاهه ... سأموتُ تحت عقوبةِ الهِجْرانِ
أصبحتَ تُخرجُني بغير جنايةٍ ... من دارِ إعزازٍ لدارِ هوانِ
كدم الفِصادِ يُراقُ أرذلَ موضعٍ ... أبداً ويخرجُ من أعزِّ مكانِ
قد نسب هذه الأبيات إليه من أنشدَنيها، وكنت أظنّها لغيره.
وله من قصيدة:
زارَ وجُنحُ الظلامِ مسدول ... طيفٌ له في الدُجى تخاييلُ
والليلُ زِنجيُّ ليلِه حدَثٌ ... عليه من شُهْبه أكاليلُ
والبدرُ وسْطَ السّماءِ معترضٌ ... قد أشرقَ العرْضُ منه والطّول
ومنها:
أينَ تسيرونَ بالرِّكاب فقد ... ملّ السُرَى حاملٌ ومحمولُ
غزال
من عامّة بغداد.
أنشدني لنفسه:
قد هاج ناراً بقلبي في الدُجى وَرْقا ... أنّت ورنّت ولم تلْقَ الذي ألقى
أوصيكِ يا وَرْقُ رِفقاًبالفتى رِفقا ... الصّبُّ بعد فراق الحِبّ ما يبقى
فارس المعروف بطَلّق
ذكر لي بعض أصدقائي من أهل بغداد: أنّه رأى من عقلاء المجانين بها - في زماننا - رجلاً، يقال له طلّق، وأنشدني لنفسه:
لا يغُرّنْك اللباسُ ... ليس في الأثواب ناسُ
همْ وإنْ نالوا الثّريّا ... بُخَلاءٌ وخِساسُ
كم فتى يُدْعى رئيساً ... وهْوَ الخسّة راسُ
ويدٌ تصلُح للقط ... ع تُفَدّى وتُباسُ
الحسن بن عبد الواحد الشهرباني
المعروف بابن عجاجة المعلّم.
أنشدت له في ابن رَزين:
قبّح اللهُ باخلاً ليس فيه ... طمعٌ واقعٌ لمن يرتجيه
سِفلةٌ إنْ قصدْتَه يتلقّا ... ك على فرْسخٍ بكبرٍ وتيهِ
أحمقٌ رأسُه إذا فتّشوهُ ... وجدوهُ بضدّ إسمِ أبيه
هذه الأبيات، مضطربة في نفسها لفظاً ومعنى، فإنّ ألف الاسم ألف وصل، وقد قطعه؛ ثم الهجو في غير موضعه.
يوسف بن الدُرِّ البغدادي
أنشدني محمد المولَّد له - وذكر أنّه مات في عُنفوان شبابه بطريق مكّة سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وكان ذكيّاً - يهجو بعضم بالعين:
إنّ أبا سعدٍ الممشّي ... زمانَه أنت حين يمشي
مدوّرُ الكعبِ فاتّخذهُ ... لتلِّ غرسٍ وثلِّ عرشِ
لو رمَقت عينُه الثريّا ... أخرجها في بنات نعشِ
ما سمعت بألطف منها في هذا المعنى.
وأنشدني له من قصيدة، وكأنه نطق بحالته:
لهفي على أمل فُجِعت به ... في عُنفُوان شبيبةِ الأملِ
وأنشدني أبو المعالي الكتبيّ له:
عذرتُك لستَ للمعروف أهلاً ... ولومُك في قصورك عنه ظلمُ
أتحسَبُني أقدتُ إليك نفسي ... ولي بك أو بما تأتيه علم
стр. 61
ظننتُ بك الجميلَ فخاب ظنّي ... وقال اللهُ بعضُ الظنِّ إثمُ
وأُنشدت له:
تِهْ علينا وتِهْ على الشمسِ حُسناً ... أنت أولى بالوصف منه وأحرى
أنت بدرٌ يَسري ونحن أُسارا ... ك وأنّى يكون للبدرِ أسْرى
لا وأجفانِك المِراضِ اللواتي ... سِحرُه لانعجامه ليس يُقْرا
لو رأى وجهَك الخليلُ بعيني ... قال هذا ربّي ولم يتبرّا
أوقعته هذه المبالغة فيما ترى، ونستغفر الله تعالى من مثل هذا القول.
وأنشدني له أيضاً:
ويْحي من المتوجّعين وأخذِهم ... روحي بكثرة قولهم ماذا وما
وانظُر لنفسك قلتُ قد أكثرتمُ ... إنّي نظرتُ فما رأيتُ سوى العمى
وأنشد له:
تنقّل السُقمُ من جِلدي الى جلَدي ... كما تنقّل من جفنيك في جسدي
وزاد ما بي وقلّ الصّبرُ واستعرت ... نارُ الغرام وفتّ الحُزنُ من عضُدي
وما شكوتُ بِلى جسمي الى أحدٍ ... ولا الشّكيّةُ دارتْ قطّ في خلَدي
يسُرّني سوءُ حالي في هواك وإن ... كلّفتَني في الهوى ما لا تنالُ يدي
وأستلذّ الذي ألقاه من ألمٍ ... وإنْ حسسْتُ بوقعِ النارِ في كبِدي
إني على حفظِ سرّي فيك مجتهدٌ ... وهكذا أنت فاحفَظهُ أو اجتهِدِ
كيلا تُحيطَ بنا علماً ضمائرُنا ... ولا يَشيعَ حديثانا الى أحدِ
وأنشد له:
آمري بالصّبر سلِّ ال ... رّوحَ دون الصّبرِ عنكا
فتْكُ أجفانِك بالعُش ... اقِ من سيفك أنكى
عبدُك المرحومُ أضحى ... مستجيراً بكَ مِنكا
نقص في الأصل
إيّاك أن تُدخلَهُ مكةً ... فإنّه يُخرجُها من يدَيْكَ
هذه، وإنْ كانت نادرة معجبة، غيرَ أنّ التّجرّؤ على مخاطبة الله تعالى بمثل هذا القول، يدلّ على اختلال الدّين والعقيدة. ونسأل الله أن يحفظ علينا الاعتقاد الصّحيح.
وأنشدني له بعض أصدقائي - ببغداد - فيمن تزهد:
قالوا تزّهدتَ فازدد ... تَ بالتّزهُّدِ بَرْدا
ألبستَ نفسكَ لِبْداً ... والثّلجُ يُلبِسُ لِبْدا
لكنّه يتندّى ... وأنت لا تتندّى
أبو محمد محمد بن الحسين بن هِلال الدّقاق
من أهل بغداد.
ذكره السّمعاني في الذّيل، وذكر: أنّه لقيه شاباً، متودّداً، كيّساً، وذلك في سنة ستّ وثلاثين. لقِي أسعدَ الميهَنيّ الفقيه، وشدا عليه طرفاً من العلم.
قال: سألته عن مولده، فقال: سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة.
ٍقال: أنشدني لنفسه قوله:
أترى لوعدك آخِرٌ مترقّبٌ ... أم هل يمدّ بنا الى الميعاد
فاليأسُ إحدى الرّاحتين لآمِلٍ ... قد ضمّ راحتَه على ميعاد
وقوله:
لولا لطافةُ عُذرِها لمُتيّمٍ ... بغريبِ ألفاظٍ وحُسنِ تلطّفِ
لتقطّعتْ منه علائقُ قلبِه ... لولا مِزاجُ عتابها يتعطّفُ
ابن قزمّي البغدادي
أبو المظفّر محمد بن محمد بن الحسين بن خزَمِّي الإسكافي. من أهل بغداد، شيخ من باب الأزَج. كان أيامَ الوزير عليّ بن طِراد.
وكان لي صديق من أهل باب الأزَج، يقال له الكافي أبو الفضل، ووعدني أن يمع بيني وبينه، فما اتّفق ذلك. وحمل إليّ بخطّه هذه الأبيات:
مدامعُهُ تُغرِقُ ... وأنفاسُه تُحرِقُ
وما ذاك أعجوبةٌ ... كذا كلّ من يعشَقُ
بنفسي شهيّ الدّلا ... لِ إن مرّ بي يُطرِقُ
فأُغضي له هيبةً ... وقلبي جوى يخفِقُ
بوجهٍ كشمسِ الضُحى ... أساريرُه تبْرُقُ
أكادُ لإشراقِه ... إذا ما بدا أصعَقُ
إلامَ أداري الجوى ... وأمحَضُ مَن يمذُقُ
وأُشفِقُ من لوعة الص ... : دود ولا يُشفِقُ
سِهامُ لِحاظِ الحبي ... بِ في كبِدي تُرشَقُ
وكاتبٌ خطّ العِذا ... ر في خدّه يمشُقُ
وهذه الأبيات:
стр. 62
لي حبيبٌ لانَ عِطْفا ... ليتَه قد لان عَطْفا
إنّ قلبي من هواه ... في حريقٍ ليس يُطْفا
أشتهي تقبيلَ عيني ... هـ وصحنِ الخدِّ ألفا
ثمّ ضِعفَ الشّفعِ والوَتْ ... رِ وضِعفَ الضِّعف ضِعْفا
ثم طالعت مجموعاً، فوجدت له فيه هذه الأبيات المقطّعات، فمنها:
مَن لنَجِيّ الفِكَرِ ... مَن لحليفِ السّهَرِ
منْ للمَشوقِ المستها ... مِ الوالِهِ المُستَهتَرِ
من للجفونِ قرّحت ... بدمعها المنهمرِ
من لفؤادٍ نارُه ... راميةٌ بالشّرَرِ
واهاً لقلبي من هوىً ... دهاهُ بعد الكِبَرِ
واها له من خاطرٍ ... أسلمني للخطرِ
واهاً له من موردٍ ... سهلٍ عسيرِ المصدِ
أيُظلِمُ القلبُ وقد ... أشرق صبحُ الشّعَرِ
جارَ عليّ الحبّ وال ... حُبّ لئيمُ الظّفَرِ
ومن يذُقْ ما ذُقتُه ... من الغرامِ يعذرِ
سباه ممشوقُ القوا ... مِ بابليّ النّظَرِ
أهيفُ مهضومُ الحشا ... كالصّارمِ المذكّر
يَبسِمُ عن مفلّجٍ ... مرتّلٍ مؤشّرِ
وشفَتَيْن شفّتا ... كالأرجُوان الأحمرِ
وخاتم الحسن الذي ... عِيلَ به مُصطَبَري
يا حبّةَ القلبِ المَشو ... قِ يا سَوادَ البصَرِ
ليَبلُغنّ الحبُ بي ... ما لم يَسِرْ في خبرِ
حتى يقولَ قائلٌ ... كان أبو المظفّرِ
ومن أخرى:
لطفُ الخصورِ المُخطَفَهْ ... والطُرَرُ المُصفّفَهْ
والوجناتُ البضّة ال ... مُشرِقةُ المترّفَهْ
ولينُ أغصانِ القُدو ... دِ اللّدْنةِ المُهَفْهَفهْ
أبقت قلوبَ العاشقي ... نَ صبّةً مختطَفَهْ
فكم مريضٍ مدنَفٍ ... شِفاؤهُ لثمُ الشّفَهْ
ولا يبالي أن يُع ... دّ فعلُه من السّفَهْ
قالوا له الهائمُ لا ... يردعُه من عنّفَهْ
ولا نصيحٌ مُشفِقٌ ... هدّدَهُ وخوفَهْ
والنّفسُ للإنسان إن ... أنصفَ غيرُ منصِفَهْ
يحظى بما قدّمه ... وهمّه ما خلّفَهْ
وإنّما الدُنيا غرو ... رٌ خدَعٌ مُزَخْرفَهْ
مثلُ حُطامِ الزّرعِ تذْ ... روهُ رياحٌ مُعصِفَهْ
بعدَ أنيقٍ ناضرٍ ... أزهارُه مفوّفَهْ
ومن أخرى:
هاج له ذِكرَ الصّبا ... نسيمُ أنفاسِ الصّبا
وعادهُ عيدُ الجوى ... فبتَ صبّاً وصِبا
ولم يكن بعدَ النُهى ... أولَ ذي شيبٍ صبا
لله ريْعانُ الشّبا ... بِ زائراً ما أعجبا
أودتُه مآربي ... إذ لستُ أعصي أرَبا
ومن أخرى:
يا لجآذرِ العِينِ ... فِتنتي وتَحْييني
ما تزالُ تقتُلُني ... تارةً وتُحييني
والمُنى تقرّبُني ... والحِذارُ يُقصيني
والوصالُ ينشُرُني ... والفراقُ يَطويني
والبِعادُ يُمرِضُني ... والدنوّ يَشْفيني
يكرهُ النّصيحةَ في ... غِلظةٍ وفي لينِ
والمحبّ حالتُه ... حالُ الجانين
والفراقُ أقتلُ من ... وقعِ ألفِ زُوبِين
والحبيُ أحسنُ من ... زهرةِ البساتينِ
وله في الزُهد:
أستغفرُ الله الكريمَ الغفّارْ ... الواسعَ العفوِ الحليمَ السّتّارْ
على هَناتٍ سلَفت وأخطار ... لم يرتكبْها قطّ أهلُ الأخطار
طوبى لمن عقّبَه باستغفارْ ... فإنّ من شرِّ الذّنوبِ الإصرارْ
يُضِرّ بالمذنِبِ أيَّ إضرارْ ... إذ كان يُنسيه العظيمَ الجبّارْ
стр. 63
وهم كما قال العزيزُ القَهّارْ ... فيهم فما أصبرَهُم على النّارْ
سيعلَمون مَنْ له عُقْبى الدّارْ
أبو الفتح بنُ قران
كان في أيّام المُقتفي شيخاً مطبوعاً، مربوعاً يختِضبُ، خليعاً يلعب ويطرَب، في زيّ المتنسّكين، وصبغ المنهتكين، حلوَ المنادمة والتمسخُر، وقفاً على اللهو والتعثّر.
وسمعت: أنه تاب مرةً، ولبس الخِرقةَ، ثم عاد عن التّوبة في الحال، وقال:
بَسّي من الزُهدِ بَسّي ... قامت من الزُهْدِ نفسي
متى أراني صَريعاً ... مابين ج ... وك ...
وسخفُه أسقطه، وحبَطه، وهبَطه.
أحمد بن محمد بن شُميعة
من باب الأزَج.
رأيته ببغداد سنة إحدى وخمسين وخمس مئة في سوق الكتب، واستنشدته، ورأيت له خاطراً مطبوعاً، ورأيت من دأبه نظم قصائد مختلفة الأوزان والرويّ في قصيدة واحدة، يمدح بها الأعيان، ويكتب ذلك بالحمرة والألوان المختلفة.
أنشدني له قصيدة، علق بحفظي منها هذه الأبيات، وهي:
لا أشتكيها وإن ضَتْ بإسافي ... وإنّما أشكي من طيفه الجافي
ومنها:
حِقْفٌ لمُعتنِقٍ خمرٌ لُغتبِقٍ ... وردٌ لمنتشقٍ مسكٌ لمُسْتافِ
ومنها:
همُ الأحبّةُ إلا أنّ عندَهُمُ ... ما في المُعادينَ من خُلْفٍ وإخلافِ
وأنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ لابْن شُميعة:
وُدّ أهلِ الزّوراءِ زورٌ فلا يس ... كُنُ ذو خِبرةٍ الى ساكنيها
هي دارُ السلامِ حسْبُ فلا مط ... مَعَ فيها في غير ما قيل فيها
وتوفّي ابن شميعة بعد سنة خمس وخمسين.
وإذا جئتم ثنيّاتِ اللِّوى ... فلِجوا رَبْعَ الحِمى في خطَرِ
وصِفوا شوقي لسُكّان الحِمى ... واذكُروا ما عندكم من خبري
وحنيني نحوَ أيامٍ مضت ... بالغَضى لم أقضِ منها وطَري
فاتني فيها مُرادي وحلا ... لتمنّي القُرب منها سهَري
كنتُ أخشى فوقَه قبلَ النّوى ... فرماني حذري في حذري
آهِ وأشواقاً الى من بدّلوا ... صفْوَ عيشي بعدَهُم بالكدَرِ
كلّما اشتقتُ تمنّيتُُهُمُ ... ضاع عمري بالمُنى وا عُمُري
أبو الحسن عليّ بن أبي الفُتوح بن أحمد
ابن بكري الكاتب
من الحريم.
والده مستعمل السّقلاطون لدار الخِلافة. وكان هو كاتباً في ديوان المجلس سنين، ثم صرفه الوزير.
فيه فضل وأدب. وهو من طبقات الشَّطْرَنْجيين ببغداد.
أنشدني لنفسه - ببغدادَ - سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، بيتين له في سوداءَ، وهما:
يا مَنْ فؤادي فيه ... مُتيّمٌ ما يزالُ
إنْ كان للّيلِ بدرٌ ... فأنتِ للصُبحِ خلُ
وأنشدني لنفسه يستعيرُ كتاباً ممّنْ ألزم نفسه ألا يُعير أحداً كتاباً:
يا مَنْ أنابَ وتابا ... ألاّ يُعيرَ كتابا
قد رُمْتَ ذاك ولكن ... محبّةُ الشُكْرِ تابى
وأنشدني أيضاً لنفسه أبياتاً، عمِلها ارتجالاً بحماة حين كان بالشّام، وكان على شاطئ النّهر المعروف بالعاصي:
قعَدْتُ على عاصي حماةَ وقد بكت ... نواعيرُه والماء يضحكُ فيه
فهاج لقلبي صبوةً لم أصِبْ لها ... شبيهاً وهل يؤتى لها بشبيهِ
وما زال يهتاجُ الفتى كلّ رنّةٍ ... إذا ما نوىً شطّت بدارِ أبيهِ
وأنشدني لنفسه في بعض الأكابر، وكان بيده بنفسج:
يا من عُلاه على السّماءِ مُطلّةٌ ... وبفضله تتحدّثُ الأمصارُ
إن كان يظهَرُ للبنفسج خجلةٌ ... من طيب نشرِك راح وهْو بَهارُ
وأنشدني لنفسه، وذكر لي أنّها من قصيدة:
أمامكَ أوطارٌ وخلفَك أوطانُ ... فعزمك ما بين البواعثِ حيْرانُ
إذا شمَلت هزّتْك للشّوقِ صبوةٌ ... وإن جنَبَتْ هزّتْك للإلْفِ أشجانُ
وأنشدني لنفسه في الاشتياق، سنةَ إحدى وستّين وخمس مئة، قوله:
الشوقُ ألوانٌ وأوفاهُ ما ... كان الى أهلٍ وجيرانِ
لو قرّب الشّوقُ لإفراطه ... ناء الى ناءٍ لأدناني
وقوله مما نظمه قديماً بدمشق:
стр. 64
فتى الصوفيّ ما كان امتداحي ... لمثلك أنّني أرجو ثَوابا
ولكني سخِطْتُ على القوافي ... فصيّرْتُ المديحَ لها عِقابا
وقوله في مرأة عجوز، ولِعَتْ بدولابْ الغزْل والغزْلِ:
قد ترك الدولابُ من حبّه ... سِتّ أبي بكرٍ بلا عقلِ
لو كن دولاباً على دِجلةٍ ... يزرعُ زرعَ الهرْفِ والأفْلِ
ما جاز أن تعشَقَهُ هكذا ... محبّة الأولادِ والأهلِ
فكيفَ والدولاب من عتقه ... مكسّرُ الإجلِ والقتلِ
قد سئِمَ الخرّاطُ من مرّه ... إليه واستغنى عن الغزْلِ
وقوله في الأولاد:
أدعو إلهي أنْ يَقي ... من فِتْنَتي في فِتيَتي
فلدى الحياةِ وفي المما ... تِ تقيّتي وبقيّتي
راحوا ثلاثةَ فِتيةٍ ... سمعي فؤادي مُقلَتي
فهُمُ أصاغِرُ عِدّتي ... وهمُ أكابرُ عُدّتي
وقوله، مما يُطرّزُ على سستجه:
أنا في كفّ حاملي ... زينةٌ للأناملِ
أنا في وقفةِ النّوى ... واشتكاءِ البلابِلِ
إن جرَتْ سُحبُ دمعةٍ ... لحبيبٍ مُزايِلِ
صُنتَهُ عن وُشاتِه ... وعُيونِ العواذلِ
وله في تفاحة أُهديت له:
حيّا بتُفّاحةٍ فأحياني ... مواصِلٌ بعدَ طولِ هِجران
كأنّما ريحُها تنفّسُه ... ولونُها وردُ خدِّه القاني
وقوله في قوس البُندُق:
أنا في الكفّ هلالٌ ... وعلى الطّيرِ هلاكُ
حركاتي تترُكُ الطّيْ ... رَ وما فيهِ حراكُ
وقوله في الشّطرنْج:
أحَبُّ دعاباتِ الرّجالِ الى قلبي ... دُعابةُ شِطرَنجٍ أغادي بها صحبي
أُسالمُ فيها ثمّ أغدو محارباً ... فسلْمٌ بلا سِلمٍ وحربٌ بلا حربِ
وقوله في الشطرنج:
إنّما لعبُك بالشط ... رنْجِ للنّفسِ رياضهْ
فاهجُرِ الهُجرَ لديهِ ... لا ترِدْ يوماً حِياضَهْ
وتجنّبْ صاحبَ الجه ... لِ ومَنْ فيه غضاضَهْ
لا تُجالِسْ غيرَ ندْبٍ ... زانَهُ العقلُ وراضَهْ
وقوله من قصيدة، في مدح أمير المؤمنين المستنجد بالله، وقد خرج الى الصّيد:
في حفظِ ربِّك غادياً أو رائحا ... ولك السّلامةُ دانياً أو نازحا
أنّى حللت فروضةٌ مخضرّةٌ ... مما تُفيدُ نوافلاً ومنائحا
لمّا غدوتَ الصّيدَ في ملمومةٍ ... ملأ الفضاءَ قوانساً وسوابحا
جرتِ الظِّبا لك للعداة سوانحاً ... وجرت لأنفسها الظِّباء بوارحا
ما جارحٌ أرسلتَهُ إلا غدا ... في الصّيدِ إمّا قاتلاً أو جارحا
ماضي القوادم كاللهاذمِ لو بغَى ... سبْقَ الوَميضِ شأى الوميضَ اللائحا
أو كلّ ممشوق رشيقٍ لا ترى ... منه الوحوشُ إذا رأته منادحا
يجري فلا يدري بوطأته الثّرى ... فتخالُه ريحاًعليه رائحا
متوسّعُ الشِدْقيْنِ ضاق بعدْوِه ... وُسْعُ الفَلاةِ جرى عليها جامحا
أصبحتَ في جِدِّ الحروبِ وهزلِها ... متوحّدَ الإقدامِ فيه ناجحا
فاسْلَمْ أميرَ المؤمنين لأمّةٍ ... أحييتَها عدلاً وفضلاً راجحا
وهو مقيم ببغدادَ، يتولّى بعض الأشغال للخليفة.
تمّ الجزء الأول بعون الله ومنّه من خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني ﵀ يتلوه، في الجزِء الثاني، إن شاء الله تعالى باب في محاسن أهل العلم والأدب والفقه والشّعر، وأولهم الشيخ أبو محمد بن الخشّاب النحويّ، والحمد لله وحدَه، وصلواته على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الإعانة
باب في ذكر فضائل جماعة من أعيان سواد بغداد
وأعمالها شرقيها وغربيها
منهم:
السديد أبو نصر محمد بن أحمد
بن محمود الفروخي الكاتب الأواني
стр. 65
من قرية يقال لها أواني بدجيل. وهي ذات سوق كبير كبلدة كبيرة.
كاتب بارع، عبارته فصيحة. حاسب صانع، جماعته صحيحة. ناظم، ناثر، عالم، شاعر.
إذا أنشأ وشى، ومن كأسه الفهم انتشى. وإذا حرر حبر، وعن الحسن عبر. وإذا سطر سطا بحسام قلمه. وإذا ترسل أرسل برهام كلمه. وإذا نطق فتق ورتق، وكأن نجم الجوزاء بغرر منطقه تمنطق. وإذا سرد درس النثر درس ربع النثرة. وإذا أزهرت زهره ظهر خجل الزهرة. وإذا حلى، حوى القدح المعلى. وإذا نفش فصوص فصوله، هبت قبول قبوله، وإذا بعث كتاباً أتاه رسول رسوله. معرب موجز في نثره. مغرب معجز في شعره.
رسائله متسقة الرسل، وفضائله مغدقة الوبل. ماهر، برهام إبداعه هامر. وحاذق، للضرب باللبن ماذق. عسلي الكلام، أسلي الأقلام، أسدي الإقدام. صوله بالقول، لا بالقوة والحول. من عبارته حميا أوانى عصرت، وألسنة الإطرء على فضله قصرت. غريب في الزمان ليس له ضريب. كلامه سهل ممتنع بديع بعيد قريب.
فأين أنت من راحه واحتساء أقداحه، وقدح زناده؟ فهلم إلى ناديه وناده، تفز باقتباس أنوار أنفاسه، واختلاس آثار أنقاسه، وتصدر من مورده ريان، وتصبح بالاستفادة منه جذلان.
كان شيخاً كبيراً، يفوح منسوجه عبهراً وعبيراً، ويلوح ممزوجه بطراز السجع منيراً. وكانت تلمع شيبته نوراً، قد استبدلت من المسك كافوراً.
رتبه الوزير عون الدين بن هبيرة - سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة - في أعماله ب الهمامية وواسط، وأنا نائب الوزير بها - كاتباً معي مستوفياً، فاستسعدت بلقائه وكنت لحقوقه موفياً. فلم يلبث في العمل إلا مدة شهرين، فأصعد إلى بغداد صفر اليدين. وسمعت أن الوزير رتبه في موضعين، وأدركه حين الحين، بعد أن فارقته بسنتين. روح الله روحه، ونور ضريحه.
أنشدني لنفسه ب الهمامية سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة:
ما لعينٍ، جنت على القلب، ذَنْبُ ... إنّما يٌرسل الّلحاظَ القلبُ
والهوى قائدُ القلوب. فإنْ سلّ ... طَ جيش الغرام، فالقلب نَهْبُ
أحياة بعدَ التّفرُّق يا قل ... ب؟ فأين الهوى؟ وأين الحبُّ؟
كان دعوى ذاك التَّأوُّه للبَيْ ... نِ، ولم ينصدع لشملك شَعبُ
إنَّ موت العشّاق من ألم الفُرْ ... قة والبَيْن، سُنَّة تستحبُّ
وعلاجُ الهوى، عذاب المحبّي ... نَ. ولكنّه عذاب عَذْبَ
زَوِّدِ الَّطرْفَ نظرةً، أو فمُتْ وَجْ ... داً، فهذا الوادي وذاك الّسِربُ
واسألِ الرَّكْب وقفة، فسعى يُنْ ... جِدُك اللّحظُ إن أجاب الرَّكْبُ
واستعنْ بالدّموع، فالدّمع عون ... لك إنْ ساعد المدامع سكبُ
وتبصَّرْ نحوَ العَقيق جُذَيَا ... تٍ على بُعدها تلوح وتخبو
فبذاك الجوّ الممنَّع أوْطا ... ريَ والقلبُ والهوى والصَّحْبُ
وأنشدني لنفسه، وقال سئلت أن أعمل أبياتاً على هذا الاقتراح فعملت. وهي في غاية اللطف والرقة:
يا صاحبَيَّ اسعِداني ... على الَّلَييْلِ الطُّوَّيِلْ
وعلّلاني بَبرد ... من النَّسيم العُلَّيِلْ
ويا حُداةَ المطايا ... رفقاً علي قليل
في هذه الدار قلبي ... رهنٌ بحّبِ غُزَّيِلْ
أسالَ دمعي، وألْوَى ... عنّي بخَدٍّ أُسَيِّلْ
ما زحته، فرماني ... بسهمٍ طَرْفٍ كُحّيِلْ
بُدَيْرُ تٍمٍّ، تراه ... تحتَ اللِثام هُلَّيِلُ
يَميس مثلَ قَضيب ... من فوق رِدْفٍ ثُقَّيِلْ
وله في مدح الوزير عون الدين تاج الملوك، سيد الوزراء، أبي المظفر يحيى، بن محمد، بن هبيرة ظهير أمير المؤمنين، وذلك في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، وأنشدني لنفسه القصيدة بالهمامية:
سرى والليلُ غِربيبْ الإِهابِ ... وفرعُ ظَلامهِ نامي الخِضابِ
فأذكرني ثغوراً من لآَلٍ ... تَبَسَّمُ عن سُلاف من رُضابِ
هي الأحلام كاذبة الأماني ... فكيف أروم صدقاً من كِذابِ؟
стр. 66
وكيف أحوزِ خّلاً من خَيال ... وأطمَعُ في شراب من سَراب؟
سقى الله العِراقَ وساكنيهِ ... بَواكرَ مُسْبِلٍ داني الرَّبابِ
وخصَّ بذاك ربعاً، حلَّ منه ... محلَّ الخالِ من خدّ الكَعابِ
به خلّفت قلبي يومَ زُمَّتْ ... على عجل، لفُرقته، رِكابي
فإنْ ظَفِر الزَّمان، بحدّ ظُفْرٍ، ... بقلبي، أو بنابٍ غيرِ نابي،
فكم قد جاء بالعُتْبَى فأغنى ... وأغنى عن مطاوَلة العتاب
إلامَ أبيِت في طمع ويأس، ... وأُصبح بين رَوْح واكتئاب؟
وأقتحم الظَّلامَ بلا دليل، ... وأعتسف البلادَ بلا صِحاب؟
ولي من جود عون الدّين عونٌ ... به يَغْنَى المشيب عن الشَّباب
وطَرْفُ رجايَ، عنه غيرُ مُغْضِ ... وطِرْفُ نَداه عنّي غيرُ كابِ
أقول لمشتكي الأزمان: صَمْتاً، ... فبحرُ نَوالِه طامي العُبابِ
إذا ما البرقُ أخلفَ شائميه ... وضَنَّ بقَطره جَوْنُ السَّحابِ
وأمحلتِ البلاد، وعُدَّ ظُلماً ... على ساري الدُّجَى ظُلْمُ الوِطابِ
وعطِّلت القِداحُ، فعُدْنَ غُفْلاً ... وعُرِّيتِ الأكفّ من الرِّبابِ
وعُطِّل موقد النّيران ليلاً، ... وبات بحرِّ ألْسِنةِ الكِلابِ
وعزَّ الفَصدُ من عَجَف، وأمسى ... قِرى الأضياف أكباد الضِبّاب،
فسمعك للنِّداء إلى طُهاةتُذيل نفائسَ الرُّدُح الرِّحابِ
لَدى ملكٍ منيعِ الجارِ، حامي ال ... ذِمّارِ، معظَّمٍ، سامي القِبابِ
ألا يا عاقرَ البِدَرِ العوالي ... إذا ضَنَّ الجوادُ بعَقْر نابِ،
بدأتَ مؤمّليك بلا سؤال، ... وقابلتَ الوفود بلا حِجابِ.
فما عَذْراءُ من جُون الغَوادي ... تَهادَى في سكون واضطرابِ،
تكاد تَسِحُّ وجهَ الأرض، زحفاً ... عليها، في دُنُوّ واقترابِ
إذا سحَّت مدامعها بكاءً ... تبسَّمَ ضاحكاً زَهَرُ الهِضابِ
كأنَّ على الثَّرَى منها جُماناً ... تنظمه الرُّبا نظمَ السِّخابِ،
بِأغزرَ من نَداك إذا توالى ... فأغنى وافِديك عن الطِّلابِ.
وما قاضٍ على المُهَجات ماضٍ ... بأرواح الكُماة إلى ذَهابِ
إذا ما قابلته الشَّمس، أجرت ... بِمَتْنَيْهِ شعاعاً من لُعابِ
تقاسم خلفَه ماءٌ ونار ... أذيبا من صفاء والْتهابِ،
بأمضى من يَراعك يومَ رَوْعتُفَلُّ به الكتائب بالكِتابِ.
وما هُصَر أبو شِبلين ضارٍ ... يصول بِمْخَلب وبحدّ نابِ،
له نَحْضُ الفريسةِ حينَ تبدو ... وأعظُمها لنَسْر أو عُقابِ
ترى جُثَثَ الكُماة لديه صَرْعَى ... معفَّرةَ الجِباه على التُّرابِ
إذا ما غابَ عن غابٍ، أحالت ... عليه من الطَّوَى طُلْسُ الذِّئابِ
فتُصبحُ حوله الأشلاءُ نَهْباً ... مقسَّمة بأكناف الشِّعابِ،
بأثبتَ منك جأشاً في مَقامينوب الرّأي فيه عن الضِّراب.
وما عانِيّةٌ يَهْدِي سَناها ... لَدى الظّلماء ضُلالَ الرِّكاب،
تَنَفَّسُ عن نسيم من عبير، ... وتبسِم عن ثغور من حَبابِ
كأنَّ كؤوسها ماء جَمادٌ ... يَشِّف سَناه عن ذهب مُذابِ،
بأحسنَ منك بِشراً وابتساماً، وأعذبَ من خلائقك العِذابِ.
فكيف ينال شَأْوَك ذو فَخار؟ ... وأين ذُرا العِقاب من العُقاب؟
فَضَلْتَ بني الزَّمان عُلىً ومجداً ... كما فضَلَ الثَّواب على العِقابِ
وزيرٌ، دوَّخَ الأملاك بأساً ... فقِيدَتْ بينَ طوعٍ واغتصابِ
وبَزَّ عزيزهَا، فعَنَتْ إليه، ... ولم تطمَحْ لفَوْت من طِلابِ
стр. 67
وذَلَّلَ للخِلافة كلَّ مولى ... عزيزِ الجارِ، ممنوعِ الجَنابِ
وقاد لها الصِّعابَ مصعّراتٍ، ... وأبعدُ مطلبٍ قَوْدُ الصِّعابِ
أمولانا أجِبْ عبداً، توالت ... سِنُوه بَيْنَ بَيْنٍ واغترابِ
وعاد مُحَلأً عن كلِّ ورد ... أخا ظَمَأ، يُذادُ عن القِرابِ
وأقسم ما جهِلتُ الحزمَ. لكن ... قضاءٌ، حِرت فيه عن الصَّوابِ
وما ينفكّ مدحُ علاك ديني ... وما ينفكّ نَشْرُ نَداك دابي
نهاري في ثناء مستطاب، ... وليلي في دعاء مستجابِ
وكيف يحُدّ بِرُّك لي ثناءً، ... وقد أربى على حدّ الحسابِ؟
وليس سوى رجائِك، لي ملاذٌ ... يَمُنُّ بأوبة بعد اجتنابِ.
قال ولده المهذب محمود: هذه القصيدة، نفذها من الموصل، يستأذن في العودة، وكان بعد لخوف.
وله أرجوزة على نظم لفظاتٍ، إذا كتبت بالظاء كانت بمعنى، وإن كتبت بالضاد كانت بمعنى، خدم بها الوزير عون الدين بن هبيرة. كتبها لي - بعد موته - ولده محمود بخطه، وهي:
أفضلُ ما فاه به الإِنسانُ ... وخيرُ ما جرى به اللسانُ
حمدُ الإله، والصَّلاةُ بعدَهُ ... على النَّبيّ، فَهْيَ خير عُدَّه
محمدٍ وآلِه الأبرارِ ... وصحبه الأفاضل الأخيار.
وكلُّ ما ينظم للإفادَهْ ... فذاك منسوب إلى العبادَهْ
لا سِيَّما في مدح عون الدِّينِ ... مخجلِ كلِ عارضٍ هَتُونِ
مولىً، سمت بفخره جدودُه ... وابتسمت بنصره جدوده
واستأنست بقصده الهَواجِل ... واستوحشت لوفده الهَواجِل
مَنْ حكَّم الآمال في الأموال ... تحكُّمَ الآجال في الرِّجال
ورَدَّ أزْلَ الحادثات دَغْفَلا ... فالدَّهرُ عن أبنائه قد غَفَلا.
وقد نظمت عِدَّة من الكَلِمْ ... في الظّاء والضّاد جميعاً تلتئمْ
لكنّها مختلفاتُ المعنى ... يعرِفها منْ بالعلوم يُعْنَى
فاسمَعْ بُنَيَّ من أبيك سردَها ... وافهمْ هُديِتَ حصرَها وعَدَّها
واشكُرْ لمن وسمتها بخدمتِهْ ... حتّى أتت عاليةً كهمَّتِهْ
وابْدَأْ إذا قرأتَها بالظّاء ... وثنِّ بالضّاد على استواء
تقول: هذا الظَّهْرُ ظهرُ الرَّجُلِ ... والضَّهْر أيضاً قطعة من جبلِ
والقيظُ حَرٌّ في الزّمان ثائرُ ... والقيض في البيضة قشر ظاهرُ
والظَّنُّ في الإِنسان إحدى التُّهَمِ ... والضَّنُّ نعت للبخيل فاعلمِ
والحنظَلُ النّبتُ كثيرٌ معروفْ ... والحنضَلُ الظِّلُّ المديد المألوفْ
والظَّبُّ وصف الرَّجُلِ الهَذّاءِ ... والضَّبُّ معروفٌ لدى البيداء
والمَرَظُ الجوعُ المُضِرُّ فاعلمِ ... والمرضُ الدّاءُ الشّديدُ الألَمِ
وهكذا الحجارةُ الظَّرِيرُ ... والرَّجُل الأعشى هو الضَّرِيرُ
وفي النَّبات ما يُسَمَّى ظَرْبا ... وقد ضربتُ بالحُسام ضَرْبا
وكلّ ذي وجه قبيح ظِدُّ ... والخصمُ في كلّ الأمورِ ضدُّ
ومجمَعُ الحجارةِ الظِرابُ ... والنَّزْوُ في البهائم الضِّرابُ
والضّربة النَّجْلاء تُسْمَى ظَجَّهْ ... وكَثرة الأصوات أيضاً ضَجَّهْ
وزوجة المَرْء هيَ الظَّعِينَه ... والحِقدُ قد يعرف بالضَّعِينَه
وهل يؤوب قارظٌ مفقود؟ ... وقارض بالسِّنّ هل يُفيد؟
وللرِجال والسّباع ظُفُرُ ... والرَّجُلُ القصير أيضاً ضُفُرُ
ثمَّ سوادُ الليل أيضاً ظُلْمَهُ ... والسَّهَرُ المُفْرِط فَهْوَ ضُلْمَهْ
стр. 68
وورمُ الأحشاء يكنَى فِظَّهْ ... والوَرِقُ اللُجَيْنُ أيضاً فِضَّهْ
وكلُّ ما يفسد فَهْوَ ظِرُّ ... والصَّخرةُ الصَّمّاء أيضاً ضّر
والنَّبْتُ ما بين الرِّمال ظعفُ ... والعجزُ في الشّيخ الكبير ضَعْفُ
والجسمُ فيه جلدة وعظمُ ... ومَقْبِضُ القوسِ النّقيّ عَضْمُ
واعلَمْ بأنّ البيظَ ماءُ الفحلِ ... والبيضُ لا يجهله ذو عقلِ
وهكذا يكتب بيظ النَّمْلِ ... بالظَّاء، والبيض بضاد أُمْلِي
والزَّرْبُ حولَ الغَنَم الحَظِيرَهْ ... والقومُ في مجمعهم حَضِيرَهْ
والصَّفحةُ الصَّغيرة الظِّبارَهْ ... والكتب قد جَمَّعْتُها ضُبِارَهْ
وقيل: أصلُ الحافرِ الوظيفُ ... وكلُّ وقف فاسْمُه وضَيِفُ
والنَّصرُ فَهْوَ ظَفَرٌ وظَفْرَهُ ... والجَدْلُ في الشّعور أيضاً ضَفْرَهْ
والغيظُ ما يَعْرِض للإنسان ... والغَيْضُ غيضُ الماء في النُّقصان
والمنطق العَذْبُ الشَّهِيُّ ظَرْفُ ... وناعمُ العيشِ الرَّخِيّ ضَرْف
وعَظَّتِ الحرب إذا ما اشتدَّتْ ... ثُمَّ السِّباع والذِّئاب عضَّتْ
وحرَّم اللهُ الزِّنى وحَظَرا ... وغاب زيد بُرْهَةً وحَضَرا
وجودُ مولانا الوزيرِ ظلُّ ... ينكره من قد عراه ضَلُّ
مَن بات في جِواره وظَلا ... فعن سبيل رشده ما ضَلا
فأعْيُنُ الوَفْدِ إليه ناظِرَهْ ... وأوجهُ الرِّفْدِ إِليه ناضِرَهْ
لا مضمحلٌ جودُه ولا ظجرْ ... ولا أذىّ يفسده ولا ضَجَرْ
قد بات في الفخر بلا نظير ... والصُّفْرُ لا يُعْدَلُ بالنَّضيرِ
وفاظت الأنفس من أعدائه ... وفاض بحر الجود من عطائه
والحظُّ حظّي عند فوز قِدْحِي ... يحُضُّه على استماع مدحي
لا بَرِحَتْ تخدمِهُ الأيامُ ... وترتعي في ظِلّه الأنّامُ
ما سَبَحَتْ بالأنجم الأفلاكُ ... وسَبَّحَتْ في الظُّلَم الأملاكُ
وشرّقت في فَلَكٍ نُجومُ ... واتَّسقت في مسلكٍ رُجومُ
وأنشدني لنفسه ب الهمامية، سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، في تعريب معنى بيت بالفارسية، وكتب بها إلى الوزير:
قل للوزير، أدام الله دولته: ... يا أعظمَ النّاسِ حظّي كيف يلتبس؟
هذا غلامي وبِرذَوْني على خطر ... من فرط جوعهما ما فيهِما نَفَسُ
وإِنْ تدفَّعَ هذا اليوم بي، فغداً ... يمشي غلامي، ولا يمشي بيَ الفَرَسُ
وسافر إلى بلد، فلم يحصل إلا على نزر يسير، وكان طامعاً بجود كثير، وحاسب نفسه، فوجده بمقدار نفقة الطريق، فقال:
نادَوْا: هَلُمَّ إِلى النَّدَى، فتسابقتْ ... من كلّ ناحيةٍ بنو الآمالِ
ثمَّ اعترتهم للسَّماح ندامةٌ ... وتفكّرٌ في حفظ بيت المالِ
أعطوا محاسبةً، فما زادوا على ... زاد الطريق وأجرة الحمّالِ
الشيخ أبو محمد العكبري
عكبرا: قرية مجاورة ل أوانى.
تلمذ له أبي منصور الجواليقي في الأدب، وقضى من فوائده جميع الأرب.
لقيته ب بغداد، في سوق الكتب، عصراً: ينشد لنفسه شعراً، من قصيدة في مدح علي، بن طراد، الزينبي الوزير، يصف الفرس. فاستنشدته، فأنشدني:
وما شازبٌ للعَسجَديّ إذا انتمى ... تُضَمِّرُهُ حَوْلاً غَزِيَّةُ أو زِعْبُ
يطوف به الوِلدانُ في كلّ غُدوة ... تعّللُه بالقَعْب، يَتْبَعُه القَعْبُ
طواه الطِّرادُ بالأصائل والضُّحَى ... وقد لحِق الإِطْلانِ واضطمرَ القُصْبُ
فأخلاقه شَغْبٌ، وغايتُهُ نَهْبُ، ... وإِروادُهُ سَكْبٌ، وإِحضارُه صَبُّ
بأسبقَ منه للمُغالِي، ورُبَّماكبا، وعليٌّ في المكارم لا يكبو
стр. 69
المغالاة: المسابقة في الرَّمي، ويستعمل في غيره استعارةً.
أبو تراب علي بن نصر بن سعد بن محمد الكاتب
العكبري
ذكره السمعاني في تاريخه، وقال: ولد ب عكبرا، ونشأ بها. ثم انحدر إلى بغداد، وقرأ الأدب والنحو. ثم انحدر إلى البصرة، وصار كاتب نقيب الطالبيين بها، وأقام مدةً. ثم رجع إلى بغداد في سنة تسعين وأربع مئة، وأقام ب الكرخ وسكنها، وولي الكتابة لنقيب الطالبيين إلى أن توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وخمس مئة، وكان مولده سنة ثمان وعشرين وأربع مئة، فبلغ عمره تسعين سنة.
قال: أنشدني ولده أبو علي لوالده علي العكبري، وذكر أنه أنشده لنفسه:
لا يغتررْ مَنْ آمالُه طمَعٌ ... إلى الدَّنايا مُوَفِّراً مالَهْ
فإِنَّ أعماله تورّطه ... حين يراها في الحشر أعمى لَهْ
قال: وأنشدني أبو علي، بن أبي تراب علي، قال: أنشدني والدي لنفسه:
حالي، بحمد الله، حالٍ ِجيدُهُ. ... لكنّه من كلّ حظّ عاطلُ
ما قلتُ للأيّام قولَ معاتب ... فالرِّزق يدفع راحتي ويُماطِلُ
إلاّ وقالت لي مقالةَ واعظٍ: ... ألرِّزقُ مقسومٌ، وحرصُك باطلُ
الشيخ أبو المعالي سعد بن علي
الوراق الكتبي الحظيري
من الحظيرة مجاورة ل عكبرا.
أبو المعالي ذو المعاني، التي هي راحة المعنى العاني؛ وراق، لفظه رق وراق، وكسا غصنه الأوراق، وهلال معناه الإشراق.
ذو فنون، غضة الأفنان، وعيونٍ، تقر بها عيون الأعيان، ورهونٍ، يستبد بها عند الرهان.
ضاع عرفه، وما ضاع عرفه، وسبق في إنشاء طرفه طرفه، وبخس حظه الزمان فجرعه صرفه صرفه. فهو بيع الكتب على يده متعيش، وعلى القناعة عن غيره منكمش، وعلى الأنس بالعلم بما سواه مستوحش.
ذكيُّ، ذكاء ذكائه تطلع على نشر له في الأدب ذكي. ألمعي، يذيق كل فصيح ببلاغته ألم عي. حظيري، ينال الصادي من حظيرة دره حظ ري. كتبيٌّ، يعرف الكتب وما فيها، والمصنفات ومصنفيها، والمؤلفات ومؤلفيها.
له التصانيف الحسنة، التي اتفقت على إطرائها الألسنة، وثنت إليها من الفضلاء عنانها الأثنية المستعذبة المستحسنة.
نشر نثره وشي بوشيه، ونجم نظمه نجم في سماء وعيه، ونقاش الصين سرق من سرقه، وصناع صنعاء مطلقة بانقطاعها في طلقه.
المسك في الطيب دون ذكره، والعنبر معرب عن بره.
وجوده ب العراق بين الطغام، وجود الذهب في معدن الرغام.
جامع الكتاب النفيس، الموسوم ب لمح الملح في التجنيس، ومؤلف كتاب الإعجاز، في الأحاجي والألغاز، وقائل القول المستجاد، والشعر المستفاد.
نظمه بديع صنيع، وخاطره في إبداعه وإيداعه كل معنى حسن جريٌّ سريع، وشعار شعره المجانسة والمطابقة، والمبالغة في إعطاء معانه حقه والمحاققة. فشعره مصرع مرصع، معلم بالعلم ملمع. برده مسهم مفوف وسهمه مفوق، وعوده رطيب مورق وشرابه مروق، وبحره فياض، ودرعه فضفاض، وضرغامه للفضل فارس، وفرسه على طرف الفصاحة فارس، سمعت بشائر سيره الحجاز وفارس.
سوق الأدب قائمة بمكانه في سوق الكتب، وإذا حاورته لا تسمع منه غير النكت والنخب. قلبه قليب المعنى، ونحره بحره، وصدره مصدره، وسحره سحره، وخاطره غيثه الماطر، وليثه القاهر، وجنانه من الجنان، فإنه معدن الغر الحسان، ولسانه كالسنان، والعضب اليمان، وخطه كنقش الممزج حلو، وكالممزوج المصرف صفو، ومن كل عيب خلو.
رائق الكلام رائعه، وشائع في البلاد ما يطرز به وشائعه. عجيب الفن غريبه، غض الفنن رطيبه.
مقطعاته أكثر من قصائده، فإنه يقع له معنى فينظمه بيتاً أو بيتين في فرائده.
وقد ألف كل مؤلف طريف، وأودعه كل كلام لطيف، ولا يكون اعتناؤه - أكثر زمانه - إلا بالجمع والتأليف، وتصريف القول في التصنيف.
ولم يزل مجمع الفضل دكانه، ومنبع الفضل مكنه. وكنت أحضر عنده، وأقدح زنده، وأستنشق بانه ورنده، وهو ينشدني ما ينشيه، ويسرح خاطري فيما يوشيه.
أنشدني لنفسه في وصف العذار، مقطعاتٍ أرق من الاعتذار، غاص على ابتكار معانيها بالافتكار.
فمنها، قوله من الأبيات العذاريات:
مُدَّ على ماء الشّباب، الَّذي ... بخده، جَسْرٌ من الشَّعْرِ
صار طريقاً لي إلى سَلْوَتي ... وكنت فيه موثَقَ الأَسْرِ
وقوله أيضاً:
стр. 70
إن لم يَنَمْ لك وهْوَ أَمْ ... رَدُ، نامَ وهْوَ مُعَذِّرُ
فالنّومُ يعسُر في النَّها ... ر، وفي الدُّجَى يتيَسَّرُ
قوله، وقد شبه العذار باللجام:
ومُعَذِّرٍ: في خدّه ... وردٌ، وفي فمه مُدامُ
ما لانَ لي حتَّى تَغَشّ ... ي صبحَ عارِضهِ الظَّلامُ
والمُهْرُ، يجمَحُ تحتَ را ... كِبه، ويعطِفُه اللِجامُ
وقوله:
أحدقت ظلمة العِذار بخَّديْ ... هِ، فزادتْ في حبّه زَفَراتي
قلتُ: ماءُ الحياة في فمه الآ ... نَ، فطاب الدُّخولُ في الظُّلُمات
وقوله:
قالوا: الْتَحى، فاصْبُ إلى غيره ... قلت لهم: لست إِذَنْ أسلو
لو لم يكن من عسلٍ ريقُه، ... ما دَبَّ في عارضه النّمْلُ
وقوله في المعنى:
قلتُ، وقد أبصرته مقبِلاً ... وقد بدا الشَّعر على الخدِّ:
صعودُ ذا النَّملِ على خدّه ... يشهَدُ أنَّ الرِّيق من شُهْدِ
وقوله:
ومُهَفْهَفٍ، شبَّهْتُه شمس الضُّحى ... في حسن بهجتها وبُعد مكانِها
قد زاده نقش العِذار محبّةً ... نقشُ الفُصوص يَزيد في أثمانِها
وقوله أيضاً في الخال والعِذار:
شفَّني من سيّدي حَسَنٍ ... خالُ خدّ، زاد في أَلمي
خِلته، إذْ خُطَّ عارضُه، ... نقطةً من عثرة القلمِ
وقوله في مُخْتّطٍ:
يا آمري بالصَّبر عن رَشَأٍ ... قلبي يَحِنّ إلى مَآرِبِهِ
دعني، فصادُ الصَّبرٍ قد قُسمت ... ما بينَ حاجبه وشارِبِهِ
وأنشدني لنفسه أيضاً مقطعات، في معانٍ شتى.
فمنها، قوله في غلام تحت فمه شامة صغيرة:
قل لمن عاب شامة لحبيبي ... دُونَ فيه: دَعِ الملامةَ فيهِ
إنّما الشّامة التَّي عِبتَ فيه ... فَصُّ فَيْرُوزَج لخاتم فيهِ
وله في غلام أشقر الشعر:
وأشقر الشَّعرِ، من لطافته ... يجرَحُ لَحْظُ العيونِ خدَّيّه
فإن بدا مَنْ يشُكّ فيه، فلي ... شاهدُ عدلٍ من لون صُدْغَيْهِ
وقوله فيه:
وأشقر الشَّعر، بِتُّ من كَلَفي ... به على النّار في محبَّتهِِ
كأنّ صُدْغّيْهِ في احمرارهما ... قد صُبِغا من مُدام وَجْنَتِهِ
وقوله فيه:
ما اشْقَرَّ شعرُ حبيبي، إِنّ وَجْنَتَهُ ... سقته من خمرها صبغاً، ولا خجِلا
وإِنّما لَفحت خدَّيْه من كبِدي ... نارٌ، ودبَّت إلى صُدْغَيْه فاشتعلا
وقوله في غلام أعرج:
قالوا: حبيبُك أعرج، فأجبتُهم: ... حاشاه أن تسطو العيون عليه
ما آدَ من عَرَج به. لكنّما ... قَدَماه لم تنهَضْ برادِفَتَيْهِ
وقوله في ثقيل الكفل:
يقولون: ما فيه شيء يُحَبُ ... ويعشق،، إلاّ علوّ الكَفَلْ
فقلت: و. . . . يُحِبُّ البكا ... ءَ، للزُّهد في كهف ذاك الجبلْ
وقوله في المعنى هزلاً:
ليس عيباً محبَّتي ... رَشَأَ راجحَ الكَفَلْ
أنا دَأْبي أحِبُّ آ ... كُلُ من أَلْيَةِ الحَمَلْ
ولِزُهْدي أرى عبا ... دةَ ربّي على الجَبَلْ
فدعوني من العِتا ... ب، وكُفُّوا عن العَذَلْ
وقوله في ثقيل الكفل أيضاً:
وَيْلي على ذي كَفَل راجح ... رأيتُه في رَحْبَة المسجدِ
قد وضَع الكَفَّ على كَشْحه ... وسمعُه مصغٍ إلى المُنشدِ
خافَ من الرِّدف على خَصْره ... فقد غدا يُمْسِكه باليدِ
وقوله في غلام به جدري:
طاف بِحبِّي ألمٌ ... فزاد فيه حَذَري
وصبَّ ماء الحسن في ... حُلَّة خدّ القمر
فلاحَ فيه حبَبَ ... فقيل: هذا جُدَرِي
وقوله فيه:
ما عابه التَّجديرُ لمّا غدا ... في خدّه بعضاً على بعضِ
وإِنّما غضض تُفّاحَه ... فلاحَ فيه أثر العضِّ
له في غلام ساعٍ:
стр. 71
وساعٍ سريع.. إذا ما عدا، ... لِقلبي سبى، ولِدمعي سَفَكْ
يسابق في الجَرْي ريح الشَّمالِ ... ويَزْرِي على دَوَران الفَلَكْ
له في غلام مغنٍ، بارد الغناء، مليح الوجه:
وشادِنٍ، طال غرامي به، ... كالبدر أو أبهى من البدرِ
غناؤه أبرد من ريقه، ... وريُقه أبرد من شعري
إذا تغنّى لي، ونارُ الهوى ... تُحرقني، يثلجُ في صدري
قوله في قبيح الوجه، مليح الغناء:
مستهجَنُ الشَّخص، له صنعةٌ ... وَفَّتْه أقصى حظّه منّا
كأنَّه شِعريَ في طبعه ... ليس يحليه سوى المعنى
وقوله أيضاً:
يا غزالاً. . منع الأَجْ ... فانَ أَنْ تطعَمَ غُمْضا
أنا أرضي فيك أَنْ يُص ... بحَ خدّي لك أرضى
وقوله في الطيف:
طَيْفُ خَيال هاجري، ... أَلَمَّ بي، وما وَقَفْ
وافقني على الكرى، ... ثُمَّ نفاه وانصرفْ
وقوله:
بدرُ تِمامٍ، وغصن بانِ ... اجتمعا منه في مكانِ
يا موقدَ النّار في فؤادي ... سوادُ قلبي من الدُّخَان
دعني أُمَتِّعْ لِحاظَ عيني ... من ورد خدَّيْك بالعِيانِ
وقوله:
وغزالٍ مُخْطَفِ الخَصْ ... رِ، له رِدفٌ ثقيلُ
فاز من كان له من ... هُ إلى الوصل سبيلُ
بينَ قلبي وَتَجِنِّي ... هِ إِذَنْ شرحٌ طويلُ
وقوله:
بنفسي مَنْ غدا يَعْجِ ... زُ عن إِدراكه الفهمُ
غزال، كادَ للرِّقَّ ... ة أَنْ يجرَحَه الوهمُ
وقوله:
ومستحسَنٍ، أصبحتَ أهذي بذكره ... وأمسيت في شغل من الوجد شاغل
وعارضني من سحر عينيه جِنَّةٌ ... فقَّيدني من صُدْغه بسلاسلِ
وقوله:
وبيضاءَ، مصقولةِ العارضَيْنِ ... تَصيد بسهم اللّحاظ القلوبا
بدت قمراً، ورنت جُؤْذَراً، ... ومالت قضيباً، وولَّت كَثِيبا
وقوله في مخضوبة الكف:
وذات كفٍّ، قد خضَّرته، ... تَسبِق في الوهم كلَّ نَعْتِ
كأنّه في البياض علمي ... قد اختبا في سوادَ بَخْتي
وقوله:
يا من تغافل عنّي ... وشفَّني بالتَّجَنِّي
إِن كنتُ أعجِز عن بَ ... ثِّ بعض لوعة حُزني،
فاسمَعْ حديثي من الدَّمْ ... ع، فَهْوَ أفصح منّي
وقوله:
يا غزالاً، فاترَ النَّظَرِ ... يا شبيهَ الشَّمس والقمر
كيف يَخْفَى ما أُكتِّمه، ... وزفيري صاحبُ الخبرِ؟
وقوله:
يقول: لي حين وافى: ... قد نِلْتَ ما ترتجيهِ
فما لقلبك قد جا ... ءَ خفقة تعتريهِ؟
فقلتُ: وصلك عُرسٌ، ... والقلب يرقُص فيه
وقوله:
إذا ما تذكّرتُ مَنْ حسنُهُ ... يَكِلّ لسانيَ عن نعتهِ
تناول قِرطاس خدّي البُكا ... وطالعَ بالحال في وقتهِ
وقوله:
تركتك، فامْضِ إلى مَنْ تُحِبُّ ... ففعُلك برَّدَ حَرَّ الجَوى
وقَبَّحَك الغدرُ في ناظري ... وغُودر عُودُ الهوى قد ذَوَى
فصِرت أراك بعين السُّلُوُ ... وكنت أراك بعين الهوى
وقوله:
لست أذُمّ الفراق دهري، ... كيف وقد نِلْت منه سُولي؟
قبَّلْته في الوَداع ألفاً ... وقد عزَمنا على الرَّحيلِ
وقوله:
وقالوا: قد بكيتَ دماً ودمعاً، ... وقد أولاك بعدَ العُسر يُسرا
فقلت: لفرحتي برضاه عنّي ... نثرت عليه ياقوتاً ودُرّا
وقوله:
قيل لي: قد صار مبتذَلاً ... مَنْ حماه الصَّوْنُ في صِغَرِهْ
كُفَّ عنه النّاسَ. قلتُ لهم ... قولَ مَنْ يُجرى على أثرِهْ:
لا أذودُ الطَّيْرَ عن شجرٍ ... قد بَلَوْتُ المُرَّ من ثَمَرِهْ
وقوله:
واهاً على طيب ليَالٍ، مضت ... بالوصل، حتَّى فطِن الهجرُ
стр. 72
ما كان أحلى العيشَ في ظلّها ... كأنّما كانت هي العمرُ
وقوله، وهو مما يكتب على المراوح:
بَدا يروِّح جسمي ... لمّا رأى ما أُلاقي
وما ينفّس كربي ... إلاّ نسيمُ التَّلاقي
وقوله:
كُفَّ، يا عاذلي، فعَذلُك يُغري ... زادَ وَجْدي، وقَلَّ في الحّب صبري
أنا أهوى سُعدى وتُنحل جسمي، ... وأُحِّب الدُّنيا وتَقْرِض عمري
وأنشدني لنفسه أبياتاً في الشيب، منها قوله:
بدا الشَّيب في فَوْدِي، فأقصَرَ باطلي ... وأيقنت قطعاً بالمصير إلى قبري
أتطمَعُ في تسويد صُحْفي يدُ الصِّبا، ... وقد بيَّضَت كفّ النُّهَى حُسْبَةَ العمرِ؟
وقوله:
صبح مشيبي بدا، وفارقني ... ليلُ شبابي، فصِحت: واقَلَقِي
وصِرت أبكي دماً عليه، ولا ... بُدَّ لصبح المشيب من شَفَقِ
وقوله:
بِأَبِي مودِّعةً لوصلي، إذْ بدافي عارضي بعدَ الشَّباب قَتِيرُ
كالطَّيْف، يطرُقُ في الظّلام إذا دجا ... وله إذا لاح الصَّباح نُفورُ
ومما أنشدني له في أغراض مختلفة، قوله:
نَقَصُوهَ حظَّهُ حسداً ... لكمال في خلائقه
وعلوُّ النَّجم، أورثه ... صِغرَاً في عين رامقهِ
وقوله:
لا غَرْوَ إِن أَثرى الجهولُ على ... نقص، وأَعدم كلُّ ذي فهمِ
إِنَّ اليدَ اليُسرى، وتفضُلُها ال ... يُمْنَى، تفوز بمُعْلَم الكُمِّ
وقوله:
أرى ذا النَّدَى والطَّوْل يغتاله الرَّدَى ... ويبقى الَّذي ما فيه طَوْلٌ ولا مَنُّ
كما الورد. . يبدو في الغصون وينقضي ... سريعاً، ويبقى الشَّوْك ما بَقِيَ الغصنُ
وقوله:
كن ناقصاً تُثْرِ، فإِنّ الغِنَى ... يُحْرَمُهُ الكاملُ في فهمهِ
فالبدرُ يحوي من نجوم الدُّجَى ... في النّقص ما يعدَمُ في تِمّهِ
وقوله:
يقولون: لا فقرٌ يدوم ولا غنى، ... ولا كُربة إلا سيتبعها كشفُ
ولست أرى كَربي وفَقري بمنقضٍ ... كأنّي على هذين وحدَهُما وقفُ
وقوله:
لا تَحْقِرِنَّ وَضِعاً ... يُزري بصدرٍ شريفِ
فرُبَّما خُفِض اسمٌ ... عالٍ بحرفٍ ضعيفِ
وقوله، يخاطب بعض الصدور، وقد استخدم غلاماً عيب به:
لمّا أضفتَ إليك نجل مسرّة ... حاربتَ مجدك بالحُنُوّ عليهِ
وبه انخفضت، وكان قدرُك عالياً، ... فِعْلَ المضاف بما أُضِيف إليهِ
وقوله:
تعلّمن منه العلم، ثمَّ اطرَّحته ... وأوليته بعدَ الوِصال له هَجْرا
وهل يقتني الأَصدافَ في النّاس حازم ... إذا هو من أجوافها أخَذ الدُّرّا؟
وقوله، يمدح الوزير عون الدين:
بدأ الوزير بجوده متفضّلاً ... فنطقت فيه بأحسن الآدابِ
والرَّوض ليس بضاحك عن ثَغْره ... إلا إذا روّاه صَوْبُ سَحابِ
وقوله، يقيم عذراً لمن بخل عليه بجائزة شعره:
لم يحبِسِ المولى الأجلّ نَوالَهُ ... بُخْلاً عليَّ، ولم أكن بالسّاخطِ
لكنّني أنشدت شعراً بارداً ... والبردُ يَقْبِض كلَّ كفٍّ باسطِ
وقوله:
أَصِخْ لنظمي، ففيه معنىً ... بلا شبيه ولا نظيرِ
وقد بدا في ركيك لفظي ... كعالم فاضل فقيرِ
وقوله، وقد طلب من بعض الرؤساء كاغداً، فأعطاه نصف ما سأله، ووعده بالباقي:
أعطيتني نصف الَّذي أملَّتْهُ ... من كاغَد، ووعَدتني بِسواهُ
ورجَعتَ تأخُذه إليك تقاضياً ... منّي، وذاك الوعد لست أراه
كالشّهر: يُعطي البدر من تَمامه، ... ويعودُ يأخُذ منه ما أعطاه
وقوله فيه:
مدَحت الأجَلَّ، وأمّلت في ... هـ إِنفاذَ دَسْت من الكاغَدِ
فنفَّذ لي النِّصفَ ممّا طلَبْ ... تُ بعدَ تردُّديَ الزّائد
فأفنيته في اقتضائي له، ... ومرَّ مديحي على البارد
وقوله:
стр. 73
سَمَحت ببعض الَّذي أرتجي ... وألقيت حبلي على غاربي
وإتمامُ نافلةِ المكرُما ... ت، بعدَ الشُّروع، من الواجب
وقوله في ناعورة:
رُبَّ ناعورةٍ. . كأَنَّ حبيباً ... فارقَتْه، فقد غدت تحكيني
أبداً هكذا تدور وتبكي ... بدموع تجري، وفَرْطِ حنينِ
وقوله في اللغز:
وأهيف القَدّ، نحيف الشَّوَى ... معتدل، لم يَحْوِ معناه وَصْفْ
وهْوَ، إذا أنت تأمّلته ... بفكرة، اسم وفعل وحَرْفْ
أراد به الألف، فهو اسم إذا أعرب، وفعل إذا بني، وحرف بذاته.
وقوله في قبور أهل البيت، ﵈:
إِنّ ب الطَّفّ والغَرِيّ وسامَرّ ... اوطُوسٍ ويَثْرِبٍ والحَرِيمِ
لقبوراً لآل أحمدَ، لا زا ... لَ مُواليهِمُ بدار النَّعيمِ
ومما أنشدني له في الهجاء والذم، قوله:
ما كان بخلك بالنَّوال مؤثّراً ... فيكون هجوي فيك باستحقاق
لكنّني أبصرت عِرضك أسوداً ... متميزِّقاً، فقَدَحْتُ في حُرّاق
وقوله:
منَع احتقار محمّد عن نفسهذَمِيّهِ، وهْوَ كما علِمْت خبيثُ
والليثُ: يُنشب مِخْلَبي في جلده ... ظُفُراً، ويُفلت من يدي البُرغوثُ
وقوله:
قال: ألم تعلَمْ بلؤمي؟ فلِمْ ... كسوتَ عِرضي حُلَلَ المدحِ؟
قلت: أُرَبِّيك لسيف الهِجا ... كما يُرَبَّى الكَبْشُ للذَّبْحِ
وقوله:
ومُذْ صَحَّ لي جوده بالهِجا ... تَبَّيْنتُ أَنَّ مديحي هَوَسْ
كذا الفّصُّ: ما بانَ لي خطُّه، ... ولا حسنُ معناه، حتّى انعكَسْ
وقوله:
هجوتك، إِذْ قطَعت البِرَّ عنّي ... وكنت أحوك فيك المدح حَوْكا
كذاك الأرضُ: تزرَعُها فتزكو، ... وتقطَعُ زرعها فتجيء شوكا
وقوله:
بغربيّ بغدادٍ صديقٌ مذمَّمٌ ... كرامتُه للأصدقاء التَّمَلُّقُ
تبسَّمَ لي من بعدِ غِلٍّ كأنّه ... ذُبالةُ مصباح تُضيء وتُحرِقُ
وقوله:
نصر علينا زاد في تِيِههِ ... وهجوُنا ينقُصُ عن مجدهِ
والظُّفْرُ إِنْ أسرف في طوله ... يُرَدّ بالقصّ إلى حدّهِ
وقوله:
فلا تحتقرْ نصرَ الذَّميمَ، فإِنّه ... يَزيِد لفَرْط الثِّقْل منه على الوصفِ
فرُمّانةُ القَبّانِ، يُحْقَرُ قدرُها، ... وتُخرِج عندَ الوزنِ أكثر من أَلْفِ
وقوله:
كم تَدَّعي كرمَ الجدو ... دِ، وأنت تَحْرِمُ مَنْ شكَرْ؟
وعلى فساد الأصل مِنْ ... كَ، يَدُلُّني عدمُ الثَّمَرْ
وأنشدني لنفسه أيضاً في الهزل:
قال قليبي، وقد حَظِيت بمن ... شَقٍِيتُ في حبّها مَدى العُمُرِ:
قد اسكنتَنِي لَظَى. فقلت: كما ... عبدتَها دونَ خالق البشرِ
وصُمْتَ عن غيرها، وكنتَ تقو ... مُ الليلَ في حبّها إلى السَّحَرِ
فاصبِرْ على قُبح ما جنيتَ، فلم ... تَظْلِمْك إذْ خلَّدَتْك في سَقَرِ
وأنشدني لنفسه:
ترَحَّلْتُ عن أرض الحَظِيرة، هارباً ... من العشق، حتّى كادت النَّفْس تَزْهَقُ
وأفلستُ، حتّى إنّ جِلْفاً مُغَفَّلاً ... خلا بالّذي أهواه: يَزني ويفسُقُ
فلا أنا في بغدادَ روّيتُ غُلَّةً، ... ولا ثَمَّ واصلتُ الَّذي أتعشّقُ
وأنشدني لنفسه في بعض عمال السواد أبياتاً، أعطى فيها صنعة التجنيس حقها، وهي:
وما اسْودَّ فَوْدُك حتى نزلتَ ... من المقتفي في سواد الفؤادِ
ورَدَّك ناظرَه في السَّوا ... دِ، إذْ كنتَ ناظره في السَّوادِ
ولمّا أراد اختبار الرِّجا ... لِ، أَلْفَى مرادك فوقَ المراد
وأعارني ما جمعه ثانياً من أشعاره ورسائله، وسح سحائب خاطره ووابله، فنظمت لكتابي هذا في سخابه، منخب ما سخابه؛ وختمته بعد ذلك بقصدتين نظمهما في الإمام المستنجد بالله يوسف، بن المقتفي لأمر الله.
стр. 74
فأما منظوماته: قال أبو المعالي، سعد، بن علي، بن قاسم، الحظيري في صاحب المخزن زعيم الدين، أبي الفضل، يحيى، بن جعفر يمدحه ويهنئه بالحج:
لقد برَّ حَجٌّ وحَجَّ بَرُّ ... وضَمَّ بحرَ العِراقِ بَرُّ
عاد الزَّعيمُ الكريم يَطْوِي ... أرضاً، لها من تُقاه نَشْرُ
صدر، نفى العجزَ عنه قلبٌ ... ثَبْتٌ، له همَّة وصبرُ
إذا حبا واحتبى بنادٍ، ... تقول: بحر طَما، وبدرُ
غَوْثٌ لمستصرِخ، وغيث ... إِن لم يكن في السّماء قَطْرُ
يا مَنْ ضُروبُ الورى غُثاءٌ، ... وخُلقُه للجميع بحرُ
أنت الّذي ديِنُه لَباب ... يبقَى، ودُنياه منه قشرُ
قد طُلْتَ فَرعاً، وطِبْتَ عَرْفاً ... وأصلُ علياك مستقرُّ
فاقْنَ لِما لا يَبيِدُ ممّا ... يَبيِدً ذُخراً، فالخيرُ ذُخْرُ
إِن قلت شعراً، ففيه شَرْع ... والفكرُ في المستحيل كفرُ
لكِن سَجاياك لُحْنَ غُرّاً ... حقيقةً، لا كما تغُرُّ
فصاغها منطقي عُقوداً ... فوقَ جُيوب العلى تُزَرُّ
تُضْحي لنَحْر الوليّ حَليْاً ... وَهْيَ لنَحْر العدوّ نَحْرُ
كأنّما الشَّخص منك فَصّ ... من المعالي عليه سطرُ
والشِّعر كالسَّمْع منه، يُقْرَا ... بالسَّمْع، والطّبع فيه شكرُ
ولست فيما أحوك إلا ... حاكٍ، فمالي عليه أجرُ
هذا. على أنَّ لي زماناً ... ما دارَ لي في القَريض فكرُ
لأنَّه يستبيحُ منّي ... حِمىً، له في العَفاف سترُ
وتسترقّ الأطّماع منّي ... حُرّاً، ولا يُسْتَرَقُّ حُرُّ
فاستوجب الشُّكر. رُبَّ بَرٍّ ... على جميع الورى مُبِرُّ
قلَّدني منه اِبتداءً ... فاقتادني، والكريمُ غِرُّ
وزففّت دُونَه القوافي ... وشَفَّ وزن، وضاق بحرُ
لكنْ خلَعْتُ العِذار حبّاً ... وكان لي في القصور عذرُ
وكتب إلى ولد أخيه في صدر مكاتبة، وقد عاد إلى بلده، عند غرق بغداد في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
أصابت العينُ مثلَ عيني ... فصابتِ العينُ مثلَ عينِ
مَنْ يرتشي في خلاص عيني. ... من أسر دمعي خلاص عيني.
بَلَّ رِداء البكاء وِردي ... وفي الحشا للرَّدَى رُدَيْني
زَمَّ زمانٌ نِياقَ بَيْن ... فَرَّقَ ما بينَه وبيني
وصالَ فِرْعَوْنُ صَرْفِ دهر ... والصّبرُ عوني، ففَرَّ عوني
لانَ لنا غيلةً، ووافَى ... من الرَّزايا بكلّ لونِ
ودانَ، فالعيش فيه دانٍ، ... ثمَّ انثنى طالباً بدَيْنِ
أدالَني اللهُ من زمانٍ ... جانٍ، جَهامِ الغَمام، جَوْنِ
وكتب إليه أيضاً:
ظهرت، يا بَيْنُ، في الكَميِنِ ... وكنت من قبلُ في الكُمونِ
سار الذَّي سرَّ بالتَّداني ... ولم يكن ذاك في الظُّنونِ
حالَ التَّقالي دونَ التَّلاقي ... فالقوم في مصرع الحُسَيْنِ
كنّا من الدَّهر في أمانٍ ... نرى الأَماني على اليقينِ
فبشَّرَ الماء حين وافَى ... قرائن الوصل من قَرينِ
طَرا، ولكن طغى مَعِينٌ ... ولا مُعِينٌ على مَعِينِ
يا وَلَدي البَرُّ أيُّ بحر ... مَدَّ فألقاك جوفَ نُونِ
واهاً لأِيّامِنا الخَوالي ... منك، الحَوالي بك العُيُونِ
زالت، فهدّت قُوىً، وأجرتْ ... منّا عُيوناً من العُيُونِ
وقال على لسان بعض أصدقائه، يهنئ صاحباً للخليفة، جعله أميراً:
سماءُ الفضل مُفْهَقةُ النَّشاصِ ... وأرضُ العدل مشرِقة العِراص
стр. 75
بدولة سيّدِ الثَّقَلْينِ طُرّاً ... إِمامِ العصر، مُدركِ كلِّ قاصِ
أتته خِلافة الدُّنيا انقياداً ... مسلِّمةً له، لا عن تعاص
وقد طلَعت خصائصُه، وكانت ... تطالع قبلَ ذلك من خَصاصِ
وصار خليفةَ لله فينا، ... وأنت به شديد الاختصاصِ
فأعطاك الإِمارةَ مستحقاً ... مَزيدَ القدر منه بلا انتقاصِ
وبأسُك يا أخا الفضل المُرَجَّى ... يُعيد الملكَ ممتنع الصَّياصي
وقد مُلِّكت قاصيةَ الأَماني ... ولاتَ لها المَدى حينَ المناصِ
فتى الفِتيان هذا اليومَ كنّا ... نرجِّي، فاصْغِ سمعاً لاقتصاصي
أرى الأيامَ تأخُذ في انتقاصي ... مشرِّدةً، فهل لك في اقتناصي؟
لَعَلَّ فضائلي تبدو لِراء ... وعَلَّ الحظَّ يُسعِد بالخلاصِ
وفضلي لم يزل يَجْني خُمولي ... عليه، وقد رجوتك للقِصاصِ
فنّوِهْ بي، وخُذْ مدحي رخيصاً ... وليس على سواك من الرِّخاصِ
وأما القصيدتان، فإحداهما أنشأها وقد بويع المستنجد بالله يوم الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مئة، واتفق ذلك اليوم ثالث عشر آذار عند الاعتدال الربيعي. ولما تولى، أخذ القاضي ابن المرخم وجماعة من أصحاب أبيه، اتهمهم بخيانة، وتولى عقد البيعة له أستاذ الدار أبو الفرج بن رئيس الرؤساء، فذكر الحال:
بيعةٌ: شَدُّ عَقْدِها لا يُحَلُّ، ... وانقيادٌ لغيرها لا يَحِلُّ
سفَرت شمسُها، وقد أسفر الصُّبْ ... حُ، فَحلَّ الضِيّاء حيثُ تَحِلُّ
لم يَفِلْ رأيُ فَأْلِها، ولقد جا ... ءَ بعَضْب ماضي الشَّبا لا يُفَلُّ
جاء تاريخها لخمس وخمسي ... ن وخمس من المِئِينَ يدلُّ
إِنّه عَقْدُ بيعة، كُلَّما دا ... رَ عليه الزّمانُ لا يَضْمَحِلُّ
عدّد ليس ضربه فيه إِنْ كُرِّ ... رَ مما يُحيله أو يَحُلُّ
أَحَدِيّ الأيّام، وَهْوَ دليل ... أنّه أوحد الأنام الأجَلُّ
ثانيَ الشَّهر من ربيع، وفي أَوَّ ... ل فصل الرَّبيع، فالفصلُ فصلُ
وربيع فَأْلٌ بأنّ ربيعاً ... دهره كلُّه، وأَنْ ليس مَحْلُ
واعتدالُ الرَّبيعِ مبدأُ عدلٍ ... يقصُرُ الليل عندَه ويَقِلُّ
ويطول النَّهار، والطُّولُ طَوْل ... من يديه، ما فيه مَطْلٌ مُطِلُّ
ليس في هذه الخِلافة من بع ... دُ خلافٌ يُخشى، ولا كان قبلُ
ولقد صحّح التَّفاؤلُ فيها ... وغدا الحكم وَهْوَ حزم وفصل
فَرَج، جاء من أبيه، فَجلَّى ... جَلَلاَ، دِقُّه على المُلك جِلُّ
خَبَّ فيه خَبٌّ، فخاب رجاء، ... وخبا جمرُ كيدِه وَهْوَ جَزْلُ
للإمام المستنجد المَلِكِ العا ... دل، والكالِئِ الّذي لا يَكِلُّ
همّةٌ: تستقلُّ ما حوتِ الدَّنْ ... يا، وبالدِّين والعلى تستقلُّ
ذا إمامٌ، بالعدل قام، فما يح ... كُمُ إلا بالعدل، والفضلُ فضلُ
فالمُوالي لأمره، والمُوَلِّي ... عنه: يُقْلَى هذا، وذاك يقلُّ
قام بالأمر، ثمَّ قوَّم قوماً ... لن يُقالُوا ذنباً، وإنْ هُمْ قَلُّوا
قرن العقل بينهم، وقضى فص ... لاً بأنْ لا فضلٌ قرانٌ وعقلُ
حِفظ الآلُ الآل إلا لَعِين ... آل ألا يعِزَّ منه الإِلُّ
كان شرّاً قضاؤه وعدولاً ... فاقتضى أن يهان شرعٌ وعدلُ
كم غليلٍ على غُلول بكَفَّيْ ... هِ، شفَاهُ فَكٌّ لها أو غَلُّ
هاشِمي، هاشم الأَكارم يُحْسِي ... ك بسَجْل من النَّوالَيْنِ، سَجْلُ
следующие страницы →