← Адаб

Адаб · id 12815

خريدة القصر وجريدة العصر - أقسام أخرى

العماد الأصبهاني الكاتب

Полный текст (895 стр.). Показаны 876–895 · переход к 881.

стр. 876

أبَاهي بها عبد الحميد براعة ... وأحملها حمل الغريب المصنف الأديب أبو القاسم ابن العطار ذكر أنه أحد نحاة إشبيلية وأدبائها وظرفائها، الخالعين العذار وألبائها، لا يقبل ملاما في مدام، ولا يقتل غراما في غلام، ولا ينهر هواه عن نهر، ولا يبهر إلا بمزهر وزهر. وقد أورد من شعره في ذلك ما يتقلد به لبات الرياض، وتنظر عن فتونه وفنونه في السحر فاترات العيون المراض، فمن ذلك في وصف نهر ركبه، حين استعذبه وأعجبه: ركبنا على اسم الله نهرا كأنه ... حباب على عطفيه وشي حباب وإلا حُسَامٌ جال فيه فرنده ... له من مديد الظل أي قراب ول فيه: عبرنا سماء النهر والجو مشرق ... وليس له إلا الحباب نجوم وقد ألبسته الأيك برد ظلالها ... وللشمس في تلك البروج وجوم وله فيه: لله بهجة منزه ضربت به ... فوق الغدير رواقها الأنسام فمع الأصيل النهر درع سابغ ... ومع الضحى يلتاح فيه حسام وله فيه: مررنا بشاطي النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق وقد نسجت كف النسيم مفاضة ... عليه وما غير الحباب لها حلق وله فيه: هبت الريح بالعشي فحاكت ... زردا للغدير ناهيك جنّه وانجلى البدر بعدهدء فصاغت ... كفّه للقتال منه أسنّه وله يصف عشية أنس: لا كالعشية في رواء جمالها ... وبلوغ نفسي منتهى آمالها ما شئت شمس الأرض مشرقة السنا ... والشمس قد شدت مطي رحالها في حيث تنساب المياه أراقما ... وتعيرك الأفياء برد ظلالها وله: لله حسن حديقة بسطت لنا ... فيها النفوس سوالف ومعاطف تختال في حلل الربيع وحليه ... ومن الربيع قلائد ومطارف وله فيالغزل: وسنان ما إن يزال عارضه ... يعطف قلبي بعطفة اللام أسلمني للهوى فواحزنا ... إن بزّني عفّتي وإسلامي لحاظه أسهم وحاجبه ... قوس وإنسان عينه رام وله: رقّت محاسنها ورقّ نعيمها ... فكأنّما ماء الحياة أديمها رشأ إذا أهدى السلام بمقلة ... ولى بلب سليمها تسليمها سكرى ولكن من مدامة لحظها ... واغضض جفونك فالمنون نديمها وله: الحب نسبح في أمواجه المهج ... لو مد كفا إلى الغرقى به الفرج بحر الهوى غرقت فيه سواحله ... فهل سمعتم ببحر كله لجج بين الردى والهوى في لحظه نسب ... هذي القلوب وهذي الأعين الدعج دين الهوى حظّه عقل بلا كتب ... كما مسائله ليست لها حجج لا العدل يدخل في سمع المشوق ولا ... شخص السلو على باب الهوى يلج كأن عيني وقد سالت مدامعها ... بحر ييض ومن آماقها خلج جار الزمان على أبنائه وكذا ... تغتال أعمارنا الآصال والدلج بين الورى وصروف الدهر ملحمة ... وإنما الشيب في هاماتها رهج وله: بأبي غزال ساحر الأحداق ... مثل الغزالة في سنا الإشراق شمس لها فوق الجيوب مشارق ... ومغارب بجوانح العشاق نثر العقيق ونظم در رائق ... في مرشقيه وثغره البراق عقد من السحر الحلال بلفظه ... وبها تحل معاقد الميثاق هلا وقد مدّت إليه ضراعتي ... يدها تصافحها يد الاشفاق ديَم الغمام برعدها وببرقها ... كاثرتها بسحائب الأشواق ما أدمعي تنهل سحا إنما ... هي مهجتي سالت على الآماق وله: ألا يا نسيم الريح بلغ تحيتي ... فما لي إلى إلف سواك رسول وقل لعليل الطررف عني بأنّني ... صحيح التصابي والفؤاد عليل أينشر ما بيني وبينك في الهوى ... وسرك في طي الضلوع قتيل وله: هب النسيم مع العشي فشاقني ... إذ كان من جهة الحبيب هبوبه

стр. 877

وكأنه إذ هب من تلقائه ... عرف القرنفل والعبير يشوبه قد كنت ودعت الصبا بوداعه ... وأخو الصبابة لا تفيق ندوبه لو لم أجب داعي الهوى وعصيته ... لغدت جفوني بالدموع تجيبه وله: لا بد للدمع بعد الجري أن يقفا ... وهبك سال فؤادي عنده أسفا وبي غزال إذا صادفت غرته ... جنيت من وجنتيه روضة أنفا كالبدر مكتملا كالظبي ملتفتا ... والروض مبتسما والغصن منعطفا ما همت فيه ولا هام الأنام به ... حتى غدا الدهر مشغوفا به كلفا أيرتضي الفضل أن أطوى على حرق ... وفي مراشفه اللعس الشفاه شفا ما صافح الروض كف المزن من مقة ... إلا أرتنا به من خطه صحفا وله: ما لي على سطوات الدهر من جلد ... ألقيت نحو تباريح الهوى بيدي حلئت عن منهل السلوان في رشأ ... بجيده حلية من صنعة الغيد مذ قادني طرفه للحين أعلمني ... أن العيون لها قتل بلا قود وله في الوزير أبي حفص الهوزني وقد مات بنهر طلبيرة عند افتتاحها من قصيدة: وفي كفه من مائع الهند جدول ... عليه لأرواح العداة تحوّم بحيث الصّدَى بين الجوانح يلتظي ... ونار الوغى بالمشرفية تضرم وما من قليب غير قلب مدجّج ... ولا شطن إلا الوشيج المقوّم ووجه الضّحى من ساطع النقع كاسف ... بيوم له زرق الأسنة أنجم ولما رأوا أن لا مقرّ لسيفه ... سوى هامهم لاذوا بأجرأ منهم وكان من النهر المعين معينهم ... ومن ثلم السدّ الحسام المثلّم فهلا ثنى عنه الردى في زلاله ... رداء برقراق الفقاقيع معلم فيا عجبا للبحر غالته نطفة ... وللأسد الضرغام أردَاهُ أرقم وله يتغزل: ليل يعارضه الزمان بطوله ... ما لي به إلا الأسى من مسعد نظّمت لؤلؤ أدمعي في جيده ... فكأنّها فيه نجوم الأسعد الأديب الحاج أبو عامر ابن عيشون وصفه بأنه أحيا لبوس البؤس والنعيم، ووجد تعب المسافر وراحة المقيم، فآونة كالنسر الطائر، وتارة النسر الواقع، وطورا في القصور، وبرهة في البلاقع، ومرة في غنى، وأخرى في فقر، وليلة في مغنى، ويوما في قفر، وذكر أنه رحل إلى المشرق فما أحمد الرحلة، ولا حصل منها النحلة، ودخل مصر في عهد الأفضل خاملا لا يعرف، وآملا لا يسعف، خالي الكيس، بادي الأخلال بالعذير والتنكيس، كاسيا من الإفلاس، عاريا من اللباس، قد بات ليله اتقد، وقد كاد يتلفه البرد، وكان قد دخل عليه ابن طوفان وهو مغنّي الأفضل وشم ريح حاله، وشام بارقة إمحاله، فاستدعى منه أن يعمل أبياته يلحنها، ويشدوها عند الأفضل لحسنها، فلعله يجد فرصة، ويجر إلى نار أمله من النجح قرصة، فعمل: قل للملوك وإن كانت لهم همم ... تأوي إليها الأماني غير متئد إذا وصلت بشاهنشاه لي سببا ... فلن أبالي بمن منهم نفضت يدي من واجه الشمس لم يعدل بها قمرا ... يعشو إلى ضوئه لو كان ذا رمد فلما كان من الغد، وافاه بخمسين دينار وكسوة، وذكر أنه غناه بالشعر فحل منه بقبول وحظوة. وله: قصدت على أن الزيارة سنة ... يؤكّدها فرض من الودّ واجب فألقيت بابا سهل الله إذنه ... ولكن عليه من عبوسك حاجب مرضت ومرّضت الكلام تثاقلا ... علي إلى أن خلت أنك عاتب فلا تتكلّف للعبوس مشقّة ... سأرضيك بالهجران إذ أنت غاضب فما الأرض تدمير ولا أنت أهلها ... ولا الرزق إن أعرضت عني جانب وله: كتبت ولو وفّيت برك حقه ... لما اقتصرت كفى على رقم قرطاس ونابت عن الخط الخطي وتبادرت ... فطورا على عيني وطورا على رأسي سل الكأس عني هل أديرت فلم أصغ ... مديحك ألحانا يسوغ لها كاسي

стр. 878

وهل نافح الآس الندامى فلم أدع ... ثناءك أذكى من منافحة الآس الأديب أبو الحسن حكم بن محمد غلام البكري وسفه بالخاطر المولد المخترع، المفتضّ عذرة المعاني المفترع وذكر أنه كان ذا جأش جاش، وبرى نبل النبل وراش، وطال رشاء غمره حتى برح زكي غمره، وطواه الدهر بعد طول نشره، ولقي آخر الدولة العبادية في عنفوانه، وريعان الدولة المرابطية في آخر زمانه، وله قلائد استغربت واستعذبت، وسوائر شرقت في البلاد وغربت، فمن ذلك: أرقني بعدك البعاد ... فناظري كحله سهاد يا غائبا وهو في فؤادي ... إن كان لي بعده فؤاد الله يدري وأنت تدري ... أن اعتقادري لك اعتقاد تذكر والحادثات بله ... ليس لها ألسن حداد ونحن في مكتب المعالي ... يصبغ أفواهنا المداد يستر ستر الصبا علينا ... والأمن من تحتنا مهاد لا نتهدى لما خلقنا ... نجهل ما الكون والفساد ومنها: أذمة بيننا لعمري ... يحفظها السيد الجواد سبحان من خصكم بأيد ... بهنّ تستعبد العباد إذا استهلت لنا سماء ... أو رق من تحتها الجماد آثاركم في العلا قديما ... دانت لها جرهم وعاد والآن تبلى وربّ جود ... حل على ناره الرماد وأنت في ألْسُنِ البرايا ... معنى بألفاظها معاد حسب العدى منك ما رأوه ... لا وريت للعدى زناد لم يعلم الصائدون منهم ... أنك عنقاء لا تصاد وإ، في راحتيك سعدا ... تندق من دونه الصعاد والليث شبعان لا يبالي ... إذا نزت حوله النِّقاد وله: تظن مرادا بالعقيق وجدولا ... إذا كرعت فيه القبول تسلسلا وإن مدت الأغصان أطناب ظلها ... بشطيه خلناه حساما مفللا تنفس من تلقائه بعد هجعة ... نسيم فخلناه عليلا معللا وجرر ذيلا صافح النور سحرة ... وذاع فحيّاه الحيا فتبللا يحث البهار الغض يوميء باسما ... لتقبيله خدا من الورد مخجلا ولم أر عيرا كالرباب إذا ونى ... وجد به سوط العقيقة أرقلا يرنّ حفافيه أجش مقهقه ... يوهمنا في الدار ضبطا مرسلا وليل ككحل العين قد مد جنحه ... جناحا على الأرض البسيطة مرسلا وسمت بنار الكأس قطري بهيمه ... فغادره وسمي أغر محجلا كأن بقاياه غداف شبيبتي ... ألمّ به صفر المشيب ليرحلا وله: ألاحت وللظلماء من ودنها سدل ... عقيقة برق مثل ما انتضيَ النصل أطارت سناها في دجاها كأنها ... تبلج خد حوله فاحم جثل لدى ليلة رومية حبشية ... تغازلنا من شهبها أعين شهل تودّ عيون الغانيات لو أنّها ... إذا مرضت عند الصباح لها كحل بدت في حلاها فاتّقينا نجومها ... بأنجم راح في الشفاه لها أقل إلى أن بدا للصبح في طرة الدجى ... دبيب كما استقرت مدارجها النمل نعيم أرى الأيام تثني عنانه ... علينا إذا ألقى ثنيته الحسل أفي لهوات الليث رَبْعٌ أبيته ... ولو علني فيها مجاجته الصل ذكرت الدنا والأهل فيها فليس لي ... بها عقوة آوي إليها ولا أهل وأفردني صرف الزمان كأنّني ... طرير من الهندي أخلصه الصقل الأديب أبو عامر ابن المرابط

стр. 879

ذكر أنه كان يقصد في نظمه الترقيق لا التشديق، والإعذاب لا الإغراب، والإحلال لا الإعلاء، والتفهيم لا التفخيم، والتقريب لا التغريب، والتحريك لا التعريك. لكن هلاله لم يقمر، وقمره لم يبدر، وبدره لم يتم، وتمامه ما أزهر، وزهره ما أنور، ونوره ما أثمر، وثمره ما ينع، وينعه ما طلع، وطلعه ما بسر، وبسره ما أتمر، وحج عمرة، لم يبلغ قران العمرة، ومشتري شبابه لم يصادف قران الزهرة، فحضره الأجل مغيرا، واحتضره دون الأمل صغيرا. ومن شعره قوله: سر إن اسْطَعْتَ فإنّي ... لست أسطيع مسارا ذلك البدر الذي قا ... بلت لا يهوى السرارا قلدوا مبسمه الدر ... وجفنيه الشِّفارا كلّما أومأ باللح ... ظ يمينا ويسارا لا ترى عيناه إلا ال ... قوم قتلى وأسارى لا ترع يا شادن الأج ... رع كم تهوى النفارا لك هذا القلب ترعا ... هـ أرَاكاً وعَرَارا وقوله: هنالك الريّ من دموعي ... يا ظبيُ والظل من ربوعي فرد معينا ورِد ظليلا ... غير مذود ولا مروع وقوله: من رأى ذاك الغزال ضُحىً ... يتمشّى في أجَارِعِه ينفض الأجفان عن سنة ... أشربتها في مضاجعه نظرت الظبي روعه ... قانص أدنى مراتعه بشر ما مثله قمر ... سنّ قتلي في شرائعه وقوله من قصيدة: أعيدوا عليّ الربع إلا تحية ... أخفف منها والركاب تبَوُعُ دعونيَ والأطفال أبكي فإن يكن ... ضلالا فإني للضلال تبوع وقوله من أخرى: فتناوحت فيه الرياح ضُحىً ... حتى تبل ترابه المزن وتسيل أبطحه وأجرعه ... ويرفّ ذاك السهل والحزن وقوله: تقول مطيتي لما رأتني ... وبينك لا توادعني فُواقا لقد أخذ السرى مني ومنها ... مآخذ لا نطيق بها مساقا لقد عنيت بنا النّكبات حتّى ... لودّت كل نائية فراقا الأديب أبو الحسن باقي بن أحمد وصفه بالأدب الباهر، والحسب الزاهر، وذكر أنه لم يزل منقبضا، وبدهره في صد عرضه غرضا، وقصر مدحه، على القاضي أبي أمية ولزم كسره، وألف مع عدم الانجبار كسره، فمن شعره ما كتب به إليه: الدهر لولاك ما رقّت سجاياه ... والمجد لفظ عرفنا منك معناه كَانَ العُلى والنُّهى سرا تضمنه ... صدر الزمان فلما لحت أفشاه آيات فضلك تتلوها ونكتبها ... في صفحة البدر ما أبدى محياه فأنت عضب وكف الدهر ضاربة ... تنبو الخطوب ولا تنبو غِرَارَاهُ وله: يا ماجدا في قربه ... من كل هم لي فرج ومملكا بمقاله ... وفعاله رق المهج هل طَنّ أذنك لِلِّقَا ... ءِ عيني تختلج قال: وصحب القاضي أبا أمية إلى العدوة، فمرّوا بفاس، وفيها الوزير أبو محمد بن القاسم. فكتب إليه: نسيم الصّبا بذمام العلى ... تَمَشَّ على الروض مشي الكسير وسر عبق النشر حتى تحل ... محل السيادة ربع الوزير فطأمن حشاها دُوَيْنَ الضلوع ... حذار مهابته أن تطير وقبّل أنامله إنّها ... ضرائر في فيضها للبحور وذكر بحاجة ضيف له ... فؤاد يقيم وجسم يسير له أمل قبل وشك الرحيل ... طويل المدى ومداه قصير وقل إن لقيا الوزير الأجل يقرّب كلّ بعيد عسير الأديب أبو جعفر ابن البني وصفه بالانتهاك، والمجون والاستهلاك، وامتطاء مركب الهوى، والانضواء إلى من غوى، والانطباع في النظم، واضطلاع بحدة الفهم، وله في الطرب سهم يخطي، وحظ يبطي، وذكر أنه أبعده ناصر الدولة إلى ميورقة، فلما قربت السفينة منها، نشأت ريح فردته إلى موضعه عنها، فقال في أصحابه وأحبابه، وقد صدوا عن جنابه: أحبتنا الألى عتبوا علينا ... فأقصرنا وقد أزف الوداع

стр. 880

لقد كنتم لنا جذلا وأنسا ... فهل في العيش بعد كم انتفاع أقول وقد صدرنا بعد يوم ... أشوق بالسفينة أن نزاع إذا طارت بنا حامت عليكم ... كأن قلوبنا فيها شراع وله: يا من يعذبني لما تملكني ... ماذا تريد بتعذيبي وإضراري تروق حسنا وفيك الموت أجمعه ... كالصقل في السيف أو كالنور في النار وله يهجو قوما ويمدح منهم رجلين: ما في بني يوسف ساع لمكرمة ... سواك أو صنوك العالي أبي الحسن كرُمْتما واغتدى باللؤم غيركما ... والشوك والورد موجودان في غصن هذا آخر الجماعة الذين أوردهم بالذكر من الأعيان أبو نصر الفتح بن محمد القيسي الأندلسي مصنف قلائد العقيان، وسألت عنه بمصر فقيل عاش بالمغرب إلى عهد شاور بمصر فقد توفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة وقال لي بعض المغاربة: توفي قبل هذا التاريخ. وقد أتى في كتابه بكلام كالسحر رقة ودقة، وكالزلال عذوبة وصفاء، وكالخمير طربا وانتشاء، ولو نقلته على وجهه لم أكن إلا ناسخا، ولم أبد في الصنعة علما راسخا، لكنني اختصرت وصفه لكل فاضل بلفظي، ونمقته بمعنى من حفظي، وكسوت المعنى صورة أخرى، وجلوته في الحلية الحسنى، فإن فتحا قبًّح ذكر قوم ووضعهم، ونبه خاملين فرفعهم، وحاد عن الصحيح لمرضه، ووسم الحسن بالقبيح لغرضه، ومن جملة ذلك أنه ترب على أبي بكر ابن باجة، وأطلع نوره في سماء السماجة، وقد أجمع الفضلاء على أنه لم يلحق أحد مداه في زمانه، ولم يوجد شرواه في إحسانه، وقد ختم به علم الهندسة، وتداعت بموته في إقليمه مباني الحكم المؤسسة. من جماعة ذكرهم أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله القيسي الأندلسي مؤلف قلائد العقيان في محاسن الأعيان لم نثبتهم إلا من هذا الكتاب، ولم ننظم إلا بعقودهم منه شمل الآداب. أبو بكر ابن عبد الصمد وذكره ابن بشرون في كتابه فقال: أبو يحيى ابن عبد الصمد. ذكره في آخر حديث المعتمد ابن عباد وأنه جاء إلى قبره بأغمات، بعد أن مات، وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخر على تربه ولثمه: ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عواد لما خلت منك القصور فلم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا ... وتخذت قبرك موضع الانشاد قال: وه قصيدة أطال إنشادها، وبني بها اللواعج وشادها. أبو نصر الفتح بن عبيد الله ابن خاقان مؤلف كتاب قلائد العقيان. وصفه الرشيد ابن الزبير في كتاب الجنان وقال: كان ذرب طية اللسان، غزير ركيًّة البيان، كأنما يغرف من بحر زاخر، أو يقطف من زهر ناضر، حسن صناعة، وسعة براعة، وله تواليف تشهد له بدارية، وتصانيف تدل على توسعه في الرواية، إلا أنه كان يضع من نفسه بشدة تبدله، وكثرة تنقله، وغضه من ذوي الرتب، وإساءة الأدب على الأدب، وتحليه من الخلاعة بما تعزف عنه نفس كل ذي عقل رصين، واشتفافه من الدنايا إلى ما لا يرضاه أهل المروءة والدين، وهو متوسع في النثر، قليل البضاعة في النظم، ولم أجد له منه ما يدخل فيما يدخل لأهل طبقته، فأما رسائله فقد أورد منها ما يغني الوقوف عليه من صفته. فمن ذلك رسالة يصف فيها نزهة وقنصا وهي:

стр. 881

ما تزال الغرائب أيد الله الملك الأجل معرضة في متنزهاته، وتثور له في ثنيات متوجهاته، فتزيد الأنس انفساحا، وتورث النفس ارتياحا، فتنطلق من عقالها ويتدفق بحر مقالها، وخرجنا معه في لمة من جنوده، وأمة من عبيده، وهو يقتادهم بزمام اصطناعه، ويرتاد لهم أخصب بقاعه، ووجه الشمس أومض إيماضه، وأفاض من سناها ما أفاضه، واعلام الدولة قد حفوا بلوائه، وتألقوا بسمائه، كأنهم النجوم إشراقا، والدرر انتظاما واتساقا، فساروا يسمون صفحات البسيطة بحوافر الخيل، ويثيرون قتاما كقطع الليل، فبينما هم ينجدون ويتهمون، ويبحثون عن القنص في كل مكان يتوهمون، إذ سنح لهم في البسائط سائح، وارتاع من رجة الموكب آمن سارح، قد اتخذ العشب جحراً، وضم إلى ترائبه سحرا ونحراً، فمرق كالسهم يمرق من الفوق، ومر لا يستمسك بواضح طريق، فتارة يسلك مستبينا، وتارة لا يعرج شمالا ولا يمينا، وما زالت الجياد تباري استنانه، وذوات المخالب تحاكي روغانه، حتى عادت عليه الأرض قفصا، وساقته إلينا قنصا، فعلقته كف كائد، لا حبالة صائد، فأخذه صاغرا، وفم الحمام قد تعرض له فاغرا، فذكاه بشفرته، وقذف زاده في ثغرته، وما زلنا نستوفر عددها، ونقصر أمدها، حتى ملأت الحائق، وأتبعت الركائب، وأذكت الهاجرة شواظ لهيبها، ولوت الصبا عنان هبوبها، فملنا إلى حدائق امتد عليها من أوراقها رواق، وغازلتنا من أزهارها جفون وأحداق، فحططنا بساحتها، وانبسطنا في رحب سياحتها، ودارت بيننا راح، تلقيناها بالراح ولوعا، وحسبناها شمسا طلعت طلوعا، ومازلنا نديرها كبارا وصغارا، نجوم اتخذت الأفواه مغارا، إلى أن فني اليوم أو هم، وكاد وجهه أن يدلهم، فقمنا إلى صهوات الجياد، وما منا إلا من يميل كالغصن المياد، فصرنا وما نفرق بين البكر والأصائل، ولا ندري الأواخر من الأوائل، ويمن الملك الأجل يهدينا، ونوره يسعى بين أيدينا، فلا زالت ليالينا به مشرقة، وغصون أمانينا في جنابه مورقة، ما عبق زهر، وتدفق نهر. ومن أخرى: أطال الله بقاء الوزير الأجل، عتادي الأسرى، وزنادي الأوري، وأيامه أعياد، وللسعد في زمانه انقياد، أما أنا أدام الله عزك فجوي عاتم، وأعيادي مآتم، وصبحي عشاء، وما لي إلا من الخطوب انتشاء، أبيت بين فؤاد قلق، وطرف مسهد، نائي المحل عن مزار العود، حيران لا أرى الروض المنور، ولا أحس سهيلا إذا ما لاح ثم غور، قد بعدت دار إليّص حبيبة، ودنت مني حوادث بأدناها تودي الشبيبة، وأي عيش لمن لزم المفاوز لا يريمها، حتى ألفه ريمها، قد رمته النوائب فما ابقى، وارتقت إليه الحوائج في وعر المرتقى، يواصل النوى ولا يهجر سيرا، ولا يزجر في الإراحة طيرا، قد هام بالوطن، هيام ابن طاب بالحوض والعطن، وحن إلى تلك البقاع، حنين أثلات القاع، ولا سبيل إلى تشعب صدع بينه مشاعب، أو تكلمه للدار أحجار وملاعب، وليس له إلى أن يجنح، ولا يرى أمله يسنح، قد طوى البلاد وتطرف الأرض وتوسطها ولم يلف مقيلا، ولا وجد مقيلا. إلى الله الشكوى لما أقاسي، وبيده الأقدام والنواصي، فإلى متى يعتري السعد، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ومن أخرى: سقى بلدا أمست سليمى تحله ... من المزن ما يروي به ويسيم سقى الله ذلك الجانب الذي حواك، وخص منه بالوابل مثواك، حتى يخلع الربيع فيه سندسيات بروده، ويجمع في النضرة بين تهامته ونجوده، فإنه جناب حل فيه الذكاء والنبل، وقل لسقياه عندنا الوبل، ورعيا لأيامنا المعلمات الذيول، المعطلات عرفي الصبا والقبول، وقد نعمنا ببكرها وآصالها، وأمتعنا بتواليها واتصالها، فاليوم لم يبق منها إلا ذكره لها في الفؤاد صدع، وللعراك والسلوة ردع، وعساها تعود، فيورق عود. وكتب عن أحد الرؤساء: أما بعد: فإن الأيدي قد امتدت، ودواعي التعدي قد اشتدت، وأموال الناس تنتهب، وزواجر كتاب الله لا ترهب، وأنت تنام عن كف هذا الانتهاب، وتلين في موضع السطوة والارهاب، وتعكف على الراح وروحاتها وتقف بين بكرها وروحاتها وقدماً أفسدت الراحة الأحوال، وجرت إلى أهلها الأهوال، فدعها فليس بأوانها، واكتف من صحيفة الشر بعنانها وأكثر الصولة، وأجدر أن يكون للمكروه عندك جولة، فلينب عن سوطك سيفك، حتى يرهب خيالك وطيفك. ومن أخرى:

стр. 882

الدهر أعزك الله إن بني مشيدا هده، وإن وهب نفيسا استرده، وإن حل نعمة أصارها شرقا، وإن كحل نومة أعقبها أرقا، ولا برهان إلا ما شاهدته غداة لقيتك بظهر الفلاة، وسقيتك ألذّ من طيب الحياة، والسرور قد غار في جو الجوى، والقرب قد حار في جيش النوى، فلم يك بين التسليم والوداع مهلة، ولم يبح من الالتياع من الشفاء نهلة، فما وخدت ركابك إلا وقلبي يتبعها، ولا أنجدت قناتك إلا وطرفي يقرعها، فما جيرة ابن حطان وقد انتسب إلى القبائل، ولا الحارث ابن عباد وقد نشب في حر بوائل ولا ابن مفرغ وقد خاف ولاة سمية، ولا عبد الله ابن قيس وقد فر من بني أمية. إلا دون وجدي غداة كففت دمعي المتسرب، ووقفت كناظر مع الصبح في أعقاب نجم مغرب، فلله أيامنا الموشية، وقوفنا بالسراة عشية، وانتشائي من مقلة وكأس، واجتلائي شارب زبرجد أو عذار آس، والتماحي خدّاً كمورد الشقيق، واستصباحي بثغر كالدر في حق من العقيق، زمان صحونا إلا من المدام، وسلونا إلا عن الندام، وتفرعنا إلا من الندى، وتورعنا إلا من معاقبة العدى، وأدرنا ذهبا سائلة، ونظرنا رقبا شائلة، وبتنا لم نرم السهر، ولم نشم برقا إلا الكأس والزهر، والشمل جامع، والدهر مجيب وسامع، فالآن منازلي أكوار، ومواصلي بطل مغوار، فتلك تضنيني بطول السفار، وذاك ينتضيني للملمات انتضاء الشفار، فأنا بين عر يعيي، وذعر يميت ويحيي، ونوى لا يقال لعاثرها لعا، وهوى قد حشا بالجوى أضلعا، والله يريح مما عرى، ويمن بنظره إلى قرقرى. وله إلى بعض إخوانه يوصيه بكتب أودعها عنده ويصف هرا:

стр. 883

استوهب الله لك أيها العماد الأعلى، والسراج الأجلى، والطود الأشم، والبدر الأتم، من النعم أبقاها، ومن العصم أوقاها، لا زلت لعنان السيادة مالكا، ولمنهاج السعادة سالكا، كتبت أعزك الله والود قائم رسمه، لائح وسمه، وإن كانت الأيام قد أزاحتني عن قربك، وأظمأتني إلى شربك، فإنها لم تلحق وثاقة عقدنا انحلالا، ولا صحة عهدنا اعتلالا، ولو جرت الأقدار على اقتراحي، وأطلقت من الأشغال سراحي، لاخترت مجاورتك، وآثرت محاورتك، فإنك بحر تلفظ الجواهر غواريه، وتعذب للوارد مشاربه، فيصدر عنك وقد ملأ من الدر حقائبه، وأثقل من البر ركائبه، والله يقرب لقاءك ويدنيه، ويهنئه على أفضل حال ويسنيه، وفي علمك ما استودعته أمانتك، واستحفظته صيانتك، من كتبي التي هي أنفس ذخائري وأسراها، وأحقها بالصيانة وأحراها، وما كنت أرتضي منها بالتغريب، لولا الترجي لمعاودة الطلب عن قريب، ولا شك أنها منك تنال، وبمكان تهمم واهتبال، ولكن ربما طرقها من مردة الفأر طارق، وعاث فيها كما يعيث الفاسق المارق، فينزل فيها قرظاً، أو يفسد منها طولا وعرضا، إلا أن يطوف عليها هر نبيل، ينتمي من القطاط إلى أنجب قبيل، له رأس كجمع الكف، وأذنان قد قامتا على صف، ذواتا لطافة ودقة، وسباطة ورقة، يقيمهما عند التشوف، ويضجعهما عند التخوف، ومقلة كأنها تقطيعة من الزجاج المجزع، وكأن ناظها من عيون الباقلاء منتزع، قد استطال الشعر فوق أحداقه، وحول أشداقه، كإبر مغروزة على العيون، كما تبرد أطرافه القيون، له ناب كحد المطرد، ولسان كظاهر المبرد، وأنف أخنس، وعنق أوقص، وحلق سرق، غير ملتصق، أهرت الشدقين، لاحق الأطلين، موشى الساعدين والساقين، منمنم اليدين والرجلي، يرجل بها وبره ترجيل ذوي الهمم، لما شعث من اللمم، فينفض ما لصق به من الغبار، وعلق به من الأوبار، ثم يجلوه جلاء الصيقل للحسام، والحمام للأجسام، فينفي قذاه، ويواري أذاه، ويقعي إقعاء الأسد إذا جلس، ويثب وثبة النمر إذا اختلس، له ظهر شديد، وذنب مديد، تارة يهزّه هزّ السمهري المثقف، وتارة يلويه لي الصولج المعقف، تجول يداه في الخشب والأرائك، كما يجول في الكسائد شائك، يكب على الماء حين يلغه، ويدني منه فاه ولا يبلغه، ويتخذ من لسانه رشاء ودلوا، ويعلم به إن كان الماء مرا أو حلوا، فتسمع للماء خضخضة من نزعه، وترى للسان نضنضة من جرعه، يحمي داره حماية النقيب، ويحرسها حراسة الرقيب، فإن رأى كلبا، صار عليه إلبا، وصعر خده، وعظم قده، حتى يصير نده، أنفة من جنابه أن يطرق، وغيرة على حجابهأن يخرق، فإذا رأى فيه هرا، أوجف إليه مكفهرا، فدافعه بالساعد الأشد، ونازعه منازعة الخصم الألد، فإذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته، أبرز برثنه لمبادرته، وجوشنه لمصادرته، ثم تسلل إليه لواذا، واستحوذ عليه استحواذا، فشد عليه شدة، وضمه من غير مودة، فأطار وبره نسالا، وأرسل دمه إرسالا، بأنياب عصل، أمضى من النصل، ومخلب كمنقار الصقر، درب للأقتناص والعقر، ففر قرنه ممزق الإهاب، مستبصرا في الذهاب، قد أفلت من بين أظفار وناب، ورضي من الغنيمة بالإياب، هذا وهو يخاتله دون جنة، ويقابله بلا سيوف ولا أسنة، وإنما جنته، منته، وشفاره، أظفاره، وسنانه، أسنانه، إذا سمعت الفأر منه مغاء، لم تستطع له إصغاء، وتصدعت قلوبها من الحذر، وتفرقت شذر مذر، تهجع العيون وهو ساهر، وتستثير الشخوص وهو ظاهر، يسري من عينيه بنيرين وضاحين، تخالهما في الإظلام مصباحين، يسوف الأركان، ويطوف في كل مكان، ويحكي في ضجعته السوار تحنّيا، وقضيب الخيزران تثنيا، يغط إذا نام، ويتمطي إذا قام، لا يكون للنار مستدفئا، ولا للقدر مكفئاً، ولا الرماد مضطجعا، ولا للجار منتجعا بل يدبر بكيده، ويقتصر على صيده، قد تمرد بقتل الأحناش والخشاش، وافترس الطير في المسارح والأعشاش، فيستقبل بمشمه، ويجعل الاستدلال أكبر همة، ثم يكن للفأر حيث يجد لها عيثا، أو يسمع لها عوثا، أو يلمح منها ريثا، فيلصق بالأرض، وينطوي بعضه في بعض، حتى يستوي منه الطول والعرض، فإذا تشوفت الفأر في جحرها، وأشرفت بنحرها وصدرها، دب إليها دبيب الصل، وامتد نحوها امتداد الظل، ثم وثب في الحين عليها، وجلب الحين إليها، فأثخنها جراحا، ولم يعطها براحا، فصاحت من شدة أسره، وقوة كسره، وكلما كانت صيحتها أمد، كانت قبضته عليها أشد، حتى يستأصل

стр. 884

أوداجها فريا، وعظامها بريا، ثم يدعها محرجة الذماء، مضرجة بالدماء، وإن كان جردا مسنا، لم يضع عليه سنا، وإن كان درصا صغيرا فغر عليه فاه، وقبض مترفقا على قفاه، ليزداد منه تشهيا، وبه تلهيا، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنة، والأبطال بالأسنة، فإذا أوجعه عضا، وأوعبه رضا، أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه، فازدرد منه أطيب طعمة، واعتقده أهنأ نعمة، ثم أظهر بالالتعاق شكره، وأعمل في غيره فكره، فرجع إلى حيث أثاره، وتتبع آثاره، راجيا أن يجد في رباعه، ثانيا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الردى، حتى يفني جميع العدى، وربما انحرف عن هذه العوائد، والتقط الفتات من حول الموائد، إبلاغا في الاحتماء، وبروزا في النعماء، فما له على خصاله ثمن، ولا جاء بمثاله زمن. اجها فريا، وعظامها بريا، ثم يدعها محرجة الذماء، مضرجة بالدماء، وإن كان جردا مسنا، لم يضع عليه سنا، وإن كان درصا صغيرا فغر عليه فاه، وقبض مترفقا على قفاه، ليزداد منه تشهيا، وبه تلهيا، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنة، والأبطال بالأسنة، فإذا أوجعه عضا، وأوعبه رضا، أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه، فازدرد منه أطيب طعمة، واعتقده أهنأ نعمة، ثم أظهر بالالتعاق شكره، وأعمل في غيره فكره، فرجع إلى حيث أثاره، وتتبع آثاره، راجيا أن يجد في رباعه، ثانيا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الردى، حتى يفني جميع العدى، وربما انحرف عن هذه العوائد، والتقط الفتات من حول الموائد، إبلاغا في الاحتماء، وبروزا في النعماء، فما له على خصاله ثمن، ولا جاء بمثاله زمن. وقد أوردت أدام الله عزك من وصفه فصلا معربا، وهزلا مطربا، إخلاصا من الطوية واسترسالا، وتسريحا للسجية وإرسالا، على أني إذا استعرت في لغته لسان أبي عبيد، وأظهرت في صفته شأن أبي زبيد، ما انتهيت في النطق إلى نصابك، ولا احتويت في السبق على قصابك، والله تعالى يبقيك لثمر النبل جانيا، ولدرج الفضل بانيا، ما طلع في أفق بدر، وانطبق على قلب صدر، إن شاء الله تعالى. وكتب معزيا: كتبت أعزك الله والجوانح ملتهبة، واللوعة للسلو منتهبة، والدموع متسربة، والضلوع مضطربة، لوفاة من هدت ركن المجد وفاته، وأعيت الواصف صفاته، وأحسنت مساعيه، وأخصبت للرائد مراعيه، فوا رحمة للحسب قبضت روحه، وللأدب ركدت ريحه، وللذكاء خبت شعله، وللعلاء تمزقت حلله، لقد نصب من الصبر عده، وعاد شحاحا زنده، وذوى عراره المتنسم ورنده، وحق له أن يقفر ضلوعا، ولا يظهر في سماء الجزع طلوعا، وقد تعطل الزمن ممن كان في لبته حليا، وفي فمه ضريا، وفي حره نسيما، وفي كؤوسه خمرا وتسنيما. ومنها: ومما كف اللوعة عن مجده، وخفف لذعة وجده، أنه أودى وقد استوفى طلقه، ولبس العمر حتى أخلقه، وسحب أذيال تمنيه، وصحب الدهر حتى كاد يفنيه، ومضى وما حملته المنساة، ولا ملته الأساة، ولا شجيت بالعيش نفسه شجو لبيد، ولا أقفر من أهله عبيد، ولا ذوي من جدب غرسه، ولا مل كما ملت صخرا سليمى عرسه، وهي المنية لا يثنيها التعمير، ولا يصرفها التأميل بل والتأمير، فقد مضى من كانت السيوف له يقمن وينحنين، وقضى كعب بعد أن طوى سنين وشايع بعد بنين، وأودى الجعدي وقد أدرك أيام الخنان، وأبقت منه الحوادث ما أبقت من السيف اليمان. ومن أخرى في وصف غريق في البحر: أتاني وأهلي بالعراق عشية ... وأيدي المطايا قد قطعن بها نجدا نعي أطار القلب عن مستقره ... وكنت على قصد فأغلطني القصدا

стр. 885

نعوا والله باسق الأخلاق فلا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه وما أخلف، لقد سام الردى فيه حسنا ووسامة، وطوى بطيه نجدا وتهامة، فتعطل منه الندى والندي، وأثكل فيه الهدى والهدي، كم راع البدر ليلة إبداره، فروع العدو في عقر داره، وكم فل السيوف طول قراعه، ودل عليه الضيوف موقد النار ببفاعه، وتشوف إليه السرير والمنبر، وتصرف فيه الثناء المحبر، أي فتى، غدا له البحر ضريحا، واعتدى عليه الحين ماء وريحا، فتبدل من ظل علاء ومفاخر، إلى قعر طامي البحر زاخر، وعوض من صهوات الخيل، بلهوات اللجج والليل غريق حكى مقلتي في دمعها، وأصاب نفسي في سمعها، ومن حزني لا استسقى له الغمام فما له قبر تجوده، ولا ثرى تروى به تهائمه ونجوده، فقد آليت أن لا أودع الريح تحية، ولايورثني هبوبها أريحية، فهي التي أثارت من الموج حنقا، ومشت عليه خببا وعنقا، حتى أعادته كالكثبان، وأودعته فيه قضيب بان، فيا عجبا للبحر ختل شكله، وللدهر كيف حمل ثكله، ووا أسفا لزلال غاص في أجاج، ولسلسال فاض عليه بحر عجاج، وما كان إلا جوهرا آب إلى عنصهر، وغاب عن عين مبصره، لقد آن للحسام أن يغمد ويشام، وللحمام أن يبكيه بكل أراكة وبشام، وللعذارى أن لا يحجبهن الخفر والاحتشام، وينحن فتى ما ذرت الشمس إلا ضر او نفع، ويبكين من لم يدع فقده للأنس المنتفع، صديق ما حمدت فيه الأيام حتى ذممتها، ولا ينبت به أركان المنى حتى هدمتها، ولو غير الحمام زحف إليه جيشه، أو سوى البحر رجف عليه ارتجاجه وطيشه، لشبا من شدته من يهيبه ليث الشرى، ويرهبه البطل الباسل إذا استشرى، من كل أروع إن عجل إليه المكروه ثبطه، أو جاءه الشر تأبطه، لكنه الموت لا ترده الصوارم ولا الأسل، ولا يفوته ذباب لفظ العسل. أبو إسحاق إبراهيم ابن خفاجة الأندلسي سبق ذكره وقد أوردت من شعره البديع، وآثرت من فجره الصديع، ثم عثرت من رسائله، التي هي من دلائل فضائله، ما أثبته هاهنا، فمن ذلك رسالة كتبها إلى أبي الفتح ابن خاقان المقدم ذكره: سيدي الأعلى، وعلقي الأغلى، حلى بك وطنك، ولا خلا منك عطنك، كتبته والود على أولاه، والعهد بحلاه، ترف زهرة ذكراه، ويمج الري ثراه، منطويا على لذعة حرقة، ولوعة فرقة، أبيت بها بليل لا يندى جناحه، ولا يتنفس صباحه، فها أنا كلما تنسمت الريح أصيلا، وتنفست نفسا بليلا، أصانع البرحاء تنشقا، وأتنفس الصعداء تشوقا، فهل تجد على الشمال لفحة كما أجد على الجنوب نفحة، أم هل تحس لذلك الوهج ألما، كما أجد لهذا الأرج لمما، وحقك قسما، تشتمل على الإيمان كرما، إن في هذه اللواعج، ما يقتضي إنضاء النواعج، ويحمل على حزق، جيب الخرق، وجر ذيل، وبرد الليل، حتى أهبط أرض ذلك الفضل، فأغتبط وأرد مشرع ذلك النبل، فأتبرد، وعسى الله بلطفه أن ينظم هذا البرد، ويعيد ذلك الود، فيبرد الاحشاء، كيف شاء، بمنه. وإن كتابك الكريم وافاني فأنهى تحية، هزتني أريحية، هز المدامة تتمنى، والحمامة تتعنى، فلولا أن يقال صبا لالتزمت سطوره، ولثمت مسطوره، وماأنطقتني صبوة استفزتني، فهزتني، ولكن فضلة راح في كأس العلى تناولتها، فكلما شربت، طربت، فلوى توقع غمرات الشيب، لابتدرت شق الجيب، ثم صحت: واطرباه، وناديت: واحر قلباه، ووقفت من جملته على ما وقع موقع القطر، وحسبك ثلجا، وطلع طلوع هلال الفطر، وكفاك مبتهجا، وما أغرب فيما أعرب عنه من تفسير حالك، وتفصيل حلك وارتحالك، ولا غرو أن تجد بك الرواحل، وتتهاداك المراحل، فما للنجم أخيك من دار، ولا في غير الشرف من مدار، فحل أنى شئت وارتع، وطر حيث أحببت أوقع، فما انتضتك يد المغارب، إلا ماضي المضارب، ولا تعاطتك أقطار البلاد، إلا طيب الميلاد، فما صار أن نعق ببينك غراب، وخفق برحلك سراب، إذ لم يغض من فضلك اغتراب، ولا أخل بنصلك ضراب، لا زلت مخيما بمنزلة مجد يجتمع من اتساع، في ارتفاع وامتناع، بين إمرة بغدان، ومنعة غمدان، بحول الله ومنه. وكتب أبو إسحاق ابن خافجة أيضاً إلى بعض الوزراء:

стр. 886

وكيف ي بقربك ودونك كل علم باذخ، مج الليل عليه رضابه، وصافحت النجوم هضابه، قد نأى بطرفه، وشمخ بأنفه، وسال الوقار على عطفه، فهو يعبس، ولا ينبس، كأنما أطرق به اعتبار، واجتنى منه جبار، وقد لاث من غمامة عمامة، وأرسل من ربابة ذؤابة، تطرزها البروق الخواطف، وتهفو بها الرياح العواصف، بحيث مدت البسيطة بساطا، وضربت السماء فسطاطا، فلا حظ منك إلا ذكر يجري، وطيف يسري، وعسى، أن يلين من جانب الدهر ما عسى، فيجذب بضبعي جاذب من سنائك، إلى سمائك، حتى أرتقى، إلى حيث السهى، والمجرة من مجر أذيالك، ومواطيء نعالك. ومنها في صفة قصيدة: قد كنت صنعتها، منذ الزمان الأطول فأفرعتها، وفرغت منها غير أن إرجاءها، لا يقطع رجاءها، وإمهالها، لا يوجب إهمالها، وقد استثبت مجدك في جلائها، واستنهضت سروك لزفافها وهدائها، علما أن ما أوتيته في البلاغة من امتداد عنان، وانفساح ميدان، يطلعها هنالك في ملح تترى، ويبرزها في صور من الملاحة ترى، فلا تنشرها حلة حتى تجلى عروس، ولا يسمع منها تكميل حتى يجتلى طاووي، ومعذرة في ميدان العجز عن إنصاف تلك الأوصاف، وأما والبحر من كرمك، والسحر من قلمك، إنه لينقل من قلم علم مشهور بالسياسة، وخدمة الرئاسة، من انتساب واكتساب. ورث السيّادة كابرا عن كابر ... موصولة الأسناد بالإسناد لا زلت تجتلي من كنف ذلك الشرف وسماء ذلك السناء بحيث تطيف النعم بك نجوما، وتنقض النقم دونك رجوما. فصل من أخرى: أطال الله أيها السيد بقاءك، كما وصل عزتك واتقاءك، وأسنى مرتبتك وأعلاك، كما أسنى مناقبك وجلاك، وأخلق بها من دعوة هتكت حجاب الظلماء، وقرعت باب السماء، تثبت هنالك مع التوحيد سطرا، وتكتب في ديوان القبول صدرا، فإنها من قلب كرم في مشايعتك سره حتى لست أدري أضمير، أم ماء نمير، وهل من محيد، عن هوى أروع وحيد، أرى به الفضل قد مثل صوره، والنبل قد أنزل سوره، والصبح قد تبلج باسما، والروض قد تأرج ناسما، فهنيئا لتلك الدولة الميمونة أنك علم تلك السعادة، ووسطى قلادة تلك السيادة، وآخر مملك خلع عليك نجاده، وأوطأ عقبيك أنجاده، وأتبع برأي ورايتك إنجاده، أ، تسمو أعطافه عزة، وتحتمي أطرافه نجدة، ويستقل على قدم به النصر، ويبسم عن ثغر إليه الثغر، ويطلع من تجاهه الفتح يندي جبينه عرقا، ويمينه علقا، وقد قام على قد من الرمح رطيب، وسفر عن خد من السيف خضيب، وخفق جناح العلم سرورا، ونطق لسان القلم صريرا. فصل من رسالة أخرى: واتفق لي أن فصلت تلك العشية والأفق قد أضحى، وأبل من مرضه وصحا، وصفحة الشمس محطوطة القناع، مصقولة كمرآة الصناع، فما هممت بأن أجزع وادي الحضرة حتى طفق جفن الجو يندي، ومطرف الغمامة يتأر ويسدي، أقسمت المطي أن تخف، وبسقت السماء أن تكف، فمال بي وأقلع، وتسنم المقطع، حتى أن حكم الهواء طيشا، ورذاذ ذلك الرباب طشا، فقلت: اللهم حوالينا ولا علينا، فما كان إلا أن عدل عنا، وضرب بجرانه غير بعيد منا، والرعد نفث رقى، وغنى ما شاء وسقى، وأفضى بنا الركض إلى مصاب سمائه، ومهراق عزالي مائه، وقد عمه لثق، وعمره غدق، وصعوده زلق، وهبوطه غرق، وحسبك من وحل يقيد مطايا الركبان، ويكب الرجالة على الأذقان، فلا ترى إلا خدودا، تعفر سجودا، ويروداً تصبغ حما وسودا، فما شئت من ممسك ومزعفر، ومعنبر ومصندل ومعصفر. وسواء نجد هناك ووهد ... وسبيل قصدته ومسيل وقد اعتل بين ظل وصحو ... نشر تلك الصبا وذاك الأصيل وانتشى منه كل قطر فلولا ... هضب تلك العلى لكان يميل فسرنا، وما كدنا، بين ساحة، ومساحة، حتى شارفنا الديار وقد عبس وجه السماء، وأدركنا أدهم المساء، يسمو النشاط بطرفه، وسيل عرق الندى على عطفه، وأشقر الشفق قد جاء خلفه، ونفض على مسقط الشمس عرفه، يمرح عزة لسبقه، ويجر من نحره عنان برقه، وذكر الله ملء الصدور والأفواه، وشفاء الألسنة والشفاه، وما كنا لنعبر مسافة تلك المجابة، إلا بدعوة اتفقت هناك مجابة، ولحقنا أدهم الإظلام يخب، وتنفس عن شمال تهب، فما اجتلينا وجه الأنس إبلا بشعلة مصباح، ينوب عن غرة صباح، كأنما كرع مجاجة راح، وأطلع إلى بارقة سماح. عدة من فضلاء الأندلس

стр. 887

كانت بهم حياة معالم العلم الدرس، أوردهم الرشيد ابن الزبير في كتاب الجنان، ولهم في النظم والنثر سموط الجمان، وعقود اللؤلؤ والمرجان. فمنهم: أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد هذا من شعراء اليتيمة، وصفه برجاحة الفضل على كل مواز موازن، فإنه كان ذا فكر لأنوف أبيات المعاني خازم، ولشنوف أبيات المعالي خازن، وله تصانيف وتواليف أغرب فيها وأعرب، وأعجز وأعجب، ومن ذلك كتاب حانوت عطار، وهو يتمل على ملح من أبكار الأفكار، ومن جملة فقره قوله: من كتم الحق بعد ما ظهر، وستر البرهان بعد ما بهر، فإنما يجحد المسك طيبه بعد شمه، ويدعي ظلمة البدر ليلة تمه. وقوله في وصف جبان: يزحف يوم الزحف إلى خلف، ويروعه الواحد وهو في ألف أزهد في الحرب من بني العنبر، وأدهش من مستطعم الماء على المنبر، بنو العنبر أشار إلى قول بعضهم: لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ومستطعم الماء على المنبر خالد بن عبد الله القسري وخبره مشهور. وقوله في سلطان مضيع: إن كان من يعجبه اللهو، ويغلبه السهو، فهو. وقوله في أوصاف، أهل إنصاف: إخوان استوت بواطنهم وظواهرهم، وصفت علانيتهم وسرائرهم، كلهم السموءل إلا دينه وفاء، وحاتم إلا جاهليته سخاء، وزياد إلا سميًّتهُ دهاء، وإيَّاس إلا عجبه ذكاء. وقوله في ضد ذلك: إخوان أخون من السراب للعين، ومن أهل الكوفة للحسين، يادرون الهفوة بالإشاعة، ويسبقون الزّلَّة بالإذاعة. وقوله في المؤاساة: المقل يرثي للمقل، لعلمه مرارة الفاقة، وضعف الطاقة، حتى أنه ليشد من أزره، بالنزر من بره، وللمساكين أيضا بالندى ولع. وقوله في الشفاعة: جعلني سبيلا من جعلك مقصدا، ورآني زائدا من رآك موردا. وقوله في المطل: المطل عدو النفس والإنجاز حبيبها، والتسويف مرضها والتعجيل طبيبها. وقوله في ذم رجل: فيه عن الشكر سكر، وعن الحمد جمد، وعن الحسن وسن، وعن الإعطاء إبطاء، وأنا أرغب إلى الله في وجهين: أحدهما لقاؤك بلا وجهين، والآخر أن أرى علق النفاق، في سوقك قليل النفاق. ومن قوله في صفة الشعراء: جرير كلب منابحة، وكبش مناطحة، جارى السوابق بمطية، وفاخر غالبا بعطية. أبونواس، خرم القياس، وترك السيرة الأولى، ونكب عن الطريقة المثلى، وجعل الجد هزلا، والصعب سهلا وصادف الأفهام قد كلت ونكلت، وأسباب العربية قد انحلت ونحلت، والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت، فمال الناس إلى ما عرفوه، وعلقت نفوسهم بما ألفوه، فتهادوا شعره، وأغلوا سعره، وشغفوا بأسخفه، وفتنوا بأضعفه وقد فطن باستضافه، وخاف من استخفافه، فاستطرد بفصيح طرده. ومن شعره ابن شهيد قوله من قصيدة أولها: طرقتك بالدهنا وصحبك نوًّم ... والليل أدهم بالثريا ملجم ومنها في مدح بني الشامي وتنزيه الممدوح عن النسبة إلى بلد، ولم يسبقه إليه أحد: والشام خطتكم وليست نسبة ... إلا كما نسبت إليه الأنجم وله: ولما تَمَلَّأ من سكره ... ونام ونامت عيون العسس دنوت إليه على بعده ... دنوًّ رفيق درى ما التمس أدب إليه دبيب الكرى ... وأسمو إليه سموَّ النفس فبت به ليلتي ناعما ... إلى أن تبسم ثغر الغلس أقبل منه بياض الطلى ... وألثم منه سواد اللعس قوله: أدب إليه دبيب الكرى، أحسن ما قيل في هذا المعنى، قول أمريء القيس: سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموَّ حباب الماء حالا على حال ونحوه قول ابن حجاج: فديته من طارق في الكرى ... يسقط بالليل سقوط الندى ولأبي عامر ابن شهيد في وصف السيف والرمح: ومن تحت حضني أبيض ذو شقائق ... وفي الكف من عسَّالة الخط أسمر هما صاحباي من لدن كنت يافعا ... مقيلان من جد الفتى حين يعثر فذا جدول في الغمد يشفى به الصدا ... وذا غصن في الكف يجنى ويثمر وله في وصف حمَّام: أنعم أبا عامر بلذّته ... واعجب لأمرين فيه قد جمعا نيرانه من زنادكم قدحت ... وماؤه من بنانكم نبعا وله في وصف فرس:

стр. 888

وكأنني لما انحططت به ... أرمي الفلاة بكوكب طلق وكأنّني لما طلبت به ... وحش الفلاة على مطا برق وله: بطل إذا خطب النفوس إلى الوغى ... جعل الظبي تحت العجاج صداقها وإذا الملوك جرت جيادا في الندى ... والباس قطًّع سيفه أعناقها ومنها: ولو أن أفواه الضراغم منهل ... للورد أورد خيله أشداقها وله من أبيات مرثية: وقالوا أصاب الموت نفسا كريمة ... فقلت لصحبي هذه نفس صالح هذا من قول دريد ابن الصمة: تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت: أعبد الله ذلكم الرّدي وقد أحسن مهيار الاتباع في قوله: بكر النعيّ فقال أودى خيرها ... إن كان يصدق فالرضيُّ هو الرّدِي ولابن شهيد رسالة في البرد: صبحتنا اليوم خيل البرد، مغيرة على سوام كل ممتد، وانقبضت إلى باب الإيوان، وقد خدشني بصارم وسنان، وجعلت مجني حطبا دل على نفسه، وقد تشظى من يبسه، وسلطت عليه حاجب الشرر، ورميته منها ببنات الحديد والحجر فوافقها قليلا، وعاركها حينا، لها عجيج، وله من حر نزالها ضجيج، ثم أثخن بها ضربا فبددت شمله وألفت شملنا واستحالت حية لا يستحل قتلها ترمي من ألوان، وتهدد بلسان، فلذعت البرد لذعة، ونكزته على فؤاده نكزة، خرّ لها عن جبينه، ومات من حينه، وغشينا من فائض حمتها حرّ كان لنا حياة، ولذلك وفاة، فالحمد لله على نعمته، وما أرانا من غريب قدرته، ودلّنا على لطيف بدعته، ولما استحال الجمر رمادا، وتمهد لنا من الدفء مهادا، ولمحته العين كالورد، عليه كافور الهند، انبسطت يد شاكرك فذكر ما كلفته، من الزيادة في المعنى الذي اعتمدته أبو مروان ابن أبي الخصال سبق ذكر أخيه أبي عبد الله ابن أبي الخصال، وكان حميد الخصال، شديد النصال، سديد المصال، ولهذا رسائل كثيرة، ومحاسن أثيرة، فمن رسائل أبي مروان، رسالة كتبها إلى بعض الإخوان: أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخّادة الرسم كتبت أدام الله عزكم واللوعة مرتكمة، وأيدي النوى محتكمة، وزمامي بكفها تقوده وأتبع من خلفها على مشيتها أنقلب، وليس لي وراءها مذهب، ترميني منها بكل حاصب، وأغدو وأروح على سقم واصب: وأرجو غدا فإذا ما أتى ... بكيت على أمسه الذاهب بينا أتوهم مصافحكتكم، وأمثل لنفسي مناجاتكم، وأتخيل مسامحة الأيام بلقائكم، وأن تطلع نجومي في سمائكم، فأكرع في مواردكم شاربا، وأصبح عن الحوادث بكم جانبا، إذا بها قد جرت في سجيتها من الإقصاء، ودفعت في صدري إلى الصحراء، فسقط في يدي، وتضاعف الأسى والوجد علي، وخذل بعضي بعضي، وأطبقت سمائي على أرضي، وصارت الصغرى التي كانت العظمى، وجلت الحادثة بي أن تنمى، ومت غمّا أو كدت وإن لم أمت حقيقة فقد مت. وإن أسلم فلم أسلم ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام وكنت أرى أن قد انتهيت من البلاء إلى أبعد طرف وغاية لا تتخلف، والآن فقد عادت لي الأطراف أوساطا، وأفرطت في التناهي إفراطا، إلى الله أشكو فقدكم وبعدكم، فطالما لقيت منها بعدكم، وأسأله وهو الملي، وأستوهبه وهو الغني، لما يعقب اعتباطا، ويطوي من الأرض بيني وبينكم بساطا، وذلك إليه، وهين عليه. وكتب إلى مغنّ: للسرور أطال الله بقاءك مخضوبة بالمدام راحتك، وموصولة بالدوام راحتك. آلتان أنيستان، وحالتان نفسيتان، فمتى اقترنتا فقد اقترنت بيمنى يسرى، وعظم سلطان السرور واستولى، وحضرتنا إحداهما وهي ابنة العنقود، وتعذرت الأخرى وهي رنة العود، فإن رأى أن يضيف إلى اليسرى يمنى، ويجعل للقلادة وسطى، حتى يشرف خامل المسرة قدرا ويطلع هلال الأنس بدرا، فعل منعما. ومن أخرى إلى صديق أراد زيارته ثم انصرف قبل الوصول إليه: ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب ما بال سيدي راجع به الله، وأجارنا من عتبه بعتباه، وقد قبض خطوه، وقصر عن الزيارة شأوه، بعد أن شارف أفقنا، وشام برقنا، ونزل منا بحيث يسمع السرار، وتتراءى للناظر النار. كأن لم يكن يوما يزورة صالح ... وبالقصر ظل دائم وصديق

стр. 889

فهلا ذكر أيام الحمى فعطف، ومر بربع الأحبة فوقف، ورعى عهد أثلاث القاع، وحنّ إلى نسيم الخزامى بهذه الأجزاع، ولولا أشغال تصدت، وأعواد صدت، لتيممت أرضه، وقضيت فرضه، وهيني فعلت وحدي ذلك فما أقع من معشر يتوكفون لقاءه، ويتطلعون سناءه. وكتب إلى أمير المسلمين: أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، والعدل حلية أيامه، والنجح عاقد أعلامه، واليمن مكانف سلطانه، وحافظ نظامه، ولا زال يمده النظر، ويطالعه اليسر، ويشرق بمساعيه المنيرة العصر، كتبته من نصيحته التي فرضتها الشريعة، وطاعته التي هي العروة الوثقى الوثيقة المنيعة، والتزامي لأمره سريع أقيمه، وحظ من البر أستديمه، وأستعين الله على إتيان وفقه، وأداء ما فرض من حقه. وكتب إليه أيضاً: أطال الله بقاء أمير المسلمين، ورايته معوَّدة الظفر، ودولته مشرقة الغرر، وعز سلطانه ملء السمع والبصر، كتبته وأنا أعتصم بحلبه، وأستوطن حزم عدله، وأتوسد بردي ظله. أبو الحسن علي بن عطية البلنسي المعروف ب ابن الزقاق قال: شاعر متأخر في الزمان، متقدم في الإحسان، له ألفاظ أرق من نفحات حدائق الرياض، ومعان أدق من عبرات الأحداق المراض، فمن ذلك قوله: يا برق نجد هل شعرت بمتهم ... وهب الكرى لوميضك المتبسم ما طالعته في الدجى لك لمحة ... إلا وقال لِمُزْنِ مقلته اسجم ومنها: ولقد طرقت الحي في غسق الدجى ... والليل في زي الحصان الأدهم متنكبا زوراء مثل هلاله ... نَصّلْتُ أسهمها بمثل الأنجم وقوله: وقفت على الربوع ولي حنين ... إلى الأحباب ليس إلى الربوع ولو أني حننت إلى مغاني ... أحبائي حننت إلى دموعي وقوله: وحبب يوم السبت عِنْدي إنَّه ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت ومن أعجب الأشياء أنِّيَ مُسْلِمٌ ... حنيف ولكن خير أيَّامِي السبت وقوله: أديراها على الزهر الندي ... فحكم الصبح في الظلماء ماض وكأس الراح تنظر عن حباب ... ينوب لنا عن الحدق المراض وما غربت نجوم الليل لكن ... نقلن من السماء إلى الرياض وقوله يصف حمَّاما: رب حمَّام تلظى ... كتلظي كل وامق ثم أذرت عبرات ... صوبها بالوجد ناطق فغدا منه ومني ... عاشق في جوف عاشق وقوله مما يكتب على قوس: دع الخطيَّ يثني عطفه لي ... فإن لأسهمي فضلا عليه إذا كان العلى قتل الأعادي ... أيفضل غير أسْرَعِنَا إليه وقوله وهو أحسن ما قيل في دقة الخصر: وإنسية زارت مع الليل مضجعي ... فعانقت غصن البان منها إلى الفجر أسائلها أين الوشاح وقد سرت ... معطلة منه معطرة النشر فقالت وأومت للسوار: نقلته ... إلى معصمي لما تقلقل في خصري وقوله: ومرتجة الأعطاف أما قوامها ... فلدن وأما ردفها فرداح ألمت بنا والليل في قصر بها ... يطير وما غير السرور جناح فبت وقد زارت بأنعم ليلة ... يعانقني حتى الصباح صباح على عاتقي من ساعديها حمائل ... وفي خصرها من ساعديَّ وشاح وقوله: وعشية لبست ملاء شقيق ... تزهى بلون في الخدود أنيق أبقت بها الشمس المنيرة مثل ما ... أبقى الحياء بوجنة المعشوق ولو استطعت شربتها كلفا بها ... وغنيت منها عن كؤوس رحيق وقوله في غلام جرح في خده: وأحوى رمى عن قسيِّ الحور ... سهاما يُفَوّقُهُن النظر يقولون وجنته قسمت ... ورسم محاسنه قد دثر وما شق وجنته عابثا ... ولكنها آية للشر جلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمر هذا معنى مخترع، أغرب فيه وأبدع. وقوله: زارتك من رقبة الواشي على فرق ... حتى تبدي وميض المرهف الذلق

стр. 890

وخفض الجأش منها أن ملك يدي ... بحر يغص به الواشي من الشرق سَكَّنْتُها بعد ما جالت مدامعها ... من مقلتيها فريدا في ظبي الحدق فأقبلت بين صمت من خلاخلها ... وبين نطق وشاح حائل قلق تبدو هلالا ويبدو حليها شهبا ... فما نفرق بين الأرض والأفق فأرسلت من مثنى فرعها غسقا ... في ليلة أرسلت فرعا من الغسق في ليلة خلتها زنجية طفقت ... تزهى بعقد من الجوزاء متّسق غازلتها والدجى الغربيب قد خلعت ... منه على وجنتيها حلة الشفق فودعت ودموع المزن تسعدني ... عند الفراق بدمع واكف غدق ومنها: أنا الذي ظل بالأحداث مشتملا ... دون الأنام اشتمال السيف بالعلق كأس وعاري حظوظ في شبيبته ... وكم قضيب يد عار من الورق وقوله: مظلول أملود الصبا مياسه ... خلع الشباب عليه فهو لباسه قمر وأكناف الحشا آفاقه ... ظبي وأحناء الضلوع كناسه لم أدر إذ جاءت بنكهته الصبا ... أتضوٌّع الكافور أم أنفاسه ولقد عيينا غذ تمايل سكرة ... ألحاظه مالت به أم كاسه للحسن مرقوم على وجناته ... سطر وصفحة خده فرطاسه إن خالفت تلك المحاسن فعله ... فالسيف يطبع من سواه باسه وقوله يصف فرسان حرب: ومسددين إلى الطعان ذوابلا ... فازوا بها يوم الكفاح قداحا متسربلي قِمْص الحديد كأنها ... غدران ماء قد ملأن بطاحا شبوا ذبال الزرق في ليل الوغى ... وأبان كل مذرب مصباحا سرج ترى الأرواح تطفيء غيرها ... أبدا وهذي تطفيء الأرواحا لا فرق بين النيرات وبينها ... إلا بتسمية الوَشِيجِ رماحا هبها تبدت في الظلام كواكبا ... لم لا تغور مع النجوم صباحا يجني الكماة النصر من أشجارها ... لما غدت بأكفهم أدواحا لا غرو أن راحت نشاوى واغتدت ... فلقد شربن دم الفوارس راحا أبو العلاء عبد الحق بن خلف بن مفرج الشاطبي الكاتب المعروف ب ابن الجنان ذكره ابن الزبير في كتاب الجنان، وقال: هو حي إلى الآن، وذلك في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وله: وكنا وريب الدهر وسنان والنوى ... بعيد مداها لا تروع لنا سِرْبَا فعدنا وقد صرنا بمرأى ومسمع ... فأبصِر به عينا وأسمِع بها قربا أبا حسن إن كنت أصبحت نازحا ... أراقب لمع البرق أو أسأل الركبا فكم قد تجاذبنا الحديث لياليا ... تقلده أجيادها لؤلؤا رطبا وهل كنت إلا الشمس لاحت لناظر ... فآونة شرقا وآونة غربا باب في ذكر جماعة من الغرب استفدت شعرهم من الشيخ الصالح أبي علي الحسن بن صالح الأندلسي المالقي وغيره: ابن الطراوة المالقي هو الشيخ الأستاذ أبو الحسين النحوي، ذكر لي الشيخ الصالح الحافظ أبو علي الأندلسي أنه عاش ابن الطراوة نيفا وتسعين سنة ومات قبل سنة ثلاثين وخمسمائة. وله مصنفات في النحو. وكان من الشعراء المجيدين. وكان يعرف بالأستاذ. وذكر أنه لا يلقب بالأستاذ في المغرب إلا النحوي الأديب. قال: أنشدني لنفسه، في أهل بلد استسقوا فلم يمطروا وأقشع سحابهم بعد بدوّه: خرجوا ليستسقوا وقد نشأت ... سَحَرية قمِن بها رشح حتى إذا اصطفوا لدعوتهم ... وبدا لأعينهم بها نضح كشف الغطاء إجابة لهم ... فكأنّهم خرجوا ليستصحوا ووجدت له في كتاب الجنان لابن الزبير قوله: وقائلة أتكلف بالغواني ... وقد أضحى بمفرقك النهار فقلت لها حضضت على التصابي ... أحق الخيل بالركض المعار ولأبي الحسين ابن الطراوة: ولماتخلوا من جراوة وانتموا ... لكلب وراموا أن يقال لهم عرب

стр. 891

أباحوا فروج المحصنات تشبها ... بما فعلت في جاهليتها كلب وله يهجو: تظلمنا ولم نزل أبدا للظلم جنانا ... قد كان من خطأ الأيام ما كانا أبو الحسن ابن هارون المالقي الفقيه المشاور. أنشدني الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن صالح، قال أنشدني الفقيه المشاور أبو الحسين ابن هارون لأخيه أبي الحسن: لا تحرصن فإنّ الحرص مندمة ... إذ ما يصيب الفتى قد خط بالقلم قال وأنشدني لأخيه يمدح القاضي أبا الفضل عياض بن عياض قاضي سبتة: ظلموا عياضا وهو يحكم عنهم ... والظلم بين العالمين قديم جعلوا مكان الراء عينا في اسمه ... كي يكتموه وأنه معلوم لولاه ما فاحت أباطح سبتة ... والروض ول فنائها معدوم وأنشدني الشيخ الصالح ابن صالح الأندلسي لأبي الحسن ابن هارون الأندلسي في الزهد: أراك يغرّك الأمل ... ويقطع دونه الأجل وحالك في تنقله ... كمثل الفيء ينتقل فديتك كيف لا تبكي ... وأنت غدا سترتحل ورأسك بعد حلكته ... غدا بالشيب تشتعل أرى زمن الصبا ولى ... وجاء الشيب والكسل فهل لشبابنا رد ... وهل في رده حيل نعم سيعود إن عادت ... عليك الأعصر الأول وفي الأيام معتبر ... لها في أهلها دول فقوم قد علوا فيها ... وأقوام بها سفلوا وكم صرعت محبيها ... ولا بيض ولا أسل وكم باتوا على فرش ... عليها تضرب الكلل أباد الدهر جمعهم ... وجوزوا بالذي عملوا فما للنفس غافلة ... وبالشهوات تشتغل وتزعم أن غدت نجدا ... بمن تهواهم الإبل وكم من قبلكم قوم ... على الدنيا قد اقتتلوا فما بلغوا الذي طلبوا ... ولا ما أمَّلوا وصلوا ألا لله ذو جد ... بنوم ليس يكتحل ينادي الله مجتهدا ... وثوب الليل منسدل بقلب حازن وجل ... ودمع العين منهمل ابن حلو الشاعر بالمغرب الأوسط، من أهل جيجل، أنشدني الفقيه نصر بن عبد الرحمان الإسكندري ببغداد في ذي الحجة سنة ستين وكتبه لي وقال أنشدني الشيخ أبو العباس النجامي الأنصاري المغربي بدمشق لابن حلو الشاعر المغربي: يحتاج من كلف الحاجات مثلكم ... نقف الشوارب بعد الكي في الراس فلو سلختم قرانا في جماجمكم ... كونوا حثالة خلق الله في النّاس قال: أنشدني أبو العباس أيضاً، قال: أنشدني ابن حلو وقد قدمته في زقاق ضيق وقلت: للسن حق: إن كنت قدمتني للسن معتمدا ... فالعلم أفضل تقديما من العمر ما للكبير بلا فهم مقدمة ... ولو يكون بعمر الشمس والقمر أبو القاسم عبد الرحمان ابن خرشوش المغربي ذكره أبوالفتح نصر بن عبد الرحمان الغزاري الإسكندري قال: كان ذا أدب مجيدا في علم الشعر، آباؤه من سلاطين المغرب، له نفس سامية، وهمة عالية، وقصائد كثيرة، وأنشدني كثيرا من شعره قال: وأنشدني بدمشق لنفسه في وصف صبي كان يستحسنه جدا يعرف بابن أبي النجم: مَلامِيَ في حُبِّيكَ يا ابن أبي النجم ... يطول وصدي عنه في غاية الحزم سأعصي مقال العاذلين وإن غدا ... وصالك عن مضناك أقصى من النجم وما يظُبى عينيك من سحر بابل ... ومن سقم أهدى السقام إلى جسمي أرح دنفا لم تدر عيناه ما الكرى ... ولا جسمه يدري شعارا سوى السقم أبو الحسن عبد الله ابن شمّاخ الكاتب له: لئن بعدت دار اعتاربك وانتهى ... بك الشوق فيها منتهى لا تحدّه فما أنت إلا بين ذكر تشيده ... وعقد اصطبار للملم تشده

стр. 892

وقد يكره المرء النوى وهي سلم ... إلى كل ما يختاره ويودّه وكم مرة ذقت الحوادث مرة ... وقاسيتها والبين قد جد جدّه فلم يلق مني حد صبر يفله ... ولم يلف عندي طود عز يهدّه وله في الهناء بمولود: أيها الدهر لنت بعد عناد ... وبثثت السرور في كل ناد نشأت نعمة وعندي شكر ... في ذرى الحاجب الرفيع العماد وانجلى الليل عن تلألؤ نجم ... ثاقب النور طيب الميلاد فالزمان القطوب طلق المحيا ... والمراد الجموح سهل القياد هي بشرى لت لكل ولي ... وأمرت على قلوب الأعادي فلنا دولة الصّعود وفيهم ... ما بقوا صولة الظبي والصعاد أنت حظي من الملوك وسؤلي ... وطريقي من المنى وتلادي فاستدم ما منحت بالحمد حتّى ... تدرك الشيب من بني الأولاد نقل قول البحتري: وبقيت حتى تستضيء برأيه ... وترى الكهول الشيب من أولاده وله: وبنفسي أحوى الجفون غرير ... مخصب الحسن مجدب الإحسان محمد ابن السبّي يهجو القاضي ابن حمدين أنشدني الحكيم يحيى بن إسماعيل بن يحيى البياسي من الأندلس: يريد ابن حمدين أن يجتدى ... وجدواه أدنى من الكوكب إذا سئل حكّ استه ... ليثبت دعواه من تغلب هذا ينظر إلى قول جرير يهجو الأخطل: والتغلبي إذا تنبه للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا وذكر أنه لقبه ابن سارة وهو حينئذ حدث السن، فقال له: أجز يا فتى: هذي البسيطة كاعب أترابها ... حلل الربيع ووشيها الأزهار فأجازه بديها: وكأن هذا الجو فيها عاشق ... قد شفه التعذيب والأضرار فإذا شكا فالبرق قلب خافق ... وإذا بكى فدموعه الأمطار ولفرط ذلة ذا وعزة هذه ... تبكي الزهور ويبسم النّوار وأنشدني له وقد قضى له بعضهم بعض حاجة: سألتك أيها الأستاذ حاجه ... بلا ضجر تكون ولا لجاجه فجئت ببعضها وتركت بعضا ... ومن حق المقصر أن يفاجه جزاك الله عني نصف خير ... فإنّك قد أتيت بنصف حاجه وله من قصيدة في ابن حمدين: لا بد أن يقع المطلوب من سؤلي ... ولو بني داره في دارة القمر ابن الرّفاء ومن أهل بلنسية، توفي شابا في حدود سنة أربعين وخمسمائة، وله: يا ضياء الصبح تحت الغبش ... أطراز فوق خديك وشي أم رياض دَبَّجَتْهَا مزنة ... وبدا الصدغ بها كالحنش لست أدري أسهام اللحظ ما ... أتقى أم لدغ ذاك الأرقش بأبي منك قسيّ لم تزل ... راميات أسهما لم تطش رَشَقَتْ قلبا خفوقا يلتظي ... كضرام بيديْ مرتعش رب ليل بته ذا أرق ... ليس إلا من قتاد فُرُشي سابحا في لجج الدمع ول ... كنبي أشكو غليل العطش ونجوم الليل في أسدافه ... كسيوف بأكف الحبش وسماء الله تبدي قمرا ... أوضح الغرة كابن القرشي ليس فرقا في السنا بينهما ... والبها إن طَلَعَا في غبش غير أن الأفق مغمور بذا ... وبذا حومة باب الحبش باب من أبواب بلنسية. ولقيت في هذا أبياتا قالها بعضهم وكانت: معشر الناس بباب الحبش ... بدر تمّ طالع في غبش بائع الفخار في حانوته ... عجبا من حسنه كيف وشي علق القرط على مسمعه ... من عليه آفة العين خشي أنا ظمآن إلى ريقته ... لو بها جاد لروّى عطشي أبو بكر يحيى ابن بقي الأندلسي من شعراء الخريدة، توفي سنة أربعين وخمسمائة ومشمولة في الكأس تحسب أنها ... سماء عقيق زينب بالكواكب بنت كعبة اللذات في حرم الصبا ... فحج إليها اللهو من كل جانب المخزومي الأعمى

стр. 893

من غرناطة ذكره وقال: كان نذلا هجاء. ومن هجائه في ابن رعمان وهو رجل من أكابر غرناطة: خلا نجل رعمان ليلا بعرسه ... فجامعها في ساعة الدبران فجاءت به مأبون أشوه خلقة ... كريم عجان لا كريم بنان وتدور إحدى مقلتيه لأختها ... كأنهما عنزان ينتطحان وما وقع المأبون من حِرِ أمِّهِ ... إلى الأرض إلا فوق رأس ختان أبو بكر البكّي وبكة حصن في شرق الأندلس. بلغ الهرن وتوفي بعد سنة ستين وخمسمائة وكل ما ينظمه هجو ومن شعره قوله: أخاف من الجوارح أن يلموا ... ومالي بالجوارح من يدين فإما تدخلونيَ حِرْحَ أسْمَا ... فأقلب كل ذي نظر وعين يعني: لاتّساع الموضع: وإلا فارفعوني إن قدرتم ... على قرن الوزير أبي الحسين أسماء: زوجته وله: قالوا الكتابة أعلى خطة رفعت ... قلت الحجامة أعلى عند أقوام لا تحسبوا المجد في طرس ولا قلم ... المجد في صوفة أو مبضع دام أبو بكر محمد الأبيض توفي بعد سنة ثلاثين وخمسمائة، أنشدني له في تهنئة مولود: يا خَيْرَ معن وأولاها بعارفة ... شُكْراً لِنَعْمَاء عنها الدهر قد نفسا ليهنك الفارس الميمون طائره ... لله أنت فقد أذكيته قبسا وتعشق الدرع مذ شدت لفائفه ... وأبغض المهد لما أبصر الفرسا أصاخت الخيل آذانالصرختهواهتز كل هِزَبْرٍ عند ما عطسا تعلم الركض أيام المخاض به ... فما امتطى الخيل إلا وهو قد فرسا أبو عبد الله محمد ابن عائشة البلنسي قد سبق ذكره وأوردت له بيتين. أحد كتاب أمير المسلمين، والبلغاء الموصوفين، وكان متعففا، متزهدا متقشفا، أجاب إلى الكتابة بعد امتناع وإباء، وحصل منه بكل حظ وحباء، ومن شعره قوله: لله ليل بات في جنحه ... طوع يدي مَن مهجتي في يديه وبته أسهر أنسا به ... ولم أزل أسهر شوقا إليه عاطيته صفراءمشمولةكأنها تعصر من وجنتيه ما أحسن قول القائل حين قال: أمن خديك تعصر قال: كلا ... متى عصرت من الورد المدام ولابن عائشة قوله: وهو مما أبدع فيه وزاد على من تقدم: إذا كنت تهوى وجهه وهو روضة ... بها نرجس غض وورد مضرج فزد كلفا فيه وفرط صبابة ... فقد زاد فيه من عذار بنفسج وقوله وقد سبق: ودوحة قد علت سماء ... تطلع أزهارها نجوما كأنما الجو غار لما ... بدت فأغرى بها النسيما هفا نسيم الصبا عليها ... فخلتها أرسلت رجوما وقوله وقد أسن واكتهل، واهتبل فرصة العمر وإلى الله ابتهل: ألا خلياني والأسى والقوافيا ... أرددها شجوا وأجهش باكيا أآمن شخصا للمسرة باديا ... وأندب رسما للشبيبة باليا تولى الصبا إلا توالي ذكرة ... قدحت بها زندا من الوجد واريا وقد بان حلو العيش إلا تعلة ... تحدثني عنها الأماني خواليا فيا يرد ذاك الماء هل مك قطرة ... فها أنا أستسقي غمامك ناشيا وهيهات حالت دون حُزْوَى وعهدها ... ليال وأيام تخال لياليا قفل في كبير عادة عائد الصبا ... فأصبح محتاجا وقد كان ساليا فيا راكبا مستعجل الخطو قاصدا ... ألا عج بشقر رائحا ومغاديا وقف حيث سال النهر ينساب أرقما ... وهبَّ نسيم الأيك ينفث راقيا معنى ابتكره، وما من ذي فضل إلا وعلى هذا الإغراب شكره: وقل لأثيلات هناك وأجرع ... سقيت أثيلات وحييت واديا وليس ببدع أن تعذب في الهوى ... فحييت من أجل الحبيب المغانيا أبو بكر الخولاني المنجم منجم المعتمد ابن عباد، كتب إلى ابن اللبانة وقد عاد من أغمات فقصدنا زائرا للمعتمد عند اعتقاله بها وزوال أمره:

стр. 894

بدرت إلى تقبيل عين أبي بكر ... لرؤيته البدر المنير على البدر وقبلت فَاهُ ناقل الحكم التي ... هي السحر من نظم يروق ومن نثر ولو لم يدافعني عن القدم التي ... خطت نحوه قبلت أخمصها عمري لقد نال ما استدعى حسادتنا به ... وما حسد في مثل هذا بنا يزري حسدناه أن نال البعيد مزاره ال ... ممثل منا في الخواطر والفكر وإن قبّل الكف المبرة في الندى ... على الزاخر الفياض والواكف البشر وإن شام لألاء الجبين الذي به ... تكشفت الظلماء في سالف الدهر وما أبعدتنا عن مزارك غدرة ... يضاف بها للدائمين على الغدر ولكن أمور ليس تخفى لناظر ... فلسنا بمحتاجين فيها إلى العذر وأحفل بتسليم على البش دائما ... لرؤية ملهوف ورؤية معتر على مكسب الأملاك زهوا ونخوة ... بنيلهم تقبيل أنمله العشر إذا ما استرحنا بالتمني فإنه ... لقاؤك في الزاهي وساحاته الخضر ولا بأس أن يدني الأله مزارنا ... ويجمعنا من حيث ندري ولا ندري أمين ولا تكريرها لي مقنع ... ولو أنني كررتها عدد القطر أبو القاسم الأسعد بن إبراهيم ابن بلّيطة شاعر المعتصم ابن صمادح، ومجازيه المنائح بالمدائح، سبق ذكره في ما أورده ابن بشرون المهدوي، فلما اشتبه أوردت ها هنا مما أورده ابن الزبير في كتاب الجنان من شعره وهو قوله من قصيدة طائية: برامة ريم زارني بعد ما شطا ... تقنصته بالحلم والشط فاشتطا رعى من أناس في الحشا ثمر الهوى ... جنيا ولم يرع العرار ولا الخمطا فاشممني من خده روضة الجنى ... وألذعني من صدغه حية رقطا أمحمرة العينين من ذوق سكره ... متى شربت ألحاظ عينيك أسفنطا وما ذاب كحل الليل في دمع فجره ... إلى أن تبدي الصبح كاللمة الشمطا كأن الدجى جيش من الزنج وافد ... وقد أرسل الإصباح في أثره القبطا ومنها في وصف الديك: وقام لنا ينعي الدجى وشقيقه ... يدير لنا من بين أجفانه سقطا إذا صاح أصغى سمعه لندائه ... وبادر ضربا من قوادمه الأبطا ومهما اطمأنت نفسه قام صارخا ... على خيزران نيط من ظفره خرطا كأن أنوشروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا ومنها في العذار: أرى صورة المسواك في حمرة اللمى ... وشاربك المخضر بالمسك قد خطا عسى قزح قبلته فأخاله ... على الشفة اللمياء قد جاء مختطا توهم عطف الصدغ نونا بخدها ... فباتت بمسك الخال تنقطه نقطا وقوله: جرت بمسك الدجى كافوة السحر فغاب إلا بقايا منه في الطرر صيح يفيض وشخص الليل منغمس ... فيه كما غرق الزنجي في نهر قد حار بينهما عن برزخ قمر ... يلوح كالشّنف بين الخد والشعر وقال في مجدور الوجه: من رأى الورد تحت قطر نداه ... لم يعب فوق وجنتي جدريا أنا شمس أردت في الأرض مشيا ... فنثرت النجوم فوقي حليا وقوله وينسب إلى غيره: لَبِسُوا من الزرد المضاعف نَسْجه ... ماء طفا للبيض فيه حباب صف كحاشية الرداء يؤمه ... صف القنا فكأنّه هداب هذا معنى ابتكره واخترعه وابتدعه ولم يجز أحد في مضماره معه وإليه نظر قول ابن خفاجة: وغدت تحف به العصون كأنّها ... هدب تحف بمقلة زرقاء ولابن بليطة: سكران لا أدري وقد وافى بنا ... أمن الملاحة أم من الجريال تتنفس الصهباء من لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال وكأنّما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال وقوله في أسود أحدب يسقي الخمر:

стр. 895

يا رب زنجي لهوت به ... شمس الضحى لدجاه ممقوته محدودب قد غاب كاهله ... في منكبيه فما ترى ليته وكأنّه والكأس في يده ... جُعَلٌ يدحرج فَصَّ ياقوته ابن المصيصي الأندلسي له يتغزل: شكوت إليه بفرط الدنف ... فأنكر من علتي ما عرف وقال: الشهود على المدعي ... وأما أنا فعليّ الخلف فجئت ابن جهور المرتضى ... فقيه الملاح وقاضي الكلف فقلت له إنني عاشق ... فقال الشهود على ما تصف فقلت له: أدمعي شُهَّدِي ... فقال: لئن شهدت تنتصف فأرسلت منهملات معا ... كمثل السحاب إذا ما يكف وكان بصيرا بأمر الملاح ... ويعلم من أين أكل الكتف فأوما إلى الخد أن يُجْتَنَى ... وأوما إلى الريق أن يرتشف ومنها: فلما رآه حبيبي معي ... ولم يختلف في الهوى مختلف أزال العتاب فعانقته ... كأني لام وإلْفِي ألف وظلت أعاتبه في الجفا ... فقال عفا الله عما سلف هذا آخر ما أورده من كتاب خريدة القصر وجريدة العصر الإمام العالم الأوحد الصاحب الصدر الصاحب ذو الرئاستين جمال الحضرتين أكفى الكفاة أفصح البلغاء، أبلغ الفصحاء شرف الكتاب أمين الملك عمدة الملوك والسلاطين عماد الدين عزيز الإسلام فتى الفرق ذو البلاغتين رئيس الأصحاب أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد الأصفهاني الكاتب الملكي الناصري قدس الله روحه ونور ضريحه. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.