فعقد تعالى الأخوة بين المنافقين وبين (١) الكفار. وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم) (٢) . أي: لئن غلبكم محمد ﷺ وأخرجكم من بلادكم لنخرجن معكم، (ولا نطيع فيكم أحداً أبداً) . أي: لا نسمع من أحد فيكم قولا ً، ولا نعطي فيكم طاعة (وإن قوتلتم لننصرنكم) ونكون (٣) معكم. ثم شهد تعالى: أنهم كاذبون (٤) في هذا القول.
فإذا كان وعد المشركين في السر - بالدخول معهم ونصرتهم (٥) والخروج معهم إن جلوا (٦) - نفاقاً وكفراً (٧) وإن كان كذباً. فكيف بمن أظهر لهم (٨) ذلك صادقاً، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم وأعانهم بالمال والرأي ... ؟! هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر؛ كما قال تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) (٩) .
وهكذا (١٠) حال كثير من المرتدين (١١) ، في هذه الفتنة: فإن عذر
стр. 37
كثير منهم، هو هذا (١) العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض. ولم يعذرهم به؛ قال الله تعالى: (فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين ءامنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) (٢) ثم قال تعالى: (يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) (٣) فأخبر تعالى، أنه لابد عند وجود المرتدين: من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين. ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والشدة على الكافرين.
بضد من كان تواضعه وذله (٤) ، ولينه: لعباد القباب، وأهل القحاب واللواط. وعزته، وغلظته: على أهل التوحيد (٥) والإخلاص!!!.
فكفى بهذا دليلاً (٦) على كفر من وافقهم.
وإن ادعى أنه خائف؛ فقد قال تعالى (ولا يخافون لومة لائم) .
وهذا بضد من يترك الصدق، والجهاد: خوفاً من المشركين.
ثم قال تعالى: (يجاهدون في سبيل الله) (٧) . أي: في توحيده، صابرين على ذلك ابتغاء وجه ربهم؛ لتكون كلمته (٨) هي العليا
стр. 38
(ولا يخافون لومة لائم) (١) . أي لا يبالون بمن لامهم وآذاهم في دينهم. بل يمضون على دينهم مجاهدين (٢) فيه، غير ملتفتين للوم أحد من الخلق ولا لسخطه (٣) ولا رضاه وإنما همتهم وغاية مطلوبهم رضى سيدهم ومعبودهم، والهرب من سخطه.
وهذا بخلاف من كانت (٤) همته (٥) وغاية مطلوبه: رضى عباد القباب، وأهل القحاب واللواط ورجاءهم (٦) ، والهرب مما يسخطهم!!!. فإن هذا غاية الضلال والخذلان.
ثم قال تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٧) والله واسع عليم) (٨) فأخبر تعالى: أن هذا الخير العظيم، والصفات الحميدة لأهل الإيمان الثابتين على دينهم (٩) عند وقوع الردة (١٠) والفتن: ليس بحولهم ولا بقوتهم، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء (١١) ؛ كما (١٢) قال (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (١٣) .
стр. 39
ثم قال تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (١) فأخبر تعالى _ خبراً (٢) بمعنى الأمر _: بولاية الله (٣) ورسوله والمؤمنين، وفي ضمنه النهي عن موالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين.
ولا يخفي: أي (٤) الحزبين أقرب _ إلى الله ورسوله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة _. أأهل (٥) الأوثان والقباب والقحاب واللواط والخمور والمنكرات، أم أهل الإخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة....!!!؟ فالمتولي لضدهم: واضع للولاية (٦) في / غير محلها، مستبدل (٧) بولاية الله ورسوله والمؤمنين _ المقيمين للصلاة (٨) المؤتين الزكاة (٩) ولاية أهل الشرك والأوثان والقباب.
ثم أخبر تعالى: أن الغلبة لحزبه، ولمن (١٠) تولاهم؛ فقال: (ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فإن حزب الله هم الغالبون) (١١) .
الدليل التاسع عشر: قوله تعالى (لا تجد قوماً يؤمنون بالله
стр. 40
واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أوأبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (١) الآية (٢) .
فأخبر تعالى: أنك لا تجد (٣) من يؤمن بالله واليوم الآخر، يوادون (٤) من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب. وأن هذا مناف للإيمان مضاد له، لا يجتمع هو (٥) والإيمان إلا كما (٦) يجتمع الماء والنار؛ وقد قال تعالى في (٧) موضع آخر (٨) : (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (٩) ففي هاتين الآيتين، البيان الواضح: أنه لا عذر لأحد في الموافقة على الكفر، خوفاً على الأموال والآباء، والأبناء والأزواج والعشائر، ونحو ذلك مما يتعذر به كثير من الناس.
إذا (١٠) كان لم يرخص (١١) لأحد في موادتهم، واتخاذهم أولياء بأنفسهم: خوفاً منهم وإيثاراً (١٢) لمرضاتهم. فكيف بمن اتخذ الكفار
стр. 41
الأباعد أولياء وأصحاباً، وأظهر لهم (١) الموافقة على دينهم، خوفاً على بعض هذه الأمور ومحبة لها؟! ومن العجب استحسانهم لذلك، واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال المحرم (٢) .
الدليل العشرون: قوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) (٣) إلى قوله: (ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) (٤) .
فأخبر (٥) تعالى: أن من تولى أعداء الله - وإن كانوا أقرباء _ (فقد ضل سواء السبيل) . أي: أخطأ الصراط المستقيم، وخرج عنه إلى الضلال (٦) . فأين هذا ممن يدعي أنه الصراط المستقيم لم يخرج عنه!! فإن هذا تكذيب لله، ومن (٧) كذب الله فهو كافر. واستحلال لما (٨) حرم الله: من ولاية الكفار. ومن استحل محرماً (٩) ، فهو كافر.
ثم ذكر تعالى شبهة من اعتذر بالأرحام والأولاد؛ فقال: (لن
стр. 42
تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير) (١) فلم يعذر تعالى من اعتذر بالأرحام والأولاد، والخوف عليها (٢) ومشقة مفارقتها (٣) . بل أخبر / أنها لا تنفع يوم القيامة، ولا تغني من عذاب الله شيئاً (٤) ؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) (٥) .
الدليل الحادي والعشرون: من السنة، ما رواه أبو داود، وغيره عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ أنه (٦) قال (٧) : (من جامع المشرك، وسكن معه فإنه مثله) (٨) فجعل ﷺ في هذا الحديث: من جامع المشركين _ أي اجتمع معهم، وخالطهم وسكن معهم مثلهم (٩) . فكيف بمن أظهر لهم الموافقة على دينهم، وآواهم وأعانهم!!؟.
فإن قالوا: خفنا!. قيل لهم: كذبتم. وأيضاً فليس الخوف بعذر؛ كما قال تعالى: (ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) (١٠) فلم يعذر ﵎ من يرجع عن دينه
стр. 43
عند الأذى والخوف. فكيف بمن لم يصبه أذى ولا خوف، وإنما جاء (١) إلى الباطل (٢) محبة له وخوفاً من الدوائر.؟!.
والأدلة على هذا كثيرة. وفي هذا كفاية لمن أراد الله هدايته.
وأما من أراد الله فتنته وضلالته (٣) ؛ فكما (٤) قال تعالى: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الأليم) (٥) . ونسأل (٦) الله الكريم المنان: أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين برحمته وهو أرحم الراحمين. وصلى الله علي محمد (٧) وعلى (٨) آله وصحبه (٩) وسلم (١٠) . (١١) .