← Фатава

Фатава · id 12838

يسألونك عن الزكاة

حسام الدين عفانة

Полный текст (191 стр.). Показаны 176–191 · переход к 181.

стр. 176

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [فأما وقت الوجوب فهو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان ... وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوري وإسحاق ومالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي في أحد قوليه. وقال الليث وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد وهو رواية عن مالك لأنها قربة تتعلق بالعيد، فلم يتقدم وجوبها يوم العيد وهو رواية عن مالك كالأضحية ولنا قول ابن عباس: (إن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث) ولأنها تضاف إلى الفطر فكانت واجبة به كزكاة المال، وذلك لأن الإضافة دليل الاختصاص والسبب أخص بحكمه من غيره والأضحية لا تعلق لها بطلوع الفجر ولا هي واجبة ولا تشبه ما نحن فيه] المغني٣/ ٨٩. وينبغي إخراجها قبل صلاة العيد فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه. وقد أورد ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: [يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله

стр. 177

تعالى يقول: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (سورة الأعلى الآيتان ١٤ - ١٥. انظر فتح الباري ٣/ ٤٧٢. وقد أجاز العلماء تعجيل صدقة الفطر عن وقت الوجوب فمنهم من قال يجوز تعجيلها من أول العام. ومنهم من قال يجوز تعجيلها من أول الشهر. ومنهم من قال يجوز تعجيلها من نصف الشهر. ومنهم من قال يجوز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين وهذا القول الأخير هو أرجح أقوال العلماء في المسألة ويدل له ما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلونه فعن نافع أن ابن عمر ﵁ قال: (وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) رواه البخاري وقد ورد عن ابن عمر ﵁ أيضاً (أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) رواه مالك في الموطأ والبيهقي في السنن وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [ ... وقد وقع في رواية ابن خزيمة من طريق عبد الوارث عن أيوب (قلت متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت متى يقعد العامل؟ قال قبل الفطر بيوم أو يومين). ولمالك في الموطأ عن نافع (أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) وأخرجه الشافعي عنه وقال: هذا حسن وأنا أستحبه - يعني تعجيلها قبل يوم الفطر - انتهى. ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان) الحديث. وفيه أنه أمسك

стр. 178

الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر فدل على أنهم كانوا يعجلونها ... ] فتح الباري ٣/ ٤٧٤. وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه وجملته أنه يجوز تقديم الفطرة قبل العيد بيومين لا يجوز أكثر من ذلك وقال ابن عمر: كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين وقال بعض أصحابنا: يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر كما يجوز تعجيل أذان الفجر والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل وقال أبو حنيفة: ويجوز تعجيلها من أول الحول لأنها زكاة فأشبهت زكاة المال وقال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها، كزكاة المال بعد ملك النصاب ولنا ما روى الجوزجاني: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو معشر عن نافع، عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يأمر به فيقسم - قال يزيد أظن: هذا يوم الفطر - ويقول أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم " والأمر للوجوب، ومتى قدمها بالزمان الكثير لم يحصل إغناؤهم بها يوم العيد وسبب وجوبها الفطر بدليل إضافتها إليه وزكاة المال سببها ملك النصاب، والمقصود إغناء الفقير بها في الحول كله فجاز إخراجها في جميعه وهذه المقصود منها الإغناء في وقت مخصوص فلم يجز تقديمها قبل الوقت فأما تقديمها بيوم أو يومين فجائز لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر، قال: (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان وقال في آخره: وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين) وهذا إشارة إلى

стр. 179

جميعهم فيكون إجماعاً ولأن تعجيلها بهذا القدر لا يخل بالمقصود منها، فإن الظاهر أنها تبقى أو بعضها إلى يوم العيد فيستغنى بها عن الطواف والطلب فيه ولأنها زكاة، فجاز تعجيلها قبل وجوبها كزكاة المال والله أعلم] المغني٣/ ٨٩ - ٩٠ وخلاصة الأمر أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين وفي ذلك تحقيق لمصلحة للفقير. وينبغي التنبيه على أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر أي إخراجها نقداً وهو مذهب الحنفية ونقل هذا القول عن جماعة من أهل العلم منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري ونقل عن جماعة من الصحابة أيضاً وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وهو الذي يحقق مصلحة الفقير وخاصة في هذا الزمان وهو قول وجيه تؤيده الأدلة الكثيرة ومنها أن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن الرسول ﷺ وعن جماعة من الصحابة فمن ذلك ما ورد عن طاووس قال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة. رواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج. وقد عنون الإمام البخاري في صحيحه فقال: باب العرض في الزكاة وذكر أثر معاذ ﵁ السابق واحتجاج البخاري بهذا يدل على قوة الخبر عنده كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٤/ ٥٤. ونقل الحافظ عن ابن رشيد قال: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل. وفعل معاذ مع إقرار النبي

стр. 180

صلى الله عليه وسلم على ذلك يدل على جوازه ومشروعيته وصدقة الفطر زكاة بلا خلاف. ولا يصح القول بأن من أخرج القيمة في صدقة الفطر فإنها غير مجزئة فالمسألة محل خلاف بين العلماء ومسائل الخلاف إن أخذ أحد من الناس بقول أحد العلماء المجتهدين فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى وجواز إخراج القيمة قال به جماعة من أهل العلم المعتبرين كما سبق وأخيراً أقول لبعض طلبة العلم الذين لا يأخذون بالقيمة لا تحجروا واسعاً ورفقاً بالمسلمين. زكاة الفطر في حق من لم يصم رمضان لعذر يقول السائل: إن والده كبير في السن وعاجز عن الصيام ولم يصم في رمضان الحالي فهل تجب زكاة الفطر عليه أفيدونا؟ الجواب: زكاة الفطر فريضة عند جمهور أهل العلم وقد ثبتت بأحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ منها: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله

стр. 181

عنهما أن رسول الله ﷺ : (فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حر أو عبد أو رجل أو امرأة صغير أو كبير صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن كل صغيرٍ وكبير حرٍ أو مملوكٍ صاعاً من طعام أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من زبيب فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً من تمر فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عشت) رواه مسلم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ بعث منادياً في فجاج مكة: (ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه صاع من طعام) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. وغير ذلك من الأحاديث. وزكاة الفطر هي زكاة الأبدان بخلاف زكاة الأموال وقد ذكر أهل العلم أن الحكمة من مشروعية زكاة الفطر هي المشار إليها في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين) رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح

стр. 182

على شرط البخاري ولم يخرجاه، وحسَّنه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود حديث رقم ١٤٢٠. ومما ذكره بعض أهل العلم من الحِكَمِ أن زكاة الفطر تطهير وتنقية للصائم مما اقترفه في صيامه من اللغو: وهو الكلام الباطل الذي لا فائدة فيه، أو الرفث: وهو ما قبح وساء من الكلام. قال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة، وقال الشيخ ولي الله الدهلوي: [وإنما وقتت بعيد الفطر لمعانٍ: منها أنها تكمل كونه من شعائر الله، وأن فيها طهرة للصائمين وتكميلاً لصومهم بمنزلة السنن الرواتب في الصلاة] حجة الله البالغة ٢/ ٧٩. وكذلك فإنها من شكر الله على إتمام الشهر، ونعمة إكمال الصيام. وكذلك ما فيها من إشاعة المحبة، وبث السرور بين الناس، وخاصة المساكين، فالعيد يوم فرح وسرور، فاقتضت حكمة الشارع أن يفرض للمسكين في يوم العيد ما يعفّه عن السؤال، ويغنيه عن الحاجة، وقد روي في الحديث قوله ﷺ : (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم) رواه الحاكم والدارقطني وغيرهما، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ابن عباس السابق كما قال العلامة العثيمين في الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/ ١٨١. إذا تقرر هذا فإن شرط وجوب زكاة الفطر أمران: أولهما الإسلام وثانيهما أن يكون عند المسلم ليلة العيد ما يزيد عن قوته وقوت عياله، ولذا لا يشترط لوجوبها ملك النصاب على قول جمهور

стр. 183

العلماء. وبناءً على ذلك تجب زكاة الفطر على كل مسلم حضر رمضان صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، صحيحاً أو مريضاً، مقيماً أو مسافراً، صام أم لم يصم، ومما يدل على ذلك أن النصوص التي أوجبت زكاة الفطر جاءت عامة مطلقة وورد فيها الأنثى ومن المعلوم أن من الإناث من لا تصوم كل رمضان إما للحيض وإما للنفاس وإما أن تكون حاملاً أو مرضعاً، وورد فيها الصغير والكبير، والصغير لفظ عام يشمل كل صغير حتى الرضيع ومن المعلوم أن الصيام ليس بواجب على الصغار وإن صاموا قبل منهم، وكذلك الكبير فمن المعلوم أن من الكبار من لا يطيق الصيام بسبب الهرم كما قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (سورة البقرة الآية ١٨٤. وكذلك فقد يكون من الكبار من هو مريض أو مسافر لا يلزمه الصوم كما قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (سورة البقرة الآية ١٨٤. ومما يؤيد ذلك [أن النبي ﷺ أمر الصحابة رضوان الله عليهم أن يُخرجوا زكاة الفطر، ولم يفصِّل، حيث لم يقل: (من أفطر شيئاً من رمضان فلا زكاة عليه)، ولم يقل: (من كان شيخاً كبيراً فأفطر فلا زكاة عليه)، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه] من موقع الشيخ الشنقيطي عن الإنترنت. ومما يؤيد ذلك ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده عن الشعبي (أنه كان يقول صدقة الفطر

стр. 184

عمن صام من الأحرار وعن الرقيق من صام منهم ومن لم يصم، نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير). وروى أيضاً عن الحسن البصري (أنه قال مثل قول الشعبي فيمن لم يصم من الأحرار) المصنف ٣/ ١٧١. ومما يؤيد ذلك أيضاً ما قاله بعض أهل العلم في تسمية زكاة الفطر بهذا الاسم كأنها من الفطرة التي هي الخلقة، فوجوبها عليها تزكية للنفس، وتنقية لعملها فيدخل في ذلك من صام ومن لم يصم. انظر فقه الزكاة ٢/ ٩١٧. وأما ما نقل عن بعض الفقهاء من أن زكاة الفطر واجبة على من صام رمضان فقط لأنه ورد في الحديث: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين)، فقد أجاب عن ذلك الإمام النووي بقوله [وتعلق من لم يوجبها أنها تطهير والصبي ليس محتاجاً إلى التطهير لعدم الإثم، وأجاب الجمهور عن هذا بأن التعليل بالتطهير لغالب الناس، ولا يمتنع ألا يوجد التطهير من الذنب، كما أنها تجب على من لا ذنب له، كصالح محقق الصلاح، وككافر أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، فإنها تجب عليه مع عدم الإثم] شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٥٠. وأجاب الشيخ الشنقيطي أيضاً بقوله: [والصحيح: ما نص عليه الجماهير من أنها شرعت طعمةً للمساكين وغناءً لهم يوم العيد، وعلى هذا كونها تطهِّر الصائم من اللغو والرفث مشترك مع غيره

стр. 185

من العلة الموجودة، ويجوز تعليل الحكم بعلتين على أصح أقوال الأصوليين، وحينئذٍ يستقيم أن يخاطب بها إعمالاً للأصل؛ لأنه أفطر من رمضان، والمراد أنه دخلت عليه ليلة العيد وهي ليلة الفطر من رمضان. ألا ترى أنهم نصوا على أنه لو أسلم الكافر قبل مغيب الشمس ولو بلحظة أنه تجب عليه زكاة الفطر مع أنه لم يصم، وبناءً على ذلك لا يشترط أن يكون قد صام، بل زكاة الفطر واجبة على من صام أو أفطر بعذر] من موقع الشيخ الشنقيطي عن الإنترنت. وقد سئل الشيخ العلامة العثيمين عمن تجب عليه زكاة الفطر؟ فأجاب فضيلته بقوله: تجب على كل إنسان من المسلمين ذكراً كان أو أنثى، صغيراً كان أم كبيراً، سواء كان صائماً أم لم يصم، كما لو كان مسافراً ولم يصم فإن صدقة الفطر تلزمه] عن الإنترنت. وخلاصة الأمر أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم شهد رمضان صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، صحيحاً أو مريضاً، مقيماً أو مسافراً، صام أم لم يصم. (((

стр. 186

الصدقة الجارية

стр. 187

الصدقة الجارية يقول السائل: ما المقصود بالصدقة الجارية؟ وهل القيام بأعمال التشطيبات في مسجد يُعد من الصدقة الجارية؟ حيث إنه يوجد في منطقتنا مسجد - بناء عظم - ويحتاج إلى تكملة ولديَّ النيةُ لإكماله فهل يدخل ذلك في الصدقة الجارية؟ الجواب: ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم. قال الإمام النووي: [قال العلماء معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلَّفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف] شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٢٥٣. وقال الإمام البغوي: [هذا الحديث يدل على جواز الوقف على وجوه الخير واستحبابه وهو المراد من الصدقة الجارية] شرح السنة ١/ ٣٠٠. فالصدقة الجارية هي التي يستمر نفعها للناس فترة من الزمان ويكون أجرها المتجدد لصاحبها الذي جعلها.

стр. 188

وجاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطاً في سبيل الله، ومن علَّم علماً أجري له عمله ما عمل به، ومن تصدق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، ورجل ترك ولداً صالحاً فهو يدعو له) رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار وفيه راوٍ ضعيف كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٦٧. وورد في الحديث عن سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أربع من عمل الأحياء تجري للأموات: رجل ترك عقباً صالحاً ينفعه دعاؤهم ورجل تصدق بصدقة جارية من بعده له أجرها ما جرت بعده ورجل علَّم علماً فعمل به من بعده له مثل أجر من عمل به من غير أن ينقص من أجر من يعمل به شيء) رواه الطبراني وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير حديث رقم ٨٨٨. ويدخل في الصدقة الجارية أعمال البر وهي كثيرة جداً ومنها بناء المساجد فقد ثبت في الحديث عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البخاري ومسلم. ويدخل في الصدقة الجارية أيضاً المشاركة في بناء المسجد وتعميره ولو كانت المشاركة بمبلغ قليل ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 189

وسلم: (من بنى لله مسجداً قدْر مفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) رواه البزار والطبراني في المعجم الصغير وابن حبان وقال الألباني صحيح كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٢٧. وقوله ﷺ : (قدْر مفحص قطاة) وهو المكان الذي تضع فيه القطاة - طير - بيضها. وهذا يدل على أن الأجر يثبت لمن أسهم في بناء المسجد ولو بشيء قليل لأنه لا يعقل أن يكون المسجد بقدر مفحص قطاة. ومن الصدقة الجارية التبرع بما يلزم المساجد من أثاث وسجاد وأدوات التنظيف ونحوها. ومن الصدقة الجارية ما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته علماً علَّمه ونشَره أو ولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورَّثه أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته) رواه ابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي وحسنه الشيخ الألباني كما في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٧٥. فتوريث المصاحف ووقفها على المساجد والمؤسسات العلمية كالمدارس والجامعات تعتبر صدقة جارية. ومن الصدقة الجارية طباعة كتب العلم النافع وتوزيعها على طلبة العلم وعلى المكتبات العامة وعلى مكتبات المساجد ومكتبات المدارس. ومن الصدقة الجارية بناء مأوى لابن السبيل أو للأيتام أو

стр. 190

للفقراء. ومن الصدقة الجارية مد شبكات المياه ليشرب الناس والحيوان منها، ويؤيد ذلك ما ورد في الحديث عن الحسن البصري عن سعد بن عبادة ﵁ (أن أمه ماتت فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت أفأتصدق عنها قال: نعم قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وقال الألباني حسن كما في صحيح سنن النسائي ٢/ ٧٧٨. وجاء في رواية أخرى عند أبي داود (فحفر - أي سعد- بئراً وقال: هذه لأم سعد). وقال الألباني: حسن لغيره. صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٥٦٧. ويلحق بذلك أيضاً حفر آبار المياه الارتوازية وغيرها ليشرب منها الناس والحيوان. فقد جاء في الحديث عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبد حرَّى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة) رواه ابن خزيمة وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٥٦٧ والكبد الحرَّى أي العطشى، والمراد بالكبد الحرَّى أي حياة صاحبها، والحديث يدل على أن في سقي كل ذي روح أجر. انظر النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٦٤. ومن الصدقة الجارية تركيب المظلات التي تقي الناس من الشمس في الأيام الحارة وتقيهم أيضاً من المطر أيام الشتاء وذلك في مواقف الباصات وفي المدارس وفي المساجد والأماكن العامة وغيرها.

стр. 191

ومن الصدقة الجارية التبرع بثلاجات المياه ووضعها في المساجد أو المدارس أو الأسواق. ومن الصدقة الجارية بناء المستشفيات والعيادات الصحية أو المساهمة فيها وكذلك التبرع بسد احتياجات المستشفيات من الأجهزة الطبية كأجهزة الأشعة والمختبرات وتوفير سيارات الإسعاف والتبرع للمعاقين بالكراسي المتحركة ونحو ذلك. ومن الصدقة الجارية وقف قطعة أرض لتكون مقبرة لموتى المسلمين. ومن الصدقة الجارية وقف سيارة لنقل الموتى. ومن الصدقة الجارية وقف أدوات لازمة لدفن الموتى. ومن الصدقة الجارية إنشاء معاهد العلم أو المساهمة فيها وخاصة معاهد العلم الشرعي كبناء دور القرآن الكريم أو المساهمة في بنائها وتأثيثها وتزويدها بالمصاحف والكتب النافعة. ومن الصدقة الجارية وقف المحلات التجارية أو البيوت السكنية وجعل أجرتها للفقراء والمساكين. وخلاصة الأمر أن باب الصدقة الجارية باب واسع من أبواب الخير ويدخل فيه بلا شك إتمام بناء المسجد وكذا تأثيثه بالسجاد أو ما يلزمه من أدوات كهربائية وثلاجات مياه ونحو ذلك. تمَّ الكتاب بحمد الله تعالى