← Фикх общий

Фикх общий · id 12839

تبصير أولي الألباب ببدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (62 стр.). Показаны 36–62 · переход к 41.

стр. 36

درء تعارض التمسك بالهدي الظاهر مع الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى ويقولون: إن المسلمين المستضعفين يذبحون في بلادهم، والكنيسة الشرقية تتحد مع الكنيسة الغربية للفتك بالمسلمين، واليهود يخططون لاستئصالنا وأنتم تتكلمون في هذه الفرعيات وتثيرون الفتنة؟ والجواب: أن ترك الواجب الشرعي مخافة الفتنة الظنية هو في حد ذاته فتنة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (١). ولا تحدث الفتنة بسبب التناصح بين المؤمنين بالتي هي أحسن، وإنما تحدث من الجدل والعناد مع وضوح الحق، وبيان الحجة. إن ما ذكرتموه من اضطهاد السلمين وضعفهم وتآمر أعدائهم ... إلخ، كل هذا حق ولكنكم أُتيتم من خلطكم بين الأمور، فكلامكم يقبل إذا سلمنا لكم أن التمسك بالفرعيات يتعارض مع مواجهة تآمر الأعداء وجهادهم، والحق أنه لا يلزم التعارض بينهما، إذ إن بيان الحق في الأمور الفرعية لا يتعارض مع جهاد الأعداء إذا كان الهدف هو حقًّا بيان الحق، مع البعد عن الجدل العقيم، وقد واجه الرعيل الأول أخطارًا تهدد كيانهم، ولم يحملهم ذلك على ترك الفرعيات وتقرير الحق فيها وإلزام أنفسهم باللازم منها، ومع ذلك سادوا الأمم، وأسقطوا عروش الكفرة، وأقاموا صرح الِإيمان شامخًا، والذي يَفُتُّ في عَضُدِ السلمين هو من يجادل في الحق بعدما تبين، ويُصِرُّ

стр. 37

على عدم الانقياد له، ويثير الجدالَ بشبهات سقيمة، وليس مَن يدعوهم إلى التمسك بالكتاب والسنة، وإذا كان الكفار مخاطبين بفروع الشريعة على الأرجح (١) فكيف بالمسلمين الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٣) دون تفريق بين فروع وأصول، وبين ظاهر وباطن، وبين "قشر" "ولب"، وربنا جل وعلا قد أمر المؤمنين بالقيام بما شرعه من دينه -ولو كان من القضايا العملية التي يسمونها فروعًا- في أشد أوقات الكفاح، وهو وقت الالتحام المسلح مع الأعداء، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٤) الآية. [وما يتوهمه القوم ما هو إلا نتيجة تخيلهم أن النسبة بين (مواجهة الأعداء والانتصار عليهم) وبين (تعليم المسائل الفرعية والتمسك بها وإن دقت) إنما

стр. 38

هي تباين القابلة، كتباين النقيضين: كالعدم والوجود، والنفي والِإثبات، أو تباين الضدين: كالسواد والبياض، والحركة والسكون، أو تباين المتضائفين: (كالأبوة والبنوة)، والفوق والتحت، أو العدم والملكة: كالبصر والعمى. فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة، كذلك الحركهَ والسكون مثلًا، وكذلك الأبوة والبنوة، فكل ذاتٍ ثبتت لها الأبوة لذات استحالت عليها البنوة لها، بحيث يكون شخص أبًا وابنًا لشخص واحد، كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة، أو الحركة والسكون في جِرْم، وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان، فتخيل هؤلاء أن مواجهة الأعداء والتمسك بالفروع متباينان تباينَ مقابلة بحيث يستحيل اجتماعهما، فكان من نتائج ذلك هذه العارضة المتهافتة، والتحقيق أن النسبة بين الأمرين -بالنظر إلى العقل وحده، وقطع النظر عن النصوص النقلية- إنما هي تباين الخالفة. وضابط المتباينيْنِ تباينَ الخالفة: أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تُبايِنُ حقيقةَ الآخر، ولكنهما يمكن اجتماعُهما عقلًا في ذات أخرى: كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة. فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعهما في ذات واحدة كالثلج، وكذلك الكلام والقعود، فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدًا متكلمًا في وقت واحد، وهكذا فالنسبة بين (جهاد الأعداء ومواجهة تآمرهم) وبين (الدعوة إلى الفروع والتمسك بها وتعليمها للناس) من هذا القبيل، فكما أن الجِرْمَ الأبيضَ يجوز عقلًا أن يكون باردًا كالثلج، والِإنسانَ القاعدَ يجوز عقلًا أن يكون متكلمًا، والتمرة السوداءَ يجوز عقلًا أن يكون مذاقُها حُلْوًا، فكذلك المتمسك بالفروع يجوز عقلًا أن يواجهَ أعداءه، ويجاهدَهم،

стр. 39

إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على أوامر الله المجتنب مناهيه مشتغلًا بجهاد أعدائه بكل ما في طاقته كما لا يخفي، وكما عرفه التاريخ لنبينا ﷺ ، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ (١)، وقوله : ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ (٢) وغير ذلك من النصوص فإن النسبة بين التمسك بالشعائر الإسلامية وبين تنزيل النصر من الله جل وعلا كالنسبة بين الملزوم ولازمه، لأَن التمسك بالدين هو ملزوم النصر، بمعنى أنه يلزم عليه الانتصار كما صرحت الآيات، وهؤلاء المخالفون أظهروا للناس أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين] (٣)، وهؤلاء بدورهم أذعنوا لهم لسذاجتهم وجهلهم، وأنتج ذلك نفرة في قلوبهم، بمجرد سماع من يتكلم في الفروع توهمًا منه أنه يبطل بذلك الجهاد، هذا وإن من البديهي أن فاقد الشيء لا يعطيه، " ولا يستقيم الظل والعود أعوج ". والدولة المسلمة لن تقوم إلّا على أكتاف أولي العزم الذين يلتزمون بكافة أحكام الشرع، ويوافقونها في ظاهرهم وباطنهم لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (٤). والدولة المسلمة ما هي إلا ثمرة لتمسك جنود الِإسلام بكل شرائع دينهم، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) الآية.

стр. 40

والدعوة الِإسلامية الأمينة على الِإسلام لا تساوم على شيء من أحكامه، ولكنها تحفظها كلَّها أداءً للأمانة، وإعذارًا لنفسها أمام الله ﵎. ولا شك أن إنكار المنكرات المتعلقة بالنفس -مع فقدان المانع من تغييرها- من أيسر الأمور، فإذا تساهلنا في هذا مختارين، فكيف ننكر على غيرنا؟ وقد أخبرنا الله أن مصدر الخيرية لهذه الأمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ (١)، وأخبر أن من أسباب ضعف المجتمع تركَ التناهي عن المنكرات والأمر بالعروف، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢)، وتَوَعَّدَنا رسولُ الله ﷺ أن يصيبنا ما أصابهم إذا فعلنا مثلَ فعلهم، وقد عاقب الله من ضَيَّع حظًّا من شريعته في قوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٣)، ودلنا رسول الله ﷺ على المخرج من فتنة الافتراق بقوله: " فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور فإن كلَّ بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار " (٤).

стр. 41

فالمسلمون إذا نزلت بهم مخمصة وشدة فإن من أسباب جلاء الغمة عنهم المزيدَ من التمسك بالسنن والبراءة من البدع، وليس مهادنة أهل البدع، وتثبيط الدعاة إلى السنن. قياس فاسد: ومن أقيستهم العقلية الفاسدة التي يلبسون بها على العوام قولهم: إنما مثل من يتكلم في هذه القشور والفرعيات والأعداء محدقون بنا، كمثل رجل قائم على الشاطىء، وشخص يعالج الأمواج يوشك أن يغرق وقد لبس خاتمًا من ذهب، فيهتف الأول بالثاني منكرًا عليه لُبْسَ خاتَمِ الذهب غيرَ مبالٍ بالخطر المُحْدِقِ به، والذي يكاد أن يُودِىَ بحياته (١). وجواب هذا أن يقال: أنتم تقيسون فرعًا على أصل ليس بينهما أي تماثل، والأصل المقيس عليه حالة ضرورة فلا شك يقدم دفع الضرر الأكبر الذي هو تلف النفس على المنكر الأصغر الذي هو لبس الرجل خاتمًا من ذهب، فكذا إذا دهمنا الأعداء ننفر جميعًا لمواجهتهم دون التفات إلى خلافات فرعية انشغالًا بالمنكر الأكبر. أما الفرع المقيس وهو وضع مجتمعاتنا في هذا الزمان فلا شك أنه في بلادنا -على الأقل- دون حالة الضرورة التي فيها تتلف الأنفس والأديان ويهلك الحرث والنسل، وينفر المسلمون نفيرًا عامًّا بما فيهم الشيوخ والنساء ... وقد يُسْتَنْكَرُ هذا الكلام لأول وهلة، أو يساءُ الظنُّ بقائله، ولكني آتي بالدليل عليه من واقع حياة المعترضين أنفسهم، فأقول: هل واقع حياتكم مثل واقع رجل قد ألقى بنفسه في المخاضة، لا يلوى على شيء

стр. 42

لينقذ غريقًا يصارع الأمواج ويوشك على الغرق؟ وهل هو واقع قوم أتاهم النذير، ونودي فيهم بالنفير العام؟ لماذا إذن تحيون حياة رتيبة هنيئة تتمتعون فيها بالحاجيات بل الكماليات والتحسينيات، تطعمون الفواكه، وتتنعمون في الفرش، وتتنزهون في المتنزهات، وكل هذا لا يُنْكَرُ عليكم، ولا تستنكرونه من غيركم قائلين: " إن الِإسلام مُهَدَّدٌ في وجوده، والمسلمين مضطهدون، وأنتم تأكلون الفواكه، وتتنعمون بالفرش، وتتنزهون في المتنزهات "! فلماذا إذًا تضعون العوائق في طريق السنة، وتضربون لها الأمثال، وترهقون عقولكم في استخراج أمثال هذه الأقيسة العقلية الفاسدة، أفكانت سنة رسول الله ﷺ أهون عليكم من هذه التفاهات الدنيوية؟! أفلا يردعكم عن هذا التثبيط قولُ رسولِ الله ﷺ : " بَلِّغوا عني ولو آية " (١)، ولا قوله ﷺ : " نَضَّرَ الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه غيره " (٢) الحديث، ولا قول أمير المؤمنين عمر ﵁: " دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأى "؟! ولا قول سفيان: " استوصوا بأهل السنة خيرًا، فإنهم غرباء ". ولماذا لا تصرفون جهدكم إلى محاربة المعاندين للسنة المجادلين بغير الحق عن البدع؟ لقد ضرب لنا رسول الله ﷺ مثلًا هو أصدق من قياساتكم

стр. 43

الفاسدة حين قال: " مَثَلُ القائم على حدود الله، والمُدْهِنِ فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضُهم أعلاها، وأصاب بعضُهم أسفلَها، فكان الذين في أسفلِها إذا استقَوْا من الماء مَرُّوا على من فوقَهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقالوا: " لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذِ مَن فوقنا؟ "، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، نَجَوْا ونَجَوْا جميعًا " (١). فالسكوت على المنكرات سواء في فروع أو أصول، ظاهر أو باطن سبب من أسباب نزول العقوبات العامة وعموم الفتنة والعذاب. ...

стр. 44

هذه هي القشور ! إن الدين لُبٌّ كله ليس فيه قشور، إنما القشور ما أحدثه الناس من القيم والأعراف والموازين الشكلية الكاذبة التي صارت تتحكم فيهم وتستعبدهم، وصاروا ينقادون لها كأنها شرع منزل، وإن جهد الدعاة ينبغي أن يُوَجَّهَ لِإبطال هذه العادات والتقاليد " القشرية " الجوفاء، وهاك بعضًا منها على سبيل المثال: * فمنها: ظاهرة "التطوس" في المظاهر القشرية الكاذبة، فترى أحدهم يتزين ويتأنق في مظهره، ويفعل في نفسه ما تفعله الماشطة بعروسها، ويغلو في ذلك إلى حد الرعونة؛ نعم صح عن النبي ﷺ أنه قال: (" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كِبْر "، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: " إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر: بَطَرُ الحق (١)، وغَمْطُ الناس ") (٢). ونعم صح عنه ﷺ أنه قال: " من كان له شعر؛ فليُكرمه " (٣)، وصح عنه ﷺ أنه قال: " من كان له مال، فَلْيُرَ عليه أَثَرُه " (٤)، وعن جابر ﵁ قال: (أتانا رسول الله ﷺ فرأى رجلًا شَعِثًا قد تفرق

стр. 45

شعره، فقال: " أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره "؟ ورأى رجلًا عليه ثياب وَسِخَة فقال: " أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟ " (١). لكن ينبغي أن لا يواظب على دهن شعر رأسه وتسريحه عاكفًا أمام المرآة حتى يكون مظهره شغله الشاغل فقد (نهي رسول الله ﷺ عن الِإرفاه) (٢)، و (نهي ﷺ عن الترجُّل إلا غِبًّا) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: " كُلْ ما شئت، وألبس ما شئت، ما أخطأتْكَ اثنتان: سَرَفٌ، ومَخِيلة " (٤). وعن معاذ بن جبل ﵁ قال رسول الله ﷺ : "إياي والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين" (٥).

стр. 46

وبين ﷺ أن من علامات الحياء من الله والرغبة في الآخرة الِإعراض عن زينة الدنيا: فعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : " استحيوا من الله تعالى حق الحياء، مَن استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة، ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حقَّ الحياء " (١) وندبنا إلى التواضع في المظهر، ووعدنا عليه الأجر والكرامة: فعن معاذ بن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " من ترك اللباسَ تواضعًا لله وهو يقدر عليه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يُخَيِّرَه من أيِّ حلل الِإيمان شاء يلبسها " (٢) وعلَّمنا أن قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم، بأعمالهم لا بأسمالهم: فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " رُبَّ أشعثَ أغبرَ، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه " (٣) وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ مَرَّ عليه رجل، فقال: " ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: " حرىٌّ إن خطب أن يُنكَح، وإن شفع أن يُشَفَّعَ، وإن قال أن يُسْتَمَعَ "، ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال ﷺ : " ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: " حرىٌّ إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يُشَفَّعَ وإن قال أن لا يُسْتَمَعَ " فقال رسول الله ﷺ : " هذا خير من ملء الأرض مثلَ هذا " (٤).

стр. 47

وعن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يُهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : " إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه " (١)، قال: وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميمًا (٢)، فأتاه النبي ﷺ يومًا، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وهو لا يبصره، فقال: " أَرْسِلني! مَنْ هذا؟ "، فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: " من يشتري العبد؟ "، فقال: " يا رسول الله إذًا والله تجدني كاسدًا " (٣)، فقال النبي ﷺ : " لكن عند الله لست بكاسد " أو قال: " لكن عند الله أنت غالٍ " (٤). وفيه مواساة الفقراء، وعدم الالتفات إلى صور الناس لأن العبرة بالقلوب والأعمال. وهكذا تَعَلَّم منه الأصحابُ ﵃، الذين هم أولوا الألباب: فعن عبد الله بن شقيق قال: (كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملًا بمصر، فأتاه رجل من أصحابه، وهو شَعِثُ (٥) الرأس مُشْعان (٦)، قال: ما لى أراك مُشْعَانًا وأنت أمير؟! قال: كان ينهانا عن الِإرفاه، قلنا: ما الِإرفاه؟ قال: " الترجُّل كل يوم ") (٧). وفي طريق أخرى عن يزيد بن هارون عن الجريري عن عبد الله بن بريدة:

стр. 48

(أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ رَحَل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فَقَدِمَ عليه وهو يَمُدُّ ناقةً له، فقال: إني لم آتك زائرًا، وإنما أتيتُك لحديثٍ بَلَغَني عن رسول الله ﷺ رَجَوْتُ أن يكون عندك فيه علمٌ، فرآه شَعِثًا، فقال: " ما لي أراك شَعِثًا وأنت أمير البلد؟ "، قال: " إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الِإرفاه "، ورآه حافيًا، فقال: " ما لي أراك حافيًا؟ " قال: " إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نحتفي أحيانًا ") (١). وهذا ربعي بن عامر يرسله سعد ﵁ قبل القادسية رسولًا إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مَجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: " ضع سلاحك "، فقال: " إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت "، فقال رستم: " ائذنوا له "، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: " ما جاء بكم؟ "، فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَتها، ومن جور الأديان إلى عدل الِإسلام) (٢)، فسلام الله على تلك النفوس التي أعاد الِإسلام صياغتها، فتخلت عن القشور الكاذبة، وأمعنت في التحلى بمعالي الأمور (٣). وعن ابن شهاب قال: "خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام

стр. 49

ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ﵁، فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك "، فقال عمر: " أَوَّه لو يقل ذا غيُرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ !، إنا كنا أذلَّ قوم فَأعزَّنا الله بالِإسلام، فمهما نطلب العِزَّ بغير ما أعزنا الله به؛ أذلنا الله ". وفي رواية: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنوِد وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه، فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام؛ فلن نبتغي العز بغيره) (١). ْودخل أعرابي رَثُّ الهيئة بالي العباءة على أحد الخلفاء، فاقتحمته عينهُ، فعرف الأعرابي ذلك في وجهه، فقال: " يا أمير المؤمنين؟ إن العباءة لا تكلمك، ولكن يكلمك مَن فيها، فأدناه، فإذا به مِدْرَهُ (٢) فصاحة في القول وبلاغة، فجعله من خاصته ". وقال الشافعي ﵀: عَلَيَّ ثيابٌ لو يُباعُ جميعُها ... بفِلْسٍ لكان الفِلْسُ منهن أكثرا وفيهن نفسٌ لو تُقاسُ بمثلها ... نفوسُ الورى (٣) كانت أَعَزَّ وأكبرا وما ضرَّ نَصْلَ السيفِ إِخْلاقُ غِمْدِه (٤) ... إذا كان عَضْبًا (٥) حيث وجَّهْتَهُ فَرَى (٦)

стр. 50

يقول الشاعر المخضرم العباس بن مرداس (*) في هذا المعنى: تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ ... وفي أثوابِهِ أسَدٌ مزيرُ (١) ويُعْجِبُكَ الطَّرِيرُ (٢) فتبْتَلِيهِ ... فيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيْرُ فَمَا عِظَمُ الرِّجَالِ لَهُمْ بِفَخْرٍ ... ولكِنْ فَخْرُهُمْ كَرَمٌ وخيرُ بُغَاثُ (٣) الطَّيْرِ أكْثَرُها فِرَاخًا ... وأُمُّ الصَّقْر مِقْلاتٌ (٤) نَزُورُ (٥) ْضِعَافُ الطَّيْرِ أطْوَلُها جُسومًا ... ولَمْ تَطُلِ البُزاةُ ولا الصُّقُورُ لَقَدْ عَظُمَ البَعيرُ بغَيْرِ لُبٍّ ... فَلَمْ يَسْتَغْنِ بالعِظَمِ البَعِيْرُ يُصَرِّفُهُ الصَّغِيْرُ بكُلِّ وَجْهٍ ... ويَحْبِسُهُ عَلى الخَسْفِ (٦) الجَريرُ (٧)

стр. 51

وتَضْرِبُهُ الوَليْدَةُ بِالهَرَاوي (١) ... فَلا غِيَرٌ لَدَيْهِْ ولَا نَكيرُ فإِنْ أكُ في شِرارِكُمُ قَليلًا ... فإِنِّي في خِيارِكُمُ كَثيرُ (٢) (كان الِإمام النووي ﵀ إذا رآه الرائي ظنه شيخًا من فقراء سكان القرى، فلا يأبه له، ولا يخيل إليه أنه شيء يُذكر، فإذا سمعه يُدَرِّس أو يقرر أو يحدِّث فغر فاه، وحملق بعينيه عجبًا من هذه الأحمال أن تنكشف عن جوهر نفيس، وعبقرية نادرة في العلم والزهد والتقوى، ولا عجب فالتراب مكمن الذهب، ولكن الناس في كل زمان ومكان يغرهم حسن الهيئة، وجمال الهندام، فإذا رأَوْا مَن هذه صفته؛ وقَّروه، وعظموه قبل أن يعرفوا ما وراء هذه البزة، وقد يكون فيها نخاع ضامر، وفكر بائر، وقلب حائر. تَرَوْنَ بلوغَ المجدِ أن ثيابَكم ... يلوحُ عليها حسنُها وبَصيصُها وليس العُلَى دَرَّاعة ورداءها ... ولا جبة موشية وقميصها (٣)) ... ليس الجمالُ بمئزرٍ ... فاعلم وإن رُدِّيتَ بُرْدا إن الجمال معادنٌ ... ومحاسنٌ أورثن مجدا فما بال القوم قد ابتغوا العزة في رباط العنق، وكيِّ الملابس، وأهدروا أموالهم في مظاهر قشرية جوفاء، وإذا ندبت أحدهم إلى الاعتدال انطلق كالصاروخ يسرد لك ما أسعفه من الحجج والمعاذير، في حين أنه بمجرد رؤيته من يتمسك بالسنة وبهدي النبي ﷺ مثلًا في ارتداء القميص (٤)،

стр. 52

والعمامة، والتزام التسوك أو غير ذلك إذا به يشمئز، ويقول: " هذه شكليات وهذه قشور، لا ينبغي الاشتغال بها " فإذا كانت قشورًا لماذا شغلت نفسك بها؟ وهذا الملتزم بالهدي الظاهر لم يوجبها عليك فضلًا عن أن يحثك عليها، ولو فعل فقد أحسن. مفارقات عجيبة (١) ترى بعضهم إذا لمح من إمام الصلاة المتمسك بالسنة اهتمامه الشديد بتسوية صفوف الصلاة ورَصِّها أسوةً بالنبي ﷺ والسلف الصالح، قالوا: هذه شكليات وقشور، بينما تراهم يهتمون أيما اهتمام بتسوية الصفوف وتراصها في الحفلات والاستقبالات، والمدارس والمعسكرات، إلخ، ويقولون: الِإسلام دين النظام والانضباط. وإذا جاء الفقير الدَّيِّنُ الحسن الخُلُق إلى أحدهم يخطب ابنته تمسك بالظاهر، وتشبث بالقشر، وأهمل الجوهر، واعتبر المظهر، وعقَّد الأمور، وغالى في المهر، وإذا تورع عن المغالاة في المهر، وقنع باليسير، طلب أن يظهروا أمام الناس أن مهر ابنته كذا وكذا. * أما القشور في المآتم فحدث ولا حرج عما يقع بسببها من المكروهات والمآثم، إنهم يتباهون بحسن أكفان الموتى، مع أن الحي أولى بالجديد من الميت، وبفخامة البنيان المشيَّد فوق القبور، مع ما في ذلك من المخالفة الصريحة لنهي النبي ﷺ عن البناء فوقها. وإذا كان للميت أقارب من مدن أخرى، تتحول دار أهل الميت إلى فندق ومطعم يستقبل أفواجًا من المعزِّين تقيم الأيام والليالي، ويُستنفر أهل الميت لخدمتهم وتأمين حاجياتهم (٢)، وحدث ولا حرج عن تكاليف السرداقات

стр. 53

واستئجار المقرئين والتباهي بالمشاهير منهم، وربما استدانوا لأجل هذه المظهرية، أو كلفوها من أموال اليتامى القاصرين ظلمًا وعدوانًا: ثلاثةٌ تَشْقَى بِهِنَّ الدَّارُ ... العُرْسُ والمأتَم ثُمَّ الزَّارُ في سبيل التطوس وفي سبيل التطوس، والمظهرية الفارغة يضحى بعضهم بالنفس والنفيس، وربما أشغل ذمته بالدَّين، فأركبه الهم والذلَّ في النهار، وأرَّقه في الليل: * إذا فرح بذَّر في نفقات الِإضاءة، وأسرف في الولائم، مجاراةً للتقاليد الآسرة، ومباراةً للأغنياء والوجهاء، عن أبي هريرة ﵁ قال ﷺ : "المتباريان لا يُجابان، ولا يؤكَلُ طعامُهما " (١). وعنه ﵁ أيضًا: قال ﷺ : " شَرُّ الطعام طعامُ الوليمة، يُمْنَعُها من يأتيها، وُيْدعَى إليها من يأباها، ومن لا يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله " (٢). وعن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : " إن الشيطانَ يَحْضُرُ أحدَكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليُمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلْها، ولا يَدَعْها للشيطان " الحديث (٣). فكيف بمن يُطعم الشيطان ما لذ وطاب من أصناف المأكولات؟! وكيف بمن ينبذ في القمامة أكوامًا من الطعام تبكيها أفواه محرومة، وبطون خاوية؟ ويلقي في المزبلة بقايا الولائم في حين يغلي قلبه حسرة على ما ركبه من ذل الدَّيْن وهمه في سبيل " القشور " الفارغة؟!

стр. 54

ومن مظاهر استعباد " القشور " كثيرًا من المسلمين: زخرفة المساجد، وإنفاق الأموال الطائلة في تزويقها وتشييداها، وقد قال رسول الله ﷺ : " إذا زخرفتم مساجدَكم، وحلَّيتم مصاحفكم، فالدمار عليكم " (١) وعن أنس ﵁ قال ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد " (٢)، (وعن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : " ما أُمِرْتُ بتشييد المساجد " (٣)، قال ابن عباس ﵄: " لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى " (٤)).

стр. 55

وأَمَر عمر ﵁ ببناء المسجد، وقال: " أكِنَّ (١) الناسَ من المطر، وإيَّاك أن تُحَمِّرَ أو تُصَفِّرَ فتفتنَ الناس " (٢). وقال أنس ﵁: " يأتي على الناس زمان يتباهَوْن بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا " (٣). وعن الحسن قال: (لما بنى رسول الله ﷺ المسجد، أعانه عليه أصحابه، وهو يتناول اللَّبِن، حتى اغبرَّ صدرُه، فقال: " ابنوه عريشًا كعريش موسى " (٤)، فقيل للحسن: " وما عريش موسى؟ " قال: " إذا رفع يده بَلَغَ العريش " يعني السقف. وعن عبادة بن الصامت ﵁: (أن الأنصار جمعوا مالًا، فَأَتَوْا به النبيَّ ﷺ ، فقالوا: " يا رسول الله ابْنِ هذا المسجدَ، وزَيِّنْهُ، إلى متى تصلى تحت هذا الجريد؟ "، فقال: " ما بي رغبة عن أخي موسى، عريش كعريش موسى ") (٥). إن انصراف القوم إلى الاهتمام بهذه " القشور " يعكس أنهم يعتاضون عن جمال العقيدة بجمال الجدران والزخارف، وعن نور الِإيمان بأضواء الثريات، فيتلهي المصلون بتأملهم في سجوف المنافذ، وإبداع المنابر، ونقوش الجدران والسقف والمحاريب عن الخشوع الذي هو روح العبادة.

стр. 56

وكان من شؤم هذه الزخارف فتح الباب للسياح الأجانب كي ينتهكوا حرمة المساجد بالكاميرات، وفي أوضاع مخلة لمشاهدة القشور التي يسمونها الفنون المعمارية، والزخارف العربية! ومن الاهمام المذموم بالقشور: تحلية المصاحف بالزخارف، وتذهيبها، وحفظها في عُلَب فخمة من القطيفة أو الجلود أو العاج، لتزيَّن بها أركان الحجرات والمكاتب والسيارات، أو التفنن في كتابة آيات قرآنية كريمة بألوان الخطوط، وتعليقها في لوحات بقصد الزينة، أو حفرها في قطع ذهبية تعلقها النساء بقصد التزين، أو جمع المصحف كله في لوحة واحدة بخط بالغ الدقة لا يقرأ ولو بعدسة مكبرة لتزين بها المجالس، لا ليُقرأ ويتعبد بتلاوته، لا ليعالجوا به أحوالهم المعوجة، وأمراضهم المتمكنة، وإخلالهم بحقوق الله عليهم. ألا ما أشبه حال القوم بحال (رجل اشتد به المرض، فأخرج الوصية لابنه الأكبر، يوصيه بها: أن يعتني بأمه، ويترفق بإخوته الصغار، ويتقي الله تعالى فيما تركه من مال. مات الأب، واغرورقت عينا ولده بالدموع، ورثي لحاله الحاضرون، ثم أقبل على الوصية، فقبَّلها، وتمسَّحَ بها، وتبرَّك، ودفع بها إلى خطَّاط لم يُرَ له مثيل، فخطَّط كل حرف بلون، وتكلف له مالًا جزيلًا مقابل ذلك، كي تخرج بصورة جذابة براقة تبهر الناظرين، ثم دفعها إلى خبير في الِإضاءة كي يسلط الأضواء على الحروف كي تسحر العيون، وتخلب الألباب، ثم وضعها في صدر المجلس، يقبِّلها صباح مساء، ويذرف الدموع أمامها على فقد أبيه. يسمع الابن أنين أمه العجوز خافتًا، فلا يلبِّي، ولا يلتفت، ويُوسِعُ إخوته الصغار ضربًا، ويُشْبِعُهم إهانةً، أما الأموال التي اؤتمن عليها؛ فقد بسط عليها يده كل البسط ليهدرها في كل حرام ومشبوه. وولد آخر أقبل على الوصية دون تقبيل، ولا تمسُّح، ولا تبرك، لم

стр. 57

يزخرفها، ولم يزينها، وإنما أقبل على بر أمه، وخدمها حق الخدمة، يفرح لفرحها ويرعاها، ويبكي لبكائها ويواسيها، يعتني بإخوته، ويرحمهم، ويتابع أحوالهم، ويقضي حاجاتهم، ويتلطف بهم في جميع شئونهم. أما المال الموروث فقد اعتدل في إنفاقه، وثمَّره، ونمَّاه، وزكَّاه، وبذل منه في وجوه البر والخير. فأيهما أبر بأبيه، وأقوم بأمره، وأرعى لعهده؟ أذلك الذي يتمسح بالوصية، ويتبرك بها، ويقبلها؟ مع أنه يهمل تنفيذها أم ذاك الذي أمضى ما فيها، وعمل بمقتضاها؟ وماذا تُغني الزينة والزخرفة والتقبيل؛ إذا لم يكن للتنفيذ موضع؟) (١). لقد أنزل الله كتابه العزيز وأمر بتدبره وتفهمه فقال : ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣) وقال جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤). وتوعَّد سبحانه من أعرض عن كتابه العزيز فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) الَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ

стр. 58

الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (١)، وقال جل وعلا: ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ (٤). ...

стр. 59

معالي الأمور .. لا قشور ثبت عن الحسين بن عليٍّ ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يحب مَعالي الأمور وأشرافها، ويكره سَفسافها " (١). أما معالي الأمور فهي الأخلاق الشرعية، والخصال الدينية، لا الأمور الدنيوية فإن العُلُوَّ فيها نزول (٢). وأما السَّفاسِف فواحدها السَّفْساف: الأمر الحقير، والرديء من كل شيء، وهو ضد المعالي والمكارم، وأصلُه: ما يطير من غُبار الدقيق إذا نُخِل، والتراب إذا أُثير. والسَّفساف من الشِّعْر: رَدِيئُه، وأَسَفَّ: تتبع مَدَاقَّ الأمور، وطلب الأمور الدنيئة (٣). واعلم -رحمك الله- أن ما نطق به النبي ﷺ في أمور الدين ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وأن كل ما تعرض له بأمر أو نهي فهو من معالي الأمور، وأن من وصف شيئًا من ذلك بوصف يوهم الِإزراء أو التنقص فقد أعظم على الله الفرية، وَعرَّض نفسه لغضب الله وعقوبته وانتقامه، نعم هناك في قضايا الدين أصول وفروع، كليات وجزئيات، أهم ومهم، لكن هذه القضايا كلَّها على اختلاف مراتبها وأولويتها من المعالي ليست من السفاسف في شيء، فَمِن ثَمَّ اشتد نكير العلماء على من أطلق

стр. 60

مثل هذه العبارات الفَجَّة، وأَفْتَوْا بزجره وتأديبه: فقد سئل سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: هل يجوز أن يقول المكلف: " إن الشرع قِشرٌ، علم الحقيقة لُبُّه "، أم لا يجوز؟ فأجاب رحمه الله تعالى: (لا يجوز التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون الأمر بالطاعة والِإيمان قشرًا، وأن العلم اللقب بعلم الحقيقة جزء ومن أجزاء علم الشريعة؟! ولا يُطْلِق مثلَ هذه الألقاب إلا ْغَبيٌّ شَقيٌّ قليلُ الأدب! ولو قيل لأحدهم: " إن كلام شيخك قشور "، لأنكر ذلك غاية الِإنكار، وَيُطْلِقُ لفظَ القشور على الشريعة؟!، وليست الشريعة إلا كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ؛ فَيُعَزَّرُ هذا الجاهل تعزيرًا يليق بمثل هذا الذنب) (١) اهـ. وقال الِإمام العلامة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى: ( .. وقولهم: " من أهل القشور " إن أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام؛ فليس من القشور، بل من اللُّبِّ، ومن قال عليه: " إنه من القشور "؛ "استحقَّ الأدب، والشريعة كلُّها لُباب) (٢) اهـ.

стр. 61

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 62

الخاتمة وهكذا أخي المسلم ينبغي أن نذب عن هدي رسول الله ﷺ الذي هو لباب كُلُّه لا قشور ولا نخالة فيه، ونقول: إنما القشور فيما خالف هديه، وإنما النخالة في المبتدعين الذين عظَّموا ما حقَّره، واستصغروا ما كبَّره، وأهدروا ما اعتبره، واعتبروا ما أهدره، ووضعوا ما رفعه، ورفعوا ما وضعه، وليكن لنا أسوةٌ في الأصحاب ﵃ أولي الألباب، الذين لم يعرفوا هذه البدعة المحدثة، ولم ينقسموا إلى أهل جوهر ولباب، وأهل قشور ونخالة، كما زعم أصحاب الجهالة: دخل عائذ بن عمرٍو -وكان من صالحي أصحاب النبي ﷺ - على الخبيث الجريء عبيد الله بن زياد، فقال: (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "شَرُّ الرِّعاء الحُطَمَةُ" (١) فإياك أن تكون منهم، فقال: اجلس إنما أنت من نُخَالَةِ (٢) أصحاب محمد ﷺ ، قال: وهل كانت لهم -أو فيهم- نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم) (٣). وهذا آخر ما تيسر جمعه في هذا الباب، ونسأل الله تعالى العصمة من الزلل، والسدادَ في القول والعمل، وصلي الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. ...